المغني - كتاب الزكاة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

المغني موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي

(الجزء الرابع – كتاب الزكاة) • كتاب الزكاة o فصل: حكم من أنكر الزكاة o فصل: حكم من منع الزكاة o مسألة: ذكر زكاة الإبل o مسألة: كيفية زكاة السائمة أكثر السنة o فصل: ما يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة o فصل: في إخراج بعير عن الشاة o فصل: في الشاة المخرجة تكون كحال الإبل في الجودة والرداءة o مسألة: كيفية الزكاة في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين o فصل: في الإخراج عن الواجب سنا أعلى من جنسه o فصل: إخراج الزكاة من جنس الماشية وعلى صفتها o مسألة: كيفية الزكاة إذا زادت الماشية على عشرين ومائة o فصل: في كيفية إخراج الفرض من النوعين o مسألة: فيمن وجبت عليه حقة وليست عنده o فصل: جواز الانتقال إلى السن الثالث مع الجبران o فصل: في العدول إلى السن السفلى مع دفع الجبران o فصل: عدم دخول الجبران في غير الإبل o فصل: تفسير الأوقاص • باب صدقة البقر o مسألة: ليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة o مسألة: في الثلاثين من البقر المسومة أكثر السنة o فصل: رضا رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع o فصل: عدم خروج الذكر في الزكاة أصلا إلا في البقر o مسألة: الجواميس كغيرها من البقر o فصل: اختلاف الرواية في بقر الوحش o فصل: وجوب الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي • باب صدقة الغنم o مسألة: ليس فيما دون أربعين من الغنم سائمة صدقة o مسألة: في كل مائة شاة شاة o مسألة: ما لا يؤخذ في الصدقة o فصل: عدم جواز إخراج المعيبة عن الصحاح o مسألة: عدم جواز إخراج الربى والماخض والأكولة o مسألة: زكاة السخال o فصل: انعقاد حول الزكاة بامتلاك نصاب من الصغار o مسألة: ما يجزئ في صدقة الغنم o مسألة: لا خلاف بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة o فصل: الإخراج من غير الجنس في قليل الإبل وشاة الجبران o مسألة: اختلاط جماعة في خمس من الإبل o فصل: في اختلاط بعض مال رجل مع مال رجل آخر o فصل: اعتبار اختلاطهم في جميع الحول o فصل: ثبوت حكم الانفراد لأحدهما دون صاحبه o فصل: زكاة من يملك أربعين شاة o فصل: الخليطان تجب عليهما زكاة الخلطة o مسألة: التراجع في الحصص o فصل: أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل o فصل: امتلاك رجل أربعين شاة في المحرم o فصل: فيمن ملك عشرين من الإبل في المحرم وخمسًا في صفر o فصل: فيمن كانت سائمته في بلدان شتى وبينهما مسافة o فصل: لا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية o مسألة: الصدقة لا تجب إلا على أحرار المسلمين o مسألة: الصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما o مسألة: زكاة السيد تشمل ما في يد عبده o فصل: زكاة من كان بعضه حُرًا o مسألة: لا زكاة على مكاتب o مسألة: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول o فصل: زكاة من استفاد مالا مما يعتبر له الحول ولا مال له سواه o فصل: اعتبار وجود النصاب في جميع الحول o فصل: في ادعاءات رب المال o مسألة: جواز تقديم الزكاة o فصل: تعجيل زكاة نصاب من الماشية o فصل: تعجيل الزكاة لأكثر من حول o فصل: حكم تعجيل زكاة المال وحولان الحول والنصاب ناقص o فصل: في عدم إجزاء ما تعجل من الزكاة o فصل: في عدم إجزاء ما تعجل من العشر من الزرع والثمر o فصل: في حكم من تعجل زكاة ماله ثم مات o مسألة: حكم من قدم زكاة ماله ثم مات قبل الحول o فصل: رجوع رب المال في زكاته المعجلة o فصل: حكم هلاك الزكاة في يد الإمام الذي تسلفها o مسألة: عدم جواز الزكاة إلا بنية o فصل: جواز تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير o فصل: في شك المزكي في مال له غائب o مسألة: أخذ الإمام للزكاة قهرًا o فصل: إشراف المزكي بنفسه على تفريق زكاته o فصل: ما يقال عند دفع الزكاة o فصل: جواز دفع الزكاة إلى الكبير والصغير o فصل: دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا o مسألة: عدم إعطاء الوالدين من الصدقة المفروضة o فصل: جواز ذفع الزكاة لمن لا يرث من الأقارب o مسألة: عدم جواز دفع الزكاة للزوج ولا للزوجة o فصل: جواز دفع الزكاة لليتيم الأجنبي o فصل: ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه o فصل: فيما إذا دعت الحاجة إلى شراء الصدقة o فصل: في رجل له على رجل دين برهن o مسألة: زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك o مسألة: العاملون عليها يعطون من الزكاة بحق ما عملوا o فصل: الزكاة يعطي منها أجر الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ والراعي o فصل: عدم إعطاء الكافر من الزكاة إلا لكونه مؤلفًا o فصل: جواز إعطاء الزكاة لمن اجتمعت فيه أسباب الأخذ o مسألة: عدم حل الصدقة لبني هاشم o مسألة: عدم حل الصدقة لموالي بني هاشم o فصل: موقف بني المطلب من الأخذ من الزكاة o فصل: حرمة الصدقة على أزواج النبي ـ ﷺ ـ o فصل: منع ذوي القربى الصدقة وإن كانوا عاملين o فصل: جواز الأخذ من صدقة التطوع لذوي القربى o فصل: جواز دفع صدقة التطوع لمن حرم صدقة الفرض o فصل: حرمة جميع الصدقة على النبي ـ ﷺ ـ o مسألة: لا خلاف في حرمة إعطاء الغني من سهم الفقراء والمساكين o فصل: عدم جواز دفع الزكاة للمرأة المتزوجة بزوج موسر ينفق عليها o مسألة: الزكاة لا تعطى إلا في الثمانية أصناف المنصوص عليها o فصل: عدم جواز صرف الزكاة في غير وجوهها o فصل: في إعطاء من يظن فقره فبان غناه o مسألة: سقوط حق العامل من الزكاة o مسألة: إجزاء الزكاة المعطاة في صنف واحد o فصل: جواز دفع الزكاة للفقير بما لا يحصل به حد الغنى عن أخذ الزكاة o فصل: كل صنف من أصناف الزكاة يدفع إليه ما تندفع به حاجته من غير زيادة o فصل: أربعة أصناف يأخذون الزكاة أخذا مستقرا ولا يراعى حالهم بعد الدفع o مسألة: عدم جواز نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة o فصل: إجزاء الصدقة المنقولة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة o فصل: استغناء فقراء أهل بلد يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر o فصل: زكاة الرجل يكون في بلد وماله في بلد o فصل: استحباب تفرقة الصدقة في بلدها o فصل: أخذ الساعي الصدقة واحتياجه إلى بيعها o مسألة: بيع ماشية قبل الحول بمثلها o فصل: زكاة الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم o مسألة: عدم إبطال الزكاة بانتقالها o فصل: إخراج الزكاة من جنس المال المبيع دون الموجود o مسألة: وجوب الزكاة في الذمة بحلول الحول o فصل: امتلاك خمس من الأبل وعدم تأدية زكاتها أحوالاً o فصل: وجوب الزكاة بحلول الحول o فصل: الزكاة لا تسقط بتلف المال o فصل: عدم سقوط الزكاة بموت رب المال o فصل: تأخير الزكاة لدفعها إلى من هو أحق بها o فصل: تأخير الزكاة وتضييعها لا يسقطها o فصل: الزكاة في ضمان رب المال o فصل: تأدية الزكاة الماضية o فصل: استحباب بدء الأقارب بالزكاة o فصل: لا زكاة فيما ينبت من المباح الذي لا يملك o فصل: لا زكاة فيما ليس بحب ولا ثمر o فصل: اختلاف الرواية في زكاة الزيتون o فصل: زكاة الزروع والثمار o فصل: كيفية اعتبار الخمسة أوسق o فصل: زكاة العلس o فصل: نصاب الزيتون خمسة أوسق o فصل: وجوب العشر فيما سقي بغير مؤنة o فصل: زكاة ما سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة o فصل: زكاة الحائطين سقي أحدهما بمؤنة والآخر بغير مؤنة o مسألة: مقدارا الوسق والصاع o فصل: اعتبار النصاب تحديدًا o فصل: لا وقص في نصاب الحبوب والثمار o فصل: وجوب العشر مرة واحدة o فصل: وقت وجو ب الزكاة في الحب والثمار o فصل: استقرار وجوب الزكاة o فصل: تصرف المالك يكون قبل الخرص وبعده o فصل: شراء الثمار قبل بدو صلاحها o فصل: عدم وجوب الزكاة في الثمار التالفة قبل بدو صلاحها والزرع قبل اشتداد حبه o فصل: إرسال الإمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها o فصل: إجزاء خارص واحد o فصل: وصفة الخرص تختلف باختلاف الثمرة o فصل: ادعاء رب المال غلط الخارص o فصل: وجوب ترك الخارص الثلث أو الربع o فصل: خرص النخل والكرم o فصل: عدم خرص الزيتون o فصل: وقت الإخراج للزكاة بعد التصفية والجفاف o فصل: جواز قطع الثمرة قل كمالها o فصل: كيفية إخراج الزكاة o فصل: زكاة الزيتون مما لا زيت له o فصل: زكاة العسل العشر o مسألة: الأرض تكون صلحًا وعنوة o فصل: حد أرض الصلح وأرض العَنْوَة o فصل: فتوحات المسلمين الجديدة o فصل: الأرض التي جلا عنها أهلها خوفا من المسلمين o فصل: عدم جواز شراء شيء من الأرض الموقوفة ولا بيعه o فصل: الأرض تكون في يد المشتري على ما كانت في يد البائع o فصل: فعل الإمام كحكم الحاكم o فصل: حكم إقطاع الأرض حكم بيعها o فصل: المساكن لا بأس بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها o مسألة: الخراج في حكم الجزية o فصل: العشر في مال غلة الأرض o فصل: العشر في الأرض المستأجرة o فصل: كراهية بيع الأرض من الذمي وإجارته منه o مسألة: ضم الحنطة إلى الشعير في الزكاة o فصل: ضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض o فصل: ضم الذهب إلى الفضة o فصل: الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه o فصل: ضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض o فصل: ضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض • باب زكاة الذهب والفضة: o مسألة: لا زكاة فيما دون المائتي درهم إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة o مسألة: ما دون العشرين لا زكاة فيه إلا أن يتم بورق أو عروض تجارة o فصل: لا زكاة في الذهب أو الفضة المغشوشين أو المختلطين بغيرهما o مسألة: إذا تمت الفضة مائتين والدنانير عشرين فالواجب فيها ربع عشرها o مسألة: لا زكاة في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين o فصل: إخراج الزكاة من جنس المال o فصل: حكم إخراج أحد النقدين عن الآخر o مسألة: ليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تعيره o فصل: قليل الحلي وكثيره سواء في الإباحة والزكاة o فصل: الحلي المكسور كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس فهو كالصحيح لا زكاة فيه o فصل: دخول نية التجارة في الحلي الملبوس o فصل: اعتبار النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن o فصل: الزكاة في الحلي المرصعة من الجوهر تكون في الذهب والفضة دون الجوهر o فصل: حكم اتخاذ المرأة حليا ليس لها o فصل: ما يباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر o مسألة: ليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة o مسألة: آنية الذهب والفضة في اقتنائهما العصيان والزكاة o فصل: ما كان اتخاذه محرمًا من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه o فصل: كل ما يحرم اتخاذه ففيه الزكاة o مسألة: الخمس في الركاز o فصل: وجوب الخمس في الجميع o الفصل الأول: الركاز o الفصل الثاني: وجود الركاز في أرض موات o فصل: الركاز لواجده في الدار المكتراة o الفصل الثالث: في صفة الركاز الذي فيه الخمس o الفصل الرابع: في قدر الواجب في الركاز ومصرفه o مسألة: وجوب الزكاة باستخراج عشرين مثقالا من الذهب o الفصل الثاني: في قدر الواجب وصفته o الفصل الثالث: في نصاب المعادن o الفصل الرابع: في وقت الوجوب o فصل: زكاة المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان o فصل: المعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها o فصل: جواز بيع تراب المعدن والصاغة بغير جنسه o فصل: فيمن أجر داره فقبض كراها فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول • باب زكاة التجارة o مسألة: عروض التجارة o فصل: زكاة العروض من قيمتها دون عينها o فصل: شرطان في العرض التجاري o فصل: امتلاك نصاب للتجارة في أوقات متفرقة o مسألة: مراعاة الأحظ للمساكين عند تقويم السلع o فصل: شراء عرض للتجارة بنصاب من الأثمان o فصل: شراء نصاب من السائمة للتجارة o فصل: شراء نخل أو أرض للتجارة o مسألة: عدم سقط حكم التجارة بمجرد النية o فصل: تعاقب نيتي التجارة والإسامة o فصل: في شراء ما ليس بنصاب للتجارة فنما حتى صار نصابا o فصل: شراء شقص للتجارة بألف o فصل: ربح التجارة حوله حول أصله o فصل: إذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته • باب زكاة الدين والصدقة o مسألة: لا زكاة على من كان معه مائتا درهم وعليه دين o فصل: الدين يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة o فصل: الدين يمنع الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه o فصل: دَيْن الله o فصل: الدين لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة o فصل: تعلق الجناية برقبة العبد o مسألة: الدين على المليء o فصل: لا فرق بين الحال والمؤجل o فصل: امتلاك الأجرة من حين العقد o فصل: حولان الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع o فصل: الغنيمة o مسألة: زكاة المال المغصوب o فصل: لا زكاة في السائمة المغصوبة المعلوفة o فصل: ضلال واحدة من النصاب أو أكثر o فصل: إسرار المالك لا يسقط عنه الزكاة o فصل: لا زكاة على المرتد o مسألة: زكاة اللقطة o مسألة: زكاة الصداق o فصل: زكاة الصداق إن كان دَيْنًا o مسألة: زكاة الماشية المبيعة بشرط الخيار • باب صدقة الفطر o مسألة: وجوب زكاة الفطر على كل مسلم o فصل: عدم وجوب الزكاة على الكافر o فصل: زكاة المسلم المملوك لكافر o مسألة: الواجب في صدقة الفطر صاع عن كل إنسان o فصل: الأصل في الصاع الكيل o مسألة: زكاة الأجناس غير المنصوص عليها o مسألة: إجزاء الأقط في الزكاة o مسألة: إجزاء التمر في الزكاة واستحباب العجوة منه o فصل: الأفضل بعد التمر البر o مسألة: عدم جواز العدول عن الأصناف المنصوص عليها مع القدرة عليها o فصل: جواز إخراج السلت o فصل: جواز إخراج السلت o فصل: عدم جواز إخراج الخبز زكاة o فصل: جواز إخراج أي صنف من المنصوص عليه o مسألة: عدم إجزاء القيمة o مسألة: خروج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى o فصل: وقت وجوب إخراج زكاة الفطر o مسألة: جواز تقديم زكاة الفطر قبل العيد بيومين o مسألة: زكاة الفطر تكون عن النفس وعن العيال o فصل: زكاة العبيد على سيدهم o فصل: وجوب زكاة الفطر على العبد الحاضر والغائب o فصل: زكاة عبيد العبيد o فصل: زكاة زوجة العبد o فصل: زكاة المنفق عليه على المنفق كزكاة العبد التي تلزم سيده o مسألة: صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها o فصل: هل تجب الزكاة فيما بقي من بعض صاع؟ o فصل: زكاة فطر لزوجة تلزمها إن أعسر زوجها o فصل: جواز إخراج زكاة من وجبت فطرته على غيره بنفسه o فصل: لا زكاة فطر لمن له دار يحتاج إلى سكناها أو إلى أجرها لنفقته o مسألة: المكاتب تلزمه زكاة فطره o فصل: المكاتب تلزمه زكاة فطره وزكاة فطر من يمونه o مسألة: إذا ملك جماعة عبدًا أخرج كل واحد منهم صاعًا o فصل: العبد المشترك زكاة فطره عليه وعلى سيده o فصل: زكاة فطر الملحوق بالقافة كزكاة العبد المشترك o مسألة: زكاة الفطر جائزة لمن يستحق زكاة االمال o فصل: جواز إعطاء زكاة الفطر للأقارب المستحقين لزكاة المال o مسألة: جواز إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة o مسألة: استحسان إخراج الزكاة عن الجنين o مسألة: من كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين مثله o فصل: موت من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها o فصل: موت المفلس الممتلك للعبيد تكون زكاتهم على الورثة o فصل: صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات o فصل: أولوية التصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام


كتاب الزكاة قال أبو محمد بن قتيبة: الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه يقال: زكا الزرع, إذا كثر ريعه وزكت النفقة إذا بورك فيها وهي في الشريعة حق يجب في المال فعند إطلاق لفظها في موارد الشريعة ينصرف إلى ذلك والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة, وهي واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله وإجماع أمته أما الكتاب, فقول الله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. وأما السنة (فإن النبي ـ ﷺ ـ بعث معاذا إلى اليمن فقال: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) متفق عليه في أي وأخبار سوى هذين كثيرة وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها, واتفق الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على قتال مانعيها فروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: لما توفي النبي ـ ﷺ ـ وكان أبو بكر, وكفر من كفر من العرب فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ـ ﷺ ـ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟) فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ـ ﷺ ـ لقاتلتهم على منعها قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال, فعرفت أنه الحق ورواه أبو داود وقال: " لو منعوني عقالا " قال أبو عبيد: العقال صدقة العام قال الشاعر: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ** فكيف لو قد سعى عمرو عقالين وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عقالها ومن رواه "عناقا " ففي روايته دليل على أخذ الصغيرة من الصغار.

فصل: فمن أنكر وجوبها جهلا به, وكان ممن يجهل ذلك إما لحداثة عهده بالإسلام أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار عرف وجوبها, ولا يحكم بكفره لأنه معذور وإن كان مسلما ناشئا ببلاد الإسلام بين أهل العلم فهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثا, فإن تاب وإلا قتل لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا تكاد تخفى على أحد ممن هذه حاله فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه الكتاب والسنة, وكفره بهما.

فصل: وإن منعها معتقدا وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها وعزره, ولم يأخذ زيادة عليها في قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة, ومالك والشافعي وأصحابهم وكذلك إن غل ماله فكتمه حتى لا يأخذ الإمام زكاته, فظهر عليه وقال إسحاق بن راهويه وأبو بكر عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده, عن النبي - ﷺ- أنه كان يقول: (في كل سائمة الإبل في كل أربعين بنت لبون لا تفرق عن حسابها, من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن أباها فإني آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا, لا يحل لآل محمد منها شيء) وذكر هذا الحديث لأحمد فقال: ما أدري ما وجهه؟ وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد رواه أبو داود والنسائي, في " سننهما " ووجه الأول قول النبي - ﷺ- : (ليس في المال حق سوى الزكاة) ولأن منع الزكاة كان في زمن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ بموت رسول الله - ﷺ- مع توفر الصحابة ـ رضي الله عنه ـم ـ فلم ينقل أحد عنهم زيادة, ولا قولا بذلك واختلف أهل العلم في العذر عن هذا الخبر فقيل: كان في بدء الإسلام حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخ بالحديث الذي رويناه وحكى الخطابي, عن إبراهيم الحربي أنه يؤخذ منه السن الواجبة عليه من خيار ماله من غير زيادة في سن ولا عدد لكن ينتقي من خير ماله ما تزيد به صدقته في القيمة بقدر شطر قيمة الواجب عليه فيكون المراد ب " ما له " ها هنا الواجب عليه من ماله, فيزاد عليه في القيمة بقدر شطره والله أعلم فأما إن كان مانع الزكاة خارجا عن قبضة الإمام قاتله لأن الصحابة ـ رضي الله عنه ـم ـ قاتلوا مانعيها وقال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ: لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ- لقاتلتهم عليه فإن ظفر به وبماله, أخذها من غير زيادة أيضا ولم تسب ذريته لأن الجناية من غيرهم ولأن المانع لا يسبى, فذريته أولى وإن ظفر به دون ماله دعاه إلى أدائها واستتابه ثلاثا, فإن تاب وأدى وإلا قتل ولم يحكم بكفره وعن أحمد ما يدل على أنه يكفر بقتاله عليها, فروى الميموني عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر وقاتلوا عليها لم يورثوا, ولم يصل عليهم قال عبد الله بن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم ووجه ذلك ما روي أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ لما قاتلهم وعضتهم الحرب, قالوا: نؤديها قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ولم ينقل إنكار ذلك عن أحد من الصحابة فدل على كفرهم ووجه الأول أن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من القتال في بدء الأمر, ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر على أصل النفي, ولأن الزكاة فرع من فروع الدين فلم يكفر تاركه بمجرد تركه كالحج وإذا لم يكفر بتركه, لم يكفر بالقتال عليه كأهل البغي وأما الذين قال لهم أبو بكر هذا القول فيحتمل أنهم جحدوا وجوبها فإنه نقل عنهم أنهم قالوا: إنما كنا نؤدي إلى رسول الله - ﷺ- لأن صلاته سكن لنا, وليس صلاة أبي بكر سكنا لنا فلا نؤدي إليه وهذا يدل على أنهم جحدوا وجوب الأداء إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ ولأن هذه قضية في عين ولا يتحقق من الذين قال لهم أبو بكر هذا القول, فيحتمل أنهم كانوا مرتدين ويحتمل أنهم جحدوا وجوب الزكاة ويحتمل غير ذلك, فلا يجوز الحكم به في محل النزاع ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر وماتوا من غير توبة, فحكم لهم بالنار ظاهرا كما حكم لقتلى المجاهدين بالجنة ظاهرا والأمر إلى الله تعالى في الجميع, ولم يحكم عليهم بالتخليد ولا يلزم من الحكم بالنار الحكم بالتخليد بعد أن أخبر النبي - ﷺ- أن قوما من أمته يدخلون النار, ثم يخرجهم الله تعالى منها ويدخلهم الجنة.

مسألة: قال أبو القاسم - رحمه الله- تعالى: ( وليس فيما دون خمس من الإبل سائمة صدقة ) بدأ الخرقي - رحمه الله- بذكر صدقة الإبل لأنها أهم, فإنها أعظم النعم قيمة وأجساما وأكثر أموال العرب فالاهتمام بها أولى, ووجوب زكاتها مما أجمع عليه علماء الإسلام وصحت فيه السنة عن النبي - ﷺ- ومن أحسن ما روي في ذلك ما رواه البخاري في " صحيحه ", قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدثني أبي قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس, أن أنسا حدثه أن أبا بكر الصديق كتب له هذا الكتاب, لما وجه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ- على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله - ﷺ- فمن سئلها على وجهها من المسلمين فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط: " في أربع وعشرين فما دونها من الإبل في كل خمس شاة, فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين, ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل, فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين, ففيها ابنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل, فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة, ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها فإذا بلغت خمسا من الإبل, ففيها شاة " وذكر تمام الحديث نذكره - إن شاء الله تعالى- في أبوابه ورواه أبو داود في " سننه ", وزاد: " وإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين, فإن لم يكن فيها ابنة مخاض ففيها ابن لبون ذكر " وهذا كله مجمع عليه إلى أن يبلغ عشرين ومائة ذكره ابن المنذر قال: ولا يصح عن على ـ رضي الله عنه ـ ما روي عنه في خمس وعشرين يعني ما حكي عنه في خمس وعشرين خمس شياه وقول الصديق ـ رضي الله عنه ـ: التي فرض رسول الله - ﷺ- يعنى قدر, والتقدير يسمى فرضا ومنه فرض الحاكم للمرأة فرضا وقوله: ومن سئل فوقها فلا يعط يعني لا يعطي فوق الفرض وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه وقال النبي - ﷺ- في هذا الحديث: (ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس عليه فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) وقال: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) متفق عليه والسائمة: الراعية, وقد سامت تسوم سوما: إذا رعت وأسمتها إذا رعيتها وسومتها: إذا جعلتها سائمة, ومنه قول الله تعالى: {ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل: 10]. أي ترعون وفي ذكر السائمة احتراز من المعلوفة والعوامل فإنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم وحكي عن مالك أن في الإبل النواضح والمعلوفة الزكاة لعموم قوله عليه السلام: (في كل خمس شياه) قال أحمد: ليس في العوامل زكاة وأهل المدينة يرون فيها الزكاة وليس عندهم في هذا أصل ولنا قول النبي - ﷺ- : (في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون) في حديث بهز بن حكيم, فقيده بالسائمة فدل على أنه لا زكاة في غيرها وحديثهم مطلق, فيحمل على المقيد ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة والمعلوفة يستغرق علفها نماءها, إلا أن يعدها للتجارة فيكون فيها زكاة التجارة.

مسألة: قال: ( فإذا ملك خمسا من الإبل فأسامها أكثر السنة, ففيها شاة وفي العشر شاتان وفي الخمس عشرة ثلاث شياه, وفي العشرين أربع شياه ) وهذا كله مجمع عليه وثابت بسنة رسول الله - ﷺ- بما رويناه وغيره إلا قوله: " فأسامها أكثر السنة " فإن مذهب إمامنا ومذهب أبي حنيفة أنها إذا كانت سائمة أكثر السنة ففيها الزكاة وقال الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع الحول فلا زكاة فيها لأن السوم شرط في الزكاة, فاعتبر في جميع الحول كالملك وكمال النصاب ولأن العلف يسقط والسوم يوجب, فإذا اجتمعا غلب الإسقاط كما لو ملك نصابا بعضه سائمة وبعضه معلوفة ولنا عموم النصوص الدالة على وجوب الزكاة في نصب الماشية واسم السوم لا يزول بالعلف اليسير, فلا يمنع دخولها في الخبر ولأنه لا يمنع حقه للمؤنة فأشبهت السائمة في جميع الحول, ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز منه فاعتباره في جميع الحول يسقط الزكاة بالكلية سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة علفها يوما فأسقطها, ولأن هذا وصف معتبر في رفع الكلفة فاعتبر فيه الأكثر كالسقي بما لا كلفة في الزرع والثمار وقولهم " السوم شرط " يحتمل أن يمنع ونقول: بل العلف إذا وجد في نصف الحول فما زاد مانع كما أن السقي بكلفة مانع من وجوب العشر, ولا يكون مانعا حتى يوجد في النصف فصاعدا كذا في مسألتنا وإن سلمنا كونه شرطا فيجوز أن يكون شرط وجوده في أكثر الحول, كالسقي بما لا كلفة فيه شرط في وجوب العشر ويكتفى بوجوده في الأكثر ويفارق ما إذا كان في بعض النصاب معلوف لأن النصاب سبب للوجوب, فلا بد من وجود الشرط في جميعه وأما الحول فإنه شرط الوجوب فجاز أن يعتبر الشرط في أكثره.

فصل: ولا يجزئ في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن, والثني من المعز وكذلك شاة الجبران وأيهما أخرج أجزأه ولا يعتبر كونها من جنس غنمه, ولا جنس غنم البلد لأن الشاة مطلقة في الخبر الذي ثبت به وجوبها وليس غنمه ولا غنم البلد سببا لوجوبها فلم يتقيد بذلك, كالشاة الواجبة في الفدية وتكون أنثى فإن أخرج ذكرا لم يجزئه لأن الغنم الواجبة في نصبها إناث, ويحتمل أن يجزئه لأن النبي - ﷺ- أطلق لفظ الشاة فدخل فيه الذكر والأنثى ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمة دون العين أجزأ فيها الذكر كالأضحية, فإن لم يكن له غنم لزمه شراء شاة وقال أبو بكر: يخرج عشرة دراهم قياسا على شاة الجبران ولنا أن النبي - ﷺ- نص على الشاة, فيجب العمل بنصه ولأن هذا إخراج قيمة فلم يجز كما لو كانت الشاة واجبة في نصابها, وشاة الجبران مختصة بالبدل بعشرة دراهم بدليل أنها لا تجوز بدلا عن الشاة الواجبة في سائمة الغنم.

فصل: فإن أخرج عن الشاة بعيرا لم يجزئه سواء كانت قيمته أكثر من قيمة الشاة أو لم يكن, وحكي ذلك عن مالك وداود وقال الشافعي وأصحاب الرأي: يجزئه البعير عن العشرين فما دونها ويتخرج لنا مثل ذلك إذا كان المخرج مما يجزئ عن خمس وعشرين لأنه يجزئ عن خمس وعشرين والعشرون داخلة فيها, ولأن ما أجزأ عن الكثير أجزأ عما دونه كابنتي لبون عما دون ستة وسبعين ولنا أنه أخرج غير المنصوص عليه من غير جنسه, فلم يجزه كما لو أخرج بعيرا عن أربعين شاة ولأن النص ورد بالشاة, فلم يجزئ البعير كالأصل أو كشاة الجبران ولأنها فريضة وجبت فيها شاة فلم يجزئ عنها البعير, كنصاب الغنم ويفارق ابنتي لبون عن الجذعة لأنها من الجنس.

فصل: وتكون الشاة المخرجة كحال الإبل في الجودة والرداءة فيخرج عن الإبل السمان سمينة, وعن الهزال هزيلة وعن الكرائم كريمة وعن اللئام لئيمة, فإن كانت مراضا أخرج شاة صحيحة على قدر المال فيقال له: لو كانت الإبل صحاحا كم كانت قيمتها وقيمة الشاة؟ فيقال: قيمة الإبل مائة وقيمة الشاة خمسة فينقص من قيمتها قدر ما نقصت الإبل, فإذا نقصت الإبل خمس قيمتها وجب شاة قيمتها أربعة وقيل: تجزئه شاة تجزئ في الأضحية من غير نظر إلى القيمة وعلى القولين لا تجزئه مريضة لأن المخرج من غير جنسها وليس كله مراضا, فينزل منزلة اجتماع الصحاح والمراض لا تجزئ فيه إلا الصحيحة.

مسألة: ( قال: فإذا صارت خمسًا وعشرين ففيها بنت مخاض, إلى خمس وثلاثين ) فإن لم يكن فيها بنت مخاض وابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين, فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين, فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة وهذا كله مجمع عليه والخبر الذي رويناه متناول له وابنة المخاض: التي لها سنة وقد دخلت في الثانية, سميت بذلك لأن أمها قد حملت غيرها والماخض الحامل وليس كون أمها ماخضا شرطا فيها, وإنما ذكر تعريفا لها بغالب حالها كتعريفه الربيبة بالحجر وكذلك بنت لبون وبنت المخاض أدنى سن يوجد في الزكاة, ولا تجب إلا في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين خاصة وبنت اللبون: التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة سميت بذلك لأن أمها قد وضعت حملها ولها لبن والحقة: التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة لأنها قد استحقت أن يطرقها الفحل ولهذا قال: طروقة الفحل واستحقت أن يحمل عليها وتركب والجذعة: التي لها أربع سنين ودخلت في الخامسة, وقيل لها ذلك لأنها تجذع إذا سقطت سنها وهي أعلى سن تجب في الزكاة ولا تجب إلا في إحدى وستين إلى خمس وسبعين وإن رضي رب المال أن يخرج مكانها ثنية جاز, وهي التي لها خمس سنين ودخلت في السادسة وسميت ثنية لأنها قد ألقت ثنيتيها وهذا الذي ذكرناه في الأسنان ذكره أبو عبيد وحكاه عن الأصمعي, وأبي زيد الأنصاري وأبي زياد الكلابي وغيرهم وقول الخرقي: " فإن لم يكن ابنة مخاض " أراد إن لم يكن في إبله ابنة مخاض أجزأه ابن لبون ولا يجزئه مع وجود ابنة مخاض لقوله عليه السلام: (فإن لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر) في الحديث الذي رويناه شرط في إخراجه عدمها فإن اشتراها وأخرجها جاز, وإن أراد إخراج ابن لبون بعد شرائها لم تجز لأنه صار في إبله بنت مخاض فإن لم يكن في إبله ابن لبون وأراد الشراء, لزمه شراء بنت مخاض وهذا قول مالك وقال الشافعي: يجزئه شراء ابن لبون لظاهر الخبر وعمومه ولنا أنهما استويا في العدم فلزمته ابنة مخاض, كما لو استويا في الوجود والحديث محمول على وجوده لأن ذلك للرفق به إغناء له عن الشراء, ومع عدمه لا يستغني عن الشراء فكان شراء الأصل أولى على أن في بعض ألفاظ الحديث: " فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون, فإنه يقبل منه وليس معه شيء " فشرط في قبوله وجوده وعدمها وهذا في حديث أبي بكر, وفي بعض الألفاظ: " ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليس عنده إلا ابن لبون " وهذا يفسد بتعين حمل المطلق عليه وإن لم يجد إلا ابنة مخاض معينة, فله الانتقال إلى ابن لبون لقوله في الخبر: " فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها " ولأن وجودها كعدمها لكونها لا يجوز إخراجها, فأشبه الذي لا يجد إلا ما لا يجوز الوضوء به في انتقاله إلى التيمم وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة الواجب لم يجزه ابن لبون لوجود بنت مخاض على وجهها ويخير بين إخراجها وبين شراء بنت مخاض على صفة الواجب, ولا يخير بعض الذكورية بزيادة سن في غير هذا الموضع ولا يجزئه أن يخرج عن ابن لبون حقا ولا عن الحقة جذعا, لعدمهما ولا وجودهما وقال القاضي وابن عقيل: يجوز ذلك مع عدمهما لأنهما أعلى وأفضل فيثبت الحكم فيهما بطريق التنبيه ولنا, أنه لا نص فيهما ولا يصح قياسهما على ابن لبون مكان بنت مخاض لأن زيادة سن ابن لبون على بنت مخاض يمتنع بها من صغار السباع ويرعى الشجر بنفسه, ويرد الماء ولا يوجد هذا في الحق مع بنت لبون لأنهما يشتركان في هذا, فلم يبق إلا مجرد السن فلم يقابل إلا بتوجيه وقولهما: إنه يدل على ثبوت الحكم فيهما بطريق التنبيه قلنا: بل يدل على انتفاء الحكم فيهما بدليل خطابه فإن تخصيصه بالذكر دونهما دليل على اختصاصه بالحكم دونهما.

فصل: وإن أخرج عن الواجب سنا أعلى من جنسه مثل أن يخرج بنت لبون عن بنت مخاض, وحقة عن بنت لبون أو بنت مخاض أو أخرج عن الجذعة ابنتي لبون أو حقتين جاز لا نعلم فيه خلافا لأنه زاد على الواجب من جنسه ما يجزئ عنه مع غيره, فكان مجزيا عنه على انفراده كما لو كانت الزيادة في العدد وقد روى الإمام أحمد في " مسنده " وأبو داود, في " سننه " بإسنادهما عن أبي بن كعب قال: (بعثني رسول الله - ﷺ- مصدقا فمررت برجل, فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا بنت مخاض فقلت له: أد بنت مخاض فإنها صدقتك فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة, فخذها فقلت: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله - ﷺ- منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت على فافعل, فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته قال: فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض على حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ- فقال له: يا نبي الله, أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله, فجمعت له مالي فزعم أن ما على فيه بنت مخاض وذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر, وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله, خذها فقال رسول الله - ﷺ- : ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير أجزل الله فيه وقبلناه منك فقال: فها هي ذه يا رسول الله, قد جئتك بها قال: فأمر رسول الله - ﷺ- بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) وهكذا الحكم إذا أخرج أعلى من الواجب في الصفة مثل أن يخرج السمينة مكان الهزيلة والصحيحة مكان المريضة, والكريمة مكان اللئيمة والحامل عن الحوائل فإنها تقبل منه وتجزئه, وله أجر الزيادة.

فصل: ويخرج عن ماشيته من جنسها على صفتها فيخرج عن البخاتي بختية وعن العراب عربية, وعن الكرام كريمة وعن السمان سمينة وعن اللئام والهزال لئيمة هزيلة فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية, أو أخرج عن السمان هزيلة بقيمة السمينة جاز لأن القيمة مع اتحاد الجنس هي المقصود أجاز هذا أبو بكر وحكي عن القاضي وجه آخر: أنه لا يجوز لأن فيه تفويت صفة مقصودة فلم يجز, كما لو أخرج من جنس آخر والصحيح الأول لما ذكرنا وفارق خلاف الجنس فإن الجنس مرعي في الزكاة ولهذا لو أخرج البعير عن الشاة لم يجز, ومع الجنس يجوز إخراج الجيد عن الرديء بغير خلاف.

مسألة: قال: ( فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة ) ظاهر هذا أنها إذا زادت على العشرين والمائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب الأوزاعي, والشافعي وإسحاق والرواية الثانية لا يتعدى الفرض إلى ثلاثين ومائة, فيكون فيها حقة وبنتا لبون وهذا مذهب محمد بن إسحاق بن يسار وأبي عبيد ولمالك روايتان لأن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة بدليل سائر الفروض ولنا قول النبي - ﷺ- : (فإذا زادت على عشرين ومائة, ففي كل أربعين بنت لبون) والواحدة زيادة وقد جاء مصرحا به في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله - ﷺ- وكان عند ال عمر بن الخطاب رواه أبو داود والترمذي, وقال: هو حديث حسن وقال ابن عبد البر: هو أحسن شيء روي في أحاديث الصدقات وفيه: (فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون) وفي لفظ: (إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة) أخرجه الدارقطني وأخرج حديث أنس من رواية إسحاق بن راهويه عن النضر بن إسماعيل, عن حماد بن سلمة قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدث به عن أنس وفيه: (فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة) ولأن سائر ما جعله النبي - ﷺ- غاية للفرض إذا زاد عليه واحدة تغير الفرض كذا هذا وقولهم: إن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة قلنا: وهذا ما تغير بالواحدة وحدها, وإنما تغير بها مع ما قبلها فأشبهت الواحدة الزائدة عن التسعين والستين وغيرهما وقال ابن مسعود والنخعي, والثوري وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة, في كل خمس شاة إلى خمس وأربعين ومائة فيكون فيها حقتان وبنت مخاض إلى خمسين ومائة, ففيها ثلاث حقاق وتستأنف الفريضة في كل خمس شاة لما روي أن النبي - ﷺ- كتب لعمرو بن حزم كتابا ذكر فيه الصدقات والديات وذكر فيه مثل هذا ولنا, أن في حديثي الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثل مذهبنا وهما صحيحان, وقد رواه أبو بكر عن النبي - ﷺ- بقوله: (هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ- على المسلمين) وأما كتاب عمرو بن حزم فقد اختلف في صفته فرواه الأثرم في " سننه " مثل مذهبنا والأخذ بذلك أولى, لموافقته الأحاديث الصحاح وموافقته القياس فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه, كسائر بهيمة الأنعام ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه فلم يجب من غير جنسه, كالبقر والغنم وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه لأنه ما احتمل المواساة من جنسه فلم يجب من غير جنسه, فعدلنا إلى غير الجنس ضرورة وقد زال ذلك بزيادة المال وكثرته ولأنه عندهم ينقل من بنت مخاض إلى حقة, بزيادة خمس من الإبل وهي زيادة يسيرة لا تقتضي الانتقال إلى حقة فإنا لم ننقل في محل الوفاق من بنت مخاض إلى حقة, إلا بزيادة إحدى وعشرين وإن زادت على مائة وعشرين جزءا من بعير لم يتغير الفرض عند أحد من الناس لأن في بعض الروايات: " فإذا زادت واحدة " وهذا يقيد مطلق الزيادة في الرواية الأخرى, ولأن سائر الفروض لا تتغير بزيادة جزء وعلى كلتا الروايتين متى بلغت الإبل مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون وفي مائة وأربعين حقتان وبنتا لبون وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق, وفي مائة وستين أربع بنات لبون ثم كلما زادت عشرا أبدلت مكان بنت لبون حقة ففي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون وفي مائة وثمانين حقتان وابنتا لبون, وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون فإذا بلغت مائتين اجتمع الفرضان لأن فيهما خمسين أربع مرات وأربعين خمس مرات فيجب عليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون, أي الفرضين شاء أخرج وإن كان الآخر أفضل منه وقد روي عن أحمد أن عليه أربع حقاق وهذا محمول على أن عليه أربع حقاق بصيغة التخيير اللهم إلا أن يكون المخرج وليا ليتيم أو مجنون, فليس له أن يخرج من ماله إلا أدنى الفرضين وقال الشافعي: الخيرة إلى الساعي ومقتضى قوله أن رب المال إذا أخرج لزمه إخراج أعلى الفرضين واحتج بقول الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. ولأنه وجد سبب الفرضين فكانت الخيرة إلى مستحقه أو نائبه, كقتل العمد الموجب للقصاص أو الدية ولنا قول النبي - ﷺ- في كتاب الصدقات الذي كتبه, وكان عند ال عمر بن الخطاب: (فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون, أي البنتين وجدت أخذت) وهذا نص لا يعرج معه على شيء يخالفه وقوله عليه السلام (لمعاذ: إياك وكرائم أموالهم) ولأنها زكاة ثبت فيها الخيار فكان ذلك لرب المال, كالخيرة في الجبران بين مائتين أو عشرين درهما وبين النزول والصعود وتعيين المخرج, ولا تتناول الآية ما نحن فيه لأنه إنما يأخذ الفرض بصفة المال فيأخذ من الكرام كرائم ومن غيرها من وسطها, فلا يكون خبيثا لأن الأدنى ليس بخبيث وكذلك لو لم يوجد إلا سبب وجوبه وجب إخراجه, وقياسهم يبطل بشاة الجبران وقياسنا أولى منه لأن قياس الزكاة على الزكاة أولى من قياسها على الديات إذا ثبت هذا فكان أحد الفرضين في ماله دون الآخر فهو مخير بين إخراجه أو شراء الآخر, ولا يتعين عليه سوى إخراج الموجود لأن الزكاة لا تجب في عين المال وقال القاضي: يتعين عليه إخراج الموجود لأن الزكاة لا تجب في عين المال ولعله أراد إذا لم يقدر على شراء الآخر. فصل: فإن أراد إخراج الفرض من النوعين نظرنا فإن لم يحتج إلى تشقيص كرجل عنده أربعمائة يخرج منها أربع حقاق وخمس بنات لبون, جاز وإن احتاج إلى تشقيص كزكاة المائتين, لم يجز لأنه لا يمكنه ذلك إلا بالتشقيص وقيل: يحتمل أن يجوز على قياس قول أصحابنا: ويجوز أن يعتق نصفي عبدين في الكفارة وهذا غير صحيح فإن الشرع لم يرد بالتشقيص في زكاة السائمة إلا من حاجة ولذلك جعل لها أوقاصا, دفعا للتشقيص عن الواجب فيها وعدل فيها دون خمس وعشرين من الإبل عن إيجاب الإبل إلى إيجاب الغنم فلا يجوز القول بتجويزه مع إمكان العدول عنه إلى إيجاب فريضة كاملة وإن وجد أحد الفرضين كاملا والآخر ناقصا, لا يمكنه إخراجه إلا بجبران معه مثل أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق تعين أخذ الفريضة الكاملة لأن الجبران بدل يشترط له عدم المبدل وإن كانت كل واحدة تحتاج إلى جبران, مثل أن يجد أربع بنات لبون وثلاث حقاق فهو مخير أيهما شاء أخرج مع الجبران إن شاء أخرج بنات اللبون وحقة وأخذ بالجبران, وإن شاء أخرج الحقاق وبنت اللبون مع جبرانها فإن قال: خذوا مني حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لم يجز لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران ويحتمل الجواز لأنه لا بد من الجبران وإن لم يوجد إلا حقة وأربع بنات لبون أداها وأخذ الجبران ولم يكن له دفع ثلاث بنات لبون مع الجبران, في أصح الوجهين وإن كان الفرضان معدومين أو معيبين فله العدول عنهما مع الجبران, فإن شاء أخرج أربع جذعات وأخذ ثماني شياه أو ثمانين درهما وإن شاء دفع خمس بنات مخاض ومعها عشر شياه أو مائة درهم وإن أحب أن ينقل عن الحقاق إلى بنات المخاض أو عن بنات اللبون إلى الجذاع, لم يجز لأن الحقاق وبنات اللبون منصوص عليهن في هذا المال فلا يصعد إلى الحقاق بجبران ولا ينزل إلى بنات اللبون بجبران.

 مسألة: 

قال: [ومن وجبت عليه حقة وليست عنده, وعنده ابنة لبون أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون درهما ومن وجبت عليه ابنة لبون, وليست عنده وعنده حقة أخذت منه وأعطى الجبران شاتين أو عشرين درهما] المذهب في هذا أنه متى وجبت عليه سن وليست عنده, فله أن يخرج سنا أعلى منها ويأخذ شاتين أو عشرين درهما أو سنا أنزل منها ومعها شاتين أو عشرين درهما, إلا ابنة مخاض ليس له أن يخرج أنزل منها لأنها أدنى سن تجب في الزكاة أو جذعة فلا يخرج أعلى منها إلا أن يرضى رب المال بإخراجها لا جبران معها, فتقبل منه والاختيار في الصعود والنزول والشياه والدراهم إلى رب المال وبهذا قال النخعي, والشافعي وابن المنذر واختلف فيه عن إسحاق وقال الثوري: يخرج شاتين أو عشرة دراهم لأن الشاة في الشرع متقومة بخمسة دراهم بدليل أن نصابها أربعون, ونصاب الدراهم مائتان وقال أصحاب الرأي: يدفع قيمة ما وجب عليه أو دون السن الواجبة وفضل ما بينهما دراهم ولنا قوله عليه السلام, في الحديث الذي رويناه من طريق البخاري: (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة, فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له, أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده, وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون, فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطى شاتين أو عشرين درهما, ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة, ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده, وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ابنة مخاض ويعطى معها عشرين درهمًا أو شاتين) وهذا نص ثابت صحيح لم يلتفت إلى ما سواه إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز العدول إلى هذا الجبران مع وجود الأصل لأنه مشروط في الخبر بعدم الأصل, وإن أراد أن يخرج في الجبران شاة وعشرة دراهم فقال القاضي: لا يمنع هذا كما قلنا في الكفارة, فله إخراجها من جنسين لأن الشاة مقام عشرة دراهم فإذا اختار إخراجها وعشرة جاز ويحتمل المنع لأن النبي - ﷺ- خير بين شاتين وعشرين درهما وهذا قسم ثالث, فتجويزه يخالف الخبر والله أعلم بالصواب.

 فصل: 

فإن عدم السن الواجبة والتي تليها كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة أو وجبت عليه حقة فعدمها وعدم الجذعة وابنة اللبون, فقال القاضي: يجوز أن ينتقل إلى السن الثالث مع الجبران فيخرج ابنة اللبون في الصورة الأولى ويخرج معها أربع شياه وأربعين درهما, ويخرج ابنة مخاض في الثانية ويخرج معها مثل ذلك وذكر أن أحمد أومأ إليه وهذا قول الشافعي وقال أبو الخطاب: لا ينتقل إلى سن تلي الواجب فأما إن انتقل من حقة إلى بنت مخاض, أو من جذعة إلى بنت لبون لم يجز لأن النص ورد بالعدول إلى سن واحدة فيجب الاقتصار عليها, كما اقتصرنا في أخذ الشياه عن الإبل على الموضع الذي ورد به النص هذا قول ابن المنذر ووجه الأول أنه قد جوز الانتقال إلى السن الذي تليه مع الجبران وجوز العدول عن ذلك أيضا إذا عدم مع الجبران إذا كان هو الفرض وهاهنا لو كان موجودا أجزأ, فإن عدم جاز العدول إلى ما يليه مع الجبران والنص إذا عقله عدي وعمل بمعناه وعلى مقتضى هذا القول يجوز العدول عن الجذعة إلى بنت المخاض مع ست شياه, أو ستين درهما ويعدل عن ابنة المخاض إلى الجذعة ويأخذ ست شياه, أو ستين درهما وإن أراد أن يخرج عن الأربع شياه شاتين وعشرين درهما جاز لأنهما جبرانان فهما كالكفارتين وكذلك في الجبران الذي يخرجه عن فرض المائتين من الإبل, إذا أخرج عن خمس بنات لبون خمس بنات مخاض أو مكان أربع حقاق أربع جذعات جاز أن يخرج بعض الجبران دراهم, وبعضه شياها ومتى وجد سنا تلى الواجب لا يجوز العدول إلى سن لا تليه لأن الانتقال عن السن التي تليه إلى السن الأخرى بدل فلا يجوز مع إمكان الأصل فإن عدم الحقة وابنة اللبون ووجد الجذعة وابنة المخاض, وكان الواجب الحقة لم يجز العدول إلى بنت المخاض وإن كان الواجب ابنة لبون, لم يجز إخراج الجذعة والله أعلم.

 فصل: 

فإن كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة فله أن يعدل إلى السن السفلى مع دفع الجبران, وليس له أن يصعد مع أخذ الجبران لأن الجبران أكثر من الفضل الذي بين الفرضين وقد يكون الجبران جبرا من الأصل, فإن قيمة الصحيحتين أكثر من قيمة المريضتين فكذلك قيمة ما بينهما فإذا كان كذلك لم يجز في الصعود, وجاز في النزول لأنه متطوع بشيء من ماله ورب المال يقبل منه الفضل ولا يجوز للساعي أن يعطي الفضل من المساكين فإن كان المخرج ولي اليتيم, لم يجز له أيضا النزول لأنه لا يجوز أن يعطي الفضل من مال اليتيم فيتعين شراء الفرض من غير المال.

 فصل: 

ولا يدخل الجبران في غير الإبل لأن النص فيها ورد وليس غيرها في معناها, لأنها أكثر قيمة ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الإبل فامتنع القياس فمن عدم فريضة البقر أو الغنم, ووجد دونها لم يجز له إخراجها فإن وجد أعلى منها, فأحب أن يدفعها متطوعا بغير جبران قبلت منه وإن لم يفعل كلف شراءها من غير ماله.

 فصل: 

قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - رحمه الله- : تفسير الأوقاص قال: الأوقاص ما بين الفريضتين قلت له: كأنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين في البقر وما أشبه هذا؟ قال: نعم, والسبق ما دون الفريضة قلت له: كأنه ما دون الثلاثين من البقر وما دون الفريضة؟ فقال: نعم وقال الشعبي: السبق ما بين الفريضتين أيضا قال أصحابنا: الزكاة تتعلق بالنصاب دون الوقص ومعناه: أنه إذا كان عنده أكثر من الفريضة مثل أن يكون عنده ثلاثون من الإبل, فالزكاة تتعلق بخمسة وعشرين دون الخمسة الزائدة عليها فعلى هذا لو وجبت الزكاة فيها وتلفت الخمس الزائدة قبل التمكن من أدائها, وقلنا: إن تلف النصاب قبل التمكن يسقط الزكاة لم يسقط ها هنا منها شيء لأن التالف لم تتعلق الزكاة به وإن تلف منها عشر سقط من الزكاة خمسها لأن الاعتبار بتلف جزء من النصاب, وإنما تلف منها من النصاب خمسة وأما من قال: لا تأثير لتلف النصاب في إسقاط الزكاة فلا فائدة في الخلاف عنده في هذه المسألة فيما أعلم والله تعالى أعلم.

  باب صدقة البقر 

وهي واجبة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن تنطحه بقرونها, وتطؤه بأخفافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس) متفق عليه وروى النسائي, والترمذي عن مسروق (أن النبي - ﷺ- بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ومن البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة, ومن كل أربعين مسنة) وروى الإمام أحمد بإسناده عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال: (بعثني رسول الله - ﷺ- أصدق أهل اليمن, وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة قال: فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين, وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله - ﷺ- عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي - ﷺ- فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا, ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين, ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا, ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع وأمرني رسول الله - ﷺ- أن لا آخذ فيها بين ذلك شيئا إلا إن بلغ مسنة أو جذعا يعني تبيعًا وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها) وأما الإجماع فلا أعلم اختلافا في وجوب الزكاة في البقر وقال أبو عبيد: لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم ولأنها أحد أصناف بهيمة الأنعام فوجبت الزكاة في سائمتها, كالإبل والغنم.

 مسألة: 

قال: ( وليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة ) وجملة ذلك أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر في قول جمهور العلماء وحكي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: في كل خمس شاة ولأنها عدلت بالإبل في الهدي والأضحية فكذلك في الزكاة ولنا, ما تقدم من الخبر ولأن نصب الزكاة إنما ثبتت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف, فلا يثبت وقياسهم فاسد فإن خمسا وثلاثين من الغنم تعدل خمسا من الإبل في الهدي, ولا زكاة فيها إذا ثبت هذا فإنه لا زكاة في غير السائمة من البقر في قول الجمهور وحكي عن مالك أن في العوامل والمعلوفة صدقة كقوله في الإبل وقد تقدم الكلام معه وروي عن على ـ رضي الله عنه ـ قال الراوي: أحسبه عن النبي - ﷺ- في صدقة البقر قال: " وليس في العوامل شيء " رواه أبو داود وروي عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ- قال: (ليس في البقر العوامل صدقة) وهذا مقيد يحمل عليه المطلق وروي عن علي, ومعاذ وجابر أنهم قالوا: لا صدقة في البقر العوامل ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة, ولا يوجد إلا في السائمة.

 مسألة: 

قال: ( وإذا ملك الثلاثين من البقر فأسامها أكثر السنة ففيها تبيع أو تبيعة, إلى تسع وثلاثين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة, إلى تسع وخمسين فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان, إلى تسع وستين فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة, فإذا زادت ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة ) التبيع: الذي له سنة, ودخل في الثانية وقيل له ذلك لأنه يتبع أمه والمسنة: التي لها سنتان وهي الثنية ولا فرض في البقر غيرهما, وبما ذكر الخرقي ها هنا قال أكثر أهل العلم منهم الشعبي والنخعي والحسن, ومالك والليث والثوري, وابن الماجشون والشافعي وإسحاق, وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن, وأبو ثور وقال أبو حنيفة في بعض الروايات عنه, فيما زاد على الأربعين بحسابه في كل بقرة ربع عشر مسنة فرارا من جعل الوقص تسعة عشر وهو مخالف لجميع أوقاصها فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة ولنا, حديث يحيى بن الحكم الذي رويناه وهو صريح في محل النزاع وقول النبي - ﷺ- في الحديث الآخر: (في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة) يدل على أن الاعتبار بهذين العددين, ولأن البقر أحد بهيمة الأنعام ولا يجوز في زكاتها كسر كسائر الأنواع ولا ينقل من فرض فيها إلى فرض بغير وقص, كسائر الفروض ولأن هذه زيادة لا يتم بها أحد العددين فلا يجب فيها شيء, كما بين الثلاثين والأربعين وما بين الستين والسبعين ومخالفة قولهم للأصول أشد من الوجوه التي ذكرناها, وعلى أن أوقاص الإبل والغنم مختلفة فجاز الاختلاف ها هنا.

 فصل: 

وإذا رضي رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع والتبيعين عن المسنة, أو أخرج أكثر منها سنا عنها جاز ولا مدخل للجبران فيها, كما قدمناه في زكاة الإبل.

 فصل: 

ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلا إلا في البقر فإن ابن اللبون ليس بأصل إنما هو بدل عن ابنة مخاض, ولهذا لا يجزئ مع وجودها وإنما يجزئ الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها, كالستين والسبعين وما تركب من الثلاثين وغيرها كالسبعين, فيها تبيع ومسنة والمائة فيها مسنة وتبيعان وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثا لأن النص ورد بهما جميعا فأما الأربعون وما تكرر منها كالثمانين, فلا يجزئ في فرضها إلا الإناث إلا أن يخرج عن المسنة تبيعين فيجوز وإذا بلغت البقر مائة وعشرين, اتفق الفرضان جميعا فيخير رب المال بين إخراج ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة, والواجب أحدهما أيهما شاء على ما نطق به الخبر المذكور والخيرة في الإخراج إلى رب المال, كما ذكرنا في زكاة الإبل وهذا التفصيل فيما إذا كان فيها إناث فإن كانت كلها ذكورا أجزأ الذكر فيها بكل حال لأن الزكاة مواساة, فلا يكلف المواساة من غير ماله ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث في الأربعينيات لأن النبي -ﷺ- نص على المسنات فيجب اتباع مورده فيكلف شراءها, فإذا لم تكن في ماشيته كما لو لم يجد إلا دونها في السن والأول أولى لأننا أخرنا الذكر في الغنم, مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الإناث فالبقر التي للذكر فيها مدخل أولى لأن للذكر فيها مدخلا.

 مسألة: 

قال: ( والجواميس كغيرها من البقر ) لا خلاف في هذا نعلمه وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا ولأن الجواميس من أنواع البقر, كما أن البخاتي من أنواع الإبل فإذا اتفق في المال جواميس وصنف آخر من البقر أو بخاتي وعراب, أو معز وضأن كمل نصاب أحدهما بالآخر وأخذ الفرض من أحدهما على قدر المالين على ما سنذكره, - إن شاء الله تعالى- .

 فصل: 

واختلفت الرواية في بقر الوحش فروي أن فيها الزكاة اختاره أبو بكر لأن اسم البقر يشملها فيدخل في مطلق الخبر وعنه لا زكاة فيها وهي أصح, وهذا قول أكثر أهل العلم لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ولا يفهم منه إذا كانت لا تسمى بقرا بدون الإضافة, فيقال: بقر الوحش ولأن وجود نصاب منها موصوفا بصفة السوم حولا لا وجود له ولأنها حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحية والهدي فلا تجب فيه الزكاة, كالظباء ولأنها ليست من بهيمة الأنعام فلا تجب فيها الزكاة, كسائر الوحوش وسر ذلك أن الزكاة إنما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها لكثرة النماء فيها من درها ونسلها, وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفة مئونتها وهذا المعنى يختص بها, فاختصت الزكاة بها دون غيرها ولا تجب الزكاة في الظباء رواية واحدة لعدم تناول اسم الغنم لها.

 فصل: 

قال أصحابنا: تجب الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي, سواء كانت الوحشية الفحول أو الأمهات وقال مالك وأبو حنيفة: إن كانت الأمهات أهلية وجبت الزكاة فيها وإلا فلا لأن ولد البهيمة يتبع أمه وقال الشافعي: لا زكاة فيها لأنها متولدة من وحشي, أشبه المتولد من وحشيين واحتج أصحابنا بأنها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه فوجبت فيها الزكاة, كالمتولدة بين سائمة ومعلوفة وزعم بعضهم أن غنم مكة متولدة من الظباء والغنم وفيها الزكاة بالاتفاق فعلى هذا القول تضم إلى جنسها من الأهلي في وجوب الزكاة, وتكمل بها نصابه وتكون كأحد أنواعه والقول بانتفاء الزكاة فيها أصح لأن الأصل انتفاء الوجوب, وإنما ثبت بنص أو إجماع أو قياس ولا نص في هذه ولا إجماع إنما هو في بهيمة الأنعام من الأزواج الثمانية, وليست هذه داخلة في أجناسها ولا حكمها ولا حقيقتها, ولا معناها فإن المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه وحكمه عنهما كالبغل المتولد بين الفرس والحمار والسبع المتولد بين الذئب والضبع, والعسبار المتولد بين الضبعان والذئبة فكذلك المتولد بين الظباء والمعز ليس بمعز ولا ظبي ولا يتناوله نصوص الشارع, ولا يمكن قياسه عليها لتباعد ما بينهما واختلاف حكمهما, في كونه لا يجزئ في هدي ولا أضحية ولا دية ولو أسلم في الغنم لم يتناوله العقد ولو وكل وكيلا في شراء شاة, لم يدخل في الوكالة ولا يحصل منه ما يحصل من الشياه من الدر وكثرة النسل, بل الظاهر أنه لا ينسل له أصلا فإن المتولد بين ثنتين لا نسل له كالبغال وما لا نسل له لا در فيه, فامتنع القياس ولم يدخل في نص ولا إجماع فإيجاب الزكاة فيها تحكم بالرأي وإذا قيل: تجب الزكاة احتياطا وتغليبا للإيجاب, كما أثبتنا التحريم فيها في الحرم والإحرام احتياطا لم يصح لأن الواجبات لا تثبت احتياطا بالشك ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها وشك في الحدث, ولا غيرها من الواجبات وأما السوم والعلف فالاعتبار فيه بما تجب فيه الزكاة لا بأصله الذي تولد منه بدليل أنه لو علف المتولد من السائمة لم تجب زكاته, ولو أسام أولاد المعلوفة لوجبت زكاتها وقول من زعم أن غنم مكة متولدة من الغنم والظباء لا يصح لأنها لو كانت كذلك لحرمت في الحرم والإحرام ووجب فيها الجزاء, كسائر المتولد بين الوحشي والأهلي ولأنها لو كانت كذلك متولدة من جنسين لما كان لها نسل كالسبع والبغال.

باب صدقة الغنم وهي واجبة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أنس, في كتاب أبي بكر الذي ذكرنا أوله قال: (وفي صدقة الغنم في سائمتها, إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين, ففيها شاتان فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه, فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة, فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار, ولا تيسا إلا ما شاء المصدق) واختار سوى هذا كثير وأجمع العلماء على وجوب الزكاة فيها.

مسألة: قال أبو القاسم: ( وليس فيما دون أربعين من الغنم سائمة صدقة, فإذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة ففيها شاة, إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين, فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه ) وهذا كله مجمع عليه قاله ابن المنذر: إلا المعلوفة في أقل من نصف الحول على ما ذكرنا من الخلاف فيه وحكي عن معاذ ـ رضي الله عنه ـ أن الفرض لا يتغير بعد المائة وإحدى وعشرين, حتى تبلغ مائتين واثنين وأربعين ليكون مثلي مائة وإحدى وعشرين ولا يثبت عنه وروى سعيد عن خالد, بن مغيرة عن الشعبي عن معاذ, قال: كان إذا بلغت الشياه مائتين لم يغيرها حتى تبلغ أربعين ومائتين فيأخذ منها ثلاث شياه, فإذا بلغت ثلاثمائة لم يغيرها حتى تبلغ أربعين وثلاثمائة, فيأخذ منها أربعا ولفظ الحديث الذي ذكرناه دليل عليه والإجماع على خلاف هذا القول دليل على فساده والشعبي لم يلق معاذا.

مسألة: قال: ( فإذا زادت ففي كل مائة شاة شاة ) ظاهر هذا القول أن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة, حتى يبلغ أربعمائة فيجب في كل مائة شاة ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربعمائة, وذلك مائة وتسعة وتسعون وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر الفقهاء وعن أحمد رواية أخرى أنها إذا زادت على ثلاثمائة وواحدة, ففيها أربع شياه ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة فيكون في كل مائة شاة, ويكون الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة وهو أيضا مائة وتسعة وتسعون وهذا اختيار أبي بكر وحكي عن النخعي, والحسن بن صالح لأن النبي - ﷺ- جعل الثلاثمائة حدا للوقص وغاية له, فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين ولنا قول النبي - ﷺ- : (فإذا زادت, ففي كل مائة شاة) وهذا يقتضي أن لا يجب في دون المائة شيء وفي كتاب الصدقات الذي كان عند ال عمر بن الخطاب: " فإذا زادت على ثلاثمائة وواحدة فليس فيها شيء, حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياه " وهذا نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة, لا للغاية والله أعلم.

مسألة: قال: ( ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة, ولا ذات عوار ) ذات العوار: المعيبة وهذه الثلاث لا تؤخذ لدناءتها فإن الله تعالى قال: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. وقال النبي - ﷺ- : (ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار, ولا تيس إلا ما شاء المصدق) وقد قيل: لا يؤخذ تيس الغنم وهو فحلها لفضيلته وكان أبو عبيد يروي الحديث: " إلا ما شاء المصدق " بفتح الدال يعني صاحب المال, فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعا إلى التيس وحده وذكر الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا فيروونه: " المصدق " بكسر الدال أي العامل وقال: التيس لا يؤخذ لنقصه, وفساد لحمه وكونه ذكرا وعلى هذا لا يأخذ المصدق, وهو الساعي أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك, بأن يكون جميع النصاب من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة وهي الكبيرة من الهرمات وذات عوار من أمثالها, وتيسا من التيوس وقال مالك والشافعي إن رأى المصدق أن أخذ هذه الثلاثة خير له وأنفع للفقراء فله أخذه لظاهر الاستثناء ولا يختلف المذهب أنه ليس له أخذ الذكر في شيء من الزكاة, إذا كان في النصاب إناث في غير أتبعة البقر وابن اللبون بدلا عن بنت مخاض إذا عدمها وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الذكر من الغنم الإناث لقوله - ﷺ- : (في أربعين شاة شاة) ولفظ الشاة يقع على الذكر والأنثى, ولأن الشاة إذا أمر بها مطلقا أجزأ فيها الذكر كالأضحية والهدى ولنا, أنه حيوان تجب الزكاة في عينه فكانت الأنوثة معتبرة في فرضه كالإبل, والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النصب والأضحية غير معتبرة بالمال بخلاف مسألتنا فإن قيل: فما فائدة تخصيص التيس بالنهي إذا؟ قلنا: لأنه لا يؤخذ عن الذكور أيضا, فلو ملك أربعين ذكرا وفيها تيس معد للضراب لم يجز أخذه إما لفضيلته فإنه لا يعد للضراب إلا أفضل الغنم وأعظمها, وإما لدناءته وفساد لحمه ويجوز أن يمنع من أخذه للمعنيين جميعا وإن كان النصاب كله ذكورا جاز إخراج الذكر في الغنم وجها واحدا وفي البقر في أصح الوجهين, وفي الإبل وجهان والفرق بين النصب الثلاثة أن النبي - ﷺ- نص على الأنثى في فرائض الإبل والبقر وأطلق الشاة الواجبة, وقال في الإبل (من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا) ومن حيث المعنى أن الإبل يتغير فرضها بزيادة السن فإذا جوزنا إخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفريضتين لأنه يخرج ابن لبون عن خمس وعشرين, ويخرجه عن ستة وثلاثين وهذا المعنى يختص الإبل فإن قيل: فالبقر أيضا يأخذ منها تبيعا عن ثلاثين وتبيعا عن أربعين إذا كانت أتبعة كلها, وقلنا: تؤخذ الصغيرة عن الصغار قلنا: هذا يلزم مثله في إخراج الأنثى فلا فرق ومن جوز إخراج الذكر في الكل, قال: يأخذ ابن لبون من خمس وعشرين قيمته دون قيمة ابن لبون يأخذه من ستة وثلاثين ويكون بينهما في القيمة كما بينهما في العدد, ويكون الفرض بصفة المال وإذا اعتبرنا القيمة لم يؤد إلى التسوية كما قلنا في الغنم.

فصل: ولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح, وإن كثرت قيمتها للنهي عن أخذها ولما فيه من الإضرار بالفقراء ولهذا يستحق ردها في البيع وإن كثرت قيمتها وإن كان في النصاب صحاح ومراض, أخرج صحيحة قيمتها على قدر قيمة المالين فإن كان النصاب كله مراضا إلا مقدار الفرض, فهو مخير بين إخراجه وبين شراء مريضة قليلة القيمة فيخرجها ولو كانت الصحيحة غير الفريضة بعدد الفريضة, مثل من وجب عليه ابنتا لبون وعنده حواران صحيحان كان عليه شراء صحيحتين, فيخرجهما وإن وجبت عليه حقتان وعنده ابنتا لبون صحيحتان خير بين إخراجهما مع الجبران وبين شراء حقتين صحيحتين على قدر قيمة المال وإن كان عنده جذعتان صحيحتان, فله إخراجهما مع أخذ الجبران وإن كانت عليه حقتان ونصف ماله صحيح ونصفه مريض فقال ابن عقيل له إخراج حقة صحيحة وحقة مريضة لأن النصف الذي يجب فيه إحدى الحقتين مريض كله والصحيح في المذهب خلاف هذا لأن في ماله صحيحا ومريضا فلم يملك إخراج مريضة, كما لو كان نصابا واحدا ولم يتعين النصف الذي وجبت فيه الحقة في المراض وكذلك لو كان لشريكين, لم يتعين حق أحدهما في المراض دون الآخر وإن كان النصاب مراضا كله فالصحيح في المذهب جواز إخراج الفرض منه ويكون وسطا في القيمة, ولا اعتبار بقلة العيب وكثرته لأن القيمة تأتي على ذلك وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال مالك إن كانت كلها جرباء أخرج جرباء وإن كانت كلها هتماء كلف شراء صحيحة وقال أبو بكر لا تجزئ إلا صحيحة لأن أحمد قال: لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي وللنهي عن أخذ ذات العوار, فعلى هذا يكلف شراء صحيحة بقدر قيمة المريضة ولنا قول النبي - ﷺ- : (إياك وكرائم أموالهم) وقال (إن الله تعالى لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره) رواه أبو داود, ولأن مبنى الزكاة على المواساة وتكليف الصحيحة عن المراض إخلال بالمواساة ولهذا يأخذ من الرديء من الحبوب والثمار من جنسه, ويأخذ من اللئام والهزال من المواشي من جنسه كذا ها هنا وقد ذكرنا أن الاستثناء في الحديث يدل على جواز إخراج المعيبة في بعض الأحوال أو نحمله على ما إذا كان فيه صحيح, فإن الغالب الصحة وإن كان جميع النصاب مريضا إلا بعض الفريضة أخرج الصحيحة, وتمم الفريضة من المراض على قدر المال ولا فرق في هذا بين الإبل والبقر والغنم والحكم في الهرمة كالحكم في المعيبة سواء. مسألة: قال: ( ولا الربى, ولا الماخض ولا الأكولة ) قال أحمد: الربى التي قد وضعت وهي تربي ولدها يعنى قريبة العهد بالولادة تقول العرب: في ربابها كما تقول: في نفاسها قال الشاعر: حنين أم البو في ربابها ** قال أحمد: والماخض التي قد حان ولادها فإن كان في بطنها ولد لم يحن ولادها, فهي خلفة وهذه الثلاث لا تؤخذ لحق رب المال قال عمر لساعيه: لا تأخذ الربى ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل الغنم وإن تطوع رب المال بإخراجها جاز أخذها, وله ثواب الفضل على ما ذكرنا في حديث أبي بن كعب وإذا ثبت هذا وأنه منع من أخذ الرديء من أجل الفقراء, ومن أخذ كرائم الأموال من أجل أربابه ثبت أن الحق في الوسط من المال قال الزهري إذا جاء المصدق قسم الشياه أثلاثا: ثلث خيار وثلث أوساط وثلث شرار, وأخذ المصدق من الوسط وروى نحو هذا عن عمر ـ رضي الله عنه ـ وقاله إمامنا وذهب إليه والأحاديث تدل على هذا, فروى أبو داود والنسائي بإسنادهما عن سعد بن دليم (قال: كنت في غنم لي, فجاءني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله - ﷺ- إليك لتؤدي إلينا صدقة غنمك قلت: وما على فيها؟ قالا: شاة فعمد إلى شاة قد عرف مكانها ممتلئة مخضا وشحما, فأخرجها إليهما فقالا: هذه شافع وقد نهى رسول الله - ﷺ- أن نأخذ شاة شافعا) والشافع: الحامل سميت بذلك لأن ولدها قد شفعها والمخض: اللبن (وقال سويد بن غفلة: سرت, أو أخبرني من سار مع مصدق رسول الله فإذا في عهد رسول الله - ﷺ- أن لا نأخذ من راضع لبن قال: فكان يأتي المياه حين ترد الغنم فيقول: أدوا صدقات أموالكم قال: فعمد رجل منهم إلى ناقة كوماء وهي العظيمة السنام, فأبى أن يقبلها) رواه أبو داود والنسائي وروى أبو داود بإسناده عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده, وأنه لا إله إلا هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام, ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة, ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره, ولم يأمركم بشره) رافدة: يعني معيبة والدرنة: الجرباء والشرط: رذالة المال.

 مسألة: 

قال: ( وتعد عليهم السخلة, ولا تؤخذ منهم ) السخلة بفتح السين وكسرها: الصغيرة من أولاد المعز وجملته أنه متى كان عنده نصاب كامل فنتجت منه سخال في أثناء الحول وجبت الزكاة في الجميع عند تمام حول الأمهات, في قول أكثر أهل العلم وحكى عن الحسن والنخعي لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول ولقوله عليه السلام (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ولنا ما روى عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه, ولا تأخذها منهم وهو مذهب على ولا نعرف لهما في عصرهما مخالفا فكان إجماعا, ولأنه نماء نصاب فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة, والخبر مخصوص بمال التجارة فنقيس عليه فأما إن لم يكمل النصاب إلا بالسخال احتسب الحول من حين كمل النصاب, في الصحيح من المذهب وهو قول الشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنه يعتبر حول الجميع من حين ملك الأمهات وهو قول مالك لأن الاعتبار بحول الأمهات دون السخال فيما إذا كانت نصابا وكذلك إذا لم تكن نصابا ولنا, أنه لم يحل الحول على نصاب فلم تجب الزكاة فيها كما لو كملت بغير سخالها, أو كمال التجارة فإنه لا تختلف الرواية فيه وإن نتجت السخال بعد الحول ضمت إلى أمهاتها في الحول الثاني وحده والحكم في فصلان الإبل, وعجول البقر كالحكم في السخال إذا ثبت هذا فإن السخلة لا تؤخذ في الزكاة لما قدمنا من قول عمر, ولما سنذكره في المسألة التي تلي هذه ولا نعلم فيه خلافا إلا أن يكون النصاب كله صغارا, فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب وإنما يتصور ذلك بأن يبدل كبارا بصغار في أثناء الحول, أو يكون عنده نصاب من الكبار فتوالد نصاب من الصغار ثم تموت الأمهات, ويحول الحول على الصغار وقال أبو بكر لا يؤخذ أيضا إلا كبيرة تجزئ في الأضحية وهو قول مالك لقول النبي - ﷺ- (إنما حقنا في الجذعة) أو الثنية ولأن زيادة السن في المال لا يزيد به الواجب كذلك نقصانه لا ينقص به ولنا قول الصديق ـ رضي الله عنه ـ والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ- لقاتلتهم عليها فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق, ولأنه مال تجب فيه الزكاة من غير اعتبار قيمته فيجب أن يأخذ من عينه كسائر الأموال, والحديث محمول على ما فيه كبار وأما زيادة السن فليس تمنع الرفق بالمالك في الموضعين كما أن ما دون النصاب عفو وما فوقه عفو, وظاهر قول أصحابنا أن الحكم في الفصلان والعجول كالحكم في السخال لما ذكرنا في الغنم ويكون التعديل بالقيمة مكان زيادة السن, كما قلنا في إخراج الذكر من الذكور ويحتمل أن لا يجوز إخراج الفصلان والعجول وهو قول الشافعي كي لا يفضي إلى التسوية بين الفروض فإنه يفضي إلى إخراج ابنة المخاض عن خمس وعشرين, وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين, ويخرج ابنتي اللبون عن ست وسبعين وإحدى وتسعين ومائة وعشرين, ويفضي إلى الانتقال من ابنة اللبون الواحدة من إحدى وستين إلى اثنتين في ست وسبعين مع تقارب الوقص بينهما, وبينهما في الأصل أربعون والخبر ورد في السخال فيمتنع قياس الفصلان والعجول عليهما لما بينهما من الفرق.

 فصل: 

وإن ملك نصابا من الصغار, انعقد عليه حول الزكاة من حين ملكه وعن أحمد لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنا يجزئ مثله في الزكاة وهو قول أبي حنيفة وحكي ذلك عن الشعبي لأنه روى عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ليس في السخال زكاة) وقال: (لا تأخذ من راضع لبن) ولأن السن معنى يتغير به الفرض فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد ولنا, أن السخال تعد مع غيرها فتعد منفردة كالأمهات, والخبر يرويه جابر الجعفي وهو ضعيف عن الشعبي مرسلا, ثم هو محمول على أنه لا تجب فيها قبل حول الحول والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلاف السن, فإذا قلنا بهذه الرواية فإذا ماتت الأمهات إلا واحدة لم ينقطع الحول, وإن ماتت كلها انقطع الحول.

 مسألة: 

قال: ( ويؤخذ من المعز الثني ومن الضأن الجذع ) وجملته أنه لا يجزئ في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن, وهو ما له ستة أشهر والثني من المعز وهو ما له سنة فإن تطوع المالك بأفضل منهما في السن جاز, فإن كان الفرض في النصاب أخذه وإن كان كله فوق الفرض خير المالك بين دفع واحدة منه وبين شراء الفرض فيخرجه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه: لا يجزئ إلا الثنية منهما جميعا لأنهما نوعا جنس, فكان الفرض منهما واحدا كأنواع الإبل والبقر وقال مالك تجزئ الجذعة منهما لذلك, ولقول النبي - ﷺ- : (إنما حقنا في الجذعة والثنية) ولنا على جواز إخراج الجذعة من الضأن مع هذا الخبر (قول سعد بن دليم: أتاني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله - ﷺ- إليك لتؤدي صدقة غنمك قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة أو ثنية) أخرجه أبو داود ولنا ما روي مالك عن سويد بن غفلة, قال: (أتانا مصدق رسول الله - ﷺ- وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز) وهذا صريح وفيه بيان المطلق في الحديثين قبله, ولأن جذعة الضأن تجزئ في الأضحية بخلاف جذعة المعز بدليل (قول النبي - ﷺ- لأبي بردة بن نيار, في جذعة المعز: تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك) قال إبراهيم الحربي إنما أجزأ الجذع من الضأن لأنه يلقح, والمعز لا يلقح إلا إذا كان ثنيا.

 مسألة: 

قال ( فإن كانت عشرين ضأنا وعشرين معزا أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف معز ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض, في إيجاب الزكاة وقال ابن المنذر أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على ضم الضأن إلى المعز إذا ثبت هذا فإنه يخرج الزكاة من أي الأنواع أحب, سواء دعت الحاجة إلى ذلك بأن يكون الواجب واحدا أو لا يكون أحد النوعين موجبا لواحد, أو لم يدع بأن يكون كل واحد من النوعين يجب فيه فريضة كاملة وقال عكرمة ومالك وإسحاق يخرج من أكثر العددين فإن استويا أخرج من أيهما شاء وقال الشافعي القياس أن يأخذ من كل نوع ما يخصه اختاره ابن المنذر لأنها أنواع تجب فيها الزكاة, فتجب زكاة كل نوع منه كأنواع الثمرة والحبوب ولنا أنهما نوعا جنس من الماشية, فجاز الإخراج من أيهما شاء كما لو استوى العددان وكالسمان والمهازيل, وما ذكره الشافعي يفضي إلى تشقيص الفرض وقد عدل إلى غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من أجله فالعدول إلى النوع أولى فإذا ثبت هذا فإنه يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعين, فإذا كان النوعان سواء وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر, أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف وإن كان الثلث معزا والثلثان ضأنا, أخرج ما قيمته أربعة عشر وإن كان الثلث ضأنا والثلثان معزا, أخرج ما قيمته ثلاثة عشر وهكذا لو كان في إبله عشر بخاتي وعشر مهرية وعشر عرابية, وقيمة ابنة المخاض البختية ثلاثون وقيمة المهرية أربعة وعشرون وقيمة العرابية اثنا عشر, أخرج ابنة مخاض قيمتها ثلث قيمة ابنة مخاض بختية وهو عشرة وثلث قيمة مهرية ثمانية, وثلث قيمة عرابية أربعة فصار الجميع اثنين وعشرين وهكذا الحكم في أنواع البقر وكذلك الحكم في السمان مع المهازيل, والكرام مع اللئام فأما الصحاح مع المراض والذكور مع الإناث والكبار مع الصغار, فيتعين عليه صحيحة كبيرة أنثى على قدر قيمة المالين إلا أن يتطوع رب المال بالفضل, وقد ذكر هذا.

 فصل: 

فإن أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله منه شيء ففيه وجهان: أحدهما يجزئ لأنه أخرج عنه من جنسه, فجاز كما لو كان المال نوعين فأخرج من أحدهما عنهما والثاني, لا يجزئ لأنه أخرج من غير نوع ماله أشبه ما لو أخرج من غير الجنس, وفارق ما إذا أخرج من أحد نوعي ماله لأنه جاز فرارا من تشقيص الفرض وقد جوز الشارع الإخراج من غير الجنس في قليل الإبل وشاة الجبران لذلك بخلاف مسألتنا.

 مسألة: 

قال ( وإن اختلط جماعة في خمس من الإبل, أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم وكان مرعاهم ومسرحهم ومبيتهم ومحلبهم وفحلهم واحدا, أخذت منهم الصدقة ) وجملته أن الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان وهي أن تكون الماشية مشتركة بينهما, لكل واحد منهما نصيب مشاع مثل أن يرثا نصابا أو يشترياه أو يوهب لهما, فيبقياه بحاله أو خلطة أوصاف وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزا, فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها وسواء تساويا في الشركة, أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسعة وثلاثون, أو يكون لأربعين رجلا أربعون شاة لكل واحد منهم شاة نص عليهما أحمد وهذا قول عطاء والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق وقال مالك إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة لا أثر لها بحال لأن ملك كل واحد دون النصاب, فلم يجب عليه زكاة كما لو لم يختلط بغيره ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين أن كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم, فوجبت عليه شاة لقوله عليه السلام: (في أربعين شاة شاة) ولنا ما روى البخاري في حديث أنس الذي ذكرنا أوله: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع, خشية الصدقة) وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف وقوله: لا يجمع بين متفرق إنما يكون هذا إذا كان لجماعة, فإن الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض وإن كان في أماكن وهكذا لا يفرق بين مجتمع ولأن للخلطة تأثيرا في تخفيف المؤنة, فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم والسقي وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع إذا ثبت هذا فإن خلطة الأوصاف يعتبر فيها اشتراكهم في خمسة أوصاف: المسرح والمبيت, والمحلب والمشرب والفحل قال أحمد: الخليطان أن يكون راعيهما واحدا, ومراحهما واحدا وشربهما واحدا وقد ذكر أحمد في كلامه شرطا سادسا وهو الراعي قال الخرقي: " وكان مرعاهم ومسرحهم واحدا " فيحتمل أنه أراد بالمرعى الراعي, ليكون موافقا لقول أحمد ولكون المرعى هو المسرح قال ابن حامد: المرعى والمسرح شرط واحد وإنما ذكر أحمد المسرح ليكون فيه راع واحد, والأصل في هذا ما روى الدارقطني في " سننه " بإسناده عن سعد بن أبى وقاص, قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة,) والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي " وروى " المرعى " وبنحو من هذا قال الشافعي وقال بعض أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان: الراعي والمرعى لقوله عليه السلام: " لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق " والاجتماع يحصل بذلك ويسمى خلطة, فاكتفى به ولنا قوله - ﷺ- : (والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل) فإن قيل: فلم اعتبرتم زيادة على هذا؟ قلنا: هذا تنبيه على بقية الشرائط وإلغاء لما ذكروه, ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف تأثيرا فاعتبر كالمرعى إذا ثبت هذا فالمبيت معروف وهو المراح الذي تروح إليه الماشية قال الله تعالى: {حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6]. والمسرح والمرعى واحد, وهو الذي ترعى فيه الماشية يقال: سرحت الغنم إذا مضت إلى المرعى, وسرحتها أي بالتخفيف والتثقيل ومنه قوله تعالى: {وحين تسرحون} والمحلب: الموضع الذي تحلب فيه الماشية, يشترط أن يكون واحدا ولا يفرد كل واحد منهما لحلب ماشيته موضعا وليس المراد منه خلط اللبن في إناء واحد لأن هذا ليس بمرفق, بل مشقة لما فيه من الحاجة إلى قسم اللبن ومعنى كون الفحل واحدا أن لا تكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره وكذلك الراعي, هو أن لا يكون لكل مال راع ينفرد برعايته دون الآخر ويشترط أن يكون المختلطان من أهل الزكاة فإن كان أحدهما ذميا أو مكاتبا لم يعتد بخلطته, ولا تشترط نية الخلطة وحكي عن القاضي أنه اشترطها ولنا قوله عليه السلام: (والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل) ولأن النية لا تؤثر في الخلطة, فلا تؤثر في حكمها ولأن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها فلم يتغير وجودها معه, كما لا تتغير نية السوم في الإسامة ولا نية السقي في الزرع والثمار ولا نية مضي الحول فيما يشترط الحول فيه.

 فصل: 

فإن كان بعض مال الرجل مختلطا, وبعضه منفردا أو مختلطا مع مال لرجل آخر فقال أصحابنا: يصير ماله كله كالمختلط, بشرط أن يكون مال الخلطة نصابا فإن كان دون النصاب لم يثبت حكمها فلو كان لرجل ستون شاة, منها عشرون مختلطة مع عشرين لرجل آخر وجب عليهما شاة واحدة ربعها على صاحب العشرين, وباقيها على صاحب الستين لأننا لما ضممنا ملك صاحب الستين صار صاحب العشرين كالمخالط لستين فيكون الجميع ثمانين عليها شاة بالحصص ولو كان لصاحب الستين ثلاثة خلطاء, كل واحد منهم بعشرين وجب على الجميع شاة نصفها على صاحب الستين, ونصفها على الخلطاء على كل واحد منهم سدس شاة ولو كان رجلان لكل واحد منهما ستون فخالط كل واحد منهما صاحبه بعشرين فقط, وجب عليهما شاة واحدة بينهما نصفين فإن اختلطا في أقل من ذلك لم يثبت لهما حكم الخلطة ووجب على كل واحد منهما شاة كاملة وإن اختلطا في أربعين, لواحد منهما عشرة وللآخر ثلاثون ثبت لهما حكم الخلطة لوجودها في نصاب كامل.

 فصل: 

ويعتبر اختلاطهم في جميع الحول, فإن ثبت لهم حكم الانفراد في بعضه زكوا زكاة المنفردين وبهذا قال الشافعي في الجديد وقال مالك لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول لقول النبي - ﷺ- : (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع) يعني في وقت أخذ الزكاة ولنا أن هذا مال ثبت له حكم الانفراد, فكانت زكاته زكاة المنفرد كما لو انفرد في آخر الحول والحديث محمول على المجتمع في جميع الحول إذا تقرر هذا فمتى كان لرجلين ثمانون شاة بينهما نصفين, وكانا منفردين فاختلطا في أثناء الحول فعلى كل واحد منهما عند تمام حوله شاة, وفيما بعد ذلك من السنين يزكيان زكاة الخلطة فإن اتفق حولاهما أخرجا شاة عند تمام كل حول على كل واحد منهما نصفها وإن اختلف حولاهما فعلى الأول منهما عند تمام حوله نصف شاة, فإذا تم حول الثاني فإن كان الأول أخرجها من غير المال فعلى الثاني نصف شاة أيضا, وإن أخرجها من النصاب نظرت فإن أخرج الشاة جميعها عن ملكه فعلى الثاني أربعون جزءا, من تسعة وسبعين جزءا من شاة وإن أخرج نصف شاة فعلى الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين ونصف جزء من شاة.

 فصل: 

وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه, ويتصور ذلك بأن يملك رجلان نصابين فيخلطاهما ثم يبيع أحدهما نصيبه أجنبيا أو يكون لأحدهما نصاب منفرد, فيشتري آخر نصابا ويخلطه به في الحال إذا قلنا: اليسير معفو عنه فإنه لا بد أن تكون عقيب ملكها منفردة في جزء, وإن قل أو يكون لأحدهما نصاب وللآخر دون النصاب فاختلطا في أثناء الحول, فإذا تم حول الأول فعليه شاة فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة على التفصيل الذي ذكرناه ويزكيان فيما بعد ذلك زكاة الخلطة, كلما تم حول أحدهما فعليه من زكاة الجميع بقدر ماله منه فإذا كان المالان جميعا ثمانين شاة فأخرج الأول منها شاة, زكاة الأربعين التي يملكها فعلى الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا فإن أخرج الشاة كلها من ملكه, وحال الحول الثاني فعلى الأول نصف شاة زكاة خلطة فإن أخرجه وحده, فعلى الثاني تسعة وثلاثون جزءا من سبعة وسبعين جزءا ونصف جزء من شاة وإن توالدت شيئا حسب معها.

 فصل: 

وإذا كان لرجل أربعون شاة, ومضى عليها بعض الحول فباع بعضها مشاعا في بعض الحول فقال أبو بكر ينقطع الحول ويستأنفان حولا من حين البيع لأن النصف المشترى قد انقطع الحول فيه, فكأنه لم يجز في حول الزكاة أصلا فلزم انقطاع الحول في الآخر وقال ابن حامد لا ينقطع الحول فيما بقي للبائع لأن حدوث الخلطة لا يمنع ابتداء الحول فلا يمنع استدامته, ولأنه لو خالط غيره في جميع الحول وجبت الزكاة فإذا خالط في بعضه نفسه, وفي بعضه غيره كان أولى بالإيجاب وإنما بطل حول المبيعة لانتقال الملك فيها, وإلا فهذه العشرون لم تزل مخالطة لمال جار في الزكاة وهكذا الحكم فيما إذا علم على بعضها وباعه مختلطا فأما إن أفرد بعضها وباعه فخلطه المشتري في الحال بغنم الأول, فقال ابن حامد ينقطع الحول لثبوت حكم الانفراد في البعض وقال القاضي: يحتمل أن يكون كما لو باعها مختلطة لأن هذا زمن يسير وهكذا الحكم فيما إذا كانت الأربعون لرجلين فباع أحدهما نصيبه أجنبيا فعلى هذا إذا تم حول الأول فعليه نصف شاة, ثم إذا تم حول الثاني نظرنا في البائع فإن كان أخرج الزكاة من غير المال فلا شيء على المشتري لأن النصاب نقص في بعض الحول إلا أن يكون الفقير مخالطا لهما بالنصف الذي صار له, فلا ينقص النصاب إذا ويخرج الثاني نصف شاة وإن كان الأول أخرج الزكاة من غير المال وقلنا: الزكاة تتعلق بالذمة وجب على المشتري نصف شاة وإن قلنا تتعلق بالعين فقال القاضي: يجب نصف شاة أيضا لأن تعلق الزكاة بالعين, لا بمعنى أن الفقراء ملكوا جزءا من النصاب بل بمعنى أنه تعلق حقهم به كتعلق أرش الجناية بالجاني, فلم يمنع وجوب الزكاة وقال أبو الخطاب لا شيء على المشتري لأن تعلق الزكاة بالعين نقص النصاب وهذا الصحيح فإن فائدة قولنا: الزكاة تتعلق بالعين إنما تظهر في منع الزكاة وقد ذكره القاضي في غير هذا الموضع وعلى قياس هذا لو كان لرجلين نصاب خلطة, فباع أحدهما خليطه في بعض الحول فهي عكس المسألة الأولى في الصورة ومثلها في المعنى لأنه كان في الأول خليط نفسه, ثم صار خليط أجنبي وها هنا كان خليط أجنبي ثم صار خليط نفسه ومثله لو كان رجلان متوارثان, لهما نصاب خلطة فمات أحدهما في بعض الحول فورثه صاحبه, على قياس قول أبي بكر لا يجب عليه شيء حتى يتم الحول على المالين من حين ملكه لهما إلا أن يكون أحدهما بمفرده يبلغ نصابا وعلى قياس قول ابن حامد تجب الزكاة في النصف الذي كان له خاصة.

 فصل: 

إذا استأجر أجيرا يرعي له بشاة معينة من النصاب, فحال الحول ولم يفردها فهما خليطان تجب عليهما زكاة الخلطة وإن أفردها قبل الحول, فلا شيء عليهما لنقصان النصاب وإن استأجره بشاة موصوفة في الذمة صح أيضا, فإذا حال الحول وليس له ما يقتضيه غير النصاب انبنى على الدين, هل يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة؟ وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى- .

 مسألة: 

قال: ( وتراجعوا فيما بينهم بالحصص ) قد ذكرنا أن الخلطاء تؤخذ الصدقة من أموالهم كما تؤخذ من مال الواحد وظاهر كلام أحمد أن الساعي يأخذ الفرض من مال أي الخليطين شاء, سواء دعت الحاجة إلى ذلك بأن تكون الفريضة عينا واحدة لا يمكن أخذها من المالين جميعا أو لا يجد فرضهما جميعا إلا في أحد المالين, مثل أن يكون مال أحدهما صحاحا كبارا ومال خليطه صغارا أو مراضا فإنه تجب صحيحة كبيرة, أو لم تدع الحاجة إلى ذلك بأن يجد فرض كل واحد من المالين فيه قال أحمد إنما يجيء المصدق فيجد الماشية فيصدقها, ليس يجيء فيقول: أي شيء لك؟ وإنما يصدق ما يجده والخليط قد ينفع وقد يضر قال الهيثم بن خارجة لأبي عبد الله أنا رأيت مسكينا كان له في غنم شاتان فجاء المصدق فأخذ إحداهما والوجه في ذلك قول النبي - ﷺ- (ما كان من خليطين, فإنهما يتراجعان بالسوية) وقوله: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهما خشيتان: خشية رب المال من زيادة الصدقة, وخشية الساعي من نقصانها فليس لأرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة التي كان الواجب في كل واحد منها شاة ليقل الواجب فيها, ولا أن يفرقوا أموالهم المجتمعة التي كان فيها باجتماعها فرض ليسقط عنها بتفرقتها, وليس للساعي أن يفرق بين الخلطاء لتكثر الزكاة ولا أن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة, ولأن المالين قد صارا كالمال الواحد في وجوب الزكاة فكذلك في إخراجها ومتى أخذ الساعى الفرض من مال أحدهما رجع على خليطه بقدر قيمة حصته من الفرض, فإذا كان لأحدهما ثلث المال وللآخر ثلثاه فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث, رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه وإن أخذه من الآخر رجع على صاحب الثلث بثلث قيمة المخرج والقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا, وعدمت البينة لأنه غارم فكان القول قوله كالغاصب إذا اختلفا في قيمة المغصوب بعد تلفه. فصل: إذا أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل, مثل أن يأخذ شاتين مكان شاة أو يأخذ جذعة مكان حقة لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إلا بقدر الواجب وإن كان بتأويل سائغ, مثل أن يأخذ الصحيحة عن المراض والكبيرة عن الصغار فإنه يرجع بالحصة منها لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام, فإذا أداه اجتهاده إلى أخذه وجب عليه دفعه إليه وصار بمنزلة الفرض الواجب وكذلك إذا أخذ القيمة, رجع بما يخص شريكه منها لأنه بتأويل.

 فصل: 

إذا ملك رجل أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر وأربعين في ربيع, فعليه في الأول عند تمام حوله شاة فإذا تم حول الثاني فعلى وجهين أحدهما, لا زكاة فيه لأن الجميع ملك واحد فلم يزد فرضه على شاة واحدة كما لو اتفقت أحواله والثاني, فيه الزكاة لأن الأول استقل بشاة فيجب الزكاة في الثاني وهي نصف شاة لاختلاطها بالأربعين الأولى من حين ملكها وإذا تم حول الثالث فعلى وجهين أحدهما لا زكاة فيه والثاني, فيه الزكاة وهو ثلث شاة لأنه ملكه مختلطا بالثمانين المتقدمة وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثالثا وهو أنه يجب في الثاني شاة كاملة, وفي الثالث شاة كاملة لأنه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه بنفسه فوجبت فيه شاة كاملة كما لو انفرد وهذا ضعيف لأنه لو كان المالك للثاني والثالث أجنبيين, ملكاهما مختلطين لم يكن عليهما إلا زكاة خلطة فإذا كان لمالك الأول كان أولى, فإن ضم بعض ماله إلى بعض أولى من ضم ملك الخليط إلى خليطه وإن ملك في الشهر الثاني ما يغير الفرض مثل أن ملك مائة شاة فعليه فيه عند تمام حوله شاة ثانية, على الوجه الأول وكذلك الثالث لأننا نجعل ملكه في الإيجاب كملكه للكل في حال واحدة فيصير كأنه ملك مائتين وأربعين, فيجب عليه ثلاث شياه عند تمام حول كل مال شاة وعلى الوجه الثاني يجب عليه في الشهر الثاني حصته من فرض المالين معا, وهو شاة وثلاثة أسباع شاة لأنه لو ملك المالين دفعة واحدة كان عليه فيهما شاتان حصة المائة منها خمسة أسباعهما, وهو شاة وثلاثة أسباع شاة وعليه في الثالث شاة وربع لأنه لو ملك الجميع دفعة واحدة وهو مائتان وأربعون شاة, لكان عليه ثلاث شياه حصة الثالث منهن ربعهن وسدسهن وهو شاة وربع ولو كان المالك للأموال الثلاثة ثلاثة أشخاص, وملك الثاني سائمته مختلطة بسائمة الأول ثم ملك الثالث سائمته مختلطة بغنمهما لكان الواجب على الثاني والثالث كالواجب على المالك في الوجه الثاني, لا غير.

 فصل: 

فإن ملك عشرين من الإبل في المحرم وخمسًا في صفر فعليه في العشرين عند تمام حولها, أربع شياه وفي الخمس عند تمام حولها خمس بنت مخاض على الوجهين الأولين وعلى الوجه الثالث عليه شاة وإن ملك في المحرم خمسا وعشرين, وفي صفر خمسا فعليه في الأول عند تمام حوله بنت مخاض ولا شيء عليه في الخمس في الوجه الأول وعلى الثاني: عليه سدس بنت مخاض وعلى الثالث عليه فيها شاة فإن ملك مع ذلك في ربيع شيئا, ففي الوجه الأول عليه في الأول عند تمام حوله بنت مخاض ولا شيء عليه في الخمس حتى يتم حول الست, فيجب فيهما ربع بنت لبون ونصف تسعها وفي الوجه الثاني عليه في الخمس سدس بنت مخاض إذا تم حولها وفي الست سدس بنت لبون عند تمام حولها وفي الوجه الثالث, عليه في الخمس الثانية شاة عند تمام حولها وفي الست شاة عند تمام حولها.

 فصل: 

فإن كانت سائمة الرجل في بلدان شتى وبينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة, أو كانت مجتمعة ضم بعضها إلى بعض وكانت زكاتها كزكاة المختلطة, بغير خلاف نعلمه وإن كان بين البلدان مسافة القصر فعن أحمد فيه روايتان إحداهما أن لكل مال حكم نفسه, يعتبر على حدته إن كان نصابا ففيه الزكاة وإلا فلا, ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر نص عليه قال ابن المنذر لا أعلم هذا القول عن غير أحمد واحتج بظاهر قوله عليه السلام: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهذا مفرق فلا يجمع, ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين في كونهما كالمال الواحد يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد, حتى يجعله كالمالين والرواية الثانية قال في من له مائة شاة في بلدان متفرقة: لا يأخذ المصدق منها شيئا لأنه لا يجمع بين متفرق وصاحبها إذا ضبط ذلك وعرفه أخرج هو بنفسه, يضعها في الفقراء روى هذا عن الميموني وحنبل وهذا يدل على أن زكاتها تجب مع اختلاف البلدان إلا أن الساعي لا يأخذها لكونه لا يجد نصابا كاملا مجتمعا ولا يعلم حقيقة الحال فيها, فأما المالك العالم بملكه نصابا كاملا فعليه أداء الزكاة وهذا اختيار أبي الخطاب ومذهب سائر الفقهاء قال مالك أحسن ما سمعت في من كان له غنم على راعيين متفرقين ببلدان شتى أن ذلك يجمع على صاحبه, فيؤدي صدقته وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى- لقوله عليه السلام: " في أربعين شاة شاة " ولأنه ملك واحد أشبه ما لو كان في بلدان متقاربة أو غير السائمة ونحمل كلام أحمد, في الرواية الأولى على أن المصدق لا يأخذها وأما رب المال فيخرج فعلى هذا يخرج الفرض في أحد البلدين شاء, لأنه موضع حاجة.

 فصل: 

ولا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة في الخيل الزكاة إذا كانت ذكورا وإناثا, وإن كانت ذكورا مفردة أو إناثا مفردة ففيها روايتان, وزكاتها دينار عن كل فرس أو ربع عشر قيمتها والخيرة في ذلك إلى صاحبها, أيهما شاء أخرج لما روى جابر أن النبي - ﷺ- قال: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار) وروى عن عمر أنه كان يأخذ من الرأس عشرة, ومن الفرس عشرة ومن البرذون خمسة ولأنه حيوان يطلب نماؤه من جهة السوم أشبه النعم ولنا, أن النبي - ﷺ- (قال: ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة) متفق عليه وفي لفظ: (ليس على الرجل في فرسه ولا في عبده صدقة) وعن على أن النبي - ﷺ- قال: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) رواه الترمذي وهذا هو الصحيح وروى أبو عبيد في " الغريب ", عن النبي - ﷺ- : (ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة) وفسر الجبهة بالخيل, والنخة بالرقيق والكسعة بالحمير وقال الكسائي: النخة: بضم النون: البقر العوامل ولأن ما لا زكاة في ذكوره المفردة وإناثه المفردة, لا زكاة فيهما إذا اجتمعا كالحمير ولأن ما لا يخرج زكاته من جنسه من السائمة لا تجب فيه كسائر الدواب, ولأن الخيل دواب فلا تجب الزكاة فيها كسائر الدواب, ولأنها ليست من بهيمة الأنعام فلم تجب زكاتها كالوحوش وحديثهم يرويه غورك السعدي, وهو ضعيف وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئا تبرعوا به وسألوه أخذه وعوضهم عنه برزق عبيدهم, فروى الإمام أحمد بإسناده عن حارثة قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا مالا وخيلا ورقيقا, نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله فاستشار أصحاب رسول الله - ﷺ- وفيهم على فقال: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك قال أحمد: فكان عمر يأخذ منهم ثم يرزق عبيدهم, فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه أحدها قوله: ما فعله صاحباي يعني النبي - ﷺ- وأبا بكر ولو كان واجبا لما تركا فعله الثاني, أن عمر امتنع من أخذها ولا يجوز له أن يمتنع من الواجب الثالث قول على: هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك فسمى جزية إن أخذوا بها, وجعل حسنه مشروطا بعدم أخذهم به فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز الرابع استشارة عمر أصحابه في أخذه, ولو كان واجبا لما احتاج إلى الاستشارة الخامس أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى على بهذا الشرط الذي ذكره ولو كان واجبا لأشاروا به السادس, أن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم والزكاة لا يؤخذ عنها عوض ولا يصح قياسها على النعم لأنها يكمل نماؤها وينتفع بدرها ولحمها, ويضحي بجنسها وتكون هديا وفدية عن محظورات الإحرام, وتجب الزكاة من عينها ويعتبر كمال نصابها ولا يعتبر قيمتها, والخيل بخلاف ذلك.

 مسألة: 

قال: ( والصدقة لا تجب إلا على أحرار المسلمين ) وفي بعض النسخ: " إلا على الأحرار المسلمين " ومعناهما واحد وهو أن الزكاة لا تجب إلا على حر مسلم تام الملك وهو قول أكثر أهل العلم, ولا نعلم فيه خلافا إلا عن عطاء وأبي ثور فإنهما قالا: على العبد زكاة ماله ولنا أن العبد ليس بتام الملك فلم تلزمه زكاة, كالمكاتب فأما الكافر فلا خلاف في أنه لا زكاة عليه ومتى صار أحد هؤلاء من أهل الزكاة وهو مالك للنصاب, استقبل به حولا ثم زكاه فأما الحر المسلم إذا ملك نصابا خاليا عن دين فعليه الزكاة عند تمام حوله, سواء كان كبيرا أو صغيرا أو عاقلا أو مجنونا.

 مسألة: 

قال: ( والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما ) وجملة ذلك أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون لوجود الشرائط الثلاث فيهما روي ذلك عن عمر وعلى وابن عمر وعائشة والحسن بن على وجابر ـ رضي الله عنه ـم ـ وبه قال جابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والشافعي والعنبري وابن عيينة وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ويحكى عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنهم قالوا: تجب الزكاة, ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه قال ابن مسعود أحصى ما يجب في مال اليتيم من الزكاة فإذا بلغ أعلمه, فإن شاء زكى وإن شاء لم يزك وروي نحو هذا عن إبراهيم وقال الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأبو وائل والنخعي وأبو حنيفة لا تجب الزكاة في أموالهما وقال أبو حنيفة يجب العشر في زروعهما وثمرتهما وتجب صدقة الفطر عليهما واحتج في نفي الزكاة بقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ, وعن المجنون حتى يفيق) وبأنها عبادة محضة فلا تجب عليهما كالصلاة والحج ولنا ما روي عن النبي - ﷺ- أنه قال: (من ولي يتيما له مال فليتجر له, ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) أخرجه الدارقطني وفي رواته المثنى بن الصباح وفيه مقال وروي موقوفا على عمر: " وإنما تأكله الصدقة بإخراجها " وإنما يجوز إخراجها إذا كانت واجبة لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم, ولأن من وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ورقه كالبالغ العاقل ويخالف الصلاة والصوم, فإنها مختصة بالبدن وبنية الصبي ضعيفة عنها والمجنون لا يتحقق منه نيتها, والزكاة حق يتعلق بالمال فأشبه نفقة الأقارب والزوجات وأروش الجنايات, وقيم المتلفات والحديث أريد به رفع الإثم والعبادات البدنية بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية, ثم هو مخصوص بما ذكرناه والزكاة في المال في معناه فنقيسها عليه إذا تقرر هذا, فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما لأنها زكاة واجبة فوجب إخراجها كزكاة البالغ العاقل, والولى يقوم مقامه في أداء ما عليه ولأنها حق واجب على الصبي والمجنون فكان على الولى أداؤه عنهما كنفقة أقاربه, وتعتبر نية الولي في الإخراج كما تعتبر النية من رب المال.

 مسألة: 

قال: [والسيد يزكي عما في يد عبده لأنه مالكه] يعني أن السيد مالك لما في يد عبده وقد اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله- في زكاة مال العبد الذي ملكه إياه فروي عنه: زكاته على سيده هذا مذهب سفيان وإسحاق وأصحاب الرأي وروي عنه: لا زكاة في ماله لا على العبد ولا على سيده قال ابن المنذر: وهذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأبي عبيد وللشافعي قولان كالمذهبين قال أبو بكر المسألة مبنية على الروايتين في ملك العبد إذا ملكه سيده إحداهما, لا يملك قال أبو بكر وهو اختياري وهو ظاهر كلام الخرقي ها هنا لأنه جعل السيد مالكا لمال عبده ولو كان مملوكا للعبد لم يكن مملوكا لسيده لأنه لا يتصور اجتماع ملكين كاملين في مال واحد, ووجهه أن العبد مال فلا يملك المال كالبهائم فعلى هذا تكون زكاته على سيد العبد, لأنه ملك له في يد عبده فكانت زكاته عليه كالمال الذي في يد المضارب والوكيل والثانية, يملك لأنه آدمي يملك النكاح فملك المال كالحر, وذلك لأنه بالآدمية يتمهد للملك من قبل أن الله تعالى خلق المال لبني آدم ليستعينوا به على القيام بوظائف العبادات وأعباء التكاليف, فإن الله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا فبالآدمية يتمهد للملك ويصلح له كما يتمهد للتكليف والعبادة فعلى هذا لا زكاة على السيد في مال العبد لأنه لا يملكه, ولا على العبد لأن ملكه ناقص والزكاة إنما تجب على تام الملك.

 فصل: 

ومن بعضه حر عليه زكاة ماله لأنه يملكه بجزئه الحر ويورث عنه, وملكه كامل فيه فكانت زكاته عليه كالحر الكامل والمدبر وأم الولد كالقن لأنه لا حرية فيهما.

 مسألة: 

قال: [ولا زكاة على مكاتب] فإن عجز استقبل سيده بما في يده من المال حولا وزكاة, إن كان نصابا وإن أدى وبقي في يده نصاب للزكاة, استقبل به حولا لا أعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا زكاة على المكاتب ولا على سيده في ماله إلا قول أبي ثور ذكر ابن المنذر نحو هذا واحتج أبو ثور بأن الحجر من السيد لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على الصبي والمجنون والمرهون وحكي عن أبي حنيفة أنه أوجب العشر في الخارج من أرضه بناء على أصله في أن العشر مؤنة الأرض, وليس بزكاة ولنا ما روي أن النبي - ﷺ- قال: (لا زكاة في مال المكاتب) رواه الفقهاء في كتبهم ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة, فلم تجب في مال المكاتب كنفقة الأقارب وفارق المحجور عليه, فإنه منع التصرف لنقص تصرفه لا لنقص ملكه والمرهون منع من التصرف فيه بعقده, فلم يسقط حق الله تعالى ومتى كان منع التصرف فيه لدين لا يمكن وفاؤه من غيره فلا زكاة عليه إذا ثبت هذا, فمتى عجز ورد في الرق صار ما كان في يده ملكا لسيده فإن كانا نصابا, أو يبلغ بضمه إلى ما في يده نصابا استأنف له حولا من حين ملكه وزكاه, كالمستفاد سواء ولا أعلم في هذا خلافا فإن أدى المكاتب نجوم كتابته وبقي في يده نصاب فقد صار حرا كامل الملك, فيستأنف الحول من حين عتقه ويزكيه إذا تم الحول والله أعلم.

 مسألة: 

قال: ( ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) وروى أبو عبد الله بن ماجه, في " السنن " بإسناده عن عمرة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وهذا اللفظ غير مبق على عمومه فإن الأموال الزكاتية خمسة: السائمة من بهيمة الأنعام, والأثمان وهي الذهب والفضة وقيم عروض التجارة وهذه الثلاثة الحول شرط في وجوب زكاتها لا نعلم فيه خلافا, سوى ما سنذكره في المستفاد والرابع: ما يكال ويدخر من الزروع والثمار والخامس: المعدن وهذان لا يعتبر لهما حول والفرق بين ما اعتبر له الحول وما لم يعتبر له أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء, فالماشية مرصدة للدر والنسل وعروض التجارة مرصدة للربح وكذا الأثمان, فاعتبر له الحول فإنه مظنة النماء ليكون إخراج الزكاة من الربح فإنه أسهل وأيسر, ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة ولم نعتبر حقيقة النماء لكثرة اختلافه وعدم ضبطه, ولأن ما اعتبرت مظنته لم يلتفت إلى حقيقته كالحكم مع الأسباب ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال, فلا بد لها من ضابط كي لا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد مرات فينفد مال المالك أما الزروع والثمار, فهي نماء في نفسها تتكامل عند إخراج الزكاة منها فتؤخذ الزكاة منها حينئذ, ثم تعود في النقص لا في النماء فلا تجب فيها زكاة ثانية لعدم إرصادها للنماء والخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض, بمنزلة الزرع والثمر إلا أنه إن كان من جنس الأثمان ففيه الزكاة عند كل حول, لأنه مظنة للنماء من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات, وبهذا تحصل المضاربة والشركة وهي مخلوقة لذلك فكانت بأصلها وخلقتها, كمال التجارة المعد لها.

 فصل: 

فإن استفاد مالا مما يعتبر له الحول ولا مال له سواه وكان نصابا, أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصابا فبلغ بالمستفاد نصابا انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ, فإذا تم حول وجبت الزكاة فيه وإن كان عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام: أحدها, أن يكون المستفاد من نمائه كربح مال التجارة ونتاج السائمة فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله فيعتبر حوله بحوله لا نعلم فيه خلافا لأنه تبع له من جنسه, فأشبه النماء المتصل وهو زيادة قيمة عروض التجارة ويشمل العبد والجارية الثاني, أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده فهذا له حكم نفسه لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب, بل إن كان نصابا استقبل به حولا وزكاه وإلا فلا شيء فيه وهذا قول جمهور العلماء وروي عن ابن مسعود وابن عباس ومعاوية أن الزكاة تجب فيه حين استفاده قال أحمد عن غير واحد: يزكيه حين يستفيده وروي بإسناده عن ابن مسعود قال: كان عبد الله يعطينا ويزكيه وعن الأوزاعي في من باع عبده أو داره, أنه يزكي الثمن حين يقع في يده إلا أن يكون له شهر يعلم فيؤخره حتى يزكيه مع ماله وجمهور العلماء على خلاف هذا القول منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ـ رضي الله عنه ـم ـ قال ابن عبد البر على هذا جمهور العلماء والخلاف في ذلك شذوذ, ولم يعرج عليه أحد من العلماء ولا قال به أحد من أئمة الفتوى وقد روي عن أحمد في من باع داره بعشرة آلاف درهم إلى سنة إذا قبض المال يزكيه وإنما نرى أن أحمد قال ذلك لأنه ملك الدراهم في أول الحول, وصارت دينا له على المشترى فإذا قبضه زكاه للحول الذي مر عليه في ملكه كسائر الديون وقد صرح بهذا المعنى في رواية بكر بن محمد, عن أبيه فقال: إذا كرى دارا أو عبدا في سنة بألف فحصلت له الدراهم وقبضها, زكاها إذا حال عليها الحول من حين قبضها وإن كانت على المكتري فمن يوم وجبت له فيها الزكاة بمنزلة الدين إذا وجب له على صاحبه, زكاة من يوم وجب له القسم الثالث أن يستفيد مالا من جنس نصاب عنده قد انعقد عليه حول الزكاة بسبب مستقل, مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول فيشترى أو يتهب مائة, فهذا لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حول أيضا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يضمه إلى ما عنده في الحول فيزكيهما جميعا عند تمام حول المال الذي كان عنده إلا أن يكون عوضا عن مال مزكى لأنه يضم إلى جنسه في النصاب, فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج ولأنه إذا ضم في النصاب وهو سبب فضمه إليه في الحول الذي هو شرط أولي وبيان ذلك أنه لو كان عنده مائتا درهم, مضى عليها نصف الحول فوهب له مائة أخرى فإن الزكاة تجب فيها إذا تم حولها, بغير خلاف ولولا المائتان ما وجب فيها شيء فإذا ضمت إلى المائتين في أصل الوجوب فكذلك في وقته, ولأن إفراده بالحول يفضي إلى تشقيص الواجب في السائمة واختلاف أوقات الواجب والحاجة إلى ضبط مواقيت التملك, ومعرفة قدر الواجب في كل جزء ملكه ووجوب القدر اليسير الذي لا يتمكن من إخراجه ثم يتكرر ذلك في كل حول ووقت, وهذا حرج مدفوع بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. وقد اعتبر الشرع ذلك بإيجاب غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الإبل وجعل الأوقاص في السائمة وضم الأرباح والنتاج إلى حول أصلها مقرونا بدفع هذه المفسدة, فيدل على أنه علة لذلك فيجب تعدية الحكم إلى محل النزاع وقال مالك كقوله في السائمة دفعا للتشقيص في الواجب وكقولنا في الأثمان لعدم ذلك فيها ولنا, حديث عائشة عن النبي - ﷺ- : (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وروى الترمذي عن ابن عمر, أنه قال: من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول وروي مرفوعا عن النبي - ﷺ- إلا أن الترمذي قال: الموقوف أصح وإنما رفعه عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم, وهو ضعيف وقد روي عن أبي بكر الصديق وعلى وابن عمر وعائشة وعطاء وعمر بن عبد العزيز وسالم والنخعي أنه لا زكاة في المستفاد حتى يحول عليه الحول ولأنه مملوك أصلا فيعتبر فيه الحول شرطا كالمستفاد من غير الجنس, ولا تشبه هذه الأموال الزروع والثمار لأنها تتكامل ثمارها دفعة واحدة ولهذا لا تتكرر الزكاة فيها, وهذه نماؤها بنقلها فاحتاجت إلى الحول وأما الأرباح والنتاج فإنما ضمت إلى أصلها لأنها تبع له, ومتولدة منه ولم يوجد ذلك في مسألتنا وإن سلمنا أن علة ضمها, ما ذكروه من الحرج فلا يوجد ذلك في مسألتنا لأن الأرباح تكثر وتتكرر في الأيام والساعات ويعسر ضبطها, وكذلك النتاج وقد يوجد ولا يشعر به فالمشقة فيه أتم, لكثرة تكرره بخلاف هذه الأسباب المستقلة فإن الميراث والاغتنام والاتهاب ونحو ذلك يندر ولا يتكرر, فلا يشق ذلك فيه وإن شق فهو دون المشقة في الأرباح والنتاج فيمتنع قياسه عليه واليسر فيما ذكرنا أكثر لأن الإنسان يتخير بين التأخير والتعجيل, وما ذكروه يتعين عليه التعجيل ولا شك أن التخيير بين شيئين أيسر من تعيين أحدهما لأنه مع التخيير, فيختار أيسرهما عليه وأحبهما إليه ومع التعيين يفوته ذلك وأما ضمه إليه في النصاب, فلأن النصاب معتبر لحصول الغنى وقد حصل الغنى بالنصاب الأول والحول معتبر, لاستنماء المال ليحصل أداء الزكاة من الربح ولا يحصل ذلك بمرور الحول على أصله فوجب أن يعتبر الحول له.

 فصل: 

ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول, فإن نقص الحول نقصا يسيرا فقال أبو بكر ثبت أن نقص الحول ساعة أو ساعتين معفو عنه وظاهر كلام القاضي, أن النقص اليسير في أثناء الحول يمنع لأنه قال في من له أربعون شاة فماتت منها شاة ونتجت أخرى: إذا كان النتاج والموت حصلا في وقت واحد لم تسقط الزكاة لأن النصاب لم ينقص وكذلك إن تقدم النتاج الموت وإن تقدم الموت النتاج سقطت الزكاة لأن حكم الحول سقط بنقصان النصاب ويحتمل أن كلام أبي بكر أراد به النقص في طرف الحول, ويحتمل أن القاضي أراد بالوقت الواحد الزمن المتقارب فلا يكون بين القولين اختلاف وحكى عن أبي حنيفة أن النصاب إذا كمل في طرفي الحول لم يضر نقصه في وسطه ولنا, أن قول النبي - ﷺ- : (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) يقتضي مرور الحول على جميعه ولأن ما اعتبر في طرفي الحول اعتبر في وسطه كالملك والإسلام.

 فصل: 

وإذا ادعى رب المال أنه ما حال الحول على المال, أو لم يتم النصاب إلا منذ شهر أو أنه كان في يدي وديعة وإنما اشتريته من قريب, أو قال: بعته في الحول ثم اشتريته أو رد على ونحو هذا مما ينفي وجوب الزكاة, فالقول قوله من غير يمين قال أحمد في رواية صالح: لا يستحلف الناس على صدقاتهم فظاهر هذا أنه لا يستحلف وجوبا ولا استحبابا وذلك لأن الزكاة عبادة فالقول قول من تجب عليه بغير يمين كالصلاة والكفارات.

 مسألة: 

قال: ( ويجوز تقدمة الزكاة ) وجملته أنه متى وجد سبب وجوب الزكاة, وهو النصاب الكامل جاز تقديم الزكاة وبهذا قال الحسن وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وحكي عن الحسن أنه لا يجوز وبه قال ربيعة ومالك وداود لأنه روي عن النبي - ﷺ- ( أنه قال: لا تؤدى زكاة قبل حلول الحول) ولأن الحول أحد شرطي الزكاة, فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب ولأن للزكاة وقتا فلم يجز تقديمها عليه, كالصلاة ولنا ما روي على (أن العباس سأل رسول الله - ﷺ- في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك وفي لفظ: في تعجيل الزكاة, فرخص له في ذلك رواه أبو داود) رواه أبو داود وقال يعقوب بن شيبة: هو أثبتها إسنادا وروى الترمذي عن على (عن النبي - ﷺ- : أنه قال لعمر: إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام وفي لفظ قال: إنا كنا تعجلنا صدقة العباس لعامنا هذا عام أول) رواه سعيد عن عطاء وابن أبي مليكة, والحسن بن مسلم عن النبي - ﷺ- مرسلا ولأنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه, فجاز كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث, وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق وقد سلم مالك تعجيل الكفارة وفارق تقديمها على النصاب, لأنه تقديم لها على سببها فأشبه تقديم الكفارة على اليمين وكفارة القتل على الجرح, ولأنه قد قدمها على الشرطين وهاهنا قدمها على أحدهما وقولهم: إن للزكاة وقتا قلنا: الوقت إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه, كالدين المؤجل وكمن أدى زكاة مال غائب وإن لم يكن على يقين من وجوبها, ومن الجائز أن يكون المال تالفا في ذلك الوقت وأما الصلاة والصيام فتعبد محض والتوقيت فيهما غير معقول, فيجب أن يقتصر عليه.

 فصل: 

وإن عجل زكاة نصاب من الماشية فتوالدت نصابا ثم ماتت الأمهات وحال الحول على النتاج, أجزأ المعجل عنها لأنها دخلت في حول الأمهات وقامت مقامها فأجزأت زكاتها عنها فإذا كان عنده أربعون من الغنم, فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وماتت الأمهات, وحال الحول على السخال أجزأت المعجلة عنها لأنها كانت مجزئة عنها وعن أمهاتها لو بقيت, فلأن تجزئ عن إحداهما أولى وإن كان عنده ثلاثون من البقر فعجل عنها تبيعا ثم توالدت ثلاثين عجلة, وماتت الأمهات وحال الحول على العجول احتمل أن يجزئ عنها, لأنها تابعة لها في الحول واحتمل أن لا يجزئ عنها لأنه لو عجل عنها تبيعا مع بقاء الأمهات لم يجزئ عنها فلأن لا يجزئ عنها إذا كان التعجيل عن غيرها أولى وهكذا الحكم في مائة شاة إذا عجل عنها شاة فتوالدت مائة ثم ماتت الأمهات, وحال الحول على السخال وإن توالد نصفها ومات نصف الأمهات وحال الحول على الصغار ونصف الكبار, فإن قلنا بالوجه الأول أجزأ المعجل عنهما جميعا وإن قلنا بالثاني فعليه في الخمسين سخلة شاة لأنها نصاب لم تؤد زكاته وليس عليه في العجول إذا كانت خمسة عشر شيء, لأنها لم تبلغ نصابا وإنما وجبت الزكاة فيها بناء على أمهاتها التي عجلت زكاتها وإن ملك ثلاثين من البقر فعجل مسنة زكاة لها ولنتاجها, فنتجت عشرا أجزأته عن الثلاثين دون العشر ووجب عليه في العشر ربع مسنة ويحتمل أن تجزئه المسنة المعجلة عن الجميع لأن العشر تابعة للثلاثين في الوجوب والحول فإنه لولا ملكه للثلاثين لما وجب عليه في العشر شيء فصارت الزيادة على النصاب منقسمة أربعة أقسام: أحدها, ما لا يتبع في وجوب ولا حول وهو المستفاد من غير الجنس ولا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده, وكمال نصابه بغير خلاف الثاني ما يتبع في الوجوب دون الحال, وهو المستفاد من الجنس بسبب مستقل فلا يجزئ تعجيل زكاته أيضا قبل وجوده مع الخلاف في ذلك الثالث, ما يتبع في الحول دون الوجوب كالنتاج والربح إذا بلغ نصابا فإنه يتبع أصله في الحول, فلا يجزئ التعجيل عنه قبل وجوده كالذي قبله الرابع ما يتبع في الوجوب والحول, وهو الربح والنتاج إذا لم يبلغ نصابا فهذا يحتمل وجهين أحدهما لا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده, كالذي قبله والثاني: يجزئ لأنه تابع له في الوجوب والحول فأشبه الموجود.

 فصل: 

إذا عجل الزكاة لأكثر من حول ففيه روايتان إحداهما, لا يجوز لأن النص لم يرد بتعجيلها لأكثر من حول والثانية يجوز وروي عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يخرج الرجل زكاة ماله قبل حلها لثلاث سنين لأنه تعجيل لها بعد وجود النصاب أشبه تقديمها على الحول الواحد وما لم يرد به النص يقاس على المنصوص عليه إذا كان في معناه, ولا نعلم له معنى سوى أنه تقديم للمال الذي وجد سبب وجوبه على شرط وجوبه وهذا متحقق في التقديم في الحولين كتحققه في الحول الواحد فعلى هذا إذا كان عنده أكثر من النصاب, فعجل زكاته لحولين جاز وإن كان قدر النصاب مثل من عنده أربعون شاة فعجل شاتين لحولين وكان المعجل من غيره جاز وإن أخرج شاة منه وشاة من غيره جاز عن الحول الأول ولم يجز عن الثاني لأن النصاب نقص فإن كمل بعد ذلك وصار إخراج زكاته وتعجيله لها قبل كمال نصابها وإن أخرج الشاتين جميعا من النصاب لم تجز الزكاة في الحول الأول إذا قلنا ليس له ارتجاع ما عجله لأنه كالتالف فيكون النصاب ناقصا فإن كمل بعد ذلك استؤنف الحول من حين كمل النصاب وكان ما عجله سابقا على كمال النصاب فلم يجز عنه.

 فصل: 

وإن عجل زكاة ماله فحال الحول والنصاب ناقص مقدار ما عجله أجزأت عنه ويكون حكم ما عجله حكم الموجود في ملكه يتم النصاب به فلو زاد ماله حتى بلغ النصاب أو زاد عليه وحال الحول أجزأ المعجل عن زكاته لما ذكرنا فإن نقص أكثر مما عجله فقد خرج بذلك من كونه سببا للزكاة مثل من له أربعون شاة فعجل شاة ثم تلفت أخرى فقد خرج عن كونه سببا للزكاة فإن زاد بعد ذلك إما بنتاج أو شراء ما يتم به النصاب استؤنف الحول من حين كمل النصاب ولم يجز ما عجله عنه لما ذكرنا وإن زاد بحيث يكون انضمامه إلى ما عجله يتغير به الفرض, مثل من له مائة وعشرون فعجل زكاتها شاة ثم حال الحول وقد أنتجت سخلة فإنه يلزمه إخراج شاة ثانية وبما ذكرناه قال الشافعي وقال أبو حنيفة ما عجله في حكم التالف فقال في المسألة الأولى لا تجب الزكاة ولا يكون المخرج زكاة وقال في هذه المسألة لا يجب عليه زيادة لأن ما عجله زال ملكه عنه فلم يحسب من ماله كما لو تصدق به تطوعا ولنا أن هذا نصاب تجب فيه الزكاة بحول الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان أكثر من أربعين ولأن ما عجله بمنزلة الموجود في إجزائه عن ماله فكان بمنزلة الموجود في تعلق الزكاة به ولأنها لو لم تعجل كان عليه شاتان فكذلك إذا عجلت لأن التعجيل إنما كان رفقا بالمساكين فلا يصير سببا لنقص حقوقهم والتبرع يخرج ما تبرع به عن حكم الموجود في ماله وهذا في حكم الموجود في الإجزاء عن الزكاة

 فصل: 

وكل موضع قلنا لا يجزئه ما عجله عن الزكاة فإن كان دفعها إلى الفقراء مطلقا فليس له الرجوع فيها وإن كان دفعها بشرط أنها زكاة معجلة فهل له الرجوع على وجهين يأتي توجيههما.

 فصل: 

فأما تعجيل العشر من الزرع والثمر فظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز لأنه قال كل ما تتعلق الزكاة فيه بسببين: حول ونصاب جاز تعجيل زكاته فمفهوم هذا أنه لا يجوز تعجيل زكاة غيره لأن الزكاة معلقة بسبب واحد وهو ادراك الزرع والثمرة فإذا قدمها قدمها قبل وجود سببها لكن إن أداها بعد الإدراك وقبل يبس الثمرة وتصفية الحب جاز وقال أبو الخطاب يجوز إخراجها بعد وجود الطلع والحصرم, ونبات الزرع ولا يجوز قبل ذلك لأن وجود الزرع واطلاع النخيل بمنزلة النصاب والإدراك بمنزلة حلول الحول فجاز تقديمها عليه وتعلق الزكاة بالإدراك لا يمنع جواز التعجيل بدليل أن زكاة الفطر يتعلق وجوبها بهلال شوال, وهو زمن الوجوب فإذا ثبت هذا فإنه لا يجوز تقديمها قبل ذلك لأنه يكون قبل وجود سببها.

 فصل: 

وإن عجل زكاة ماله ثم مات, فأراد الوارث الاحتساب بها عن زكاة حوله لم يجز وذكر القاضي وجها في جوازه بناء على ما لو عجل زكاة عامين ولا يصح لأنه تعجيل للزكاة قبل وجود سببها, أشبه ما لو عجل زكاة نصاب لغيره ثم اشتراه وذلك لأن سبب الزكاة ملك النصاب, وملك الوارث حادث ولا يبني الوارث على حول الموروث ولأنه لم يخرج الزكاة, وإنما أخرجها غيره عن نفسه وإخراج الغير عنه من غير ولاية ولا نيابة لا يجزئ ولو نوى فكيف إذا لم ينو وقد قال أصحابنا: لو أخرج زكاته وقال: إن كان مورثي قد مات فهذه زكاة ماله, فبان أنه قد مات لم يقع الموقع وهذا أبلغ ولا يشبه هذا تعجيل زكاة العامين لأنه عجل بعد وجود السبب, وأخرجها بنفسه بخلاف هذا فإن قيل: فإنه لما مات المورث قبل الحول كان للوارث ارتجاعها, فإذا لم يرتجعها احتسب بها كالدين قلنا: فلو أراد أن يحتسب الدين عن زكاته لم يصح ولو كان له عند رجل شاة من غصب أو قرض فأراد أن يحسبها عن زكاته, لم تجزه.

 مسألة: 

قال: [ومن قدم زكاة ماله فأعطاها لمستحقها فمات المعطي قبل الحول, أو بلغ الحول وهو غنى منها أو من غيرها أجزأت عنه] وجملة ذلك أنه إذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها, لم يخل من أربعة أقسام: أحدها أن لا يتغير الحال فإن المدفوع يقع موقعه, ويجزئ عن المزكي ولا يلزمه بدله ولا له استرجاعه, كما لو دفعها بعد وجوبها الثاني: أن يتغير حال الآخذ لها بأن يموت قبل الحول أو يستغني, أو يرتد قبل الحول فهذا في حكم القسم الذي قبله وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يجزئ لأن ما كان شرطا للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجز كما لو تلف المال, أو مات ربه ولنا أنه أدى الزكاة إلى مستحقها فلم يمنع الإجزاء تغير حاله, كما لو استغنى بها ولأنه حق أداه إلى مستحقه فبرئ منه, كالدين يعجله قبل أجله وما ذكروه منتقض بما إذا استغنى بها والحكم في الأصل ممنوع, ثم الفرق بينهما ظاهر فإن المال إذا تلف تبين عدم الوجوب فأشبه ما لو أدى إلى غريمه دراهم يظنها عليه فتبين أنها ليست عليه, وكما لو أدى الضامن الدين فبان أن المضمون عنه قد قضاه وفي مسألتنا الحق واجب, وقد أخذه مستحقه القسم الثالث أن يتغير حال رب المال قبل الحول بموته أو ردته أو تلف النصاب, أو نقصه أو بيعه فقال أبو بكر: لا يرجع بها على الفقير, سواء أعلمه أنها زكاة معجلة أو لم يعلمه وقال القاضي: وهو المذهب عندي لأنها وصلت إلى الفقير فلم يكن له ارتجاعها كما لو لم يعلمه ولأنها زكاة دفعت إلى مستحقها, فلم يجز استرجاعها كما لو تغير حال الفقير وحده قال أبو عبد الله بن حامد: إن كان الدافع لها الساعي استرجعها بكل حال, وإن كان الدافع رب المال وأعلمه أنها زكاة معجلة رجع بها, وإن أطلق لم يرجع بها وهذا مذهب الشافعي لأنه مال دفعه عما يستحقه القابض في الثاني فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى, أما إذا لم يعلمه فيحتمل أن يكون تطوعا ويحتمل أن يكون هبة فلم يقبل قوله في الرجوع فعلى قول ابن حامد إن كانت العين باقية لم تتغير, أخذها وإن زادت زيادة متصلة أخذها بزيادتها لأنها تمنع في الفسوخ, وإن كانت منفصلة أخذها دون زيادتها لأنها حدثت في ملك الفقير وإن كانت ناقصة رجع على الفقير بالنقص لأن الفقير قد ملكها بالنقص فكان نقصها عليه, كالمبيع إذا نقص في يد المشترى ثم علم عيبه وإن كانت تالفة أخذ قيمتها يوم القبض لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص فإنما هو في ملك الفقير فلم يضمنه, كالصداق يتلف في يد المرأة القسم الرابع أن يتغير حالهما جميعا فحكمه حكم القسم الذي قبله سواء.

 فصل: 

إذا قال رب المال: قد أعلمته أنها زكاة معجلة, فلي الرجوع فأنكر الآخذ فالقول قول الآخذ لأنه منكر والأصل عدم الإعلام وعليه اليمين وإن مات الآخذ واختلف المخرج ووارث الآخذ فالقول قول الوارث, ويحلف أنه لا يعلم أن مورثه أعلم بذلك فأما من قال بعدم الاسترجاع فلا يمين ولا غيرها.

 فصل: 

إذا تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده, فلا ضمان عليه وكانت من ضمان الفقراء ولا فرق بين أن يسأله ذلك رب المال أو الفقراء أو لم يسأله أحد لأن يده كيد الفقراء وقال الشافعي: إن تسلفها من غير سؤال ضمنها لأن الفقراء رشد, لا يولي عليهم فإذا قبض بغير إذنهم ضمن كالأب إذا قبض لابنه الكبير وإن كان بسؤالهم كان من ضمانهم لأنه وكيلهم فإذا كان بسؤال أرباب الأموال, لم يجزئهم الدفع وكان من ضمانهم لأنه وكيلهم وإن كان بسؤالهم ففيه وجهان أصحهما, أنه من ضمان الفقراء ولنا أن للإمام ولاية على الفقراء بدليل جواز قبض الصدقة لهم بغير إذنهم سلفا وغيره, فإذا تلفت في يده من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم إذا قبض له وما ذكروه يبطل بما إذا قبض الصدقة بعد وجوبها, وفارق الأب في حق ولده الكبير فإنه لا يجوز له القبض له لعدم ولايته عليه ولهذا يضمن ما قبضه له من الحق بعد وجوبه.

 مسألة: 

قال: ( ولا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية ) إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا مذهب عامة الفقهاء أن النية شرط في أداء الزكاة إلا ما حكي عن الأوزاعي أنه قال: لا تجب لها النية, لأنها دين فلا تجب لها النية كسائر الديون ولهذا يخرجها ولي اليتيم, ويأخذها السلطان من الممتنع ولنا قول النبي - ﷺ- : (إنما الأعمال بالنيات) وأداؤها عمل ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل, فافتقرت إلى النية كالصلاة وتفارق قضاء الدين فإنه ليس بعبادة ولهذا يسقط بإسقاط مستحقه, وولي الصبي والسلطان ينوبان عند الحاجة فإذا ثبت هذا فإن النية أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه كالصبي والمجنون ومحلها القلب لأن محل الاعتقادات كلها القلب.

 فصل: 

ويجوز تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير, كسائر العبادات ولأن هذه تجوز النيابة فيها فاعتبار مقارنة النية للإخراج يؤدي إلى التغرير بماله فإن دفع الزكاة إلى وكيله, ونوى هو دون الوكيل جاز إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل وإن تقدمت بزمن طويل لم يجز إلا أن يكون قد نوى حال الدفع إلى الوكيل, ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجز لأن الفرض يتعلق به والإجزاء يقع عنه وإن دفعها إلى الإمام ناويا ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء, جاز وإن طال لأنه وكيل الفقراء ولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعا ولم ينو به الزكاة لم يجزئه وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزئه استحبابا ولا يصح لأنه لم ينو به الفرض, فلم يجزئه كما لو تصدق ببعضه وكما لو صلى مائة ركعة ولم ينو الفرض بها. فصل: ولو كان له مال غائب فشك في سلامته, جاز له إخراج الزكاة عنه وكانت نية الإخراج صحيحة لأن الأصل بقاؤه فإن نوى إن كان مالي سالما فهذه زكاته وإن كان تالفا فهي تطوع فبان سالما, أجزأت نيته لأنه أخلص النية للفرض ثم رتب عليها النفل وهذا حكمها كما لو لم يقله, فإذا قاله لم يضر ولو قال: هذا زكاة مالي الغائب أو الحاضر صح لأن التعيين ليس بشرط بدليل أن من له أربعون دينارا إذا أخرج نصف دينار عنها صح, وإن كان ذلك يقع عن عشرين غير معينة وإن قال: هذا زكاة مالي الغائب أو تطوع لم يجزئه ذكره أبو بكر لأنه لم يخلص النية للفرض أشبه ما لو قال: أصلي فرضا أو تطوعا وإن قال: هذا زكاة مالي الغائب إن كان سالما وإلا فهو زكاة مالي الحاضر أجزأه عن السالم منهما وإن كانا سالمين فعن أحدهما لأن التعيين ليس بشرط وإن قال: زكاة مالي الغائب وأطلق فبان تالفا, لم يكن له أن يصرفه إلي زكاة غيره لأنه عينه فأشبه ما لو أعتق عبدا عن كفارة عينها فلم يقع عنها لم يكن له صرفه إلى كفارة أخرى هذا التفريع فيما إذا كانت المعينة مما لا يمنع إخراج زكاته في بلد رب المال إما لقربه, أو لكون البلد لا يوجد فيه أهل السهمان أو على الرواية التي تقول بإخراجها في بلد بعيد من بلد المال وإن كان له مورث غائب فقال: إن كان مورثي قد مات فهذه زكاة ماله الذي ورثته منه, فبان ميتا لم يجزئه ما أخرج لأنه يبنى على غير أصل فهو كما لو قال ليلة الشك: إن كان غدا من رمضان فهو فرضي, وإن لم يكن فهو نفل.

 مسألة: 

قال: ( إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا ) مقتضى كلام الخرقي أن الإنسان متى دفع زكاته طوعا لم تجزئه إلا بنية سواء دفعها إلى الإمام أو غيره, وإن أخذها الإمام منه قهرا أجزأت من غير نية لأن تعذر النية في حقه أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون وقال القاضي: متى أخذها الإمام أجزأت من غير نية سواء أخذها طوعا أو كرها وهذا قول الشافعي لأن أخذ الإمام بمنزلة القسم بين الشركاء, فلم يحتج إلى نية ولأن للإمام ولاية في أخذها ولذلك يأخذها من الممتنع اتفاقا ولو لم يجزئه لما أخذها, أو لأخذها ثانيا وثالثا حتى ينفد ماله لأن أخذها إن كان لإجزائها فلا يحصل الإجزاء بدون النية وإن كان لوجوبها فالوجوب باق بعد أخذها واختار أبو الخطاب وابن عقيل: أنها لا تجزئ فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنية رب المال لأن الإمام إما وكيله وإما وكيل الفقراء, أو وكيلهما معا وأى ذلك كان فلا تجزئ نيته عن نية رب المال ولأن الزكاة عبادة تجب لها النية, فلا تجزئ عمن وجبت عليه بغير نية إن كان من أهل النية كالصلاة وإنما أخذت منه مع عدم الإجزاء حراسة للعلم الظاهر كالصلاة يجبر عليها ليأتي بصورتها, ولو صلى بغير نية لم يجزئه عند الله تعالى قال ابن عقيل: ومعنى قول الفقهاء: يجزئ عنه أي في الظاهر بمعنى أنه لا يطالب بأدائها ثانيا كما قلنا في الإسلام, فإن المرتد يطالب بالشهادة فمتى أتى بها حكم بإسلامه ظاهرا ومتى لم يكن معتقدا صحة ما يلفظ به, لم يصح إسلامه باطنا قال: وقول أصحابنا: لا تقبل توبة الزنديق معناه: لا يسقط عنه القتل الذي توجه عليه لعدم علمنا بحقيقة توبته لأن أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه وقد كان دهره يظهر إيمانه ويستر كفره, فأما عند الله عز وجل فإنها تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة وصدق التوبة واعتقاد الحق ومن نصر قول الخرقي, قال: إن للإمام ولاية على الممتنع فقامت نيته مقام نيته كولي اليتيم والمجنون, وفارق الصلاة فإن النيابة فيها لا تصح فلا بد من نية فاعلها وقوله: لا يخلو من كونه وكيلا له أو وكيلا للفقراء, أو لهما قلنا: بل هو وال على المالك وأما إلحاق الزكاة بالقسمة فغير صحيح فإن القسمة ليست عبادة, ولا يعتبر لها نية بخلاف الزكاة.

 فصل: 

ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة قال الإمام أحمد: أعجب إلى أن يخرجها, وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز وقال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير وميمون بن مهران يضعها رب المال في موضعها وقال الثوري احلف لهم وأكذبهم ولا تعطهم شيئا, إذا لم يضعوها مواضعها وقال لا تعطهم: وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها فمفهومه أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك وقال الشعبي وأبو جعفر إذا رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة من أهلها: وقال إبراهيم ضعوها في مواضعها, وإن أخذها السلطان أجزأك وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها, ثم جئت مرة أخرى فرأيت أبا وائل وحده فقال لي: ردها فضعها مواضعها وقد روى عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى السلطان وأما زكاة الأموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة وذلك لأن العشر قد ذهب قوم إلى أنه مئونة الأرض, فهو كالخراج يتولاه الأئمة بخلاف سائر الزكاة والذي رأيت في " الجامع " قال: أما صدقة الفطر فيعجبني دفعها إلى السلطان ثم قال أبو عبد الله قيل لابن عمر إنهم يقلدون بها الكلاب, ويشربون بها الخمور؟ قال: ادفعها إليهم وقال ابن أبي موسى وأبو الخطاب دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل وهو قول أصحاب الشافعي وممن قال: يدفعها إلى الإمام الشعبي ومحمد بن علي وأبو رزين والأوزاعي لأن الإمام أعلم بمصارفها, ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنا لاحتمال أن يكون غير مستحق لها, ولأنه يخرج من الخلاف وتزول عنه التهمة وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري وقد روي عن سهيل بن أبي صالح, قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى, فما تأمرني؟ قال: ادفعها إليهم فأتيت ابن عمر فقال مثل ذلك فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك, فأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك ويروى نحوه عن عائشة ـ رضي الله عنه ـا وقال مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام لقول الله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103]. ولأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها, وقال: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ- لقاتلتهم عليها ووافقه الصحابة على هذا ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه, كولي اليتيم وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا على جواز دفعها بنفسه أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه فأجزأه كما لو دفع الدين إلى غريمه, وكزكاة الأموال الباطنة ولأنه أحد نوعي الزكاة فأشبه النوع الآخر, والآية تدل على أن للإمام أخذها ولا خلاف فيه ومطالبة أبي بكر لهم بها لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها, ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها لأن ذلك مختلف في إجزائه فلا تجوز المقاتلة من أجله وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها, فإذا دفعها إليهم جاز لأنهم أهل رشد فجاز الدفع إليهم بخلاف اليتيم وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه, فلأنه إيصال الحق إلى مستحقه مع توفير أجر العمالة وصيانة حقهم, عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها, مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة رحمه بها, فكان أفضل كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل فإن قيل: فالكلام في الإمام العادل إذ الخيانة مأمونة في حقه قلنا: الإمام لا يتولى ذلك بنفسه, وإنما يفوضه إلى نوابه فلا تؤمن منهم الخيانة ثم ربما لا يصل إلى المستحق الذي قد علمه المالك من أهله وجيرانه شيء منها, وهم أحق الناس بصلته وصدقته ومواساته وقولهم: إن أخذ الإمام يبرئه ظاهرا وباطنا قلنا: يبطل هذا بدفعها إلى غير العادل فإنه يبرئه أيضا وقد سلموا أنه ليس بأفضل ثم إن البراءة الظاهرة تكفي وقولهم: إنه تزول به التهمة قلنا: متى أظهرها زالت التهمة, سواء أخرجها بنفسه أو دفعها إلى الإمام ولا يختلف المذهب أن دفعها إلى الإمام, سواء كان عادلا أو غير عادل وسواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة ويبرأ بدفعها سواء تلفت في يد الإمام أو لم تتلف, أو صرفها في مصارفها أو لم يصرفها لما ذكرنا عن الصحابة ـ رضي الله عنه ـم ـ ولأن الإمام نائب عنهم شرعا فبرئ بدفعها إليه كولي اليتيم إذا قبضها له, ولا يختلف المذهب أيضا في أن صاحب المال يجوز أن يفرقها بنفسه.

 فصل: 

وإذا دفع الزكاة استحب أن يقول: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما ويحمد الله على التوفيق لأدائها فقد روي أبو هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ- : (إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما) أخرجه ابن ماجه ويستحب للآخذ أن يدعو لصاحبها فيقول آجرك الله فيما أعطيت, وبارك لك فيما أنققت وجعله لك طهورا وإن كان الدفع إلى الساعي أو الإمام شكره ودعا له, قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103]. (قال عبد الله بن أبي أوفى: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي - ﷺ- إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته, فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى) متفق عليه والصلاة ها هنا الدعاء والتبريك وليس هذا بواجب لأن النبي - ﷺ- حين بعث معاذا إلى اليمن قال: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) متفق عليه فلم يأمره بالدعاء ولأن ذلك لا يجب على الفقير المدفوع إليه, فالنائب أولى.

 فصل: 

ويجوز دفع الزكاة إلى الكبير والصغير سواء أكل الطعام أو لم يأكل قال أحمد يجوز أن يعطي زكاته في أجر رضاع لقيط غيره هو فقير من الفقراء وعنه: لا يجوز دفعها إلا إلى من أكل الطعام قال المروذي: كان أبو عبد الله لا يرى أن يعطى الصغير من الزكاة, إلا أن يطعم الطعام والأول أصح لأنه فقير فجاز الدفع إليه كالذي طعم, ولأنه يحتاج إلى الزكاة لأجر رضاعه وكسوته وسائر حوائجه فيدخل في عموم النصوص ويدفع الزكاة إلى وليه لأنه يقبض حقوقه, وهذا من حقوقه فإن لم يكن له ولي دفعها إلى من يعني بأمره ويقوم به من أمه أو غيرها نص عليه أحمد وكذلك المجنون قال هارون الحمال: قلت لأحمد فكيف يصنع بالصغار؟ قال: يعطى أولياؤهم فقلت: ليس لهم ولي, قال: فيعطي من يعنى بأمرهم من الكبار فرخص في ذلك وقال مهنا: سألت أبا عبد الله يعطى من الزكاة المجنون والذاهب عقله؟ قال: نعم قلت: من يقبضها له؟ قال: وليه قلت: ليس له ولي؟ قال الذي يقوم عليه وإن دفعها إلى الصبي العاقل فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه قال المروذي قلت لأحمد يعطى غلام يتيم من الزكاة؟ قال: نعم قلت: فإني أخاف أن يضيعه قال: يدفعه إلى من يقوم بأمره وقد روى الدارقطني, بإسناده عن أبي جحيفة قال: (بعث رسول الله - ﷺ- فينا ساعيا فأخذ الصدقة من أغنيائنا فردها في فقرائنا,) وكنت غلاما يتيما لا مال لي فأعطاني قلوصا.

 فصل: 

وإذا دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا لم يحتج إلى إعلامه أنها زكاة قال الحسن أتريد أن تقرعه, لا تخبره؟ وقال أحمد بن الحسين: قلت لأحمد: يدفع الرجل الزكاة إلى الرجل فيقول: هذا من الزكاة أو يسكت؟ قال: ولم يبكته بهذا القول؟ يعطيه ويسكت وما حاجته إلى أن يقرعه؟.

 مسألة: 

قال: ( ولا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين, وإن علوا ولا للولد وإن سفل ) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين, في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه, ويعود نفعها إليه فكأنه دفعها إلى نفسه فلم تجز, كما لو قضى بها دينه وقول الخرقي " للوالدين " يعني الأب والأم وقوله: " وإن علوا " يعني آباءهما وأمهاتهما وإن ارتفعت درجتهم من الدافع, كأبوى الأب وأبوى الأم وأبوى كل واحد منهم, وإن علت درجتهم من يرث منهم ومن لا يرث وقوله: " والولد وإن سفل " يعنى وإن نزلت درجته من أولاده البنين والبنات الوارث وغير الوارث نص عليه أحمد فقال: لا يعطى الوالدين من الزكاة, ولا الولد ولا ولد الولد ولا الجد ولا الجدة ولا ولد البنت قال النبي - ﷺ- (إن ابني هذا سيد) يعني الحسن, فجعله ابنه ولأنه من عمودى نسبه فأشبه الوارث ولأن بينهما قرابة جزئية وبعضية, بخلاف غيرها.

 فصل: 

فأما سائر الأقارب فمن لا يورث منهم يجوز دفع الزكاة إليه سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه, لكونه بعيد القرابة ممن لم يسم الله تعالى ولا رسوله - ﷺ- له ميراثا أو كان لمانع مثل أن يكون محجوبا عن الميراث, كالأخ المحجوب بالابن أو الأب والعم المحجوب بالأخ وابنه وإن نزل فيجوز دفع الزكاة إليه لأنه لا قرابة جزئية بينهما ولا ميراث, فأشبها الأجانب وإن كان بينهما ميراث كالأخوين اللذين يرث كل واحد منهما الآخر ففيه روايتان إحداهما: يجوز لكل واحد منهما دفع زكاته إلى الآخر وهي الظاهرة عنه, رواها عنه الجماعة قال في رواية إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور, وقد سأله: يعطى الأخ والأخت والخالة من الزكاة؟ قال: يعطى كل القرابة إلا الأبوين والولد وهذا قول أكثر أهل العلم قال أبو عبيد هو القول عندي لقول النبي - ﷺ- : (الصدقة على المسكين صدقة وهي لذي الرحم اثنان صدقة وصلة) فلم يشترط نافلة ولا فريضة ولم يفرق بين الوارث وغيره ولأنه ليس من عمودي نسبه, فأشبه الأجنبي والرواية الثانية لا يجوز دفعها إلى الموروث وهو ظاهر قول الخرقي لقوله: ولا لمن تلزمه مؤنته " وعلى الوارث مؤنة الموروث لأنه يلزمه مؤنته فيغنيه بزكاته عن مؤنته, ويعود نفع زكاته إليه فلم يجز كدفعها إلى والده, أو قضاء دينه بها والحديث يحتمل صدقة التطوع فيحمل عليها فعلى هذا إن كان أحدهما يرث الآخر ولا يرثه الآخر, كالعمة مع ابن أخيها والعتيق مع معتقه فعلى الوارث منهما نفقة مورثه, وليس له دفع زكاته إليه وليس على الموروث منهما نفقة وارثه ولا يمنع من دفع زكاته إليه, لانتفاء المقتضي للمنع ولو كان الأخوان لأحدهما ابن والآخر لا ولد له فعلى أبي الابن نفقة أخيه, وليس له دفع زكاته إليه وللذي لا ولد له له دفع زكاته إلى أخيه, ولا يلزمه نفقته لأنه محجوب عن ميراثه ونحو هذا قول الثوري فأما ذوو الأرحام في الحال التي يرثون فيها فيجوز دفعها إليهم في ظاهر المذهب لأن قرابتهم ضعيفة, لا يرث بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين, فلم تمنع دفع الزكاة كقرابة سائر المسلمين فإن ماله يصير إليهم إذا لم يكن له وارث.

 مسألة: 

قال: [ولا للزوج, ولا للزوجة] أما الزوجة فلا يجوز دفع الزكاة إليها إجماعا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة وذلك لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن أخذ الزكاة فلم يجز دفعها إليها, كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها وأما الزوج ففيه روايتان: إحداهما لا يجوز دفعها إليه وهو اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لأنه أحد الزوجين, فلم يجز للآخر دفع زكاته إليه كالآخر ولأنها تنتفع بدفعها إليه لأنه إن كان عاجزا عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق, فيلزمه وإن لم يكن عاجزا ولكنه أيسر بها, لزمته نفقة الموسرين فتنتفع بها في الحالين فلم يجز لها ذلك, كما لو دفعتها في أجرة دار أو نفقة رقيقها أو بهائمها فإن قيل: فيلزم على هذا الغريم فإنه يجوز له دفع زكاته إلى غريمه ويلزم الآخذ بذلك وفاء دينه فينتفع الدافع بدفعها إليه قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما, أن حق الزوجة في النفقة آكد من حق الغريم بدليل أن نفقة المرأة مقدمة في مال المفلس على أداء دينه وأنها تملك أخذها من ماله بغير علمه, إذا امتنع من أدائها والثاني أن المرأة تنبسط في مال زوجها بحكم العادة ويعد مال كل واحد منهما مالا للآخر, ولهذا قال ابن مسعود في عبد سرق مرآة امرأة سيده: عبدكم سرق مالكم ولم يقطعه وروى ذلك عن عمر وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه بخلاف الغريم مع غريمه والرواية الثانية يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم (لأن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت يا نبي الله, إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلى لي فأردت أن أتصدق به, فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم فقال النبي - ﷺ- صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) رواه البخاري وروى (أن امرأة عبد الله سألت النبي - ﷺ- عن بني أخ لها أيتام في حجرها أفتعطيهم زكاتها؟ قال: نعم) وروى الجوزجاني, بإسناده عن عطاء قال: (أتت النبي - ﷺ- امرأة فقالت: يا رسول الله إن على نذرا أن أتصدق بعشرين درهما, وإن لي زوجا فقيرا أفيجزئ عنى أن أعطيه؟ قال: نعم لك كفلان من الأجر) ولأنه لا تجب نفقته, فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي ويفارق الزوجة, فإن نفقتها واجبة عليه ولأن الأصل جواز الدفع لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة وليس في المنع نص ولا إجماع وقياسه على من ثبت المنع في حقه غير صحيح لوضوح الفرق بينهما, فيبقى جواز الدفع ثابتا والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص لضعف دلالتها فإن الحديث الأول في صدقة التطوع, لقولها: أردت أن أتصدق بحلى لي ولا تجب الصدقة بالحلى وقول النبي - ﷺ- (زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) والولد لا تدفع إليه الزكاة والحديث الثاني ليس فيه ذكر الزوج, وذكر الزكاة فيه غير محفوظ قال أحمد من ذكر الزكاة فهو عندي غير محفوظ إنما ذاك صدقة من غير الزكاة كذا قال الأعمش فأما الحديث الآخر فهو مرسل, وهو في النذر. فصل: فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه كيتيم أجنبي فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز له دفع زكاته إليه لأنه ينتفع بدفعها إليه لإغنائه بها عن مؤنته والصحيح, إن شاء الله جواز دفعها إليه لأنه داخل في أصناف المستحقين للزكاة ولم يرد في منعه نص ولا إجماع ولا قياس صحيح, فلا يجوز إخراجه من عموم النص بغير دليل وإن توهم أنه ينتفع بدفعها إليه قلنا: قد لا ينتفع به, فإنه يصرفها في مصالحه التي لا يقوم بها الدافع وإن قدر الانتفاع فإنه نفع لا يسقط به واجب عليه ولا يجتلب به مال إليه, فلم يمنع ذلك الدفع كما لو كان يصله تبرعا من غير أن يكون من عائلته.

 فصل: 

وليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه وروي ذلك عن الحسن وهو قول قتادة ومالك قال أصحاب مالك: فإن اشتراها لم ينقض البيع وقال الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي: - ﷺ- (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة رجل ابتاعها بماله) وروى سعيد, في " سننه " (أن رجلا تصدق على أمه بصدقة ثم ماتت فسأل النبي - ﷺ- فقال: قد قبل الله صدقتك وردها إليك الميراث) وهذا في معنى شرائها ولأن ما صح أن يملك إرثا, صح أن يملك ابتياعا كسائر الأموال ولنا ما روى عمر (أنه قال: حملت على فرس في سبيل الله, فأضاعه الذي كان عنده وظننت أنه بائعه برخص فأردت أن أشتريه, فسألت رسول الله - ﷺ- فقال: لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) متفق عليه فإن قيل: يحتمل أنها كانت حبيسا في سبيل الله فمنعه لذلك قلنا: لو كانت حبيسا لما باعها الذي هي في يده ولا هم عمر بشرائها, بل كان ينكر على البائع ويمنعه فإنه لم يكن يقر على منكر فكيف يفعله, ويعين عليه ولأن النبي - ﷺ- ما أنكر بيعها إنما أنكر على عمر الشراء معللا بكونه عائدا في الصدقة الثاني, أننا نحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب فإن النبي - ﷺ- قال: (لا تعد في صدقتك) أي بالشراء فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه والأخذ بعموم اللفظ أولى من التمسك بخصوص السبب فإن قيل: فإن اللفظ لا يتناول الشراء فإن العود في الصدقة ارتجاعها بغير عوض وفسخ للعقد, كالعود في الهبة والدليل على هذا قول النبي - ﷺ- (العائد في هبته كالعائد في قيئه) ولو وهب إنسانا شيئا ثم اشتراه منه, جاز قلنا: النبي - ﷺ- ذكر ذلك جوابا لعمر حين سأله عن شراء الفرس فلو لم يكن اللفظ متناولا للشراء المسئول عنه لم يكن مجيبا له ولا يجوز إخراج خصوص السبب من عموم اللفظ لئلا يخلو السؤال عن الجواب, وقد روى عن جابر أنه قال: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك ولا تشترها فإنهم كانوا يقولون: ابتعها فأقول: إنما هي لله وعن ابن عمر أنه قال: لا تشتر طهور مالك ولأن في شرائه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها لأن الفقير يستحى منه, فلا يماكسه في ثمنها وربما رخصها له طمعا في أن يدفع إليه صدقة أخرى وربما علم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه أو توهم ذلك, وما هذا سبيله ينبغي أن يجتنب كما لو شرط عليه أن يبيعه إياها وهو أيضا ذريعة إلى إخراج القيمة وهو ممنوع من ذلك أما حديثهم فنقول به, وأنها ترجع إليه بالميراث وليس هذا محل النزاع قال ابن عبد البر كل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر والحسن بن حي وليس البيع في معنى الميراث لأن الملك ثبت بالميراث حكما بغير اختياره وليس بوسيلة إلى شيء مما ذكرنا, والحديث الآخر مرسل وهو عام وحديثنا خاص صحيح, فالعمل به أولى من كل وجه.

 فصل: 

فإن دعت الحاجة إلى شراء صدقته مثل أن يكون الفرض جزءا من حيوان لا يمكن الفقير الانتفاع بعينه ولا يجد من يشتريه سوى المالك لباقيه, ولو اشتراه غيره لتضرر المالك بسوء المشاركة أو إذا كان الواجب في ثمرة النخل والكرم عنبا ورطبا فاحتاج الساعي إلى بيعها قبل الجذاذ, فقد ذكر القاضي أنه يجوز بيعها من رب المال في هذا الموضع وكذلك يجيء في الصورة الأولى وفي كل موضع دعت الحاجة إلى شرائه لها لأن المنع من الشراء في محل الوفاق إنما كان لدفع الضرر عن الفقير والضرر عليه في منع البيع ها هنا أعظم, فدفعه بجواز البيع أولى.

 فصل: 

قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن وليس عنده قضاؤه ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يفرقها على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك ويحسبه من زكاة ماله قال: لا يجزئه ذلك فقلت له: فيدفع إليه من زكاته, فإن رده إليه قضاء مما له أخذه؟ فقال: نعم وقال في موضع آخر وقيل له: فإن أعطاه, ثم رده إليه؟ قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ثم ردها عليه وحسبها من الزكاة؟ فقال: إذا أراد بها إحياء ماله فلا يجوز فحصل من كلامه أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز, سواء دفعها ابتداء أو استوفي حقه ثم دفع ما استوفاه إليه إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله, أو استيفاء دينه لم يجز لأن الزكاة لحق الله تعالى فلا يجوز صرفها إلى نفعه, ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبضه لأنه مأمور بأدائها وإيتائها وهذا إسقاط والله أعلم.

 مسألة: 

قال: [ولا لكافر, ولا لمملوك] لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا (ولأن النبي - ﷺ- قال لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) فخصهم بصرفها إلى فقرائهم كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم وأما المملوك فلا يملكها بدفعها إليه, وما يعطاه فهو لسيده فكأنه دفعها إلى سيده ولأن العبد يجب على سيده نفقته, فهو غنى بغناه.

 مسألة: 

قال: [إلا أن يكونوا من العاملين عليها فيعطون بحق ما عملوا] وجملته أنه يجوز للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة سواء كان حرا أو عبدا وظاهر كلام الخرقي أنه يجوز أن يكون كافرا, وهذه إحدى الروايتين عن أحمد لأن الله تعالى قال {والعاملين عليها} [التوبة: 60]. وهذا لفظ عام يدخل فيه كل عامل على أي صفة كان ولأن ما يأخذ على العمالة أجرة عمله فلم يمنع من أخذه كسائر الإجارات والرواية الأخرى لا يجوز أن يكون العامل كافرا لأن من شرط العامل أن يكون أمينا, والكفر ينافي الأمانة ويجوز أن يكون غنيا وذا قرابة لرب المال وقوله: " بحق ما عملوا " يعني يعطيهم بقدر أجرتهم والإمام مخير إذا بعث عاملا إن شاء استأجره إجارة صحيحة ويدفع إليه ما سميى له, وإن شاء بعثه بغير إجارة ويدفع إليه أجر مثله وهذا كان المعروف على عهد رسول الله - ﷺ- فإنه لم يبلغنا أنه قاطع أحدا من العمال على أجر وقد روى أبو داود, بإسناده عن ابن الساعدي قال: (استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه, أمر لي بعمالة فقلت إنما عملت لله وأجرى على الله قال: خذ ما أعطيت فإني قد عملت على عهد رسول الله - ﷺ- فعملني, فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله - ﷺ- : إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأله فكل وتصدق)

 فصل: 

ويعطي منها أجر الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ والراعي ونحوهم فكلهم معدودون من العاملين ويدفع إليهم من حصة العاملين عليها, فأما أجر الوزان والكيال ليقبض الساعي الزكاة فعلى رب المال لأنه من مؤنة دفع الزكاة.

 فصل: 

ولا يعطي الكافر من الزكاة إلا لكونه مؤلفًا على ما سنذكره, ويجوز أن يعطى الإنسان ذا قرابته من الزكاة لكونه غازيا أو مؤلفا أو غارما في إصلاح ذات البين, أو عاملا ولا يعطى لغير ذلك وقد روى أبو داود بإسناده عن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ- أنه قال: (لا تحل الصدقة لغني, إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم, أو رجل ابتاعها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين, فأهدى المسكين إلى الغني) ورواه أيضا عن عطاء عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ- .

 فصل: 

وإن اجتمع في واحد أسباب تقتضي الأخذ بها جاز أن يعطى بها, فالعامل الفقير له أن يأخذ عمالته فإن لم تغنه فله أن يأخذ ما يتم به غناه فإن كان غازيا فله أخذ ما يكفيه لغزوه, وإن كان غارما أخذ ما يقضى به غرمه لأن كل واحد من هذه الأسباب يثبت حكمه بانفراده فوجود غيره لا يمنع ثبوت حكمه كما لم يمنع وجوده, وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا كان له مائتان وعليه مثلها لا يعطى من الزكاة لأن المغني خمسون درهما وهذا يدل على أنه يعتبر في الدفع إلى الغارم أن يكون فقيرا فإذا أعطي لأجل الغرم وجب صرفه إلى قضاء الدين وإن أعطي للفقير جاز أن يقضي به دينه.

 مسألة: 

قال: (ولا لبني هاشم) لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة, وقد قال النبي - ﷺ- (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) أخرجه مسلم وعن أبي هريرة قال: (أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة, فقال النبي - ﷺ- : كخ كخ ليطرحها وقال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة) متفق عليه.

 مسألة: 

قال: ( ولا لمواليهم ) يعني أن موالي بني هاشم وهم من أعتقهم هاشمي, لا يعطون من الزكاة وقال أكثر العلماء: يجوز لأنهم ليسوا بقرابة النبي - ﷺ- فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس ولأنهم لم يعوضوا عنها بخمس الخمس فإنهم لا يعطون منه, فلم يجز أن يحرموها كسائر الناس ولنا ما روى أبو رافع (أن رسول الله - ﷺ- بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها فقال: لا حتى آتى رسول الله - ﷺ- فأسأله فانطلق إلى النبي - ﷺ- فسأله فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة, وإن موالي القوم منهم) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي, وقال: حديث حسن صحيح ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب فلم يجز دفع الصدقة إليهم كبني هاشم وقولهم: إنهم ليسوا بقرابة قلنا: هم بمنزلة القرابة بدليل قول النبي - ﷺ- : (الولاء لحمة كلحمة النسب) وقوله: (موالي القوم منهم) وثبت فيهم حكم القرابة من الإرث والعقل والنفقة, فلا يمتنع ثبوت حكم تحريم الصدقة فيهم.

 فصل: 

فأما بنو المطلب فهل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين: إحداهما ليس لهم ذلك نقلها عبد الله بن أحمد وغيره لقول النبي - ﷺ- : (إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام إنما نحن وهم شيء واحد) وفي لفظ رواه الشافعي في " مسنده ":: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) وشبك بين أصابعه ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فلم يكن لهم الأخذ كبني هاشم, وقد أكد ما روى أن النبي - ﷺ- علل منعهم الصدقة باستغنائهم عنها بخمس الخمس فقال: (أليس في خمس الخمس ما يغنيكم؟) والرواية الثانية لهم الأخذ منها وهو قول أبي حنيفة لأنهم دخلوا في عموم قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60]. الآية لكن خرج بنو هاشم لقول النبي - ﷺ- : (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) فيجب أن يختص المنع بهم, ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي - ﷺ- وأشرف وهم آل النبي - ﷺ- ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة, ولم يعطوا شيئا وإنما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعا, والنصرة لا تقتضي منع الزكاة.

 فصل: 

وروى الخلال بإسناده عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة سفرة من الصدقة فردتها, وقالت: إنا آل محمد - ﷺ- لا تحل لنا الصدقة وهذا يدل على تحريمها على أزواج رسول الله - ﷺ- .

 فصل: 

وظاهر قول الخرقي ها هنا أن ذوي القربى يمنعون الصدقة وإن كانوا عاملين, وذكر في باب قسم الفيء والصدقة ما يدل على إباحة الأخذ لهم عمالة وهو قول أكثر أصحابنا لأن ما يأخذونه أجر فجاز لهم أخذه كالحمال وصاحب المخزن إذا أجرهم مخزنه ولنا, حديث أبي رافع وقد ذكرناه وما روى مسلم بإسناده (أنه اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب, فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين إلى رسول الله - ﷺ- فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس, وأصابا ما يصيب الناس؟ فبينما هما في ذلك إذ جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك, قال علي: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا قال: فألقى على رداءه ثم اضطجع ثم قال: أنا أبو الحسن والله لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بخبر ما بعثتما به إلى رسول الله - ﷺ- فذكر الحديث إلى أن قال: فأتيا رسول الله - ﷺ- فقالا: يا رسول الله, أنت أبو الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح, فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون فسكت طويلا ثم قال: إن هذه الصدقة لا تنبغي لآل محمد, إنما هي أوساخ الناس وفي لفظ أنه قال: إن الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) .

 فصل: 

ويجوز لذوي القربى الأخذ من صدقة التطوع قال أحمد في رواية ابن القاسم: إنما لا يعطون من الصدقة المفروضة, فأما التطوع فلا وعن أحمد رواية أخرى: أنهم يمنعون صدقة التطوع أيضا لعموم قوله عليه السلام: (إنا لا تحل لنا الصدقة) والأول أظهر فإن النبي - ﷺ- قال: (المعروف كله صدقة) متفق عليه وقال الله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45]. وقال تعالى: {فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 280]. ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي, والعفو عنه وإنظاره وقال إخوة يوسف: {وتصدق علينا} والخبر أريد به صدقة الفرض لأن الطلب كان لها والألف واللام تعود إلى المعهود وروى جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقلت له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة ويجوز أن يأخذوا من الوصايا للفقراء, ومن النذور لأنهما تطوع فأشبه ما لو وصى لهم وفي الكفارة وجهان: أحدهما يجوز لأنها ليست بزكاة ولا هي أوساخ الناس, فأشبهت صدقة التطوع والثاني لا يجوز لأنها واجبة أشبهت الزكاة.

 فصل: 

وكل من حرم صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم يجوز دفع صدقة التطوع إليهم, ولهم أخذها قال الله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8]. ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرا وعن أسماء بنت أبي بكر, ـ رضي الله عنهـا ـ قالت: (قدمت على أمي وهي مشركة فقلت: يا رسول الله - ﷺ- إن أمي قدمت على وهي راغبة, أفأصلها؟ قال: نعم صلى أمك) وكسا عمر أخا له حلة كان النبي - ﷺ- أعطاه إياها وعن أبي مسعود عن رسول الله - ﷺ- قال: (إذا أنفق المسلم على أهله, وهو يحتسبها فهي له صدقة) متفق عليه وقال النبي - ﷺ- لسعد: (إن نفقتك على أهلك صدقة وإن ما تأكل امرأتك صدقة) متفق عليه.

 فصل: 

فأما النبي - ﷺ- فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه, فرضها ونفلها لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها فلم يكن ليخل بذلك وفي حديث إسلام سلمان الفارسي, أن الذي أخبره عن النبي - ﷺ- ووصفه قال: (إنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة) وقال أبو هريرة: (كان النبي - ﷺ- إذا أتى بطعام سأل عنه؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل, وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم) أخرجه البخاري (وقال النبي - ﷺ- في لحم تصدق به على بريرة: هو عليها صدقة وهو لنا هدية) وقال عليه السلام: (إني لأنقلب إلى أهلي, فأجد التمرة ساقطة على فراشى في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة, فألقيها) رواه مسلم وقال: (إنا لا تحل لنا الصدقة) ولأن النبي - ﷺ- كان أشرف الخلق وكان له من المغانم خمس الخمس والصفى فحرم نوعي الصدقة فرضها ونفلها, وآله دونه في الشرف ولهم خمس الخمس وحده فحرموا أحد نوعيها, وهو الفرض وقد روى عن أحمد أن صدقة التطوع لم تكن محرمة عليه قال الميموني: سمعت أحمد يقول: الصدقة لا تحل للنبي - ﷺ- وأهل بيته صدقة الفطر وزكاة الأموال والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه الله تعالى, فأما غير ذلك فلا أليس يقال: كل معروف صدقة؟ وقد كان يهدي للنبي - ﷺ- ويستقرض فليس ذلك من جنس الصدقة على وجه الحاجة والصحيح أن هذا لا يدل على إباحة الصدقة له, إنما أراد أن ما ليس من صدقة الأموال على الحقيقة كالقرض والهدية وفعل المعروف غير محرم عليه, لكن فيه دلالة على التسوية بينه وبين آله في تحريم صدقة التطوع عليهم لقوله بأن الصدقة على المحتاج يريد بها وجه الله محرمة عليهما وهذا هو صدقة التطوع فصارت الروايتان في تحريم صدقة التطوع على آله والله أعلم.

 مسألة: 

قال: ( ولا لغني, وهو الذي يملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب ) يعني لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غنى ولا خلاف في هذا بين أهل العلم وذلك لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين, والغنى غير داخل فيهم وقد قال النبي - ﷺ- لمعاذ: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم وقال: لا حظ فيها لغني, ولا لقوي مكتسب وقال: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) أخرجه أبو داود والترمذي, وقال: حديث حسن ولأن أخذ الغني منها يمنع وصولها إلى أهلها ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها واختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها ونقل عن أحمد فيه روايتان: أظهرهما, أنه ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب, أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك ولو ملك من العروض, أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية, لم يكن غنيا وإن ملك نصابا هذا الظاهر من مذهبه, وهو قول الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق وروى عن على وعبد الله أنهما قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما أو عدلها, أو قيمتها من الذهب وذلك لما روى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ- : (من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشا أو خدوشا, أو كدوحا في وجهه فقيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب) رواه أبو داود, والترمذي وقال: حديث حسن فإن قيل: هذا يرويه حكيم بن جبير وكان شعبة لا يروى عنه, وليس بقوي في الحديث قلنا: قد قال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروى عن حكيم بن جبير فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن وقد قال على وعبد الله مثل ذلك والرواية الثانية أن الغنى ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجا حرمت عليه الصدقة, وإن لم يملك شيئا وإن كان محتاجا حلت له الصدقة وإن ملك نصابا, والأثمان وغيرها في هذا سواء وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبري وقول مالك والشافعي لأن النبي - ﷺ- قال لقبيصة بن المخارق (لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش, أو سدادا من عيش) رواه مسلم فمد إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد ولأن الحاجة هي الفقر والغنى ضدها, فمن كان محتاجا فهو فقير يدخل في عموم النص ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة والحديث الأول فيه ضعف, ثم يجوز أن تحرم المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته من غير المسألة فإن المذكور فيه تحريم المسألة فنقتصر عليه وقال الحسن وأبو عبيد: الغنى ملك أوقية, وهي أربعون درهما لما روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ- : (من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف) وكانت الأوقية على عهد رسول الله - ﷺ- أربعين درهما رواه أبو داود وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة, من الأثمان أو العروض المعدة للتجارة أو السائمة, أو غيرها (لقول النبي - ﷺ- لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة فيدل ذلك على أن من تجب عليه غني, ومن لا تجب عليه ليس بغنى فيكون فقيرا فتدفع الزكاة إليه لقوله: " فترد في فقرائهم " ولأن الموجب للزكاة غنى, والأصل عدم الاشتراك ولأن من لا نصاب له لا تجب عليه الزكاة فلا يمنع منها كمن يملك دون الخمسين, ولا له ما يكفيه فيحصل الخلاف بيننا وبينهم في أمور ثلاثة: أحدها أن الغنى المانع من الزكاة غير الموجب لها عندنا ودليل ذلك حديث ابن مسعود وهو أخص من حديثهم فيجب تقديمه, ولأن حديثهم دل على الغنى الموجب وحديثنا دل على الغنى المانع ولا تعارض بينهما فيجب الجمع بينهما وقولهم: الأصل عدم الاشتراك قلنا: قد قام دليله بما ذكرناه, فيجب الأخذ به الثاني أن من له ما يكفيه من مال غير زكائي أو من مكسبه, أو أجرة عقارات أو غيره ليس له الأخذ من الزكاة وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وابن المنذر وقال أبو يوسف: إن دفع الزكاة إليه فهو قبيح وأرجو أن يجزئه وقال أبو حنيفة وسائر أصحابه: يجوز دفع الزكاة إليه لأنه ليس بغني, لما ذكروه في حجتهم ولنا ما روى الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد, عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (عن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ- أنهما أتيا رسول الله - ﷺ- فسألاه الصدقة, فصعد فيهما البصر فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما, ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب) قال أحمد: ما أجوده من حديث وقال: هو أحسنها إسنادا وروى عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده أن النبي - ﷺ- قال: (لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوي) رواه أبو داود, والترمذي وقال: حديث حسن إلا أن أحمد قال: لا أعلم فيه شيئا يصح قيل: فحديث سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة؟ قال: سالم لم يسمع من أبي هريرة ولأن له ما يغنيه عن الزكاة فلم يجز الدفع إليه, كمالك النصاب الثالث أن من ملك نصابا زكائيا لا تتم به الكفاية من غير الأثمان, فله الأخذ من الزكاة قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير ويكون له أربعون شاة وتكون لهم الضيعة لا تكفيه, فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم وذكر قول عمر أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا قلت: فهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة وهذا قول الشافعي وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك نصابا زكائيا لأنه تجب عليه الزكاة, فلم تجب له للخبر ولنا أنه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما يكفيه, فجاز له الأخذ من الزكاة كما لو كان ما يملك لا تجب فيه الزكاة ولأن الفقر عبارة عن الحاجة قال الله تعالى: {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر: 15]. أي: المحتاجون إليه وقال الشاعر: فيا رب إني مؤمن بك عابد ** مقــر بزلاتي إليك فقيــر وقال آخر: وإني إلى معروفها لفقير ** وهذا محتاج, فيكون فقيرا غير غنى ولأنه لو كان ما يملكه لا زكاة فيه لكان فقيرا ولا فرق في دفع الحاجة بين المالين, وقد سمى الله تعالى الذين لهم سفينة في البحر مساكين فقال تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79]. وقد بينا بما ذكرناه من قبل أن الغنى يختلف مسماه فيقع على ما يوجب الزكاة, وعلى ما يمنع منها فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ولا من عدمه عدمه, فمن قال: إن الغنى هو الكفاية سوى بين الأثمان وغيرها وجوز الأخذ لكل من لا كفاية له وإن ملك نصبا من جميع الأموال ومن قال بالرواية الأخرى, فرق بين الأثمان وغيرها لخبر ابن مسعود ولأن الأثمان آلة الإنفاق المعدة له دون غيرها فجوز الأخذ لمن لا يملك خمسين درهما, أو قيمتها من الذهب ولا ما تحصل به الكفاية من مكسب, أو أجرة أو عقار أو غيره أو نماء سائمة أو غيرها وإن كان له مال معد للإنفاق من غير الأثمان, فينبغي أن تعتبر الكفاية به في حول كامل لأن الحول يتكرر وجوب الزكاة بتكرره فيأخذ منها كل حول ما يكفيه إلى مثله ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يمونه لأن كل واحد منهم مقصود دفع حاجته, فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد وإن كان له خمسون درهما جاز أن يأخذ لعائلته حتى يصير لكل واحد منهم خمسون قال أحمد في رواية أبي داود, في من يعطي الزكاة وله عيال: يعطي كل واحد من عياله خمسين خمسين وهذا لأن الدفع إنما هو إلى العيال وهذا نائب عنهم في الأخذ.

 فصل: 

وإذا كان للمرأة الفقيرة زوج موسر ينفق عليها لم يجز دفع الزكاة إليها لأن الكفاية حاصلة لها بما يصلها من نفقتها الواجبة فأشبهت من له عقار يستغنى بأجرته وإن لم ينفق عليها, وتعذر ذلك جاز الدفع إليها كما لو تعطلت منفعة العقار وقد نص أحمد على هذا.

 مسألة: 

قال: ( ولا يعطي إلا في الثمانية الأصناف التي سمى الله تعالى ) يعني قول الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة: 60]. وقد ذكرهم الخرقي في موضع آخر, فنؤخر شرحهم إليه وقد روى زياد بن الحارث الصدائي قال: (أتيت النبي - ﷺ- فبايعته قال: فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له رسول الله - ﷺ- : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء, فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود وأحكامهم كلها باقية وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن على وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله - ﷺ- وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه رجال فلا يعطى مشرك تالفا بحال قالوا: وقد روي هذا عن عمر ولنا كتاب الله وسنة رسوله فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم, والنبي - ﷺ- قال: (إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء وكان يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة, ولم يزل كذلك حتى مات) ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ والنسخ لا يثبت بالاحتمال ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي - ﷺ- لأن النسخ إنما يكون بنص, ولا يكون النص بعد موت النبي - ﷺ- وانقراض زمن الوحي ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة, فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك لها قياس, فكيف يتركون به الكتاب والسنة قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم, وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا فكذلك جميع الأصناف, إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة فإذا وجد عاد حكمه, كذا هنا. فصل: ولا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى من بناء المساجد والقناطر والسقايات وإصلاح الطرقات وسد البثوق, وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف وأشباه ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى وقال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية والأول أصح لقوله سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60]. " وإنما " للحصر والإثبات, تثبت المذكور وتنفي ما عداه والخبر المذكور قال أبو داود: سمعت أحمد, وسئل: يكفن الميت من الزكاة؟ قال: لا ولا يقضى من الزكاة دين الميت وإنما لم يجز دفعها في قضاء دين الميت لأن الغارم هو الميت ولا يمكن الدفع إليه وإن دفعها إلى غريمه صار الدفع إلى الغريم لا إلى الغارم وقال أيضا: يقضي من الزكاة دين الحي, ولا يقضي منها دين الميت لأن الميت لا يكون غارما قيل: فإنما يعطى أهله قال: إن كانت على أهله فنعم.

 فصل: 

وإذا أعطى من يظنه فقيرا فبان غنيا فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما يجزئه اختارها أبو بكر وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة (لأن النبي - ﷺ- أعطى الرجلين الجلدين وقال: إن شئتما أعطيتكما منها, ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب) وقال للرجل الذي سأله الصدقة (إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم وروى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ- قال: (قال رجل لأتصدقن بصدقة, فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غنى فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت, لعل الغنى أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله) متفق عليه والرواية الثانية لا يجزئه لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه فلم يخرج من عهدته, كما لو دفعها إلى كافر أو ذي قرابته وكديون الآدميين وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر وللشافعي قولان كالروايتين فأما إن بان الآخذ عبدا, أو كافرا أو هاشميا أو قرابة للمعطي ممن لا يجوز الدفع إليه, لم يجزه رواية واحدة لأنه ليس بمستحق ولا تخفى حاله غالبًا, فلم يجزه الدفع إليه كديون الآدميين وفارق من بان غنيا بأن الفقر والغنى مما يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته, قال الله تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273]. فاكتفى بظهور الفقر ودعواه بخلاف غيره.

 مسألة: 

قال: [ إلا أن يتولى الرجل إخراجها بنفسه فيسقط العامل] وجملته أن الرجل إذا تولى إخراج زكاته بنفسه, سقط حق العامل منها لأنه إنما يأخذ أجرا لعمله فإذا لم يعمل فيها شيئا فلا حق له فيسقط, وتبقى سبعة أصناف إن وجد جميعهم أعطاهم وإن وجد بعضهم اكتفى بعطيته, وإن أعطى البعض مع إمكان عطية الجميع جاز أيضًا.

 مسألة: 

قال: [وإن أعطاها كلها في صنف واحد أجزأه إذا لم يخرجه إلى الغنى] وجملته أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية, ويجوز أن يعطيها شخصا واحدا وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وعطاء وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي وروى عن النخعي أنه قال: إن كان المال كثيرا يحتمل الأصناف, قسمه عليهم وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم, ويقدم الأولى فالأولى وقال عكرمة والشافعي: يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء, ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر فإن لم يجد إلا واحدا, صرف حصة ذلك الصنف إليه وروى الأثرم عن أحمد كذلك وهو اختيار أبي بكر لأن الله تعالى جعل الصدقة لجميعهم وشرك بينهم فيها فلا يجوز الاقتصار على بعضهم كأهل الخمس ولنا ( قول النبي - ﷺ- لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء وهم صنف واحد, ولم يذكر سواهم ثم أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف ثان سوى الفقراء, وهم المؤلفة الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة وزيد الخير قسم فيهم الذهبية التي بعث بها إليه على من اليمن وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة فأتى النبي - ﷺ- يسأله, فقال: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد, ولأنها لا يجب صرفها إلى جميع الأصناف إذا أخذها الساعي فلم يجب دفعها إليهم إذا فرقها المالك كما لو لم يجد إلا صنفا واحدا, ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف بها فجاز الاقتصار على واحد كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم, ويخرج على هذين المعنيين الخمس فإنه يجب على الإمام تفريقه على جميع مستحقيه واستيعاب جميعهم به بخلاف الزكاة, والآية أريد بها بيان الأصناف الذين يجوز الدفع إليهم دون غيرهم إذا ثبت هذا فإن المستحب صرفها إلى جميع الأصناف, أو إلى من أمكن منهم لأنه يخرج بذلك عن الخلاف ويحصل الإجزاء يقينا فكان أولى.

 فصل: 

قول الخرقي: "إذا لم يخرجه إلى الغنى" يعنى به الغنى المانع من أخذ الزكاة وقد ذكرناه وظاهر قول الخرقي أنه لا يدفع إليه ما يحصل به الغنى, والمذهب أنه يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من غير زيادة نص عليه أحمد في مواضع وذكره أصحابه فيتعين حمل كلام الخرقي على أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفا وأكثر إذا كان محتاجا إليها ويكره أن يزاد على المائتين ولنا, أن الغنى لو كان سابقا منع فيمنع إذا قارن كالجمع بين الأختين في النكاح.

 فصل: 

وكل صنف من الأصناف يدفع إليه ما تندفع به حاجته, من غير زيادة فالغارم والمكاتب يعطى كل واحد منهما ما يقضى به دينه وإن كثر وابن السبيل يعطى ما يبلغه إلى بلده, والغازي يعطى ما يكفيه لغزوه والعامل يعطى بقدر أجره قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يحمل في السبيل بألف من الزكاة؟ قال: ما أعطى فهو جائز, ولا يعطى أحد من هؤلاء زيادة على ما تندفع به الحاجة لأن الدفع لها فلا يزاد على ما تقتضيه .

 فصل: 

وأربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا فلا يراعى حالهم بعد الدفع, وهم: الفقراء والمساكين والعاملون, والمؤلفة فمتى أخذوها ملكوها ملكا دائما مستقرا لا يجب عليهم ردها بحال, وأربعة منهم وهم الغارمون وفي الرقاب, وفي سبيل الله وابن السبيل فإنهم يأخذون أخذا مراعى فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها, وإلا استرجع منهم والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة والأولون حصل المقصود بأخذهم, وهو غنى الفقراء والمساكين وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين وإن قضى هؤلاء حاجتهم بها, وفضل معهم فضل ردوا الفضل إلا الغازي, فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له ذكره الخرقي في غير هذا الموضع وظاهر قوله في المكاتب أنه لا يرد ما فضل في يده لأنه قال: وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وكان قد تصدق عليه بشيء فهو لسيده ونص عليه أحمد أيضا في رواية المروذي والكوسج ونقل عنه حنبل: إذا عجز يرد ما في يديه في المكاتبين وقال أبو بكر عبد العزيز: إن كان باقيا بعينه استرجع منه لأنه إنما دفع إليه ليعتق به ولم يقع وقال القاضي: كلام الخرقي محمول على أن الذي بقي في يده لم يكن عين الزكاة, وإنما تصرف فيها وحصل عوضها وفائدتها ولو تلف المال الذي في يد هؤلاء بغير تفريط لم يرجع عليهم بشيء.

 مسألة: 

قال: ( ولا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة ) المذهب على أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال لا قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا واستحب أكثر أهل العلم أن لا تنقل من بلدها وقال سعيد: حدثنا سفيان عن معمر, عن ابن طاوس عن أبيه قال في كتاب معاذ بن جبل: من أخرج من مخلاف إلى مخلاف, فإن صدقته وعشره ترد إلى مخلافه وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه رد زكاة أتى بها من خراسان إلى الشام إلى خراسان وروى عن الحسن والنخعي أنهما كرها نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة وكان أبو العالية يبعث بزكاته إلى المدينة ولنا (قول النبي - ﷺ- لمعاذ: أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم, فترد في فقرائهم) وهذا يختص بفقراء بلدهم ولما بعث معاذ الصدقة من اليمن إلى عمر أنكر عليه ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا, ولا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني رواه أبو عبيد في الأموال وروي أيضا عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين, أن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران على الصدقة, فلما رجع قال: أين المال؟ قال: أللمال بعثتني؟ أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله - ﷺ- ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - ﷺ- ولأن المقصود إغناء الفقراء بها فإذا أبحنا نقلها أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين.

 فصل: 

فإن خالف ونقلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم قال القاضي: وظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك, ولم أجد عنه نصا في هذه المسألة وذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما يجزئه واختارها لأنه دفع الحق إلى مستحقه, فبرئ منه كالدين وكما لو فرقها في بلدها والأخرى لا تجزئه اختارها ابن حامد لأنه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه, أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف.

 فصل: 

فإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها جاز نقلها نص عليه أحمد فقال: قد تحمل الصدقة إلى الإمام إذا لم يكن فيها فقراء أو كان فيها فضل عن حاجتهم, وقال أيضا: لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد إلا أن يكون فيها فضل عنهم لأن الذي كان يجيء إلى النبي - ﷺ- وأبي بكر وعمر من الصدقة, إنما كان عن فضل منهم يعطون ما يكفيهم ويخرج الفضل عنهم وروى أبو عبيد, في كتاب " الأموال " بإسناده عن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند, إذ بعثه رسول الله - ﷺ- حتى مات النبي - ﷺ- ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس, فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية, لكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة, فتراجعا بمثل ذلك فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه, فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا وكذلك إذا كان ببادية ولم يجد من يدفعها إليه فرقها على فقراء أقرب البلاد إليه.

 فصل: 

قال أحمد, في رواية محمد بن الحكم: إذا كان الرجل في بلد وماله في بلد فأحب إلى أن تؤدي حيث كان المال, فإن كان بعضه حيث هو وبعضه في مصر يؤدي زكاة كل مال حيث هو فإن كان غائبا عن مصره وأهله, والمال معه فأسهل أن يعطي بعضه في هذا البلد وبعضه في هذا البلد, وبعضه في البلد الآخر فأما إذا كان المال في البلد الذي هو فيه حتى يمكث فيه حولا تاما فلا يبعث بزكاته إلى بلد آخر فإن كان المال تجارة يسافر به فقال القاضي: يفرق زكاته حيث حال حوله, في أي موضع كان ومفهوم كلام أحمد في اعتباره الحول التام أنه يسهل في أن يفرقها في ذلك البلد وغيره من البلدان التي أقام بها في ذلك الحول وقال في الرجل يغيب عن أهله, فتجب عليه الزكاة: يزكيه في الموضع الذي كثر مقامه فيه فأما زكاة الفطر فإنه يفرقها في البلد الذي وجبت عليه فيه سواء كان ماله فيه أو لم يكن لأنه سبب وجوب الزكاة ففرقت في البلد الذي سببها فيه.

 فصل: 

والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها, ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان قال أحمد في رواية صالح: لا بأس أن يعطي زكاته في القرى التي حوله ما لم تقصر الصلاة في أثنائها ويبدأ بالأقرب فالأقرب وإن نقلها إلى البعيد لتحرى قرابة أو من كان أشد حاجة, فلا بأس ما لم يجاوز مسافة القصر.

  فصل: 

وإذا أخذ الساعي الصدقة واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفه في نقلها أو مرضها أو نحوهما, فله ذلك لما روى قيس بن أبي حازم (أن النبي - ﷺ- رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها؟ فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل فسكت) رواه أبو عبيد في " الأموال ", وقال: الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها فإن لم يكن حاجة إلى بيعها فقال القاضي: لا يجوز والبيع باطل, وعليه الضمان ويحتمل الجواز لحديث قيس فإن النبي - ﷺ- سكت حين أخبره المصدق بارتجاعها ولم يستفصل.

 مسألة: 

قال: [وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها, زكاها إذا تم حول من وقت ملكه الأول] وجملته أنه إذا باع نصابا للزكاة مما يعتبر فيه الحول بجنسه كالإبل بالإبل, أو البقر بالبقر أو الغنم بالغنم أو الذهب بالذهب, أو الفضة بالفضة لم ينقطع الحول وبنى حول الثاني على حول الأول وبهذا قال مالك وقال الشافعي: لا ينبني حول نصاب على حول غيره بحال لقوله: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ولأنه أصل بنفسه, فلم ينبن على حول غيره كما لو اختلف الجنسان ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان ووافق الشافعي فيما سواها لأن الزكاة إنما وجبت في الأثمان لكونها ثمنا وهذا المعنى يشملها, بخلاف غيرها ولنا أنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول فبنى حول بدله من جنسه على حوله, كالعروض والحديث مخصوص بالنماء والربح والعروض فنقيس عليه محل النزاع, والجنسان لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما فأولى أن لا يبنى حول أحدهما على الآخر.

 فصل: 

قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة فيبيعها بضعفها من الغنم, أيزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل يزكيها كلها على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي لأن نماءها معها قلت: فإن كانت للتجارة؟ قال: يزكيها كلها على حديث حماس, فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول وإن كان عنده مائتان فباعهما بمائة فعليه زكاة مائة وحدها.

 مسألة: 

قال: [وكذلك إن أبدل عشرين دينارا بمائتي درهم أو مائتي درهم بعشرين دينارا, لم تبطل الزكاة بانتقالها] وجملة ذلك أنه متى أبدل نصابا من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولا إلا الذهب بالفضة, أو عروض التجارة لكون الذهب والفضة كالمال الواحد إذ هما أروش الجنايات وقيم المتلفات, ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة وكذلك إذا اشترى عرضا للتجارة بنصاب من الأثمان أو باع عرضا بنصاب لم ينقطع الحول لأن الزكاة تجب في قيمة العروض, لا في نفسها والقيمة هي الأثمان فكانا جنسا واحدا وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى صاحبه, لم يبن حول أحدهما على حول الآخر لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر فلم يبن حوله على حوله كالجنسين من الماشية وأما عروض التجارة, فإن حولها يبنى على حول الأثمان بكل حال.

 فصل: 

وإذا حال الحول أخرج الزكاة من جنس المال المبيع دون الموجود لأنه الذي وجبت الزكاة بسببه ولولاه لم تجب في هذا زكاة. فصل: جواز التصرف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه ويجوز التصرف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه, بالبيع والهبة وأنواع التصرفات وليس للساعي فسخ البيع وقال أبو حنيفة تصح إلا أنه إذا امتنع من أداء الزكاة نقض البيع في قدرها وقال الشافعي: في صحة البيع قولان أحدهما, لا يصح لأننا إن قلنا إن الزكاة تتعلق بالعين فقد باع ما لا يملكه وإن قلنا تتعلق بالذمة, فقدر الزكاة مرتهن بها وبيع الرهن غير جائز ولنا (أن النبي - ﷺ- : نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) متفق عليه ومفهومه صحة بيعها إذا بدا صلاحها وهو عام فيما وجبت فيه الزكاة وغيره ونهى عن بيع الحب حتى يشتد, وبيع العنب حتى يسود وهما مما تجب الزكاة فيه ولأن الزكاة وجبت في الذمة والمال خال عنها فصح بيعه, كما لو باع ماله وعليه دين آدمي أو زكاة فطر وإن تعلقت بالعين, فهو تعلق لا يمنع التصرف في جزء من النصاب فلم يمنع بيع جميعه كأرش الجناية وقولهم: باع ما لا يملكه لا يصح فإن الملك لم يثبت للفقراء في النصاب, بدليل أن له أداء الزكاة من غيره ولا يتمكن الفقراء من إلزامه أداء الزكاة منه وليس برهن, فإن أحكام الرهن غير ثابتة فيه فإذا تصرف في النصاب ثم أخرج الزكاة من غيره وإلا كلف إخراجها, وإن لم يكن له كلف تحصيلها فإن عجز بقيت الزكاة في ذمته كسائر الديون, ولا يؤخذ من النصاب ويحتمل أن يفسخ البيع في قدر الزكاة وتؤخذ منه ويرجع البائع عليه بقدرها لأن على الفقراء ضررا في إتمام البيع, وتفويتا لحقوقهم فوجب فسخه لقول النبي - ﷺ- : (لا ضرر ولا ضرار) وهذا أصح.

 مسألة: 

قال: ( والزكاة تجب في الذمة بحلول الحول وإن تلف المال فرط أو لم يفرط ) هذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة: أحدها, أن الزكاة تجب في الذمة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي لأن إخراجها من غير النصاب جائز فلم تكن واجبة فيه, كزكاة الفطر ولأنها لو وجبت فيه لامتنع تصرف المالك فيه, ولتمكن المستحقون من إلزامه أداء الزكاة من عينه أو ظهر شيء من أحكام ثبوته فيه ولسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط, كسقوط أرش الجناية بتلف الجاني والثانية أنها تجب في العين وهذا القول الثاني للشافعي وهذه الرواية هي الظاهرة عند بعض أصحابنا لقول النبي - ﷺ- (في أربعين شاة شاة وقوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقى بدالية أو نضح نصف العشر) وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف " في " وهي للظرفية وإنما جاز الإخراج من غير النصاب رخصة وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة, فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى, ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة, وإن مضى عليه أحوال فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه, وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه, احتمل أن تسقط الزكاة في قدرها لأن الدين يمنع وجوب الزكاة وقال ابن عقيل: لا تسقط الزكاة بهذا بحال لأن الشيء لا يسقط نفسه وقد يسقط غيره بدليل أن تغير الماء بالنجاسة في محلها لا يمنع صحة طهارتها وإزالتها به, ويمنع إزالة نجاسة غيرها والأول أولى لأن الزكاة الثانية غير الأولى وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه فحالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدره, فإن كان نصابا لا زيادة عليه فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأول لأن النصاب نقص فيه, وإن كان أكثر من نصاب عزل قدر فرض الحول الأول وعليه زكاة ما بقي وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية جماعة وقال, في رواية محمد بن الحكم: إذا كانت الغنم أربعين فلم يأته المصدق عامين فإذا أخذ المصدق شاة, فليس عليه شيء في الباقي وفيه خلاف وقال في رواية صالح: إذا كان عند الرجل مائتا درهم, فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر يزكيها للعام الأول لأن هذه تصير مائتين غير خمسة دراهم وقال في رجل له ألف درهم, فلم يزكها سنين: يزكى في أول سنة خمسة وعشرين ثم في كل سنة بحساب ما بقي وهذا قول مالك والشافعي, وأبي عبيد فإن كان عنده أربعون من الغنم نتجت سخلة في كل حول وجب عليه في كل سنة شاة لأن النصاب كمل بالسخلة الحادثة فإن كان نتاج السخلة بعد وجوب الزكاة عليه بمدة, استؤنف الحول الثاني من حين نتجت لأنه حينئذ كمل.

 فصل: 

فإن ملك خمسا من الإبل فلم يؤد زكاتها أحوالا فعليه في كل سنة شاة نص عليه في رواية الأثرم قال في رواية الأثرم: المال غير الإبل إذا أدى من الإبل, لم ينقص والخمس بحالها وكذلك ما دون خمس وعشرين من الإبل, لا تنقص زكاتها فيما بعد الحول الأول لأن الفرض يجب من غيرها فلا يمكن تعلقه بالعين وللشافعي قولان: أحدهما أن زكاتها تنقص, كسائر الأموال فإذا كان عنده خمس من الإبل فمضى عليها أحوال, لم تجب عليه فيها إلا شاة واحدة لأنها نقصت بوجوب الزكاة فيها في الحول الأول عن خمس كاملة فلم يجب عليه فيها شيء كما لو ملك أربعا وجزءا من بعير ولنا, أن الواجب من غير النصاب فلم ينقص به النصاب كما لو أداه, وفارق سائر المال فإن الزكاة يتعلق وجوبها بعينه فينقصه, كما لو أداه من النصاب فعلى هذا لو ملك خمسا وعشرين فحالت عليها أحوال, فعليه في الحول الأول بنت مخاض وعليه لكل حول بعده أربع شياه وإن بلغت قيمة الشاة الواجبة أكثر من خمس من الإبل فإن قيل: فإذا لم يكن في خمس وعشرين بنت مخاض فالواجب فيها من غير عينها, فيجب أن لا تنقص زكاتها أيضا في الأحوال كلها قلنا: إذا أدى عن خمس وعشرين أكبر من بنت مخاض جاز فقد أمكن تعلق الزكاة بعينها لإمكان الأداء منها, بخلاف عشرين من الإبل فإنه لا يقبل منه واحدة منها فافترقا.

 فصل: 

الحكم الثاني, أن الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن وبهذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: التمكن من الأداء شرط, فيشترط للوجوب ثلاثة أشياء: الحول والنصاب والتمكن من الأداء وهذا قول مالك حتى لو أتلف الماشية بعد الحول قبل إمكان الأداء لا زكاة عليه, إذا لم يقصد الفرار من الزكاة لأنها عبادة فيشترط لوجوبها إمكان أدائها كسائر العبادات ولنا قول النبي - ﷺ- : (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فمفهومه, وجوبها عليه إذا حال الحول ولأنه لو لم يتمكن من الأداء حتى حال عليه حولان وجبت عليه زكاة الحولين, ولا يجوز وجوب فرضين في نصاب واحد في حال واحدة وقياسهم ينقلب عليهم فإننا نقول: هذه عبادة, فلا يشترط لوجوبها إمكان أدائها كسائر العبادات فإن الصوم يجب على الحائض والمريض العاجز عن أدائه, والصلاة تجب على المغمى عليه والنائم ومن أدرك من أول الوقت جزءا ثم جن أو حاضت المرأة والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه, أو منعه من المضي مانع ثم الفرق بينهما أن تلك عبادات بدنية يكلف فعلها ببدنه, فأسقطها تعذر فعلها وهذه عبادة مالية يمكن ثبوت الشركة للمساكين في ماله والوجوب في ذمته مع عجزه عن الأداء, كثبوت الديون في ذمة المفلس وتعلقها بماله بجنايته.

 فصل: 

الثالث أن الزكاة لا تسقط بتلف المال فرط أو لم يفرط هذا المشهور عن أحمد, وحكى عنه الميموني أنه إذا تلف النصاب قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة عنه وإن تلف بعده, لم تسقط وحكاه ابن المنذر مذهبا لأحمد وهو قول الشافعي والحسن بن صالح وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وبه قال مالك, إلا في الماشية فإنه قال: لا شيء فيها حتى يجيء المصدق فإن هلكت قبل مجيئه فلا شيء عليه وقال أبو حنيفة: تسقط الزكاة بتلف النصاب على كل حال إلا أن يكون الإمام قد طالبه بها فمنعها لأنه تلف قبل محل الاستحقاق, فسقطت الزكاة كما لو تلفت الثمرة قبل الجذاذ ولأنه حق يتعلق بالعين, فسقط بتلفها كأرش الجناية في العبد الجاني ومن اشترط التمكن قال: هذه عبادة يتعلق وجوبها بالمال فيسقط فرضها بتلفه قبل إمكان أدائها, كالحج ومن نصر الأول قال: مال وجب في الذمة فلم يسقط بتلف النصاب كالدين, أو لم يشترط في ضمانه إمكان الأداء كثمن المبيع والثمرة لا تجب زكاتها في الذمة حتى تحرز لأنها في حكم غير المقبوض, ولهذا لو تلفت بجائحة كانت في ضمان البائع على ما دل عليه الخبر وإذا قلنا بوجوب الزكاة في العين فليس هو بمعنى استحقاق جزء منه, ولهذا لا يمنع التصرف فيه والحج لا يجب حتى يتمكن من الأداء فإذا وجب لم يسقط بتلف المال, بخلاف الزكاة فإن التمكن ليس بشرط لوجوبها على ما قدمناه والصحيح, إن شاء الله أن الزكاة تسقط بتلف المال إذا لم يفرط في الأداء لأنها تجب على سبيل المواساة, فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه ومعنى التفريط أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها, وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط سواء كان ذلك لعدم المستحق, أو لبعد المال عنه أو لكون الفرض لا يوجد في المال ويحتاج إلى شرائه, فلم يجد ما يشتريه أو كان في طلب الشراء أو نحو ذلك وإن قلنا بوجوبها بعد تلف المال, فأمكن المالك أداؤها أداها وإلا أنظر بها إلى ميسرته وتمكنه من أدائها من غير مضرة عليه لأنه إذا لزم إنظاره بدين الآدمي المتعين فبالزكاة التي هي حق الله تعالى أولى. فصل: ولا تسقط الزكاة بموت رب المال, وتخرج من ماله وإن لم يوص بها هذا قول عطاء والحسن, والزهري وقتادة ومالك, والشافعي وإسحاق وأبي ثور, وابن المنذر وقال الأوزاعي والليث تؤخذ من الثلث, مقدمة على الوصايا ولا يجاوز الثلث وقال ابن سيرين والشعبي, والنخعي وحماد بن أبي سليمان وداود بن أبي هند, وحميد الطويل والمثنى والثوري: لا تخرج إلا أن يكون أوصى بها وكذلك قال أصحاب الرأي, وجعلوها إذا أوصى بها وصية تخرج من الثلث ويزاحم بها أصحاب الوصايا وإذا لم يوص بها سقطت لأنها عبادة من شرطها النية, فسقطت بموت من هي عليه كالصوم ولنا أنها حق واجب تصح الوصية به, فلم تسقط بالموت كدين الآدمي ولأنها حق مالي واجب فلم يسقط بموت من هو عليه, كالدين ويفارق الصوم والصلاة فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما, ولا النيابة فيهما ا هـ.

 فصل: 

فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة, فإن كان شيئا يسيرا فلا بأس وإن كان كثيرا, لم يجز قال أحمد: لا يجزئ على أقاربه من الزكاة في كل شهر يعني لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها إليهم متفرقة في كل شهر شيئا فأما إن عجلها فدفعها إليهم, أو إلى غيرهم متفرقة أو مجموعة جاز لأنه لم يؤخرها عن وقتها وكذلك إن كان عنده مالان, أو أموال زكاتها واحدة وتختلف أحوالها, مثل أن يكون عنده نصاب وقد استفاد في أثناء الحول من جنسه دون النصاب لم يجز تأخير الزكاة ليجمعها كلها لأنه يمكنه جمعها بتعجيلها في أول واجب منها.

 فصل: 

فإن أخر الزكاة, فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت لم تسقط عنه كذلك قال الزهري والحكم, وحماد والثوري وأبو عبيد وبه قال الشافعي, إلا أنه قال: إن لم يكن فرط في إخراج الزكاة وفي حفظ ذلك المخرج رجع إلى ماله, فإن كان فيما بقي زكاة أخرجها وإلا فلا وقال أصحاب الرأي: يزكي ما بقي إلا أن ينقص عن النصاب فتسقط الزكاة, فرط أو لم يفرط وقال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها وإن أخرجها بعد ذلك ضمنها وقال مالك: يزكي ما بقي بقسطه وإن بقي عشرة دراهم ولنا, أنه حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك, كدين الآدمي قال أحمد: ولو دفع إلى أحد زكاته خمسة دراهم فقبل أن يقبضها منه قال: اشتر لي بها ثوبا أو طعاما فذهبت الدراهم, أو اشترى بها ما قال فضاع منه فعليه أن يعطي مكانها لأنه لم يقبضها منه ولو قبضها منه ثم ردها إليه, وقال: اشتر لي بها فضاعت أو ضاع ما اشترى بها فلا ضمان عليه إذا لم يكن فرط وإنما قال ذلك لأن الزكاة لا يملكها الفقير إلا بقبضها, فإذا وكله في الشراء بها كان التوكيل فاسدا لأنه وكله في الشراء بما ليس له وبقيت على ملك رب المال, فإذا تلفت كانت في ضمانه.

 فصل: 

ولو عزل قدر الزكاة فنوى أنه زكاة فتلف, فهو في ضمان رب المال ولا تسقط الزكاة عنه بذلك سواء قدر على أن يدفعها إليه أو لم يقدر, والحكم فيه كالمسألة التي قبلها ا هـ.

 فصل: 

ولو أسلم في دار الحرب وأقام بها سنين لم يؤد زكاة أو غلب الخوارج على بلدة, فأقام أهله سنين لا يؤدون الزكاة ثم غلب عليهم الإمام أدوا الماضي, وهذا مذهب مالك والشافعي وقال أصحاب الرأي: لا زكاة عليهم لما مضى في المسألتين ولنا أن الزكاة من أركان الإسلام, فلم تسقط عمن هو في غير قبضة الإمام كالصلاة والصيام.

 فصل: 

إذا تولى الرجل إخراج زكاته فالمستحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز دفع الزكاة إليهم (فإن زينب سألت النبي - ﷺ- : أيجزئ عني من الصدقة النفقة على زوجي؟ فقال النبي - ﷺ- : لها أجران: أجر الصدقة, وأجر القرابة) رواه البخاري وابن ماجه وفي لفظ: أيسعني أن أضع صدقتي في زوجي وبني أخ لي أيتام؟ فقال " نعم لها أجران: أجر الصدقة وأجر القرابة " رواه النسائي (ولما تصدق أبو طلحة بحائطه, قال النبي - ﷺ- : اجعله في قرابتك) رواه أبو داود ويستحب أن يبدأ بالأقرب فالأقرب إلا أن يكون منهم من هو أشد حاجة فيقدمه ولو كان غير القرابة أحوج أعطاه قال أحمد: إن كانت القرابة محتاجة أعطاها, وإن كان غيرهم أحوج أعطاهم ويعطي الجيران وقال: إن كان قد عود قوما برا فيجعله في ماله ولا يجعله من الزكاة, ولا يعطي الزكاة من يمون ولا من تجري عليه نفقته وإن أعطاهم لم يجز وهذا - والله أعلم - إذا عودهم برا من غير الزكاة, وإذا أعطى من تجري عليه نفقته شيئا يصرفه في نفقته فأما إن عودهم دفع زكاته إليهم أو أعطى من تجرى عليه نفقته تطوعا شيئا من الزكاة يصرفه في غير النفقة وحوائجه, فلا بأس وقال أبو داود: قلت لأحمد: يعطى أخاه وأخته من الزكاة؟ قال: نعم إذا لم يق به ماله أو يدفع به مذمة قيل لأحمد: فإذا استوى فقراء قراباتي والمساكين؟ قال: فهم كذلك أولى فأما إن كان غيرهم أحوج, فإنما يريد يغنيهم ويدع غيرهم فلا قيل له: فيعطي امرأة ابنه من الزكاة قال: إن كان لا يريد به كذا - شيئا ذكره - فلا بأس به كأنه أراد منفعة ابنه قال أحمد: كان العلماء يقولون في الزكاة: لا تدفع بها مذمة ولا يحابي بها قريب, ولا يبقي بها مالا وسئل أحمد عن رجل له قرابة يجري عليها من الزكاة؟ قال: إن كان عدها من عياله فلا يعطيها قيل له: إنما يجري عليها شيئا معلوما في كل شهر قال: إذا كفاها ذلك وفي الجملة, من لا يجب عليه الإنفاق عليه فله دفع الزكاة إليه ويقدم الأحوج فالأحوج, فإن شاءوا قدم من هو أقرب إليه ثم من كان أقرب في الجوار وأكثر دينا وكيف فرقها بعد ما يضعها في الأصناف الذين سماهم الله تعالى, جاز والله أعلم. باب زكاة الزروع والثمار: والأصل فيها الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267]. والزكاة تسمى نفقة بدليل قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34]. وقال الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]. قال ابن عباس: حقه: الزكاة المفروضة وقال مرة: العشر, ونصف العشر ومن السنة قول النبي - ﷺ- : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه وعن ابن عمر (عن النبي - ﷺ- قال: فيما سقت السماء والعيون وكان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) أخرجه البخاري وأبو داود, والترمذي وعن جابر أنه (سمع النبي - ﷺ- يقول: فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر) أخرجه مسلم, وأبو داود وأجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر, والزبيب قاله ابن المنذر وابن عبد البر

 فصل: 

ولا شيء فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه كالبطم, والعفص والزعبل وهو شعير الجبل وبزر قطونا, وبزر البقلة وحب الثمام والقت وهو بزر الأشنان إذا أدرك وتناهى نضجه حصلت فيه مرورة وملوحة, وأشباه هذا ذكره ابن حامد لأنه إنما يملك بحيازته وأخذ الزكاة إنما تجب فيه إذا بدا صلاحه وفي تلك الحال لم يكن مملوكا له, فلا يتعلق به الوجوب كالذي يلتقطه اللقاط من السنبل فإنه لا زكاة فيه نص عليه أحمد وذكر القاضي في المباح أن فيه الزكاة إذا نبت في أرضه, ولعله بنى هذا على أن ما نبت في أرضه من الكلأ يكون ملكا له والصحيح خلافه فأما إن نبت في أرضه ما يزرعه الآدميون مثل أن سقط في أرض إنسان حب من الحنطة أو الشعير, فنبت ففيه الزكاة لأنه يملكه ولو اشترى زرعا بعد بدو الصلاح فيه أو ثمرة قد بدا صلاحها أو ملكها بجهة من جهات الملك, لم تجب فيه الزكاة لما ذكرنا.

 فصل: 

ولا تجب فيما ليس بحب ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل والادخار أو لم يوجد فلا تجب في ورق مثل ورق السدر والخطمى والأشنان والصعتر والآس ونحوه لأنه ليس بمنصوص عليه, ولا في معنى المنصوص ومفهوم قوله عليه السلام: (لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق) أن الزكاة لا تجب في غيرهما قال ابن عقيل: في ثمر السدر فورقه أولى ولأن الزكاة لا تجب في الحب المباح, ففي الورق أولى ولا زكاة في الأزهار كالزعفران والعصفر, والقطن لأنه ليس بحب ولا ثمر ولا هو بمكيل فلم تجب فيه زكاة, كالخضراوات قال أحمد: ليس في القطن شيء وقال: ليس في الزعفران زكاة وهذا ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر وروى عن على في الفاكهة والبقل والتوابل والزعفران زكاة وعن عمر أنه قال: إنما سن رسول الله - ﷺ- الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وكذلك عبد الله بن عمر وحكي عن أحمد أن في القطن والزعفران زكاة وخرج أبو الخطاب في العصفر والورس وجها, قياسا على الزعفران والأولى ما ذكرناه وهذا مخالف لأصول أحمد قال: المروي عنه روايتان: إحداهما أنه لا زكاة إلا في الأربعة والثانية: أنها إنما تجب في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والسلت والأرز والعدس, وكل شيء يقوم مقام هذه حتى يدخر ويجري فيه القفيز مثل: اللوبيا والحمص والسماسم والقطنيات ففيه الزكاة وهذا لا يجري فيه القفيز, ولا هو في معنى ما سماه.

 فصل: 

واختلفت الرواية في الزيتون فقال أحمد في رواية ابنه صالح: فيه العشر إذا بلغ - يعنى خمسة أوسق - وإن عصر قوم ثمنه لأن الزيت له بقاء وهذا قول الزهري والأوزاعي, ومالك والليث والثوري, وأبي ثور وأصحاب الرأي وروى عن ابن عباس لقول الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]. في سياق قوله: {والزيتون والرمان} [الأنعام: 141]. ولأنه يمكن ادخار غلته أشبه التمر والزبيب وعن أحمد: لا زكاة فيه وهو اختيار أبي بكر, وظاهر كلام الخرقي وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي عبيدة, وأحد قولي الشافعي لأنه لا يدخر يابسا فهو كالخضراوات والآية لم يرد بها الزكاة, لأنها مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة ولهذا ذكر الرمان ولا عشر فيه وقال مجاهد: إذا حصد زرعه ألقى لهم من السنبل, وإذا جذ نخله ألقى لهم من الشماريخ وقال النخعي وأبو جعفر: هذه الآية منسوخة على أنها محمولة على ما يتأتى حصاده بدليل أن الرمان مذكور بعده, ولا زكاة فيه ا هـ.

 فصل: 

الحكم الثاني أن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر وجابر, وأبو أمامة بن سهل وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد, والحسن وعطاء ومكحول, والحكم والنخعي ومالك, وأهل المدينة والثوري والأوزاعي, وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف, ومحمد وسائر أهل العلم لا نعلم أحدا خالفهم إلا مجاهدا, وأبا حنيفة ومن تابعه قالوا: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره لعموم قوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) ولأنه لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب ولنا, قول النبي - ﷺ- : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه وهذا خاص يجب تقديمه وتخصيص عموم ما رووه به كما خصصنا قوله: (في سائمة الإبل الزكاة) بقوله: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) وقوله: (في الرقة ربع العشر) بقوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ولأنه مال تجب فيه الصدقة, فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية وإنما لم يعتبر الحول لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه واعتبر الحول في غيره لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال, والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه فلهذا اعتبر فيه يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء, بما قد ذكرنا فيما تقدم ولا يحصل الغنى بدون النصاب كسائر الأموال الزكائية ا هـ.

 فصل: 

وتعتبر خمسة الأوسق بعد التصفية في الحبوب, والجفاف في الثمار فلو كان له عشرة أوسق عنبا لا يجيء منه خمسة أوسق زبيبا, لم يجب عليه شيء لأنه حال وجوب الإخراج منه فاعتبر النصاب بحاله وروى الأثرم عنه: أنه يعتبر نصاب النخل والكرم عنبا ورطبا, ويؤخذ منه مثل عشر الرطب تمرا اختاره أبو بكر وهذا محمول على أنه أراد يؤخذ عشر ما يجيء به منه من التمر إذا بلغ رطبها خمسة أوسق لأن إيجاب قدر عشر الرطب من التمر إيجاب لأكثر من العشر وذلك يخالف النص والإجماع فلا يجوز أن يحمل عليه كلام أحمد, ولا قول إمام ا هـ.

 فصل: 

والعلس: نوع من الحنطة يدخر في قشره ويزعم أهله أنه إذا أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة ويزعمون أنه يخرج على النصف فيعتبر نصابه في قشره للضرر في إخراجه, فإذا بلغ بقشره عشرة أوسق ففيه العشر لأن فيه خمسة أوسق وإن شككنا في بلوغه نصابا, خير صاحبه بين إخراج عشره وبين إخراجه من قشره ليقدره بخمسة أوسق كقولنا في مغشوش الذهب والفضة إذا شككنا في بلوغ ما فيهما نصابا ولا يجوز تقدير غيره من الحنطة في قشره, ولا إخراجه قبل تصفيته لأن الحاجة لا تدعو إلى إبقائه في قشره ولا العادة جارية به ولا يعلم قدر ما يخرج منه.

 فصل: 

ونصاب الزيتون خمسة أوسق نص عليه أحمد في رواية صالح ونصاب الزعفران والقطن وما ألحق بهما من الموزونات, ألف وستمائة رطل بالعراقي لأنه ليس بمكيل فيقوم وزنه مقام كيله ذكره القاضي في " المجرد " وحكى عنه: إذا بلغت قيمته نصابا من أدنى ما تخرجه الأرض مما فيه الزكاة, ففيه الزكاة وهذا قول أبي يوسف في الزعفران لأنه لم يمكن اعتباره بنفسه فاعتبر بغيره كالعروض تقوم بأدنى النصابين من الأثمان وقال أصحاب الشافعي في الزعفران: تجب الزكاة في قليله وكثيره ولا أعلم لهذه الأقوال دليلا ولا أصلا يعتمد عليه ويردها قول النبي - ﷺ- : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وإيجاب الزكاة في قليله وكثيره مخالف لجميع أموال الزكاة واعتباره بغيره مخالف لجميع ما يجب عشره, واعتباره بأقل ما فيه الزكاة قيمة لا نظير له أصلا وقياسه على العروض لا يصح لأن العروض لا تجب الزكاة في عينها وإنما تجب في قيمتها, تؤدى من القيمة التي اعتبرت بها والقيمة يرد إليها كل الأموال المتقومات فلا يلزم من الرد إليها الرد إلى ما لم يرد إليه شيء أصلا, ولا تخرج الزكاة منه ولأن هذا مال تخرج الزكاة من جنسه فاعتبر نصابه بنفسه, كالحبوب ولأنه خارج من الأرض يجب فيه العشر أو نصفه فأشبه سائر ما يجب فيه ذلك, ولأنه مال تجب فيه الزكاة فلم يجب في قليله وكثيره كسائر الأموال, ولأنه لا نص فيما ذكروه ولا إجماع ولا هو في معناهما فوجب أن لا يقال به لعدم دليله ا هـ انتهى

 فصل: 

الحكم الثالث, أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة كالذي يشرب من السماء والأنهار وما يشرب بعروقه, وهو الذي يغرس في أرض ماؤها قريب من وجهها فتصل إليه عروق الشجر فيستغنى عن سقي, وكذلك ما كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية ونصف العشر فيما سقى بالمؤن كالدوالي والنواضح لا نعلم في هذا خلافًا وهو قول مالك والثوري, والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم والأصل فيه قول النبي - ﷺ- : (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر, وما سقى بالنضح نصف العشر) رواه البخاري قال أبو عبيد العثرى: ما تسقيه السماء وتسميه العامة: العذى وقال القاضي: هو الماء المستنقع في بركة أو نحوها, يصب إليه ماء المطر في سواق تشق له فإذا اجتمع سقى منه واشتقاقه من العاثور, وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأنها يعثر بها من يمر بها وفي رواية مسلم: (وفيما يسقى بالسانية نصف العشر) والسواني: هي النواضح وهي الإبل يستقى بها لشرب الأرض وعن معاذ, قال: (بعثني رسول الله - ﷺ- إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقى بعلا, العشر وما سقى بدالية نصف العشر) قال أبو عبيد: البعل ما شرب بعروقه من غير سقي وفي الجملة كل ما سقي بكلفة ومؤنة, من دالية أو سانية أو دولاب أو ناعورة أو غير ذلك ففيه نصف العشر وما سقي بغير مؤنة, ففيه العشر لما روينا من الخبر ولأن للكلفة تأثيرا في إسقاط الزكاة جملة بدليل المعلوفة, فبأن يؤثر في تخفيفها أولى ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي وللكلفة تأثير في تقليل النماء, فأثرت في تقليل الواجب فيها ولا يؤثر حفر الأنهار والسواقي في نقصان الزكاة لأن المؤنة تقل لأنها تكون من جملة إحياء الأرض ولا تتكرر كل عام وكذلك لا يؤثر احتياجها إلى ساق يسقيها, ويحول الماء في نواحيها لأن ذلك لا بد منه في كل سقي بكلفة فهو زيادة على المؤنة في التنقيص, يجري مجرى حرث الأرض وتحسينها وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض ويستقر في مكان قريب من وجهها لا يصعد إلا بغرف أو دولاب, فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة على ما مر لأن مقدار الكلفة وقرب الماء وبعده لا يعتبر والضابط لذلك هو أن يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة من غرف أو نضح أو دالية ونحو ذلك وقد وجد ا هـ.

 فصل: 

فإن سقي نصف السنة بكلفة, ونصفها بغير كلفة ففيه ثلاثة أرباع العشر وهذا قول مالك والشافعي, وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه فإذا وجد في نصفها أوجب نصفه, وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما فوجب مقتضاه وسقط حكم الآخر نص عليه وهو قول عطاء, والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط وهو القول الثاني للشافعي لأنهما لو كانا نصفين أخذ بالحصة, فكذلك إذا كان أحدهما أكثر كما لو كانت الثمرة نوعين ووجه الأول أن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية يشق ويتعذر فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية وإن جهل المقدار, غلبنا إيجاب العشر احتياطا نص عليه أحمد في رواية عبد الله لأن الأصل وجوب العشر وإنما يسقط بوجود الكلفة فما لم يتحقق المسقط يبقى على الأصل, ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر فلا يثبت وجودها مع الشك فيه وإن اختلف الساعي ورب المال, في أيهما سقى به أكثر فالقول قول رب المال بغير يمين, فإن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم ا هـ.

 فصل: 

وإذا كان لرجل حائطان سقي أحدهما بمؤنة والآخر بغير مؤنة, ضم غلة أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب أو أخرج من الذي سقي بغير مؤنة عشره ومن الآخر نصف عشره كما يضم أحد النوعين إلى الآخر, ويخرج من كل واحد منهما ما وجب فيه.

 مسألة: 

قال: [والوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي] أما كون الوسق ستين صاعا فلا خلاف فيه قال ابن المنذر هو قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم وقد روى الأثرم, عن سلمة بن صخر عن النبي - ﷺ- قال: (الوسق ستون صاعا) وروى أبو سعيد وجابر, عن النبي - ﷺ- مثل ذلك رواه ابن ماجه وأما كون الصاع خمسة أرطال وثلثا ففيه اختلاف ذكرناه في باب الطهارة وبينا أنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي, فيكون مبلغ الخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع وهو ألف وستمائة رطل بالعراقي والرطل العراقي: مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم, ووزنه بالمثاقيل سبعون مثقالا ثم زيد في الرطل مثقال آخر وهو درهم وثلاثة أسباع فصار إحدى وتسعين مثقالا, وكملت زنته بالدراهم مائة وثلاثين درهما والاعتبار بالأول قبل الزيادة فيكون الصاع بالرطل الدمشقي, الذي هو ستمائة درهم رطلا وسبعا وذلك أوقية وخمسة أسباع أوقية, ومبلغ الخمسة الأوسق بالرطل الدمشقي ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلا وعشر أواق وسبع أوقية وذلك ستة أسباع رطل.

 فصل: 

قال القاضي: وهذا النصاب معتبر تحديدا فمتى نقص شيئا, لم تجب الزكاة لقول رسول الله - ﷺ- : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) والناقص عنها لم يبلغها إلا أن يكون نقصا يسيرا يدخل في المكاييل, كالأوقية ونحوها فلا عبرة به لأن مثل ذلك يجوز أن يدخل في المكاييل فلا ينضبط, فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين.

 فصل: 

ولا وقص في نصاب الحبوب والثمار بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب فيخرج عشر جميع ما عنده فإنه لا ضرر في تبعيضه بخلاف الماشية, فإن فيها ضررا على ما تقدم.

 فصل: 

وإذا وجب عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر, وإن حال عنده أحوالا لأن هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل بل هي إلى النقص أقرب والزكاة إنما تجب في الأشياء النامية, ليخرج من النماء فيكون أسهل فإن اشترى شيئا من ذلك للتجارة صار عرضا تجب فيه زكاة التجارة إذا حال عليه الحول والله أعلم.

 فصل: 

ووقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد وفي الثمرة إذا بدا صلاحها وقال ابن أبي موسى: تجب زكاة الحب يوم حصاده لقول الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]. وفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة أو الحب قبل الوجوب, لا شيء عليه لأنه تصرف فيه قبل الوجوب فأشبه ما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول وإن تصرف فيها بعد الوجوب لم تسقط الزكاة عنه, كما لو فعل ذلك في السائمة ولا يستقر الوجوب على كلا القولين حتى تصير الثمرة في الجريب والزرع في البيدر ولو تلف قبل ذلك بغير إتلافه أو تفريط منه فيه فلا زكاة عليه قال أحمد: إذا خرص وترك في رءوس النخل, فعليهم حفظه فإن أصابته جائحة فذهبت الثمرة سقط عنهم الخرص, ولم يؤخذوا به ولا نعلم في هذا خلافا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الخارص إذا خرص الثمرة ثم أصابته جائحة, فلا شيء عليه إذا كان قبل الجذاذ ولأنه قبل الجذاذ في حكم ما لا تثبت اليد عليه بدليل أنه لو اشترى ثمرة فتلفت بجائحة رجع بها على البائع, وإن تلف بعض الثمرة فقال القاضي: إن كان الباقي نصابا ففيه الزكاة وإلا فلا وهذا القول يوافق قول من قال: لا تجب الزكاة فيه إلا يوم حصاده لأن وجوب النصاب شرط في الوجوب, فمتى لم يوجد وقت الوجوب لم يجب وأما من قال: إن الوجوب ثبت إذا بدا الصلاح واشتد الحب فقياس قوله: إن تلف البعض إن كان قبل الوجوب فهو كما قال القاضي, وإن كان بعده وجب في الباقي بقدره سواء كان نصابا أو لم يكن نصابا لأن المسقط اختص بالبعض, فاختص السقوط به كما لو تلف بعض نصاب السائمة بعد وجوب الزكاة فيها وهذا فيما إذا تلف بغير تفريطه وعدوانه فأما إن أتلفها أو تلفت بتفريطه أو عدوانه بعد الوجوب, لم تسقط عنه الزكاة وإن كان قبل الوجوب سقطت, إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة فيضمنها ولا تسقط عنه, ومتى ادعى رب المال تلفها بغير تفريطه قبل قوله من غير يمين سواء كان ذلك قبل الخرص أو بعده, ويقبل قوله أيضا في قدرها بغير يمين وكذلك في سائر الدعاوى قال أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم وذلك لأنه حق لله تعالى, فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد.

 فصل: 

وإن جذها وجعلها في الجرين أو جعل الزرع في البيدر, استقر وجوب الزكاة عليه عند من لم ير التمكن من الأداء شرطا في استقرار الوجوب فإن تلفت بعد ذلك لم تسقط الزكاة عنه, وعليه ضمانها كما لو تلف نصاب السائمة أو الأثمان بعد الحول وعلى الرواية الأخرى في كون التمكن من الأداء معتبرا, لا يستقر الوجوب فيها حتى تجف الثمرة ويصفي الحب ويتمكن من أداء حقه, فلا يفعل وإن تلف قبل ذلك فلا شيء عليه, على ما ذكرنا في غير هذا.

 فصل: 

ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه, فصدقته على البائع والواهب وبهذا قال الحسن ومالك والثوري, والأوزاعي وبه قال الليث إلا أن يشترطها على المبتاع, وإنما وجبت على البائع لأنها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي على ما كان عليه وعليه إخراج الزكاة من جنس المبيع والموهوب وعن أحمد أنه مخير بين أن يخرج ثمرا أو من الثمن قال القاضي: والصحيح أن عليه عشر الثمرة فإنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة, على صحيح المذهب ولأن عليه القيام بالثمرة حتى يؤدي الواجب منها ثمرا فلا يسقط ذلك عنه ببيعها ولا هبتها ويتخرج أن تجب الزكاة على المشتري, على قول من قال: إن الزكاة إنما تجب يوم حصاده لأن الوجوب إنما تعلق بها في ملك المشترى فكان عليه ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها, ثم بدا صلاحها في يد المشترى على وجه صحيح مثل أن يشترى نخلة مثمرة ويشترط ثمرتها, أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها فبدا صلاحها في يد المشتري أو المتهب أو وصى له بثمرة فقبلها بعد موت الموصي, ثم بدا صلاحها فالصدقة عليه لأن سبب الوجوب وجد في ملكه فكان عليه, كما لو اشترى سائمة أو اتهبها فحال الحول عليها عنده ا هـ.

 فصل: 

وإذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها, فإن لم يكن شرط القطع فالبيع باطل وهي باقية على ملك البائع, وزكاتها عليه وإن شرط القطع فقد روى أن البيع باطل أيضا, ويكون الحكم فيها كما لو لم يشترط القطع وروى أن البيع صحيح ويشتركان في الزيادة فعلى هذا يكون على المشتري زكاة حصته منها إن بلغت نصابا, فإن لم يكن المشتري من أهل الزكاة كالمكاتب والذمي فلا زكاة فيها, وإن عاد البائع فاشتراها بعد بدو الصلاح أو غيره فلا زكاة فيها إلا أن يكون قصد ببيعها الفرار من الزكاة, فلا تسقط.

 فصل: 

وإن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب فلا زكاة فيه وكذلك إن أتلفه المالك, إلا أن يقصد الفرار من الزكاة وسواء قطعها للأكل أو للتخفيف عن النخيل لتحسين بقية الثمرة, أو حفظ الأموال إذا خاف عليها العطش أو ضعف الجمار فقطع الثمرة أو بعضها بحيث نقص النصاب, أو قطعها لغير غرض فلا زكاة عليه لأنها تلفت قبل وجوب الزكاة وتعلق حق الفقراء بها, فأشبه ما لو هلكت السائمة قبل الحول وإن قصد بقطعها الفرار من الزكاة لم تسقط عنه لأنه قصد قطع حق من انعقد سبب استحقاقه, فلم تسقط كما لو طلق امرأته في مرض موته.

 فصل: 

وينبغي أن يبعث الإمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها, ويعرف قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك وممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة ومروان, والقاسم بن محمد والحسن وعطاء, والزهري وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق, ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور, وأكثر أهل العلم وحكي عن الشعبي أن الخرص بدعة وقال أهل الرأي: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم وإنما كان الخرص تخويفا للأكرة لئلا يخونوا, فأما أن يلزم به حكم فلا ولنا ما روي الزهري, عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد (أن النبي - ﷺ- كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم) رواه أبو داود وابن ماجه, والترمذي وفي لفظ عن عتاب قال: (أمر رسول الله - ﷺ- أن يخرص العنب كما يخرص النخل, وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا) وقد عمل به النبي - ﷺ- فخرص على امرأة بوادي القرى حديقة لها ورواه الإمام أحمد في " مسنده " وعمل به أبو بكر بعده والخلفاء وقالت عائشة, وهي تذكر شأن خيبر: (كان النبي - ﷺ- يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه) متفق عليه رواه أبو داود وقولهم: هو ظن قلنا: بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير, فهو كتقويم المتلفات ووقت الخرص حين يبدو صلاحه لقول عائشة ـ رضي الله عنه ـا يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم النخل حين يطيب, قبل أن يؤكل منه ولأن فائدة الخرص معرفة الزكاة وإطلاق أرباب الثمار في التصرف فيها والحاجة إنما تدعو إلى ذلك حين يبدو الصلاح, وتجب الزكاة

 فصل: 

ويجزئ خارص واحد لأن النبي - ﷺ- كان يبعث ابن رواحة فيخرص ولم يذكر معه غيره, ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده إليه فهو كالحاكم والقائف ويعتبر في الخارص أن يكون أمينا غير متهم.

 فصل: 

وصفة الخرص تختلف باختلاف الثمرة, فإن كان نوعا واحدا فإنه يطيف بكل نخلة أو شجرة وينظر كم في الجميع رطبا أو عنبا, ثم يقدر ما يجيء منها تمرا وإن كان أنواعا خرص كل نوع على حدته لأن الأنواع تختلف فمنها ما يكثر رطبه ويقل تمره, ومنها ما يكون بالعكس وهكذا العنب ولأنه يحتاج إلى معرفة قدر كل نوع, حتى يخرج عشره فإذا خرص على المالك وعرفه قدر الزكاة, خيره بين أن يضمن قدر الزكاة ويتصرف فيها بما شاء من أكل وغيره وبين حفظها إلى وقت الجداد والجفاف, فإن اختار حفظها ثم أتلفها أو تلفت بتفريطه فعليه ضمان نصيب الفقراء بالخرص وإن أتلفها أجنبي, فعليه قيمة ما أتلف والفرق بينهما أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب بخلاف الأجنبي ولهذا قلنا في من أتلف أضحيته المتعينة: عليه أضحية مكانها وإن أتلفها أجنبي فعليه قيمتها وإن تلفت بجائحة من السماء, سقط عنهم الخرص نص عليه أحمد لأنها تلفت قبل استقرار زكاتها وإن ادعى تلفها بغير تفريطه فالقول قوله بغير يمين, كما تقدم وإن حفظها إلى وقت الإخراج فعليه زكاة الموجود لا غير, سواء اختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص, زاد أو نقص إذا كانت الزكاة متقاربة لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي بدليل وجوب ما قال عند تلف المال ولنا, أن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة ولا نسلم أن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي, وإنما يعمل بقوله إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها لأن الظاهر إصابته قال أحمد: إذا خرص على الرجل فإذا فيه فضل كثير, مثل الضعف تصدق بالفضل لأنه يخرص بالسوية وهذه الرواية تدل على مثل قول مالك وقال: إذا تجافى السلطان عن شيء من العشر يخرجه فيؤديه وقال: إذا حط من الخرص عن الأرض, يتصدق بقدر ما نقصوه من الخرص وإن أخذ منهم أكثر من الواجب عليهم فقال أحمد: يحتسب لهم من الزكاة لسنة أخرى ونقل عنه أبو داود لا يحتسب بالزيادة لأن هذا غاصب وقال أبو بكر: وبهذا أقول ويحتمل أن يجمع بين الروايتين فيحتسب به إذا نوى صاحبه به التعجيل, ولا يحتسب به إذا لم ينو ذلك.

 فصل: 

وإن ادعى رب المال غلط الخارص وكان ما ادعاه محتملا قبل قوله بغير يمين وإن لم يكن محتملا, مثل أن يدعي غلط النصف ونحوه لم يقبل منه لأنه لا يحتمل فيعلم كذبه وإن قال: لم يحصل في يدي غير هذا قبل منه بغير يمين لأنه قد يتلف بعضها بآفة لا نعلمها.

 فصل: 

وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع, توسعة على أرباب الأموال لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم ويكون في الثمرة السقاطة وينتابها الطير وتأكل منه المارة, فلو استوفى الكل منهم أضر بهم وبهذا قال إسحاق ونحوه قال الليث وأبو عبيد والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده, فإن رأى الأكلة كثيرا ترك الثلث وإن كانوا قليلا ترك الربع لما روى سهل بن أبي حثمة ( أن رسول الله - ﷺ- كان يقول: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) رواه أبو عبيد, وأبو داود والنسائي والترمذي وروى أبو عبيد, بإسناده عن مكحول قال: (كان رسول الله - ﷺ- إذا بعث الخراص قال: خففوا على الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة) قال أبو عبيد: الواطئة: السابلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين والأكلة: أرباب الثمار وأهلوهم, ومن لصق بهم ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد حين قال: لولا إني وجدت فيه أربعين عريشا لخرصته تسعمائة وسق, وكانت تلك العرش لهؤلاء الأكلة والعرية: النخلة أو النخلات يهب إنسانا ثمرتها فجاء عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ليس في العرايا صدقة) وروى ابن المنذر عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لسهل بن أبي حثمة: إذا أتيت على نخل قد حضرها قوم فدع لهم ما يأكلون والحكم في العنب كالحكم في النخيل سواء, فإن لم يترك لهم الخارص شيئا فلهم الأكل بقدر ذلك ولا يحتسب عليهم به نص عليه لأنه حق لهم, فإن لم يخرج الإمام خارصا فاحتاج رب المال إلى التصرف في الثمرة فأخرج خارصا جاز أن يأخذ بقدر ذلك ذكره القاضي وإن خرص هو وأخذ بقدر ذلك, جاز ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما له أخذه. فصل: ويخرص النخل والكرم لما روينا من الأثر فيهما ولم يسمع بالخرص في غيرهما فلا يخرص الزرع في سنبله وبهذا قال عطاء, والزهري ومالك لأن الشرع لم يرد بالخرص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه, لأن ثمرة النخل والكرم تؤكل رطبا فيخرص على أهله للتوسعة عليهم ليخلي بينهم وبين أكل الثمرة والتصرف فيها, ثم يؤدون الزكاة منها على ما خرص ولأن ثمرة الكرم والنخل ظاهرة مجتمعة فخرصها أسهل من خرص غيرها, وما عداهما فلا يخرص وإنما على أهله فيه الأمانة إذا صار مصفى يابسا ولا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله ولا يحتسب عليهم وسئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك؟ قال: لا بأس به أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه وذلك لأن العادة جارية به, فأشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم فإذا صفى الحب أخرج زكاة الموجود كله ولم يترك منه شيء لأنه إنما ترك لهم في الثمرة شيء لكون النفوس تتوق إلى أكلها رطبة, والعادة جارية به وفي الزرع إنما يؤكل شيء يسير لا وقع له.

 فصل: 

ولا يخرص الزيتون, ولا غير النخل والكرم لأن حبه متفرق في شجره مستور بورقه ولا حاجة بأهله إلى أكله, بخلاف النخل والكرم فإن ثمرة النخل مجتمعة في عذوقه والعنب في عناقيده, فيمكن أن يأتي الخرص عليه والحاجة داعية إلى أكلهما في حال رطوبتهما وبهذا قال مالك وقال الزهري والأوزاعي, والليث: يخرص لأنه ثمر تجب فيه الزكاة فيخرص كالرطب والعنب ولنا: أنه لا نص في خرصه ولا هو في معنى المنصوص, فيبقى على الأصل.

 فصل: 

ووقت الإخراج للزكاة بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار لأنه أوان الكمال وحال الادخار والمؤنة التي تلزم الثمرة إلى حين الإخراج على رب المال لأن الثمرة كالماشية ومؤنة الماشية وحفظها ورعيها والقيام عليها إلى حين الإخراج, على ربها كذا ها هنا فإن أخذ الساعي الزكاة قبل التجفيف فقد أساء, ويرده إن كان رطبا بحاله وإن تلف رد مثله وإن جففه وكان قدر الزكاة, فقد استوفى الواجب وإن كان دونه أخذ الباقي وإن كان زائدا رد الفضل وإن كان المخرج لها رب المال, لم يجزئه ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزئه, كما لو أخرج الصغيرة من الماشية عن الكبار.

 فصل: 

وإن احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها خوفا من العطش أو لضعف الجمار, جاز قطعها لأن حق الفقراء إنما يجب على طريق المواساة فلا يكلف الإنسان من ذلك ما يهلك أصل ماله ولأن حفظ الأصل أحفظ للفقراء من حفظ الثمرة, لأن حقهم يتكرر بحفظها في كل سنة فهم شركاء في النخل ثم إن كان يكفي تجفيف الثمرة دون قطع جميعها جففها, وإن لم يكف إلا قطع جميعها جاز وكذلك إن أراد قطع الثمرة لتحسين الباقي منها جاز وإذا أراد ذلك فقال القاضي: يخير الساعي بين أن يقاسم رب المال الثمرة قبل الجداد بالخرص, ويأخذ نصيبهم نخلة مفردة ويأخذ ثمرتها وبين أن يجذها, ويقاسمه إياها بالكيل ويقسم الثمرة في الفقراء وبين أن يبيعها من رب المال أو من غيره قبل الجداد أو بعده, ويقسم ثمنها في الفقراء وقال أبو بكر: عليه الزكاة فيه يابسا وذكر أن أحمد نص عليه وكذلك الحكم في العنب الذي لا يجيء منه زبيب كالخمري والرطب الذي لا يجيء منه تمر جيد, كالبرنبا والهلياث فإن قيل: فهلا قلتم لا زكاة فيه لأنه لا يدخر فهو كالخضراوات وطلع الفحال قلنا: لأنه يدخر في الجملة, وإنما لم يدخر ها هنا لأن أخذه رطبا أنفع فلم تسقط منه الزكاة بذلك, ولا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ حدا يكون منه خمسة أوسق تمرا أو زبيبا إلا على الرواية الأخرى وإذا أتلف رب المال هذه الثمرة فقال القاضي: عليه قيمتها, كما لو أتلفها غير رب المال وعلى قول أبي بكر: يجب في ذمته العشر تمرا أو زبيبا كما في غير هذه الثمرة قال: فإن لم يجد التمر, ففيه قولان: أحدهما يؤخذ منه قيمته والثاني: يكون في ذمته وعليه أن يأتي به.

 فصل: 

فأما كيفية الإخراج, فإن كان المال الذي فيه الزكاة نوعا واحدا أخذ منه جيدا كان أو رديئا لأن حق الفقراء يجب على طريق المواساة فهم بمنزلة الشركاء, لا نعلم في هذا خلافا وإن كان أنواعا أخذ من كل نوع ما يخصه هذا قول أكثر أهل العلم وقال مالك والشافعي: يؤخذ من الوسط وكذلك قال أبو الخطاب, إذا شق عليه إخراج زكاة كل نوع منه قال ابن المنذر: وقال غيرهما: يؤخذ عشر ذلك من كل بقدره وهو أولى لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فينبغي أن يتساووا في كل نوع منه ولا مشقة في ذلك, بخلاف الماشية إذا كانت أنواعا فإن إخراج حصة كل نوع منه يفضي إلى تشقيص الواجب وفيه مشقة بخلاف الثمار, ولهذا وجب في الزائد بحسابه ولا يجوز إخراج الرديء لقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. قال أبو أمامة سهل بن حنيف في هذه الآية: هو الجعرور ولون الحبيق فنهى رسول الله - ﷺ- أن يؤخذ في الصدقة) رواه النسائي, وأبو عبيد قال: وهما ضربان من التمر أحدهما إنما يصير قشرا على نوى والآخر إذا أثمر صار حشفا ولا يجوز أخذ الجيد عن الرديء لقول النبي - ﷺ- : (إياك وكرائم أموالهم) فإن تطوع رب المال بذلك جاز, وله ثواب الفضل على ما ذكرنا في فضل الماشية.

 فصل: 

فأما الزيتون فإن كان مما لا زيت له, فإنه يخرج منه عشره حبا إذا بلغ النصاب لأنه حال كماله وادخاره يخرج منه, كما يخرص الرطب في حال رطوبته وإن كان له زيت أخرج منه زيتا إذا بلغ الحب خمسة أوسق وهذا قول الزهري, والأوزاعي ومالك والليث قالوا: يخرص الزيتون, ويؤخذ زيتا صافيا وقال مالك: إذا بلغ خمسة أوسق أخذ العشر من زيته بعد أن يعصر وقال الثوري وأبو حنيفة: يخرج من حبه كسائر الثمار ولأنه الحالة التي تعتبر فيها الأوساق, فكان إخراجه فيها كسائر الثمار وهذا جائز والأول أولى لأنه يكفي الفقراء مؤنته فيكون أفضل, كتجفيف التمر ولأنه حال كماله وادخاره فيخرج منه, كما يخرص الرطب في حال رطوبته ويخرج منه إذا يبس.

 فصل: 

ومذهب أحمد أن في العسل العشر قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر, قد أخذ عمر منهم الزكاة قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به؟ قال لا بل أخذه منهم ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري, وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق وقال مالك, والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح, وابن المنذر: لا زكاة فيه لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة, وإلا فلا زكاة فيه ووجه الأول ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن رسول الله - ﷺ- كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل, من كل عشر قرب قربة من أوسطها) رواه أبو عبيد والأثرم وابن ماجه وعن سليمان بن موسى ( أن أبا سيارة المتعي قال: قلت يا رسول الله: إن لي نحلا قال: أد عشرها قال: فاحم إذا جبلها فحماه له) رواه أبو عبيد, وابن ماجه وروى الأثرم عن ابن أبي ذباب عن أبيه عن جده أن عمر ـ رضي الله عنه ـ أمره في العسل بالعشر أما الابن فإن الزكاة وجبت في أصله وهي السائمة, بخلاف العسل وقول أبي حنيفة ينبني على أن العشر والخراج لا يجتمعان وسنذكر ذلك - إن شاء الله تعالى- .

 مسألة: 

قال: ( والأرض أرضان: صلح وعنوة ) وجملته أن الأرض قسمان: صلح وعنوة, فأما الصلح فهو كل أرض صالح أهلها عليها لتكون لهم ويؤدون خراجا معلوما فهذه الأرض ملك لأربابها, وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم ولهم بيعها وهبتها ورهنها لأنها ملك لهم, وكذلك إن صالحوا على أداء شيء غير موظف على الأرض وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها كأرض المدينة وشبهها, فهذه ملك لأربابها لا خراج عليها ولهم التصرف فيها كيف شاءوا وأما الثاني, وهو ما فتح عنوة فهي ما أجلى عنها أهلها بالسيف ولم تقسم بين الغانمين, فهذه تصير للمسلمين يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام, يكون أجرة لها وتقر في أيدي أربابها ما داموا يؤدون خراجها, سواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم لأنه بمنزلة أجرتها ولم نعلم أن شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر, فإن رسول الله - ﷺ- قسم نصفها فصار ذلك لأهله لا خراج عليه, وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء, فروى أبو عبيد في " الأموال " أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قدم الجابية فأراد قسمة الأرض بين المسلمين, فقال له معاذ: والله إذا ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة, ثم يأتي بعدهم قوم أخر يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ وروى أيضا قال: قال الماجشون: قال بلال لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في القرى التي افتتحوها عنوة: اقسمها بيننا, وخذ خمسها فقال عمر: لا هذا عين المال ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين فقال بلال وأصحابه لعمر: اقسمها بيننا فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه قال فما حال الحول ومنهم عين تطرف وروى, بإسناده عن سفيان بن وهب الخولاني قال: لما افتتح عمرو بن العاص مصر قام ابن الزبير, فقال: يا عمرو بن العاص اقسمها فقال عمرو: لا أقسمها فقال ابن الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله - ﷺ- خيبر فقال عمرو: لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر, فكتب إليه عمر: أن دعها حتى يعروا منها حبل الحبلة قال القاضي: ولم ينقل عن النبي - ﷺ- ولا عن أحد من الصحابة أنه قسم أرضا عنوة إلا خيبر.

 فصل: 

قال أحمد: ومن يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة ومن أين هي وإلى أين هي؟ وقال: أرض الشام عنوة, إلا حمص وموضعا آخر وقال: ما دون النهر صلح وما وراءه عنوة وقال: فتح المسلمون السواد عنوة, إلا ما كان منه صلح وهي أرض الحيرة وأرض مانقيا وقال: أرض الثرى خلطوا في أمرها, فأما ما فتح عنوة من نهاوند إلى طبرستان خراج وقال أبو عبيد: أرض الشام عنوة ما خلا مدنها فإنها فتحت صلحا, إلا قيسارية افتتحت عنوة وأرض السواد والحل ونهاوند والأهواز ومصر والمغرب قال موسى بن على بن رباح, عن أبيه: المغرب كله عنوة فأما أرض الصلح فأرض هجر والبحرين وأيلة, ودومة الجندل وأذرح فهذه القرى التي أدت إلى رسول الله - ﷺ- الجزية, ومدن الشام ما خلا أرضها إلا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها وبلاد خراسان كلها أو أكثرها صلح وكل موضع فتح عنوة فإنه وقف على المسلمين.

 فصل: 

وما استأنف المسلمون فتحه, فإن فتح عنوة ففيه ثلاث روايات: إحداهن أن الإمام مخير بين قسمتها على الغانمين وبين وقفيتها على جميع المسلمين لأن كلا الأمرين قد ثبت فيه حجة عن النبي - ﷺ- فإن النبي - ﷺ- قسم نصف خيبر, ووقف نصفها لنوائبه ووقف عمر الشام والعراق ومصر وسائر ما فتحه وأقره على ذلك علماء الصحابة وأشاروا عليه به, وكذلك فعل من بعده من الخلفاء ولم يعلم أحد منهم قسم شيئا من الأرض التي افتتحوها والثانية أنها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها لاتفاق الصحابة عليه, وقسمة النبي - ﷺ- خيبر كان في بدء الإسلام وشدة الحاجة فكانت المصلحة فيه, وقد تعينت المصلحة فيما بعد ذلك في وقف الأرض فكان ذلك هو الواجب والثالثة أن الواجب قسمتها وهو قول مالك, وأبي ثور لأن النبي - ﷺ- فعل ذلك وفعله أولى من فعل غيره مع عموم قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41]. الآية يفهم منها أن أربعة أخماسها للغانمين والرواية الأولى أولى لأن النبي - ﷺ- فعل الأمرين جميعا في خيبر, ولأن عمر قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي - ﷺ- خيبر فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي - ﷺ- فدل على أن فعله ذلك لم يكن متعينا كيف والنبي - ﷺ- قد وقف نصف خيبر ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها قال أبو عبيد: تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين حكم رسول الله - ﷺ- في خيبر حين قسمها, وبه أشار بلال وأصحابه على عمر في أرض الشام وأشار به الزبير في أرض مصر وحكم عمر في أرض السواد وغيره حين وقفه, وبه أشار على ومعاذ على عمر في أرض الشام وليس فعل النبي - ﷺ- رادا لفعل عمر لأن كل واحد منهما اتبع آية محكمة, قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41]. وقال: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7]. الآية فكان كل واحد من الأمرين جائزا والنظر في ذلك إلى الإمام فما رأى من ذلك فعله وهذا قول الثوري, وأبي عبيد إذا ثبت هذا فإن الاختيار المفوض إلى الإمام اختيار مصلحة لا اختيار تشه فيلزمه فعل ما يرى المصلحة فيه ولا يجوز له العدول عنه, كالخيرة بين القتل والاسترقاق والفداء والمن في الأسرى ولا يحتاج إلى النطق بالوقف, بل تركه له من غير قسمة هو وقفه لها كما أن قسمها بين الغانمين لا يحتاج معه إلى لفظ وإن عمر وغيره لم ينقل عنهم في وقف الأرض لفظ الوقف ولأن معنى وقفها ها هنا, أنها باقية لجميع المسلمين يؤخذ خراجها ويصرف في مصالحهم, ولا يخص أحد بملك شيء منها وهذا حاصل بتركها.

 فصل: 

فأما ما جلا عنها أهلها خوفا من المسلمين فهذه تصير وقفا بنفس الظهور عليها لأن ذلك متعين فيها, إذ لم يكن لها غانم فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم وقد روي أنها لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام وحكمها حكم العنوة إذا وقفت وما صالح عليه الكفار من أرضهم, على أن الأرض لنا ونقرهم فيها بخراج معلوم, فهو وقف أيضا حكمه حكم ما ذكرناه لأن النبي - ﷺ- فتح خيبر وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها, ولهم نصف ثمرتها فكانت للمسلمين منهم وصالح بني النضير على أن يجليهم من المدينة, ولهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة - يعني السلاح - فكانت مما أفاء الله على رسوله فأما ما صولحوا عليه على أن الأرض لهم, ونقرهم فيها بخراج معلوم فهذا الخراج في حكم الجزية تسقط بإسلامهم والأرض لهم لا خراج عليها لأن الخراج الذي ضرب عليهم إنما كان من أجل كفرهم, بمنزلة الجزية المضروبة على رءوسهم فإذا أسلموا سقط كما تسقط الجزية, وتبقى الأرض ملكا لهم لاخراج عليها ولو انتقلت الأرض إلى مسلم لم يجب عليها خراج لذلك.

 فصل: 

ولا يجوز شراء شيء من الأرض الموقوفة ولا بيعه, في قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس, وعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـم ـ وروى ذلك عن عبد الله بن مغفل وقبيصة بن ذؤيب ومسلم بن مسلم, وميمون بن مهران والأوزاعي ومالك, وأبي إسحاق الفزاري وقال الأوزاعي: لم يزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم وقال الأوزاعي: أجمع رأى عمر وأصحاب النبي - ﷺ- لما ظهروا على الشام, على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها, ويؤدون خراجها إلى المسلمين ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعا ولا كرها وكرهوا ذلك مما كان من اتفاق عمر وأصحابه في الأرضين المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين لا تباع ولا تورث, قوة على جهاد من لم تظهر عليه بعد من المشركين وقال الثوري: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها وروى نحو هذا عن ابن سيرين والقرطبي لما روى عبد الرحمن بن يزيد أن, ابن مسعود اشترى من دهقان أرضا على أن يكفيه جزيتها وروى عنه أنه قال: (نهى رسول الله - ﷺ- عن السفر في الأهل والمال) ثم قال عبد الله: فكيف بمال بزاذان وبكذا, وبكذا وهذا يدل على أن له مالا بزاذان ولأنها أرض لهم فجاز بيعها وقد روى عن أحمد, أنه قال: إن كان الشراء أسهل يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس هو رجل من المسلمين وكره البيع في أرض السواد وإنما رخص في الشراء - والله أعلم - لأن بعض الصحابة اشترى ولم يسمع عنهم البيع, ولأن الشراء استخلاص للأرض فيقوم فيها مقام من كانت في يده والبيع أخذ عوض عن ما لا يملكه ولا يستحقه, فلا يجوز ولنا: إجماع الصحابة ـ رضي الله عنه ـم ـ فإنه روى عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضهم وقال الشعبي: اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قصبا, فذكر ذلك لعمر فقال: ممن اشتريتها؟ قال: من أربابها فلما اجتمع المهاجرون والأنصار قال: هؤلاء أربابها, فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال: لا قال: فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك وهذا قول عمر في المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر, فكان إجماعا ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا وشبهه إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة, ولا إلى نقل قول العشرة ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشر فإن قيل: فقد خالفه ابن مسعود بما ذكرناه عنه قلنا: لا نسلم المخالفة وقولهم اشترى قلنا: المراد به: اكترى كذلك قال أبو عبيد والدليل عليه قوله: على أن يكفيه جزيتها ولا يكون مشتريا لها وجزيتها على غيره وقد روى عنه القاسم أنه قال: من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل وهذا يدل على أن الشراء ها هنا الاكتراء وكذلك كل من رويت عنه الرخصة في الشراء فمحمول على ذلك وقوله: فكيف بمال بزاذان فليس فيه ذكر الشراء ولأن المال أرض, فيحتمل أنه أراد مالا من السائمة أو التجارة أو الزرع أو غيره ويحتمل أنه أرض أكتراها ويحتمل أنه أراد بذلك غيره, وقد يعيب الإنسان الفعل المعيب من غيره جواب ثان أنه يتناول الشراء وبقي قول عمر في النهي عن البيع غير معارض, وأما المعنى فلأنها موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الأحباس والوقوف, والدليل على وقفها النقل والمعنى أما النقل فما نقل من الأخبار أن عمر لم يقسم الأرض التي افتتحها, وتركها لتكون مادة لأجناد المسلمين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى يوم القيامة وقد نقلنا بعض ذلك وهو مشهور تغنى شهرته عن نقله وأما المعنى, فلأنها لو قسمت لكانت للذين افتتحوها ثم لورثتهم أو لمن انتقلت إليه عنهم, ولم تكن مشتركة بين المسلمين ولأنها لو قسمت ولم تخف بالكلية فإن قيل: فليس في هذا ما يلزم منه الوقف لأنه يحتمل أنه تركها للمسلمين عامة, فيكون فيئا للمسلمين والإمام نائبهم فيفعل ما يرى فيه المصلحة, من بيع أو غيره ويحتمل أنه تركها لأربابها كفعل النبي - ﷺ- بمكة قلنا: أما الأول فلا يصح لأن عمر إنما ترك قسمتها لتكون مادة للمسلمين كلهم, ينتفعون بها مع بقاء أصلها وهذا معنى الوقف, ولو جاز تخصيص قوم بأصلها لكان الذين افتتحوها أحق بها فلا يجوز أن يمنعها أهلها لمفسدة ثم يخص بها غيرهم مع وجود المفسدة المانعة والثاني أظهر فسادا من الأول, فإنه إذا منعها المسلمين المستحقين كيف يخص بها أهل الذمة المشركين الذين لا حق لهم ولا نصيب؟.

 فصل: 

وإذا قلنا بصحة الشراء فإنها تكون في يد المشتري على ما كانت في يد البائع, يؤدي خراجها ويكون معنى الشراء ها هنا نقل اليد من البائع إلى المشترى بعوض وإن شرط الخراج على البائع كما فعل ابن مسعود فيكون اكتراء لا شراء, وينبغي أن يشترط بيان مدته كسائر الإجارات.

 فصل: 

وإذا بيعت هذه الأرض فحكم بصحة البيع حاكم, صح لأنه مختلف فيه فصح بحكم الحاكم كسائر المجتهدات وإن باع الإمام شيئا لمصلحة رآها, مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارة لا يعمرها إلا من يشتريها صح أيضا لأن فعل الإمام كحكم الحاكم وقد ذكر ابن عائذ في كتاب فتوح الشام, قال: قال غير واحد من مشيختنا إن الناس سألوا عبد الملك والوليد وسلمان أن يأذنوا لهم في شراء الأرض من أهل الذمة فأذنوا لهم على إدخال أثمانها في بيت المال فلما ولي عمر بن عبد العزيز أعرض عن تلك الأشرية لاختلاط الأمور فيها لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء وقضاء الديون ولم يقدر على تخليصه ولا معرفة ذلك وكتب كتابا قرئ على الناس سنة المائة, أن من اشترى شيئا بعد سنة مائة فإن بيعه مردود وسمى سنة مائة سنة المدة فتناهى الناس عن شرائها ثم اشتروا أشرية كثيرة كانت بأيدي أهلها تؤدي العشر ولا جزية عليها, فلما أفضى الأمر إلى المنصور رفعت تلك الأشرية إليه وأن ذلك أضر بالخراج فأراد ردها إلى أهلها فقيل له: قد وقعت في المواريث والمهور واختلط أمرها فبعث المعدلين, منهم: عبد الله بن يزيد إلى حمص وإسماعيل بن عياش إلى بعلبك وهضاب بن طوق, ومحمد بن زريق إلى الغوطة وأمرهم أن لا يضعوا على القطائع والأشرية العظيمة القديمة خراجا ووضعوا الخراج على ما بقي بأيدي الأنباط وعلى الأشرية المحدثة من بعد سنة مائة إلى السنة التي عدل فيها فينبغي أن يجري ما باعه إمام أو بيع بإذنه أو تعذر رد بيعه, هذا المجرى في أن يضرب عليه خراج بقدر ما يحتمل ويترك في يد مشتريه, أو من انتقل إليه إلا ما بيع قبل المائة السنة فإنه لا خراج عليه كما نقل في هذا الخبر.

 فصل: 

وحكم إقطاع هذه الأرض حكم بيعها في أن ما كان من عمر, أو مما كان قبل مائة سنة فهو لأهله وما كان بعدها ضرب عليه, كما فعل المنصور إلا أن يكون بغير إذن الإمام فيكون باطلا, وذكر ابن عائذ في كتابه بإسناده عن سليمان بن عتبة, أن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد - أظنه المنصور - سأله في مقدمه الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين عن سبب الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة, يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى لما أظهر المسلمين على بلاد الشام وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص, كرهوا أن يدخلوها دون أن يتم ظهورهم وإثخانهم في عدو الله فعسكروا في مرج بردي, بين المزة إلى مرج شعبان وجنبتي بردي مروج كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها ليست لأحد منهم, فأقاموا بها حتى أوطأ الله بهم المشركين قهرا وذلا فأحيا كل قوم محلتهم وهيئوا بها بناء, فبلغ ذلك عمر فأمضاه لهم وأمضاه عثمان من بعده إلى ولاية أمير المؤمنين قال: وقد أمضيناه لهم وعن الأحوص بن حكيم, أن المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها بل عسكروا على نهر الأربد فأحيوه, فأمضاه لهم عمر وعثمان وقد كان منهم أناس تعدوا إذ ذاك إلى جسر الأربد الذي على باب الرستن, فعسكروا في مرجه مسلحة لمن خلفهم من المسلمين فلما بلغهم ما أمضاه عمر للمعسكرين على نهر الأربد سألوا أن يشركوهم في تلك القطائع وكتبوا إلى عمر فيه, فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التي كانوا عسكروا فيها على باب الرستن فلم تزل تلك القطائع على شاطئ الأربد وعلى باب حمص, وعلى باب الرستن ماضية لأهلها لا خراج عليها, تؤدي العشر.

 فصل: 

وهذا الذي ذكرناه في الأرض المغلة أما المساكن فلا بأس بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها قال أبو عبيد ما علمنا أحدا كره ذلك وقد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر ـ رضي الله عنه ـ بإذنه, والبصرة وسكنهما أصحاب رسول الله - ﷺ- وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان فما عاب ذلك أحد ولا أنكره.

 مسألة: 

قال: ( فما كان من الصلح, ففيه الصدقة ) يعني ما صولحوا عليه على أن ملكه لأهله ولنا عليهم خراج معلوم, فهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم وإن انتقلت إلى مسلم لم يكن عليهم خراج, وفي مثله جاء عن العلاء بن الحضرمي قال: (بعثني رسول الله - ﷺ- إلى البحرين وإلى هجر فكنت آتي الحائط تكون بين الإخوة, يسلم أحدهم فآخذ من المسلم العشر ومن المشرك الخراج) رواه ابن ماجه, فهذا في أحد هذين البلدين لأنهما فتحا صلحا وكذلك كل أرض أسلم أهلها عليها كأرض المدينة, فهي ملك لهم ليس عليها خراج ولا شيء أما الزكاة فهي واجبة على كل مسلم ولا خلاف في وجوب العشر في الخارج من هذه الأرض قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن كل أرض أسلم أهلها عليها قبل قهرهم عليها أنها لهم وأن أحكامهم أحكام المسلمين, وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة.

 فصل: 

فإن كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه كالثمار التي لا زكاة فيها والخضراوات, وفيها زرع فيه الزكاة جعل ما لا زكاة فيه في مقابلة الخراج وزكى ما فيه الزكاة, إذا كان ما لا زكاة فيه وافيا بالخراج وإن لم يكن لها عليه إلا ما تجب فيه الزكاة أدى الخراج من غلتها وزكى ما بقي وهذا قول عمر بن عبد العزيز روى أبو عبيد, عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف عامله على فلسطين في من كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين, أن يقبض منها جزيتها ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك ومني أخذوا ذلك لأن الخراج من مؤنة الأرض, فيمنع وجوب الزكاة في قدره كما قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق على أهله, احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله لأنه من مؤنة الزرع وبهذا قال ابن عباس وقال عبد الله بن عمر: يحتسب بالدينين جميعا ثم يخرج مما بعدهما وحكي عن أحمد أن الدين كله يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة فعلى هذه الرواية يحسب كل دين عليه, ثم يخرج العشر مما بقي إن بلغ نصابا وإن لم يبلغ نصابا فلا عشر فيه وذلك لأن الواجب زكاة فمنع الدين وجوبها كزكاة الأموال الباطنة, ولأنه دين فمنع وجوب العشر كالخراج, وما أنفقه على زرعه والفرق بينهما على الرواية الأولى أن ما كان من مؤنة الزرع فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره, فكأنه لم يحصل.

 فصل: 

ومن استأجر أرضا فزرعها فالعشر عليه دون مالك الأرض وبهذا قال مالك والثوري, وشريك وابن المبارك والشافعي, وابن المنذر وقال أبو حنيفة: هو على مالك الأرض لأنه من مؤنتها فأشبه الخراج ولنا أنه واجب في الزرع, فكان على مالكه كزكاة القيمة فيما إذا أعده للتجارة وكعشر زرعه في ملكه, ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الأرض لأنه لو كان من مؤنتها لوجب فيها وإن لم تزرع كالخراج ولوجب على الذمي كالخراج, ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع ولوجب صرفه إلى مصارف الفيء دون مصرف الزكاة ولو استعار أرضا فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع لأنه مالكه وإن غصبها فزرعها وأخذ الزرع, فالعشر عليه أيضا لأنه ثبت على ملكه وإن أخذه مالكها قبل اشتداد حبه فالعشر عليه وإن أخذه بعد ذلك احتمل أن يجب عليه أيضا لأن أخذه إياه استند إلى أول زرعه, فكأنه أخذه من تلك الحال ويحتمل أن تكون زكاته على الغاصب لأنه كان ملكا له حين وجوب عشره وهو حين اشتداد حبه وإن زارع رجلا مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له وإن كانت صحيحة, فعلى كل واحد منهما عشر حصته وإن بلغت خمسة أوسق أو كان له من الزرع ما يبلغ بضمه إليها خمسة أوسق وإلا فلا عشر عليه وإن بلغت حصة أحدهما دون صاحبه النصاب, فعلى من بلغت حصته النصاب عشرها ولا شيء على الآخر لأن الخلطة لا تؤثر في غير السائمة في الصحيح ونقل عن أحمد أنها تؤثر, فيلزمهما العشر إذا بلغ الزرع جميعه خمسة أوسق ويخرج كل واحد منهما عشر نصيبه إلا أن يكون أحدهما ممن لا عشر عليه, كالمكاتب والذمي فلا يلزم شريكه عشر إلا أن تبلغ حصته نصابا وكذلك الحكم في المساقاة.

 فصل: 

ويكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها منه لإفضائه إلى إسقاط عشر الخارج منها قال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن المسلم يؤاجر أرض الخراج من الذمي؟ قال: لا يؤاجر من الذمي, إنما عليه الجزية وهذا ضرر وقال في موضع آخر: لأنهم لا يؤدون الزكاة فإن آجرها منه ذمي أو باع أرضه التي لا خراج عليها ذميا, صح البيع والإجارة وهذا مذهب الثوري والشافعي وشريك, وأبي عبيد وليس عليهم فيها عشر ولا خراج قال حرب: سألت أحمد عن الذمي يشتري أرض العشر؟ قال: لا أعلم عليه شيئا إنما الصدقة كهيئة مال الرجل, وهذا المشترى ليس عليه وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون: لا نترك الذمي يشترى أرض العشر وأهل البصرة يقولون قولا عجيبا يقولون: يضاعف عليهم وقد روى عن أحمد: أنهم يمنعون من شرائها اختارها الخلال وصاحبه وهو قول مالك وصاحبه فإن اشتروها ضوعف عليهم العشر, وأخذ منهم الخمس لأن في إسقاط العشر من غلة هذه الأرض إضرارا بالفقراء وتقليلا لحقهم فإذا تعرضوا لذلك ضوعف عليهم العشر, كما لو اتجروا بأموالهم إلى غير بلدهم ضوعفت عليهم الزكاة فأخذ منهم نصف العشر وهذا قول أهل البصرة, وأبي يوسف ويروى ذلك عن الحسن وعبيد الله بن الحسن العنبري وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله وقال أبو حنيفة: تصير أرض خراج ولنا أن هذه أرض لا خراج عليها, فلا يلزم فيها الخراج ببيعها كما لو باعها مسلما ولأنها مال مسلم يجب الحق فيه للفقراء عليه, فلم يمنع من بيعه للذمي كالسائمة وإذا ملكها الذمي فلا عشر عليه فيما يخرج منها لأنها زكاة فلا تجب على الذمي, كزكاة السائمة وما ذكره يبطل بالسائمة فإن الذمي يصح أن يشتريها وتسقط الزكاة منها, وما ذكروه من تضعيف العشر تحكم لا نص فيه ولا قياس.

 مسألة: 

قال: [وتضم الحنطة إلى الشعير, وتزكى إذا كانت خمسة أوسق وكذلك القطنيات وكذلك الذهب والفضة] , وعن أبي عبد الله رواية أخرى أنها لا تضم, وتخرج من كل صنف إن كان منصبا للزكاة القطنيات بكسر القاف: جمع قطنية ويجمع أيضا قطاني قال أبو عبيد: هي صنوف الحبوب من العدس, والحمص والأرز والجلبان, والجلجلان - يعني السمسم - وزاد غيره: الدخن واللوبيا والفول, والماش وسميت قطنية فعلية من قطن يقطن في البيت, أي يمكث فيه ولا خلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والثمار أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل, والبقر والغنم لا يضم جنس منها إلى آخر والثمار لا يضم جنس إلى غيره, فلا يضم التمر إلى الزبيب ولا إلى اللوز والفستق, والبندق ولا يضم شيء من هذه إلى غيره ولا تضم الأثمار إلى شيء من السائمة ولا من الحبوب والثمار ولا خلاف بينهم, في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب ولا خلاف بينهم أيضا في أن العروض تضم إلى الأثمان وتضم الأثمان إليها إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به, لأن نصابها معتبر به واختلفوا في ضم الحبوب بعضها إلى بعض وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر فروى عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات إحداهن, لا يضم جنس منها إلى غيره ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا هذا قول عطاء ومكحول, وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح, وشريك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنها أجناس فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا, كالثمار أيضا والمواشي والرواية الثانية أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب اختارها أبو بكر وهذا قول عكرمة وحكاه ابن المنذر عن طاوس وقال أبو عبيد: لا نعلم أحدا من الماضين جمع بينهما إلا عكرمة وذلك لأن النبي - ﷺ- قال: (لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق) ومفهومه وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق ولأنها تتفق في النصاب وقدر المخرج, والمنبت والحصاد فوجب ضم بعضها إلى بعض كأنواع الجنس وهذا الدليل منتقض بالثمار والثالثة, أن الحنطة تضم إلى الشعير وتضم القطنيات بعضها إلى بعض نقلها أبو الحارث عن أحمد, وحكاها الخرقي قال القاضي: وهذا هو الصحيح وهو مذهب مالك والليث إلا أنه زاد, فقال: السلت والذرة والدخن, والأرز والقمح والشعير, صنف واحد ولعله يحتج بأن هذا كله مقتات فيضم بعضه إلى بعض كأنواع الحنطة وقال الحسن, والزهري: تضم الحنطة إلى الشعير لأنها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد والمنافع فوجب ضمها كما يضم العلس إلى الحنطة, وأنواع الجنس بعضها إلى بعض والرواية الأولى أولى - إن شاء الله تعالى- لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار ولا يصح القياس على العلس مع الحنطة لأنه نوع منها, ولا على أنواع الجنس لأن الأنواع كلها جنس واحد يحرم التفاضل فيها وثبت حكم الجنس في جميعها بخلاف الأجناس وإذا انقطع القياس, لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم ولا بوصف غير معتبر ثم هو باطل بالثمار, فإنها تتفق فيما ذكروه ولا يضم بعضها إلى بعض ولأن الأصل عدم الوجوب, فما لم يرد بالإيجاب نص أو إجماع أو معناهما لا يثبت إيجابه والله أعلم ولا خلاف فيما نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس لأنه نوع منها وعلى قياسه السلت يضم إلى الشعير لأنه منه.

 فصل: 

ولا تفريع على الروايتين الأوليين لوضوحهما فأما الثالثة, وهي ضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض فإن الذرة تضم إلى الدخن, لتقاربهما في المقصد فإنهما يتخذان خبزا وأدما وقد ذكرا من جملة القطنيات أيضا, فيضمان إليها وأما البزور فلا تضم إلى القطنيات ولكن الأبازير يضم بعضها إلى بعض لتقاربها في المقصد فأشبهت القطنيات وحبوب البقول لا تضم إلى القطنيات, ولا إلى البزور فما تقارب منها ضم بعضه إلى بعض وما لا فلا, وما شككنا فيه لا يضم لأن الأصل عدم الوجوب فلا يجب بالشك والله أعلم

 فصل: 

وذكر الخرقي في ضم الذهب إلى الفضة روايتين وقد ذكرناهما فيما مضى, واختار أبو بكر أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر مع اختياره الضم في الحبوب لاختلاف نصابهما, واتفاق نصاب الحبوب .

 فصل: 

ومتى قلنا بالضم فإن الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه ولا يؤخذ من جنس عن غيره, فإننا إذا قلنا في أنواع الجنس: يؤخذ من كل نوع ما يخصه فأولى أن يعتد ذلك في الأجناس المختلفة مع تفاوت مقاصدها إلا الذهب والفضة, فإن في إخراج أحدهما عن الآخر روايتين.

 فصل: 

ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه أو اختلف ولو كان منه صيفى وربيعي, ضم الصيفى إلى الربيعي ولو حصدت الذرة والدخن ثم نبت أصولهما يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب لأن الجميع زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض, كما لو تقارب زرعه وإدراكه.

 فصل: 

وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها أو اختلف, فيقدم بعضها على بعض في ذلك ولو أن الثمرة جذت ثم أطلعت الأخرى وجذت ضمت إحداهما إلى الأخرى فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين ضم أحدهما إلى الآخر وقال القاضي: لا يضم وهو قول الشافعي لأنه حمل ينفصل عن الأول, فكان حكمه حكم حمل عام آخر وإن كان له نخل يحمل مرة ونخل يحمل مرتين ضممنا الحمل الأول إلى الحمل المنفرد, ولم يجب في الثاني شيء إلا أن يبلغ بمفرده نصابا والصحيح أن أحد الحملين يضم إلى الآخر ذكره أبو الخطاب وابن عقيل لأنهما ثمرة عام واحد فيضم بعضها إلى بعض, كزرع العام الواحد وكالذرة التي تنبت مرتين, ولأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول فكذلك إذا كان فإن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعا, بدليل حمل الذرة الأول وما ذكره من الانفصال يبطل بالذرة والله أعلم بالصواب.

  باب زكاة الذهب والفضة: 

وهي واجبة بالكتاب والسنة, والإجماع زكاة أما الكتاب فقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34]. والآية الأخرى ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب وأما السنة فما روى أبو هريرة, قال: (قال رسول الله - ﷺ- ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار, فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره كلما بردت أعيدت عليه, في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد) أخرجه مسلم وروى البخاري وغيره في كتاب أنس: (وفي الرقة ربع العشر, فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها) والرقة: هي الدراهم المضروبة وقال النبي - ﷺ- : (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) متفق عليه وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم, وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه, إلا ما اختلف فيه عن الحسن.

 مسألة: 

قال أبو القاسم: ( ولا زكاة فيما دون المائتي درهم إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة فيتم به ) وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم, لا خلاف في ذلك بين علماء الإسلام وقد بينته السنة التي رويناها بحمد الله والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب, وكل درهم نصف مثقال وخمسه وهي الدراهم الإسلامية التي تقدر بها نصب الزكاة ومقدار الجزية, والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك وكانت الدراهم في صدر الإسلام صنفين, سودا وطبرية وكانت السود ثمانية دوانيق, والطبرية أربعة دوانيق فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين, في كل درهم ستة دوانيق فعل ذلك بنو أمية فاجتمعت فيها ثلاثة أوجه: أحدها, أن كل عشرة وزن سبعة والثاني أنه عدل بين الصغير والكبير والثالث أنه موافق لسنة رسول الله - ﷺ- ودرهمه الذي قدر به المقادير الشرعية ولا فرق في ذلك بين التبر والمضروب ومتى نقص النصاب عن ذلك فلا زكاة فيه, سواء كان النقص كثيرا أو يسيرا هذا ظاهر كلام الخرقي ومذهب الشافعي وإسحاق, وابن المنذر لظاهر قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) والأوقية أربعون درهما بغير خلاف فيكون ذلك مائتي درهم وقال غير الخرقي من أصحابنا: إن كان النقص يسيرا كالحبة والحبتين, وجبت الزكاة لأنه لا يضبط غالبا فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين وإن كان نقصا بينا, كالدانق والدانقين فلا زكاة فيه وعن أحمد أن نصاب الذهب إذا نقص ثلث مثقال زكاه وهو قول عمر بن عبد العزيز وسفيان وإن نقص نصفا لا زكاة فيه وقال أحمد في موضع آخر: إذا نقص ثمنا لا زكاة فيه اختاره أبو بكر وقال مالك: إذا نقصت نقصا يسيرا يجوز جواز الوازنة, وجبت الزكاة لأنها تجوز جواز الوازنة أشبهت الوازنة والأول ظاهر الخبر, فينبغي أن لا يعدل عنه فأما قوله: " إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة فيتم به " فإن عروض التجارة تضم إلى كل واحد من الذهب والفضة ويكمل به نصابه لا نعلم فيه اختلافا قال الخطابي: لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه وذلك لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منهما, فتضم إلى كل واحد منهما ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب لأن العرض مضموم إلى كل واحد منهما فيجب ضمهما إليه, وجمع الثلاثة فأما إن كان له من كل واحد من الذهب والفضة ما لا يبلغ نصابا بمفرده أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر فقد توقف أحمد عن ضم أحدهما إلى الآخر, في رواية الأثرم وجماعة وقطع في رواية حنبل أنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابا وذكر الخرقي فيه روايتين في الباب قبله, إحداهما لا يضم وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك, والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور واختاره أبو بكر عبد العزيز لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ولأنهما مالان يختلف نصابهما, فلا يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية والثانية, يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وهو قول الحسن وقتادة ومالك والأوزاعي, والثوري وأصحاب الرأي لأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر فيضم إلى الآخر كأنواع الجنس, ولأن نفعهما واحد والمقصود منهما متحد فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات, وأثمان البياعات وحلى لمن يريدهما لذلك فأشبها النوعين, والحديث مخصوص بعرض التجارة فنقيس عليه فإذا قلنا بالضم فإن أحدهما يضم إلى الآخر بالأجزاء, يعني أن كل واحد منهما يحتسب من نصابه فإذا كملت أجزاؤهما نصابا وجبت الزكاة, مثل أن يكون عنده نصف نصاب من أحدهما ونصف نصاب أو أكثر من الآخر أو ثلث من أحدهما, وثلثان أو أكثر من الآخر فلو ملك مائة درهم وعشرة دنانير أو مائة وخمسين درهما وخمسة دنانير أو مائة وعشرين درهما وثمانية دنانير, وجبت الزكاة فيهما وإن نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيهما سئل أحمد عن رجل عنده ثمانية دنانير ومائة درهم؟ فقال: إنما قال من قال فيها الزكاة إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم وهذا قول مالك, وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي لأن كل واحد منهما لا تعتبر قيمته في وجوب الزكاة إذا كان منفردا, فلا تعتبر إذا كان عنده عشرة دنانير مضمونة كالحبوب والثمار وأنواع الأجناس كلها وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي أنها تضم بالأحوط من الأجزاء والقيمة ومعناه أنه يقوم الغالي منهما بقيمة الرخيص, فإذا بلغت قيمتهما بالرخيص منهما نصابا وجبت الزكاة فيهما فلو ملك مائة درهم وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم أو عشرة دنانير وتسعين درهما قيمتها عشرة دنانير وجبت الزكاة فيها وهذا قول أبي حنيفة في تقويم الدنانير بالفضة لأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة, ضم بالقيمة كنصاب القطع في السرقة ولأن أصل الضم لتحصيل حظ الفقراء, فكذلك صفة الضم والأول أصح لأن الأثمان تجب الزكاة في أعيانها فلا تعتبر قيمتها كما لو انفردت ويخالف نصاب القطع, فإن نصاب القطع فيه الورق خاصة في إحدى الروايتين وفي الأخرى أنه لا يجب في الذهب حتى يبلغ ربع دينار والله أعلم. مسألة: قال: ( وكذلك دون العشرين مثقالا ) يعني أن ما دون العشرين لا زكاة فيه إلا أن يتم بورق أو عروض تجارة قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيها, إلا ما حكى عن الحسن أنه قال: لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ مائتي درهم فلا زكاة فيه وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالا من غير اعتبار قيمتها إلا ما حكى عن عطاء, وطاوس والزهري وسليمان بن حرب, وأيوب السختياني أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة فما كان قيمته مائتي درهم, ففيه الزكاة وإلا فلا لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ- تقدير في نصابه فثبت أنه حمله على الفضة ولنا ما روى عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب, ولا في أقل من مائتي درهم صدقة) رواه أبو عبيد وروى ابن ماجه عن ابن عمر وعائشة (أن النبي - ﷺ- كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار ومن الأربعين دينارا دينارا) وروى سعيد, والأثرم عن علي: " في كل أربعين دينارا دينارا وفي كل عشرين دينارا نصف دينار ", ورواه غيرهما مرفوعا إلى النبي - ﷺ- ولأنه مال تجب الزكاة في عينه فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال الزكوية.

 فصل: 

ومن ملك ذهبا, أو فضة مغشوشة أو مختلطا بغيره فلا زكاة فيه, حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) فإن لم يعلم قدر ما فيه منهما وشك هل بلغ نصابا أو لا خير بين سبكهما ليعلم قدر ما فيه منهما, وبين أن يستظهر ويخرج ليسقط الفرض بيقين فإن أحب أن يخرج استظهارا فأراد إخراج الزكاة من المغشوشة, نظرت فإن كان الغش لا يختلف مثل أن يكون الغش في كل دينار سدسه, وعلم ذلك جاز أن يخرج منها لأنه يكون مخرجا لربع العشر وإن اختلف قدر ما فيها أو لم يعلم, لم يجزه الإخراج منها إلا أن يستظهره بحيث يتيقن أن ما أخرجه من الذهب محيط بقدر الزكاة وإن أخرج عنها ذهبا لا غش فيه, فهو أفضل وإن أراد إسقاط الغش وإخراج الزكاة عن قدر ما فيه من الذهب, كمن معه أربعة وعشرون دينارا سدسها غش فأسقط السدس أربعة, وأخرج نصف دينار عن عشرين جاز لأنه لو سبكها لم يلزمه إلا ذلك ولأن غشها لا زكاة فيه, إلا أن يكون فضة وله من الفضة ما يتم به النصاب أو له نصاب سواه, فيكون عليه زكاة الغش حينئذ وكذلك إن قلنا بضم أحد النقدين إلى الآخر وإذا ادعى رب المال أنه يعلم الغش أو أنه استظهره وأخرج الفرض قبل منه بغير يمين وإن زادت قيمة المغشوش بالغش, فصارت قيمة العشرين تساوى اثنين وعشرين فعليه إخراج ربع عشرها مما قيمته كقيمتها لأن عليه إخراج زكاة المال الجيد من جنسه بحيث لا ينقص عن قيمته, والله أعلم.

 مسألة: 

قال: ( فإذا تمت ففيها ربع العشر ) يعني إذا تمت الفضة مائتين والدنانير عشرين, فالواجب فيها ربع عشرها ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة ربع عشرها فقد ثبت ذلك بقوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر) وقال النبي - ﷺ- : (هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء) قال الترمذي: قال البخاري, في هذا الحديث: هو صحيح عندي ورواه سعيد ولفظه: " فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما " وأجمع أهل العلم على أن في مائتى درهم خمسة دراهم وروى ابن عمر وعائشة (أن النبي - ﷺ- كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار, ومن الأربعين دينارا دينارا) .

 مسألة: 

قال: [وفي زيادتها وإن قلت] روى هذا عن على وابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي, ومالك والثوري وابن أبي ليلى, والشافعي وأبو يوسف ومحمد, وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وقال سعيد بن المسيب وعطاء, وطاوس والحسن والشعبي, ومكحول والزهري وعمرو بن دينار, وأبو حنيفة: لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين ولا في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير لقوله عليه السلام: (من كل أربعين درهما درهما) وعن معاذ عن النبي - ﷺ- أنه قال: (إذا بلغ الورق مائتين, ففيه خمسة دراهم ثم لا شيء فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهما) وهذا نص ولأن له عفوا في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب, كالماشية ولنا ما روى عن على عن النبي - ﷺ- أنه قال: (هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهما, وليس عليكم شيء حتى يتم مائتين فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم, فما زاد فبحساب ذلك) رواه الأثرم والدارقطني ورواه أبو داود بإسناده عن عاصم بن ضمرة, والحارث عن على إلا أنه قال: أحسبه عن النبي - ﷺ- وروى ذلك عن على وابن عمر موقوفا عليهم, ولم نعرف لهما مخالفا من الصحابة فيكون إجماعا ولأنه مال متجر فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب وما احتجوا به من الخبر الأول فهو احتجاج بدليل الخطاب, والمنطوق مقدم عليه والحديث الآخر يرويه أبو العطوف الجراح بن منهال وهو متروك الحديث قال الدارقطني وقال مالك: هو دجال من الدجاجلة ويرويه عن عبادة بن نسي, عن معاذ ولم يلق عبادة معاذا فيكون مرسلا والماشية يشق تشقيصها, بخلاف الأثمان.

 فصل: 

ويخرج الزكاة من جنس ماله فإن كان أنواعا متساوية القيم جاز أن يخرج الزكاة من أحدها كما تخرج من أحد نوعى الغنم وإن كانت مختلفة القيم أخذ من كل نوع ما يخصه وإن أخرج من أوسطها ما يفي بقدر الواجب وقيمته, جاز وإن أخرج الفرض من أجودها بقدر الواجب جاز وله ثواب الزيادة وإن أخرجه بالقيمة, مثل أن يخرج عن نصف دينار ثلث دينار جيد لم يجز لأن النبي - ﷺ- نص على نصف دينار فلم يجز النقص منه وإن أخرج من الأدنى, وزاد في المخرج ما يفى بقيمة الواجب مثل أن يخرج عن دينار دينارا ونصفا يفي بقيمته جاز وكذلك لو أخرج عن الصحاح مكسرة, وزاد بقدر ما بينهما من الفضل جاز لأنه أدى الواجب عليه قيمة وقدرا وإن أخرج عن كثير القيمة قليل القيمة فكذلك فإن أخرج بهرجا عن الجيد, وزاد بقدر ما يساوي قيمة الجيد فقال أبو الخطاب: يجوز وقال القاضي: يلزمه إخراج جيد ولا يرجع فيما أخرجه من المعيب لأنه أخرج معيبا في حق الله تعالى, فأشبه ما لو أخرج مريضة عن صحاح وبهذا قال الشافعي إلا أن أصحابه قالوا: له الرجوع فيما أخرج من المعيب في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الرديئة عن الجيدة, والمكسورة عن الصحيحة من غير جبران لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا قيمة لها ولنا أن الجودة متقومة, بدليل ما لو أتلف جيدا لم يجزئه أن يدفع عنه رديئا ولأنه إذا لم يجبره بما يتم به قيمة الواجب عليه, دخل في عموم قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. ولأنه أخرج رديئا عن جيد بقدره فلم يجز كما في الماشية, ولأن المستحق معلوم القدر والصفة فلم يجز النقص في الصفة كما لا يجوز في القدر وأما الربا فلا يجري ها هنا لأن المخرج حق الله تعالى, ولا ربا بين العبد وسيده ولأن المساواة في المعيار الشرعي إنما اعتبرت في المعاوضات والقصد من الزكاة المواساة, وإغناء الفقير وشكر نعمة الله تعالى فلا يدخل الربا فيها فإن قيل: فلو أخرج في الماشية رديئتين عن جيدة, أو أخرج قفيزين رديئين عن قفيز جيد لم يجز فلم أجزتم أن يخرج عن الصحيح أكثر منه مكسرا؟ قلنا: يجوز ذلك إذا لم يكن في إخراجه عيب سوى نقص القيمة, وإن سلمناه فالفرق بينهما أن القصد من الأثمان القيمة لا غير فإذا تساوى الواجب والمخرج في القيمة والقدر, جاز وسائر الأموال يقصد الانتفاع بعينها فلا يلزم من التساوى في الأمرين الإجزاء لجواز أن يفوت بعض المقصود.

 فصل: 

وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان نص عليهما إحداهما, لا يجوز وهو اختيار أبي بكر لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار فمع اختلاف الجنس أولى والثانية يجوز, وهو أصح إن شاء الله لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر فيجزئ, كأنواع الجنس وذلك لأن المقصود منهما جميعا الثمنية والتوسل بها إلى المقاصد وهما يشتركان فيه على السواء, فأشبه إخراج المكسرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس والأنواع مما تجب فيه الزكاة, فإن لكل جنس مقصودا مختصا به لا يحصل من الجنس الآخر وكذلك أنواعها, فلا يحصل بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل بإخراج الواجب وها هنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه, إذ لا فائدة باختصاص الإجزاء بعين مع مساواة غيرها لها في الحكمة وكون ذلك أرفق بالمعطى والآخذ وأنفع لهما, ويندفع به الضرر عنهما فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين دينارا إخراج جزء من دينار, ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله أو بيع أحدهما نصيبه, فيستضر المالك والفقير وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب, فيسهل ذلك عليه وينتفع الفقير من غير كلفة ولا مضرة ولأنه إذا دفع إلى الفقير قطعة من الذهب في موضع لا يتعامل بها فيه أو قطعة من درهم في مكان لا يتعامل بها فيه, لم يقدر على قضاء حاجته بها وإن أراد بيعها بحسب ما يتعامل بها احتاج إلى كلفة البيع وربما لا يقدر عليه, ولا يفيده شيئا وإن أمكن بيعها احتاج إلى كلفة البيع والظاهر أنها تنقص عوضها عن قيمتها, فقد دار بين ضررين وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر, وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال فلا حاجة ولا وجه لمنعه وإن توهمت ها هنا منفعة تفوت بذلك, فهي يسيرة مغمورة فيما يحصل من النفع الظاهر ويندفع من الضرر والمشقة من الجانبين, فلا يعتبر والله أعلم وعلى هذا لا يجوز الإبدال في موضع يلحق الفقير ضرر مثل أن يدفع إليه ما لا ينفق عوضا عما ينفق لأنه إذا لم يجز إخراج أحد النوعين عن الآخر مع الضرر فمع غيره أولى وإن اختار الدفع من الجنس, واختار الفقير الأخذ من غيره لضرر يلحقه في أخذ الجنس لم يلزم المالك إجابته لأنه إذا أدى ما فرض عليه لم يكلف سواه والله أعلم.

 مسألة: 

قال: ( وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تعيره ) هذا ظاهر المذهب وروى ذلك عن ابن عمر, وجابر وأنس وعائشة, وأسماء ـ رضي الله عنه ـم ـ وبه قال القاسم والشعبي وقتادة, ومحمد بن علي وعمرة ومالك, والشافعي وأبو عبيد وإسحاق, وأبو ثور وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه فيه الزكاة وروى ذلك عن عمر وابن مسعود, وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب, وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد, وعبد الله بن شداد وجابر بن زيد وابن سيرين, وميمون بن مهران والزهري والثوري, وأصحاب الرأي لعموم قوله عليه السلام (في الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس أواق صدقة) مفهومه أن فيها صدقة إذا بلغت خمس أواق وعن عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده قال: (أتت امرأة من أهل اليمن رسول الله - ﷺ- ومعها ابنة لها في يديها مسكتان من ذهب فقال: هل تعطين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟) رواه أبو داود ولأنه من جنس الأثمان, أشبه التبر وقال مالك: يزكي عاما واحدا وقال الحسن وعبد الله بن عتبة وقتادة: زكاته عاريته قال أحمد: خمسة من أصحاب رسول الله - ﷺ- يقولون: ليس في الحلي زكاة ويقولون: زكاته عاريته ووجه الأول, ما روى عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير, عن جابر عن النبي - ﷺ- أنه قال: (ليس في الحلي زكاة) ولأنه مرصد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة, كالعوامل وثياب القنية وأما الأحاديث الصحيحة التي احتجوا بها فلا تتناول محل النزاع لأن الرقة هي الدراهم المضروبة قال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب إلا على الدراهم المنقوشة, ذات السكة السائرة في الناس وكذلك الأواقي ليس معناها إلا الدراهم كل أوقية أربعون درهما وأما حديث المسكتين فقال أبو عبيد: لا نعلمه إلا من وجه قد تكلم الناس فيه قديما وحديثا وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء ويحتمل أنه أراد بالزكاة إعارته كما فسره به بعض العلماء, وذهب إليه جماعة من الصحابة وغيرهم والتبر غير معد للاستعمال بخلاف الحلي وقول الخرقي " إذا كان مما تلبسه أو تعيره " يعني أنه إنما تسقط عنه الزكاة إذا كان كذلك أو معدا له فأما المعد للكرى أو النفقة إذا احتيج إليه ففيه الزكاة لأنها إنما تسقط عما أعد للاستعمال, لصرفه عن جهة النماء ففيما عداه يبقى على الأصل وكذلك ما اتخذ حلية فرارا من الزكاة لا يسقط عنه ولا فرق بين كون الحلي المباح مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره, أو لرجل يحلى به أهله أو يعيره أو يعده لذلك لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح أشبه حلى المرأة.

 فصل: 

وقليل الحلي وكثيره سواء في الإباحة والزكاة وقال ابن حامد يباح ما لم يبلغ ألف مثقال, فإن بلغها حرم وفيه الزكاة لما روى أبو عبيد والأثرم, عن عمرو بن دينار؟ قال: سئل جابر عن الحلي هل فيه زكاة؟ قال: لا فقيل له: ألف دينار؟ فقال: إن ذلك لكثير ولأنه يخرج إلى السرف والخيلاء ولا يحتاج إليه في الاستعمال, والأول أصح لأن الشرع أباح التحلي مطلقا من غير تقييد فلا يجوز تقييده بالرأي والتحكم وحديث جابر ليس بصريح في نفي الوجوب وإنما يدل على التوقف, ثم قد روى عنه خلافه فروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله, عن الحلي فيه زكاة؟ قال: لا قلت: إن الحلي يكون فيه ألف دينار قال: وإن كان فيه يعار ويلبس ثم إن قول جابر قول صحابي خالفه غيره ممن أباحه مطلقا بغير تقييد فلا يبقى قوله حجة, والتقييد بالرأي المطلق والتحكم غير جائز.

 فصل: 

وإذا انكسر الحلي كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس فهو كالصحيح لا زكاة فيه, إلا أن ينوي كسره وسبكه ففيه الزكاة حينئذ لأنه نوى صرفه عن الاستعمال وإن كان الكسر يمنع الاستعمال, فقال القاضي: عندي أن فيه الزكاة لأنه كان بمنزلة النقود والتبر.

 فصل: 

وإذا كان الحلي للبس فنوت به المرأة التجارة انعقد عليه حول الزكاة من حين نوت لأن الوجوب هو الأصل, وإنما انصرف عنه لعارض الاستعمال فعاد إلى الأصل بمجرد النية من غير استعمال فهو كما لو نوى بعرض التجارة القنية, انصرف إليه من غير استعمال.

 فصل: 

ويعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن فلو ملك حليا قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين, لم يكن عليه زكاة وإن بلغ مائتين وزنا ففيه الزكاة وإن نقص في القيمة لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة فيقوم, فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصابا ففيه الزكاة لأن الزكاة متعلقة بالقيمة وما لم يكن للتجارة فالزكاة في عينه, فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابا وهو مخير بين إخراج ربع عشر حليه مشاعا أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها, وإن زاد في الوزن على ربع العشر لما بينا أن الربا لا يجري ها هنا ولو أراد كسرها ودفع ربع عشرها لم يكن منه لأنه ينقص قيمتها وهذا مذهب الشافعي وقال مالك الاعتبار بالوزن وإذا كان وزن الحلي عشرين وقيمته ثلاثون فعليه نصف مثقال, لا تزيد قيمته شيئا لأنه نصاب من جنس الأثمان فتعلقت الزكاة بوزنه لا بصفته, كالدراهم المضروبة ولنا أن الصناعة صارت صفة للنصاب لها قيمة مقصودة فوجب اعتبارها كالجودة في سائر أموال الزكاة ودليلهم نقول به, وأن الزكاة تتعلق بوزنه وصفته جميعا كالجيد من الذهب والفضة والمواشي, والحبوب والثمار فإنه لا يجزئه إخراج رديء عن جيد, كذلك ها هنا وإن أراد إخراج الفضة عن حلي الذهب أو الذهب عن الفضة أخرج على الوجهين, كما قدمنا في إخراج أحد النقدين عن الآخر وذكر ابن عقيل أن الاعتبار في قدر النصاب أيضا بالقيمة فلو ملك حليا وزنه تسعة عشر وقيمته عشرون لأجل الصناعة, ففيه الزكاة وظاهر كلام أحمد اعتبار الوزن وهو ظاهر نصه, لقوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ولأنه مال تجب الزكاة في عينه فلا تعتبر قيمة الدنانير المضروبة لأن زيادة القيمة بالصناعة, كزيادتها بنفاسة جوهره فكما لا تجب الزيادة فيما كان نفيس الجوهر كذلك الآخر.

 فصل: 

فإن كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة, فالزكاة في الحلي من الذهب والفضة دون الجوهر لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم فإن كان الحلي للتجارة قومه بما فيه من الجواهر لأن الجواهر لو كانت مفردة وهي للتجارة, لقومت وزكيت فكذلك إذا كانت في حلي التجارة.

 فصل: 

وإذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه كما إذا اتخذت حلية الرجال كحلية السيف والمنطقة, فهو محرم وعليها الزكاة كما لو اتخذ الرجل حلي المرأة.

 فصل: 

ويباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل ما جرت عادتهن بلبسه, مثل السوار والخلخال والقرط والخاتم وما يلبسنه على وجوههن وفي أعناقهن, وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وغيره, فأما ما لم تجر عادتهن بلبسه كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم, وعليها زكاته كما لو اتخذ الرجل لنفسه حلي المرأة.

 مسألة: 

قال: وليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة وجملة ذلك أن ما كان مباحا من الحلي فلا زكاة فيه إذا كان معدا للاستعمال, سواء كان لرجل أو امرأة لأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح فأشبه ثياب البذلة وعوامل الماشية ويباح للرجال من الفضة الخاتم (لأن النبي - ﷺ- اتخذ خاتما من ورق) متفق عليه وحلية السيف, بأن تجعل قبيعته فضة أو تحليتها بفضة فإن أنسا قال: (كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ- فضة) وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة رواهما الأثرم بإسناده والمنطقة تباح تحليتها بالفضة لأنها حلية معتادة للرجل فهي كالخاتم وقد نقل كراهة ذلك لما فيه من الفخر والخيلاء فهو كالطوق, والأول أولى لأن الطوق ليس بمعتاد في حق الرجل بخلاف المنطقة وعلى قياس المنطقة الجوشن, والخوذة والخف والران, والحمائل وتباح الفضة في الإناء وما أشبهها للحاجة ونعني بالحاجة أنه ينتفع بها في ذلك وإن قام غيرها مقامها وفي صحيح البخاري عن, أنس (أن قدح النبي - ﷺ- انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة) وقال القاضي: يباح اليسير وإن لم يكن لحاجة وإنما كره أحمد الحلقة في الإناء لأنها تستعمل وأما الذهب, فيباح منه ما دعت الضرورة إليه كالأنف في حق من قطع أنفه لما روى (عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكلاب, فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي - ﷺ- فاتخذ أنفا من ذهب) رواه أبو داود وقال الإمام أحمد: ربط الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس فلا بأس به عند الضرورة وروى الأثرم, عن موسى بن طلحة وأبي جمرة الضبعي وأبي رافع, وثابت استرقوا وإسماعيل بن زيد بن ثابت والمغيرة بن عبد الله أنهم شدوا أسنانهم بالذهب وعن الحسن, والزهري والنخعي أنهم رخصوا فيه وما عدا ذلك من الذهب, فقد روى عن أحمد - رحمه الله- الرخصة فيه في السيف قال الأثرم, قال أحمد: قد روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب قال أبو عبد الله فذاك الآن في السيف وقال: إنه كان لعمر سيف سبائكه من ذهب من حديث إسماعيل بن أمية عن نافع وروى الترمذي, بإسناده عن مزيدة العصري (أن النبي - ﷺ- دخل مكة وعلى سيفه ذهب وفضة) وروي عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يخاف عليه أن يسقط يجعل فيه مسمارا من ذهب؟ قال: إنما رخص في الأسنان وذلك إنما هو على الضرورة فأما المسمار, فقد روي: (من تحلى بخريصيصة كوي بها يوم القيامة) قلت: أي شيء خريصيصة؟ قال: شيء صغير مثل الشعيرة وروى الأثرم أيضا بإسناده عن شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم قال: (من حلى أو تحلى بخريصيصة, كوي بها يوم القيامة مغفورا له أو معذبا) وحكي عن أبي بكر من أصحابنا أنه أباح يسير الذهب, ولعله يحتج بما رويناه من الأخبار وبقياس الذهب على الفضة ولأنه أحد الثلاثة المحرمة على الذكور دون الإناث, فلم يحرم يسيره كسائرها وكل ما أبيح من الحلي فلا زكاة فيه, إذا كان معدا للاستعمال.

 مسألة: 

قال: ( والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة ) وجملته أن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام على النساء والرجال جميعا, وكذلك استعماله وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يحرم اتخاذها لأن النص إنما ورد في تحريم الاستعمال فيبقى إباحة الاتخاذ على مقتضى الأصل في الإباحة ولنا أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي, ويستوي في ذلك الرجال والنساء لأن المعنى المقتضي للتحريم يعمها وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء, وكسر قلوب الفقراء فيستويان في التحريم وإنما أحل للنساء التحلي لحاجتهن إليه للتزين للأزواج, وليس هذا بموجود في الآنية فيبقى على التحريم إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة, بغير خلاف بين أهل العلم ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصابا بالوزن أو يكون عنده ما يبلغ نصابا بضمها إليه وإن زادت قيمته لصناعته, فلا عبرة بها لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع و له أن يخرج عنها قدر ربع عشرها بقيمته غير مصوغ وإن أحب كسرها أخرج ربع عشرها مكسورا, وإن أخرج ربع عشرها مصوغا جاز لأن الصناعة لم تنقصها عن قيمة المكسور وذكر أبو الخطاب وجها في اعتبار قيمتها والأول أصح - إن شاء الله تعالى- .

 فصل: 

وكل ما كان اتخاذه محرما من الأثمان, لم تسقط زكاته باتخاذه لأن الأصل وجوب الزكاة فيها لكونها مخلوقة للتجارة والتوسل بها إلى غيرها, ولم يوجد ما يمنع ذلك فبقيت على أصلها قال أحمد: ما كان على سرج أو لجام ففيه الزكاة ونص على حلية الثفر والركاب واللجام, أنه محرم وقال في رواية الأثرم: أكره رأس المكحلة فضة ثم قال: وهذا شيء تأولته وعلى قياس ما ذكره حلية الدواة, والمقلمة والسرج ونحوه مما على الدابة ولو موه سقفه بذهب أو فضة, فهو محرم وفيه الزكاة وقال أصحاب الرأي: يباح لأنه تابع للمباح فيتبعه في الإباحة ولنا, أن هذا إسراف ويفضي فعله إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء, فحرم كاتخاذ الآنية وقد نهى النبي - ﷺ- عن التختم بخاتم الذهب للرجل, فتمويه السقف أولى وإن صار التمويه الذي في السقف مستهلكا لا يجتمع منه شيء لم تحرم استدامته لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته ولا زكاة فيه لأن ماليته ذهبت وإن لم تذهب ماليته, ولم يكن مستهلكا حرمت استدامته وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز لما ولى أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب, فقيل له: إنه لا يجتمع منه شيء فتركه ولا يجوز تحلية المصاحف ولا المحاريب ولا اتخاذ قناديل من الذهب والفضة لأنها بمنزلة الآنية وإن وقفها على مسجد أو نحوه لم يصح لأنه ليس ببر ولا معروف ويكون ذلك بمنزلة الصدقة, فيكسر ويصرف في مصلحة المسجد وعمارته وكذلك إن حبس الرجل فرسا له لجام مفضض وقد قال أحمد: في الرجل يقف فرسا في سبيل الله ومعه لجام مفضض: فهو على ما وقفه وإن بيعت الفضة من السرج واللجام وجعلت في وقف مثله فهو أحب إلى لأن الفضة لا ينتفع بها, ولعله يشتري بذلك سرجا ولجاما فيكون أنفع للمسلمين قيل: فتباع الفضة وينفق على الفرس؟ قال: نعم, وهذا يدل على إباحة حلية السرج واللجام بالفضة لولا ذلك لما قال: هو على ما وقف وهذا لأن العادة جارية به فأشبه حلية المنطقة وإذا قلنا بتحريمها فصار بحيث لا يجتمع منه شيء, لم يحرم استدامته كقولنا في تمويه السقف وأباح القاضي علاقة المصحف ذهبا أو فضة للنساء خاصة وليس بجيد لأن حلية المرأة ما لبسته, وتحلت به في بدنها أو ثيابها وما عداه فحكمه حكم الأواني لا يباح للنساء منه إلا ما أبيح للرجال ولو أبيح لها ذلك لأبيح علاقة الأواني والأدراج ونحوهما ذكره ابن عقيل.

 فصل: 

وكل ما يحرم اتخاذه, ففيه الزكاة إذا كان نصابا أو بلغ بضمه إلى ما عنده نصابا على ما ذكرناه.

 مسألة: 

قال: وما كان من الركاز, وهو دفن الجاهلية قل أو كثر ففيه الخمس لأهل الصدقات, وباقيه له الدفن بكسر الدال: المدفون والركاز: المدفون في الأرض واشتقاقه من ركز يركز مثل غرز يغرز: إذا خفي يقال: ركز الرمح إذا غرز أسفله في الأرض ومنه الركز, وهو الصوت الخفي قال الله تعالى: {أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98]. والأصل في صدقة الركاز ما روى أبو هريرة, عن رسول الله - ﷺ- أنه قال: (العجماء جبار وفي الركاز الخمس) متفق عليه وهو أيضا مجمع عليه قال ابن المنذر لا نعلم أحدا خالف هذا الحديث إلا الحسن فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب, وأرض العرب فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة.

 فصل: 

وأوجب الخمس في الجميع الزهري, والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه, وأبو ثور وابن المنذر وغيرهم وهذه المسألة تشتمل على خمسة فصول:

 الفصل الأول: الركاز 

أن الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية هذا قول الحسن, والشعبي ومالك والشافعي وأبي ثور ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم, كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم, ونحو ذلك فإن كان عليه علامة الإسلام أو اسم النبي - ﷺ- أو أحد من خلفاء المسلمين أو وال لهم, أو آية من قرآن أونحو ذلك فهو لقطة لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر, فكذلك نص عليه أحمد في رواية ابن منصور لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين, فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين.

الفصل الثاني: في موضعه ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها أن يجده في موات, أو ما لا يعلم له مالك مثل الأرض التي يوجد فيها آثار الملك كالأبنية القديمة, والتلول وجدران الجاهلية وقبورهم فهذا فيه الخمس بغير خلاف, سوى ما ذكرناه ولو وجده في هذه الأرض على وجهها أو في طريق غير مسلوك أو قرية خراب, فهو كذلك في الحكم لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: (سئل رسول الله - ﷺ- عن اللقطة؟ فقال: ما كان في طريق مأتي أو في قرية عامرة فعرفها سنة, فإن جاء صاحبها وإلا فلك وما لم يكن في طريق مأتي, ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس). رواه النسائي القسم الثاني أن يجده في ملكه المنتقل إليه, فهو له في أحد الوجهين لأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام فكان لمن ظهر عليه كالغنائم ولأن الركاز لا يملك بملك الأرض, لأنه مودع فيها وإنما يملك بالظهور عليه وهذا قد ظهر عليه, فوجب أن يملكه والرواية الثانية هو للمالك قبله إن اعترف به وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك وهذا مذهب الشافعي لأنه كانت يده على الدار, فكانت على ما فيها وإن انتقلت الدار بالميراث حكم بأنه ميراث فإن اتفق الورثة على أنه لم يكن لموروثهم, فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك والأول أصح - إن شاء الله تعالى- لأن الركاز لا يملك بملك الدار, لأنه ليس من أجزائها وإنما هو مودع فيها فينزل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره فيأخذه, فيكون أحق به لكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنه له فالقول قوله لأن يده كانت عليه, لكونها على محله وإن لم يدعه فهو لواجده وإن اختلف الورثة, فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم ولم ينكره الباقون فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به, وحكم المعترفين حكم المالك المعترف القسم الثالث أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي فعن أحمد ما يدل على أنه لصاحب الدار فإنه قال, في من استأجر حفارا ليحفر في داره فأصاب في الدار كنزا عاديا: فهو لصاحب الدار وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ونقل عن أحمد ما يدل على أنه لواجده لأنه قال في مسألة من استأجر أجيرا ليحفر له في داره فأصاب في الدار كنزا: فهو للأجير نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال قال القاضي هو الصحيح وهذا يدل على أن الركاز لواجده وهو قول الحسن بن صالح, وأبي ثور واستحسنه أبو يوسف وذلك لأن الكنز لا يملك بملك الدار على ما ذكرنا في القسم الذي قبله فيكون لمن وجده, لكن إن ادعاه المالك فالقول قوله لأن يده عليه بكونها على محله وإن لم يدعه فهو لواجده وقال الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به وإن لم يعترف به, فهو لأول مالك لأنه في يده ويخرج لنا مثل ذلك لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله وإن استأجر حفارا ليحفر له طلبا لكنز يجده, فوجده فلا شيء للأجير ويكون الواجد له هو المستأجر لأنه استأجره لذلك, فأشبه ما لو استأجره ليحتش له أو يصطاد فإن الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير وإن استأجره لأمر غير طلب الركاز فالواجد له هو الأجير وهكذا قال الأوزاعي: إذا استأجرت أجيرا ليحفر لي في داري, فوجد كنزا فهو له وإن قلت: استأجرتك لتحفر لي ها هنا رجاء أن أجد كنزا فسميت له, فله أجره ولي ما يوجد. فصل: وإن اكترى دارا فوجد فيها ركازا, فهو لواجده في أحد الوجهين والآخر هو للمالك, بناء على الروايتين في من وجد ركازا في ملك انتقل إليه وإن اختلفا, فقال كل واحد منهما: هذا لي فعلى وجهين: أحدهما القول قول المالك لأن الدفن تابع للأرض والثاني القول قول المكتري لأن هذا مودع في الأرض, وليس منها فكان القول قول من يده عليها كالقماش القسم الرابع, أن يجده في أرض الحرب فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فهو غنيمة لهم, وإن قدر عليه بنفسه فهو لواجده حكمه حكم ما لو وجده في موات في أرض المسلمين وقال أبو حنيفة, والشافعي: إن عرف مالك الأرض وكان حربيا فهو غنيمة أيضا لأنه في حرز مالك معين فأشبه ما لو أخذه من بيت أو خزانة ولنا, أنه ليس لموضعه مالك محترم أشبه ما لو لم يعرف مالكه ويخرج لنا مثل قولهم بناء على قولنا إن الركاز في دار الإسلام يكون لمالك الأرض.

 الفصل الثالث: 

في صفة الركاز الذي فيه الخمس, وهو كل ما كان مالا على اختلاف أنواعه من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك وهو قول إسحاق وأبي عبيد, وابن المنذر وأصحاب الرأي وإحدى الروايتين عن مالك, وأحد قولي الشافعي والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان ولنا عموم قوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) ولأنه مال مظهور عليه من مال الكفار, فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه كالغنيمة إذا ثبت هذا فإن الخمس يجب في قليله وكثيره في قول إمامنا, ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في القديم وقال في الجديد: يعتبر النصاب فيه لأنه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض, فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع ولنا عموم الحديث, ولأنه مال مخموس فلا يعتبر له نصاب كالغنيمة, ولأنه مال كافر مظهور عليه في الإسلام فأشبه الغنيمة والمعدن والزرع يحتاج إلى عمل ونوائب, فاعتبر فيه النصاب تخفيفا بخلاف الركاز ولأن الواجب فيهما مواساة, فاعتبر النصاب ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه بخلاف مسألتنا.

 الفصل الرابع: 

في قدر الواجب في الركاز ومصرفه, أما قدره فهو الخمس لما قدمناه من الحديث والإجماع وأما مصرفه فاختلفت الرواية عن أحمد فيه مع ما فيه من اختلاف أهل العلم فقال الخرقي: هو لأهل الصدقات ونص عليه أحمد, في رواية حنبل فقال: يعطي الخمس من الركاز على مكانه وإن تصدق به على المساكين أجزأه وهذا قول الشافعي لأن علي بن أبي طالب, أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين حكاه الإمام أحمد وقال: حدثنا سعيد حدثنا سفيان, عن عبد الله بن بشر الخثعمي عن رجل من قومه يقال له: ابن حممة قال: سقطت على جرة من دير قديم بالكوفة, عند جبانة بشر فيها أربعة آلاف درهم فذهبت بها إلى علي ـ رضي الله عنه ـ فقال: اقسمها خمسة أخماس فقسمتها, فأخذ على منها خمسا وأعطانى أربعة أخماس فلما أدبرت دعاني, فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم قال: فخذها فاقسمها بينهم ولأنه مستفاد من الأرض أشبه المعدن والزرع والرواية الثانية مصرفه مصرف الفيء نقله محمد بن الحكم, عن أحمد وهذه الرواية أصح وأقيس على مذهبه وبه قال أبو حنيفة والمزني لما روى أبو عبيد, عن هشيم عن مجالد عن الشعبي أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة فأتى بهما عمر بن الخطاب, فأخذ منها الخمس مائتى دينار ودفع إلى الرجل بقيتها وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين, إلى أن فضل منها فضلة فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك ولو كانت زكاة خص بها أهلها, ولم يرده على واجده ولأنه يجب على الذمى والزكاة لا تجب عليه, ولأنه مال مخموس زالت عنه يد الكافر أشبه خمس الغنيمة.

 مسألة: 

قال: [وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالا أو من الورق مائتي درهم, أو قيمة ذلك من الزئبق والرصاص والصفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته ) اشتقاق المعدن من عدن في المكان يعدن: إذا أقام به ومنه سميت جنة عدن, لأنها دار إقامة وخلود قال أحمد: المعادن: هي التي تستنبط ليس هو شيء دفن والكلام في هذه المسألة في فصول أربعة: أحدها: في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة, كالذي ذكره الخرقي ونحوه من الحديد والياقوت والزبرجد, والبلور والعقيق والسبج, والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة وكذلك المعادن الجارية, كالقار والنفط والكبريت, ونحو ذلك وقال مالك والشافعي: لا تتعلق الزكاة إلا بالذهب والفضة لقول النبي: - ﷺ- (لا زكاة في حجر) ولأنه مال يقوم بالذهب والفضة مستفاد من الأرض أشبه الطين الأحمر وقال أبو حنيفة, في إحدى الروايتين عنه: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع كالرصاص والحديد والنحاس دون غيره ولنا, عموم قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 167]. ولأنه معدن فتعلقت الزكاة بالخارج منه كالأثمان ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه, فإذا أخرجه من معدن وجبت الزكاة كالذهب وأما الطين فليس بمعدن لأنه تراب والمعدن: ما كان في الأرض من غير جنسها.

 الفصل الثاني: 

في قدر الواجب وصفته وقدر الواجب فيه ربع العشر وصفته أنه زكاة وهذا قول عمر بن عبد العزيز ومالك وقال أبو حنيفة: الواجب فيه الخمس, وهو فيء واختاره أبو عبيد وقال الشافعي: هو زكاة واختلف قوله في قدره كالمذهبين واحتج من أوجب الخمس بقول النبي - ﷺ- : (ما لم يكن في طريق مأتى ولا في قرية عامرة, ففيه وفي الركاز الخمس) رواه النسائي والجوزجانى وغيرهما وفي رواية: (ما كان في الخراب, ففيه وفي الركاز الخمس) وروى سعيد والجوزجانى بإسنادهما عن عبد الله بن سعيد المقبري, عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ- : (الركاز هو الذهب الذي ينبت من الأرض) وفي حديث عن النبي - ﷺ- أنه قال: (وفي الركاز الخمس, قيل: يا رسول الله وما الركاز؟ قال: هو الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض) وهذا نص وفي حديث عنه عليه السلام أنه قال: (وفي السيوب الخمس) قال: والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض ولأنه مال مظهور عليه في الإسلام, أشبه الركاز ولنا ما روى أبو عبيد بإسناده عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن, عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله - ﷺ- (أقطع بلال بن الحارث المزنى معادن القبلية في ناحية الفرع قال: فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم) وقد أسنده عبد الله بن كثير بن عوف, إلى النبي - ﷺ- عن أبيه عن جده ورواه الدراوردى عن ربيعة بن الحارث بن بلال بن الحارث المزنى (أن النبي - ﷺ- أخذ منه زكاة المعادن القبلية) قال أبو عبيد: القبلية بلاد معروفة بالحجاز ولأنه حق يحرم على أغنياء ذوى القربى, فكان زكاة كالواجب في الأثمان التي كانت مملوكة له وحديثهم الأول لا يتناول محل النزاع لأن النبي - ﷺ- إنما ذكر ذلك في جواب سؤاله عن اللقطة وهذا ليس بلقطة, ولا يتناول اسمها فلا يكون متناولا لمحل النزاع والحديث الثاني يرويه عبد الله بن سعيد وهو ضعيف وسائر أحاديثهم لا يعرف صحتها, ولا هي مذكورة في المسانيد والدواوين ثم هي متروكة الظاهر فإن هذا ليس هو المسمى بالركاز والسيوب: هو الركاز لأنه مشتق من السيب وهو العطاء الجزيل. .

 الفصل الثالث: 

في نصاب المعادن وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالا, ومن الفضة مائتى درهم أو قيمة ذلك من غيرهما وهذا مذهب الشافعي وأوجب أبو حنيفة الخمس في قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب, بناء على أنه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجوا بها عليه ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز ولنا, عموم قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) وقوله: (ليس في تسعين ومائة شيء) وقوله عليه السلام: (ليس عليكم في الذهب شيء حتى يبلغ عشرين مثقالا) وقد بينا أن هذا ليس بركاز وأنه مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإسلام, فأشبه الغنيمة وهذا وجب مواساة وشكرا لنعمة الغنى فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار إذا ثبت هذا فإنه يعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات, لا يترك العمل بينهن ترك إهمال فإن خرج دون النصاب ثم ترك العمل مهملا له, ثم أخرج دون النصاب فلا زكاة فيهما وإن بلغا بمجموعهما نصابا وإن بلغ أحدهما نصابا دون الآخر زكى النصاب, ولا زكاة في الآخر وفيما زاد على النصاب بحسابه فأما ترك العمل ليلا أو للاستراحة أو لعذر من مرض, أو لإصلاح الأداة أو إباق عبيده ونحوه فلا يقطع حكم العمل, ويضم ما خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب وكذلك إن كان مشتغلا بالعمل فخرج بين المعدنين تراب لا شيء فيه وإن اشتمل المعدن على أجناس, كمعدن فيه الذهب والفضة فذكر القاضي: أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وأنه يعتبر النصاب في الجنس بانفراده لأنه أجناس فلا يكمل نصاب أحدهما بالآخر, كغير المعدن والصواب إن شاء الله أنه إن كان المعدن يشتمل على ذهب وفضة ففي ضم أحدهما إلى الآخر وجهان بناء على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر في غير المعدن, وإن كان فيه أجناس من غير الذهب والفضة ضم بعضها إلى بعض لأن الواجب في قيمتها, والقيمة واحدة فأشبهت عروض التجارة وإن كان فيها أحد النقدين وجنس آخر, ضم أحدهما إلى الآخر كما تضم العروض إلى الأثمان وإن استخرج نصابا من معدنين وجبت الزكاة فيه لأنه مال رجل واحد, فأشبه الزرع في مكانين.

 الفصل الرابع: 

في وقت الوجوب وتجب الزكاة فيه حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول وهذا قول مالك, والشافعي وأصحاب الرأي وقال إسحاق وابن المنذر: لا شيء في المعدن حتى يحول عليه الحول لقول رسول الله - ﷺ- : (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ولنا, أنه مال مستفاد من الأرض فلا يعتبر في وجوب حقه حول كالزرع والثمار والركاز, ولأن الحول إنما يعتبر في غير هذا لتكميل النماء وهو يتكامل نماؤه دفعة واحدة فلا يعتبر له حول كالزروع, والخبر مخصوص بالزرع والثمر فيخص محل النزاع بالقياس عليه إذا ثبت هذا فلا يجوز إخراج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته, كعشر الحب فإن أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقيا, أو قيمته إن كان تالفا والقول في قدر المقبوض قول الآخذ لأنه غارم فإن صفاه الآخذ فكان قدر الزكاة, أجزأ وإن زاد رد الزيادة إلا أن يسمح له المخرج وإن نقص فعلى المخرج وما أنفقه الآخذ على تصفيته, فهو من ماله لا يرجع به على المالك ولا يحتسب المالك ما أنفقه على المعدن في استخراجه من المعدن ولا في تصفيته وقال أبو حنيفة: لا تلزمه المؤنة من حقه وشبهه بالغنيمة, وبناه على أصله في أن هذا ركاز فيه الخمس وقد مضى الكلام في ذلك وقد ذكرنا أن الواجب في هذا زكاة فلا يحتسب بمؤنة استخراجه فتصفيته كالحب وإن كان ذلك دينا عليه احتسب به, كما يحتسب بما أنفق على الزرع.

 فصل: 

ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه في ظاهر قول الخرقي, واختيار أبى بكر وروى نحو ذلك عن ابن عباس وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك, والثوري وابن أبى ليلى والحسن بن صالح, والشافعي وأبو حنيفة ومحمد, وأبو ثور وأبو عبيد وعن أحمد رواية أخرى, أن فيه الزكاة لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البر ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس وهو قول الحسن, والزهري وزاد الزهري في اللؤلؤ يخرج من البحر ولنا أن ابن عباس قال: ليس في العنبر شيء إنما هو شيء ألقاه البحر وعن جابر نحوه رواهما أبو عبيد ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله - ﷺ- وخلفائه, فلم يأت فيه سنة عنه ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح ولأن الأصل عدم الوجوب فيه, ولا يصح قياسه على معدن البر لأن العنبر إنما يلقيه البحر فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب فأشبه المباحات المأخوذة من البر, كالمن والزنجبيل وغيرهما وأما السمك فلا شيء فيه بحال في قول أهل العلم كافة, إلا شيء يروى عن عمر بن عبد العزيز رواه أبو عبيد عنه وقال: ليس الناس على هذا ولا نعلم أحدا يعمل به وقد روى ذلك عن أحمد أيضا والصحيح أن هذا لا شيء فيه لأنه صيد فلم يجب فيه زكاة كصيد البر, ولأنه لا نص ولا إجماع على الوجوب فيه ولا يصح قياسه على ما فيه الزكاة فلا وجه لإيجابها فيه.

 فصل: 

والمعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها لأنها جزء من أجزاء الأرض, فهي كالتراب والأحجار الثابتة بخلاف الركاز فإنه ليس من أجزاء الأرض, وإنما هو مودع فيها وقد روى أبو عبيد بإسناده عن عكرمة مولى بلال بن الحارث المزنى قال: (أقطع رسول الله - ﷺ- بلالا أرض كذا, من مكان كذا إلى كذا وما كان فيها من جبل أو معدن قال: فباع بنو بلال من عمر بن عبد العزيز أرضا فخرج فيها معدنان, فقالوا: إنما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعدن وجاءوا بكتاب القطيعة التي قطعها رسول الله - ﷺ- لأبيهم في جريدة قال: فجعل عمر يمسحها على عينيه, وقال لقيمه: انظر ما استخرجت منها وما أنفقت عليها فقاصهم بالنفقة, ورد عليهم الفضل) فعلى هذا ما يجده في ملك أو في موات فهو أحق به فإن سبق اثنان إلى معدن في موات فالسابق أولى به ما دام يعمل, فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه وما يجده في مملوك يعرف مالكه فهو لمالك المكان فأما المعادن الجارية فهي مباحة على كل حال إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه وقد روى أنها: تملك بملك الأرض التي هي فيها لأنها من نمائها وتوابعها, فكانت لمالك الأرض كفروع الشجر المملوك وثمرته.

 فصل: 

ويجوز بيع تراب المعدن والصاغة بغير جنسه ولا يجوز بجنسه إن كان مما يجرى فيه الربا لأنه يؤدى إلى الربا والزكاة على البائع لأنها وجبت في يده, كما لو باع الثمرة بعد بدو صلاحها وقد روى أبو عبيد في الأموال أن أبا الحارث المزنى اشترى تراب معدن بمائة شاة متبع فاستخرج منه ثمن ألف شاة فقال له البائع: رد على البيع فقال: لا أفعل فقال: لآتين عليا فلآتين عليك - يعنى أسعى بك - فأتى على بن أبى طالب فقال: إن أبا الحارث أصاب معدنا فأتاه على فقال: أين الركاز الذي أصبت؟ فقال ما أصبت ركازا إنما أصابه هذا, فاشتريته منه بمائة شاة متبع فقال له على ما أرى الخمس إلا عليك قال: فخمس المائة شاة إذا ثبت هذا فالواجب عليه زكاة المعدن لا زكاة الثمن لأن الزكاة إنما تعلقت بعين المعدن, أو بقيمته إن لم يكن من جنس الأثمان فأشبه ما لو باع السائمة بعد حولها أو الزرع أو الثمرة بعد بدو صلاحها.

فصل: ومن أجر داره, فقبض كراها فلا زكاة عليه فيه حتى يحول عليه الحول وعن أحمد أنه يزكيه إذا استفاده والصحيح الأول لقول النبي - ﷺ- : (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) ولأنه مال مستفاد بعقد معاوضة, فأشبه ثمن المبيع وكلام أحمد في الرواية الأخرى محمول على من أجر داره سنة, وقبض أجرتها في آخرها فأوجب عليها زكاتها لأنه قد ملكها من أول الحول, فصارت كسائر الديون إذا قبضها بعد حول زكاها حين يقبضها فإنه قد صرح بذلك في بعض الروايات عنه, فيحمل مطلق كلامه على مقيده.

تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول روى ذلك عن عمر, وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن, وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس, والنخعي والثوري والأوزاعي, والشافعي وأبو عبيد وإسحاق, وأصحاب الرأي وحكى عن مالك وداود أنه لا زكاة فيها لأن النبي - ﷺ- قال: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) ولنا, ما روى أبو داود بإسناده عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله - ﷺ- يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع) وروى الدارقطني, عن أبى ذر قال سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: (في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها, وفي البز صدقته) قاله بالزاى ولا خلاف أنها لا تجب في عينه وثبت أنها تجب في قيمته وعن أبى عمرو بن حماس, عن أبيه قال: أمرنى عمر فقال: أد زكاة مالك فقلت: ما لي مال إلا جعاب وأدم فقال: قومها ثم أد زكاتها رواه الإمام أحمد, وأبو عبيد وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعا وخبرهم المراد به زكاة العين لا زكاة القيمة, بدليل ما ذكرنا على أن خبرهم عام وخبرنا خاص فيجب تقديمه.

مسألة: قال: والعروض إذا كانت لتجارة قومها إذا حال عليها الحول, وزكاها العروض: جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر المال فمن ملك عرضا للتجارة, فحال عليه حول وهو نصاب قومه في آخر الحول, فما بلغ أخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول وقد دل عليه قول رسول الله - ﷺ- (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول وبهذا قال الثوري والشافعي, وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد, إلا أن يكون مدبرا لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عينا ولنا, أنه مال تجب الزكاة فيه في الحول الأول لم ينقص عن النصاب ولم تتبدل صفته, فوجبت زكاته في الحول الثاني كما لو نقص في أوله ولا نسلم أنه إذا لم يكن في أوله عينا لا تجب الزكاة فيه وإذا اشترى عرضا للتجارة بعرض للقنية, جرى في حول الزكاة من حين اشتراه.

فصل: ويخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها وهذا أحد قولي الشافعي وقال في آخر: هو مخير بين الإخراج من قيمتها وبين الإخراج من عينها وهذا قول أبى حنيفة لأنها مال تجب فيه الزكاة فجاز إخراجها من عينه, كسائر الأموال ولنا أن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال وإنما وجبت في قيمته.

فصل: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين أحدهما أن يملكه بفعله, كالبيع والنكاح والخلع, وقبول الهبة والوصية والغنيمة, واكتساب المباحات لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم ولا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغير عوض ذكر ذلك أبو الخطاب وابن عقيل لأنه ملكه بفعله, أشبه الموروث والثاني أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة وإن نواه بعد ذلك وإن ملكه بإرث وقصد أنه للتجارة, لم يصر للتجارة لأن الأصل القنية والتجارة عارض فلم يصر إليها بمجرد النية, كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل وعن أحمد رواية أخرى, أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية (لقول سمرة: أمرنا رسول الله - ﷺ- أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع) فعلى هذا لا يعتبر أن يملكه بفعله ولا أن يكون في مقابلة عوض بل متى نوى به التجارة صار للتجارة.

فصل: وإذا ملك نصابًا للتجارة في أوقات متفرقة, لم يضم بعضها إلى بعض لما بينا من أن المستفاد لا يضم إلى ما عنده في الحول وإن كان العرض الأول ليس بنصاب وكمل بالثانى نصابا فحولهما من حين ملك الثاني ونماؤهما تابع لهما, ولا يضم الثالث إليهما بل ابتداء الحول من حين ملكه وتجب فيه الزكاة وإن كان دون النصاب لأن قبله نصابا ولهذا يخرج عنه بالحصة, ونماؤه تابع له.

مسألة: قال: وتقوم السلع إذا حال الحول بالأحظ للمساكين من عين أو ورق ولا يعتبر ما اشتريت به يعنى إذا حال الحول على العروض وقيمتها بالفضة نصاب, ولا تبلغ نصابا بالذهب قومناها بالفضة ليحصل للفقراء منها حظ ولو كانت قيمتها بالفضة دون النصاب وبالذهب تبلغ نصابا قومناها بالذهب لتجب الزكاة فيها ولا فرق بين أن يكون اشتراؤها بذهب أو فضة أو عروض وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي: تقوم بما اشتراه من ذهب أو فضة لأن نصاب العروض مبنى على ما اشتراه به, فيجب أن تجب الزكاة فيه وتعتبر به كما لو لم يشتر به شيئا ولنا أن قيمته بلغت نصابا فتجب الزكاة فيه كما لو اشتراه بعرض وفي البلد نقدان مستعملان, تبلغ قيمة العروض بأحدهما نصابا ولأن تقويمه لحظ المساكين فيعتبر ما لهم فيه الحظ كالأصل وأما إذا لم يشتر بالنقد شيئا, فإن الزكاة في عينه لا في قيمته بخلاف العرض, إلا أن يكون النقد معدا للتجارة فينبغي أن تجب الزكاة فيه إذا بلغت قيمته بالنقد الآخر نصابا وإن لم تبلغ بعينه نصابا لأنه مال تجارة بلغت قيمته نصابا, فوجبت زكاته كالعروض فأما إذا بلغت قيمة العروض نصابا بكل واحد من الثمنين قومه بما شاء منهما, وأخرج ربع عشر قيمته من أي النقدين شاء لكن الأولى أن يخرج من النقد المستعمل في البلد لأنه أحظ للمساكين, وإن كانا مستعملين أخرج من الغالب في الاستعمال لذلك فإن تساويا أخرج من أيهما شاء وإذا باع العروض بنقد وحال الحول عليه, قوم النقد دون العروض لأنه إنما يقوم ما حال عليه الحول دون غيره.

فصل: وإذا اشترى عرضا للتجارة بنصاب من الأثمان أو بما قيمته نصاب من عروض التجارة, بنى حول الثاني على الحول الأول لأن مال التجارة إنما تتعلق الزكاة بقيمته وقيمته هي: الأثمان نفسها وكما إذا كانت ظاهرة فخفيت, فأشبه ما لو كان له نصاب فأقرضه لم ينقطع حوله بذلك وهكذا الحكم إذا باع العرض بنصاب أو بعرض قيمته نصاب لأن القيمة كانت خفية فظهرت, أو بقيت على خفائها فأشبه ما لو كان له قرض فاستوفاه أو أقرضه إنسانا آخر, ولأن النماء في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب ولو كان ذلك يقطع الحول لكان السبب الذي وجبت فيه الزكاة لأجله يمنعها لأن الزكاة لا تجب إلا في مال نام وإن قصد بالأثمان غير التجارة لم ينقطع الحول أيضا وقال الشافعي: ينقطع قولا واحدا لأنه مال تجب الزكاة في عينه دون قيمته فانقطع الحول بالبيع به, كالسائمة ولنا أنه من جنس القيمة التي تتعلق الزكاة بها فلم ينقطع الحول ببيعها به, كما لو قصد به التجارة وفارق السائمة فإنها من غير جنس القيمة, فأما إن أبدل عرض التجارة بما تجب الزكاة في عينه كالسائمة ولم ينو به التجارة لم يبن حول أحدهما على الآخر لأنهما مختلفان وإن أبدله بعرض للقنية, بطل الحول وإن اشترى عرض التجارة بعرض القنية انعقد عليه الحول من حين ملكه إن كان نصابا لأنه اشتراه بما لا زكاة فيه فلم يمكن بناء الحول عليه وإن اشتراه بنصاب من السائمة, لم يبن على حوله لأنهما مختلفان وإن اشتراه بما دون النصاب من الأثمان أو من عروض التجارة انعقد عليه الحول من حين تصير قيمته نصابا لأن مضى الحول على نصاب كامل شرط لوجوب الزكاة.

فصل: وإذا اشترى للتجارة نصابا من السائمة, فحال الحول والسوم ونية التجارة موجودان زكاه زكاة التجارة وبهذا قال أبو حنيفة, والثوري وقال مالك والشافعي في الجديد: يزكيها زكاة السوم لأنها أقوى لانعقاد الإجماع عليها, واختصاصها بالعين فكانت أولى ولنا أن زكاة التجارة أحظ للمساكين لأنها تجب فيما زاد بالحساب, ولأن الزائد عن النصاب قد وجد سبب وجوب زكاته فيجب كما لو لم يبلغ بالسوم نصابا وإن سبق وقت وجوب زكاة السوم وقت وجوب زكاة التجارة, مثل أن يملك أربعين من الغنم قيمتها دون مائتى درهم ثم صارت قيمتها في نصف الحول مائتى درهم فقال القاضي: يتأخر وجوب الزكاة حتى يتم حول التجارة لأنه أنفع للفقراء, وإلا يفضي التأخير إلى سقوطها لأن الزكاة تجب فيها إذا تم حول التجارة ويحتمل أن تجب زكاة العين عند تمام حولها لوجود مقتضيها من غير معارض فإذا تم حول التجارة وجبت زكاة الزائد عن النصاب لوجود مقتضيها لأن هذا مال للتجارة, حال الحول عليه وهو نصاب ولا يمكن إيجاب الزكاتين بكمالهما لأنه يفضي إلى إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد, فلم يجز ذلك لقول النبي - ﷺ- : (لا تثنى في الصدقة) وفارق هذا زكاة التجارة وزكاة الفطر فإنهما يجتمعان لأنهما بسببين, فإن زكاة الفطر تجب عن بدن الإنسان المسلم طهرة له وزكاة التجارة تجب عن قيمته شكرا لنعمة الغنى ومواساة للفقراء فأما إن وجد نصاب السوم دون نصاب التجارة, مثل أن يملك ثلاثين من البقر قيمتها مائة وخمسون درهما وحال الحول عليها كذلك, فإن زكاة العين تجب بغير خلاف لأنه لم يوجد لها معارض فوجبت كما لو لم تكن للتجارة.

فصل: وإن اشترى نخلا أو أرضا للتجارة, فزرعت الأرض وأثمرت النخل فاتفق حولاهما بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام الحول, وكانت قيمة الأرض والنخل بمفردها نصابا للتجارة فإنه يزكى الثمرة والحب زكاة العشر ويزكى الجميع زكاة القيمة وهذا قول أبى حنيفة, وأبى ثور وقال القاضي وأصحابه: يزكى الجميع زكاة القيمة وذكر أن أحمد أومأ إليه لأنه مال تجارة فتجب فيه زكاة التجارة كالسائمة ولنا, أن زكاة العشر أحظ للفقراء فإن العشر أحظ من ربع العشر فيجب تقديم ما فيه الحظ, ولأن الزيادة على ربع العشر قد وجد سبب وجوبها فتجب وفارق السائمة المعدة للتجارة فإن زكاة السوم أقل من زكاة التجارة.

مسألة: قال: وإذا اشتراها للتجارة, ثم نواها للاقتناء ثم نواها للتجارة فلا زكاة فيها حتى يبيعها, ويستقبل بثمنها حولا لا يختلف المذهب في أنه إذا نوى بعرض التجارة القنية أنه يصير للقنية وتسقط الزكاة منه وبهذا قال الشافعي, وأصحاب الرأي وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: لا يسقط حكم التجارة بمجرد النية كما لو نوى بالسائمة العلف ولنا أن القنية الأصل, ويكفى في الرد إلى الأصل مجرد النية كما لو نوى بالحلى التجارة أو نوى المسافر الإقامة, ولأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العروض فإذا نوى القنية زالت نية التجارة ففات شرط الوجوب, وفارق السائمة إذا نوى علفها لأن الشرط فيها الإسامة دون نيتها فلا ينتفى الوجوب إلا بانتفاء السوم وإذا صار العرض للقنية بنيتها, فنوى به التجارة لم يصر للتجارة بمجرد النية على ما أسلفناه وبهذا قال أبو حنيفة, ومالك والشافعي والثوري وذهب ابن عقيل, وأبو بكر إلى أنه يصير للتجارة بمجرد النية وحكوه رواية عن أحمد لقوله: في من أخرجت أرضه خمسة أوسق, فمكثت عنده سنين لا يريد بها التجارة فليس عليه زكاة وإن كان يريد التجارة فأعجب إلى أن يزكيه قال بعض أصحابنا: هذا على أصح الروايتين لأن نية القنية بمجردها كافية, فكذلك نية التجارة بل أولى لأن الإيجاب يغلب على الإسقاط احتياطا ولأنه أحظ للمساكين, فاعتبر كالتقويم ولأن سمرة قال: (أمرنا رسول الله - ﷺ- أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع) وهذا داخل في عمومه ولأنه نوى به التجارة, فوجبت فيه الزكاة كما لو نوى حال البيع ولنا أن كل ما لا يثبت له الحكم بدخوله في ملكه, لا يثبت بمجرد النية كما لو نوى بالمعلوفة السوم ولأن القنية الأصل, والتجارة فرع عليها فلا ينصرف إلى الفرع بمجرد النية كالمقيم ينوي السفر, وبالعكس من ذلك ما لو نوى القنية فإنه يردها إلى الأصل فانصرف إليه بمجرد النية, كما لو نوى المسافر الإقامة فكذلك إذا نوى بمال التجارة القنية انقطع حوله ثم إذا نوى به التجارة, فلا شيء فيه حتى يبيعه ويستقبل بثمنه حولا.

فصل: فإن كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول فنوى بها الإسامة, وقطع نية التجارة انقطع حول التجارة واستأنف حولا كذلك قال الثوري, وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء وحول السوم لا ينبنى على حول التجارة والأشبه بالدليل أنها متى كانت سائمة من أول الحول, وجبت الزكاة فيها عند تمامه وهذا يروى نحوه عن إسحاق لأن السوم سبب لوجوب الزكاة وجد في جميع الحول خاليا عن معارض فوجبت به الزكاة, كما لو لم ينو التجارة أو كما لو كانت السائمة لا تبلغ نصابا بالقيمة.

فصل: وإن اشترى للتجارة ما ليس بنصاب فنما حتى صار نصابا, انعقد عليه الحول من حين صار نصابا في قول أكثر أهل العلم وقال مالك: إذا كانت له خمسة دنانير فاتجر فيها فحال عليها الحول وقد بلغت ما تجب فيه الزكاة, يزكيها ولنا أنه لم يحل الحول على نصاب فلم تجب فيه الزكاة, كما لو نقص في آخره.

فصل: شراء شقص للتجارة بألف فحال عليه الحول وهو يساوى ألفين فعليه زكاة ألفين وإذا اشترى للتجارة شقصا بألف فحال عليه الحول وهو يساوى ألفين فعليه زكاة ألفين, فإن جاء الشفيع أخذه بألف لأن الشفيع إنما يأخذ بالثمن لا بالقيمة والزكاة على المشترى لأنها وجبت وهو في ملكه ولو لم يأخذه الشفيع, لكن وجد به عيبا فرده فإنه يأخذ من البائع ألفا ولو انعكست المسألة فاشتراه بألفين, وحال الحول وقيمته ألف فعليه زكاة ألف ويأخذه الشفيع إن أخذه, ويرده بالعيب بألفين لأنهما الثمن الذي وقع البيع به.

فصل: وإن دفع إلى رجل ألفا مضاربة على أن الربح بينهما نصفان فحال الحول وقد صار ثلاثة آلاف, فعلى رب المال زكاة ألفين لأن ربح التجارة حوله حول أصله وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه زكاة الجميع لأن الأصل له والربح نماء ماله ولا يصح لأن حصة المضارب له, وليست ملكا لرب المال بدليل أن للمضارب المطالبة بها ولو أراد رب المال دفع حصته إليه من غير هذا المال, لم يلزمه قبوله ولا تجب على الإنسان زكاة ملك غيره ولأن رب المال يقول: حصتك أيها العامل مترددة بين أن تسلم فتكون لك, أو تتلف فلا تكون لي ولا لك فكيف يكون على زكاة ما ليس لي بوجه ما وقوله: إنه نماء ماله قلنا: لكنه لغيره, فلم تجب عليه زكاة كما لو وهب نتاج سائمته لغيره إذا ثبت هذا فإنه يخرج الزكاة من المال لأنه من مؤنته, فكان منه كمؤنة حمله ويحسب من الربح لأنه وقاية لرأس المال وأما العامل فليس عليه زكاة في حصته حتى يقتسما, ويستأنف حولا من حينئذ نص عليه أحمد في رواية صالح وابن منصور فقال: إذا احتسبا يزكى المضارب إذا حال الحول من حين احتسبه لأنه علم ماله في المال, ولأنه إذا اتضع بعد ذاك كانت الوضيعة على رب المال يعنى إذا اقتسما لأن القسمة في الغالب تكون عند المحاسبة ألا تراه يقول: إن اتضع بعد ذلك كانت الوضيعة على رب المال وإنما يكون هذا بعد القسمة وقال أبو الخطاب: يحتسب حوله من حين ظهور الربح يعنى إذا كمل نصابا إلا على قول من قال: إن الشركة تؤثر في غير الماشية قال: ولا يجب إخراج زكاته حتى يقبض المال لأن العامل يملك الربح بظهوره, فإذا ملكه جرى في حول الزكاة ولأن من أصلنا أن في المال الضال والمغصوب والدين على مماطل الزكاة وإن كان رجوعه إلى ملك يده مظنونا, كذا ها هنا ولنا أن ملك المضارب غير تام لأنه يعرض أن تنقص قيمة الأصل أو يخسر فيه, وهذا وقاية له ولهذا منع من الاختصاص به والتصرف فيه بحق نفسه, فلم يكن فيه زكاة كمال المكاتب يؤكد هذا أنه لو كان ملكا تاما لاختص بربحه, فلو كان رأس المال عشرة فاتجر فيه فربح عشرين ثم اتجر فربح ثلاثين لكانت الخمسون التي ربحها بينهما نصفين, ولو تم ملكه بمجرد ظهور الربح لملك من العشرين الأولى عشرة واختص بربحها, وهي عشرة من الثلاثين وكانت العشرون الباقية بينهما نصفين فيملك المضارب ثلاثين, ولرب المال ثلاثون كما لو اقتسما العشرين ثم خلطاها وفارق المغصوب والضال فإن الملك فيه ثابت تام إنما حيل بينه وبينه, بخلاف مسألتنا ومن أوجب الزكاة على المضارب فإنما يوجبها عليه إذا حال الحول من حين تبلغ حصته نصابا بمفردها أو بضمها إلى ما عنده من جنس المال أو من الأثمان إلا على الرواية التي تقول إن للشركة تأثيرا في غير السائمة وليس عليه إخراجها قبل القسمة, كالدين لا يجب الإخراج منه قبل قبضه وإن أراد إخراجها منه قبل القسمة لم يجز لأن الربح وقاية لرأس المال ويحتمل أن يجوز لأنهما دخلا على حكم الإسلام ومن حكمه وجوب الزكاة, وإخراجها من المال.

فصل: وإذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته أو أذن رجلان غير شريكين كل واحد منهما للآخر في إخراج زكاته فأخرج كل واحد منهما زكاته وزكاة صاحبه معا, في حال واحدة ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه لأن كل واحد منهما انعزل من طريق الحكم عن الوكالة لإخراج من عليه الزكاة زكاته بنفسه ويحتمل أن لا يضمن, إذا لم يعلم بإخراج صاحبه إذا قلنا إن الوكيل لا ينعزل قبل الحكم بعزل الموكل أو بموته ويحتمل أن لا يضمن وإن قلنا إنه ينعزل لأنه غره بتسليطه على الإخراج, وأمره به ولم يعلمه بإخراجه فكان خطر التغرير عليه, كما لو غره بحرية أمة وهذا أحسن - إن شاء الله تعالى- وعلى هذا إن علم أحدهما دون الآخر فعلى العالم الضمان دون الآخر فأما إن أخرجها أحدهما قبل الآخر, فعلى هذا الوجه لا ضمان على واحد منهما إذا لم يعلم وعلى الأول على الثاني الضمان دون الأول. باب زكاة الدين والصدقة الصدقة: هي الصداق وجمعها صدقات, قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4]. وهي من جملة الديون وحكمها حكمها وإنما أفردها بالذكر لاشتهارها باسم خاص.

مسألة: قال: وإذا كان معه مائتا درهم وعليه دين, فلا زكاة عليه وجملة ذلك أن الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة رواية واحدة وهي الأثمان وعروض التجارة وبه قال عطاء, وسليمان بن يسار وميمون بن مهران والحسن, والنخعي والليث ومالك, والثوري والأوزاعي وإسحاق, وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال ربيعة وحماد بن أبى سليمان, والشافعي في جديد قوليه: لا يمنع الزكاة لأنه حر مسلم ملك نصابا حولا فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه ولنا ما روى أبو عبيد في " الأموال ": حدثنا إبراهيم بن سعد, عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: هذا شهر زكاتكم, فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم وفي رواية: فمن كان عليه دين فليقض دينه وليزك بقية ماله قال ذلك بمحضر من الصحابة, فلم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه وروى أصحاب مالك عن عمير بن عمران, عن شجاع عن نافع عن ابن عمر, قال: قال رسول الله - ﷺ- : (إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه) وهذا نص ولأن النبي - ﷺ- قال: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم, فأردها في فقرائكم) فدل على أنها إنما تجب على الأغنياء ولا تدفع إلا إلى الفقراء وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة فيكون فقيرا, فلا تجب عليه الزكاة لأنها لا تجب إلا على الأغنياء للخبر ولقوله عليه السلام: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) ويخالف من لا دين له عليه, فإنه غنى يملك نصابا يحقق هذا أن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء وشكرا لنعمة الغنى, والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لحاجة غيره ولا حصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج, وقد قال النبي - ﷺ- : (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) .

فصل: فأما الأموال الظاهرة وهي السائمة والحبوب, والثمار فروى عن أحمد أن الدين يمنع الزكاة أيضا فيها لما ذكرناه في الأموال الباطنة قال أحمد, في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة فيزكى ما بقي, ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل, أو بقر أو غنم أو زرع, ولا زكاة وهذا قول عطاء والحسن وسليمان, وميمون بن مهران والنخعي والثوري, والليث وإسحاق لعموم ما ذكرنا وروي, أنه لا يمنع الزكاة فيها وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وروى عن أحمد أنه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس, فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله ويزكى ما بقي وقال الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته ويزكى ما بقي وإليه أذهب أن لا يزكى ما أنفق على ثمرته خاصة, ويزكى ما بقي لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلا أو بقرا أو غنما, لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين وليس المال هكذا فعلى هذه الرواية لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة, إلا في الزرع والثمار فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة وهذا ظاهر قول الخرقي لأنه قال في الخراج: يخرجه, ثم يزكى ما بقي جعله كالدين على الزرع وقال في الماشية المرهونة: ( يؤدى منها إذا لم يكن له مال يؤدى عنها ) فأوجب الزكاة فيها مع الدين وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة يمنع في سائر الأموال إلا الزرع والثمار بناء منه على أن الواجب فيها ليس بصدقة والفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد, لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها ولهذا يشرع إرسال من يأخذ صدقتها من أربابها (وكان النبي - ﷺ- يبعث السعاة فيأخذون الصدقة من أربابها,) وكذلك الخلفاء بعده وعلى منعها قاتلهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ولم يأت عنه أنهم استكرهوا أحدا على صدقة الصامت ولا طالبوه بها, إلا أن يأتي بها طوعا ولأن السعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون عما على صاحبها من الدين, فدل على أنه لا يمنع زكاتها ولأن تعلق أطماع الفقراء بها أكثر والحاجة إلى حفظها أوفر, فتكون الزكاة فيها أوكد.

فصل: وإنما يمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه ولا يجد ما يقضيه به سوى النصاب, أو ما لا يستغنى عنه مثل أن يكون له عشرون مثقالا وعليه مثقال أو أكثر أو أقل, مما ينقص به النصاب إذا قضاه به ولا يجد قضاء له من غير النصاب فإن كان له ثلاثون مثقالا, وعليه عشرة فعليه زكاة العشرين وإن كان عليه أكثر من عشرة فلا زكاة عليه وإن كان عليه خمسة, فعليه زكاة خمسة وعشرين ولو أن له مائة من الغنم وعليه ما يقابل ستين فعليه زكاة الأربعين فإن كان عليه ما يقابل إحدى وستين, فلا زكاة عليه لأنه ينقص النصاب وإن كان له مالان من جنسين وعليه دين جعله في مقابلة ما يقضي منه, فلو كان له خمس من الإبل ومائتا درهم فإن كانت عليه سلما أو دية ونحو ذلك مما يقضي بالإبل, جعلت الدين في مقابلتها ووجبت عليه زكاة الدراهم وإن كان أتلفها أو غصبها جعلت قيمتها في مقابلة الدراهم لأنها تقضي منها وإن كانت قرضا, خرج على الوجهين فيما يقضي منه فإن كانت إذا جعلناها في مقابلة أحد المالين, فضلت منها فضلة تنقص النصاب الآخر وإذا جعلناها في مقابلة الآخر لم يفضل منها شيء, كرجل له خمس من الإبل ومائتا درهم وعليه ست من الإبل قيمتها مائتا درهم فإذا جعلناها في مقابلة المائتين لم يفضل من الدين شيء, نقص نصاب السائمة وإذا جعلناها في مقابلة الإبل فضل منها بعير ينقص نصاب الدراهم, أو كانت بالعكس مثل أن يكون عليه مائتان وخمسون درهما وله من الإبل خمس أو أكثر تساوي الدين, أو تفضل عليه جعلنا الدين في مقابلة الإبل ها هنا وفي مقابلة الدراهم في الصورة الأولى لأن له من المال ما يقضي به الدين سوى النصاب وكذلك لو كان عليه مائة درهم, وله مائتا درهم وتسع من الإبل فإذا جعلناها في مقابلة الإبل لم ينقص نصابها لكون الأربع الزائدة عنه تساوي المائة وأكثر منها وإن جعلناه في مقابلة الدراهم سقطت الزكاة منها, فجعلناها في مقابلة الإبل كما ذكرنا في التي قبلها ولأن ذلك أحظ للفقراء وذكر القاضي نحو هذا, فإنه قال: إذا كان النصابان زكويين جعلت الدين في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته وإن كان من غير جنس الدين فإن كان أحد المالين لا زكاة فيه, والآخر فيه الزكاة كرجل عليه مائتا درهم وله مائتا درهم, وعروض للقنية تساوي مائتين فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض وهذا مذهب مالك وأبي عبيد, قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله لأنه مالك لمائتين زائدة عن مبلغ دينه فوجبت عليه زكاتها كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا وظاهر كلام أحمد, - رحمه الله- أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضي منه فإنه قال في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف: إن كانت العروض للتجارة زكاها, وإن كانت لغير التجارة فليس عليه شيء وهذا مذهب أبي حنيفة ويحكى عن الليث بن سعد لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح فجعل الدين في مقابلته أولى, كما لو كان النصابان زكويين ويحتمل أن يحمل كلام أحمد ها هنا على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته الأصلية ولم يكن فاضلا عن حاجته فلا يلزمه صرفه في وفاء الدين لأن الحاجة أهم, ولذلك لم تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال ويكون قول القاضي محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته وهذا أحسن لأنه في هذه الحال مالك لنصاب فاضل عن حاجته وقضاء دينه, فلزمته زكاته كما لو لم يكن عليه دين فأما إن كان عنده نصابان زكويان وعليه دين من غير جنسهما, ولا يقضي من أحدهما فإنك تجعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته. فصل: فأما دين الله تعالى كالكفارة والنذر, ففيه وجهان أحدهما يمنع الزكاة كدين الآدمي لأنه دين يجب قضاؤه فهو كدين الآدمي يدل عليه قول النبي - ﷺ- : (دين الله أحق أن يقضي) والآخر: لا يمنع لأن الزكاة آكد منه لتعلقها بالعين, فهو كأرش الجناية ويفارق دين الآدمي لتأكده, وتوجه المطالبة به فإن نذر الصدقة بمعين فقال: لله على أن أتصدق بهذه المائتي درهم إذا حال الحول فقال ابن عقيل: يخرجها في النذر ولا زكاة عليه لأن النذر آكد لتعلقه بالعين, والزكاة مختلف فيها ويحتمل أن تلزمه زكاتها وتجزئه الصدقة بها إلا أن ينوي الزكاة بقدرها, ويكون ذلك صدقة تجزئه عن الزكاة والنذر لكون الزكاة صدقة وسائرها يكون صدقة لنذره وليس بزكاة وإن نذر الصدقة ببعضها وكان ذلك البعض قدر الزكاة أو أكثر, فعلى هذا الاحتمال يخرج المنذور وينوي الزكاة بقدرها منه وعلى قول ابن عقيل يحتمل أن تجب الزكاة عليه لأن النذر إنما تعلق بالبعض بعد وجود سبب الزكاة وتمام شرطه, فلا يمنع الوجوب لكون المحل متسعا لهما جميعا وإن كان المنذور أقل من قدر الزكاة وجب قدر الزكاة, ودخل النذر فيه في أحد الوجهين وفي الآخر يجب إخراجهما جميعا.

 فصل: 

إذا قلنا: لا يمنع الدين وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة فحجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة, لم يملك إخراجها لأنه قد انقطع تصرفه في ماله وإن أقر بها بعد الحجر لم يقبل إقراره وكانت عليه في ذمته كدين الآدمي ويحتمل أن تسقط إذا حجر عليه قبل إمكان أدائها, كما لو تلف ماله فإن أقر الغرماء بوجوب الزكاة عليه أو ثبت ببينة أو كان قد أقر بها قبل الحجر عليه وجب إخراجها من المال, فإن لم يخرجوها فعليهم إثمها.

 فصل: 

وإذا جنى العبد المعد للتجارة جناية تعلق أرشها برقبته منع وجوب الزكاة فيه إن كان ينقص النصاب لأنه دين وإن لم ينقص النصاب, منع الزكاة في قدر ما يقابل الأرش.

 مسألة: 

قال: وإذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه فيؤدي لما مضى وجملة ذلك أن الدين على ضربين أحدهما دين على معترف به باذل له, فعلى صاحبه زكاته إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى, روى ذلك عن على ـ رضي الله عنه ـ وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال عثمان وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ وجابر وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن وميمون بن مهران والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والشافعي وإسحاق وأبو عبيد عليه إخراج الزكاة في الحال, وإن لم يقبضه لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه إخراج زكاته كالوديعة وقال عكرمة ليس في الدين زكاة وروي ذلك عن عائشة وابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ لأنه غير نام, فلم تجب زكاته كعروض القنية وروي عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وأبي الزناد: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة ولنا أنه دين ثابت في الذمة, فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه كما لو كان على معسر ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة, وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به وأما الوديعة فهي بمنزلة ما في يده لأن المستودع نائب عنه في حفظه ويده كيده, وإنما يزكيه لما مضى لأنه مملوك له يقدر على الانتفاع به فلزمته زكاته كسائر أمواله الضرب الثاني, أن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل به فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين إحداهما, لا تجب وهو قول قتادة وإسحاق, وأبي ثور وأهل العراق لأنه غير مقدور على الانتفاع به أشبه مال المكاتب والرواية الثانية, يزكيه إذا قبضه لما مضي وهو قول الثوري وأبي عبيد لما روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ في الدين المظنون قال: إن كان صادقا, فليزكه إذا قبضه لما مضى وروي نحوه عن ابن عباس رواهما أبو عبيد ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على المليء وللشافعي قولان كالروايتين, وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث, والأوزاعي ومالك يزكيه إذا قبضه لعام واحد ولنا أن هذا المال في جميع الأحوال على حال واحد, فوجب أن يتساوي في وجوب الزكاة أو سقوطها كسائر الأموال ولا فرق بين كون الغريم يجحده في الظاهر دون الباطن, أو فيهما.

 فصل: 

وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين الحال والمؤجل لأن البراءة تصح من المؤجل ولولا أنه مملوك لم تصح البراءة منه, لكن يكون في حكم الدين على المعسر لأنه لا يمكن قبضه في الحال.

 فصل: 

ولو أجر داره سنتين بأربعين دينارا ملك الأجرة من حين العقد, وعليه زكاة جميعها إذا حال عليه الحول لأن ملك المكري عليه تام بدليل جواز التصرف فيها بأنواع التصرفات ولو كانت جارية كان له وطؤها وكونها بعرض الرجوع لانفساخ العقد لا يمنع وجوب الزكاة, كالصداق قبل الدخول ثم إن كان قد قبض الأجرة أخرج الزكاة منها وإن كانت دينا فهي كالدين معجلا كان أو مؤجلا وقال مالك, وأبو حنيفة: لا يزكيها حتى يقبضها ويحول عليه الحول بناء على أن الأجرة لا تستحق بالعقد وإنما تستحق بانقضاء مدة الإجارة وهذا يذكر في موضعه, - إن شاء الله تعالى - وعن أحمد - رحمه الله- رواية أخرى في من قبض من أجر عقار نصابا, يزكيه في الحال وقد ذكرناه في غير هذا الموضع وحملناه على أنه حال عليه الحول قبل قبضه.

 فصل: 

ولو اشترى شيئا بعشرين دينارا أو أسلم نصابًا في شيء, فحال الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع أو يقبض المسلم فيه والعقد باق فعلى البائع والمسلم إليه زكاة الثمن لأن ملكه ثابت فيه, فإن انفسخ العقد لتلف المبيع أو تعذر المسلم فيه وجب رد الثمن, وزكاته على البائع.

 فصل: 

والغنيمة يملك الغانمون أربعة أخماسها بانقضاء الحرب فإن كانت جنسا واحدا تجب فيه الزكاة كالأثمان والسائمة, ونصيب كل واحد منهم منها نصاب فعليه زكاته إذا انقضى الحول ولا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه لما ذكرنا في الدين على المليء وإذا كان دون النصاب, فلا زكاة فيه إلا أن تكون سائمة أربعة أخماسها تبلغ النصاب فتكون خلطة, ولا تضم إلى الخمس لأنه لا زكاة فيه فإن كانت الغنيمة أجناسا كإبل وبقر وغنم فلا زكاة على واحد منهم لأن للإمام أن يقسم بينهم قسمة بحكم, فيعطي كل واحد منهم من أي أصناف المال شاء فما تم ملكه على شيء معين بخلاف الميراث.

 مسألة: 

قال: وإذا غصب مالا زكاه إذا قبضه لما مضى, في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله والرواية الأخرى قال: ليس هو كالدين الذي متى قبضه زكاه, وأحب إلى أن يزكيه قوله: إذا غصب مالا أي إذا غصب الرجل مالا فالمفعول الأول المرفوع مستتر في الفعل والمال هو المفعول الثاني, فكذلك نصيبه وفي بعض النسخ: وإذا غصب ماله وكلاهما صحيح والحكم في المغصوب والمسروق والمجحود والضال واحد, وفي جميعه روايتان إحداهما لا زكاة فيه نقلها الأثرم والميموني ومتى عاد صار كالمستفاد, يستقبل به حولا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في قديم قوليه لأنه مال خرج عن يده وتصرفه وصار ممنوعا منه, فلم يلزمه زكاته كمال المكاتب والثانية عليه زكاته لأن ملكه عليه تام, فلزمته زكاته كما لو نسي عند من أودعه أو كما لو أسر, أو حبس وحيل بينه وبين ماله وعلى كلتي الروايتين لا يلزمه إخراج زكاته قبل قبضه وقال مالك: إذا قبضه زكاه لحول واحد لأنه كان في ابتداء الحول في يده, ثم حصل بعد ذلك في يده فوجب أن لا تسقط الزكاة عن حول واحد وليس هذا بصحيح لأن المانع من وجوب الزكاة إذا وجد في بعض الحول يمنع, كنقص النصاب.

 فصل: 

وإن كان المغصوب سائمة معلوفة عند صاحبها وغاصبها فلا زكاة فيها لفقدان الشرط وإن كانت سائمة عندهما ففيها الزكاة, على الرواية التي تقول بوجوبها في المغصوب وإن كانت معلوفة عند صاحبها سائمة عند غاصبها ففيها وجهان أحدهما, لا زكاة عليه لأن صاحبها لم يرض بإسامتها فلم تجب عليه الزكاة بفعل الغاصب كما لو رعت من غير أن يسيمها والثاني عليه الزكاة لأن السوم يوجب الزكاة من المالك فأوجبها من الغاصب كما لو كانت سائمة عندهما, وكما لو غصب بذرا فزرعه وجب العشر فيما خرج منه وإن كانت سائمة عند مالكها معلوفة عند غاصبها فلا زكاة فيها لفقدان الشرط وقال القاضي فيه وجه آخر أن الزكاة تجب فيها لأن العلف محرم فلم يؤثر في الزكاة كما لو غصب أثمانا فصاغها حليا لم تسقط الزكاة عنها بصياغته قال أبو الحسن الآمدي: هذا هو الصحيح لأن العلف إنما أسقط الزكاة لما فيه من المؤنة وها هنا لا مؤنة عليه ولنا: أن السوم شرط لوجوب الزكاة ولم يوجد فلم تجب الزكاة كنقص النصاب والملك وقوله: إن العلف محرم غير صحيح وإنما المحرم الغصب وإنما العلف تصرف منه في ماله بإطعامها إياه, ولا تحريم فيه ولهذا لو علفها عند مالكها لم يحرم عليه وما ذكره الآمدي من خفة المؤنة غير صحيح فإن الخفة لا تعتبر بنفسها وإنما تعتبر بمظنها, وهي السوم ثم يبطل ما ذكراه بما إذا كانت معلوفة عندهما جميعا ويبطل ما ذكره القاضي بما إذا علفها مالكها علفا محرما أو أتلف شاة من النصاب فإنه محرم وتسقط به الزكاة وأما إذا غصب ذهبا فصاغه حليا فلا يشبه ما اختلفنا فيه فإن العلف فات به شرط الوجوب والصياغة لم يفت بها شيء وإنما اختلف في كونها مسقطة بشرط كونها مباحة فإذا كانت محرمة لم يوجد شرط الإسقاط, ولأن المالك لو علفها علفا محرما لسقطت الزكاة ولو صاغها صياغة محرمة لم تسقط فافترقا ولو غصب حليا مباحا فكسره أو ضربه دراهم أو دنانير وجبت فيه الزكاة لأن المسقط للزكاة زال فوجبت الزكاة ويحتمل أن لا تجب, كما لو غصب معلوفة فأسامها ولو غصب عروضا فاتجر فيها لم تجب فيها الزكاة لأن نية التجارة شرط ولم توجد من المالك وسواء كانت للتجارة عند مالكها أو لم تكن لأن بقاء النية شرط ولم ينو التجارة بها عند الغاصب ويحتمل أن تجب الزكاة إذا كانت للتجارة عند مالكها, واستدام النية لأنها لم تخرج عن ملكه بغصبها وإن نوى بها الغاصب القنية وكل موضع أوجبنا الزكاة فعلى الغاصب ضمانها لأنه نقص حصل في يده فوجب عليه ضمانه كتلفه

 فصل: 

إذا ضلت واحدة من النصاب أو أكثر أو غصبت فنقص النصاب فالحكم فيه كما لو ضل جميعه أو غصب لكن إن قلنا بوجوب الزكاة, فعليه الإخراج عن الموجود عنده وإذا رجع الضال أو المغصوب أخرج عنه كما لو رجع جميعه.

 فصل: 

وإن أسر المالك لم تسقط عنه الزكاة سواء حيل بينه وبين ماله أو لم يحل لأن تصرفه في ماله نافذ يصح بيعه وهبته وتوكيله فيه.

 فصل: 

وإن ارتد قبل مضي الحول وحال الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه نص عليه لأن الإسلام شرط لوجوب الزكاة فعدمه في بعض الحول يسقط الزكاة كالملك والنصاب وإن رجع إلى الإسلام قبل مضى الحول استأنف حولا لما ذكرنا قال أحمد: إذا أسلم المرتد وقد حال على ماله الحول فإن المال له ولا يزكيه حتى يستأنف به الحول لأنه كان ممنوعا منه فأما إن ارتد بعد الحول لم تسقط الزكاة عنه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة تسقط لأن من شرطها النية فسقطت بالردة كالصلاة ولنا: أنه حق مال فلا يسقط بالردة كالدين وأما الصلاة فلا تسقط أيضا, لكن لا يطالب بفعلها لأنها لا تصح منه ولا تدخلها النيابة فإذا عاد وجبت عليه والزكاة تدخلها النيابة ولا تسقط بالردة كالدين ويأخذها الإمام من الممتنع وكذا ها هنا يأخذها الإمام من ماله كما يأخذها من المسلم الممتنع فإن أسلم بعد أخذها لم يلزمه أداؤها لأنها سقطت عنه بأخذها كما تسقط بأخذها من المسلم الممتنع ويحتمل أن لا تسقط لأن الزكاة عبادة فلا تحصل من غير نية وأصل هذا ما لو أخذها الإمام من المسلم الممتنع وقد ذكر في غير هذا وإن أخذها غير الإمام أو نائبه, لم تسقط عنه لأنه لا ولاية له عليه فلا يقوم مقامه بخلاف نائب الإمام وإن أداها في حال ردته لم تجزه لأنه كافر فلا تصح منه كالصلاة

 مسألة: 

قال: واللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط استقبل بها حولا ثم زكاها فإن جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها ظاهر المذهب أن اللقطة تملك بمضي حول التعريف واختار أبو الخطاب أنه لا يملكها حتى يختار وهو مذهب الشافعي ويذكر في موضعه - إن شاء الله تعالى- ومتى ملكها استأنف حولا فإذا مضى وجبت عليه زكاتها وحكى القاضي في موضع أنه إذا ملكها وجب عليه مثلها إن كانت مثلية, أو قيمتها إن لم تكن مثلية وهذا مذهب الشافعي ويذكر في موضعه - إن شاء الله تعالى- ومقتضى هذا أن لا تجب عليه زكاتها لأنه دين فمنع الزكاة كسائر الديون وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا تجب الزكاة فيها لمعنى آخر وهو أن ملكه غير مستقر عليها ولصاحبها أخذها منه متى وجدها والمذهب ما ذكره الخرقي, وما ذكره القاضي يفضي إلى ثبوت معاوضة في حق من لا ولاية عليه بغير فعله ولا اختياره, ويقتضي ذلك أن يمنع الدين الذي عليه الميراث والوصية كسائر الديون والأمر بخلافه وما ذكره ابن عقيل: يبطل بما وهبه الأب لولده, وبنصف الصداق فإن لهما استرجاعه ولا يمنع وجوب الزكاة فأما ربها إذا جاء فأخذها, فذكر الخرقي أنه يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها وهو حول التعريف وقد ذكرنا في الضال روايتين وهذا من جملته وعلى مقتضى قول الخرقي أن الملتقط لو لم يملكها مثل من لم يعرفها, فإنه لا زكاة على ملتقطها وإذا جاء ربها زكاها للزمان كله وإنما تجب عليه زكاتها إذا كانت ماشية بشرط كونها سائمة عند الملتقط, فإن علفها فلا زكاة عليه على ما ذكرنا في المغصوب

 مسألة: 

قال والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى وجملة ذلك أن الصداق في الذمة دين للمرأة, حكمه حكم الديون على ما مضى إن كان على مليء به فالزكاة واجبة فيه إذا قبضته أدت لما مضى, وإن كان على معسر أو جاحد فعلى الروايتين واختار الخرقي وجوب الزكاة فيه ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده لأنه دين في الذمة فهو كثمن مبيعها, فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول وأخذت النصف فعليها زكاة ما قبضته, دون ما لم تقبضه لأنه دين لم تتعوض عنه ولم تقبضه فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحد وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه, لانفساخ النكاح بأمر من جهتها فليس عليها زكاته لما ذكرنا وكذلك القول في كل دين يسقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه أو يئس صاحبه من استيفائه والمال الضال إذا يئس منه, فلا زكاة على صاحبه فإن الزكاة مواساة فلا تلزم المواساة إلا مما حصل له وإن كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثم سقط نصفه, وقبضت النصف فعليها زكاة النصف المقبوض لأن الزكاة وجبت فيه ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به, فاختص السقوط به وإن مضى عليه حول قبل قبضه ثم قبضته كله زكته لذلك الحول وإن مضت عليه أحوال قبل قبضه, ثم قبضته زكته لما مضى كله ما لم ينقص عن النصاب وقال أبو حنيفة: لا تجب عليها الزكاة ما لم تقبضه لأنه بدل عما ليس بمال, فلا تجب الزكاة فيه قبل قبضه كدين الكتابة ولنا أنه دين يستحق قبضه, ويجبر المدين على أدائه فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع ويفارق دين الكتابة فإنه لا يستحق قبضه وللمكاتب الامتناع من أدائه ولا يصح قياسهم عليه, فإنه عوض عن مال. فصل: فإن كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول ففيه روايتان إحداهما, عليها الزكاة لأنها تصرفت فيه فأشبه ما لو قبضته والرواية الثانية زكاته على الزوج لأنه ملك ما ملك عليه, فكأنه لم يزل ملكه عنه والأول أصح وما ذكرنا لهذه الرواية لا يصح لأن الزوج لم يملك شيئا وإنما سقط الدين عنه, ثم لو ملك في الحال لم يقتض هذا وجوب زكاة ما مضى ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما لما ذكرنا في الزوج والمرأة لم تقبض الدين فلم تلزمها زكاته, كما لو سقط بغير إسقاطها وهذا إذا كان الدين مما تجب فيه الزكاة إذا قبضته فأما إن كان مما لا زكاة فيه, فلا زكاة عليها بحال وكل دين على إنسان أبرأه صاحبه منه بعد مضى الحول عليه فحكمه حكم الصداق فيما ذكرنا قال أحمد: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها وقد مضى له عشر سنين فإن زكاته على المرأة لأن المال كان لها وإذا وهب رجل لرجل مالا, فحال الحول ثم ارتجعه الواهب فليس له أن يرتجعه, فإن ارتجعه فالزكاة على الذي كان عنده وقال في رجل باع شريكه نصيبه من داره فلم يعطه شيئا فلما كان بعد سنة, قال: ليس عندي دراهم فأقلني فأقاله قال: عليه أن يزكي لأنه قد ملكه حولا.

 مسألة: 

قال والماشية إذا بيعت بالخيار, فلم ينقض الخيار حتى ردت استقبل بها البائع حولا سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري, لأنه تجديد ملك ظاهر المذهب أن البيع بشرط الخيار ينقل الملك إلى المشترى عقيبه ولا يقف على انقضاء الخيار, سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما وعن أحمد أنه لا ينتقل حتى ينقضي الخيار وهو قول مالك وقال أبو حنيفة: لا ينتقل إن كان للبائع وإن كان للمشتري خرج عن البائع, ولم يدخل في ملك المشتري وعن الشافعي ثلاثة أقوال قولان كالروايتين وقول ثالث أنه مراعى, فإن فسخاه تبينا أنه لم ينتقل وإن أمضياه تبينا أنه انتقل ولنا أنه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه, كما لو لم يشترط الخيار وإن كان المال زكائيا انقطع الحول ببيعه لزوال ملكه عنه فإن استرده أو رد عليه استأنف حولا لأنه ملك متجدد حدث بعد زواله, فوجب أن يستأنف له حولا كما لو كان البيع مطلقا من غير خيار وهكذا الحكم لو فسخا البيع في مدة المجلس بخياره لا يمنع نقل الملك أيضا فهو كخيار الشرط ولو مضى الحول في مدة الخيار ثم فسخا البيع, كانت زكاته على المشتري لأنه ملكه وإن قلنا بالرواية الأخرى لم ينقطع الحول ببيعه لأن ملك البائع لم يزل عنه ولو حال الحول عليه في مدة الخيار كانت زكاته على البائع فإن أخرجها من غيره, فالبيع بحاله وإن أخرجها منه بطل البيع في المخرج وهل يبطل في الباقي؟ على وجهين, بناء على تفريق الصفقة وإن لم يخرجها حتى سلمه إلى المشتري وانقضت مدة الخيار لزم البيع فيه وكان عليه الإخراج من غيره كما لو باع ما وجبت الزكاة فيه ولو اشترى عبدا فهل هلال شوال, ففطرته على المشتري وإن كان في مدة الخيار لأنه ملكه وعلى الرواية الأخرى, هي على البائع إن كان في مدة الخيار لأنه ملكه ولأنه في مدة الخيار.

  باب صدقة الفطر 

قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض وقال إسحاق: هو كالإجماع من أهل العلم وزعم ابن عبد البر أن بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود, يقولون: هي سنة مؤكدة وسائر العلماء على أنها واجبة لما روى ابن عمر (أن رسول الله - ﷺ- فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير, على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين) متفق عليه وللبخاري: (والصغير والكبير من المسلمين) وعنه ( أن رسول الله - ﷺ- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب متفق عليهما قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14]. : هو زكاة الفطر وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان وقال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة لأن الفطرة الخلقة, قال الله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30]. أي جبلته التي جبل الناس عليها وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس كما كانت الأولى صدقة عن المال وقال بعض أصحابنا: وهل تسمى فرضا مع القول بوجوبها؟ على روايتين والصحيح أنها فرض لقول ابن عمر: (فرض رسول الله - ﷺ- زكاة الفطر) ولإجماع العلماء على أنها فرض ولأن الفرض إن كان الواجب فهي واجبة وإن كان الواجب المتأكد فهي متأكدة مجمع عليها.

 مسألة: 

قال وزكاة الفطر على كل حر وعبد, ذكر وأنثى من المسلمين وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم مع الصغير والكبير, والذكورية والأنوثية في قول أهل العلم عامة وتجب على اليتيم, ويخرج عنه وليه من ماله لا نعلم أحدا خالف في هذا إلا محمد بن الحسن, قال ليس في مال الصغير من المسلمين صدقة وقال الحسن والشعبي: صدقة الفطر على من صام من الأحرار وعلى الرقيق وعموم قوله (فرض رسول الله - ﷺ- زكاة الفطر على كل حر وعبد, والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) يقتضي وجوبها على اليتيم ولأنه مسلم فوجبت فطرته كما لو كان له أب

 فصل: 

ولا تجب على كافر حرا كان أو عبدا ولا نعلم بينهم خلافا في الحر البالغ وقال إمامنا ومالك, والشافعي وأبو ثور: لا تجب على العبد أيضا ولا على الصغير ويروى عن عمر بن عبد العزيز, وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير, والنخعي والثوري وإسحاق, وأصحاب الرأي أن على السيد المسلم أن يخرج الفطرة عن عبده الذمي وقال أبو حنيفة: يخرج عن ابنه الصغير إذا ارتد وروي أن النبي - ﷺ- قال (أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير, يهودي أو نصراني أو مجوسي نصف صاع من بر) ولأن كل زكاة وجبت بسبب عبده المسلم وجبت بسبب عبده الكافر, كزكاة التجارة ولنا قول النبي - ﷺ- في حديث ابن عمر: (من المسلمين) وروى أبو داود عن ابن عباس, قال (فرض رسول الله - ﷺ- زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة, فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) إسناده حسن وحديثهم لا نعرفه, ولم يذكره أصحاب الدواوين وجامعو السنن وهذا قول ابن عباس يخالفه وهو راوي حديثهم وزكاة التجارة تجب عن القيمة ولذلك تجب في سائر الحيوانات وسائر الأموال, وهذه طهرة للبدن ولهذا اختص بها الآدميون بخلاف زكاة التجارة

 فصل: 

فإن كان لكافر عبد مسلم, وهل هلال شوال وهو في ملكه فحكي عن أحمد أن على الكافر إخراج صدقة الفطر عنه واختاره القاضي وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا تجب وهذا قول أكثرهم قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا صدقة على الذمي في عبده المسلم لقوله عليه السلام: (من المسلمين) ولأنه كافر فلا تجب عليه الفطرة كسائر الكفار ولأن الفطرة زكاة فلا تجب على الكافر كزكاة المال ولنا, أن العبد من أهل الطهرة فوجب أن تؤدي عنه الفطرة كما لو كان سيده مسلما, وقوله: (من المسلمين) يحتمل أن يراد به المؤدى عنه بدليل أنه لو كان للمسلم عبد كافر لم يجب فطرته ولأنه ذكر في الحديث كل عبد وصغير, وهذا يدل على أنه أراد المؤدى عنه لا المؤدى ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كالمذهبين.

 مسألة: 

قال: صاعا بصاع النبي - ﷺ- وهو خمسة أرطال وثلث وجملته أن الواجب في صدقة الفطر صاع عن كل إنسان لا يجزئ أقل من ذلك من جميع أجناس المخرج وبه قال مالك والشافعي, وإسحاق وروى ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية, وروى عن عثمان بن عفان وابن الزبير ومعاوية, أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس, ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير, وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي واختلفت الرواية عن علي, وابن عباس والشعبي فروى صاع, وروى نصف صاع وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان إحداهما صاع والأخرى نصف صاع واحتجوا بما روى ثعلبة بن صعير, عن أبيه عن النبي - ﷺ- أنه قال: (صاع من قمح بين كل اثنين) رواه أبو داود وعن عمرو بن شعيب عن أبيه, عن جده (أن النبي - ﷺ- بعث مناديا في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير, مدان من قمح أو سواها صاعا من طعام) قال الترمذي: هذا حديث صحيح حسن غريب وقال سعيد حدثنا هشيم عن عبد الخالق الشيباني قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: (كانت الصدقة تدفع على عهد رسول الله - ﷺ- وأبي بكر نصف صاع بر) وقال هشيم: أخبرني سفيان بن حسين, عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال (خطب رسول الله - ﷺ- ثم ذكر صدقة الفطر, فحض عليها وقال: نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير عن كل حر وعبد ذكر وأنثى) ولنا: ما روى أبو سعيد الخدري, قال: (كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله - ﷺ- صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية, المدينة فتكلم فكان مما كلم الناس: إني لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك) قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه وروى ابن عمر (أن النبي - ﷺ- فرض صدقة الفطر, صاعا من تمر أو صاعا من شعير قال فعدل الناس إلى نصف صاع من بر) متفق عليهما, ولأنه جنس يخرج في صدقة الفطر فكان قدره صاعا كسائر الأجناس وأحاديثهم لا تثبت عن النبي - ﷺ- قاله ابن المنذر وحديث ثعلبة تفرد به النعمان بن راشد قال البخاري: هو يهم كثيرا وهو صدوق في الأصل وقال مهنا: ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن أبي صعير, في صدقة الفطر نصف صاع من بر فقال: ليس بصحيح إنما هو مرسل يرويه معمر بن جريج, عن الزهري مرسلا قلت من قبل من هذا؟ قال من قبل النعمان بن راشد ليس هو بقوى في الحديث وضعف حديث ابن أبي صعير وسألته عن ابن أبي صعير أمعروف هو؟ قال: من يعرف ابن أبي صعير ليس هو بمعروف وذكر أحمد, وعلى بن المديني ابن أبي صعير فضعفاه جميعا وقال ابن عبد البر: ليس دون الزهري من يقوم به حجة ورواه أبو إسحاق الجوزجاني: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن النعمان, عن الزهري عن ثعلبة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ- : (أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح أو قال بر, عن كل إنسان صغير أو كبير) وهذا حجة لنا وإسناده حسن قال الجوزجاني: والنصف صاع ذكره عن النبي - ﷺ- وروايته ليس تثبت, ولأن فيما ذكرناه احتياطا للفرض ومعاضدة للقياس

 فصل: 

وقد دللنا على أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي فيما مضى والأصل فيه الكيل وإنما قدره العلماء بالوزن ليحفظ وينقل وقد روى جماعة عن أحمد, أنه قال: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة وقال حنبل قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبي ذؤيب وقال: هذا صاع النبي - ﷺ- الذي يعرف بالمدينة قال أبو عبد الله: فأخذنا العدس فعيرنا به وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال به لأنه لا يتجافي عن موضعه, فكلنا به ثم وزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث وقال هذا أصلح ما وقفنا عليه, وما تبين لنا من صاع النبي - ﷺ- وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثا من البر والعدس وهما من أثقل الحبوب فما عداهما من أجناس الفطرة أخف منهما, فإذا أخرج منهما خمسة أرطال وثلثا فهي أكثر من صاع وقال محمد بن الحسن: إن أخرج خمسة أرطال وثلثا برا لم يجزه لأن البر يختلف, فيكون فيه الثقيل والخفيف وقال الطحاوي: يخرج خمسة أرطال مما سواء كيله ووزنه وهو الزبيب والماش ومقتضى كلامه أنه إذا أخرج ثمانية أرطال مما هو أثقل منها لم يجزئه حتى يزيد شيئا, يعلم أنه قد بلغ صاعا والأولى لمن أخرج من الثقيل بالوزن أن يحتاط فيزيد شيئا يعلم به أنه لمن أخرج صاعا بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم مد وسبع, والسبع أوقية وخمسة أسباع أوقية وقدر ذلك بالدراهم ستمائة درهم ويجزئ إخراج رطل بالدمشقي من جميع الأجناس لأنه أكبر من الصاع وقد رأيت مدا ذكر لنا أنه مد النبي - ﷺ- فقدر المد الدمشقي به, فكان المد الدمشقي قريبا من خمسة أمداد

 مسألة: 

قال: من كل حبة وثمرة تقتات يعني عند عدم الأجناس المنصوص عليها يجزئه كل مقتات من الحبوب والثمار وظاهر هذا أنه لا يجزئه المقتات من غيرها كاللحم واللبن وقال أبو بكر يعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يقتاته, كالذرة والدخن ولحوم الحيتان والأنعام ولا يردون إلى أقرب قوت الأمصار

 مسألة: 

قال وإن أعطى أهل البادية الأقط صاعا, أجزأ إذا كان قوتهم أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية روى ذلك عن ابن الزبير وبه قال سعيد بن المسيب, والحسن ومالك والشافعي, وابن المنذر وأصحاب الرأي وقال عطاء والزهري, وربيعة: لا صدقة عليهم ولنا عموم الحديث ولأنها زكاة, فوجبت عليهم كزكاة المال ولأنهم مسلمون فيجب عليهم صدقة الفطر كغيرهم إذا ثبت هذا, فإنه يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه فأما من وجد سواه فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما يجزئه أيضا لحديث أبي سعيد الذي ذكرناه وفي بعض ألفاظه قال (فرض رسول الله - ﷺ- صدقة الفطر صاعا من طعام, أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط) أخرجه النسائي والثانية لا يجزئه لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه, فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم ويحمل الحديث على من هو قوت له أو لم يقدر على غيره فإن قدر على غيره مع كونه قوتا له, فظاهر كلام الخرقي جواز إخراجه وإن قدر على غيره سواء كان من أهل البادية أو لم يكن لأن الحديث لم يفرق وقول أبي سعيد: كنا نخرج صاعا من أقط وهم من أهل الأمصار وإنما خص أهل البادية بالذكر لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم وقال أبو الخطاب: لا يجزئ إخراج الأقط مع القدرة على ما سواه في إحدى الروايتين وظاهر الحديث يدل على خلافه وذكر القاضي أنه إذا عدم الأقط, وقلنا له إخراجه جاز إخراج اللبن لأنه أكمل من الأقط لأنه يجيء منه الأقط وغيره وحكاه أبو ثور, عن الشافعي وقال الحسن: إن لم يكن بر ولا شعير أخرج صاعا من لبن وظاهر قول الخرقي يقتضي أنه لا يجزئ اللبن بحال لقوله: من كل حبة أو ثمرة تقتات وقد حملنا ذلك على حالة العدم ولا يصح ما ذكروه لأنه لو كان أكمل من الأقط لجاز إخراجه مع وجوده ولأن الأقط أكمل من اللبن من وجه لأنه بلغ حالة الادخار وهو جامد, بخلاف اللبن لكن يكون حكم اللبن حكم اللحم يجزئ إخراجه عند عدم الأصناف المنصوص عليها على قول ابن حامد, ومن وافقه وكذلك الجبن وما أشبهه

 مسألة: 

قال: واختيار أبي عبد الله إخراج التمر وبهذا قال مالك قال ابن المنذر: واستحب مالك إخراج العجوة منه واختار الشافعي وأبو عبيد إخراج البر وقال بعض أصحاب الشافعي: يحتمل أن يكون الشافعي قال ذلك لأن البر كان أغلى في وقته ومكانه لأن المستحب أن يخرج أغلاها ثمنا وأنفسها لقول النبي - ﷺ- وقد سئل عن أفضل الرقاب, فقال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداء بأصحاب رسول الله - ﷺ- واتباعا له وروى بإسناده عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: (إن رسول الله - ﷺ- قال إن الله قد أوسع, والبر أفضل من التمر) قال: إن أصحابي سلكوا طريقا وأنا أحب أن أسلكه وظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر فأحب ابن عمر موافقتهم وسلوك طريقتهم, وأحب أحمد أيضا الاقتداء بهم واتباعهم وروى البخاري عن ابن عمر, أنه قال: (فرض رسول الله - ﷺ- صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير فعدل الناس به صاعا من بر) فكان ابن عمر يخرج التمر, فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرا ولأن التمر فيه قوة وحلاوة وهو أقرب تناولا وأقل كلفة فكان أولى

 فصل: 

والأفضل بعد التمر البر وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب لأنه أقرب تناولا وأقل كلفة فأشبه التمر ولنا, أن البر أنفع في الاقتيات وأبلغ في دفع حاجة الفقير وكذلك قال أبو مجلز لابن عمر: البر أفضل من التمر يعني أنفع وأكثر قيمة ولم ينكره ابن عمر وإنما عدل عنه اتباعا لأصحابه وسلوكا لطريقتهم ولهذا عدل نصف صاع منه بصاع من غيره وقال معاوية: إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من التمر فأخذ الناس به, وتفضيل التمر إنما كان لاتباع الصحابة ففيما عداه يبقى على مقتضى الدليل في تفضيل البر ويحتمل أن يكون الأفضل بعد التمر ما كان أعلى قيمة وأكثر نفعا

 مسألة: 

قال: ومن قدر على التمر أو الزبيب, أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يجزه ظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف, مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن وقال أبو بكر: يتوجه قول آخر أنه يعطي ما قام مقام الخمسة على ظاهر الحديث صاعا من طعام والطعام قد يكون البر والشعير وما دخل في الكيل قال وكلا القولين محتمل, وأقيسهما أنه لا يجوز غير الخمسة إلا أن يعدمها فيعطي ما قام مقامها وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل, أدى الرجل زكاة الفطر منه واختلف أصحابه فمنهم من قال بقول مالك ومنهم من قال: الاعتبار بغالب قوت المخرج ثم إن عدل عن الواجب إلى أعلى منه, جاز وإن عدل إلى دونه ففيه قولان أحدهما, يجوز لقوله عليه السلام (اغنوهم عن الطلب) والغنى يحصل بالقوت والثاني لا يجوز لأنه عدل عن الواجب إلى أدنى منه فلم يجزئه, كما لو عدل عن الواجب في زكاة المال إلى أدنى منه ولنا أن النبي - ﷺ- فرض صدقة الفطر أجناسا معدودة فلم يجز العدول عنها, كما لو أخرج القيمة وذلك لأن ذكر الأجناس بعد ذكره الفرض تفسير للمفروض فما أضيف إلى المفسر يتعلق بالتفسير فتكون هذه الأجناس مفروضة فيتعين الإخراج منها, ولأنه إذا أخرج غيرها عدل عن المنصوص عليه فلم يجز كإخراج القيمة, وكما لو أخرج عن زكاة المال من غير جنسه والإغناء يحصل بالإخراج من المنصوص عليه فلا منافاة بين الخبرين لكونهما جميعا يدلان على وجوب الإغناء بأداء أحد الأجناس المفروضة.

 فصل: 

والسلت نوع من الشعير, فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه وقد صرح بذكره في بعض ألفاظ حديث ابن عمر قال (كان الناس يخرجون صدقة الفطر في عهد رسول الله - ﷺ- صاعا من شعير أو صاعا من أقط, أو صاعا من سلت) وعن أبي سعيد قال (لم نخرج على عهد رسول الله - ﷺ- إلا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من دقيق أو صاعا من أقط, أو صاعا من سلت) قال: ثم شك فيه سفيان بعد فقال (دقيق أو سلت) رواهما النسائي.

 فصل: 

ويجوز إخراج الدقيق نص عليه أحمد وكذلك السويق قال أحمد: وقد روي عن ابن سيرين سويق أو دقيق وقال مالك, والشافعي: لا يجزئ إخراجهما لحديث ابن عمر ولأن منافعه نقصت فهو كالخبز ولنا: حديث أبي سعيد وقوله فيه: (أو صاعا من دقيق) ولأن الدقيق والسويق أجزاء الحب بحتا يمكن كيله وادخاره فجاز إخراجه, كما قبل الطحن وذلك لأن الطحن إنما فرق أجزاءه وكفى الفقير مؤنته, فأشبه ما لو نزع نوى التمر ثم أخرجه ويفارق الخبز والهريسة والكبولا لأن مع أجزاء الحب فيها من غيره وقد خرج عن حال الادخار والكيل والمأمور به صاع, وهو مكيل وحديث ابن عمر لم يقتض ما ذكروه ولم يعملوا به.

 فصل: 

ولا يجوز إخراج الخبز لأنه خرج عن الكيل والادخار ولا الهريسة والكبولا وأشباههما لذلك, ولا الخل ولا الدبس لأنهما ليسا قوتا ولا يجوز أن يخرج حبا معيبا كالمسوس والمبلول, ولا قديما تغير طعمه لقول الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267]. فإن كان القديم لم يتغير طعمه إلا أن الحديث أكثر قيمة منه, جاز إخراجه لعدم العيب فيه والأفضل إخراج الأجود قال أحمد: كان ابن سيرين يحب أن ينقي الطعام وهو أحب إلى ليكون على الكمال, ويسلم مما يخالطه من غيره فإن كان المخالط له يأخذ حظا من المكيال وكان كثيرا بحيث يعد عيبا فيه لم يجزئه, وإن لم يكثر جاز إخراجه إذا زاد على الصاع قدرا يزيد على ما فيه من غيره حتى يكون المخرج صاعا كاملا

 فصل: 

ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز وإن لم يكن قوتا له, وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد وذكرنا قول الشافعي ولنا: أن خبر الصدقة ورد بحرف التخيير بين هذه الأصناف فوجب التخيير فيه ولأنه عدل إلى منصوص عليه, فجاز كما لو عدل إلى الأعلى والغنى يحصل بدفع قوت من الأجناس, ويدل على ما ذكرنا أنه خير بين التمر والزبيب والأقط قوتا لأهل المدينة فدل على أنه لا يعتبر أن يكون قوتا للمخرج.

 مسألة: 

قال: ( ومن أعطى القيمة, لم تجزئه ) قال أبو داود قيل لأحمد وأنا أسمع: أعطى دراهم - يعني في صدقة الفطر - قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله - ﷺ- وقال أبو طالب قال لي أحمد لا يعطي قيمته قيل له: قوم يقولون, عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة قال يدعون قول رسول الله - ﷺ- ويقولون قال فلان قال ابن عمر: فرض رسول الله - ﷺ- وقال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59]. وقال قوم يردون السنن: قال فلان, قال فلان وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات وبه قال مالك والشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز, والحسن وقد روى عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة وقال أبو داود: سئل أحمد, عن رجل باع ثمرة نخله قال: عشره على الذي باعه قيل له: فيخرج ثمرا أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرا وإن شاء أخرج من الثمن وهذا دليل على جواز إخراج القيم ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم, فإنه أيسر عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة وقال سعيد: حدثنا سفيان عن عمرو وعن طاوس, قال لما قدم معاذ اليمن قال: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين, بالمدينة قال: وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء, قال كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم ولأن المقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور الأموال ولنا قول ابن عمر: (فرض رسول الله - ﷺ- صدقة الفطر صاعا من تمر, وصاعا من شعير) فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض وقال النبي - ﷺ- : (في أربعين شاة شاة وفي مائتي درهم خمسة دراهم) وهو وارد بيانا لمجمل قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها والأمر يقتضي الوجوب ولأن النبي - ﷺ- فرض الصدقة على هذا الوجه وأمر بها أن تؤدى, ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال: (هذه الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ- وأمر بها أن تؤدي وكان فيه: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض فإن لم تكن بنت مخاض, فابن لبون ذكر) وهذا يدل على أنه أراد عينها لتسميته إياها وقوله: (فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر) ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز لأن خمسا وعشرين لا تخلو عن مالية بنت مخاض وكذلك قوله: فابن لبون ذكر فإنه لو أراد المالية للزمه مالية بنت مخاض, دون مالية ابن لبون وقد روى أبو داود وابن ماجه بإسنادهما, عن (معاذ أن النبي - ﷺ- بعثه إلى اليمن فقال خذ الحب من الحب, والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقر من البقر) ولأن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير وشكرا لنعمة المال, والحاجات متنوعة فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به, ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص فلم يجزئه كما لو أخرج الرديء مكان الجيد, وحديث معاذ الذي رووه في الجزية بدليل أن النبي - ﷺ- أمره بتفريق الصدقة في فقرائهم, ولم يأمره بحملها إلى المدينة وفي حديثه هذا: فإنه أنفع للمهاجرين بالمدينة.

 مسألة: 

قال: ويخرجها إذا خرج إلى المصلى المستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر قبل الصلاة لأن النبي - ﷺ- أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر وفي حديث ابن عباس: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) فإن أخرها عن الصلاة ترك الأفضل, لما ذكرنا من السنة ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم فمتى أخرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه, لا سيما في وقت الصلاة ومال إلى هذا القول عطاء ومالك, وموسى بن وردان وإسحاق وأصحاب الرأي وقال القاضي: إذا أخرجها في بقية اليوم لم يكن فعل مكروها لحصول الغناء بها في اليوم قال سعيد: حدثنا أبو معشر, عن نافع عن ابن عمر قال: أمرنا رسول الله - ﷺ- أن نخرج وذكر الحديث قال: فكان يؤمر أن يخرج قبل أن يصلي, فإذا انصرف رسول الله - ﷺ- قسمه بينهم وقال: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم وقد ذكرنا من الخبر والمعنى ما يقتضي الكراهة فإن أخرها عن يوم العيد أثم ولزمه القضاء وحكى عن ابن سيرين والنخعي, الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد وروى محمد بن يحيى الكحال قال: قلت لأبي عبد الله: فإن أخرج الزكاة ولم يعطها قال: نعم, إذا أعدها لقوم وحكاه ابن المنذر عن أحمد واتباع السنة أولى. فصل: فأما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان فمن تزوج أو ملك عبدا, أو ولد له ولد أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه الفطرة وإن كان بعد الغروب لم تلزمه ولو كان حين الوجوب معسرا, ثم أيسر في ليلته تلك أو في يومه لم يجب عليه شيء ولو كان في وقت الوجوب موسرا ثم أعسر, لم تسقط عنه اعتبارا بحالة الوجوب ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر نص عليه أحمد وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوري وإسحاق, ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي, في أحد قوليه وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك لأنها قربة تتعلق بالعيد, فلم يتقدم وجوبها يوم العيد وهو رواية عن مالك كالأضحية ولنا قول ابن عباس: (إن النبي - ﷺ- فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث) ولأنها تضاف إلى الفطر فكانت واجبة به كزكاة المال, وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص والسبب أخص بحكمه من غيره والأضحية لا تعلق لها بطلوع الفجر ولا هي واجبة ولا تشبه ما نحن فيه فعلى هذا إذا غربت الشمس, والعبد المبيع في مدة الخيار أو وهب له عبد فقبله ولم يقبضه أو اشتراه ولم يقبضه, فالفطرة على المشتري والمتهب لأن الملك له والفطرة على المالك ولو أوصى له بعبد ومات الموصي قبل غروب الشمس فلم يقبل الموصى له حتى غابت, فالفطرة عليه في أحد الوجهين والآخر على ورثة الموصي, بناء على الوجهين في الموصى به هل ينتقل بالموت أو من حين القبول؟ ولو مات الموصى له قبل الرد وقبل القبول فقبل ورثته وقلنا بصحة قبولهم, فهل تكون فطرته على ورثة الموصي أو في تركة الموصى له؟ وجهين وقال القاضي: فطرته في تركة الموصى له لأننا حكمنا بانتقال الملك من حين القبول ولو مات قبل الرد وقبل القبول فإن كان موته بعد هلال شوال, ففطرة العبد في تركته لأن الورثة إنما قبلوه له وإن كان موته قبل هلال شوال ففطرته على الورثة ولو أوصى لرجل برقبة عبد ولآخر بمنفعته, فقبلا كانت الفطرة على مالك الرقبة لأن الفطرة تجب بالرقبة لا بالمنفعة ولهذا تجب على من لا نفع فيه ويحتمل أن يكون حكمها حكم نفقته وفيها ثلاثة أوجه أحدها, أنها على مالك نفعه والثاني: على مالك رقبته والثالث: في كسبه.

 مسألة: 

قال وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه وجملته أنه يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر, كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها, كزكاة المال بعد ملك النصاب ولنا ما روى الجوزجاني: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع, عن ابن عمر قال كان رسول الله - ﷺ- يأمر به فيقسم - قال يزيد أظن: هذا يوم الفطر - ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم " والأمر للوجوب, ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب, والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر, قال: (فرض رسول الله - ﷺ- صدقة الفطر من رمضان وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها, فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه ولأنها زكاة, فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال والله أعلم

 مسألة: 

قال: ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله, إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته عيال الإنسان: من يعوله أي يمونه فتلزمه فطرتهم كما تلزمه مؤنتهم إذا وجد ما يؤدي عنهم لحديث ابن عمر (أن رسول الله - ﷺ- فرض صدقة الفطر, عن كل صغير وكبير حر وعبد ممن تمونون) والذي يلزم الإنسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف: الزوجات, والعبيد والأقارب فأما الزوجات فعليه فطرتهن وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة, والثوري وابن المنذر: لا تجب عليه فطرة امرأته وعلى المرأة فطرة نفسها لقول النبي - ﷺ- (صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى) ولأنها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها ولنا, الخبر ولأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة, كالملك والقرابة بخلاف زكاة المال فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة فإن كان لامرأته من يخدمها بأجرة, فليس على الزوج فطرته لأن الواجب الأجر دون النفقة وإن كان لها نظرت فإن كانت ممن لا يجب لها خادم فليس عليه نفقة خادمها, ولا فطرته وإن كانت ممن يخدم مثلها فعلى الزوج أن يخدمها, ثم هو مخير بين أن يشتري لها خادما أو يستأجر أو ينفق على خادمها فإن اشترى لها خادما أو اختار الإنفاق على خادمها فعليه فطرته, وإن استأجر لها خادما فليس عليه نفقته ولا فطرته سواء شرط عليه مؤنته أو لم يشرط لأن المؤنة إذا كانت أجرة فهي من مال المستأجر وإن تبرع بالإنفاق على من لا تلزمه نفقته فحكمه حكم من تبرع بالإنفاق على أجنبي, وسنذكره - إن شاء الله تعالى- وإن نشزت المرأة في وقت الوجوب ففطرتها على نفسها دون زوجها لأن نفقتها لا تلزمه واختار أبو الخطاب أن عليه فطرتها لأن الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها كالمريضة التي لا تحتاج إلى نفقة والأول: أصح لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته كالأجنبية, وفارق المريضة لأن عدم الإنفاق عليها لعدم الحاجة لا لخلل في المقتضى لها فلا يمنع ذلك من ثبوت تبعها, بخلاف الناشز وكذلك كل امرأة لا يلزمه نفقتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم إليه والصغيرة التي لا يمكن الاستمتاع بها, فإنه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها لأنها ليست ممن يمون.

 فصل: 

وأما العبيد فإن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم لا نعلم فيه خلافا وإن كانوا للتجارة فعليه أيضا فطرتهم وبهذا قال مالك, والليث والأوزاعي والشافعي, وإسحاق وابن المنذر وقال عطاء والنخعي, والثوري وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم لأنها زكاة ولا تجب في مال واحد زكاتان وقد وجبت فيهم زكاة التجارة, فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى كالسائمة إذا كانت للتجارة ولنا عموم الأحاديث وقول ابن عمر: (فرض رسول الله - ﷺ- زكاة الفطر على الحر والعبد) وفي حديث عمرو بن شعيب: (ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم, ذكر أو أنثى حر أو عبد صغير أو كبير) ولأن نفقتهم واجبة فوجبت فطرتهم, كعبيد القنية أو نقول مسلم تجب مؤنته فوجبت فطرته كالأصل, وزكاة الفطرة تجب على البدن ولهذا تجب على الأحرار وزكاة التجارة تجب عن القيمة, وهي المال بخلاف السوم والتجارة فإنهما يجبان بسبب مال واحد متى كان عبيد التجارة في يد المضارب وجبت فطرتهم من مال المضاربة لأن مؤنتهم منها وحكى ابن المنذر عن الشافعي, أنها على رب المال ولنا أن الفطرة تابعة للنفقة وهي من مال المضاربة, فكذلك الفطرة.

 فصل: 

وتجب فطرة العبد الحاضر والغائب الذي تعلم حياته والآبق والصغير والكبير, والمرهون والمغصوب قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن على المرء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر غير المكاتب والمغصوب, والآبق وعبيد التجارة فأما الغائب فعليه فطرته إذا علم أنه حي, سواء رجا رجعته أو أيس منها وسواء كان مطلقا أو محبوسا كالأسير وغيره قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تؤدى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم وحاضرهم لأنه مالك لهم, فوجبت فطرتهم عليه كالحاضرين وممن أوجب فطرة الآبق الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأوجبها الزهري إذا علم مكانه والأوزاعي إن كان في دار الإسلام ومالك إن كانت غيبته قريبة ولم يوجبها عطاء, والثوري وأصحاب الرأي لأنه لا يلزمه الإنفاق عليه فلا تجب فطرته كالمرأة الناشز ولنا, أنه مال له فوجبت زكاته في حال غيبته كمال التجارة ويحتمل أن لا يلزمه إخراج زكاته حتى يرجع إلى يده كزكاة الدين والمغصوب ذكره ابن عقيل ووجه القول الأول, أن زكاة الفطر تجب تابعة للنفقة والنفقة تجب مع الغيبة بدليل أن من رد الآبق رجع بنفقته وأما من شك في حياته منهم وانقطعت أخباره, لم تجب فطرته نص عليه في رواية صالح لأنه لا يعلم بقاء ملكه عليه, ولو أعتقه في كفارته لم يجزئه فلم تجب فطرته كالميت فإن مضت عليه سنون ثم علم حياته, لزمه الإخراج لما مضى لأنه بان له وجود سبب الوجوب في الزمن الماضي فوجب عليه الإخراج لما مضى كما لو سمع بهلاك ماله الغائب, ثم بان أنه كان سالما والحكم في القريب الغائب كالحكم في البعيد لأنهم ممن تجب فطرتهم مع الحضور فكذلك مع الغيبة كالعبيد ويحتمل أن لا تجب فطرتهم مع الغيبة لأنه لا يلزمه بعث نفقتهم إليهم, ولا يرجعون بالنفقة الماضية

 فصل: 

فأما عبيد عبيده فإن قلنا إن العبد لا يملكهم بالتمليك فالفطرة على السيد لأنهم ملكه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقول أبي الزناد, ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وإن قلنا يملك بالتمليك, فقد قيل: لا تجب فطرتهم على أحد لأن السيد لا يملكهم وملك العبد ناقص والصحيح وجوب فطرتهم لأن فطرتهم تتبع النفقة ونفقتهم واجبة فكذلك فطرتهم ولا يعتبر في وجوبها كمال الملك, بدليل وجوبها على المكاتب عن نفسه وعبيده مع نقص ملكه.

 فصل: 

وأما زوجة العبد فذكر أصحابنا المتأخرون أن فطرتها على نفسها إن كانت حرة وعلى سيدها إن كانت أمة وقياس المذهب عندي وجوب فطرتها على سيد العبد لوجوب نفقتها عليه, ألا ترى أنه تجب عليه فطرة خادم امرأته مع أنه لا يملكها لوجوب نفقتها وقد قال النبي - ﷺ- : (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون) وهذه ممن يمونون وقد ذكر أصحابنا أنه لو تبرع بمؤنة شخص, لزمته فطرته فمن تجب عليه أولى وهكذا لو زوج الابن أباه وكان ممن تجب عليه نفقته ونفقة امرأته, فعليه فطرتهما والله أعلم

 فصل: 

وإن تبرع بمؤنة إنسان في شهر رمضان فأكثر أصحابنا يختارون وجوب الفطرة عليه وقد نص عليه أحمد, في رواية أبي داود في من ضم إلى نفسه يتيمة يؤدي عنها وذلك لقوله عليه السلام: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون) وهذا ممن يمونون ولأنه شخص ينفق عليه, فلزمته فطرته كعبده واختار أبو الخطاب لا تلزمه فطرته لأنه لا تلزمه مؤنته فلم تلزمه فطرته كما لو لم يمنه وهذا قول أكثر أهل العلم, وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى- وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب لا على الإيجاب والحديث محمول على من تلزمه مؤنته, لا على حقيقة المؤنة بدليل أنه تلزمه فطرة الآبق ولم يمنه ولو ملك عبدا عند غروب الشمس, أو تزوج أو ولد له ولد لزمته فطرتهم لوجوب مؤنتهم عليه, وإن لم يمنهم ولو باع عبده أو طلق امرأته أو ماتا, أو مات ولده لم تلزمه فطرتهم وإن مانهم ولأن قوله: ( ممن تمونون ) فعل مضارع, فيقتضي الحال أو الاستقبال دون الماضي ومن مانه في رمضان إنما وجدت مؤنته في الماضي فلا يدخل في الخبر, ولو دخل فيه لاقتضى وجوب الفطرة على من مانه ليلة واحدة وليس في الخبر ما يقيده بالشهر ولا بغيره فالتقييد بمؤنة الشهر تحكم فعلى هذا القول تكون فطرة هذا المختلف فيه على نفسه, كما لو لم يمنه وعلى قول أصحابنا المعتبر الإنفاق في جميع الشهر وقال ابن عقيل: قياس مذهبنا أنه إذا مانه آخر ليلة وجبت فطرته قياسا على من ملك عبدا عند غروب الشمس وإذا مانه جماعة في الشهر كله, أو مانه إنسان بعض الشهر فعلى قياس قول ابن عقيل هذا تكون فطرته على من مانه آخر ليلة وعلى قول غيره يحتمل أن لا تجب فطرته على أحد ممن مانه لأن سبب الوجوب المؤنة في جميع الشهر ولم يوجد ويحتمل أن تجب على الجميع فطرة واحدة بالحصص لأنهم اشتركوا في سبب الوجوب, فأشبه ما لو اشتركوا في ملك عبد.

 مسألة: 

قال إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته وجملة ذلك أن صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها ولا يعتبر في وجوبها نصاب وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي, وعطاء وابن سيرين والزهري, ومالك وابن المبارك والشافعي, وأبو ثور وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله - ﷺ- : (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) والفقير لا غنى له فلا تجب عليه ولأنه تحل له الصدقة, فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها ولنا ما روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه أن رسول الله - ﷺ- قال: (أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح أو قال: بر عن كل إنسان, صغير أو كبير حر أو مملوك غني أو فقير, ذكر أو أنثى أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى) وفي رواية أبي داود: (صاع من بر أو قمح عن كل اثنين) ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال فلا يعتبر وجوب النصاب فيه كالكفارة, ولا يمتنع أن يؤخذ منه ويعطى لمن وجب عليه العشر والذي قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه, وحديثهم محمول على زكاة المال.

فصل:  

فإن لم يفضل إلا بعض صاع فهل يلزمه إخراجه؟ على روايتين إحداهما لا يلزمه اختارها ابن عقيل لأنها طهرة فلا تجب على من لا يملك جميعها كالكفارة والثانية يلزمه إخراجه لقول النبي - ﷺ- : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولأنها طهرة, فوجب منها ما قدر عليه كالطهارة بالماء ولأن الجزء من الصاع يخرج عن العبد المشترك, فجاز أن يخرج عن غيره كالصاع

 فصل: 

وإن أعسر بفطرة زوجته فعليها فطرة نفسها أو على سيدها إن كانت مملوكة لأنها تتحمل إذا كان ثم متحمل, فإذا لم يكن عاد إليها كالنفقة ويحتمل أن لا يجب عليها شيء لأنها لم تجب على من وجد سبب الوجوب في حقه لعسرته فلم تجب على غيره, كفطرة نفسه وتفارق النفقة فإن وجوبها آكد لأنها مما لا بد منه وتجب على المعسر, والعاجز ويرجع عليها بها عند يساره والفطرة بخلافها.

 فصل: 

ومن وجبت فطرته على غيره, كالمرأة والنسيب الفقير إذا أخرج عن نفسه بإذن من تجب عليه صح بغير خلاف نعلمه لأنه نائب عنه وإن أخرج بغير إذنه, ففيه وجهان أحدهما يجزئه لأنه أخرج فطرته فأجزأه كالتي وجبت عليه والثاني: لا يجزئه لأنه أدى ما وجب على غيره بغير إذنه فلم يصح, كما لو أدى عن غيره.

 فصل: 

ومن له دار يحتاج إليها لسكناها أو إلى أجرها لنفقته أو ثياب بذلة له, أو لمن تلزمه مؤنته أو رقيق يحتاج إلى خدمتهم هو أو من يمونه أو بهائم يحتاجون إلى ركوبها والانتفاع بها في حوائجهم الأصلية أو سائمة يحتاج إلى نمائها كذلك, أو بضاعة يختل ربحها الذي يحتاج إليه بإخراج الفطرة منها فلا فطرة عليه كذلك لأن هذا مما تتعلق به حاجته الأصلية فلم يلزمه بيعه, كمؤنة نفسه ومن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحفظ منها لا يلزمه بيعها والمرأة إذا كان لها حلي للبس أو لكراء يحتاج إليه لم يلزمها بيعه في الفطرة وما فضل من ذلك عن حوائجه الأصلية, وأمكن بيعه وصرفه في الفطرة وجبت الفطرة به لأنه أمكن أداؤها من غير ضرر أصلي أشبه ما لو ملك من الطعام ما يؤديه فاضلا عن حاجته.

 مسألة: 

قال وليس عليه في مكاتبه زكاة وعلى المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر وممن قال: لا تجب فطرة المكاتب على سيده, أبو سلمة بن عبد الرحمن والثوري والشافعي, وأصحاب الرأي وأوجبها على السيد عطاء ومالك وابن المنذر لأنه عبد, فأشبه سائر عبيده ولنا قوله عليه السلام: " ممن تمونون " وهذا لا يمونه ولأنه لا تلزمه مؤنته فلم تلزمه فطرته, كالأجنبي وبهذا فارق سائر عبيده إذا ثبت هذا فإن على المكاتب فطرة نفسه, وفطرة من تلزمه مؤنته كزوجته ورقيقه وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجب عليه لأنه ناقص الملك, فلم تجب عليه الفطرة كالقن ولأنها زكاة فلم تجب عليه كزكاة المال ولنا, أن النبي - ﷺ- فرض صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى وهذا عبد ولا يخلو من كونه ذكرا أو أنثى ولأنه يلزمه نفقة نفسه, فلزمته فطرتها كالحر الموسر ويفارق زكاة المال لأنها يعتبر لها الغنى والنصاب والحول ولا يحملها أحد عن غيره بخلاف الفطرة.

 فصل: 

وتلزم المكاتب فطرة من يمونه كالحر لدخولهم في عموم قوله عليه السلام: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون)

 مسألة: 

قال: وإذا ملك جماعة عبدا أخرج كل واحد منهم صاعا, وعن أبي عبد الله رواية أخرى صاعا عن الجميع وجملة ذلك أن فطرة العبد المشترك واجبة على مواليه وبهذا قال مالك ومحمد بن سلمة, وعبد الملك والشافعي ومحمد بن الحسن, وأبو ثور وقال الحسن وعكرمة والثوري, وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا فطرة على واحد منهم لأنه ليس عليه لأحد منهم ولاية تامة أشبه المكاتب ولنا, عموم الأحاديث ولأنه عبد مسلم مملوك لمن يقدر على الفطرة وهو من أهلها فلزمته لمملوك الواحد, وفارق المكاتب فإنه لا تلزم سيده مؤنته ولأن المكاتب يخرج عن نفسه زكاة الفطر, بخلاف القن والولاية غير معتبرة في وجوب الفطرة بدليل عبد الصبي, ثم إن ولايته للجميع فتكون فطرته عليهم واختلفت الرواية في قدر الواجب على كل واحد منهم ففي إحداهما على كل واحد صاع لأنها طهرة فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء, ككفارة القتل والثانية على الجميع صاع واحد على كل واحد منهم بقدر ملكه فيه وهذا الظاهر عن أحمد قال فوران: رجع أحمد عن هذه المسألة وقال: يعطى كل واحد منهم نصف صاع يعني رجع عن إيجاب صاع كامل على كل واحد وهذا قول سائر من أوجب فطرته على سادته لأن النبي - ﷺ- أوجب صاعا على كل واحد وهذا عام في المشترك وغيره, ولأن نفقته تقسم عليهم فكذلك فطرته التابعة لها ولأنه شخص واحد, فلم تجب عنه صيعان كسائر الناس ولأنها طهرة فوجبت على سادته بالحصص كماء الغسل من الجنابة إذا احتيج إليه, وبهذا ينتقض ما ذكرناه للرواية الأولى

فصل: ومن بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال مالك: على الحر بحصته, وليس على العبد شيء ولنا أنه عبد مسلم تلزم فطرته شخصين من أهل الفطرة فكانت فطرته عليهما كالمشترك, ثم هل يلزم كل واحد منهما صاع أو بالحصص؟ ينبني على ما ذكرنا في العبد المشترك فإن كان أحدهما معسرا فلا شيء عليه وعلى الآخر بقدر الواجب عليه, ولو كان بين العبد وبين السيد مهايأة أو كان المشتركون في العبد قد تهايئوا عليه لم تدخل الفطرة في المهايأة لأن المهايأة معاوضة كسب بكسب والفطرة حق لله تعالى فلا تدخل في ذلك, كالصلاة.

فصل: ولو ألحقت القافة ولدا برجلين أو أكثر فالحكم في فطرته كالحكم في العبد المشترك ولو أن شخصا حرا له قريبان فأكثر عليهم نفقته بينهم كانت فطرته عليهم, كالعبد المشترك على ما ذكر فيه.

مسألة: قال ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطى صدقة الأموال إنما كانت كذلك لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات, ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60]. الآية ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه ولا يجوز دفعها إلى ذمي وبهذا قال مالك, والليث والشافعي وأبو ثور, وقال أبو حنيفة: يجوز وعن عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمداني, أنهم كانوا يعطون منها الرهبان ولنا أنها زكاة فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين, كزكاة المال ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن لا يجزئ أن يعطي من زكاة المال أحد من أهل الذمة.

فصل: ويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله ولا يعطي منها غنيا, ولا ذا قربى ولا أحدا ممن منع أخذ زكاة المال ويجوز صرفها في الأصناف الثمانية لأنها صدقة فأشبهت صدقة المال. فصل: جواز أخذ الصدقة ممن له نصاب من الماشية والزرع وردها عليه إذا لم يكن له قدر كفايته وإن دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها, أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السهمان فعادت إلى إنسان صدقته, فاختار القاضي جواز ذلك قال: لأن أحمد قد نص في من له نصاب من الماشية والزرع أن الصدقة تؤخذ منه, وترد عليه إذا لم يكن له قدر كفايته وهو مذهب الشافعي ولأن قبض الإمام أو المستحق أزال ملك المخرج, وعادت إليه بسبب آخر فجاز كما لو عادت بميراث وقال أبو بكر: مذهب أحمد أنه لا يحل له أخذها لأنها طهرة له فلم يجز له أخذها كشرائها (ولأن عمر ـ رضي الله عنه ـ أراد أن يشتري الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله فقال له النبي - ﷺ- : لا تشترها ولا تعد في صدقتك, فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه) فأما إن اشتراها لم يجز له ذلك للخبر وإن ورثها فله أخذها لأنها رجعت إليه بغير فعل منه.

مسألة: قال: ويجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد لا نعلم فيه خلافا لأنه صرف صدقته إلى مستحقها فبرئ منها كما لو دفعها إلى واحد وأما إعطاء الواحد صدقة الجماعة فإن الشافعي ومن وافقه, أوجبوا تفرقة الصدقة على ستة أصناف ودفع حصة كل صنف إلى ثلاثة منهم على ما ذكرناه قبل هذا وقد ذكرنا الدليل عليه, ولأنها صدقة لغير معين فجاز صرفها إلى واحد كالتطوع وبهذا قال مالك وأبو ثور, وابن المنذر وأصحاب الرأي.

مسألة: قال: ومن أخرج عن الجنين فحسن وكان عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ يخرج عن الجنين المذهب أن الفطرة غير واجبة على الجنين وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجبون على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه وعن أحمد, رواية أخرى أنها تجب عليه لأنه آدمي تصح الوصية له وبه ويرث فيدخل في عموم الأخبار, ويقاس على المولود ولنا أنه جنين فلم تتعلق الزكاة به كأجنة البهائم ولأنه لم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط أن يخرج حيا إذا ثبت هذا فإنه يستحب إخراجها عنه لأن عثمان كان يخرجها عنه, ولأنها صدقة عمن لا تجب عليه فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع

مسألة: قال: ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين مثله, لزمه أن يخرج إلا أن يكون مطالبا بالدين فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه إنما لم يمنع الدين الفطرة لأنها آكد وجوبا بدليل وجوبها على الفقير, وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ولا تتعلق بقدر من المال فجرت مجرى النفقة ولأن زكاة المال تجب بالملك, والدين يؤثر في الملك فأثر فيها وهذه تجب على البدن, والدين لا يؤثر فيه وتسقط الفطرة عند المطالبة بالدين لوجوب أدائه عند المطالبة, وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالإعسار وكونه أسبق سببا وأقدم وجوبا يأثم بتأخيره فإنه يسقط غير الفطرة, وإن لم يطالب به لأن تأثير المطالبة إنما هو في إلزام الأداء وتحريم التأخير.

فصل: وإن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها أخرجت من تركته فإن كان عليه دين وله مال يفي بهما قضيا جميعا, وإن لم يف بهما قسم بين الدين والصدقة بالحصص نص عليه أحمد في زكاة المال أن التركة تقسم بينهما, وكذا ها هنا فإن كان عليه زكاة مال وصدقة فطر ودين فزكاة الفطر والمال كالشيء الواحد لاتحاد مصرفهما فيحاصان الدين, وأصل هذا أن حق الله سبحانه وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد, فكانا في الذمة أو كانا في العين تساويا في الاستيفاء

فصل: وإذا مات المفلس, وله عبيد فهل شوال قبل قسمتهم بين الغرماء ففطرتهم على الورثة لأن الدين لا يمنع نقل التركة, بل غايته أن يكون رهنا بالدين وفطرة الرهن على مالكه. فصول في صدقة التطوع:

فصل: وهي مستحبة في جميع الأوقات لقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245]. وأمر بالصدقة في آيات كثيرة وحث عليها ورغب فيها وروى أبو صالح, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ- (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله تعالى يقبلها بيمينه, ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه وصدقة السر أفضل من صدقة العلانية لقول الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم, ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271]. وروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ- أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) متفق عليه وروي عن النبي - ﷺ- : (أن صدقة السر تطفئ غضب الرب) ويستحب الإكثار منها في أوقات الحاجات, لقول الله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد: 14]. وفي شهر رمضان لأن الحسنات تضاعف فيه ولأن فيه إعانة على أداء الصوم المفروض ومن فطر صائما كان له مثل أجره وتستحب الصدقة على ذي القرابة لقول الله تعالى: {يتيما ذا مقربة} [البلد: 15]. وقال النبي - ﷺ- : (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان, صدقة وصلة) وهذا حديث حسن (وسألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رسول الله - ﷺ- هل ينفعها أن تضع صدقتها في زوجها وبني أخ لها يتامى؟ قال: نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) رواه النسائي وتستحب الصدقة على من اشتدت حاجته, لقول الله تعالى: {أو مسكينًا ذا متربة} [البلد: 16].

فصل: والأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام لقول النبي - ﷺ- : (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) متفق عليه, فإن تصدق بما ينقص عن كفاية من تلزمه مؤنته ولا كسب له أثم لقول النبي - ﷺ- : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يمون) ولأن نفقة من يمونه واجبة, والتطوع نافلة وتقديم النفل على الفرض غير جائز فإن كان الرجل وحده أو كان لمن يمون كفايتهم فأراد الصدقة بجميع ماله وكان ذا مكسب, أو كان واثقا من نفسه يحسن التوكل والصبر على الفقر والتعفف عن المسألة, فحسن لأن النبي - ﷺ- (سئل عن أفضل الصدقة فقال: جهد من مقل إلى فقير في السر) وروي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: (أمرنا رسول الله - ﷺ- أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي, فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئته بنصف مالي فقال رسول الله - ﷺ- ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله, فأتاه أبو بكر بكل ما عنده فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله فقلت: لا أسابقك إلى شيء بعده أبدا) فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ لقوة يقينه وكمال إيمانه, وكان أيضا تاجرا ذا مكسب فإنه قال حين ولي: قد علم الناس أن كسبي لم يكن ليعجز عن مؤنة عيالي أو كما قال ـ رضي الله عنه ـ وإن لم يوجد في المتصدق أحد هذين كره لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: (كنا عند رسول الله - ﷺ- إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب, فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله - ﷺ- ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك, فأعرض عنه ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك, فأعرض عنه رسول الله - ﷺ- ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله - ﷺ- فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته, وقال رسول الله - ﷺ- : يأتي أحدكم بما يملك ويقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) فقد نبه النبي - ﷺ- على المعنى الذي كره من أجله الصدقة بجميع ماله وهو أن يستكف الناس, أي يتعرض لهم للصدقة أي يأخذها ببطن كفه يقال: تكفف واستكف إذا فعل ذلك وروى النسائي (أن النبي - ﷺ- أعطى رجلا ثوبين من الصدقة ثم حث على الصدقة, فطرح الرجل أحد ثوبيه فقال النبي - ﷺ- : ألم تروا إلى هذا دخل بهيئة بذة فأعطيته ثوبين, ثم قلت: تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهره) ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم, فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلا على الناس ويكره لمن لا صبر له على الإضافة أن ينقص نفسه من الكفاية التامة والله أعلم.