المغني - كتاب اللقيط

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء السادس والعشرون – كتاب اللقيط) • كتاب اللقيط o مسألة: اللقيط حر فصل: أحكام اللقيط إذا وجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فصل: الحكم بإسلام اللقيط وكونه ظاهر ألا يقينا فصل: جناية اللقيط وتحمل بيت المال لها فصل: قذف اللقيط وإقامة الحد عليه o مسألة: نفقة اللقيط من بيت المال إذا لم يوجد معه شيء فصل: حكم ما يوجد مع اللقيط من مال وغيره والانفاق عليه منه o مسألة: ولاء اللقيط لسائر المسلمين o مسألة: منع من وجد اللقيط من السفر به إذا كان غير أمين فصل: حكم لقط من هو مستور الحال فصل: سفر الامين باللقيط إلى مكان يقيم به فصل: ليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه فصل: ليس للكافر التقاط مسلم فصل: حكم ما إذا كان اللاقط اثنين وتناولاه تناولا واحدا فصل: إن رأياه جميعا فسبق أحدهما فأخذه فصل: اختلاف اللاقطين وادعاء كل واحد أنه هو اللاقط o مسألة: اختلاف المسلم والكافر في ادعاء نسب اللقيط فصل: الكلام على القافة وكيفية الالحاق فصل: إن ألحقت القافة الولد بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ورقه فصل: وإذا ادعاه اثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما فصل: إن ادعاه أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة فصل: إذا لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها فصل: فروع في ادعاء اللقيط فصل: إن ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافى بينهما فصل: إن ولدت امرأتان أبنا وبنتا فادعته كل واحدة فصل: لو ادعى اللقيط رجلان فصل: إذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد فصل: إذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه فصل: إن ادعى رق اللقيط بعد بلوغه مدع كلف إجابته فصل: أحكام إقرار اللقيط بالرق بعد نكاحه فصل: تصرف اللقيط بالبيع والشراء فصل: إن جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود

كتاب اللقيط وهو الطفل المنبوذ. واللقيط بمعنى الملقوط، فعيل بمعنى مفعول، كقولهم: قتيل وجريح وطريح. والتقاطه واجب؛ لقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} . ولأن فيه إحياء نفسه، فكان واجبا، كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من الغرق. ووجوبه على الكفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، فإن تركه الجماعة، أثموا كلهم، إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه وروي عن سنين أبي جميلة، قال: وجدت ملفوفا، فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال فاذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته. رواه سعيد، عن سفيان، عن الزهري، سمع سنينا أبا جميلة بهذا، وقال: علينا رضاعه.

مسألة قال: [واللقيط حر] وجملة ذلك أن اللقيط حر، في قول عامة أهل العلم، إلا النخعي قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر. روينا هذا القول عن عمر وعلي رضي الله عنهما. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والشعبي والحكم، وحماد، ومالك، والثوري والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم. وقال النخعي: إن التقطه للحسبة، فهو حر، وإن كان أراد أن يسترقه، فذلك له. وذلك قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر؛ فإن الأصل في الآدميين الحرية، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض، فله حكم الأصل .

فصل ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فأما دار الإسلام فضربان أحدهما, دار اختطها المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة فلقيط هذه محكوم بإسلامه, وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه الثاني دار فتحها المسلمون كمدائن الشام, فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كل أهلها ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال وأما بلد الكفار فضربان أيضا أحدهما بلد كان للمسلمين, فغلب الكفار عليه كالساحل فهذا كالقسم الذي قبله, إن كان فيه مسلم واحد حكم بإسلام لقيطه وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر وقال القاضي: يحكم بإسلامه أيضا لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله, فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام وإن كان في بلد كان للمسلمين ثم غلب عليه المشركون ثم ظهر عليه المسلمون, وأقروا فيه أهله بالجزية فهذا كالقسم الثاني من دار الإسلام الثاني دار لم تكن للمسلمين أصلا كبلاد الهند والروم فإن لم يكن فيها مسلم, فلقيطها كافر لأن الدار لهم وأهلها منهم وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم احتمل أن يحكم بإسلامه, تغليبا للإسلام واحتمل أن يحكم بكفره تغليبا للدار والأكثر وهذا التفصيل كله مذهب الشافعي قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم, على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أن غسله ودفنه في مقابر المسلمين يجب, وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.

فصل وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا لا يقينا لأنه يحتمل أن يكون ولد كافر, فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له به وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم, سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره وإن وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه فهو مرتد لا يقر على كفره وبهذا قال أبو حنيفة وذكر القاضي وجها, أنه يقر على كفره وهو منصوص الشافعي لأن قوله أقوى من ظاهر الدار وهذا وجه مظلم لأن دليل الإسلام وجد عريا عن المعارض وثبت حكمه واستقر, فلم يجز إزالة حكمه بقوله كما لو كان ابن مسلم وقوله لا دلالة فيه أصلا لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه, فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل فأما على قولهم فقال القاضي: إن وصف كفرا يقر أهله عليه بالجزية, عقدت له الذمة فإن امتنع من التزامها أو وصف كفرا لا يقر أهله عليه, ألحق بمأمنه وهذا بعيد جدا فإن هذا اللقيط لا يخلو من أن يكون ابن وثنى حربى فهو حاصل في يد المسلمين بغير عهدة ولا عقد فيكون لواجده, ويصير مسلما بإسلام سابيه أو يكون ابن ذميين أو أحدهما ذمي, فلا يقر على الانتقال إلى غير دين أهل الكتاب أو يكون ابن مسلم أو ابن مسلمين فيكون مسلما قال أحمد, في أمة نصرانية ولدت من فجور: ولدها مسلم لأن أبويه يهودانه وينصرانه وهذا ليس معه إلا أمه وإذا لم يكن لهذا الولد حال يحتمل أن يقر فيها على دين لا يقر أهله عليه, فكيف يرد إلى دار الحرب.

فصل إذا جنى اللقيط جناية تحملها العاقلة فالعقل على بيت المال لأن ميراثه له ونفقته عليه وإن جنى جناية لا تحملها العاقلة, فحكمه فيها غير حكم اللقيط إن كانت توجب القصاص وهو بالغ عاقل اقتص منه وإن كانت موجبة للمال وله مال, استوفى منه وإلا كان في ذمته حتى يوسر وإن جنى عليه في النفس جناية توجب الدية فهي لبيت المال لأنه وارثه وإن كان عمدا محضا, فالإمام مخير بين استيفاء القصاص إن رآه أحظ للملاقيط والعفو على مال وبهذا قال الشافعي وابن المنذر, وأبو حنيفة إلا أنه يخيره بين القصاص والمصالحة وذلك لقول النبي -ﷺ-: (فالسلطان ولى من لا ولى له) وإن جنى عليه فيما دون النفس جناية توجب الأرش قبل بلوغه فلوليه أخذ الأرش وإن كانت عمدا موجبة للقصاص, وللقيط مال يكفيه وقف الأمر على بلوغه ليقتص أو يعفو سواء كان عاقلا أو معتوها وإن لم يكن له مال, وكان عاقلا انتظر بلوغه أيضا وإن كان معتوها فللولى العفو على مال يأخذه له لأن المعتوه ليس له حال معلومة منتظرة, فإن ذلك قد يدوم به والعاقل له حال منتظرة فافترقا وفي الحال التي ينتظر بلوغه, فإن الجانى يحبس حتى يبلغ اللقيط فيستوفي لنفسه وهذا مذهب الشافعي وقد روي عن أحمد رواية أخرى, أن للإمام استيفاء القصاص له وهو مذهب أبي حنيفة لأنه أحد نوعي القصاص فكان للإمام استيفاؤه عن اللقيط كالقصاص في النفس ولنا أنه قصاص لم يتحتم استيفاؤه فوقف على قوله, كما لو كان بالغا غائبا وفارق القصاص في النفس فإن القصاص ليس هو له, إنما هو لوارثه والإمام المتولي له.

فصل وإن قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا حد ثمانين لأنه حر, وإن قذفه قاذف وهو محصن فعليه الحد لأنه محكوم بحريته فإن ادعى القاذف أنه عبد فصدقه اللقيط سقط الحد لإقرار المستحق بسقوط الحد ويجب التعزير لقذفه من ليس بمحصن، وإن كذبه اللقيط وقال إني حر فالقول قوله لأنه محكوم بحريته فقوله موافق للظاهر ولذلك أوجبنا عليه حد الحر إذا كان قاذفا وأوجبنا له القصاص وإن كان الجاني حرا ويحتمل أن يكون القول قول القاذف لأنه يحتمل صحة ما قاله بأن يكون ابن أمة فيكون ذلك شبهة والحد يندرئ بالشبهات، وفارق القصاص له إذا ادعى الجاني عليه أنه عبد لأن القصاص ليس بحد وإنما وجب حقا لآدمي ولذلك جازت المصالحة عنه وأخذ بدله بخلاف حد القاذف، ويتخرج من هذا أن اللقيط إذا كان قاذفا فادعى أنه عبد ليجب عليه حد العبد قبل منه لذلك والأول أصح لأن كل من كان محكوما بحريته لا يسقط الحد عن قاذفه باحتمال رقة بدليل مجهول النسب ولو سقط الحد لهذا الاحتمال لسقط وإن لم يدع القاذف رقه لأنه موجود وإن لم يدعه.

مسألة قال: [وينفق عليه من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق عليه] وجملته أن اللقيط إذا لم يوجد معه شيء لم يلزم الملتقط بالإنفاق عليه, في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد وذلك لأن أسباب وجوب النفقة, من القرابة والزوجية والملك, والولاء منتفية والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك, وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط وتجب نفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه في حديث أبي جميلة: اذهب فهو حر, ولك ولاؤه وعلينا نفقته وفي رواية: من بيت المال ولأن بيت المال وارثه وماله مصروف إليه, فتكون نفقته عليه كقرابته ومولاه فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لا مال فيه, أو كان في مكان لا إمام فيه أو لم يعط شيئا فعلى من علم من المسلمين الإنفاق عليه لقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ولأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه, وحفظه عن ذلك واجب كإنقاذه من الغرق وهذا فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين, فإن تركه الكل أثموا ومن أنفق عليه متبرعا فلا شيء له سواء كان الملتقط أو غيره وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر, وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف وبهذا قال الثوري والشافعي, وأصحاب الرأي وإن أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا بالرجوع عليه فقال أحمد: تؤدى النفقة من بيت المال وقال شريح, والنخعي: يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه وقال عمر بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابا فإن حلف استسعى وقال الشعبي ومالك, والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة, ومحمد بن الحسن والشافعي وابن المنذر: هو متبرع به ولنا أنه أدى ما وجب على غيره, فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه وقد ذكرنا حكم هذا الأصل في موضعه.

 فصل 

فأما إن وجد مع اللقيط شيء فهو له, وينفق عليه منه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأن الطفل يملك وله يد صحيحة, بدليل أنه يرث ويورث ويصح أن يشترى له وليه ويبيع ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة, كالبالغ إذا ثبت هذا فكل ما كان متصلا به أو متعلقا بمنفعته, فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر فمن ذلك ما كان لابسا له, أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه أو مجعولا فيه, كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم والثياب التي تحته والتى عليه وإن كان مشدودا على دابة, أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو في دار, فهي له وأما المنفصل عنه فإن كان بعيدا منه فليس في يده, وإن كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه ففيه وجهان أحدهما, ليس هو له لأنه منفصل عنه فهو كالبعيد والثاني هو له وهو أصح لأن الظاهر أنه ترك له, فهو له بمنزلة ما هو تحته ولأن القريب من البالغ يكون في يده, ألا ترى أن الرجل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده والحمال إذا جلس للاستراحة, ترك حمله قريبا منه فأما المدفون تحته فقال ابن عقيل: إن كان الحفر طريا فهو له, وإلا فلا لأن الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه, وقيل: ليس هو له بحال لأنه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا فلم يكن له إذا كان الحفر طريا كالبعيد منه, ولأن الظاهر أنه لو كان له لشده واضعه في ثيابه ليعلم به, ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه وكل ما حكمنا بأنه ليس له فحكمه حكم اللقطة وما هو له أنفق عليه منه, فإن كان فيه كفايته لم تجب نفقته على أحد لأنه ذو مال فأشبه غيره من الناس إذا ثبت هذا, فإن لملتقطه الإنفاق عليه منه بغير إذن الحاكم ذكره أبو عبد الله بن حامد لأنه ولى له فلم يعتبر في الإنفاق عليه في حقه إذن الحاكم كوصى اليتيم, ولأن هذا من الأمر بالمعروف فاستوى فيه الإمام وغيره كتبديد الخمر وروى أبو الحارث, عن أحمد في رجل أودع رجلا مالا وغاب, وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له هل ينفق عليهم هذا المستودع من مال الغائب؟ فقال: تقوم امرأته إلى الحاكم, حتى يأمره بالإنفاق عليهم فلم يجعل له الإنفاق عليهم من غير إذن الحاكم فقال بعض أصحابنا: هذا مثله والصحيح أن هذا مخالف له من وجهين أحدهما أن الملتقط له ولاية على اللقيط وعلى ماله فإن له ولاية أخذه وحفظه والثاني, أنه ينفق على اللقيط من ماله وهذا بخلافه ولأن الإنفاق على الصبى من مال أبيه مشروط بكون الصبى محتاجا إلى ذلك, لعدم ماله وعدم نفقة تركها أبوه برسمه وذلك لا يقبل فيه قول المودع, فاحتيج إلى إثبات ذلك عند الحاكم ولا كذلك في مسألتنا فلا يلزم من وجوب استئذان الحاكم ثم وجوبه في اللقيط ومتى لم يجد حاكما فله الإنفاق بكل حال لأنه حال ضرورة وقال الشافعي: ليس له أن ينفق بغير إذن الحاكم في موضع يجد حاكما, وإن أنفق ضمن بمنزلة ما لو كان لأبي الصغير ودائع عند إنسان فأنفق عليه منه وذلك لأنه لا ولاية له على ماله, وإنما له حق الحضانة وإن لم يجد حاكما ففي جواز الإنفاق وجهان ولنا ما ذكرناه ابتداء ولا نسلم أنه لا ولاية له على مال فإنا قد بينا أن له أخذه وحفظه, وهو أولى الناس به وذكرنا الفرق بين اللقيط وبين ما قاسوا عليه فإذا ثبت هذا فالمستحب أن يستأذن الحاكم في موضع يجد حاكما لأنه أبعد من التهمة, وأقطع للظنة وفيه خروج به من الخلاف وحفظ لماله من أن يرجع عليه بما أنفق فإذا ثبت هذا, فينبغي أن ينفق عليه بالمعروف كما ذكرنا في ولى اليتيم فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر ما أنفق, وفي التفريط في الإنفاق فالقول قول المنفق لأنه أمين فكان القول قوله في ذلك, كولى اليتيم.

 مسألة 

قال: [وولاؤه لسائر المسلمين] يعني ميراثه لهم فإن اللقيط حر الأصل ولا ولاء عليه, وإنما يرثه المسلمون لأنهم خولوا كل مال لا مالك له ولأنهم يرثون مال من لا وارث له غير اللقيط فكذلك اللقيط وقول الخرقي: " وولاؤه لسائر المسلمين " تجوز في اللفظ, لاشتراك سائر المسلمين ومن له الولاء في أخذ الميراث وحيازته كله عند عدم الوارث هذا هو الظاهر وهو قول مالك والشافعي, وأكثر أهل العلم وقال شريح وإسحاق: عليه الولاء لملتقطه لما روى واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله -ﷺ-: (المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها, ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن, وقال عمر لأبي جميلة في لقطته: هو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته ولنا: قول النبي -ﷺ-: (إنما الولاء لمن أعتق) ولأنه لم يثبت عليه رق, ولا على آبائه فلم يثبت عليه ولاء كالمعروف نسبه, ولأنه إن كان ابن حرين فلا ولاء عليه وإن كان ابن معتقين, فلا يكون عليه ولاء لغير معتقهما وحديث واثلة لا يثبت قاله ابن المنذر وخبر عمر قال ابن المنذر: أبو جميلة رجل مجهول لا تقوم بحديثه حجة ويحتمل أن عمر رضي الله عنه عنى بقوله: ولك ولاؤه أي لك ولايته, والقيام به وحفظه لذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجل صالح وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه لكونه مأمونا عليه دون الميراث إذا ثبت هذا فإن حكم اللقيط في الميراث حكم من عرف نسبه, وانقرض أهله يدفع إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فإن كان له زوجة فلها الربع والباقي لبيت المال وإن كانت امرأة لها زوج, فله النصف والباقي لبيت المال وإن كانت له بنت أو ذو رحم, كبنت بنت أخذت جميع المال لأن الرد وذا الرحم مقدم على بيت المال والله أعلم.

 مسألة 

قال: [وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به] وجملة ذلك أن الملتقط إن كان أمينا أقر اللقيط في يده لأن عمر رضي الله عنه أقر اللقيط في يد أبي جميلة, حين قال له عريفه: إنه رجل صالح ولأنه سبق إليه فكان أولى به لقول النبي -ﷺ-: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) وهل يجب الإشهاد عليه؟ فيه وجهان أحدهما لا يجب, كما لا يجب الإشهاد في اللقطة والثاني يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح, وفارق اللقطة فإن المقصود منها حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع فأما إن كان غير أمين, فظاهر كلام الخرقي أنه يقر في يديه ويمنع من السفر به لئلا يدعى رقه ويبيعه وينبغى أن يجب الإشهاد عليه, ويضم إليه من يشرف عليه لأننا إذا ضممنا إليه في اللقطة من يشرف عليه فهاهنا أولى وقال القاضي: المذهب أنه ينزع من يديه وهذا قول الشافعي لأنه ليس في حفظ اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لفاسق وفارق اللقطة من أوجه أحدها أن في اللقطة معنى الكسب, وليس ها هنا إلا الولاية والثاني أن اللقطة لو انتزعناها منه رددناها إليه بعد الحول فاحتطنا عليها مع بقائها في يديه وها هنا لا ترد إليه بعد الانتزاع منه بحال, فكان الانتزاع أحوط والثالث أن المقصود ثم حفظ المال ويمكن الاحتياط عليه بأن يستظهر عليه في التعريف أو ينصب الحاكم من يعرفها, وها هنا المقصود حفظ الحرية والنسب ولا سبيل إلى الاستظهار عليه لأنه قد يدعى رقه في بعض البلدان أو في بعض الزمان, ولأن اللقطة إنما يحتاج إلى حفظها والاحتياط عليها عاما واحدا وهذا يحتاج إلى الاحتياط عليه في جميع زمانه وأما على ظاهر قول الخرقي فلا ينزع منه لأنه قد ثبتت له الولاية بالتقاطه إياه, وسبقه إليه وأمكن حفظ اللقيط في يديه بالإشهاد عليه وضم أمين يشارفه إليه, ويشيع أمره فيعرف أنه لقيط فيحفظ بذلك من غير زوال ولايته جمعا بين الحقين, كما في اللقطة وكما لو كان الوصى خائنا وما ذكر من الترجيح للقطة فيمكن معارضته بأن اللقيط ظاهر مكشوف لا تخفى الخيانة فيه واللقطة مستورة خفية تتطرق إليها الخيانة, ولا يعلم بها ولأن اللقطة يمكن أخذ بعضها وتنقيصها وإبدالها ولا يتمكن من ذلك في اللقيط ولأن المال محل الخيانة, والنفوس إلى تناوله وأخذه داعية بخلاف اللقيط فعلى هذا متى أراد الملتقط السفر باللقيط منع منه لأنه يبعده ممن عرف فلا يؤمن أن يدعى رقه ويبيعه.

 فصل 

وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال, لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة أقر اللقيط في يديه لأن حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفي أكثر الأحكام, ولأن الأصل في المسلم العدالة ولذلك قال عمر رضي الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على بعض فإن أراد السفر بلقطته ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يديه وهذا مذهب الشافعي لأنه لم يتحقق أمانته فلم تؤمن الخيانة منه والثاني يقر في يديه لأنه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه, فأشبه العدل ولأن الظاهر الستر والصيانة فأما من عرفت عدالته وظهرت أمانته, فيقر اللقيط في يده في سفره وحضره لأنه مأمون عليه إذا كان سفره لغير النقلة.

 فصل 

فإن كان سفر الأمين باللقيط إلى مكان يقيم به نظرنا فإن كان التقطه من الحضر فأراد النقلة به إلى البادية لم يقر في يده لوجهين أحدهما, أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له والثاني أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه, فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به وإن أراد النقلة به إلى بلد آخر من الحضر ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يده لأن بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه, فلم يقر في يده المنتقل عنه قياسا على المنتقل به إلى البادية والثاني يقر في يده لأن ولايته ثابتة, والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في يده كما لو انتقل من أحد جانبى البلد إلى الجانب الآخر, وفارق المنتقل به إلى البادية لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه وإن التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين وإن أقام به في حلة يستوطنها فله ذلك وإن كان ينتقل به في المواضع احتمل أن يقر في يديه لأن الظاهر أنه ابن بدويين, وإقراره في يدي ملتقطه أرجى لكشف نسبه ويحتمل أن يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لأنه أرفه له وأخف عليه وكل موضع قلنا: ينزع من ملتقطه فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه, ممن هو أولى به فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يدي ملتقطه لأن إقراره في يديه مع قصوره أولى من إهلاكه وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه, فملتقطه أولى به إذ لا فائدة في نزعه من يده ودفعه إلى مثله.

 فصل 

وليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ, إذا وجد من يلتقطه سواه لأن منافعه لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه ولأنه لا يثبت على اللقيط إلا الولاية ولا ولاية لعبد فإن التقطه لم يقر في يديه, إلا أن يأذن له السيد فإن أذن له أقر في يديه لأنه استعان به في ذلك, فصار كما لو التقطه بيده وسلمه إليه قال ابن عقيل: إن أذن له السيد لم يكن له الرجوع بعد ذلك وصار كما لو التقطه والحكم في الأمة كالحكم في المكاتب فأما إن لم يجد أحدا يلتقطه سواه وجب التقاطه لأنه تخليص له من الهلاك, فأشبه تخليصه من الغرق والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة, كالقن وكذلك المكاتب لأنه ليس له التبرع بماله, ولا بمنافعه إلا أن يأذن له سيده في ذلك.

 فصل 

وليس للكافر التقاط مسلم لأنه لا ولاية لكافر على مسلم ولأنه لا يؤمن أن يفتنه ويعلمه الكفر, بل الظاهر أنه يربيه على دينه وينشأ على ذلك كولده فإن التقطه لم يقر في يده وإن كان الطفل محكوما بكفره, فله التقاطه لأن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.

 فصل 

وإن التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون ممن يقر في يديه, كالمسلم العدل الحر والآخر ممن لا يقر في يديه كالكافر إذا كان اللقيط مسلما, والفاسق والعبد إذا لم يأذن له سيده والمكاتب, فإنه يسلم إلى من يقر في يده وتكون مشاركة هؤلاء له كعدمها لأنه لو التقطه وحده لم يقر في يده فإذا شاركه من هو من أهل الالتقاط أولى الثاني, أن يكونا جميعا ممن لا يقر في يدي واحد منهما فإنه ينزع منهما ويسلم إلى غيرهما الثالث أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد, إلا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر مثل أن يكون أحدهما موسرا والآخر معسرا فالموسر أحق لأن ذلك أحظ للطفل, وإن التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره فالمسلم أحق وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: هما سواء لأن للكافر ولاية على الكافر, ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه فساوى المسلم في ذلك ولنا أن دفعه إلى المسلم أحظ له لأنه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والآخرة, وينجو من النار ويتخلص من الجزية والصغار فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذي إنما يتعلق به توسعة عليه في الإنفاق, وقد يكون الموسر بخيلا فلا تحصل التوسعة فإن تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيرا والكافر موسرا, فالمسلم أولى لأن النفع الحاصل له بإسلامه أعظم من النفع الحاصل بيساره مع كفره وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغي أن يقدم الجواد على البخيل لأن حظ الطفل عنده أكثر من الجهة التي يحصل له الحظ فيها باليسار وربما تخلق بأخلاقه, وتعلم من جوده الرابع أن يتساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين فهما سواء فيه فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه, وتسليمه إلى صاحبه جاز لأن الحق له فلا يمنع من الإيثار به وإن تشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} ولأنه لا يمكن كونه عندهما لأنه لا يمكن أن يكون عندهما في حالة واحدة وإن تهايآه, فجعل عند كل واحد يوما أو أكثر من ذلك أضر بالطفل لأنه تختلف عليه الأغذية والأنس والإلف ولا يمكن دفعه إلى أحدهما دون الآخر بغير قرعة لأن حقهما متساو فتعيين أحدهما بالتحكم لا يجوز, فتعين الإقراع بينهما كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة, وبين العبيد في الإعتاق والرجل والمرأة سواء ولا ترجح المرأة ها هنا كما ترجح في حضانة ولدها على أبيه لأنها رجحت ثم لشفقتها على ولدها, وتوليها لحضانته بنفسها والأب يحضنه بأجنبية فكانت أمه أحظ له وأرفق به, أما ها هنا فإنها أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه على ما ذكرناه فإن كان أحدهما مستور الحال, والآخر ظاهر العدالة احتمل أن يرجح العدل لأن المانع من الالتقاط منتف في حقه بغير شك والأمر مشكوك فيه, فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أتم ويحتمل أن يتساويا لأن احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر الترجيح.

فصل وإن رأياه جميعا فسبق أحدهما فأخذه, أو وضع يده عليه فهو أحق به لقوله عليه السلام: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) وإن رآه أحدهما قبل صاحبه, فسبق إلى أخذه الآخر فالسابق إلى أخذه أحق لأن الالتقاط هو الأخذ لا الرؤية ولو قال أحدهما لصاحبه: ناولنيه فأخذه الآخر نظرنا إلى نيته, فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق كما لو لم يأمره الآخر بمناولته إياه وإن نوى مناولته فهو للآمر لأنه فعل ذلك بنية النيابة عنه, فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح.

فصل فإن اختلفا فقال كل واحد منهما: أنا التقطته ولا بينة لأحدهما وكان في يد أحدهما, فالقول قوله مع يمينه أنه التقطه ذكر ذلك أبو الخطاب وهذا قول الشافعي وقال القاضي: قياس المذهب أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح ولنا قول النبي -ﷺ-: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه) رواه مسلم فإن كان في أيديهما أقرع بينهما, فمن قرع صاحبه حلف وسلم إليه وعلى قول القاضي: لا تشرع اليمين ها هنا ويسلم إليه بمجرد وقوع القرعة له وإن لم يكن في يد واحد منهما, فقال القاضي وأبو الخطاب: يسلمه الحاكم إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه حق لهما والأولى أن يقرع بينهما كما لو كان في أيديهما لأنهما تنازعا حقا في يد غيرهما, فأشبه ما لو تنازعا وديعة عند غيرهما فإن وصفه أحدهما مثل أن يقول: في ظهره شامة أو بجسده علامة وذكر شيئا في جسده مستورا, فقال أبو الخطاب: يقدم بالصفة وهو قول أبي حنيفة وقال الشافعي: لا يقدم بالصفة كما لو وصف المدعى فإنه لا تقدم به دعواه ولنا أن هذا نوع من اللقطة, فقدم بوصفها كلقطة المال ولأن ذلك يدل على قوة يده, فكان مقدما بها وقياس اللقيط على اللقطة أولى من قياسه على غيرها لأن اللقيط لقطة أيضا وإن كان لأحدهما بينة قدم بها وإن كان لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لأن الثاني إنما أخذ ممن قد ثبت الحق فيه لغيره وإن استوى تاريخهما, أو أطلقتا معا أو أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى فقد تعارضتا وهل يسقطان أو يستعملان؟ فيه وجهان أحدهما, يسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما والثاني يستعملان, ويقرع بينهما فمن قرع صاحبه كان أولى وسنذكر ذلك في بابه -إن شاء الله تعالى- وإن كان اللقيط في يد أحدهما, فهل تقدم بينته على بينة الآخر أو تقدم بينة الخارج؟ فيه وجهان مبنيان على الروايتين في دعوى المال وإن كان أحد المتداعيين ممن لا تقر يده على اللقيط, أقر في يد الآخر ولم يلتفت إلى دعوى من لا يقر في يده بحال.

مسألة قال: [وإذا ادعاه مسلم وكافر أرى القافة, فبأيهما ألحقوه لحق] يعني إذا ادعى نسبه فلا تخلو دعوى نسب اللقيط من قسمين أحدهما أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه فينظر فإن كان المدعى رجلا مسلما حرا, لحق نسبه به بغير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن أن يكون منه لأن الإقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه, ولا مضرة على غيره فيه فقبل كما لو أقر له بمال ثم إن كان المقر به ملتقطه, أقر في يده وإن كان غيره فله أن ينتزعه من الملتقط لأنه قد ثبت أنه أبوه فيكون أحق بولده, كما لو قامت به بينة وإن كان المدعى له عبدا لحق به أيضا لأن لمائه حرمة فلحق به نسبه كالحر وهذا قول الشافعي وغيره, غير أنه لا تثبت له حضانة لأنه مشغول بخدمة سيده ولا تجب عليه نفقته لأنه لا مال له ولا على سيده لأن الطفل محكوم بحريته, فتكون نفقته في بيت المال وإن كان المدعى ذميا لحق به لأنه أقوى من العبد في ثبوت الفراش فإنه يثبت له بالنكاح والوطء في الملك وقال أبو ثور: لا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه ولنا أنه أقر بنسب مجهول النسب, يمكن أن يكون منه وليس في إقراره إضرار بغيره فيثبت إقراره, كالمسلم إذا ثبت هذا فإنه يلحق به من النسب لا في الدين ولا حق له في حضانته وقال الشافعي, في أحد قوليه: يتبعه في دينه لأن كل ما لحقه في نسبه يلحق به في دينه كالبينة إلا أنه يحال بينه وبينه, ولنا أن هذا حكم بإسلامه فلا يقبل قول الذمي في كفره كما لو كان معروف النسب ولأنها دعوى تخالف الظاهر, فلم تقبل بمجردها كدعوى رقه ولأنه لو تبعه في دينه لم يقبل إقراره بنسبه لأنه يكون إضرارا به, فلم تقبل كدعوى الرق أما مجرد النسب بدون اتباعه في الدين فمصلحة عارية عن الضرر, فقبل قوله فيه ولا يجوز قبوله فيما هو أعظم الضرر والخزى في الدنيا والآخرة وإن كان المدعى امرأة فاختلف عن أحمد -رحمه الله- , فروي أن دعواها تقبل ويلحقها نسبه لأنها أحد الأبوين فيثبت النسب بدعواها, كالأب ولأنه يمكن أن يكون منها كما يمكن أن يكون ولد الرجل, بل أكثر لأنها تأتى به من زوج ووطء بشبهة ويلحقها ولدها من الزنى دون الرجل, ولأن في قصة داود وسليمان عليهما السلام حين تحاكم إليهما امرأتان كان لهما ابنان فذهب الذئب بأحدهما, فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها وأن الذي أخذه الذئب ابن الأخرى فحكم به داود للكبرى, وحكم به سليمان للأخرى بمجرد الدعوى منهما وهذا قول بعض أصحاب الشافعي فعلى هذه الرواية يلحق بها دون زوجها لأنه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه, لم يلحق بزوجته فإن قيل: الرجل يمكن أن يكون له ولد من امرأة أخرى أو من أمته والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها, ولا يحل وطؤها لغيره قلنا: يمكن أن تلد من وطء شبهة أو غيره وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر فإن قيل: إنما قبل الإقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة, بدفع العار عن الصبى وصيانته عن النسبة إلى كونه ولد زنا ولا يحصل هذا بإلحاق نسبه بالمرأة, بل إلحاقه بها دون زوجها تطرق للعار إليه وإليها قلنا: بل قبلنا دعواه لأنه يدعى حقا لا منازع له فيه ولا مضرة على أحد فيه فقبل قوله فيه, كدعوى المال وهذا متحقق في دعوى المرأة والرواية الثانية أنها إن كان لها زوج, لم يثبت النسب بدعواها لإفضائه إلى إلحاق النسب بزوجها بغير إقراره ولا رضاه أو إلى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة, وفي ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به وإن لم يكن لها زوج قبلت دعواها لعدم هذا الضرر وهذا أيضا وجه لأصحاب الشافعي والرواية الثالثة, نقلها الكوسج عن أحمد في امرأة ادعت ولدا: إن كان لها إخوة أو نسب معروف لا تصدق إلا ببينة, وإن لم يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه لأنه إذا كان لها أهل ونسب معروف لم تخف ولادتها عليهم, ويتضررون بإلحاق النسب بها لما فيه من تعييرهم بولادتها من غير زوجها وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعواها بحال وهذا قول الثوري, والشافعي و أبي ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة لأنها يمكنها إقامة البينة على الولادة فلا يقبل قولها بمجرده كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها ولنا أنها أحد الوالدين, فأشبهت الأب وإمكان البينة لا يمنع قبول القول كالرجل, فإنه تمكنه البينة أن هذا ولد على فراشه وإن كان المدعى أمة فهي كالحرة إلا أننا إذا قبلنا دعواها في نسبه, لم نقبل قولها في رقه لأننا لا نقبل الدعوى فيما يضره كما لم نقبل الدعوى في كفره إذا ادعى نسبه كافر. القسم الثاني أن يدعى نسبه اثنان فصاعدا, والكلام في ذلك في فصول: أحدها أنه إذا ادعاه مسلم وكافر أو حر وعبد فهما سواء وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: المسلم أولى من الذمي, والحر أولى من العبد لأن على اللقيط ضررا في إلحاقه بالعبد والذمى فكان إلحاقه بالحر المسلم أولى كما لو تنازعوا في الحضانة ولنا أن كل واحد منهم إذا انفرد صحت دعواه, فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين وما ذكروه من الضرر لا يتحقق, فإننا لا نحكم برقه ولا كفره ولا يشبه النسب الحضانة بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضرى ولا نقدمهما في دعوى النسب قال ابن المنذر إذا كان عبد, امرأته أمة في أيديهما صبي فادعى رجل من العرب امرأته عربية أنه ابنه من امرأته, فأقام العبد بينة بدعواه أنه ابنه فهو ابنه في قول أبي ثور وغيره وقال أصحاب الرأي: يقضى به للعربى للعتق الذي يدخل فيه, وكذلك لو كان المدعى من الموالى عبدهم وقولهم هذا غير صحيح لأن العرب وغيرهم في أحكام الله ولحوق النسب بهم سواء. الفصل الثاني: أنه إذا ادعاه اثنان فكان لأحدهما به بينة فهو ابنه وإن أقاما بينتين, تعارضتا وسقطتا ولا يمكن استعمالهما ها هنا لأن استعمالهما في المال إما بقسمته بين المتداعيين, ولا سبيل إليه ها هنا وإما بالإقراع بينهما والقرعة لا يثبت بها النسب فإن قيل: فإن ثبوته ها هنا يكون بالبينة لا بالقرعة, وإنما القرعة مرجحة قلنا: فيلزم أنه إذا اشترك رجلان في وطء امرأة فأتت بولد يقرع بينهما, ويكون لحوقه بالوطء لا بالقرعة. الفصل الثالث: أنه إذا لم تكن به بينة أو تعارضت به بينتان وسقطتا, فإنا نريه القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فنلحقه بمن ألحقته به منهما هذا قول أنس, وعطاء ويزيد بن عبد الملك والأوزاعي, والليث والشافعي و أبي ثور وقال أصحاب الرأي: لا حكم للقافة, ويلحق بالمدعيين جميعا لأن الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين فإن الشبه يوجد بين الأجانب وينتفى بين الأقارب, ولهذا روى عن النبي -ﷺ- (أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله إن امرأتى ولدت غلاما أسود, فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم قال: فما ألوانها؟ قال: حمر قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: إني أتاها ذلك؟ قال: لعل عرقا نزع قال: وهذا لعل عرقا نزع) متفق عليه قالوا: ولو كان الشبه كافيا لاكتفى به في ولد الملاعنة وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون ولنا ما روى عن عائشة رضي الله عنها (, أن النبي -ﷺ- دخل عليها يوما مسرورا, تبرق أسارير وجهه فقال: ألم ترى أن مجززا المدلجى نظر آنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رءوسهما, وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟) متفق عليه فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي -ﷺ- ولا اعتمد عليه ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة فلم ينكره منكر, فكان إجماعا ويدل على ذلك قول النبي -ﷺ- في ولد الملاعنة: (انظروها فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها, وإن جاءت به أكحل جعدا جماليا, سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو للذى رميت به فأتت به على النعت المكروه, فقال النبي -ﷺ-: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) فقد حكم به النبي -ﷺ- للذى أشبهه منهما وقوله: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه وكذلك قول النبي -ﷺ- في ابن أمة زمعة حين رأى به شبها بينا بعتبة بن أبي وقاص: (احتجبى منه يا سودة) فعمل بالشبه في حجب سودة عنه فإن قيل: فالحديثان حجة عليكم, إذ لم يحكم النبي -ﷺ- بالشبه فيهما بل ألحق الولد بزمعة (وقال لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش, وللعاهر الحجر) ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها لشبهه بالمقذوف قلنا: إنما لم يعمل به في ابن أمة زمعة لأن الفراش أقوى وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها, لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض وكذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أيمانها بدليل قوله: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب فإن الحد في الزنى لا يثبت إلا بأقوى البينات, وأكثرها عددا وأقوى الإقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات, ويدرأ بالشبهات والنسب يثبت بشهادة امرأة واحدة على الولادة ويثبت بمجرد الدعوى, ويثبت مع ظهور انتفائه حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة لحقه ولدها, فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد ولأنه حكم بظن غالب ورأى راجح, ممن هو من أهل الخبرة فجاز كقول المقومين, وقولهم: إن الشبه يجوز وجوده وعدمه قلنا: الظاهر وجوده ولهذا (قال: النبي -ﷺ- حين قالت أم سلمة: أو ترى ذلك المرأة؟ قال: فمن أين يكون الشبه؟) والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه وعزمه على نفيه لذلك, يدل على أن العادة خلافه وأن في طباع الناس إنكاره وأن ذلك إنما يوجد نادرا, وإنما ألحقه النبي -ﷺ- به لوجود الفراش وتجوز مخالفة الظاهر لدليل ولا يجوز تركه من غير دليل, ولأن ضعف الشبه عن نفى النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته فإن النسب يحتاط لإثباته ويثبت بأدنى دليل, ويلزم من ذلك التشديد في نفيه وأنه لا ينتفى إلا بأقوى الأدلة كما أن الحد لما انتفى بالشبه, لم يثبت إلا بأقوى دليل فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا فإن قيل: فهاهنا إن عملتم بالقافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به قلنا: إنما انتفى النسب ها هنا لعدم دليله لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى, وقد عارضها مثلها فسقط حكمها وكان الشبه مرجحا لأحدهما, فانتفت دلالة أخرى فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه, كاليد تقدم عليها البينة ويعمل بها.

فصل والقافة قوم يعرفون الإنسان بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة, بل من عرف منه المعرفة بذلك وتكررت منه الإصابة فهو قائف وقيل: أكثر ما يكون في بنى مدلج رهط مجزز المدلجى الذي رأى أسامة وأباه زيدا قد غطيا رءوسهما, وبدت أقدامهما فقال: " إن هذه الأقدام بعضها من بعض " وكان إياس بن معاوية المزنى قائفا وكذلك قيل في شريح ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكرا, عدلا مجربا في الإصابة حرا لأن قوله حكم, والحكم تعتبر له هذه الشروط قال القاضي: وتعتبر معرفة القائف بالتجربة وهو أن يترك الصبى مع عشرة من الرجال غير من يدعيه ويرى إياهم, فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لأنا نتبين خطأه وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه, فإن ألحقه به لحق ولو اعتبر بأن يرى صبيا معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه فإذا ألحقه بقريبه, علمت إصابته وإن ألحقه بغيره سقط قوله جاز وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته, وإن لم تجربه في الحال بعد أن يكون مشهورا بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كبيرة جاز وقد روينا أن رجلا شريفا شك في ولد له من جاريته, وأبى أن يستلحقه فمر به إياس بن معاوية في المكتب وهو لا يعرفه, فقال: ادع لي أباك فقال له المعلم: ومن أبو هذا؟ قال: فلان قال: من أين علمت أنه أبوه؟ قال: هو أشبه به من الغراب بالغراب فقام المعلم مسرورا إلى أبيه فأعلمه بقول إياس فخرج الرجل وسأل إياسا, فقال: من أين علمت أن هذا ولدى؟ فقال: سبحان الله وهل يخفى ولدك على أحد إنه لأشبه بك من الغراب بالغراب فسر الرجل, واستلحق ولده وهل يقبل قول واحد أو لا يقبل إلا قول اثنين؟ فظاهر كلام أحمد أنه لا يقبل إلا قول اثنين, فإن الأثرم روى عنه أنه قيل له: إذا قال أحد القافة: هو لهذا وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا, فهو لهذا لأنه قول يثبت به النسب فأشبه الشهادة وقال القاضي: يقبل قول الواحد لأنه حكم ويقبل في الحكم قول واحد وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين, فقال: إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا وإن قال اثنان قولا وخالفهما واحد, فقولهما أولى لأنهما شاهدان فقولهما أقوى من قول واحد وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع وإن عارض قول الاثنين ثلاثة فأكثر, لم يرجح وسقط الجميع كما لو كانت إحدى البينتين اثنين, والأخرى ثلاثة أو أكثر فأما إن ألحقته القافة بواحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان لاحقا بالأول لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم, ومتى حكم الحاكم حكما لم ينتقض بمخالفة غيره له وكذلك إن ألحقته بواحد ثم عادت فألحقته بغيره لذلك فإن أقام الآخر بينة أنه ولده حكم له به وسقط قول القائف لأنه بدل, فيسقط بوجود الأصل كالتيمم مع الماء.

فصل وإن ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم بكفره ولا رقه لأن الحرية والإسلام ثبتا له بظاهر الدار, فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد وإنما قبلنا قول القائف في النسب للحاجة إلى إثباته, ولكونه غير مخالف للظاهر ولهذا اكتفينا فيه بمجرد الدعوى من المنفرد ولا حاجة إلى إثبات رقه وكفره, وإثباتهما يخالف الظاهر ولو ادعى نسب اللقيط إنسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى, ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الأول لأنه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى فإن ألحقته به القافة, لحق به وانقطع عن الأول لأنها بينة في إلحاق النسب ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى, كالشهادة.

فصل وإذا ادعاه اثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما, وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد وهذا يروى عن عمر, وعلى رضي الله عنهما وهو قول أبي ثور وقال أصحاب الرأي: يلحق بهما بمجرد الدعوى وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من والد فإذا ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم لهما واحتج برواية عن عمر رضي الله عنه أن القافة قالت: قد اشتركا فيه فقال عمر: وال أيهما شئت ولأنه لا يتصور كونه من رجلين, فإذا ألحقته القافة بهما تبينا كذبهما فسقط قولهما, كما لو ألحقته بأمين ولأن المدعيين لو اتفقا على ذلك لم يثبت, ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا, ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما ولنا ما روى سعيد, في " سننه ": ثنا سفيان عن يحيى عن سعيد عن سليمان بن يسار, عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما وبإسناده عن الشعبي قال: وعلى يقول: هو ابنهما, وهما أبواه يرثهما ويرثانه ورواه الزبير بن بكار بإسناده عن عمر وقال الإمام أحمد حديث قتادة عن سعيد عن عمر, جعله بينهما وقابوس عن أبيه عن على جعله بينهما وروى الأثرم, بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما, فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا القافة فنظروه فقالوا: نراه يشبههما فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه قال سعيد: عصبته الباقي منهما وما ذكروه عن عمر لا نعلم صحته, وإن صح فيحتمل أنه ترك قول القافة لأمر آخر إما لعدم ثقتهما وإما لأنه ظهر له من قولهما واختلافهما ما يوجب تركه, فلا ينحصر المانع من قبول قولهما في أنهما اشتركا فيه قال أحمد: إذا ألحقته القافة بهما ورثهما وورثاه فإن مات أحدهما, فهو للباقى منهما ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء ومعنى قوله: " هو للباقى منهما " والله أعلم, أنه يرثه ميراث أب كامل كما أن الجدة إذا انفردت أخذت ما يأخذه الجدات والزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات.

فصل وإن ادعاه أكثر من اثنين, فألحقته بهم القافة فنص أحمد في رواية مهنا, أنه يلحق بثلاثة ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ألحقته القافة وإن كثروا وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين وهو قول أبي يوسف لأنا صرنا إلى ذلك للأثر فيقتصر عليه وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة وهو قول محمد بن الحسن وروى ذلك عن أبي يوسف أيضا ولنا أن المعنى الذي لأجله لحق باثنين, موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه وإذا جاز أن يلحق من اثنين, جاز أن يلحق من أكثر من ذلك وقولهم: إن إلحاقه بالاثنين على خلاف الأصل ممنوع وإن سلمناه لكنه ثبت لمعنى موجود في غيره, فيجب تعدية الحكم به كما أن إباحة أكل الميتة عند المخمصة أبيح على خلاف الأصل لا يمنع من أن يقاس على ذلك مال غيره, والصيد الحرمى وغيرهما من المحرمات لوجود المعنى, وهو إبقاء النفس وتخليصها من الهلاك وأما قول من قال: إنه يجوز إلحاقه بثلاثة ولا يزاد على ذلك, فتحكم فإنه لم يقتصر على المنصوص عليه ولا عدى الحكم إلى كل ما وجد فيه المعنى, ولا نعلم في الثلاثة معنى خاصا يقتضي إلحاق النسب بهم فلم يجز الاقتصار عليه بالتحكم.

فصل وإذا لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها, أو تعارضت أقوالها أو وجد من لا يوثق بقوله لم يرجح أحدهما بذكر علامة في جسده لأن ذلك لا يرجح به في سائر الدعاوى, سوى الالتقاط في المال واللقيط ويضيع نسبه هذا قول أبي بكر وقد أومأ أحمد -رحمه الله- , في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد إلى أن الابن يخير أيهما أحب وهو قول أبي عبد الله بن حامد قال: يترك حتى يبلغ, فينتسب إلى من أحب منهما وهو قول الشافعي الجديد وقال في القديم: حتى يميز لقول عمر: وال أيهما شئت ولأن الإنسان يميل بطبعه إلى قريبه دون غيره ولأنه مجهول نسبه, أقر به من هو من أهل الإقرار وصدقه المقر له فيثبت نسبه, كما لو انفرد وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدعيين بمجرد الدعوى لأن كل واحد منهما لو انفرد سمعت دعواه فإذا اجتمعا وأمكن العمل بهما, وجب كما لو أقر له بمال ولنا أن دعواهما تعارضتا ولا حجة لواحد منهما, فلم تثبت كما لو ادعيا رقه وقولهم: يميل بطبعه إلى قرابته قلنا: إنما يميل إلى قرابته بعد معرفته بأنها قرابته فالمعرفة بذلك سبب الميل, ولا سبب قبله ولو ثبت أنه يميل إلى قرابته لكنه قد يميل إلى من أحسن إليه, فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقد يميل إليه لإساءة الآخر إليه, وقد يميل إلى أحسنهما خلقا أو أعظمهما قدرا أو جاها أو مالا فلا يبقى للميل أثر في الدلالة على النسب وقولهم: إنه صدق المقر بنسبه قلنا: لا يحل له تصديقه فإن النبي -ﷺ- لعن من ادعى إلى غير أبيه, أو تولى غير مواليه وهذا لا يعلم أنه أبوه فلا يأمن أن يكون ملعونا بتصديقه ويفارق ما إذا انفرد, فإن المنفرد يثبت النسب بقوله من غير تصديق وأما قول عمر: وال من شئت فلم يثبت ولو ثبت لم يكن فيه حجة فإنه إنما أمره بالمولاة لا بالانتساب وعلى قول من جعل له الانتساب إلى أحدهما, لو انتسب إلى أحدهما ثم عاد وانتسب إلى الآخر ونفى نسبه من الأول, أو لم ينتسب إلى واحد لم يقبل منه لأنه قد ثبت نسبه فلا يقبل رجوعه عنه, كما لو ادعى منفرد نسبه ثم أنكره ويفارق الصبى الذي يخير بين أبويه فيختار أحدهما, ثم يرد الآخر إذا اختاره فإنه لا حكم لقول الصبي, وإنما تبع اختياره وشهوته فأشبه ما لو اشتهى طعاما في يوم ثم اشتهى غيره في يوم آخر وإن قامت للآخر بنسبه بينة, عمل بها وبطل انتسابه لأنها تبطل قول القافة الذي هو مقدم على الانتساب, فلأن تبطل الانتساب أولى وإن وجدت قافة بعد انتسابه فألحقته بغير من انتسب إليه بطل انتسابه أيضا لأنه أقوى, فبطل به الانتساب كالبينة مع قول القافة.

فصل وإن ادعت امرأتان نسب ولد فذلك مبنى على قبول دعواهما فإن كانتا ممن لا تقبل دعواهما, لم تسمع دعواهما وإن كانت إحداهما ممن تسمع دعواها دون الأخرى فهو ابنها كالمنفردة به وإن كانتا جميعا ممن تسمع دعوتهما, فهما في إثباته بالبينة أو كونه يرى القافة مع عدمها كالرجلين قال أحمد في رواية بكر بن محمد في يهودية ومسلمة ولدتا, فادعت اليهودية ولد المسلمة فتوقف فقيل: يرى القافة؟ فقال: ما أحسنه ولأن الشبه يوجد بينها وبين ابنها, كوجوده بين الرجل وابنه بل أكثر لاختصاصها بحمله وتغذيته, والكافرة والمسلمة والحرة والأمة في الدعوى واحدة, كما قلنا في الرجل وهذا قول أصحاب الشافعي على الوجه الذي يقولون فيه بقبول دعواها وإن ألحقته القافة بأمين لم يلحق بهما, وبطل قول القافة لأننا نعلم خطأه يقينا وقال أصحاب الرأي: يلحق بهما بمجرد الدعوى لأن الأم أحد الأبوين فجاز أن يلحق باثنين كالآباء ولنا أن كونه منهما محال يقينا فلم يجز الحكم به, كما لو كان أكبر منهما أو مثلهما وفارق الرجلين فإن كونه منهما ممكن, فإنه يجوز اجتماع النطفتين لرجلين في رحم امرأة فيمكن أن يخلق منهما ولد كما يخلق من نطفة الرجل والمرأة ولذلك قال القائف لعمر: قد اشتركا فيه ولا يلزم من إلحاقه بمن يتصور كونه منه, إلحاقه بمن يستحيل كونه منه كما لم يلزم من إلحاقه بمن يولد مثله لمثله إلحاقه بأصغر منه.

فصل فإن ادعى نسبه رجل وامرأة فلا تنافى بينهما لأنه يمكن أن يكون منهما بنكاح كان بينهما, أو وطء شبهة فيلحق بهما جميعا ويكون ابنهما بمجرد دعواهما, كما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى وإن قال الرجل: هذا ابنى من زوجتى وادعت زوجته ذلك وادعته امرأة أخرى فهو ابن الرجل, وهل ترجح زوجته على الأخرى؟ يحتمل وجهين أحدهما ترجح لأن زوجها أبوه فالظاهر أنها أمه ويحتمل أن يتساويا لأن كل واحدة منهما لو انفردت لألحق بها, فإذا اجتمعتا تساوتا.

فصل وإن ولدت امرأتان أبنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما أن الابن ولدها دون البنتاحتمل وجهين: أحدهما: أن ترى المرأتين القافة مع الولدين فيلحق كل واحد منهما بمن ألحقته به كما لو لم يكن لهما ولد آخر الثاني: أن نعرض لبنيهما على أهل الطب والمعرفة فإن لبن الذكر يخالف لبن الأنثى في طبعه وزنته، وقد قيل لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبران بطباعهما ووزنهما وما يختلفان به عند أهل المعرفة، فمن كان لبنها لبن الابن فهو ولدها والبنت للأخرى، فإن لم يوجد قافة اعتبرنا اللبن خاصة، وإن تنازعا أحد الوالدين وهما جميعا ذكران أو انثيان عرضوا على القافة كما ذكرنا فيما تقدم.

فصل ولو ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما: هو ابنى وقال الآخر: هو ابنتى نظرنا فإن كان ابنا فهو لمدعيه, وإن كانت بنتا فهي لمدعيها لأن كل واحد منهما لا يستحق غير ما ادعاه وإن كان خنثى مشكلا أرى القافة معهما لأنه ليس قول واحد منهما أولى من الآخر وإن أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه فالحكم فيهما كالحكم فيما لو انفرد كل واحد منهما بالدعوى لأن بينة الكاذب منهما كاذبة, وجودها كعدمها والأخرى صادقة فيتعين الحكم بها.

فصل وإذا وطئ رجلان امرأة في طهر واحد, وطئا يلحق النسب بمثله فأتت بولد يمكن أن يكون منهما مثل أن يطآ جارية مشتركة بينهما في طهر, أو يطأ رجل امرأة آخر أو أمته بشبهة في الطهر الذي وطئها زوجها أو سيدها فيه بأن يجدها على فراشه, فيظنها زوجته أو أمته أو يدعو زوجته في ظلمة فتجيبه زوجة آخر أو جاريته, أو يتزوجها كل واحد منهما تزويجا فاسدا أو يكون نكاح أحدهما صحيحا والآخر فاسدا مثل أن يطلق رجل امرأته فينكحها آخر في عدتها ووطئها, أو يبيع جارية فيطؤها المشترى قبل استبرائها وتأتى بولد يمكن أن يكون منهما فإنه يرى القافة معهما, فبأيهما ألحقوه لحق والخلاف فيه كالخلاف في اللقيط.

فصل وإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لأنها ممكنة وإن كانت مخالفة لظاهر الدار, فإن لم تكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر ويفارق دعوى النسب من وجهين أحدهما, أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق مخالفة له والثاني أن دعوى النسب نثبت بها حقا للقيط, ودعوى الرق تثبت حقا عليه فلم تقبل بمجردها كما لو ادعى رق غير اللقيط فإذا لم تكن له بينة, سقطت الدعوى وإن كانت له بينة لم تخل إما أن تشهد باليد أو بالملك أو بالولادة فإن شهدت بالملك أو باليد, لم تقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن شهدت بالولادة, قبل فيه امرأة واحدة أو رجل واحد لأنه مما لا يطلع عليه الرجال ثم ننظر فإن شهدت البينة باليد فإن كانت للملتقط, لم يثبت بها ملك لأننا عرفنا سبب يده فإن كانت لأجنبى حكم له باليد, والقول قوله مع يمينه في الملك وإن شهدت بالملك فقالت: نشهد أنه عبده أو مملوكه حكم بها, وإن لم تذكر سبب الملك كما لو شهدت بملك دار أو ثوب فإن شهدت بأن أمته ولدته في ملكه حكم له به لأن أمته لا تلد في ملكه إلا ملكه وإن شهدت أنه ابن أمته, أو أن أمته ولدته ولم تقل: في ملكه احتمل أن يثبت له الملك بذلك كقولها في ملكه لأن أمته ملكه, فنماؤها ملكه كسمنها واحتمل أن لا يثبت الملك لأنه يجوز أن تلده قبل ملكه لها فلا تكون له وهو ابن أمته.

فصل وإن ادعى رق اللقيط بعد بلوغه مدع, كلف إجابته فإن أنكر ولا بينة للمدعى لم تقبل دعواه, وإن كانت له بينة حكم له بها فإن كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء, نقضت تصرفاته لأنه بان أنه تصرف بغير إذن سيده وإن لم تكن بينة فأقر بالرق, نظرنا فإن كان اعترف لنفسه بالحرية قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق لأنه اعترف بالحرية, وهي حق لله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطالها وإن لم يكن اعترف بالحرية, احتمل وجهين أحدهما يقبل وهو قول أصحاب الرأي لأنه مجهول الحال أقر بالرق, فيقبل كما لو قدم رجلان من دار الحرب فأقر أحدهما للآخر بالرق وكما لو أقر بقصاص أو حد, فإنه يقبل وإن تضمن ذلك فوات نفسه ويحتمل أن لا يقبل وهو الصحيح لأنه يبطل به حق الله تعالى في الحرية المحكوم بها فلم يصح, كما لو أقر قبل ذلك بالحرية ولأنه محكوم بحريته فلم يقبل إقراره بالرق, كما ذكرنا ولأن الطفل المنبوذ لا يعلم رق نفسه ولا حريتها, ولم يتجدد له حال يعرف به رق نفسه لأنه في تلك الحال ممن لا يعقل ولم يتجدد له رق بعد التقاطه فكان إقراره باطلا وهذا قول القاسم, وابن المنذر وللشافعي وجهان كما ذكرنا فإن قلنا: يقبل إقراره صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه دون ماله وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وهو أحد قولي الشافعي لأنه أقر بما يوجب حقا له وحقا عليه, فوجب أن يثبت ما عليه دون ما له كما لو قال: لفلان على ألف درهم ولى عنده رهن ويحتمل أن يقبل إقراره في الجميع وهو القول الثاني للشافعي لأنه ثبت ما عليه, فيثبت ما له كالبينة ولأن هذه الأحكام تبع للرق, فإذا ثبت الأصل بقوله ثبت التبع كما لو شهدت امرأة بالولادة, تثبت ويثبت النسب تبعا لها وأما إن أقر بالرق ابتداء لرجل فصدقه فهو كما لو أقر به جوابا وإن كذبه بطل إقراره ثم إن أقر به بعد ذلك لرجل آخر, جاز وقال بعض أصحابنا: يتوجه أن لا يسمع إقراره الثاني لأن إقراره الأول تضمن الاعتراف بنفى مالك له سوى هذا المقر فإذا بطل إقراره برد المقر له بقي الاعتراف بنفى مالك له غيره, فلم يقبل إقراره بما نفاه كما لو أقر بالحرية ثم أقر بعد ذلك بالرق ولنا أنه إقرار لم يقبله المقر له فلم يمنع إقراره ثانيا, كما لو أقر له بثوب ثم أقر به لآخر بعد رد الأول وفارق الإقرار بالحرية فإن إقراره بها لم يبطل ولم يرد. فصل إذا قبلنا إقراره بالرق بعد نكاحه لم يخل من أن يكون ذكرا أو أنثى, فإن كان ذكرا فإن كان قبل الدخول فسد نكاحه في حقه لأنه مقر أنه عبد تزوج بغير إذن سيده, ولها عليه نصف المهر لأنه حق عليه فلم يسقط بقوله وإن كان بعد الدخول, فسد نكاحه أيضا ولها عليه المهر جميعه لما ذكرنا لأن الزوج يملك الطلاق فإذا أقر بما يوجب الفرقة, لزمته وولده حر تابع لأمه وإن كان متزوجا بأمة فولده لسيدها, ويتعلق المهر برقبته لأن ذلك من جناياته ويفديه سيده أو يسلمه وإن كان في يده كسب استوفى المهر منه لأنه لم يثبت إقراره به لسيده بالنسبة إلى امرأته, فلا ينقطع حقها منه بإقراره وإن قلنا: يقبل قوله في جميع الأحكام فالنكاح فاسد لكونه تزوج بغير إذن سيده ويفرق بينهما, ولا مهر لها عليه إن لم تكن مدخولا بها وإن كان دخل بها فلها عليه المهر المسمى جميعه, في إحدى الروايتين والأخرى خمساه وإن كان اللقيط أنثى فالنكاح صحيح في حقه وإن كان قبل الدخول, فلا مهر لها لإقرارها بفساد نكاحها وأنها أمة تزوجت بغير إذن سيدها والنكاح الفاسد لا يجب المهر فيه إلا بالدخول وإن كان دخل بها, لم يسقط مهرها ولسيدها الأقل من المسمى أو مهر المثل لأن المسمى إن كان أقل فالزوج ينكر وجوب الزيادة عليه, وقولها غير مقبول في حقه وإن كان الأقل مهر المثل فهي وسيدها يقران بفساد النكاح, وأن الواجب مهر المثل فلا يجب أكثر منه إلا على الرواية التي يجب فيها المسمى في النكاح الفاسد, فيجب ها هنا المسمى قل أو كثر لاعتراف الزوج بوجوبه وأما الأولاد, فأحرار ولا تجب قيمتهم لأنه لو وجب لوجب بقولها ولا يجب بقولها حق على غيرها, ولا يثبت الرق في حق أولادها بإقرارها فأما بقاء النكاح فيقال للزوج: قد ثبت أنها أمة ولدها رقيق لسيدها, فإن اخترت المقام على ذلك فأقم وإن شئت ففارقها وسواء كان ممن يجوز له نكاح الإماء أو لم يكن لأننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه, لكان إفسادا للعقد جميعه بقولها لأن شروط نكاح الأمة لا تعتبر في استدامة العقد إنما تعتبر في ابتدائه فإن قيل: فقد قبلتم قولها في أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج قلنا: لم يقبل قولها في إيجاب حق لم يدخل في العقد عليه, فأما الحكم في المستقبل فيمكن إيفاء حقه وحق من ثبت له الرق عليها بأن يطلقها, فلا يلزمه ما لم يدخل عليه أو يقيم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها فإن طلقها اعتدت عدة الحرة لأن عدة الطلاق حق للزوج, بدليل أنها لا تجب إلا بالدخول وسببها النكاح السابق فلا يقبل قولها في تنقيصها وإن مات, اعتدت عدة الأمة لأن المغلب فيها حق الله تعالى بدليل وجوبها قبل الدخول فقبل قولها فيها ومن قال بقبول قولها في جميع الأحكام, فهذه أمة قد تزوجت بغير إذن سيدها فنكاحها فاسد ويفرق بينهما وإن كان قبل الدخول, فلا مهر لها وإن كان دخل بها وجب لها مهر أمة نكحت بغير إذن سيدها على ما ذكر في موضعه وهل ذلك مهر المثل, أو المسمى؟ فيه روايتان وتعتد حيضتين لأنه وطء في نكاح فاسد وأولاده أحرار لاعتقاده حريتها فإنه مغرور بحريتها, وعليه قيمتهم يوم الوضع وإن مات عنها لم تجب عدة الوفاة. فصل وإن كان قد تصرف ببيع أو شراء فتصرفه صحيح, وما عليه من الحقوق والأثمان يؤدي مما في يديه وما فضل عليه ففي ذمته لأن معامله لا يعترف برقه ومن قال بقبول إقراره في جميع الأحكام قال بفساد عقوده كلها, وأوجب رد الأعيان إلى أربابها إن كانت باقية وإن كانت تالفة وجبت قيمتها في رقبته, إن قلنا: إن ما استدان العبد بغير إذن سيده فهو في رقبته وإن قلنا بأن استدانة العبد في ذمته فهذا كذلك ويتبع به بعد العتق لأنه ثبت رضي صاحبه. فصل وإن كان قد جنى جناية موجبة للقصاص, فعليه القود, حرا كان المجني عليه أو عبدا ؛ لأن إقراره بالرق يقتضي وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا, فقبل إقراره فيه. وإن كانت الجناية خطأ, تعلق أرشها برقبته ؛ لأن ذلك مضر به. فإن كان أرشها أكثر من قيمته, وكان في يده مال, استوفي منه, وإن كان مما تحمله العاقلة, لم يقبل قوله في إسقاط الزيادة ؛ لأن ذلك يضر بالمجني عليه, فلا يقبل قوله فيه. وقيل: تجب الزيادة في بيت المال ؛ لأن ذلك كان واجبا للمجني عليه, فلا يقبل قوله في إسقاطه. وإن جني عليه جناية موجبة للقود, وكان الجاني حرا, سقط ؛ لأن الحر لا يقاد منه للعبد, وقد أقر للمجني عليه بما يسقط القصاص. وإن كانت موجبة لمال يقل بالرق, وجب أقل الأمرين. وإن كان مساويا للواجب قبل الإقرار, وجب, ويدفع الواجب إلى سيده. وإن كان الواجب يكثر لكون قيمته عبدا أكثر من ديته حرا, لم يجب إلا أرش الجناية على الحر. ومن قبل قوله في الأحكام كلها, أوجب أرش الجناية على العبد. وإن كان الأرش تحمله العاقلة إذا كان حرا, سقط عن العاقلة, ولم يجب على الجاني ؛ لأن إقراره بالرق يتضمن إقراره بالسقوط عن العاقلة, ولم يقبل في إيجابه على الجاني, فسقط. وقيل: لا يتحول عن العاقلة. ومن قال: لا يقبل إقراره في الأحكام كلها. أوجب الأرش على الجاني.