المغني - كتاب البيوع 2

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

فصل: وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع لأن عليه تقبيض المبيع للمشتري, والقبض لا يحصل إلا بذلك فكان على البائع كما أن على بائع الثمرة سقيها, وكذلك أجرة الذي يعد المعدودات وأما نقل المنقولات وما أشبهه فهو على المشتري لأنه لا يتعلق به حق توفية نص عليه أحمد.

 فصل: 
ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع, وبغير اختياره لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن لأن التسليم من مقتضيات العقد فمتى وجد بعده وقع موقعه, كقبض الثمن. 
 مسألة: 

قال: [ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه] قد ذكرنا الذي لا يحتاج إلى قبض والخلاف فيه وكل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه لم يجز بيعه حتى يقبضه لقول النبي - ﷺ -: (من ابتاع طعاما, فلا يبعه حتى يستوفيه) متفق عليه ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم, ولم أعلم بين أهل العلم خلافا إلا ما حكى عن البتى أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه وقال ابن عبد البر: وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام, وأظنه لم يبلغه هذا الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين, ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والحكم وحماد, والأوزاعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شيء قبل قبضه اختارها ابن عقيل وروى ذلك عن ابن عباس وهذا قول أبي حنيفة, والشافعي إلا أن أبا حنيفة أجاز بيع العقار قبل قبضه واحتجوا بنهي النبي - ﷺ - عن بيع الطعام قبل قبضه, وبما روى أبو داود (أن النبي - ﷺ - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم) وروى ابن ماجه (أن النبي - ﷺ - نهى عن شراء الصدقات حتى تقبض) وروى (أن النبي - ﷺ - لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال: انههم عن بيع ما لم يقبضوه وعن ربح ما لم يضمنوه) ولأنه لم يتم الملك عليه, فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل, والموزون ولنا ما روى ابن عمر قال: (كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم, فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيعها بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم, فسألنا النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء) وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه, وهو أحد العوضين وروى ابن عمر (أنه كان على بكر صعب - يعني لعمر - فقال النبي - ﷺ - لعمر: بعنيه فقال: هو لك يا رسول الله فقال النبي - ﷺ -: هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت) وهذا ظاهره التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه واشترى من جابر جمله ونقده ثمنه, ثم وهبه إياه قبل قبضه ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة فإنه يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض المنافع ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفية, فصح بيعه كالمال في يد مودعه أو مضاربه فأما أحاديثهم, فقد قيل: لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومه فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه, يدل على إباحة ذلك فيما سواه وقولهم: لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضي للملك متحقق, وأكثر ما فيه تخلف القبض واليد ليست شرطا في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع, والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة.

 فصل: 

وما لا يجوز بيعه قبل قبضه, لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه قال القاضي: ولو ابتاع شيئا مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له مطالبته, ولا أخذ بدله وإن تراضيا لأنه مبيع لم يقبض فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه وإن كان في سلم لم يجز أخذ البدل عنه لأنه أيضا لا يجوز بيعه.

 فصل: 

وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض, لم يجز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والأجرة وبدل الصلح, إذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود, وما لا ينفسخ العقد بهلاكه جاز التصرف فيه قبل قبضه كعوض الخلع, والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية, وقيمة المتلف لأن المطلق للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر, انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة والمهر كذلك عند القاضي, وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين: لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو نصفه بالطلاق, أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول وأما ما ملك بإرث أو وصية, أو غنيمة وتعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة, فهو كالمبيع المقبوض وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي, ولا أعلم عن غيرهم خلافهم وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة, أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها, لا يخشى انفساخ الملك فيها فجاز بيعها كالتي في يده وإن كان غصبا, جاز بيعه ممن هو في يده لأنه مقبوض معه فأشبه بيع العارية ممن هي في يده وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزا عن استنقاذه, أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له لأنه معجوز عن تسليمه إليه فأشبه بيع الآبق والشارد وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده, صح البيع لإمكان قبضه فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض, فأشبه ما لو باعه فرسا فشردت قبل تسليمها أو غائبا بالصفة, فعجز عن تسليمه.

 فصل: 

وإن كان لزيد على رجل طعام من سلم وعليه لعمرو مثل ذلك الطعام سلما فقال زيد لعمرو: اذهب فاقبض الطعام الذي لي من غريمي لنفسك ففعل, لم يصح لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل أن يقبضه وهل يصح لزيد؟ على روايتين إحداهما يصح لأنه أذن له في القبض فأشبه قبض وكيله والثانية, لا يصح لأنه لم يجعله نائبا له في القبض فلم يقع له بخلاف الوكيل فعلى الوجه الأول, يصير ملكا لزيد وعلى الثاني يكون باقيا على ملك المسلم إليه ولو قال زيد لعمرو: احضر اكتيالي منه لأقبضه لك ففعل, لم يصح وهل يكون قابضا لنفسه؟ على وجهين أولاهما أنه يكون قابضا لنفسه لأن قبض المسلم فيه قد وجد من مستحقه فصح القبض له, كما لو نوى القبض لنفسه فعلى هذا إذا قبضه لعمرو صح وإن قال: خذه بهذا الكيل الذي قد شاهدته فأخذه به, صح لأنه قد شاهد كيله وعلمه فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية وعنه لا يجزئ وهو مذهب الشافعي لأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا داخل فيه ولأنه قبضه بغير كيل, أشبه ما لو قبضه جزافا ولو قال زيد لعمرو: احضرنا حتى أكتاله لنفسي ثم تكتاله أنت وفعلا صح بغير إشكال وإن اكتاله زيد لنفسه, ثم أخذه عمرو بذلك الكيل الذي شاهده فعلى روايتين وإن تركه زيد في المكيال ودفعه إلى عمرو ليفرغه لنفسه, صح وكان ذلك قبضا صحيحا لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ولا معنى لابتداء الكيل ها هنا, إذ لا يحصل به زيادة علم وقال أصحاب الشافعي: لا يصح لنهي النبي - ﷺ- عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وهذا يمكن القول بموجبه وقبض المشتري له في المكيال جرى لصاعيه فيه ولو دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال: اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك على ففعل, لم يصح لأن دراهم زيد لا يكون عوضها لعمرو فإن اشترى الطعام بعينها أو في ذمته فهو كتصرف الفضولي على ما تبين وإن قال: اشتر لي بها طعامًا, ثم أقبضه لنفسك ففعل صح الشراء, ولم يصح القبض لنفسه على ما تقدم في مثل هذه الصورة وإن قال: اقبضه لنفسك ففعل جاز نص أحمد على نظير ذلك, وهكذا جميع المسائل التي تقدمت إذا حصل الطعام في يد عمرو لزيد فأذن له أن يقبض من نفسه وقال أصحاب الشافعي: لا يصح لأنه لا يجوز أن يكون قابضا لنفسه من نفسه ولنا, أنه يجوز أن يشتري لنفسه من مال ولده ويقبض لنفسه من نفسه وكذلك لو وهب لولده الصغير شيئا, جاز أن يقبل له من نفسه ويقبض منها فكذا ها هنا.

 فصل: 

وإن اشترى اثنان طعاما, فقبضاه ثم باع أحدهما للآخر نصيبه قبل أن يقتسماه احتمل أن لا يجوز ذلك وهو قول الحسن, وابن سيرين كرها أن يبيع الرجل من شريكه شيئا مما يكال أو يوزن قبل أن يقتسماه لأنه لم يقبض نصيبه منفردا, فأشبه غير المقبوض ويحتمل الجواز لأنه مقبوض لهما يجوز بيعه لأجنبي فجاز بيعه لشريكه, كسائر الأموال فإن تقاسماه وتفرقا ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي كاله, لم يجز كما لو اشترى من رجل طعاما فاكتاله وتفرقا, ثم باعه إياه بذلك الكيل وإن لم يتفرقا خرج على الروايتين اللتين تقدمتا.

 مسألة: 

قال: ( والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع ) وجملته أن ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه, ولا توليته ولا الحوالة به قبل قبضه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك: يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه لأنها تختص بمثل الثمن الأول, فجازت قبل القبض كالإقالة ولنا أن هذه أنواع بيع, فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه والتولية بيع جميعه بمثل ثمنه ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته, فأشبه البيع وفارق الإقالة فإنها فسخ للبيع فأشبهت الرد بالعيب وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة, ولا ما أشبه ذلك من التصرفات المفتقرة إلى القبض لأنه غير مقبوض فلا سبيل إلى إقباضه.

 فصل: 

وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان لأنهما نوعان من أنواع البيع وإنما اختصا بأسماء, كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء فإذا اشترى شيئا فقال له رجل: أشركنى في نصفه بنصف الثمن فقال: أشركتك صح وصار مشتركا بينهما وإن قال: ولني ما اشتريته بالثمن فقال: وليتك صح إذا كان الثمن معلوما لهما فإن جهله أحدهما, لم يصح كما لو باعه بالرقم ولو قال: أشركني فيه أو قال: الشركة فيه فقال: أشركتك أو قال: ولني ما اشتريت ولم يذكر الثمن صح إذا كان الثمن معلوما لأن الشركة تقتضي ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن, والتولية ابتياعه بمثل الثمن فإذا أطلق اسمه انصرف إليه كما لو قال: أقلني فقال: أقلتك وفي حديث عن زهرة بن معبد (أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق, فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: أشركنا فإن النبي - ﷺ - دعا لك بالبركة فيشركهم, فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل) ذكره البخاري ولو اشترى شيئا فقال له رجل: أشركني فأشركه انصرف إلى نصفه لأنها بإطلاقها تقتضى التسوية فإن اشترى اثنان عبدا فاشتركا فيه, فقال لهما رجل: أشركاني فيه فقالا: أشركناك احتمل أن يكون له النصف لأن اشتراكهما لو كان من كل واحد منهما منفردا كان له النصف فكذلك حال الاجتماع ويحتمل أن يكون له الثلث لأن الاشتراك يفيد التساوي ولا يحصل التساوي إلا بجعله بينهم أثلاثا وهذا أصح لأن إشراك الواحد إنما اقتضى النصف لحصول التسوية به وإن شركه كل واحد منهما منفردا, كان له النصف ولكل واحد منهما الربع وإن قال: أشركاني فيه فشركه أحدهما فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة الذي شركه وهو الربع, وعلى الآخر له السدس لأن طلب الشركة منهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما ليكون مساويا لهما فإذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه وإن قال له أحدهما: أشركناك انبني على تصرف الفضولي فإن قلنا: يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فهل يثبت له الملك في نصفه أو في ثلثه؟ على الوجهين ولو قال لأحدهما: أشركني في نصف هذا العبد فأشركه فإن قلنا: يقف على الإجازة من صاحبه, فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه وإلا فله نصف حصة الذي شركه وإن اشترى عبدا فلقيه رجل, فقال: أشركني في هذا العبد فقال: قد أشركتك فله نصفه فإن لقيه آخر فقال: أشركني في هذا العبد وكان عالما بشركة الأول فله ربع العبد وهو نصف حصة الذي شركه لأن طلبه للإشراك رجع إلى ما ملكه المشارك وهو النصف, فيكون بينهما وإن لم يعلم بشركة الأول فهو طالب لنصف العبد لاعتقاده أن العبد كله لهذا الذي طلب منه المشاركة فإذا قال له: أشركتك فيه احتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يصير له نصف العبد كله, ولا يبقى للذي شركه شيء لأنه طلب منه نصف العبد فأجابه إلى ذلك فصار كأنه قال له: بعني نصف هذا العبد فقال: بعتك وهذا قول القاضي الثاني, أن ينصرف قوله: أشركتك فيه إلى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فينفذ في نصف نصيبه, ويقف في الزائد على إجازة صاحبه على إحدى الروايتين لأن لفظ الشركة يقتضي بيع بعض نصيبه ومساواة المشتري له فلو باع جميع نصيبه لم يكن شركة, ولا يستحق فيه ما طلب منه والثالث: أن لا يكون للثاني إلا الربع بكل حال لأن الشركة إنما تثبت بقول البائع: أشركتك لأن ذلك هو الإيجاب الناقل للملك وهو عالم أنه ليس له إلا نصف العبد فينصرف إيجابه إلى نصف ملكه وعلى هذين الوجهين, لطالب الشركة الخيار لأنه إنما طلب النصف فلم يحصل له جميعه إلا أن نقول بوقوفه على الإجازة في الوجه الثاني, فيجيزه الآخر ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا لأنه طلب شراء النصف فأجيب في الربع فصار بمنزلة ما لو قال: بعني نصف هذا العبد, قال: بعتك ربعه.

 فصل: 

ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل: بعني نصف هذا القفيز فباعه, انصرف إلى النصف المقبوض كله لأن البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه وهو النصف المقبوض وإن قال: أشركني في هذا القفيز بنصف الثمن ففعل لم تصح الشركة, إلا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بقسطه من الثمن لأن الشركة تقتضي التسوية هكذا ذكره القاضي والصحيح - إن شاء الله تعالى- أنه تنصرف الشركة إلى النصف كله فيكون تابعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيكون ذلك من صور تفريق الصفقة, فلا يصح في الربع الذي ليس بمقبوض وهل يصح في المقبوض؟ على وجهين.

 فصل: 

فأما الحوالة فمعناه أن يكون على مشترى الطعام طعام من سلم أو من قرض مثل الذي اشتراه فيقول لغريمه: اذهب فاقبض الطعام الذي اشتريته لنفسك فلا يجوز ذلك لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل قبضه له وقد ذكرنا تفريع هذا في الفصل الذي قبل هذه المسألة.

 فصل: 

إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض, لم يجز أن يبيعه من غيره قبل قبضه لأنه غير قادر على تسليمه ويجوز بيعه ممن هو في ذمته في الصحيح من المذهب لحديث ابن عمر: كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدراهم فنأخذ مكانها الدنانير وهذا مذهب الشافعي وروى أنه لا يصح, كما لا يصح في السلم والأول أولى فإن اشتراه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه جاز ولا يتفرقا قبل القبض لأنه يكون بيع دين بدين فإن أعطاه معينا مما يشترط فيه التقابض, مثل أن أعطاه بدل الحنطة شعيرا جاز ولم يجز التفرق قبل القبض وإن أعطاه معينا لا يشترط فيه التقابض, جاز التفرق قبل القبض كما لو قال: بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك ويحتمل أن لا يجوز لأن المبيع في الذمة فلم يجز التفرق قبل القبض, كالسلم.

 فصل: 

وإذا قال رجل لغريمه: بعنى هذا على أن أقضيك دينك منه ففعل فالشرط باطل لأنه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء وهل يبطل البيع؟ ينبني على الشروط الفاسدة في البيع, هل تبطله؟ على روايتين وإن قال: اقضني حقي على أن أبيعك كذا وكذا فالشرط باطل والقضاء صحيح لأنه قبضه حقه وإن قال: اقضني أجود من مالي على أن أبيعك كذا وكذا فالقضاء والشرط باطلان, وعليه رد ما قبضه والمطالبة بماله.

 مسألة: 

قال: ( وليس كذلك الإقالة لأنها فسخ وعن أبي عبد الله الإقالة بيع ) اختلفت الرواية في الإقالة فعنه أنها فسخ وهو الصحيح, واختيار أبي بكر وهو مذهب الشافعي والثانية أنها بيع وهي مذهب مالك لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه, فلما كان الأول بيعا كذلك الثاني ولأنه نقل الملك بعوض على وجه التراضي, فكان بيعا كالأول وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما, بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه ويثبت حكم البيع في حق الشفيع, حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة ولنا أن الإقالة هي الدفع والإزالة يقال: أقالك الله عثرتك أي أزالها قال النبي - ﷺ-: (من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة) قال ابن المنذر: وفي إجماعهم (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الطعام قبل قبضه) مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه, دليل على أن الإقالة ليست بيعا ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعا كالإسقاط, ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعا لم تتقدر به ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا, كالرد بالعيب ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين كان فسخا في حق غيرهما كالرد بالبيع والفسخ بالخيار, ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والأصل اعتبار الحقائق.

 فصل: 

فإن قلنا: هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر: لا بد فيها من كيل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان, كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا أنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب, والتدليس والفسخ بالخيار أو اختلاف المتبايعين وفارق العدة, فإنها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسألتنا فإن قلنا: هي بيع لم يجز قبل القبض, فيما يعتبر فيه القبض لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا لأنها رفع للعقد وإزالة له, وليست بمعاوضة فأشبهت سائر الفسوخ ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث ولو كانت بيعا, استحقت بها الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كسائر أنواع البيع ولا يجوز إلا بمثل الثمن, سواء قلنا: هي فسخ أو بيع لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول وأقل منه إذا قلنا: إنها بيع كسائر البياعات فإن قلنا: لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول, فأقال بأقل منه أو أكثر لم تصح الإقالة وكان الملك باقيا للمشتري وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة, أنها تصح بالثمن الأول ويبطل الشرط لأن لفظ الإقالة اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه, فبطل وبقي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ ولنا, أنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فبطل كبيع درهم بدرهمين ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صاحبه, فإذا شرط زيادة أو نقصانا أخرج العقد عن مقصوده فبطل, كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه ويفارق سائر الفسوخ لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما بل يستقل به أحدهما فإذا شرط عليه شيء, لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وإن شرط لنفسه شيئا لم يلزمه أيضا لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص, فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الإقالة لعدم رضاه بها.

 مسألة: 

قال: [ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها] هذه المسألة تدل على حكمين أحدهما إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها, وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه قول ابن عمر: (كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) متفق عليه ولأنه معلوم بالرؤية, فصح بيعه كالثياب والحيوان ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فإن ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض, ولا يمكن بسطها حبة حبة ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكتفى برؤية ظاهره, بخلاف الثوب فإن نشره لا يشق ولم تختلف أجزاؤه, ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية وكذلك لو قال: بعتك نصف هذه الصبرة أو ثلثها, أو جزءا منها معلوما جاز لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة, فكذلك جزؤها قال ابن عقيل: ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء فإن كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية, لم يصح ويحتمل أن يصح لأنه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا وقال مالك: لا يجوز في الأثمان لأن لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا, أنه معلوم بالمشاهدة فأشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قاله أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم, وكذلك الثياب إذا نشرها ورأى جميع أجزائها الحكم الثاني أنه إذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز له بيعها حتى ينقلها نص عليه أحمد في رواية الأثرم, وعنه رواية أخرى له بيعها قبل نقلها اختارها القاضي وهو مذهب مالك لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية فأشبه الثوب الحاضر ولنا, قول ابن عمر: (إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) وعموم قوله عليه السلام: (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه) مع ما ذكرنا من الأخبار وروى الأثرم بإسناده عن عبيد بن حنين, قال: (قدم زيت من الشام فاشتريت منه أبعرة وفرغت من شرائها, فقام إلى رجل فأربحنى فيها ربحا فبسطت يدي لأبايعه فإذا رجل يأخذني من خلفي, فنظرت فإذا زيد بن ثابت فقال: لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك) فإذا تقرر هذا فإن قبضها نقلها كما جاء في الخبر, ولأن القبض لو لم يعين في الشرع لوجب رده إلى العرف كما قلنا في الإحياء والإحراز والعادة في قبض الصبرة النقل

 فصل: 

ولا يحل لبائع الصبرة أن يغشها بأن يجعلها على دكة, أو ربوة أو حجر ينقصها أو يجعل الرديء في باطنها أو المبلول, ونحو ذلك لما روى أبو هريرة (أن رسول الله - ﷺ - مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال: يا صاحب الطعام, ما هذا؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ ثم قال: من غشنا فليس منا) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح فإذا وجد ذلك ولم يكن المشتري علم به فله الخيار بين الفسخ, وأخذ تفاوت ما بينهما لأنه عيب وإن بان تحتها حفرة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها فلا خيار للمشتري لأنه زيادة له وإن علم البائع ذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة به وإن لم يكن علم, فله الفسخ كما لو باع بعشرين درهما فوزنها بصنجة ثم وجد الصنجة زائدة كان له الرجوع وكذلك لو باع بمكيال, ثم وجده زائدا ويحتمل أنه لا خيار له لأن الظاهر أنه باع ما يعلم فلا يثبت له الفسخ بالاحتمال.

 مسألة: 

قال: [ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة] نص أحمد على هذا, في مواضع وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد, وعكرمة وبه قال مالك وإسحاق وروى ذلك عن طاوس قال مالك: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك وعن أحمد أن هذا مكروه غير محرم, فإن بكر بن محمد روى عن أبيه أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله, وقلت له: إن مالكا يقول: إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن أحب أن يرد رده قال: هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله, إلا أن يخبره فإن باعه فهو جائز عليه, وقد أساء ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى ووجه الأول, ما روى الأوزاعي أن النبي - ﷺ- قال: (من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه). قال القاضي: وقد روى عن النبي - ﷺ- (أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله) والنهى يقتضي التحريم, وأيضا الإجماع الذي نقله مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير بالمشتري والغش له ولذلك أثر في عدم لزوم العقد, وقد قال عليه السلام: (من غشنا فليس منا) فصار كما لو دلس العيب فإن باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم أن البيع صحيح لازم وهو قول مالك والشافعي لأن المبيع معلوم لهما, ولا تغرير من أحدهما فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روى من النهي فيه, وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه لاختلاف العلماء فيه ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير وقال القاضي وأصحابه: هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك, فله الخيار في الفسخ والإمضاء وهذا قول مالك لأنه غش وغدر من البائع, فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.

 فصل: 

وإن أخبره البائع بكيله, ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض, وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافا فإن كان المبيع باقيا كاله عليه, فإن كان قدر حقه الذي أخبره به فقد استوفاه وإن كان زائدا رد الفضل, وإن كان ناقصا أخذ النقص وإن كان قد تلف فالقول قول القابض في قدره مع يمينه سواء كان النقص قليلا أو كثيرا لأن الأصل عدم القبض, وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لأن للبائع فيه علقة فإنه لو زاد كانت الزيادة له, ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزا, فتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل, ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لو كيل له والثاني, لا يجوز لأنه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض وإن قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافا فأما إن أعلمه بكيله, ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن سواء كان زائدا أو ناقصا, لم يجز لما روي الأثرم بإسناده عن الحكم قال: (قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله - ﷺ - فقال: اذهبوا بنا إلى عثمان, نعينه على طعامه فقام إلى جنبه فقال عثمان: في هذه الغرارة كذا وكذا وابتعتها بكذا وكذا فقال رسول الله - ﷺ - إذا سميت الكيل فكل) قال أحمد: إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منا فأخذ بذلك, ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله لعثمان: " إذا سميت الكيل فكل " قيل له: إنهم يقولون: إذا فتح فسد قال: فلم لا تفتحون واحدا وتزنون الباقي؟

 فصل: 

ولو كال طعاما وآخر ينظر إليه, فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان؟ على روايتين نص عليهما إحداهما لا يحتاج إلى كيل لأنه شاهد كيله, فأشبه ما لو كيل له والثانية يحتاج إلى كيل لأنه بيع فاحتاج إلى كيل للأخبار, والقياس على البيع الأول ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا في التي قبلها ولو اشترى اثنان طعاما, فاكتالاه ثم ابتاع أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فقال أحمد, في رواية حرب: إذا اشتريا غلة أو نحوها وحضراها جميعا وعرفا كيلها, فقال أحدهما لشريكه: بعني نصيبك وأربحك فهو جائز وإن لم يحضر هذا المشتري الكيل, فلا يجوز إلا بكيل قال ابن أبي موسى: وفيه رواية أخرى لا بد من كيله ووجهها ما تقدم قال القاضي: ومعنى الكيل في هذه المسائل أنه يرجع في قدره إلى قول القابض, إذا كان النقص يسيرا يقع مثله في الكيل فالقول قوله مع يمينه وإن كان لا يقع مثله في الكيل لم يقبل قوله لأنا نتحقق كذبه, بخلاف مسائل الفصل الذي قبله لأنه لم يكل بحضرته والظاهر أنه أراد بالكيل حقيقته دون ما ذكره القاضي وفائدة اعتبار الكيل ما ذكره القاضي وأنه لا يجوز للمشتري التصرف فيه, إلا ما ذكرنا في الفصل الذي قبله وإن باعه للثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يفتقر إلى كيل ثان, والقبض فيه بنقله كسائر الصبر.

 فصل: 

قال أحمد في رجل يشتري الجوز, فيعد في مكتل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك المعيار قال: لا يجوز وقال في رجل ابتاع أعكاما كيلا, وقال للبائع: كل لي عكما منها واحدا واحدا ما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها وقال الثوري: كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في العكوم يختلف فيكون في بعضها أكثر من بعض فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض, والجوز يختلف عدده فيكون في أحد المكتلين أكثر من الآخر فلا يصح تقديره بالكيل, كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل.

 مسألة: 

قال: [واذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم جاز] وجملة ذلك أنه إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم صح, وإن لم يعلما مقدار ذلك حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المبتاع برقمه ولنا, أن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو أن تكال الصبرة, ويقسط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه فجاز, كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة لكل ثلاثة عشر درهما درهم فإنه لا يعلم في الحال, وإنما يعلم بالحساب كذا ها هنا ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع, فصح كالأصل المذكور وقد روى عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه آجر نفسه كل دلو بتمرة وجاء النبي - ﷺ - بالتمر.

 فصل: 

ولو قال: بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال: عشرة أقفزة وهما يعلمان أنهما أكثر من ذلك صح وحكي عن داود, أنه لا يصح لأنه غير مشاهد ولا موصوف ولنا أن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها, وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح, فإنه إذا شاهد الجملة فقد شاهد المبيع لأنه بعضها.

 فصل: 

وإن قال: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن " من " للتبعيض, و " كل "ے للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولا ويحتمل أن يصح البيع كما يصح في الإجارة, كل دلو بتمرة وإن قال: بعتك هذه الصبرة الأخرى بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا أو أنقصك قفيزا لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه, ولو قال: على أن أزيدك قفيزا لم يجز لأن القفيز مجهول ولو قال: أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك هذه, وقفيزا من هذه الأخرى بعشرة دراهم وإن قال: على أن أنقصك قفيزا لم يصح لأن معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا, كل قفيز بدرهم وشيء مجهول ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة لأخرى لم يصح لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم, والشيء لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان ولو قصد إني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها وإن كانت الصبرة معلوما قدر قفزانها لهما أو قال: هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم, على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفير وعشر قفيز بدرهم وإن لم يعلم القفيز أو جعله هبة لم يصح وإن أراد إني لا أحسب عليك بثمن قفيز منها, صح أيضا لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن ولو قال: على أن أنقصك قفيزا صح لأن معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم وكل قفيز بدرهم وتسع وحكي عن أبي بكر, أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لأنه يجيز الشرط الواحد ولا يصح هذا لأن المبيع مجهول فلا يصح بيعه, بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة.

 فصل: 

ولو باع ما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم ففيه نحو من مسائل الصبر وإن قال: بعتك هذه الأرض, أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع, بألف صح إذا كان مشاهدا أو قال: بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه, بكذا صح أيضا فإن قال: بعتكه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وإن لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة, وإن قال: بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لم يصح لأنه مجهول وإن باعه شاة من القطيع لم يصح لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فيفضي ذلك إلى التنازع, بخلاف القفيز من الصبرة فإنه يصح لأن أجزاءها متساوية وإن باعه ذراعا من الدار أو عشرة أذرع منها, يريدان بذلك قدرا غير مشاع لم يصح كذلك وإن أرادا مشاعا منها وهما يعلمان عدد ذرعانها صح وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا يصح لأن الذراع عبارة عن بقعة بعينها, وموضعه مجهول ولنا أن عشرة من مائة عشرها ولو قال: بعتك عشرها صح فكذلك إذا قال: بعتك عشرة من مائة وما ذكروه غير مسلم بل هو عبارة عن قدر, كما أن المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزءا منها وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع لم يصح البيع وإن كانا لا يعلمان ذرعان الدار, لم يصح لأن الجملة غير معلومة وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة وإن قال: بعتك من الدار من ها هنا إلى ها هنا جاز لأنه معلوم وإن قال: عشرة أذرع ابتداؤها من ها هنا إلى ها هنا إلى حيث ينتهي الذراع لم يصح لأن الذرع يختلف, والموضع الذي ينتهي إليه لا يعلم حال العقد ولو قال: بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه منها أو قال: نصيبا منها أو سهما لم يصح لأنه مجهول وإن علما ذلك صح وإن قال: بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لأنه لا يدري إلى أين ينتهي, فيكون مجهولا.

 فصل: 

ولو باعه عبدا من عبدين أو أكثر لم يصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا باعه عبدا من عيدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لأن الحاجة تدعو إليه وإن كانوا أكثر, لم يصح لأنه يكثر الغرر ولنا أن ما تختلف أجزاؤه وقيمته لا يجوز شراء بعضه غير معين ولا مشاعا كالأربعة وما لا يصح بغير شرط الخيار, لا يصح بشرطه كالأربعة ولا حاجة إلى هذا, فإن الاختيار يمكن قبل العقد ثم ما قالوه يبطل بالأربعة.

 فصل: 

وحكم الثوب حكم الأرض إلا أنه إذا قال: بعتك من هذا الثوب, من هذا الموضع إلى هذا الموضع صح فإن كان مما لا ينقصه القطع قطعاه وإن كان مما ينقصه القطع, وشرط البائع أن يقطعه له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه, كما يشتركان في الأرض وقال القاضي: لا يصح لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر فأشبه ما لو باعه نصفا معينا من الحيوان ولنا, أن التسليم ممكن ولحوق الضرر لا يمنع التسليم إذا رضيه البائع كما لو باعه نصفا من الحيوان مشاعا, وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا يمكنه تسليمه مفردا إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية.

 فصل: 

إذا قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر, ففيه روايتان إحداهما البيع باطل لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة, ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا والثانية, البيع صحيح والزيادة للبائع لأن ذلك نقص على المشتري فلا يمنع صحة البيع كالعيب, ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيرا, وإن أبى تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة, والبائع شريك له بالذراع وهل للبائع خيار الفسخ؟ على وجهين أحدهما له الفسخ لأن عليه ضررا في المشاركة والثاني لا خيار له لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن فإذا وصل إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة, فلا يستحق بها الفسخ ولأن هذا الضرر حصل بتغريره وإخباره بخلاف غيره, فلا ينبغي أن يتسلط به على فسخ عقد المشتري فإن بذلها البائع للمشتري بثمن أو طلبها المشتري بثمن لم يلزم الآخر القبول لأنها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما, فلا يجبر واحد منهما عليه وإن تراضيا على ذلك جاز فإن بان تسعة, ففيه روايتان إحداهما يبطل البيع لما تقدم والثانية البيع صحيح, والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن وقال أصحاب الشافعي: ليس له إمساكه إلا بكل الثمن أو الفسخ بناء على قولهم: إن المعيب ليس لمشتريه إلا الفسخ أو إمساكه بكل الثمن ولنا أنه وجد المبيع ناقصا في القدر فكان له إمساكه بقسطه من الثمن, كالصبرة إذا اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين وسنبين أن المعيب له إمساكه وأخذ أرشه, فإن أخذها بقسطها من الثمن فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين الفسخ لأنه إنما رضي ببيعها بهذا الثمن كله وإذا لم يصل إليه كان له الفسخ فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ لأنه وصل إليه الثمن الذي رضيه, فأشبه ما لو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن. فصل: وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أحد عشر رد الزائد, ولا خيار له ها هنا لأنه لا ضرر في الزيادة وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن وقد ذكرنا فيما تقدم أنه متى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل, فإذا كالها فوجدها قدر حقه أخذها وإن كانت زائدة رد الزيادة وإن كانت ناقصة, أخذها بقسطها من الثمن وهل له الفسخ إذا وجدها ناقصة؟ على وجهين أحدهما له الخيار وهو مذهب الشافعي لأنه وجد المبيع ناقصا, فكان له الفسخ كغير الصبرة وكنقصان الصفة الثاني, لا خيار له لأن نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره.

 فصل: 

إذا باع الأدهان في ظرفها جملة وقد شاهدها, جاز لأن أجزاءها لا تختلف فهو كالصبرة وكذلك الحكم في العسل والدبس, والخل وسائر المائعات التي لا تختلف وإن باعه كل رطل بدرهم أو باعه رطلا منها, أو أرطالا معلومة يعلم أن فيها أكثر منها أو باعة جزءا مشاعا أو أجزاء أو باعه إياه مع الظرف بعشرة دراهم, أو بثمن معلوم جاز وإن باعه السمن والظرف كل رطل بدرهم, وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما صح لأنه قد علم المبيع والثمن فإن لم يعلما ذلك جاز أيضا لأنه قد رضي أن يشتري الظرف, كل رطل بدرهم وما فيه كذلك فأشبه ما لو اشترى ظرفين في أحدهما سمن في الآخر زيت, كل رطل بدرهم وقال القاضي: لا يصح لأن وزن الظرف يزيد وينقص فيدخل على غرر والأول أصح لأن بيع كل واحد منهما متفردا يصح لذلك فكذلك إذا جمعهما كالأرض المختلفة الأجزاء, والثياب وغيرها وأما إن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف فيحتسب عليه بوزنه, ولا يكون مبيعا وهما يعلمان زنة كل واحد منهما صح لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطلا, كان معناه: بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهما وإن كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن لم يصح لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن في الحال وسواء جهلا زنتهما جميعا أو زنة أحدهما لذلك.

  باب المصراة, وغير ذلك: 

التصرية: جمع اللبن في الضرع يقال: صري الشاة وصري اللبن في ضرع الشاة بالتشديد والتخفيف ويقال: صري الماء في الحوض, وصري الطعام في فيه وصرى الماء في ظهره إذا ترك الجماع وأنشد أبو عبيدة: رأت غلاما قد صرى في فقرته ** ماء الشباب عنفوان شرته وماء صري وصر, إذا طال استنقاعه قال البخاري: أصل التصرية حبس الماء يقال: صريت الماء ويقال للمصراة: المحفلة وهو من الجمع أيضا ومنه سميت مجامع الناس محافل والتصرية حرام إذا أراد بذلك التدليس على المشتري لقول النبي - ﷺ - : (لا تصروا) وقوله: (من غشنا فليس منا) وروى ابن ماجه, في سننه عن النبي - ﷺ - أنه قال: (بيع المحفلات خلابة, ولا تحل الخلابة لمسلم) رواه ابن عبد البر: (ولا يحل خلابة لمسلم).

 مسألة: 

قال: [وإذا اشترى مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار بين أن يقبلها أو يردها وصاعا من تمر] الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة, الأول أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام لم يعلم تصريتها, ثم علم فله الخيار في الرد والإمساك روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو يوسف وعامة أهل العلم وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له لأن ذلك ليس بعيب بدليل أنه لو لم تكن مصراة, فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار كما لو علفها فانتفخ بطنها, فظن المشتري أنها حامل ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ -, أنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر) متفق عليه وروى ابن عمر, عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا) رواه أبو داود ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فوجب به الرد, كما لو كانت شمطاء فسود شعرها وقياسهم يبطل بتسويد الشعر فإن بياضه ليس بعيب كالكبر, وإذا دلسه ثبت له الخيار وأما انتفاخ البطن فقد يكون من الأكل والشرب, فلا معنى لحمله على الحمل وعلى أن هذا القياس يخالف النص واتباع قول رسول الله - ﷺ - أولى إذا تقرر هذا, فإنما يثبت الخيار بشرط أن لا يكون المشتري عالما بالتصرية فإن كان عالما لم يثبت له الخيار وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه للخبر, ولأن انقطاع اللبن لم يوجد وقد يبقى على حاله فلم يجعل ذلك رضي, كما لو تزوجت عنينا ثم طلبت الفسخ ولنا أنه اشتراها عالما بالتدليس, فلم يكن له خيار كما لو اشترى من سود شعرها عالما بذلك ولأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد, كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد لا يعلق عليه حكم, والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة واستمر على كثرته لم يكن له الرد وقال أصحاب الشافعي له الرد, في أحد الوجهين للخبر ولأن التدليس كان موجودا حال العقد فأثبت الرد, كما لو نقص اللبن ولنا أن الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن ولم يوجد, فامتنع الرد ولأن العيب لم يوجد ولم تختلف صفة المبيع عن حالة العقد, فلم يثبت التدليس ولأن الخيار ثبت لدفع الضرر ولم يوجد ضرر.

 الفصل الثاني: 

أنه إذا رد, لزمه رد بدل اللبن وهذا قول كل من جوز ردها وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر, كما في الحديث الصحيح الذي أوردناه وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وذهب مالك وبعض الشافعية, إلى أن الواجب صاع من غالب قوت البلد لأن في بعض الحديث: "ورد معها صاعا من طعام" وفي بعضها: "ورد معها مثلي أو ميلي لبنها قمحا" فجمع بين الأحاديث وجعل تنصيصه على التمر لأنه غالب قوت البلد في المدينة, ونص على القمح لأنه غالب قوت بلد آخر وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات, وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وحكي عن زفر أنه يرد صاعا من تمر أو نصف صاع من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة ولنا الحديث الصحيح الذي أوردناه, وهو المعتمد عليه في هذه المسألة وقد نص فيه على التمر فقال: (إن شاء ردها وصاعا من تمر) وفي لفظ للبخاري: (من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر) وفي لفظ لمسلم, رواه ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: (ورد صاعا من تمر لا سمراء) وفي لفظ له: (طعاما لا سمراء) يعني لا يرد قمحا والمراد بالطعام ها هنا التمر لأنه مطلق في أحد الحديثين, مقيد في الآخر في قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد وحديث ابن عمر مطرح الظاهر بالاتفاق إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا ثم قد شك فيه الراوي, وخالفته الأحاديث الصحاح فلا يعول عليه وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يلتفت إليه ولا يبعد أن يقدر الشرع, بدل هذا المتلف قطعا للخصومة ودفعا للتنازع, كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن فلذلك أوجبه, لوجوه ثلاثة: أحدها أن القيمة هي الأثمان لا التمر الثاني أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم جميعا صاعا من تمر, مع اختلاف لبنها الثالث أن لفظه للعموم فيتناول كل مصراة, ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا وإن أمكن أن يكون كذلك فيتعين إيجاب الصاع لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها فلا يجوز أن يعدل عنها, وإذ قد ثبت هذا فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدا غير معيب لأنه واجب بإطلاق الشارع, فينصرف إلى ما ذكرناه كالصاع الواجب في الفطرة ولا يحب أن يكون من الأجود بل يجوز أن يكن من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة الشاة, أو أقل أو أكثر نص عليه أحمد وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل لأن التمر بدل اللبن, قدره الشرع به كما قدر في يدي العبد قيمته وفي يديه ورجليه قيمته مرتين, مع بقاء العبد على ملك سيده وإن عدم التمر في موضعه فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد لأنه بمثابة عين أتلفها فيجب عليه قيمتها.

 فصل: 

وإن علم بالتصرية قبل حلبها, مثل أن أقر به البائع أو شهد به من تقبل شهادته فله ردها, ولا شيء معها لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: (من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها, وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر) ولم يأخذ لها لبنا ها هنا فلم يلزمه رد شيء معها وهذا قول مالك قال ابن عبد البر: هذا ما لا خلاف فيه وأما لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها, رد لبنها ولا يلزمه أيضا بشيء لأن المبيع إذا كان موجودا فرده لم يلزمه بدله فإن أبي البائع قبوله, وطلب التمر لم يكن له ذلك إذا كان بحاله لم يتغير وقيل: لا يلزمه قبوله لظاهر الخبر, ولأنه قد نقص بالحلب وكونه في الضرع أحفظ له ولنا أنه قدر على رد المبدل, فلم يلزمه البدل كسائر المبدلات مع أبدالها والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن لقوله: (ففي حلبتها صاع من تمر) ولما ذكرنا من المعنى وقولهم إن الضرع أحفظ له لا يصح لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام وبقاؤه يضر بالحيوان وإن كان اللبن قد تغير, ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه قبوله وهذا قول مالك للخبر ولأنه قد نقص بالحموضة, أشبه ما لو أتلفه والثاني يلزمه قبوله لأن النقص حصل بإسلام المبيع وبتغرير البائع, وتسليطه على حلبه فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة.

 فصل: 

وإذا رضي بالتصرية فأمسكها, ثم وجد بها عيبا آخر ردها به لأن رضاه بعيب لا يمنع الرد بعيب آخر كما لو اشترى أعرج, فرضي بعيبه ثم أصاب به برصا وإذا رد لزمه صاع من تمر عوض اللبن لأنه قد جعل عوضا له فيما إذا ردها بالتصرية فيكون عوضا له مطلقا.

 فصل: 

ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها, ثم وجد بها عيبا فله الرد ثم إن لم يكن في ضرعها لبن حال العقد, فلا شيء عليه لأن ما حدث من اللبن بعد العقد يحدث على ملك المشتري وإن كان فيه لبن حال العقد إلا أنه شيء لا يخلو الضرع من مثله في العادة, فلا شيء فيه لأن مثل هذا لا عبرة به ولا قيمة له في العادة فهو تابع لما حدث, وإن كان كثيرا وكان قائما بحاله فهل له رده؟ يبني على رد لبن التصرية, وقد سبق فإن قلنا: ليس له رده كان بقاؤه كتلفه وهل له أن يرد المبيع؟ يخرج على الروايتين فيما إذا اشترى شيئا فتلف منه جزء أو تعيب والأشهر في المذهب أنه يرده فعلى هذا يلزمه رد مثل اللبن لأنه من ذوات الأمثال والأصل ضمان ما كان من المثليات بمثله, إلا أنه خولف في لبن التصرية بالنص ففيما عداه يبقى على الأصل ولأصحاب الشافعي, في هذا الفصل نحو مما ذكرنا.

  الفصل الثالث في الخيار: 

اختلف أصحابنا في مدته فقال القاضي: هو مقدر بثلاثة أيام ليس له الرد قبل مضيها, ولا إمساكها بعدها فإن أمسكها بعد ذلك لم يكن له الرد قال: وهو ظاهر كلام أحمد وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن أبا هريرة روى, أن النبي - ﷺ- قال: (من اشترى مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها, ورد معها صاعا من تمر) رواه مسلم قالوا: فهذه الثلاثة قدرها الشارع لمعرفة التصرية فإنها لا تعرف قبل مضيها لأنها في اليوم الأول لبنها لبن التصرية وفي الثاني يجوز أن يكون لبنها نقص لتغير المكان واختلاف العلف وكذلك في الثالث, فإذا مضت الثلاثة استبانت التصرية وثبت الخيار على الفور ولا يثبت قبل انقضائها وقال أبو الخطاب: عندي متى ثبتت التصرية, جاز له الرد قبل الثلاثة وبعدها لأنه تدليس يثبت الخيار فملك الرد به إذا تبينه, كسائر التدليس وهذا قول بعض المدنيين فعلى هذا يكون فائدة التقدير في الخبر بالثلاثة لأن الظاهر أنه لا يحصل العلم إلا بها فاعتبرها لحصول العلم ظاهرا فإن حصل العلم بها, أو لم يحصل بها فالاعتبار به دونها كما في سائر التدليس وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم التصرية, ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها وهذا قول ابن المنذر وأبي حامد من أصحاب الشافعي وحكاه عن الشافعي نصا لظاهر حديث رسول الله - ﷺ - فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة كلها وعلى قول القاضي لا يثبت الخيار في شيء منها وإنما يثبت عقيبها وقول أبي الخطاب يسوي بين الأيام الثلاثة وبين غيرها, والعمل بالخبر أولى والقياس ما قال أبو الخطاب لأن الحكم كذلك في العيوب وسائر التدليس.

 مسألة: 

قال: [وسواء كان المشتري ناقة أو بقرة أو شاة] جمهور أهل العلم, على أنه لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة وشذ داود فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة لأن الحديث: (لا تصروا الإبل والغنم) فدل على أن ما عداهما بخلافهما, ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص والقياس لا تثبت به الأحكام ولنا عموم قوله: (من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام) وفي حديث ابن عمر (من ابتاع محفلة) ولم يفصل ولأنه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام, أشبه الإبل والغنم والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر لأن لبنها أغزر وأكثر نفعا وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع ثم هو ها هنا ثبت بالتنبيه وهو حجة عند الجميع.

 فصل: 

إذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد, فردهن رد مع كل مصراة صاعا وبهذا قال الشافعي وبعض أصحاب مالك وقال بعضهم: في الجميع صاع واحد لأن رسول الله - ﷺ - قال: (من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها, وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر) ولنا عموم قوله: (من اشترى مصراة و من اشترى محفلة) وهذا يتناول الواحدة ولأن ما جعل عوضا عن الشيء في صفقتين وجب إذا كان في صفقة واحدة, كأرش العيب وأما الحديث فإن الضمير يعود إلى الواحدة.

 فصل: 

فإن اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام كالأمة والأتان والفرس, ففيه وجهان أحدهما يثبت له الخيار, اختاره ابن عقيل وهو ظاهر مذهب الشافعي لعموم قوله: (من اشترى مصراة و من اشترى محفلة) ولأنه تصرية بما يختلف الثمن به فأثبت الخيار, كتصرية بهيمة الأنعام وذلك أن لبن الآدمية يراد للرضاع ويرغب فيها ظئرا ويحسن ثديها, ولذلك لو اشترط كثرة لبنها فبان بخلافه ملك الفسخ, ولو لم يكن مقصودا لما ثبت باشتراطه ولا ملك الفسخ بعدمه ولأن الأتان والفرس يرادان لولدهما والثاني: لا يثبت به الخيار لأن لبنها لا يعتاض عنه في العادة ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام, والخبر ورد في بهيمة الأنعام ولا يصح القياس عليه لأن قصد لبن بهيمة الأنعام أكثر واللفظ العام أريد به الخاص بدليل أنه أمر في ردها بصاع من تمر, ولا يجب في لبن غيرها ولأنه ورد عاما وخاصا في قضية واحدة فيحمل العام على الخاص, ويكون المراد بالعام في أحد الحديثين الخاص في الحديث الآخر وعلى الوجه الأول إذا ردها لم يلزم بدل لبنها ولا يرد معها شيئا لأن هذا اللبن لا يباع عادة, ولا يعاوض عنه.

 فصل: 

وكل تدليس يختلف الثمن لأجله مثل أن يسود شعر الجارية أو يجعده, أو يحمر وجهها أو يضمر الماء على الرحا ويرسله عند عرضها على المشتري, يثبت الخيار لأنه تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فأثبت الخيار كالتصرية وبهذا قال الشافعي ووافق أبو حنيفة في تسويد الشعر وقال في تجعيده: لا يثبت به الخيار لأنه تدليس بما ليس بعيب, أشبه ما لو سود أنامل العبد ليظنه كاتبا أو حدادا ولنا أنه تدليس بما يختلف به الثمن, أشبه تسويد الشعر وأما تسويد الأنامل فليس بمختص بكونه كاتبا لأنه يحتمل أن يكون قد ولغ بالدواة, أو كان غلاما لكاتب يصلح له الدواة فظنه كاتبا طمع لا يستحق به فسخا, فإن حصل هذا من غير تدليس مثل أن يجتمع اللبن في الضرع من غير قصد أو احمر وجه الجارية لخجل أو تعب, أو تسود شعرها بشيء وقع عليه فقال القاضي: له الرد أيضا لدفع الضرر اللاحق بالمشتري والضرر واجب الدفع, سواء قصد أو لم يقصد فأشبه العيب ويحتمل أن لا يثبت الخيار لحمرة وجهها بخجل أو تعب لأنه يحتمل ذلك فيتعين ظنه من خلقته الأصلية طمعا, فأشبه سواد أنامل العبد. فصل: فإن علف الشاة فملأ خواصرها وظن المشتري أنها حامل أو سود أنامل العبد أو ثوبه, يوهم أنه كاتب أو حداد أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة فظن أنها كثيرة اللبن, لم يكن له خيار لأن هذا لا يتعين للجهة التي ظنها فإن امتلاء البطن قد يكون لأكل أو شرب أو غيرهما وسواد أنامل العبد قد يكون لولغ بالدواة أو لكونه شارعا في الكتابة, أو غلاما لكاتب فحمله على أنه كاتب من باب الطمع فلا يثبت خيارا.

 فصل: 

وإذا أراد إمساك المدلس, وأخذ الأرش لم يكن له أرش لأن النبي - ﷺ - لم يجعل له في المصراة أرشا وإنما خيره في شيئين, قال: (إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر) ولأن المدلس ليس بعيب فلم يستحق من أجله عوضا وإن تعذر عليه الرد بتلف فعليه الثمن لأنه تعذر عليه الرد فيما لا أرش له, فأشبه غير المدلس وإن تعيب عنده قبل العلم بالتدليس فله رده ورد أرش العيب عنده وأخذ الثمن وإن شاء أمسك, ولا شيء له وإن علم التدليس فتصرف في المبيع بطل رده, كما لو تصرف في المبيع المعيب وإن أخر الرد من غير تصرف فحكمه حكم تأخر رد المعيب على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -.

 مسألة: 

قال: [وإذا اشترى أمة ثيبا فأصابها أو استغلها, ثم ظهر على عيب كان مخيرا بين أن يردها ويأخذ الثمن كاملا لأن الخراج بالضمان والوطء كالخدمة, وبين أن يأخذ ما بين الصحة والعيب] في هذه المسألة فصول خمسة:

 الفصل الأول: 

أن من علم بسلعته عيبا لم يجز بيعها حتى يبينه للمشتري فإن لم يبينه فهو آثم عاص نص عليه أحمد لما روى حكيم بن حزام, عن النبي - ﷺ - أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما) متفق عليه وقال عليه السلام: (المسلم أخو المسلم, لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا إلا بينه له) وقال: (من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه) رواهما ابن ماجه وروى الترمذي أن النبي - ﷺ - قال: (من غشنا فليس منا) وقال: هذا حديث حسن صحيح, والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا الغش وقالوا: هو حرام فإن باعه, ولم يبينه فالبيع صحيح في قول أكثر أهل العلم منهم مالك, وأبو حنيفة والشافعي وحكي عن أبي بكر عبد العزيز أن البيع باطل لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد ولنا, أن النبي - ﷺ - نهى عن التصرية وصحح البيع وقد روي عن أبي بكر أنه قيل له: ما تقول في المصراة؟ فلم يذكر جوابا.

 الفصل الثاني: 

أنه متى علم بالمبيع عيبا لم يكن عالما به, فله الخيار بين الإمساك والفسخ سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا وإثبات النبي - ﷺ - الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب بدليل ما روى عن النبي - ﷺ - (أنه اشترى مملوكا فكتب: هذا ما اشترى محمد بن عبد الله من العداء بن خالد, اشترى منه عبدا أو أمة لا داء به, ولا غائلة بيع المسلم المسلم) فثبت أن بيع المسلم اقتضى السلامة ولأن الأصل السلامة والعيب حادث أو مخالف للظاهر, فعند الإطلاق يحمل عليها فمتى فاتت فات بعض مقتضى العقد فلم يلزمه أخذه بالعوض, وكان له الرد وأخذ الثمن كاملا.

 فصل: 

خيار الرد بالعيب على التراخي فمتى علم العيب, فأخر الرد لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا ذكره أبو الخطاب وذكر القاضي شيئا يدل على أن فيه روايتين إحداهما, هو على التراخي والثانية هو على الفور وهو مذهب الشافعي فمتى علم العيب, فأخر رده مع إمكانه بطل خياره لأنه يدل على الرضا به فأسقط خياره, كالتصرف فيه ولنا أنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على التراخي, كالقصاص ولا نسلم دلالة الإمساك على الرضا به.

 الفصل الثالث: 

أنه لا يخلو المبيع من أن يكون بحاله فإنه يرده ويأخذ رأس ماله, أو يكون قد زاد بعد العقد أو جعلت له فائدة فذلك قسمان: أحدهما, أن تكون الزيادة متصلة كالسمن والكبر, والتعلم والحمل قبل الوضع والثمرة قبل التأبير, فإنه يردها بنمائها لأنه يتبع في العقود والفسوخ القسم الثاني أن تكون الزيادة منفصلة وهي نوعان أحدهما, أن تكون الزيادة من غير عين المبيع كالكسب وهو معنى قوله: "أو استغلها" يعني أخذ غلتها, وهي منافعها الحاصلة من جهتها كالخدمة والأجرة, والكسب وكذلك ما يوهب أو يوصي له به فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري, وهو معنى قوله عليه السلام: (الخراج بالضمان) ولا نعلم في هذا خلافا وقد روى ابن ماجه عن هشام بن عمار عن مسلم بن خالد, عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (أن رجلا اشترى عبدا, فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبا فرده فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي, فقال رسول الله - ﷺ -: الخراج بالضمان) ورواه أبو داود والشافعي ورواه سعيد في " سننه " عن مسلم بهذا الإسناد, وقال فيه: (الغلة بالضمان) وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي, ولا نعلم عن غيرهم خلافهم النوع الثاني أن تكون الزيادة من عين المبيع كالولد, والثمرة واللبن فهي للمشتري أيضا, ويرد الأصل دونها وبهذا قال الشافعي وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردها وإن كان ولدا رده معها لأن الرد حكم فسرى إلى ولدها كالكتابة وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد لأنه لا يمكن رد الأصل بدونه, لأنه من موجبه فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه ولا يمكن رده معه لأنه لم يتناوله العقد ولنا, أنه حادث في ملك المشتري فلم يمنع الرد كما لو كان في يد البائع, وكالكسب ولأنه نماء منفصل فجاز رد الأصل بدونه كالكسب والثمرة عند مالك وقولهم: إن النماء موجب العقد غير صحيح, إنما موجبه الملك ولو كان موجبا للعقد لعاد إلى البائع بالفسخ وقول مالك لا يصح لأن الولد ليس بمبيع فلا يمكن رده بحكم رد الأم ويبطل ما ذكره بنقل الملك بالهبة, والبيع وغيرهما فإنه لا يسري إلى الولد بوجوده في الأم وإن كان قد نقص, فهذا نذكر حكمه -إن شاء الله تعالى-.

 الفصل الرابع: 

إن كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب فله ردها, وليس معها شيء وروى ذلك عن زيد بن ثابت وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور, وعثمان البتي وعن أحمد رواية أخرى أنه يمنع الرد ويروى ذلك عن على ـ رضي الله عنه ـ وبه قال الزهري والثوري وأبو حنيفة, وإسحاق لأن الوطء يجري مجرى الجناية لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال, فوجب أن يمنع الرد كما لو كانت بكرا وقال شريح والشعبي, والنخعي وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: يردها, ومعها أرش واختلفوا فيه فقال شريح والنخعي: نصف عشر ثمنها وقال الشعبي: حكومة وقال ابن المسيب: عشرة دنانير وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها وحكى نحو قوله عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد لأنه إذا فسخ صار واطئا في ملك الغير لكون الفسخ رفعا للعقد من أصله ولنا أنه معنى لا ينقص عينها, ولا قيمتها ولا يتضمن الرضا بالعيب فلا يمنع الرد, كالاستخدام وكوطء الزوج وما قالوه يبطل بوطء الزوج ووطء البكر ينقص ثمنها وقولهم: يكون واطئا في ملك الغير ليس بصحيح لأن الفسخ رفع للعقد من حينه, لا من أصله بدليل أنه لا يبطل الشفعة ولا يوجب رد الكسب, فيكون وطؤه في ملكه.

 فصل: 

ولو اشترى مزوجة فوطئها الزوج لم يمنع ذلك الرد بغير خلاف نعلمه فإن زوجها المشتري, فوطئها الزوج ثم أراد ردها بالعيب فإن كان ذلك النكاح باقيا فهو عيب حادث, وإن كان قد زال فحكمه حكم وطء السيد وقد استحسن أحمد -رحمه الله- أنه يمنع الرد وهو محمول على الرواية الأخرى إذ لا فرق بين هذا وبين وطء السيد وإن زنت في يد المشتري, ولم يكن عرف ذلك منها فهو عيب حادث حكمه حكم العيوب الحادثة, ويحتمل أن يكون عيبا بكل حال لأنه لزمها حكم الزنى في يد المشتري.

  الفصل الخامس: 

أنه إذا اختار المشتري إمساك المعيب وأخذ الأرش فله ذلك وهذا قول إسحاق وقال أبو حنيفة, والشافعي: ليس له إلا الإمساك أو الرد وليس له أرش, إلا أن يتعذر رد المبيع لأن النبي - ﷺ - جعل لمشترى المصراة الخيار بين الإمساك من غير أرش أو الرد ولأنه يملك الرد, فلم يملك أخذ جزء من الثمن كالذي له الخيار ولنا أنه ظهر على عيب لم يعلم به, فكان له الأرش كما لو تعيب عنده ولأنه فات عليه جزء من المبيع فكانت له المطالبة بعوضه, كما لو اشترى عشرة أقفزة فبانت تسعة أو كما لو أتلفه بعد البيع فأما المصراة فليس فيها عيب, وإنما ملك الخيار بالتدليس لا لفوات جزء ولذلك لا يستحق أرشا إذا امتنع الرد عليه إذا ثبت هذا, فمعنى أرش العيب أن يقوم المبيع صحيحا ثم يقوم معيبا فيؤخذ قسط ما بينهما من الثمن, فنسبته إلى الثمن نسبة النقصان بالعيب من القيمة مثاله أن يقوم المعيب صحيحا بعشرة ومعيبا بتسعة, والثمن خمسة عشر فقد نقصه العيب عشر قيمته فيرجع على البائع بعشر الثمن, وهو درهم ونصف وعلة ذلك أن المبيع المضمون على المشتري بثمنه ففوات جزء منه يسقط عنه ضمان ما قابله من الثمن أيضا ولأننا لو ضمناه نقص القيمة أفضى إلى اجتماع الثمن والمثمن للمشتري, فيما إذا اشترى شيئا بنصف قيمته فوجد به عيبا ينقصه نصف قيمته مثل أن يشتريه بعشرة وقيمته عشرون, فوجد به عيبا ينقصه عشرة فأخذها حصل له المبيع, ورجع بثمنه وهذا معنى قول الخرقي: " أو يأخذ ما بين الصحة والعيب " وقد نص أحمد على ما ذكرناه وذكره الحسن البصري فقال: يرجع بقيمة العيب في الثمن يوم اشتراه قال أحمد: هذا أحسن ما سمعت.

 مسألة: 

قال: [وإن كانت بكرا فأراد ردها, كان عليه ما نقصها] يعني الأمة البكر إذا وطئها المشتري ثم ظهر على عيب فردها كان عليه أن يرد معها أرش النقص وعن أحمد في جواز ردها روايتان إحداهما, لا يردها ويأخذ أرش العيب وبه قال ابن سيرين والزهري, والثوري والشافعي وأبو حنيفة, وإسحاق قال ابن أبي موسى: وهو الصحيح عن أحمد والرواية الثانية يردها ويرد معها شيئا وبه قال شريح, وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي, ومالك وابن أبي ليلى وأبو ثور والواجب رد ما نقص قيمتها بالوطء, فإذا كانت قيمتها بكرا عشرة وثيبا ثمانية رد دينارين لأنه بفسخ العقد يصير مضمونا عليه بقيمته, بخلاف أرش العيب الذي يأخذه المشتري وهذا قول مالك وأبي ثور وقال شريح والنخعي: يرد عشر ثمنها وقال سعيد بن المسيب: يرد عشرة دنانير وما قلناه أولى - إن شاء الله تعالى - واحتج من منع ردها بأن الوطء نقص عينها وقيمتها فلم يملك ردها كما [إذا] اشترى عبدا فخصاه, فنقصت قيمته ولنا أنه عيب حدث عند أحد المتبايعين لا لاستعلام فأثبت الخيار, كالعيب الحادث عند البائع قبل القبض.

 فصل: 

وكل مبيع كان معيبا ثم حدث به عند المشتري عيب آخر قبل علمه بالأول, فعن أحمد -رحمه الله- فيه روايتان إحداهما ليس له الرد وله أرش العيب القديم وبه قال الثوري, وابن شبرمة والشافعي وأصحاب الرأي وروى ذلك عن ابن سيرين, والزهري والشعبي لأن الرد ثبت لإزالة الضرر وفي الرد على البائع إضرار به, ولا يزال الضرر بالضرر والثانية له الرد يرد أرش العيب الحادث عنده, ويأخذ الثمن وإن شاء أمسكه وله الأرش وبهذا قال مالك وإسحاق وقال النخعي وحماد بن أبي سليمان: يرده ونقصان العيب وقال الحكم: يرده ولم يذكر معه شيئا ولنا, حديث المصراة فإن النبي - ﷺ- أمر بردها بعد حلبها ورد عوض لبنها واحتج أحمد بأن عثمان بن عفان رضي الله عنه قضى في الثوب إذا كان به عوار, برده وإن كان قد لبسه ولأنه عيب حدث عند المشتري فكان له الخيار بين رد المبيع وأرشه وبين أخذ أرش العيب القديم, كما لو كان حدوثه لاستعلام المبيع ولأن العيبين قد استويا والبائع قد دلس به والمشتري لم يدلس, فكان رعاية جانبه أولى ولأن الرد كان جائزا قبل حدوث العيب الثاني فلا يزول إلا بدليل وليس في المسألة إجماع ولا نص, والقياس إنما يكون على أصل وليس لما ذكروه أصل فيبقى الجواز بحاله إذا ثبت هذا, فإنه يرد أرش العيب الحادث عنده لأن المبيع بجملته مضمون عليه فكذلك أجزاؤه وإن زال العيب الحادث عند المشتري رده ولا أرش معه, على كلتا الروايتين وبه قال الشافعي لأنه زال المانع مع قيام السبب المقتضى للرد فثبت حكمه ولو اشترى أمة, فحملت عنده ثم أصاب بها عيبا فالحمل عيب في الآدميات دون غيرهن لأنه يمنع الوطء ويخاف منه التلف فإن ولدت, فالولد للمشتري وإن نقصتها الولادة فذلك عيب أيضا وإن لم تنقصها الولادة ومات الولد جاز ردها لأنه زال العيب, وإن كان ولدها باقيا لم يكن له ردها دون ولدها لأن ذلك تفريق بينهما وهو محرم وقال الشريف أبو جعفر, وأبو الخطاب في "مسائلهما": له الفسخ فيها دون ولدها وهو قول أكثر أصحاب الشافعي ولأنه موضع حاجة فأشبه ما لو ولدت حرا, فإنه يجوز بيعها دون ولدها ولنا عموم قول النبي - ﷺ -: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) ولأنه أمكن دفع الضرر بأخذ الأرش, أو برد ولدها معها فلم يجز ارتكاب منهي الشرع بالتفريق بينهما كما لو أراد الإقالة فيها دون ولدها وقولهم: إن الحاجة داعية إليه قلنا: قد اندفعت الحاجة بأخذ الأرش, أما إذا ولدت حرا فلا سبيل إلى بيعه معها بحال ولو كان المبيع حيوانا غير الآدمي فحدث به حمل عند المشتري, لم يمنع الرد بالعيب لأنه زيادة وإن علم بالعيب بعد الوضع ولم تنقصه الولادة فله إمساك الولد ورد الأم لأن التفريق بينهما جائز ولا فرق بين حملها قبل القبض, أو بعده ولو اشتراها حاملا فولدت عنده ثم اطلع على العيب فردها, رد الولد معها لأنه من جملة المبيع والزيادة فيه نماء متصل بالمبيع فأشبه ما لو سمنت الشاة فإن تلف الولد, فهو كتعيب المبيع عنده فإن قلنا: له الرد فعليه قيمته إن اختار رد الأم وعند أحمد أنه لا قيمة عليه للولد وحمله القاضي على أن البائع دلس العيب وإن نقصت الأم بالولادة, فهو عيب حادث حكمه حكم العيوب الحادثة ويمكن حمل كلام أحمد على أن الحمل لا حكم له وهذا أحد القولين للشافعي فعلى هذا يكون الولد حينئذ للمشتري فلا يلزمه رده إن كان باقيا, ولا قيمته إن كان تالفا والأول هو الصحيح وعليه العمل - إن شاء الله تعالى -.

 فصل: 

وإن كان المبيع كاتبا أو صانعا, فنسي ذلك عند المشتري ثم وجد به عيبا فذلك عيب حادث عند المشتري, حكمه حكم غيره من العيوب وعن أحمد يرده ولا يرد, معه شيئا وعلله القاضي بأنه ليس بنقص في العين ويمكن عوده بالتذكر قال: وعلى هذا لو كان سمينا فهزل والقياس ما ذكرناه فإن الصياغة والكتابة متقومة تضمن في الغصب وتلزم بشرطها في البيع, فأشبهت الأعيان والمنافع من السمع والبصر والعقل, وإمكان العود منتقض بالسن والبصر والحمل ولعل ما روى عن أحمد أراد به, إذا دلس البائع العيب.

 فصل: 

وإذا تعيب المبيع في يد البائع بعد العقد فإن كان المبيع من ضمانه فحكمه حكم العيب القديم وإن كان من ضمان المشتري, فحكمه حكم العيب الحادث بعد القبض فأما الحادث بعد القبض فهو من ضمان المشتري ولا يثبت به خيار وبهذا قال أبو حنيفة, والشافعي وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة أيام فما أصابه فيها فهو من ضمان البائع إلا في الجنون, والجذام والبرص فإن ظهر إلى سنة ثبت الخيار لما روى الحسن, عن عقبة (أن النبي - ﷺ - جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام) وأنه إجماع أهل المدينة ولأن الحيوان يكون فيه العيب ثم يظهر ولنا أنه ظهر في يد المشتري, ويجوز أن يكون حادثا فلم يثبت به الخيار كسائر المبيع, أو ما بعد الثلاثة والسنة وحديثهم لا يثبت قال الإمام أحمد: ليس فيه حديث صحيح وقال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث صحيح والحسن لم يلق عقبة وإجماع أهل المدينة ليس بحجة والداء الكامن لا عبرة به, وإنما النقص بما ظهر لا بما كمن.

 مسألة: 

قال: [إلا أن يكون البائع دلس العيب فيلزمه رد الثمن كاملا وكذلك سائر المبيع] معنى دلس العيب: أي كتمه عن المشتري, مع علمه به أو: غطاه عنه بما يوهم المشتري عدمه مشتق من الدلسة وهي الظلمة فكأن البائع يستر العيب وكتمانه جعله في ظلمة, فخفى عن المشتري فلم يره ولم يعلم به وسواء في هذا ما علم به فكتمه, وما ستر فكلاهما تدليس حرام على ما بيناه فإذا فعله البائع, فلم يعلم به المشتري حتى تعيب المبيع في يده فله رد المبيع وأخذ ثمنه كاملا, ولا أرش عليه سواء كان الحادث بفعل المشتري كوطء البكر, وقطع الثوب أو بفعل آدمي آخر مثل أن يجني عليه جان, أو بفعل العبد كالسرقة والإباق أو بفعل الله تعالى بالمرض ونحوه سواء كان ناقصا للمبيع, أو مذهبا لجميعه قال أحمد في رجل اشترى عبدا فأبق من يده, وأقام البينة أن إباقه كان موجودا في يد البائع: يرجع به على البائع بجميع الثمن الذي أخذه منه لأنه غر المشتري ويتبع البائع عبده حيث كان وهذا يحكي عن الحكم, ومالك لأنه غره فيرجع عليه كما لو غره بحرية أمة وظاهر حديث المصراة يدل على أن ما حدث في يد المشتري مضمون عليه سواء دلس البائع العيب, أو لم يدلسه فإن التصرية تدليس ولم يسقط عن المشتري ضمان اللبن, بل ضمنه بصاع من التمر مع كونه قد نهى عن التصرية وقال: (بيع المحفلات خلابة, ولا تحل الخلابة لمسلم) وقول النبي - ﷺ -: (الخراج بالضمان) يدل على أن من له الخراج فعليه الضمان لكونه جعل الضمان علة لوجوب الخراج له فلو كان ضمانه على البائع لكان الخراج له لوجود علته ولأن وجوب الضمان على البائع لا يثبت إلا بنص أو إجماع, أو قياس ولا نعلم في هذا نصا ولا إجماعا والقياس إنما يكون على أصل, ولا نعلم لهذا أصلا ولا يشبه هذا التغرير بحرية الأمة في النكاح لأنه يرجع على من غره وإن لم يكن سيد الأمة وهاهنا لو كان التدليس من وكيل البائع لم يرجع عليه بشيء.

 فصل: 

في معرفة العيوب وهي النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار لأن المبيع إنما صار محلا للعقد باعتبار صفة المالية, فما يوجب نقصا فيها يكون عيبا والمرجع في ذلك إلى العادة في عرف أهل هذا الشأن وهم التجار فالعيوب في الخلقة كالجنون, والجذام والبرص والعمى, والعور والعرج والعفل, والقرن والعتق والرتق, والقرع والصمم والطرش, والخرس وسائر المرض والأصبع الزائدة والناقصة, والحول والخوص والسبل, وهو زيادة في الأجفان والتخنيث وكونه خنثى, والخصاء والتزوج في الأمة والبخر فيها وهذا كله قول أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه خلافا قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشتري ولها زوج أنه عيب وكذلك الدين في رقبة العبد إذا كان السيد معسرا, والجناية الموجبة للقود لأن الرقبة صارت كالمستحقة لوجوب الدفع في الجناية والبيع في الدين ومستحقة للإتلاف بالقصاص والزنى والبخر عيب في العبد والأمة جميعا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ليس ذلك بعيب في العبد لأنه لا يراد للفراش والاستمتاع به, بخلاف الأمة ولنا أن ذلك ينقص قيمته وماليته فإنه بالزنى يتعرض لإقامة الحد عليه والتعزير, ولا يأمنه سيده على عائلته وحريمه والبخر يؤذي سيده ومن جالسه وخاطبه أو ساره وأما السرقة, والإباق والبول في الفراش فهي عيوب في الكبير الذي جاوز العشر وقال أصحاب أبي حنيفة: في الذي يأكل وحده ويشرب وحده وقال الثوري وإسحاق: ليس بعيب فيه حتى يحتلم لأن الأحكام تتعلق به, من التكليف ووجوب الحدود ببلوغه, فكذلك هذا ولنا أن الصبي العاقل يتحرز من هذا عادة كتحرز الكبير, فوجوده منه في تلك الحال يدل على أن البول لداء في باطنه والسرقة والإباق لخبث في طبعه وحد ذلك بالعشر لأمر النبي - ﷺ- بتأديب الصبي على ترك الصلاة عندها, والتفريق بينهم في المضاجع لبلوغها فأما من دون ذلك فتكون هذه الأمور منه لضعف عقله وعدم تثبته وكذلك إن كان العبد يشرب الخمر أو يسكر من النبيذ نص عليه أحمد لأنه يوجب عليه الحد, فهو كالزنى وكذلك الحمق الشديد والاستطالة على الناس لأنه يحتاج إلى التأديب وربما تكرر فأفضى إلى تلفه, ولا يكون عيبا إلا في الكبير دون الصغير لأنه منسوب إلى فعله وعدم الختان ليس بعيب في الصغير لأنه لم يفت وقته ولا في الأمة الكبيرة وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب أبي حنيفة: هو عيب فيها لأنه زيادة ألم فأشبهت العبد ولنا, أنه ليس بواجب في حقها والألم فيه يسير لا يخشى منه التلف بخلاف العبد الكبير فأما العبد الكبير, فإن كان مجلوبا من الكفار فليس ذلك بعيب فيه لأن العادة أنهم لا يختتنون فصار ذلك معلوما عند المشتري, فهو كدينهم وإن كان مسلما مولدا فهو عيب فيه لأنه يخشى عليه منه وهو خلاف العادة.

 فصل: 

والثيوبة ليست عيبا لأن الغالب على الجواري الثيوبة فالإطلاق لا يقتضي خلافها, وكونها محرمة على المشتري بنسب أو رضاع ليس بعيب إذ ليس في المحل ما يوجب خللا في المالية, ولا نقصا وإنما التحريم مختص به وكذلك الإحرام والصيام لأنهما يزولان قريبا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم لهما مخالفا وكذلك عدة البائن وأما عدة الرجعية فهي عيب لأن الرجعية زوجة, ولا يؤمن ارتجاعه لها ومعرفة الغناء والحجامة ليست بعيب وحكى عن مالك في الجارية المغنية أن ذلك عيب فيها لأن الغناء محرم ولنا أن هذا ليس بنقص في عينها, ولا قيمتها فلم يكن عيبا كالصناعة ولا نسلم أن الغناء محرم, وإن سلمناه فالمحرم استعماله لا معرفته, والعسر ليس بعيب وكان شريح يرد به ولنا أنه ليس بنقص, وعمله بإحدى يديه يقوم مقام عمله بالأخرى والكفر ليس بعيب وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: هو عيب لأنه نقص بدليل قول الله تعالى {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة: 221]. ولنا أن العبيد يكون فيهم المسلم والكافر والأصل فيهم الكفر, فالإطلاق لا يقتضي خلاف ذلك وكون المؤمن خيرا من الكافر لا يقتضي كون الكفر عيبا كما أن المتقى خير من غيره, قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. وليس عدم ذلك عيبا وكونه ولد زنا ليس بعيب وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: هو عيب في الجارية لأنها تراد للافتراش بخلاف العبد ولنا أن النسب في الرقيق غير مقصود بدليل أنهم يشترون مجلوبين, غير معروفي النسب وكون الجارية لا تحسن الطبخ أو الخبز أو نحو هذا ليس بعيب لأن هذه حرفة فلم يكن فواتها عيبا كسائر الصنائع, وكونها لا تحيض ليس بعيب وقال الشافعي: هو عيب إذا كان لكبر لأن من لا تحيض لا تحمل ولنا أن الإطلاق لا يقتضي الحيض, ولا عدمه فلم يكن فواته عيبا كما لو كان لغير الكبر.

 فصل: 

وإذا اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده عيبا, صح اشتراطه وصارت مستحقة يثبت له خيار الفسخ عند عدمها, مثل أن يشترط مسلما فيبين كافرا أو يشترط الأمة بكرا أو جعدة أو طباخة, أو ذات صنعة أو لبن أو أنها تحيض, أو يشترط في الدابة أنها هملاجة أو في الفهد أنه صيود وما أشبه هذا فمتى بان خلاف ما اشترطه, فله الخيار في الفسخ والرجوع بالثمن أو الرضا به, ولا شيء له لا نعلم بينهم في هذا خلافا لأنه شرط وصفا مرغوبا فيه فصار بالشرط مستحقا فأما إن شرط صفة غير مقصودة فبانت بخلافها, مثل أن يشترطها سبطة فبانت جعدة أو جاهلة فبانت عالمة, فلا خيار له لأنه زاده خيرا وإن شرطها كافرة فبانت مسلمة أو ثيبا فبانت بكرا, فله الخيار لأن فيه قصدا صحيحا وهو أن طالب الكافرة أكثر لصلاحيتها للمسلمين وغيرها أو ليستريح من تكليفها العبادات وقد يشترط الثيب لعجزه عن البكر, أو ليبيعها لعاجز عن البكر فقد فات قصده وقيل: لا خيار له لأن هذين زيادة وهو قول الشافعي في البكر واختيار القاضي واستبعد كونه يقصد الثيوبة, لعجزه عن البكر وليس هذا ببعيد فإنه ممكن, والاشتراط يدل عليه فيصير بالدليل قريبا وإن شرط الشاة لبونا صح, وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: لا يصح لأنه لا يجوز بيع اللبن في الضرع فلم يجز شرطه ولنا أنه أمر مقصود يتحقق في الحيوان, ويأخذ قسطا من الثمن فصح اشتراطه كالصناعة في الأمة, والهملجة في الدابة وإنما لم يحز بيعه مفردا للجهالة والجهالة تسقط فيما كان بيعا وكذلك لو اشتراها بغير شرط, صح بيعها معه وكذلك يصح بيع أساسات الحيطان والنوى في التمر معه وإن لم يجز بيعهما مفردين وإن شرط أنها تحلب كل يوم قدرا معلوما, لم يصح لتعذر الوفاء به لأن اللبن يختلف ولا يمكن ضبطه وإن شرطها غزيرة اللبن صح لأنه يمكن الوفاء به وإن شرطها حاملا صح وقال القاضي: قياس المذهب أنه لا يصح لأن الحمل لا حكم له ولهذا لا يصح اللعان على الحمل ويحتمل أنه ريح ولنا, أنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها فصح شرطه كالصناعة, وكونها لبونا وقد بينا فيما قبل أن للحمل حكما ولذلك حكم النبي - ﷺ- في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها ومنع أخذ الحوامل في الزكاة, ومنع وطء الحبالى المسبيات وجعل الله تعالى عدة الحامل وضع حملها وأرخص لها الفطر في رمضان إذا خافت على ولدها, ومنع من الاقتصاص منها وإقامة الحد عليها من أجل حملها وظاهر الحديث المروي في اللعان يدل على أنه لاعنها في حال حملها, فانتفى عنه ولدها وإن شرط أنها تضع الولد في وقت بعينه لم يصح وجها واحدا لأنه لا يمكن الوفاء به, وإن شرط أنها لا تحمل لم يصح الشرط لأنه لا يمكن الوفاء به وقال مالك: لا يصح في المرتفعات ويصح في غيرهن ولنا أنه باعها بشرط البراءة من الحمل, فلم يصح كالمرتفعات وإن شرطها حائلا فبانت حاملا فإن كان ذلك في الأمة, فهو عيب يثبت الفسخ به وإن كان في غيرها فهو زيادة لا يستحق به فسخا, ويحتمل أن يستحق لأنه قد يريدها لسفر أو لحمل شيء لا يتمكن منه مع الحمل وإن شرط البيض في الدجاجة فقد قيل: لا يصح لأنه لا علم عليه, يعرف به ولم يثبت له في الشرع حكم والأولى أنه يصح لأنه يعرف بالعادة, فأشبه اشتراط الشاة لبونا وإن اشترط الهزار أو القمري مصوتا فقال بعض أصحابنا: لا يصح وبه قال أبو حنيفة لأن صياح الطير يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد والأولى جوازه لأن فيه مقصدا صحيحا وهو عادة له وخلقة فيه, فأشبه الهملجة في الدابة والصيد في الفهد وإن شرط في الحمام أنه يجيء من مسافة ذكرها فقال القاضي: لا يصح وهو قول أبي حنيفة لأن فيه تعذيبا للحيوان والقصد منه غير صحيح وقال أبو الخطاب: يصح لأن هذه عادة مستمرة, وفيه قصد صحيح لتبليغ الأخبار وحمل الكتب فجرى مجرى الصيد في الفهد والهملجة في الدابة, وإن شرط في الجارية أنها مغنية لم يصح لأن الغناء مذموم في الشرع فلم يصح اشتراطه, كالزنى وإن شرط في الكبش كونه نطاحا وفي الديك كونه مقاتلا لم يصح الشرط لأنه منهي عنه في الشرع, فجرى مجرى الغناء في الجارية وإن شرط في الديك أنه يوقظه للصلاة لم يصح لأنه لا يمكنه الوفاء به, وإن شرط كونه يصيح في أوقات معلومة جرى مجرى اشتراط التصويت في القمري على ما ذكرنا.

 فصل: 

ولا يفتقر الرد بالعيب إلى رضا البائع, ولا حضوره ولا حكم حاكم قبل القبض ولا بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إن كان قبل القبض, افتقر إلى حضور صاحبه دون رضاه وإن كان بعده افتقر إلى رضا صاحبه, أو حكم حاكم لأن ملكه قد تم على الثمن فلا يزول إلا برضاه ولنا أنه رفع عقد مستحق له, فلم يفتقر إلى رضا صاحبه ولا حضوره كالطلاق ولأنه مستحق الرد بالعيب فلا يفتقر إلى رضا صاحبه, كقبل القبض.

 مسألة: 

قال: [ولو باع المشتري بعضها ثم ظهر على عيب كان مخيرا بين أن يرد ملكه منها بمقداره من الثمن, أو يأخذ أرش العيب بقدر ملكه فيها] الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة:

  الفصل: 

الأول أنه إذا اشترى معيبا فباعه سقط رده لأنه قد زال ملكه عنه فإن عاد إليه, فأراد رده بالعيب الأول نظرنا فإن كان باعه عالما بالعيب, أو وجد منه ما يدل على رضاه به فليس له رده لأن تصرفه رضا بالعيب وإن لم يكن علم بالعيب, فله رده على بائعه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: ليس له رده إلا أن يكون المشتري فسخ بحكم الحاكم لأنه سقط حقه من الرد ببيعه فأشبه ما لو علم بعيبه ولنا, أنه أمكنه استدراك ظلامته برده فملك ذلك كما لو فسخ الثاني بحكم حاكم, أو كما لو لم يزل ملكه عنه ولا نسلم سقوط حقه وإنما امتنع لعجزه عن رده, فإذا عاد إليه زال المانع فظهر جواز الرد كما لو امتنع الرد لغيبة البائع, أو لمعنى سواه وسواء رجع إلى المشتري الأول بالعيب الأول أو بإقالة أو هبة, أو شراء ثان أو ميراث في ظاهر كلام القاضي وقال أصحاب الشافعي: إن رجع بغير الفسخ بالعيب الأول, ففيه وجهان أحدهما ليس له رده لأنه استدرك ظلامته ببيعه, ولم يزل بفسخه ولنا أن سبب استحقاق الرد قائم وإنما امتنع لتعذره بزوال ملكه, فإذا زال المانع وجب أن يجوز الرد عليه بالعيب فعلى هذا إذا باعها المشتري لبائعها الأول فوجد بها عيبا كان موجودا حال العقد الأول فله الرد على البائع الثاني, ثم للثاني رده وفائدة الرد ها هنا اختلاف الثمنين فإنه قد يكون الثمن الثاني أكثر.

 الفصل الثاني: 

أنه إذا باع المعيب, ثم أراد أخذ أرشه فظاهر كلام الخرقي أنه لا أرش له سواء باعه عالما بعيبه أو غير عالم وهذا مذهب أبي حنيفة, والشافعي لأن امتناع الرد كان بفعله فأشبه ما لو أتلف المبيع ولأنه قد استدرك ظلامته ببيعه, فلم يكن له أرش كما لو زال العيب وقال القاضي: إن باعه مع علمه بالعيب فلا أرش له لرضاه به معيبا, وإن باعه غير عالم بالعيب فله الأرش نص عليه أحمد لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد ولم يوجد منه الرضا به ناقصا, فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه وقياس المذهب أن له الأرش بكل حال, سواء باعه عالما بعيبه أو جاهلا به لأننا خيرناه ابتداء بين رده وإمساكه وأخذ الأرش فبيعه والتصرف فيه بمنزلة إمساكه, ولأن الأرش عوض الجزء الفائت من المبيع فلم يسقط ببيعه ولا رضاه, كما لو باعه عشرة أقفزة وسلم إليه تسعة فباعها المشتري وقولهم: إنه استدرك ظلامته لا يصح, فإن ظلامته من البائع ولم يستدركها منه وإنما ظلم المشتري, فلم يسقط حقه بذلك من الظالم له وهذا هو الصحيح من قول مالك وذكر أبو الخطاب عن أحمد, في رجوع بائع المعيب بالأرش روايتين من غير تفريق بين علم البائع بالعيب وجهله به وعلى قول من قال لا يستحق الأرش, فإذا علم به المشتري الثاني فرده به أو أخذ أرشه منه فللأول أخذ أرشه وهو قول الشافعي إذا امتنع على المشتري الثاني رده بعيب حدث عنده لأنه لم يستدرك ظلامته, وكل واحد من المشتريين يرجع بحصة العيب من الثمن الذي اشتراه به على ما ذكرناه فيما تقدم.

 الفصل الثالث: 

إذا باع المشتري بعض المبيع ثم ظهر على عيب, فله الأرش لما بقي في يده من المبيع وفي الأرش لما باعه ما ذكرنا من الخلاف فيما إذا باع الجميع, وإن أراد رد الباقي بحصته من الثمن فالذي ذكره الخرقي ها هنا أن له ذلك وقد نص عليه أحمد والصحيح أنه إن كان المبيع عينا واحدة, أو عينين ينقصهما التفريق كمصراعي باب وزوجي خف, أنه لا يملك الرد لما فيه من الضرر على البائع بنقص القيمة أو ضرر الشركة وامتناع الانتفاع بها على الكمال, كإباحة الوطء والاستخدام وبها قال شريح والشعبي والشافعي, وأبو ثور وأصحاب الرأي وقد ذكر أصحابنا في غير هذا الموضع, فيما إذا كان المبيع عينين ينقصهما التفريق أنه لا يجوز رد إحداهما دون الأخرى لما فيه من الضرر وفيما لو اشترى معيبا فتعيب عنده أنه لا يملك رده, إلا أن يرد أرش العيب الحادث عنده فلا يجوز أن يرده في مسألتنا معيبا بعيب الشركة أو نقص القيمة, بغير شيء إلا أن يكون الخرقي أراد ما إذا دلس البائع العيب فإن ذلك عنده لا يسقط عن المشتري ضمان ما حدث عنده من العيب, على ما ذكرنا فيما مضى وإن كان المبيع عينين لا ينقصهما التفريق فباع إحداهما ثم وجد بالأخرى عيبا, أو علم أنهما كانتا معيبتين فهل له رد الباقية في ملكه؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة وقال القاضي: المسألة مبنية على تفريق الصفقة سواء كان المبيع عينا واحدة أو عينين والتفصيل الذي ذكرنا أولى.

 فصل: 

وإن اشترى عينين فوجد بإحداهما عيبا, وكانا مما لا ينقصهما التفريق أو مما لا يجوز التفريق بينهما كالولد مع أمه, فليس له إلا ردهما جميعا أو إمساكهما وأخذ الأرش وإن لم يكونا كذلك, ففيهما روايتان إحداهما ليس له إلا ردهما, أو أخذ الأرش مع إمساكهما وهو ظاهر قول الشافعي وقول أبي حنيفة فيما قبل القبض لأن الرد يبعض الصفقة من المشتري فلم يكن له ذلك كما لو كانا مما ينقصه التفريق والثانية, له رد المعيب وإمساك الصحيح وهذا قول الحارث العكلي والأوزاعي, وإسحاق وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض لأنه رد المعيب على وجه لا ضرر فيه على البائع فجاز كما لو رد الجميع وفارق ما ينقص بالتفريق فإن فيه ضررا وإن تلف أحد المبيعين, أو تعيب أو وجد بالآخر أو بهما عيبا فأراد رده, فالحكم فيه على ما ذكرنا من التفصيل والخلاف وإن اختلفا في قيمة التالف فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه منكر لما يدعيه البائع من زيادة قيمته ولأنه بمنزلة الغارم لأن قيمة التالف إذا زادت, زاد قدر ما يغرمه فهو بمنزلة المستعير والغاصب فأما إن كان المبيعان باقيين معيبين لم يوجد في أحدهما ما يمنع رده, فأراد رد أحدهما دون الآخر فقال القاضي: ليس له ذلك ولم يذكر فيه سوى المنع من رد أحدهما والقياس أنها كالتي قبلها إذ لو كان إمساك أحدهما مانعا من الرد فيما إذا كانا معيبين, لمنع منه إذا كان صحيحا.

 فصل: 

إذا اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا أو اشترطا الخيار فرضي أحدهما ففيه روايتان عن أحمد حكاهما أبو بكر, وابن أبي موسى إحداهما لمن لم يرض الفسخ وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي, وأبو يوسف ومحمد وهو إحدى الروايتين عن مالك والأخرى, لا يجوز له رده وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور لأن المبيع خرج عن ملكه دفعة واحدة غير متشقص فإذا رده مشتركا, رده ناقصا أشبه ما لو تعيب عنده ووجه الأولى أنه رد جميع ما ملكه بالعقد, فجاز كما لو انفرد بشرائه والشركة إنما حصلت بإيجاب البائع لأنه باع كل واحد منهما نصفها, فخرجت عن ملك البائع مشقصة بخلاف العيب الحادث.

 فصل: 

وإذا ورث اثنان عن أبيهما خيار عيب فرضي أحدهما, سقط حق الآخر من الرد لأنه لو رد وحده تشقصت السلعة على البائع فتضرر بذلك, وإنما أخرجها عن ملكه إلى واحد غير مشقصة فلا يجوز رد بعضها إليه مشقصا بخلاف المسألة التي قبلها, فإن عقد الواحد مع الاثنين عقدان فكأنه باع كل واحد منهما نصفها منفردا فرد عليه أحدهما جميع ما باعه إياه, وهاهنا بخلافه.

 فصل: 

ولو اشترى رجل من رجلين شيئا فوجده معيبا فله رده عليهما فإن كان أحدهما غائبا رد على الحاضر حصته بقسطها من الثمن, ويبقى نصيب الغائب في يده حتى يقدم ولو كان أحدهما باع العين كلها بوكالة الآخر فالحكم كذلك سواء كان الحاضر الوكيل أو الموكل نص أحمد على قريب من هذا فإن أراد رد نصيب أحدهما, وإمساك نصيب الآخر جاز لأنه يرد على البائع جميع ما باعه ولا يحصل برده تشقيص لأن المبيع كان مشقصا قبل البيع.

فصل: 

فإن اشترى حلى فضة بوزنه دراهم, فوجده معيبا فله رده وليس له أخذ الأرش لإفضائه إلى التفاضل فيما يجب التماثل فيه فإن حدث به عيب عند المشتري, فعلى إحدى الروايتين يرده ويرد أرش العيب الحادث عنده يأخذ ثمنه, وقال القاضي: لا يجوز له رده لإفضائه إلى التفاضل فلا يصح لأن الرد فسخ للعقد ورفع له, فلا تبقى المعاوضة وإنما يدفع الأرش عوضا عن العيب الحادث عنده بمنزلة ما لو جنى عليه في ملك صاحبه من غير بيع, وكما لو فسخ الحاكم عليه وعلى الرواية الأخرى يفسخ الحاكم البيع ويرد البائع الثمن, ويطالب بقيمة الحلى لأنه لم يمكن إهمال العيب ولا أخذ الأرش ولأصحاب الشافعي وجهان كهاتين الروايتين وإن تلف الحلي, فإنه يفسخ العقد ويرد قيمته ويسترجع الثمن فإن تلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ وعندي أن الحاكم إذا فسخ, وجب رد الحلي وأرش نقصه كما قلنا فيما إذا فسخ المشتري على الرواية الأخرى وإنما يرجع إلى قيمته عند تعذر رده بتلف أو عجز, وليس في رده ورد أرشه تفاضل لأن المعاوضة زالت بالفسخ فلم يبق له مقابل وإنما هذا الأرش بمنزلة أرش الجناية عليه ولأن قيمته إذا زادت على وزنه أو نقصت عنه, أفضى إلى التفاضل لأن قيمته عوض عنه فلا يجوز ذلك إلا أن يأخذ قيمته من غير جنسه, ولو باع قفيزا مما فيه الربا بمثله فوجد أحدهما بما أخذه عيبا ينقص قيمته دون كيله لم يملك أخذ أرشه, لئلا يفضي إلى التفاضل والحكم فيه على ما ذكرناه في الحلى بالدراهم.

 مسألة: 

قال: [وإن ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه فله الأرش] وجملته أنه إذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق, أو وقف أو موت أو قتل, أو تعذر الرد لاستيلاد ونحوه قبل علمه بالعيب فله الأرش وبهذا قال أبو حنيفة, ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال في المقتول خاصة: لا أرش له لأنه زال ملكه بفعل مضمون, أشبه البيع ولنا أنه عيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فيه, فكان له الأرش كما لو أعتقه والبيع لنا فيه منع ومع تسليمه فإنه استدرك ظلامته فيه وأما الهبة, فعن أحمد فيها روايتان إحداهما أنها كالبيع لأنه لم ييأس من إمكان الرد لاحتمال رجوع الموهوب إليه والثانية له الأرش وهي أولى ولم يذكر القاضي غيرها لأنه ما استدرك ظلامته فأشبه ما لو وقفه, وإمكان الرد ليس بمانع من أخذ الأرش عندنا بدليل ما قبل الهبة وإن أكل الطعام أو لبس الثوب فأتلفه رجع بأرشه وبهذا قال أبو يوسف, ومحمد وقال أبو حنيفة: لا يرجع بشيء لأنه أهلك العين فأشبه ما لو قتل العبد ولنا أنه ما استدرك ظلامته ولا رضي بالعيب, فلم يسقط حقه من الأرش كما لو تلف بفعل الله تعالى.

 فصل: 

وإن فعل شيئا مما ذكرناه بعد علمه بالعيب فمفهوم كلام الخرقي: أنه لا أرش له وهو مذهب أبي حنيفة, والشافعي وهو قياس قول القاضي لقوله في من باع المعيب عالما بعيبه: ليس له أرش لأنه رضي به معيبا بتصرفه فيه مع علمه بعيبه وقياس المذهب أن له الأرش لأن له إمساك المبيع والمطالبة بأرشه, وهذا يتنزل منزلة إمساكه مع العلم بعيبه ولأن البائع لم يوفه ما أوجبه العقد فكان له الرجوع بأرشه كما لو أعتقه قبل علمه بعيبه ولأن الأرش عوض الجزء الفائت بالعيب, فلم يسقط بتصرفه فيما سواه كما لو باعه عشرة أقفزة فأقبضه تسعة فتصرف فيها.

 فصل: 

فإن استغل المبيع, أو عرضه على البيع أو تصرف فيه تصرفا دالا على الرضا به قبل علمه بالعيب, لم يسقط خياره لأن ذلك لا يدل على الرضا به معيبا وإن فعله بعد علمه بعيبه بطل خياره في قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر: وكان الحسن وشريح, وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري, وأصحاب الرأي يقولون: إذا اشترى سلعة فعرضها على البيع, لزمته وهذا قول الشافعي ولا أعلم فيه خلافا فأما الأرش فقال ابن أبي موسى: لا يستحقه أيضا وقد ذكرنا أن قياس المذهب استحقاق الأرش قال أحمد: أنا أقول: إذا استخدم العبد, وأراد نقصان العيب فله ذلك فأما إن احتلب اللبن الحادث بعد العقد, لم يسقط رده لأن اللبن له فملك استيفاءه من المبيع الذي يريد رده وكذلك إن ركب الدابة لينظر سيرها أو ليسقيها, أو ليردها على بائعها وإن استخدم الأمة ليختبرها أو لبس القميص ليعرف قدره لم يسقط خياره لأن ذلك ليس برضا بالمبيع, ولهذا لا يسقط به خيار الشرط وإن استخدمها لغير ذلك استخداما كثيرا بطل رده فإن كانت يسيرة لا تختص الملك, لم يبطل الخيار قيل لأحمد: إن هؤلاء يقولون: إذا اشترى عبدا فوجده معيبا فاستخدمه بأن يقول: ناولني هذا الثوب يعني بطل خياره فأنكر ذلك وقال: من قال هذا؟ أو من أين أخذوا هذا؟ ليس هذا برضى حتى يكون شيء يبين وقد نقل عنه في بطلان الخيار بالاستخدام روايتان وكذلك يخرج ها هنا.

 فصل: 

وإن أبق العبد, ثم علم عيبه فله أخذ أرشه فإن أخذه ثم قدر على العبد فإن لم يكن معروف الإباق قبل البيع, فقد تعيب عند المشتري فهل يملك رده ورد أرش العيب الحادث عنده والأرش الذي أخذه؟ على روايتين وإن كان آبقا فله رده ورد ما أخذه من الأرش وأخذ ثمنه وقال الثوري والشافعي: ليس للمشتري أخذ أرشه, سواء قدر على رده أو عجز عنه إلا أن يهلك لأنه لم ييأس من رده فهو كما لو باعه ولنا, أنه معيب لم يرض به ولم يستدرك ظلامته فيه فكان له أرشه, كما لو أعتقه وفي البيع استدرك ظلامته بخلاف مسألتنا.

 فصل: 

وإذا اشترى عبدا فأعتقه, ثم علم به عيبا فأخذ أرشه فهو له وعن أحمد رواية أخرى أنه يجعله في الرقاب وهو قول الشافعي لأنه من جملة الرقبة التي جعلها الله, فلا يرجع إليه شيء من بدلها ولنا أن العتق إنما صادف الرقبة المعيبة والجزء الذي أخذ بدله ما تناوله عتق, ولا كان موجودا ولأن الأرش ليس بدلا عن العبد إنما هو جزء من الثمن, جعل مقابلا للجزء الفائت فلما لم يحصل ذلك الجزء من المبيع رجع بقدره من الثمن, فكأنه لم يصح العقد فيه ولهذا رجع بقدره من الثمن لا من قيمة العبد وكلام أحمد, في الرواية الأخرى يحمل على استحباب ذلك لا على وجوبه قال القاضي: إنما الروايتان فيما إذا أعتقه عن كفارته لأنه إذا أعتقه عن الكفارة, لا يجوز أن يرجع إليه بشيء من بدلها كالمكاتب إذا أدى من كتابته شيئا ولنا أنه أرش عبد أعتقه, فكان له كما لو تبرع بعتقه.

 مسألة: 

قال: [فإن ظهر على عيب يمكن حدوثه قبل الشراء أو بعده, حلف المشتري وكان له الرد أو الأرش] وجملة ذلك أن المتبايعين إذا اختلفا في العيب, هل كان في المبيع قبل العقد أو حدث عند المشتري؟ لم يخل من قسمين أحدهما أن لا يحتمل إلا قول أحدهما, كالإصبع الزائدة والشجة المندملة التي لا يمكن حدوث مثلها, والجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديما فالقول قول من يدعي ذلك بغير يمين لأننا نعلم صدقه وكذب خصمه, فلا حاجة إلى استحلافه والثاني أن يحتمل قول كل واحد منهما كالخرق في الثوب والرفو, ونحوهما ففيه روايتان إحداهما القول قول المشتري, فيحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب أو أنه ما حدث عنده ويكون له الخيار لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله من الثمن, ولزوم العقد في حقه فكان القول قول من ينفي ذلك كما لو اختلفا في قبض المبيع والثانية, القول قول البائع مع يمينه فيحلف على حسب جوابه إن أجاب إنني بعته بريئا من العيب, حلف على ذلك وإن أجاب بأنه لا يستحق على ما يدعيه من الرد, حلف على ذلك ويمينه على البت لا على نفي العلم لأن الأيمان كلها على البت لا على نفي فعل الغير وبهذا قال أبو حنيفة, والشافعي لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد ولأن المشتري يدعي عليه استحقاق فسخ البيع, وهو ينكره والقول قول المنكر.

 فصل: 

وإذا باع الوكيل ثم ظهر المشتري على عيب كان به, فله رده على الموكل لأن المبيع يرد بالعيب على من كان له فإن كان العيب مما يمكن حدوثه, فأقر به الوكيل وأنكره الموكل فقال أبو الخطاب: يقبل إقراره على موكله بالعيب لأنه أمر يستحق به الرد, فيقبل إقرار الوكيل به على موكله كخيار الشرط وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل إقرار الوكيل بذلك وهو أصح لأنه إقرار على الغير فلم يقبل, كالأجنبي فإذا رده المشتري على الوكيل لم يملك الوكيل رده على الموكل لأنه رده بإقراره, وهو غير مقبول على غيره ذكره القاضي فإن أنكره الوكيل فتوجهت اليمين عليه فنكل عنها فرد عليه بنكوله, فهل له رده على الموكل؟ على وجهين أحدهما ليس له رده لأن ذلك يجري مجرى إقراره والثاني له رده لأنه يرجع إليه بغير اختياره, أشبه ما لو قامت به بينة.

 فصل: 

ولو اشترى جارية على أنها بكر ثم قال المشتري: إنما هي ثيب أريت النساء الثقات ويقبل قول امرأة ثقة فإن وطئها المشتري, وقال: ما أصبتها بكرا خرج فيه وجهان بناء على الروايتين فيما إذا اختلفا في العيب الحادث.

 فصل: 

وإن رد المشتري السلعة بعيب فيها فأنكر البائع كونها سلعته, فالقول قول البائع مع يمينه وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي ونحوه قال الأوزاعي فإنه قال في من صرف دراهم بدنانير, ثم رجع بدرهم فقال الصيرفي: ليس هذا درهمي يحلف الصيرفي: بالله لقد وفيتكه ويبرأ لأن البائع منكر كون هذه سلعته, ومنكر لاستحقاق الفسخ والقول قول المنكر فأما إن جاء ليرد السلعة بخيار فأنكر البائع أنها سلعته, فحكى ابن المنذر عن أحمد أن القول قول المشتري وهو قول الثوري وإسحاق, وأصحاب الرأي لأنهما اتفقا على استحقاق فسخ العقد والرد بالعيب بخلافه.

 مسألة: 

قال: [وإذا اشترى شيئا مأكوله في جوفه, فكسره فوجده فاسدا فإن لم يكن لمكسوره قيمة, كبيض الدجاج رجع بالثمن على البائع وإن كان لمكسوره قيمة, كجوز الهند فهو مخير في الرد وأخذ الثمن وعليه أرش الكسر, أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه] وجملة ذلك أنه إذا اشترى ما لا يطلع على عيبه إلا بكسره كالبطيخ, والرمان والجوز والبيض, فكسره فبان عيبه ففيه روايتان إحداهما لا يرجع على البائع بشيء, وهو مذهب مالك لأنه ليس من البائع تدليس ولا تفريط لعدم معرفته بعيبه وكونه لا يمكنه الوقوف عليه إلا بكسره, فجرى مجرى البراءة من العيوب والثانية يرجع عليه وهي ظاهر المذهب وقول أبي حنيفة والشافعي لأن عقد البيع اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري, فإذا بان معيبا ثبت له الخيار ولأن البائع إنما يستحق ثمن المعيب, دون الصحيح لأنه لم يملكه صحيحا فلا معنى لإيجاب الثمن كله وكونه لم يفرط لا يقتضي أن يجب له ثمن ما لم يسلمه بدليل العيب الذي لم يعلمه في العبد إذا ثبت هذا, فإن المبيع إن كان مما لا قيمة له مكسورا كبيض الدجاج الفاسد والرمان الأسود, والجوز الخرب والبطيخ التالف رجع بالثمن كله لأن هذا تبين به فساد العقد من أصله لكونه وقع على ما لا نفع فيه, ولا يصح بيع ما لا نفع فيه كالحشرات والميتات وليس عليه أن يرد المبيع إلى البائع لأنه لا فائدة فيه الثاني, أن يكون مما لمعيبه قيمة كجوز الهند وبيض النعام, والبطيخ الذي فيه نفع ونحوه فإذا كسره نظرت, فإن كان كسرا لا يمكن استعلام المبيع بدونه فالمشتري مخير بين رده ورد أرش الكسر وأخذ الثمن وبين أخذ أرش عيبه, وهو قسط ما بين صحيحه ومعيبه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي: عندي لا أرش عليه لكسره لأن ذلك حصل بطريق استعلام العيب والبائع سلطه عليه, حيث علم أنه لا تعلم له صحته من فساده بغير ذلك وهذا قول الشافعي ووجه قول الخرقي أنه نقص لم يمنع الرد فلزم رد أرشه كلبن المصراة إذا حلبها, والبكر إذا وطئها وبهذين الأصلين يبطل ما ذكره فإنه لاستعلام العيب, والبائع سلطه عليه بل ها هنا أولى لأنه تدليس من البائع والتصرية حصلت بتدليسه, وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه إلا أنه لا يتلف المبيع بالكلية فالحكم فيه كالذي قبله في قول الخرقي وهو قول القاضي أيضا والمشتري مخير بين رده وأرش الكسر وأخذ الثمن, بين أخذ أرش العيب وهو إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية ليس له رده وله أرش العيب وهذا قول أبي حنيفة والشافعي, وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وإن كسره كسرا لا يبقى له قيمة فله أرش العيب لا غير لأنه أتلفه, وقدر أرش العيب قسط ما بين الصحيح والمعيب من الثمن فيقوم المبيع صحيحا ثم يقوم معيبا غير مكسور, فيكون للمشتري قدر ما بينهما من الثمن على ما مضى شرحه.

 فصل: 

ولو اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا فإن كان مما لا ينقصه النشر رده, وإن كان ينقصه النشر كالهسنجاني الذي يطوي طاقين ملتصقين, جرى ذلك مجرى جوز الهند على التفصيل المذكور فيما إذا لم يزد على ما يحصل به استعلام المبيع, أو زاد كنشر من لا يعرف وإن أحب أخذ أرشه فله ذلك بكل حال.

 فصل: 

وإذا اشترى ثوبًا فصبغه, ثم ظهر على عيب فله أرشه لا غير وبهذا قال أبو حنيفة وعن أحمد, أن له رده وأخذ زيادته بالصبغ لأنها زيادة فلا تمنع الرد كالسمن والكسب والأول أولى لأن هذا معاوضة, فلا يجبر البائع على قبولها كسائر المعاوضات وفارق السمن والكسب فإنه لا يأخذ عن السمن عوضا, والكسب للمشتري لا يرده ولا يعاوض عنه وإن قال البائع: أنا آخذه وأعطى قيمة الصبغ لم يلزم المشتري ذلك وقال الشافعي: ليس للمشتري إلا رده لأنه أمكنه رده, فلم يملك أخذ الأرش كما لو سمن عبده أو كسب ولنا, أنه لا يمكنه رده إلا برد شيء من ماله معه فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده, كما لو تعيب عنده فطلب البائع أخذه مع أرش العيب الحادث والأصل لا نسلمه فإنه يستحق أخذ الأرش إذا أراده بكل حال.

 فصل: 

يصح بيع العبد الجاني, سواء كانت الجناية عمدا أو خطأ على النفس وما دونها, موجبة للقصاص أو غير موجبة له وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وقال في الآخر: لا يصح بيعه لأنه تعلق برقبته حق آدمي, فمنع صحة بيعه كالرهن بل حق الجناية آكد لأنها تقدم على حق المرتهن ولنا, أنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداءه من غيره فلم يمنع البيع, كالزكاة أو حق يثبت بغير رضا سيده فلم يمنع بيعه, كالدين في ذمته أو تصرف في الجاني فجاز, كالعتق وإن كان الحق قصاصا فهو ترجي سلامته ويخشى تلفه فأشبه المريض أما الرهن, فإن الحق متعين فيه لا يملك سيده إبداله ثبت الحق فيه برضاه, وثيقة للدين فلو أبطله بالبيع سقط حق الوثيقة الذي التزمه برضاه واختياره إذا ثبت هذا فمتى باعه, وكانت الجناية موجبة للمال أو القود فعفي عنه إلى مال, فعلى السيد فداؤه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته ويزول الحق عن رقبة العبد ببيعه لأن للسيد الخيرة, بين تسليمه وفدائه فإن باعه تعين عليه فداؤه لإخراج العبد من ملكه ولا خيار للمشتري لعدم الضرر عليه إذ الرجوع على غيره هذا إذا كان السيد موسرا وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يلزم السيد فداؤه لأن أكثر ما فيه أنه التزم فداءه, فلا يلزمه ذلك كما لو قال الراهن: أنا أقضى الدين من الرهن ولنا أنه زال ملكه عن الجاني, فلزمه فداؤه كما لو قتله بخلاف الرهن, وبهذا قال أبو حنيفة وإن كان البائع معسرا لم يسقط حق المجني عليه من رقبة الجاني لأن البائع إنما يملك نقل حقه عن رقبته بفدائه أو ما يقوم مقامه ولا يحصل ذلك في ذمة المعسر, فيبقى الحق في رقبته بحاله مقدما على حق المشتري وللمشتري خيار الفسخ إن كان غير عالم ببقاء الحق في رقبته فإن فسخ رجع بالثمن, وإن لم يفسخ وكانت الجناية مستوعبة لرقبة العبد فأخذ بها, رجع المشتري بالثمن أيضا لأن أرش مثل هذا جميع ثمنه وإن كانت غير مستوعبة لرقبته, رجع بقدر أرشه وإن كان عالما بعيبه راضيا بتعلق الحق به لم يرجع بشيء لأنه اشترى معيبا عالما بعيبه فإن اختار المشتري فداءه, فله ذلك والبيع بحاله لأنه يقوم مقام البائع في الخيرة بين تسليمه وفدائه وحكمه في الرجوع بما فداه به على البائع حكم قضاء الدين عنه فإن كانت الجناية موجبة للقصاص, فللمشتري الخيار بين الرد وأخذ الأرش فإن اقتص منه تعين الأرش, وهو قسط قيمته ما بينه جانيا وغير جان ولا يبطل البيع من أصله وبهذا قال أصحاب الشافعي وقال أبو حنيفة والشافعي: يرجع بجميع الثمن لأن تلفه كان بمعنى استحق عند البائع, فجرى مجرى إتلافه إياه ولنا أنه تلف عند المشتري بالعيب الذي كان فيه فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن, كما لو كان مريضا فمات بدائه أو مرتدا, فقتل بردته وما ذكروه منتقض بما ذكرناه ولا يصح قياسهم على إتلافه لأنه لم يتلفه, فما اشتركا في المقتضى ولو كانت الجناية موجبة لقطع يده فقطعت عند المشتري فقد تعيب في يده لأن استحقاق القطع دون حقيقته, فهل يمنع ذلك رده بعيبه؟ على روايتين ومتى اشتراه عالما بعيبه لم يكن له رده ولا أرش كسائر المعيبات, وهذا قول الشافعي.

 فصل: 

وحكم المرتد حكم القاتل في صحة بيعه وسائر أحكامه المذكورة فيه, فإن قتله غير متحتم لاحتمال رجوعه إلى الإسلام وكذلك القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه فإن لم يتب حتى قدر عليه فقال أبو الخطاب: هو كالقاتل في غير محاربة لأنه عبد قن, يصح إعتاقه ويملك استخدامه فصح بيعه, كغير القاتل ولأنه يمكنه الانتفاع به إلى حال قتله ويعتقه فينجر به ولاء أولاده, فجاز بيعه كالمريض المأيوس من برئه وقال القاضي: لا يصح بيعه لأنه تحتم قتله وإتلافه وإذهاب ماليته وحرم إبقاؤه, فصار بمنزلة ما لا نفع فيه من الحشرات والميتات وهذه المنفعة اليسيرة مفضية به إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع كالمنفعة الحاصلة من الميتة لسد بثق, أو إطعام كلب والأول أصح فإنه كان محلا للبيع, والأصل بقاء ذلك فيه وانحتام إتلافه لا يجعله تالفا بدليل أن أحكام الحياة من التكليف وغيره, لا تسقط عنه ولا تثبت أحكام الموتى له من إرث ماله, ونفوذ وصيته وغيرها ولأن خروجه عن حكم الأصل لا يثبت إلا بدليل, ولا نص في هذا ولا إجماع ولا يصح قياسه على الحشرات والميتات لأن تلك لم تكن فيها منفعة فيما مضى, ولا في الحال وعلى أن هذا التحتم يمكن زواله لزوال ما ثبت به من الرجوع عن الإقرار وإن كان ثبت به, أو رجوع البينة ولو لم يمكن زواله فأكثر ما فيه تحقق تلفه, وذلك يجعله كالمريض المأيوس من برئه وبيعه جائز.

 مسألة: 

قال: [ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع, إلا أن يشترطه المبتاع إذا كان قصده للعبد لا للمال ] وجملة ذلك أن السيد إذا باع عبده, أو جاريته وله مال ملكه إياه مولاه أو خصه به, فهو للبائع لما روى ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (من باع عبدًا وله مال, فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) رواه مسلم وأبو داود, وابن ماجه ولأن العبد وماله للبائع فإذا باع العبد اختص البيع به دون غيره كما لو كان له عبدان فباع أحدهما وإن اشترطه المبتاع كان له للخبر, وروى ذلك نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقضى به شريح, وبه قال عطاء وطاوس ومالك, والشافعي وإسحاق قال الخرقي: إذا كان قصده للعبد لا للمال هذا منصوص أحمد وهو قول الشافعي, وأبي ثور وعثمان البتي ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد, إنما يقصد بقاء المال لعبده وإقراره في يده فمتى كان كذلك, صح اشتراطه ودخل في البيع به سواء كان المال معلوما أو مجهولا, من جنس الثمن أو من غيره عينا كان أو دينا وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر قال البتي: إذا باع عبدا بألف درهم, ومعه ألف درهم فالبيع جائز إذا كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم وذلك لأنه دخل في البيع تبعا غير مقصود فأشبه أساسات الحيطان, والتمويه بالذهب في السقوف فأما إن كان المال مقصودا بالشراء جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع, من العلم به وأن لا يكون بينه وبين الثمن ربا كما يعتبر ذلك في العينين المبيعتين لأنه مبيع مقصود, فأشبه ما لو ضم إلى العبد عينا أخرى وباعهما وقال القاضي: هذا ينبني على كون العبد يملك أو لا يملك فإن قلنا: لا يملك فاشترط المشتري ماله صار مبيعا معه فاشترط فيه ما يشترط في سائر المبيعات وهذا مذهب أبي حنيفة وإن قلنا: يملك احتملت فيه الجهالة وغيرها مما ذكرنا من قبل لأنه تبع في البيع لا أصل, فأشبه طي الآبار وهذا خلاف نص أحمد وقول الخرقي لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف الحكم به قصد المشتري دون غيره وهو أصح - إن شاء الله تعالى - واحتمال الجهالة فيه لكونه غير مقصود, كما ذكرنا كاللبن في ضرع الشاة المبيعة والحمل في بطنها, والصوف على ظهرها وأشباه ذلك فإنه مبيع, ويحتمل فيه الجهالة وغيرها لما ذكرنا وقد قيل: إن المال ليس بمبيع ها هنا وإنما استبقاء المشتري على ملك العبد لا يزول عنه إلى البائع وهو قريب من الأول.

 فصل: 

وإذا اشترى عبدا, واشترط ماله ثم رد العبد بعيب أو خيار أو إقالة رد ماله معه وقال داود: يرد العبد دون ماله لأن ماله لم يدخل في البيع, فأشبه النماء الحادث عنده ولنا أنه عين مال أخذها المشتري لا تحصل بدون البيع فيردها بالفسخ, كالعبد ولأن العبد إذا كان ذا مال كانت قيمته أكثر فأخذ ماله ينقص قيمته, فلم يملك رده حتى يدفع ما يزيل نقصه فإن تلف ماله ثم أراد رده فهو بمنزلة العيب الحادث عند المشتري, هل يمنع الرد؟ على روايتين فإن قلنا: يرده فعليه قيمة ما أتلف قال أحمد: في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه, وظهر على عيب وقد تلف القناع: غرم قيمته بحصته من الثمن.

 فصل: 

وما كان على العبد أو الجارية من الحلي فهو بمنزلة ماله, على ما ذكرنا فأما الثياب فقال أحمد: ما كان يلبسه عند البائع فهو للمشتري وإن كانت ثيابا يلبسها فوق ثيابه, أو شيئا يزينه به فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع يعني أن الثياب التي يلبسها عادة للخدمة والبذلة, تدخل في البيع دون الثياب التي يتجمل بها لأن ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه ولأنها تتعلق بها مصلحته وحاجته, إذ لا غناء له عنها فجرت مجرى مفاتيح الدار بخلاف ثياب الجمال, فإنها زيادة على العادة ولا تتعلق بها حاجة العبد وإنما يلبسها إياه لينفقه بها, وهذه حاجة السيد لا حاجة العبد ولم تجر العادة بالمسامحة فيها, فجرت مجرى الستور في الدار والدابة التي يركبه عليها مع دخولها في الخبر وبقائها على الأصل وقال ابن عمر: من باع وليدة, زينها بثياب فللذي اشتراها ما عليها إلا أن يشترطه الذي باعها وبه قال الحسن, والنخعي ولنا الخبر الذي رواه ابن عمر ولأن الثياب لم يتناولها لفظ البيع ولا جرت العادة ببيعها معه, أشبه سائر مال البائع ولأنه زينة للمبيع فأشبه ما لو زين الدار ببساط أو ستر.

 فصل: 

ولا يملك العبد شيئا إذا لم يملكه سيده في قول عامة أهل العلم وقال أهل الظاهر: يملك لدخوله في عموم قوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعًا} [البقرة: 29]. وقول النبي - ﷺ -: (من باع عبدا وله مال) فأضاف المال إليه فاللام التمليك ولنا, قوله تعالى: {ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75]. ولأن سيده يملك عينه ومنافعه فما حصل بذلك يجب أن يكون لسيده كبهيمته فأما إن ملكه سيده شيئا, ففيه روايتان إحداهما لا يملكه وهو ظاهر قول الخرقي فإنه قال: والسيد يزكي عما في يد عبده لأنه مالكه وقال: والعبد لا يرث ولا مال له فيورث عنه وهو اختيار أبي بكر, وقول أبي حنيفة والثوري وإسحاق, والشافعي في الجديد لأنه مملوك فلم يملك كالبهيمة والثاني, يملك وهي أصح عندي وهو قول مالك والشافعي في القديم للآية والخبر ولأنه آدمي حي, فملك كالحر ولأنه يملك في النكاح فملك في المال كالحر, ولأنه يصح الإقرار له فأشبه الحر وما ذكروه تعليل بالمانع, ولا يثبت اعتباره إلا أن يوجد المقتضي في الأصل ولم يوجد في البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها وإنما انتفى ملكها لعدم المقتضي له, لا لكونها مملوكة وكونها مملوكة عديم الأثر فإن سائر البهائم التي ليست مملوكة من الصيود والوحوش, لا تملك وكذلك الجمادات وإذا بطل كون ما ذكروه مانعا, وقد تحقق المقتضى لزم ثبوت حكمه والله أعلم. /// 3 ///

 مسألة: 

قال ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به وجملة ذلك أن من باع سلعة بثمن مؤجل, ثم اشتراها بأقل منه نقدا لم يجز في قول أكثر أهل العلم روى ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن, وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال أبو الزناد, وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ولنا, ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها: بئس ما شريت, وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ- إلا أن يتوب رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله - ﷺ - فجرى مجرى روايتها ذلك عنه, ولأن ذلك ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل معلوم وكذلك روى عن ابن عباس في مثل هذه المسألة أنه قال: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعنى خرقة حرير جعلاها في بيعهما والذرائع معتبرة لما قدمناه فأما بيعها بمثل الثمن أو أكثر, فيجوز لأنه لا يكون ذريعة وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع فإن نقصت مثل إن هزل العبد, أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلى جاز له شراؤها بما شاء لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا وإن نقص سعرها, أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها نص أحمد على هذا كله.

 فصل: 

وإن اشتراها بعرض, أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز وبه قال أبو حنيفة ولا نعلم فيه خلافا لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الأثمان والعروض فأما إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم, ثم اشتراها بعشرة دنانير فقال أصحابنا: يجوز لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما فجاز كما لو اشتراها بعرض, أو بمثل الثمن وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحسانا لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية ولأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول وهذا أصح - إن شاء الله تعالى -.

 فصل: 

وهذه المسألة تسمى مسألة العينة قال الشاعر: أندان أم نعتان أم ينبري لنا ** فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه فقوله: نعتان أي نشتري عينة مثلما وصفنا وقد روى أبو داود, بإسناده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) وهذا وعيد يدل على التحريم وقد روى عن أحمد أنه قال العينة أن يكون عند الرجل المتاع, فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باعه بنقد ونسيئة فلا بأس وقال: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد وقال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعتها الربا فإن الغالب أن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالأجل ويجوز أن تكون العينة اسما لهذه المسألة وللبيع بنسيئة جميعا, لكن البيع بنسيئة ليس بمحرم اتفاقا ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره .

 فصل: 

وإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة, فقال أحمد في رواية حرب: لا يجوز ذلك إلا أن يغير السلعة لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا فأشبه مسألة العينة فإن اشتراها بنقد آخر, أو بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها نسيئة جاز لما ذكرناه في مسألة العينة ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه, إلا أن يكون ذلك عن مواطأة أو حيلة فلا يجوز وإن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد, جاز لأن الأصل حل البيع وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه وليس هذا في معناه, ولأن التوسل بذلك أكثر فلا يلتحق به ما دونه والله أعلم .

 فصل: 

وفي كل موضع قلنا: لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس, سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لأنه غير البائع ويشتري لنفسه, فأشبه الأجنبي

 فصل: 

ومن باع طعاما إلى أجل فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن الذي في ذمته طعاما قبل قبضه لم يجز روى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب, وطاوس وبه قال مالك وإسحاق وأجازه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلى بن حسين والشافعي وابن المنذر, وأصحاب الرأي قال علي بن حسين: إذا لم يكن لك في ذلك رأي وروى عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه قال: بعت تمرا من التمارين كل سبعة آصع بدرهم, ثم وجدت عند رجل منهم تمرا يبيعه أربعة آصع بدرهم فاشتريت منه فسألت عكرمة عن ذلك؟ فقال: لا بأس, أخذت أنقص مما بعت ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك وأخبرته بقول عكرمة فقال: كذب قال عبد الله بن عباس ما بعت من شيء مما يكال بمكيال, فلا تأخذ منه شيئا مما يكال بمكيال إلا ورقا أو ذهبا فإذا أخذت ورقك, فابتع ممن شئت منه أو من غيره فرجعت فإذا عكرمة قد طلبني, فقال: الذي قلت لك هو حلال هو حرام فقلت لسعيد بن المسيب: إن فضل لي عنده فضل؟ قال: فأعطه أنت الكسر وخذ منه الدرهم ووجه ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة, فحرم كمسألة العينة فعلى هذا كل شيئين حرم النساء فيهما, لا يجوز أن يؤخذ أحدهما عوضا عن الآخر قبل قبض ثمنه إذا كان البيع نساء نص أحمد على ما يدل على هذا وكذلك قال سعيد بن المسيب فيما حكينا عنه والذي يقوي عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولا قصد ذلك في ابتداء العقد, كما قال على بن الحسين فيما يروى عنه عبد الله بن زيد قال قدمت على علي بن الحسين فقلت له: إني أجذ نخلي, وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل ذلك الأجل, فيوقفونها بالسوق فأبتاع منهم وأقاصهم قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد انبرام العقد أول لزومه, فصح كما لو كان المبيع الأول حيوانا أو ثيابا ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا, فإنه لم يأخذ بالثمن طعاما ولكن اشترى من المشتري طعاما بدراهم وسلمها إليه, ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه بها, كما في حديث على بن الحسين.

 مسألة: 

قال: ومن باع حيوانا أو غيره بالبراءة من كل عيب لم يبرأ, سواء علم به البائع أو لم يعلم اختلفت الرواية عن أحمد في البراءة من العيوب فروي عنه: أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب وهو قول الشافعي وقال إبراهيم والحكم وحماد: لا يبرأ إلا مما سمى وقال شريح: لا يبرأ إلا مما أراه أو وضع يده عليه وروي نحو ذلك عن عطاء, والحسن وإسحاق لأنه مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط, فلا يثبت مع الجهل كالخيار والرواية الثانية: أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه, ويروى ذلك عن عثمان ونحوه عن زيد بن ثابت وهو قول مالك وقول الشافعي في الحيوان خاصة لما روي أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة من العيب بثمانمائة درهم فأصاب به زيد عيبا, فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان, فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعا وروي عن أحمد أنه أجاز البراءة من المجهول فيخرج من هذا صحة البراءة من كل عيب وروي هذا عن ابن عمر وهو قول أصحاب الرأي, وقول الشافعي لما روت أم سلمة (أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ- استهما وتوخيا وليحلل كل واحد منكما صاحبه) فدل هذا على أن البراءة من المجهول جائزة, ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه فصح من المجهول كالعتاق والطلاق, ولا فرق بين الحيوان وغيره فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر وقول عثمان قد خالفه ابن عمر, وقول الصحابي المخالف لا يبقى حجة.

 فصل: 

فإن قلنا: لا يصح شرط البراءة من العيوب فشرطه لم يفسد البيع في ظاهر المذهب وهو وجه لأصحاب الشافعي لأن ابن عمر باع بشرط البراءة فأجمعوا على صحته ولم ينكره منكر فعلى هذا لا يمنع الرد بوجود الشرط, ويكون وجوده كعدمه وعن أحمد في الشروط الفاسدة روايتان إحداهما أنها تفسد العقد فيدخل فيها هذا البيع لأن البائع إنما رضي بهذا الثمن عوضا عنه بهذا الشرط, فإذا فسد الشرط فات الرضا به فيفسد البيع لعدم التراضي به.

 مسألة: 

قال: ومن باع شيئا مرابحة فعلم أنه زاد في رأس ماله, رجع عليه بالزيادة وحطها من الربح معنى بيع المرابحة هو البيع برأس المال وربح معلوم ويشترط علمهما برأس المال فيقول: رأس مالي فيه أو هو على بمائة بعتك بها, وربح عشرة فهذا جائز لا خلاف في صحته ولا نعلم فيه عند أحد كراهة وإن قال: بعتك برأس مالي فيه وهو مائة, وأربح في كل عشرة درهما أو قال: ده يازده أو ده داوزده فقد كرهه أحمد وقد رويت كراهته عن ابن عمر, وابن عباس ومسروق والحسن وعكرمة, وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار وقال إسحاق لا يجوز لأن الثمن مجهول حال العقد فلم يجز, كما لو باعه بما يخرج به في الحساب ورخص فيه سعيد بن المسيب وابن سيرين وشريح, والنخعي والثوري والشافعي, وأصحاب الرأي وابن المنذر ولأن رأس المال معلوم والربح معلوم فأشبه ما لو قال: وربح عشرة دراهم ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه ولم نعلم لهما في الصحابة مخالفا ولأن فيه نوعا من الجهالة, والتحرز عنها أولى وهذه كراهة تنزيه والبيع صحيح لما ذكرنا والجهالة يمكن إزالتها بالحساب, فلم تضر كما لو باعه صبرة كل قفيز بدرهم وأما ما يخرج به في الحساب, فمجهول في الجملة والتفصيل إذا ثبت هذا عدنا إلى مسألة الكتاب فنقول: متى باع شيئا برأس ماله وربح عشرة, ثم علم بتنبيه أو إقرار أن رأس ماله تسعون فالبيع صحيح لأنه زيادة في الثمن فلم يمنع صحة العقد كالعيب وللمشتري الرجوع على البائع بما زاد في رأس المال, وهو عشرة وحطها من الربح وهو درهم, فيبقى على المشتري بتسعة وتسعين درهما وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى وهو أحد قولي الشافعي وقال أبو حنيفة: هو مخير بين الأخذ بكل الثمن أو يترك قياسا على المعيب ولنا, أنه باعه برأس ماله وما قدره من الربح فإذا بان رأس ماله قدرا مبيعا به وبالزيادة التي اتفقا عليها والمعيب كذلك عندنا, فإن له أخذ الأرش ثم المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور, وهاهنا رضي فيه برأس المال والربح المقرر وهل للمشتري خيار؟ فالمنصوص عن أحمد أن المشتري مخير بين أخذ المبيع برأس ماله وحصته من الربح وبين تركه نقله حنبل وحكى ذلك قولا للشافعي لأن المشتري لا يأمن الجناية في هذا الثمن أيضا, ولأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن بعينه لكونه حالفا أو وكيلا أو غير ذلك وظاهر كلام الخرقي, أنه لا خيار له لأنه لم يذكره وحكى ذلك قولا للشافعي لأنه رضيه بمائة وعشرة فإذا حصل له بتسعة وتسعين فقد زاده خيرا, فلم يكن له خيار كما لو اشتراه على أنه معيب فبان صحيحا, أو أمى فبان صانعا أو كاتبا أو وكل في شراء معين بمائة فاشتراه بتسعين وأما البائع, فلا خيار له لأنه باعه برأس ماله وحصته من الربح وقد حصل له ذلك.

 فصل: 

وإذا أراد الإخبار بثمن السلعة فإن كانت بحالها, لم تتغير أخبر بثمنها وإن حط البائع بعض الثمن عن المشتري, أو اشتراه بعد لزوم العقد لم يجزئه ويخبر بالثمن الأول, لا غير ولأن ذلك هبة من أحدهما للآخر لا يكون عوضا وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة, وهذه مسألة يأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى- وإن كان ذلك في مدة الخيار لحق بالعقد وأخبر به في الثمن وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ولا أعلم عن غيرهم خلافهم فإن تغير سعرها دونها, فإن غلت لم يلزمه الإخبار بذلك لأنه زيادة فيها وإن رخصت فنص أحمد على أنه لا يلزمه الإخبار بذلك لأنه صادق بدون الإخبار به ويحتمل أن يلزمه الإخبار بالحال فإن المشتري لو علم ذلك, لم يرضها بذلك الثمن فكتمانه تغرير به فإن أخبر بدون ثمنها ولم يتبين الحال, لم يجز لأنه يجمع بين الكذب والتغرير.

 فصل: 

فأما إن تغيرت السلعة فذلك على ضربين: أحدهما أن تتغير بزيادة وهي نوعان أحدهما, أن تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة, أو يحصل منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب, فهذا إذا أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالثمن من غير زيادة لأنه القدر الذي اشتراها به وإن أخذ النماء المنفصل أو استخدم الأمة, أو وطئ الثيب أخبر برأس المال ولم يلزمه تبيين الحال وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يلزمه تبيين ذلك كله وهو قول إسحاق وقال أصحاب الرأي في الغلة يأخذها: لا بأس أن يبيع مرابحة, وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين ولأنه من موجب العقد ولنا أنه صادق فيما أخبر به من غير تغرير بالمشتري فجاز, كما لو لم يزد ولأن الولد والثمرة نماء منفصل فلم يمنع من بيع المرابحة بدون ذكره كالغلة وقد بينا من قبل أنه ليس من موجبات العقد النوع الثاني, أن يعمل فيها عملا مثل أن يقصرها أو يرفوها, أو يجملها أو يخيطها فهذه متى أراد أن يبيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من عمله هذا ظاهر كلام أحمد فإنه قال: يبين ما اشتراه وما لزمه, ولا يجوز أن يقول: تحصلت على بكذا وبه قال الحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب وطاوس, والنخعي والأوزاعي وأبو ثور ويحتمل أن يجوز فيما استأجر عليه أن يضم الأجرة إلى الثمن, ويقول: تحصلت على بكذا لأنه صادق وبه قال الشعبي والحكم والشافعي ولنا أنه تغرير بالمشتري, فإنه عسى أن لو علم أن بعض ما تحصلت به لأجل الصناعة لا يرغب فيه لعدم رغبته في ذلك فأشبه ما ينقص الحيوان في مؤنته, وكسوته وعلى المبتاع في خزنه الضرب الثاني أن يتغير بنقص, كنقصه بمرض أو جناية عليه أو تلف بعضه, أو بولادة أو عيب أو يأخذ المشتري بعضه, كالصوف واللبن الموجود ونحوه فإنه يخبر بالحال على وجهه لا نعلم فيه خلافا وإن أخذ أرش العيب, أو الجناية أخبر بذلك على وجهه ذكره القاضي وقال أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي لأن أرش العيب عوض ما فات به, فكان ثمن الموجود هو ما بقي وفي أرش الجناية وجهان أحدهما يحطه من الثمن كأرش العيب والثاني, لا يحطه كالنماء وقال الشافعي: يحطهما من الثمن ويقول: تقوم على بكذا لأنه صادق فيما أخبر به فأشبه ما لو أخبر بالحال على وجهه ولنا, أن الإخبار بالحال على وجهه أبلغ في الصدق وأقرب إلى البيان ونفي التغرير بالمشتري والتدليس عليه فلزمه ذلك, كما لو اشترى شيئين بثمن واحد وقسط الثمن عليهما وقياس أرش الجناية عليه على النماء والكسب غير صحيح لأن الأرش عوض نقصه الحاصل بالجناية عليه فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه, وكقيمة أحد الثوبين إذا تلف أحدهما والنماء والكسب زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شيء منه فأما إن جنى المبيع, ففداه المشتري لم يلحق ذلك بالثمن ولم يخبر به في المرابحة, بغير خلاف نعلمه لأن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتا وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته, فأشبه الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري فأما الأدوية والمؤنة والكسوة, وعمله في السلعة بنفسه أو عمل غيره له بغير أجرة فإنه لا يخبر بذلك في الثمن, وجها واحدا وإن أخبر بالحال على وجهه فحسن. فصل وإن اشترى شيئين صفقة واحدة, ثم أراد بيع أحدهما مرابحة أو اشترى اثنان شيئا فتقاسماه, وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذي أداه فيه فذلك قسمان: أحدهما, أن يكون البيع من المتقومات التي لا ينقسم الثمن عليها بالأجزاء كالثياب والحيوان والشجرة المثمرة وأشباه هذا فهذا لا يجوز بيع بعضه مرابحة, حتى يخبر بالحال على وجهه نص عليه أحمد فقال: كل بيع اشتراه جماعة ثم اقتسموه لا يبيع أحدهم مرابحة, إلا أن يقول: اشتريناه جماعة ثم اقتسمناه وهذا مذهب الثوري وإسحاق, وأصحاب الرأي وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته بدليل ما لو كان المبيع شقصا وسيفا أخذ الشفيع الشقص بحصته من الثمن ولو اشترى شيئين فوجد أحدهما معيبا رده بحصته من الثمن وذكر ابن أبي موسى, فيما اشتراه اثنان فتقاسماه رواية أخرى عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لأن ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبر به ولنا, أن قسمة الثمن على المبيع طريقه الظن والتخمين واحتمال الخطأ فيه كثير وبيع المرابحة أمانة فلم يجز هذا فيه, فصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز أن يباع به ما يجب التماثل فيه وإنما أخذ الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية إليه, وكونه لا طريق له سوى التقويم ولأنه لو لم يأخذ بالشفعة لاتخذه الناس طريقا لإسقاطها فيؤدي إلى تفويتها بالكلية, وهاهنا له طريق وهو الإخبار بالحال على وجهه أو بيعه مساومة القسم الثاني, أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم الثمن عليها بالأجزاء كالبر والشعير المتساوي فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن وبهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافا لأن ثمن الجزء معلوم يقينا, ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة فأخذهما على الصفة وأراد بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن, فالقياس جوازه لأن الثمن ينقسم عليهما نصفين لا باعتبار القيمة وكذلك لو أقاله في أحدهما أو تعذر تسليمه, كان له نصف الثمن من غير اعتبار قيمة المأخوذ منهما فكأنه أخذ كل واحد منهما منفردا ولأن الثمن وقع عليهما متساويا لتساوي صفتهما في الذمة, فهما كقفيزين من صبرة وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة جرت مجرى الحادث بعد البيع.

 فصل: 

وإن اشترى شيئا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة, حتى يبين ذلك وإن اشتراه من أبيه أو ابنه أو ممن لا تقبل شهادته له, لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي وأبو يوسف, ومحمد يجوز من غير بيان لأنه أخبر بما اشتراه عقدا صحيحا فأشبه ما لو اشتراه من أجنبي ولنا أنه متهم في الشراء منهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم, فلم يجز أن يخبر بما اشتراه منهم مطلقا كما لو اشترى من مكاتبه وفارق الأجنبي فإنه لا يتهم في حقه وقياسهم يبطل بالشراء من مكاتبه فإنه لا يجوز له بيع ما اشتراه من مكاتبه مرابحة حتى يبين أمره, ولا نعلم فيه خلافا وإن اشتراه من غلام دكانه الحر فقال القاضي: إذا باعه سلعة ثم اشتراها منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره ولا نعلم فيه خلافا ولأنه متهم في حقه فأشبه من لا تقبل شهادته له وقال أبو الخطاب إن فعل ذلك حيلة لم يجز وظاهره الجواز إذا لم يكن حيلة وهذا أصح لأنه أجنبي, لكن لا يختص هذا بغلام دكانه بل متى فعل هذا على وجه الحيلة لم يجز وكان حراما وتدليسا, على ما ذكرنا من قبل.

 فصل: 

فإن اشترى ثوبًا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة استحب أن يخبر بالحال على وجهه فإن أخبر أنه اشتراه بعشرة ولم يبين جاز وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه صادق فيما أخبر به, وليس فيه تهمة ولا تغرير بالمشتري فأشبه ما لو لم يربح فيه وروي عن ابن سيرين أنه يطرح الربح من الثمن ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة وأعجب أحمد قول ابن سيرين قال: فإن باعه على ما اشتراه, يبين أمره يعني يخبر أنه ربح فيه مرة ثم اشتراه وهذا محمول على الاستحباب لما ذكرناه وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة وهذا قول القاضي وأصحابه لأن المرابحة تضم فيها العقود فيخبر بما تقوم عليه كما تضم أجرة الخياط والقصار وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الأول لأنه أمن أن يرده عليه, ولأن الربح أحد نوعي النماء فوجب أن يخبر به في المرابحة كالولد والثمرة فعلى هذا ينبغي أنه إذا طرح الربح من الثمن الثاني يقول: تقوم على بخمسة ولا يجوز أن يقول: اشتريته بخمسة لأن ذلك كذب والكذب حرام ويصير كما لو ضم أجرة القصارة والخياطة إلى الثمن وأخبر به ولنا, ما ذكرناه فيما تقدم وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة والولد والثمرة فشيء بنوه على أصلهم لا نسلمه ثم لا يشبه هذا ما ذكره لأن المؤنة والنماء لزماه في هذا البيع الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة فيه وأما تقرير الربح, فغير صحيح فإن العقد الأول قد لزم ولم يظهر العيب ولم يتعلق به حكمه ثم قد ذكرنا في مثل هذه المسألة أن للمشتري أن يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة, فهاهنا أولى ويجيء على هذا القول أنه لو اشتراه بعشرة ثم باعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة فإنه يخبر أنها حصلت بغير شيء, وإن اشتراها بعشرة ثم باعها بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر أنها تقومت عليه بدرهمين وإن اشتراها بخمسة عشر أخبر أنها تقومت عليه باثني عشر نص أحمد على نظير هذا وعلى هذا يطرح الربح من الثمن الثاني كيفما كان فإن لم يربح, ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها لأنها ثمن العقد الذي يلي المرابحة ولو خسر فيها مثل إن اشتراها بخمسة عشر ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ثمن كان, أخبر به ولم يجز أن يضم الخسارة إلى الثمن الثاني فيخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه وهذا يدل على صحة ما ذكرناه والله أعلم

 فصل: 

وكل ما قلنا: إنه يلزمه أن يخبر به في المرابحة ويبينه فلم يفعل, فإن البيع لا يفسد به ويثبت للمشتري الخيار بين الأخذ به وبين الرد إلا في الخبر بزيادة على رأس ماله, على ما قدمناه من القول فيه وإن اشتراه بثمن مؤجل ولم يبين أمره فعن أحمد أنه مخير بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد حالا وبين الفسخ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن البائع لم يرض بذمة المشتري وقد تكون ذمته دون ذمة البائع, فلا يلزمه الرضا بذلك وحكي ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما كان له ذلك إلى الأجل يعني وإن شاء فسخ وإن كان قد استهلك حبس المشتري الثمن بقدر الأجل وهذا قول شريح لأنه كذلك وقع على البائع فيجب أن يكون للمشتري أخذه بذلك على صفته, كما لو أخبر بزيادة على الثمن وكونه لم يرض بذمة المشتري لا يمنع نفوذ البيع بذلك كما أنه إذا أخبر بزيادة لم يرض ببيعه إلا بما أخبر به ولم يلتفت إلى رضاه, بل وجب الرجوع إلى ما وقع به البيع الأول كذا ها هنا

 فصل: 

فإن ابتاعه بدنانير فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو كان بالعكس أو اشتراه بعرض فأخبر أنه اشتراه بثمن, أو بثمن فأخبر أنه اشتراه بعرض وأشباه هذا, فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين الرضا به بالثمن الذي تبايعا به كسائر المواضع التي ثبت فيها ذلك.

 فصل: 

وإن ابتاع اثنان ثوبا بعشرين, وبذل لهما فيه اثنان وعشرون فاشترى أحدهما نصيب صاحبه فيه بذلك السعر فإنه يخبر في المرابحة بأحد وعشرين نص عليه أحمد وهذا قول النخعي وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين لأن ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه ثم رجع بعد ذلك إلى قول إبراهيم ولا نعلم أحدا خالف ذلك لأنه اشترى نصفه الأول بعشرة ثم اشترى نصفه الثاني بأحد عشر, فصار مجموعهما أحدا وعشرين.

 فصل: 

قال أحمد ولا بأس أن يبيع بالرقم ومعناه أن يقول: بعتك هذا الثوب برقمه وهو الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوما لهما حال العقد وهذا قول عامة الفقهاء وكرهه طاوس ولنا أنه بيع بثمن معلوم فأشبه ما لو ذكر مقداره, أو ما لو قال: بعتك هذا بما اشتريته به وقد علما قدره فإن لم يكن معلوما لهما أو لأحدهما, لم يصح لأن الثمن مجهول قال أحمد والمساومة عندي أسهل من بيع المرابحة وذلك لأن بيع المرابحة تعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تبيين الحال على وجهه في المواضع التي ذكرناها ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل أو غلط فيكون على خطر وغرر وتجنب ذلك أسلم وأولى.

 فصل: 

وبيع التولية هو البيع بمثل ثمنه من غير نقص ولا زيادة وحكمه في الإخبار بثمنه وتبيين ما يلزمه تبيينه حكم المرابحة في ذلك كله, ويصح بلفظ البيع ولفظ التولية.

 مسألة: 

قال وإن أخبر بنقصان من رأس ماله كان على المشتري رده, أو إعطاؤه ما غلط به وله أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها بأكثر وجملة ذلك أنه إذا قال في المرابحة: رأس مالي فيه مائة وأربح عشرة ثم عاد فقال: غلطت, رأس مالي فيه مائة وعشرة لم يقبل قوله في الغلط إلا ببينة تشهد أن رأس ماله عليه ما قاله ثانيا وذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفا بالصدق قبل قوله وإن لم يكن صدوقا, جاز البيع قال القاضي: وظاهر كلام الخرقي أن القول قول البائع مع يمينه لأنه لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه والقول قول الأمين مع يمينه, كالوكيل والمضارب والظاهر أن الخرقي لم يترك ذكر ما يلزم البائع في إثبات دعواه لكونه يقبل مجرد دعواه بل لأنه عطفه على المسألة قبلها وقد ذكر فيها, فعلم أنه زاد في رأس المال ولم يتعرض لما يحصل به العلم لكن قد علمنا أن العلم إنما يحصل ببينة أو إقرار, كذلك علم غلطه ها هنا يحصل ببينة أو إقرار من المشتري وكون البائع مؤتمنا لا يوجب قبول دعواه في الغلط كالمضارب والوكيل إذا أقرا بربح ثم قالا: غلطنا أو نسينا واليمين التي ذكرها الخرقي ها هنا, إنما هي على نفي علمه بغلط نفسه وقت البيع لا على إثبات غلطه وعن أحمد رواية ثالثة أنه لا يقبل قول البائع وإن أقام به بينة حتى يصدقه المشتري وهو قول الثوري والشافعي لأنه أقر بالثمن وتعلق به حق الغير فلا يقبل رجوعه ولا بينته لإقراره بكذبها ولنا أنها بينة عادلة, شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كسائر البينات ولا يسلم أنه أقر بخلافها فإن الإقرار يكون لغير المقر وحالة إخباره بثمنها لم يكن عليه حق لغيره, فلم يكن إقرار فإن لم تكن بينة أو كانت له بينة وقلنا: لا تقبل بينته فادعى أن المشتري يعلم غلطه فأنكر المشتري, فالقول قوله وإن طلب يمينه فقال القاضي: لا يمين عليه لأنه مدع, واليمين على المدعي عليه ولأنه قد أقر له فيستغنى بالإقرار عن اليمين والصحيح أن عليه اليمين أنه لا يعلم ذلك لأنه ادعي عليه ما يلزمه به رد السلعة أو زيادة في ثمنها فلزمته اليمين كموضع الوفاق وليس هو ها هنا مدعيا إنما هو مدعى عليه العلم بمقدار الثمن الأول, ثم قال الخرقي له أن يحلفه أن وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر وهذا صحيح فإنه لو باعها بهذا الثمن عالما بأن ثمنها عليه أكثر لزمه البيع بما عقد عليه لأنه تعاطى شيئا عالما بالحال, فلزمه كمشتري المعيب عالما بعيبه وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادعى عليه, لزمته اليمين فإن نكل قضى عليه وإن حلف خير المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غلط بها وحطها من الربح وبين فسخ العقد ويحتمل أنه إذا باعه بمائة وربح عشرة ثم إنه غلط بعشرة, لا يلزمه حط العشرة من الربح لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع فلا يكون له أكثر منها وكذلك إن تبين له أنه زاد في رأس ماله لا ينقص الربح من عشرة لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة, فأما إن قال: وأربح في كل عشرة درهما أو قال: ده يازده لزمه حط العشرة من الربح في الغلط والزيادة على الثمن في الصورتين وإنما أثبتنا له الخيار لأنه دخل على أن الثمن مائة وعشرة فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب وإن اختار أخذها بمائة وأحد وعشرين, لم يكن للبائع خيار لأنه قد زاده خيرا فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضا لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد, وتراضيا به.

 فصل: 

ويجوز بيع المواضعة وهو أن يخبر برأس ماله ثم يقول: بعتك هذا به وأضع عنك كذا فإن قال: بوضيعة درهم من كل عشرة كره لما ذكرنا في المرابحة وصح ويطرح من كل عشرة درهما فإن كان الثمن مائة لزمه تسعون ويكون الحط عشرة وقال قوم: يكون الحط من كل أحد عشر درهما فيكون ذلك تسعة دراهم وجزءا من أحد عشر جزءا من درهم, وتبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا غلط لأن هذا يكون حطا من كل أحد عشر وهو غير ما قاله فأما إن قال بوضيعة درهم لكل عشرة كان الوضيعة من كل أحد عشر درهما, ويكون الباقي تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وحكي عن أبي ثور أنه قال: الحط ها هنا عشرة مثل الأولى وليس بصحيح فإنه إذا قال: لكل عشرة درهما يكون الدرهم من غيرها فكأنه قال: من كل أحد عشر درهما درهما وإذا قال: من كل عشرة درهما كان الدرهم من العشرة لأن من للتبعيض, فكأنه قال: آخذ من العشرة تسعة وأحط منها درهما. فصل: إذا اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين, ثم باعاها مساومة بثمن واحد فهو بينهما نصفان لا نعلم فيه خلافا لأن الثمن عوض عنها فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيها وإن باعاها مرابحة أو مواضعة أو تولية فكذلك, نص عليه أحمد وهو قول ابن سيرين والحكم قال الأثرم قال أبو عبد الله -رحمه الله-: إذا باعها فالثمن بينهما نصفان قلت: أعطى أحدهما أكثر مما أعطى الآخر؟ فقال: وإن ألبس الثوب بينهما الساعة سواء فالثمن بينهما لأن كل واحد منهما يملك مثل الذي يملك صاحبه وحكي أبو بكر عن أحمد رواية أخرى أن الثمن بينهما على قدر رءوس أموالهما لأن بيع المرابحة يقتضي أن يكون الثمن في مقابلة رأس المال, فيكون مقسوما بينهما على حسب رءوس أموالهما ولم أجد عن أحمد رواية بما قال أبو بكر وقيل: هذا وجه خرجه أبو بكر وليس برواية والمذهب الأول لأن الثمن عوض المبيع وملكهما متساو فيه فكان ملكهما كعوضه متساويا كما لو باعاه مساواة.

 فصل: 

ومتى باعاه السلعة برقمها ولا يعلمانه أو جهلا رأس المال في المرابحة أو المواضعة أو التولية أو جهل ذلك أحدهما أو جهل قدر الربح أو قدر الوضيعة فالبيع باطل لأن العلم بالثمن شرط لصحة البيع, فلا يثبت بدونه ولو باعه بمائة ذهبا وفضة لم يصح البيع وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح ويكون نصفين لأن الإطلاق يقتضي التسوية كالإقرار ولنا أن قدر كل واحد منهما مجهول فلم يصح, كما لو قال: بمائة بعضها ذهب وقوله: إنه يقتضي التسوية لا يصح فإنه لو فسره بغير ذلك صح وكذلك لو أقر له بمائة ذهبا وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما.

 مسألة: 

قال وإذا باع شيئا واختلفا في ثمنه تحالفا, فإن شاء المشتري أخذه بعد ذلك بما قال البائع وإلا انفسخ البيع بينهما والمبتدئ باليمين البائع والكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة: الفصل الأول: أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فقال البائع: بعتك بعشرين وقال المشتري: بل بعشرة ولأحدهما بينة حكم بها وإن لم يكن لهما بينة تحالفا وبهذا قال شريح وأبو حنيفة والشافعي ومالك في رواية وعنه القول قول المشتري مع يمينه وبه قال أبو ثور وزفر لأن البائع يدعي عشرة زائدة, ينكرها المشتري والقول قول المنكر وقال الشعبي القول قول البائع أو يترادان البيع وحكاه ابن المنذر عن إمامنا, -رحمه الله- وروى ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ - أنه قال (إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع) رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما, والمشهور في المذهب الأول ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدا وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبي حلف أيضا وفسخ البيع بينهما لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ- قال إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما, تحالفا ولأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه فإن البائع يدعي عقدا بعشرين ينكره المشتري والمشتري يدعي عقدا بعشرة ينكره البائع, والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما وهذا الجواب عما ذكروه الفصل الثاني أن المبتدئ باليمين البائع فيحلف ما بعته بعشرة, وإنما بعته بعشرين فإن شاء المشتري أخذه بما قال البائع وإلا يحلف ما اشتريته بعشرين وإنما اشتريته بعشرة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يبتدئ بيمين المشتري لأنه منكر واليمين في جنبته أقوى ولأنه يقضي بنكوله وينفصل الحكم وما كان أقرب إلى فصل الخصومة كان أولى ولنا قول النبي - ﷺ- (فالقول ما قال البائع) وفي لفظ (فالقول ما قال البائع والمشتري بالخيار) رواه الإمام أحمد ومعناه: إن شاء أخذ, وإن شاء حلف ولأن البائع أقوى جنبة لأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه فكان أقوى كصاحب اليد, وقد بينا أن كل واحد منهما منكر فيتساويان من هذا الوجه والبائع إذا نكل فهو بمنزلة نكول المشتري يحلف الآخر, ويقضي له فهما سواء.

 الفصل الثالث: 

أنه إذا حلف البائع فنكل المشتري عن اليمين قضى عليه وإن نكل البائع, حلف المشتري وقضى له وإن حلفا جميعا لم ينفسخ البيع بنفس التحالف لأنه عقد صحيح, فتنازعهما وتعارضهما لا يفسخه كما لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه لكن إن رضي أحدهما بما قال صاحبه أقر العقد بينهما, وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما الفسخ هذا ظاهر كلام أحمد ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن العقد صحيح وأحدهما ظالم, وإنما يفسخه الحاكم لتعذر إمضائه في الحكم فأشبه نكاح المرأة إذا زوجها الوليان وجهل السابق منهما ولنا قول النبي - ﷺ - (أو يترادان البيع) وظاهره استقلالهما بذلك, وفي القصة أن ابن مسعود رضي الله عنه باع الأشعث بن قيس رقيقا من رقيق الإمارة فقال عبد الله بعتك بعشرين ألفا قال الأشعث اشتريت منك بعشرة آلاف فقال عبد الله سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة, والمبيع قائم بعينه فالقول قول البائع أو يترادان البيع) قال: فإني أرد البيع رواه سعيد عن هشيم عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابن مسعود وروى أيضا حديثا عن عبد الملك بن عبيد قال: قال رسول الله - ﷺ - (إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم كان المشتري بالخيار, إن شاء أخذ وإن شاء ترك) وهذا ظاهر في أنه يفسخ من غير حاكم لأنه جعل الخيار إليه فأشبه من له خيار الشرط أو الرد بالعيب ولأنه فسخ لاستدراك الظلامة, فأشبه الرد بالعيب ولا يشبه النكاح لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق وإذا فسخ العقد فقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أن الفسخ ينفذ ظاهرا وباطنا لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فهو كالرد بالعيب أو فسخ عقد بالتحالف فوقع في الظاهر والباطن, كالفسخ باللعان وقال أبو الخطاب إن كان البائع ظالما لم ينفسخ العقد في الباطن لأنه كان يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقه, فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع لأنه غاصب فإن كان المشتري ظالما انفسخ البيع ظاهرا وباطنا لعجز البائع عن استيفاء حقه, فكان له الفسخ كما لو أفلس المشتري ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ولهم وجه ثالث أنه لا ينفسخ في الباطن بحال وهذا فاسد لأنه لو علم أنه لم ينفسخ في الباطن بحال لما أمكن فسخه في الظاهر فإنه لا يباح لكل واحد منهما التصرف فيما رجع إليه بالفسخ ومتى علم أن ذلك محرم منع منه ولأن الشارع جعل للمظلوم منهما الفسخ ظاهرا وباطنا, فانفسخ بفسخه في الباطن كالرد بالعيب ويقوى عندي أنه إن فسخه الصادق منهما انفسخ ظاهرا وباطنا لذلك وإن فسخه الكاذب عالما بكذبه, لم ينفسخ بالنسبة إليه لأنه لا يحل له الفسخ فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه ويثبت بالنسبة إلى صاحبه فيباح له التصرف فيما رجع إليه لأنه رجع إليه بحكم الشرع من غير عدوان منه فأشبه ما لو رد عليه المبيع بدعوى العيب, ولا عيب فيه.

 مسألة: 

قال فإن كانت السلعة تالفة تحالفا ورجعا إلى قيمة مثلها إلا أن يشاء المشتري أن يعطي الثمن على ما قال البائع فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه في الصفة وجملته أنهما إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان إحداهما يتحالفان مثل ما لو كانت قائمة وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك والأخرى, القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر وهذا قول النخعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة لقوله عليه السلام في الحديث (والسلعة قائمة) فمفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة في ثمنها واختلفا في عشرة زائدة البائع يدعيها والمشتري ينكرها, والقول قول المنكر وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه ففيما عداه يبقى على القياس ووجه الرواية الأولى عموم قوله: (إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار) وقال أحمد ولم يقل فيه: (والمبيع قائم) إلا يزيد بن هارون قال أبو عبد الله وقد أخطأ رواة الحلف عن المسعودي لم يقولوا هذه الكلمة ولكنها في حديث معن ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فيشرع اليمين, كحال قيام السلعة وما ذكروه من المعنى يبطل بحال قيام السلعة فإن ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها وقولهم: تركناه للحديث قلنا: ليس في الحديث تحالفا, وليس ذلك بثابت في شيء من الأخبار قال ابن المنذر وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه وعلى أنه إذا خولف الأصل لمعنى وجب تعدية الحكم بتعدي ذلك المعنى فنقيس عليه بل يثبت الحكم بالبينة فإن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها, فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى فإذا تحالفا فإن رضي أحدهما بما قال الآخر, لم يفسخ العقد لعدم الحاجة إلى فسخه وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما فسخه, كما له ذلك في حال بقاء السلعة ويرد الثمن الذي قبضه البائع إلى المشتري ويدفع المشتري قيمة السلعة إلى البائع, فإن كان من جنس واحد وتساويا بعد التقابض تقاصا وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ, فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية للثمن الذي ادعاه المشتري ويكون القول قول المشتري مع يمينه لأنه لا فائدة في يمين البائع ولا فسخ البيع لأن الحاصل بذلك الرجوع إلى ما ادعاه المشتري وإن كانت القيمة أقل فلا فائدة للبائع في الفسخ, فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ لأن ذلك ضرر عليه من غير فائدة ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشتري ومتى اختلفا في قيمة السلعة رجعا إلى قيمة مثلها, موصوفا بصفاتها فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم, والقول قول الغارم.

 فصل: 

وإن تقايلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره, فالقول قول البائع لأنه منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد فأشبه ما لو اختلفا في القبض.

 فصل: 

وإن قال: بعتك هذا العبد بألف فقال: بل هو والعبد الآخر بألف فالقول قول البائع مع يمينه وهو قول أبي حنيفة, وقال الشافعي: يتحالفان لأنهما اختلفا في أصل عوضي العقد فيتحالفان كما لو اختلفا في الثمن ولنا, أن البائع ينكر بيع العبد الزائد فكان القول قوله بيمينه كما لو ادعى شراءه منفردا.

 فصل: 

وإن اختلفا في عين المبيع, فقال: بعتك هذا العبد قال: بل بعتني هذه الجارية فالقول قول كل واحد منهما فيما ينكره مع يمينه لأن كل واحد منهما يدعي عقدا على عين ينكرها المدعى عليه والقول قول المنكر فإن حلف البائع: ما بعتك هذه الجارية أقرت في يده, إن كانت في يده وردت عليه إن كان مدعيها قد قبضها وأما العبد فإن كان في يد البائع, أقر في يده ولم يكن للمشتري طلبه لأنه لا يدعيه وعلى البائع رد الثمن إليه لأنه لم يصل إليه المعقود عليه وإن كان في يد المشتري, فعليه رده إلى البائع لأنه لم يعترف أنه لم يشتره وليس للبائع طلبه إذا بذل له ثمنه لاعترافه ببيعه, وإن لم يعطه ثمنه فله فسخ البيع واسترجاعه لأنه تعذر عليه الوصول إلى ثمنه فملك الفسخ, كما لو أفلس المشتري وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان فأشبه ما لو ادعى أحدهما البيع فيهما جميعا وأنكره الآخر وإن أقام أحدهما بينة بدعواه دون الآخر ثبت ما قامت عليه البينة دون ما لم تقم عليه.

 فصل: 

وإن اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد, نص عليه في رواية الأثرم لأن الظاهر أنهما لا يعقدان إلا به وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراد إذا كان هو الأغلب والمعاملة به أكثر لأن الظاهر وقوع المعاملة به, فهو كما لو كان في البلد نقد واحد ويحتمل أنه ردهما إليه مع التسوي لأن فيه توسطا بينهما وتسوية بين حقيهما وفي العدول إلى غيره ميل على أحدهما, فكان التوسط أولى وعلى مدعي ذلك اليمين لأن ما قاله خصمه محتمل فتجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال, كوجوبها على المنكر وإذا لم يكن في البلد إلا نقدان متساويان فينبغي أن يتحالفا لأنهما اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما فيتحالفان, كما لو اختلفا في قدره.

 فصل: 

وإن اختلفا في أجل أو رهن أو في قدرهما أو في شرط خيار, أو ضمين أو غير ذلك من الشروط الصحيحة ففيه روايتان إحداهما يتحالفان وهو قول الشافعي لأنهما اختلفا في صفة العقد, فوجب أن يتحالفا قياسا على الاختلاف في الثمن والثانية القول قول من ينفي ذلك مع يمينه وهو قول أبي حنيفة لأن الأصل عدمه, فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر, والقول قول المنكر.

 فصل: 

وإن اختلفا فيما يفسد العقد أو شرط فاسد فقال: بعتك بخمر, أو خيار مجهول فقال: بل بعتني بنقد معلوم أو خيار ثلاث فالقول قول من يدعي الصحة مع يمينه لأن ظهور تعاطي المسلم الصحيح أكثر من تعاطيه للفاسد وإن قال: بعتك مكرها فأنكره فالقول قول المشتري لأن الأصل عدم الإكراه, وصحة البيع وإن قال: بعتك وأنا صبي فالقول قول المشتري نص عليه وهو قول الثوري وإسحاق لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده, فكان القول قول من يدعي الصحة كالتي قبلها ويحتمل أن يقبل قول من يدعي الصغر لأنه الأصل وهو قول بعض أصحاب الشافعي ويفارق ما إذا اختلفا في شرط فاسد أو إكراه لوجهين أحدهما أن الأصل عدمه وها هنا الأصل بقاؤه والثاني أن الظاهر من المكلف أنه لا يتعاطى إلا الصحيح وها هنا ما ثبت أنه كان مكلفا وإن قال: بعتك وأنا مجنون فإن لم يعلم له حال جنون فالقول قول المشتري لأن الأصل عدمه وإن ثبت أنه كان مجنونا, فهو كالصبي ولو قال العبد: بعتك وأنا غير مأذون لي في التجارة فالقول قول المشتري نص عليه في رواية مهنا لأنه مكلف, والظاهر أنه لا يعقد إلا عقدا صحيحا.

 فصل: 

وإن مات المتبايعان فورثتهما بمنزلتهما في جميع ما ذكرناه لأنهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما, وإرث حقوقهما فكذلك ما يلزمهما أو يصير لهما.

 فصل: 

وإن اختلفا في التسليم, فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن وقال المشتري: لا أسلم الثمن حتى أقبض المبيع والثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن فإن كان عينا, أو عرضا بعرض جعل بينهما عدل فيقبض منهما, ثم يسلم إليهما وهذا قول الثوري وأحد قولي الشافعي وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع على الإطلاق وهو قول ثان للشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشتري على تسليم الثمن لأن للبائع حبس المبيع على تسليم الثمن ومن استحق ذلك لم يكن عليه التسليم قبل الاستيفاء كالمرتهن ولنا, أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه فكان تقديمه أولى سيما مع تعلق الحكم بعينه, وتعلق حق البائع بالذمة وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده ولذلك يقدم الدين الذي به الرهن في ثمنه على ما تعلق بالذمة, ويخالف الرهن فإنه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن والتسليم ها هنا يتعلق به مصلحة عقد البيع وأما إذا كان الثمن عينا فقد تعلق الحق بعينه أيضا, كالمبيع فاستويا وقد وجب لكل واحد منهما على صاحبه حق, قد استحق قبضه فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه ووجه الرواية الأخرى أن الذي يتعلق به استقرار البيع وتمامه هو المبيع فوجب تقديمه ولأن الثمن لا يتعين بالتعيين, فأشبه غير المعين إذا ثبت هذا وأوجبنا التسليم على البائع فسلمه, فلا يخلو المشتري من أن يكون موسرا أو معسرا فإن كان موسرا والثمن معه, أجبر على تسليمه وإن كان غائبا قريبا في بيته أو بلده حجر عليه في المبيع وسائر ماله, حتى يسلم الثمن خوفا من أن يتصرف في ماله تصرفا يضر بالبائع وإن كان غائبا عن البلد في مسافة القصر, فالبائع مخير بين أن يصبر إلى أن يوجد وبين فسخ العقد لأنه قد تعذر عليه الثمن فهو كالمفلس, وإن كان دون مسافة القصر فله الخيار في أحد الوجهين لأن فيه ضررا عليه والثاني لا خيار له لأن ما دون مسافة القصر بمنزلة الحاضر وإن كان المشتري معسرا, فللبائع الفسخ في الحال والرجوع في المبيع وهذا كله مذهب الشافعي ويقوي عندي أنه لا يجب عليه تسليم المبيع حتى يحضر الثمن, ويتمكن المشتري من تسليمه لأن البائع إنما رضي ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعه قبل حصول عوضه ولأن المتعاقدين سواء في المعاوضة, فيستويان في التسليم وإنما يؤثر ما ذكر من الترجيح في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه وأما مع الخطر المحوج إلى الحجر, أو المحجوز للفسخ فلا ينبغي أن يثبت ولأن شرع الحجر لا يندفع به الضرر ولأنه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب ولأن ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم, فهو أولى أن يمنع التسليم لأن المنع أسهل من الرفع والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده ولذلك ملكت المرأة منع نفسها قبل قبض صداقها, قبل تسليم نفسها ولم تملكه بعد التسليم ولأن للبائع منع المبيع قبل قبض ثمنه أو كونه بمنزلة المقبوض لإمكان تقبيضه, وإلا فلا وكل موضع قلنا: له الفسخ فله ذلك بغير حكم حاكم لأنه فسخ للبيع للإعسار بثمنه فملكه البائع, كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشتري وكل موضع قلنا: يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لأن ولاية الحجر إليه.

 فصل: 

فإن هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال لأنه إذا ملك الفسخ مع حضوره, فمع هربه أولى وإن كان موسرا أثبت البائع ذلك عند الحاكم ثم إن وجد الحاكم له مالا قضاه وإلا باع المبيع, وقضى ثمنه منه وما فضل فهو للمشتري وإن أعوز ففي ذمته ويقوى عندي أن للبائع الفسخ بكل حال لأننا أبحنا له الفسخ مع حضوره, إذا كان الثمن بعيدا عن البلد لما عليه من ضرر التأخير فهاهنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى ولا يندفع الضرر برفع الأمر إلى الحاكم لعجز البائع عن إثباته عند الحاكم, وقد يكون البيع في مكان لا حاكم فيه والغالب أنه لا يحضره من يقبل الحاكم شهادته فإحالته على هذا تضييع لماله وهذه الفروع تقوي ما ذكرته, من أن للبائع منع المشتري من قبض المبيع قبل إحضار ثمنه لما في ذلك من الضرر.

 فصل: 

وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك في القبيحة وقال في الجميلة: يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ لأن التهمة تلحقه فيها فمنع منها ولنا أنه بيع عين لا خيار فيها, قد قبض ثمنها فوجب تسليمها كسائر المبيعات, وما ذكروه من التهمة لا يمكنه من التسلط على منعه من قبض مملوكته كالقبيحة ولأنه إذا كان استبرأها قبل بيعها فاحتمال وجود الحمل فيها بعيد نادر, وإن كان لم يستبرئها فهو ترك التحفظ لنفسه ولو طالب المشتري البائع بكفيل لئلا تظهر حاملا, لم يكن له ذلك لأنه ترك التحفظ لنفسه حال العقد فلم يكن له كفيل كما لو طلب كفيلا بالثمن المؤجل.

 مسألة: 

قال: ولا يجوز بيع الآبق وجملته أن بيع العبد الآبق لا يصح, سواء علم مكانه أو جهله وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد والفرس العائر, وشبههما وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرا شاردا وعن ابن سيرين لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحدا وعن شريح مثله ولنا ما روي أبو هريرة, قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر) رواه مسلم وهذا بيع غرر ولأنه غير مقدور على تسليمه فلم يجز بيعه كالطير في الهواء, فإن حصل في يد إنسان جاز بيعه لإمكان تسليمه.

 مسألة: 

قال: ولا الطائر قبل أن يصاد وجملة ذلك أنه إذا باع طائرا في الهواء لم يصح, مملوكا أو غير مملوك أما المملوك فلأنه غير مقدور عليه وغير المملوك لا يجوز لعلتين إحداهما, العجز عن تسليمه والثانية أنه غير مملوك له والأصل في هذا (نهى النبي - ﷺ - عن بيع الغرر) وقيل في تفسيره: هو بيع الطير في الهواء, والسمك في الماء ولا نعلم في هذا خلافا ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع أو لا يألفه لأنه لا يقدر على تسليمه الآن وإنما يقدر عليه إذا عاد فإن قيل: فالغائب في مكان بعيد, لا يقدر على تسليمه في الحال قلنا: الغائب يقدر على استحضاره والطير لا يقدر صاحبه على رده, إلا أن يرجع هو بنفسه ولا يستقل مالكه برده فيكون عاجزا عن تسليمه, لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه بخلاف الغائب وإن باعه الطير في البرج نظرت فإن كان البرج مفتوحا, لم يجز لأن الطير إذا قدر على الطيران لم يمكن تسليمه فإن كان مغلقا ويمكن أخذه جاز بيعه وقال القاضي: إن لم يمكن أخذه إلا بتعب ومشقة, لم يجز بيعه لعدم القدرة على تسليمه وهذا مذهب الشافعي وهو ملغى بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره إلا بتعب ومشقة وفرقوا بينهما بأن البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في إحضاره بالعادة وتأخير التسليم مدته معلومة, ولا كذلك في إمساك الطائر والصحيح - إن شاء الله تعالى - أن تفاوت المدة في إحضار البعيد, واختلاف المشقة أكثر من التفاوت والاختلاف في إمساك طائر من البرج والعادة تكون في هذا كالعادة في ذاك, فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت وشدة اختلاف المشقة فهذا أولى.

 مسألة: 

قال: ولا السمك في الآجام هذا قول أكثر أهل العلم روي عن ابن مسعود أنه نهى عنه, قال: إنه غرر وكره ذلك الحسن والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا نعلم لهم مخالفا لما ذكرنا من الحديث والمعنى لا يجوز بيعه في الماء إلا أن يجتمع ثلاثة شروط أحدها أن يكون مملوكا الثاني أن يكون الماء رقيقا, لا يمنع مشاهدته ومعرفته الثالث أن يمكن اصطياده وإمساكه فإن اجتمعت هذه الشروط جاز بيعه لأنه مملوك معلوم مقدور على تسليمه فجاز بيعه, كالموضوع في الطست وإن اختل شرط مما ذكرنا لم يجز بيعه لذلك وإن اختلت الثلاثة لم يجز بيعه لثلاث علل وإن اختل اثنان منها, لم يجز بيعه لعلتين وروى عن عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى في من له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه لأنه يقدر على تسليمه ظاهرا أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في كيله ووزنه ونقله ولنا, ما روى عن ابن عمر وابن مسعود أنهما قالا: لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن النبي: - ﷺ - (نهى عن بيع الغرر) وهذا منه ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا بعد اصطياده أشبه الطير في الهواء, والعبد الآبق لأنه مجهول فلم يصح بيعه كاللبن في الضرع, والنوى في التمر ويفارق ما ذكروه لأن ذلك من مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن قبضه, فأما إن كانت له بركة فيها سمك له يمكن اصطياده بغير كلفة والماء رقيق لا يمنع مشاهدته صح بيعه, وإن لم يمكن إلا بمشقة وكلفة يسيرة بمنزلة كلفة اصطياده الطائر من البرج, فالقول فيه كالقول في بيع الطائر في البرج على ما ذكرنا فيه من الخلاف وإن كانت كثيرة وتتطاول المدة فيه, لم يجز بيعه للعجز عن تسليمه والجهل لوقت إمكان التسليم.

 فصل: 

إذا أعد بركة أو مصفاة ليصطاد فيها السمك, فحصل فيها سمك ملكه لأنه آلة معدة للاصطياد فأشبه الشبكة ولو استأجر البركة أو الشبكة, أو استعارهما للاصطياد جاز وما حصل فيهما ملكه وإن كانت البركة غير معدة للاصطياد, لم يملك ما حصل فيها من السمك لأنها غير معدة له فأشبهت أرضه إذا دخل فيها صيد أو حصل فيها سمك ومتى نصب شبكة, أو شركا أو فخا أو أحبولة, ملك ما وقع فيها من الصيد لأنه بمنزلة يده وكذلك لو نصب المناجل للصيد وسمى فقتلت صيدا حل له أكله وكان كذبحه ولو وقع في شبكته أو شبهها شيء كان مضمونا عليه, فعلم بذلك أنه كيده ولو أعد لمياه الأمطار مصانع أو بركا, أو أواني ليحصل فيها الماء ملكه بحصوله فيها لأنها في باب الإعداد كالشباك للاصطياد ولو أعد سفينة للاصطياد, كالتي يجعل فيها الضوء ويضرب صواني الصفر ليثب السمك فيها كان حصوله فيها كحصوله في شبكته لكونها صارت من الآلات المعدة له ولو لم يعدها لذلك, لم يملك ما وقع فيها ومن سبق إليه فأخذه ملكه كالأرض التي لم تعد للاصطياد مثل أرض الزرع إذا دخلها ماء فيه سمك, ثم نضب عنه أو دخل فيها ظبي أو عشش فيها طائر, أو سقط فيها جراد أو حصل فيها ملح لم يملكه صاحبها لأنه ليس من نماء الأرض, ولا مما هي معدة له لكنه يكون أحق به إذ ليس لغيره التخطي في أرضه, ولا الانتفاع بها فإن تخطي وأخذه أخطأ وملكه قال أحمد في ورشان على نخلة قوم, صاده إنسان: هو للصائد وقال في طيرة لقوم أفرخت في دار جيرانهم: إن الفرخ يتبع الأم يرد فراخها على أصحاب الطيرة واختار ابن عقيل في المأخوذ من أملاك الناس من صيد وكلأ وشبهه, أنه لا يملكه بأخذه لأنه سبب منهي عنه فلم يفد الملك كالبيع المنهي عنه, إذ السبب لا يختلف بين كونه بيعا أو غيره لقوله عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) والصحيح الأول ولا نسلم أن السبب منهي عنه, فإن السبب الأخذ وليس بمنهي عنه إنما نهى عن الدخول, وهو غير السبب بخلاف البيع ولأن النهي ها هنا لحق آدمي, فلا يمنع الملك كبيع المصراة والمعيب, وتلقى الركبان والنجش وبيعه على بيع أخيه ولو أعد أرضه للملح, فجعلها ملاحة ليحصل فيها الماء فيصير ملحا كالأرض التي على ساحل البحر, يجعل إليها طريقا للماء فإذا امتلأت قطعه عنها أو تكون أرضه سبخة, يفتح إليها الماء من عين أو يجمع فيها ماء المطر فيصير ملحا, ملكه بذلك لأنها معدة له فأشبهت البركة المعدة للصيد وإن لم يكن أعدها لذلك لم يملك ما حصل فيها, كما قدمنا في مثلها فإن قيل: فقد روى عن أحمد في إنسان رمى طيرا ببندق فوقع في دار قوم فهو لهم دونه وهذا يدل على أنهم ملكوه بحصوله في دارهم قلنا: هذا محمول على أنه وقع ممتنعا, فصاده أهل الدار فملكوه باصطيادهم كذلك قال ابن عقيل ويتعين حمله على هذا لأنهم إذا لم يملكوا ما حصل في دارهم بفعل الله تعالى فما حصل بفعل آدمي أولى ولأنه وقع في الدار بعد الضربة المثبتة له, التي يملك بها الصيد فأشبه ما لو أطارت الريح ثوب إنسان فألقته في دارهم ولو كانت آلة الصيد كالشبكة والشرك, والمناجل غير منصوبة للصيد ولا قصد بها الاصطياد, فتعلق بها صيد لم يملكه صاحبها بذلك لأنها غير معدة للصيد في هذه الحال فأشبهت الأرض التي ليست معدة له.

 فصل: 

وما حصل من الصيد في كلب إنسان أو صقره أو فهده وكان استرسل بإرسال صاحبه, فهو له لأنه آكد من الشبكة لأنه حيوان يحصل بفعله وقصده وإرسال صاحبه, فهو كسهمه ولأن الله تعالى قال: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4]. وإن استرسل بنفسه فحكمه حكم الصيد الحاصل في أرض إنسان, في أنه لا يملكه وليس لغيره أخذه فإن أخذه غيره ملكه, كالكلأ وكذلك ما يحصل في بهيمة إنسان من الحشيش في المرعى.

 مسألة: 

قال: والوكيل إذا خالف فهو ضامن إلا أن يرضى الآمر فيلزمه وجملة ذلك, أن الوكيل إذا خالف موكله فاشترى غير ما أمره بشرائه أو باع ما لم يؤذن له في بيعه, أو اشترى غير ما عين له فعليه ضمان ما فوت على المالك أو تلف لأنه خرج عن حال الأمانة, وصار بمنزلة الغاصب فأما قوله: إلا أن يرضى الآمر فيلزمه يعني إذا اشترى غير ما أمر بشرائه, بثمن في ذمته فإن الشراء صحيح ويقف على إجازة الموكل, فإن أجازه لزمه وعليه الثمن وإن لم يقبل, لزم الوكيل ويتعين حمله على هذه الصورة لأنه قد بين في موضع آخر فقال: إلا أن يكون اشتراه بعين المال فيبطل الشراء وذكره في كتاب العتق أيضا, فلذلك تعين حمل هذه المسألة على ما قلنا وإنما صح الشراء لأنه متصرف في ذمته لا في مال غيره وسواء نقد الثمن من مال الموكل, أم لا لأن الثمن هو الذي في الذمة والذي نقده عوضه ولذلك قلنا: إنه إذا اشترى في الذمة, ونقده الثمن بعد ذلك كان له البدل وإن خرج مغصوبا لم يبطل العقد, وإنما وقف على إجازة الآمر لأنه قصد الشراء له فإن أجازه لزمه وعليه الثمن, وإن لم يقبله لزم من اشتراه.

 فصل: 

وإن اشترى بعين مال الآمر أو باع بغير إذنه أو اشترى لغير موكله شيئا بعين ماله, أو باع ماله بغير إذنه ففيه روايتان إحداهما البيع باطل, ويجب رده وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر والثانية البيع والشراء صحيحان ويقف على إجازة المالك, فإن أجازه نفذ ولزم البيع وإن لم يجزه, بطل وهذا مذهب مالك وإسحاق وقول أبي حنيفة في البيع فأما الشراء, فعنده يقع للمشتري بكل حال ووجه هذه الرواية ما روى عروة بن الجعد البارقي ـ رضي الله عنه ـ (أن النبي - ﷺ - أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى شاتين, ثم باع إحداهما بدينار في الطريق قال: فأتيت النبي - ﷺ - بالدينار والشاة فأخبرته, فقال: بارك الله في صفقة يمينك) رواه الأثرم وابن ماجه ولأنه عقد مجيز حال وقوعه فيجب أن يقف على إجازته كالوصية ووجه الرواية الأولى, قول النبي - ﷺ - لحكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك) رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح يعني ما لا تملك لأنه ذكره جوابا له حين سأله أنه يبيع الشيء, ثم يمضي فيشتريه ويسلمه ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب ولأنه باع ما لا يقدر على تسليمه فأشبه الطير في الهواء, والوصية يتأخر فيها القبول عن الإيجاب ولا يعتبر أن يكون لها مجيز حال وقوع العقد ويجوز فيها من الغرر, ما لا يجوز في البيع فأما حديث عروة فنحمله على أن وكالته كانت مطلقة بدليل أنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا.

 فصل: 

ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها, ليمضي ويشتريها ويسلمها رواية واحدة وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا (لأن حكيم بن حزام قال للنبي: - ﷺ - إن الرجل يأتيني, فيلتمس من البيع ما عندي فأمضى إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه, فقال النبي - ﷺ - لا تبع ما ليس عندك).

 فصل: 

ولو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت فحكمه حكم ما لو باعها من غير علمه, في قول أكثر أهل العلم منهم: أبو حنيفة وأبو ثور والشافعي وقال ابن أبي ليلى سكوته إقرار لأنه دليل على الرضا فأشبه سكوت البكر في الإذن في نكاحها ولنا أن السكوت محتمل, فلم يكن إذنا كسكوت الثيب وفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها, وليس ذلك بموجود ها هنا.

 فصل: 

وإذا وكل رجلين في بيع سلعته فباع كل واحد منهما السلعة من رجل بثمن مسمى, فالبيع للأول منهما روي هذا عن شريح وابن سيرين والشافعي وابن المنذر وحكي عن ربيعة ومالك أنهما قالا: هي للذي بدأ بالقبض ولنا أنه قد روي في حديث: (إذا باع المجيزان فهو للأول) رواه ابن ماجه, ولأن الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الموكل عن السلعة فصار بائعا ملك غيره بغير إذنه فلم يصح, كما لو قبض الأول أو كما لو زوج أحد الوليين بعد الأول.

 مسألة: 

قال: وبيع الملامسة والمنابذة غير جائز لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذين البيعين وقد صح (أن النبي - ﷺ- نهى عن الملامسة والمنابذة) , متفق عليه والملامسة أن يبيعه شيئا ولا يشاهده, على أنه متى لمسه وقع البيع والمنابذة أن يقول: أي ثوب نبذته إلى فقد اشتريته بكذا هذا ظاهر كلام أحمد ونحوه قال مالك والأوزاعي وفيما روى البخاري أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن المنابذة) وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل, قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ونهى عن الملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه وروى مسلم, في صحيحه عن أبي هريرة في تفسيرها قال: هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه وعلى ما فسرناه به لا يصح البيع فيهما لعلتين إحداهما, الجهالة والثانية كونه معلقا على شرط وهو نبذ الثوب إليه, أو لمسه له وإن عقد البيع قبل نبذه فقال: بعتك ما تلمسه من هذه الثياب أو ما أنبذه إليك فهو غير معين ولا موصوف فأشبه ما لو قال: بعتك واحدا منها.

 فصل: 

ومن البيوع المنهي عنها, بيع الحصاة فإن أبا هريرة روى (أن النبي - ﷺ- نهى عن بيع الحصاة) رواه مسلم واختلف في تفسيره فقيل: هو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة, إذا رميتها بكذا وقيل: هو أن يقول: بعتك هذا بكذا على إني متى رميت هذه الحصاة, وجب البيع وكل هذه البيوع فاسدة لما فيها من الغرر والجهل ولا نعلم فيه خلافا.

 فصل: 

وروى أنس قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة) أخرجه البخاري والمخاضرة, بيع الزرع الأخضر والثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع والمحاقلة, بيع الزرع بحب من جنسه قال جابر المحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة قال الأزهري الحقل القراح المزروع, والحواقل المزارع وفسر أبو سعيد المحاقلة باستكراء الأرض بالحنطة.

 مسألة: 

قال: وكذا بيع الحمل غير أمه واللبن في الضرع معناه, بيع الحمل في البطن دون الأم ولا خلاف في فساده قال ابن المنذر وقد أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز وإنما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين أحدهما, جهالته فإنه لا تعلم صفته ولا حياته والثاني أنه غير مقدور على تسليمه, بخلاف الغائب فإنه يقدر على الشروع في تسليمه وقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (أن النبي - ﷺ- نهى عن بيع المضامين, والملاقيح) قال أبو عبيد: الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة والمضامين, ما في أصلاب الفحول فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عامه أو في أعوام وأنشد: إن المضامين التي في الصلب ** ماء الفحول في الظهور الحدب وروى ابن عمر (أن النبي - ﷺ- نهى عن بيع المجر) قال ابن الأعرابي: المجر ما في بطن الناقة والمجر الربا والمجر القمار والمجر المحاقلة والمزابنة.

 فصل: 

وقد روى ابن عمر (عن النبي - ﷺ- أنه نهى عن بيع حبل الحبلة) متفق عليه معناه نتاج النتاج قاله أبو عبيدة, وعن ابن عمر قال: (كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي - ﷺ -) رواه مسلم وكلا البيعين فاسد أما الأول فلأنه بيع معدوم, وإذا لم يجز بيع الحمل فبيع حمله أولى وأما الثاني فلأنه بيع إلى أجل مجهول.

 فصل: 

ولا يجوز بيع اللبن في الضرع وبه قال الشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ونهى عنه ابن عباس, وأبو هريرة وكرهه طاوس ومجاهد وحكي عن مالك أنه يجوز أياما معلومة إذا عرفا حلابها لسقي الصبي, كلبن الظئر وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة ولنا ما روى ابن عباس (أن رسول الله - ﷺ- نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع) رواه الخلال بإسناده ولأنه مجهول الصفة والمقدار فأشبه الحمل لأنه بيع عين لم تخلق, فلم يجز كبيع ما تحمل الناقة والعادة في ذلك تختلف وأما لبن الظئر فإنما جاز للحضانة لأنه موضع حاجة.

 فصل: 

واختلفت الرواية في بيع الصوف على الظهر فروي أنه لا يجوز بيعه لما ذكرنا من الحديث ولأنه متصل بالحيوان, فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه وروي عنه أنه يجوز بشرط جزه في الحال لأنه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه, كالرطبة وفارق الأعضاء فإنه لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان والخلاف فيه كالخلاف في اللبن في الضرع فإن اشتراه بشرط القطع, فتركه حتى طال فحكمه حكم الرطبة إذا اشتراها فتركها حتى طالت.

 فصل: 

ولا يجوز بيع ما تجهل صفته كالمسك في الفأر, وهو الوعاء الذي يكون فيه قال الشاعر: إذا التاجر الهندي جاء بفأرة ** من المسك راحت في مفارقهم تجري فإن فتح وشاهد ما فيه جاز بيعه وإن لم يشاهده, لم يجز بيعه للجهالة وقد قال بعض الشافعية: يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له فإنه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته فأشبه ما مأكوله في جوفه ولنا, أنه يبقى خارج وعائه من غير ضرر وتبقى رائحته فلم يجز بيعه مستورا كالدر في الصدف وأما ما مأكوله في جوفه, فإخراجه يفضي إلى تلفه والتفصيل في بيعه مع وعائه كالتفصيل في بيع السمن في ظرفه ومن ذلك البيض في الدجاج والنوى في التمر, لا يجوز بيعهما للجهل بهما ولا نعلم في هذا خلافا نذكره.

 فصل: 

فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوما أو بالشم إن كان مشموما, صح بيعه وشراؤه وإن لم يمكن جاز بيعه كالبصير, وله خيار الخلف في الصفة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأثبت أبو حنيفة له الخيار إلى معرفته بالمبيع إما بحسه أو ذوقه أو وصفه, وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز وإذا أمر إنسانا بالنظر إليه لزمه وقال الشافعي لا يجوز إلا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول, أو يكون قد رآه بصيرا ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير المبيع فيه لأنه مجهول الصفة عند العاقد فلم يصح كبيع البيض في الدجاج, والنوى في التمر ولنا أنه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته فأشبه بيع البصير, ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه فكذلك شم الأعمى وذوقه وأما البيض والنوى, فلا يمكن الاطلاع عليه ولا وصفه بخلاف مسألتنا.

 مسألة: 

قال [وبيع عسب الفحل غير جائز] عسب الفحل ضرابه وبيعه أخذ عوضه وتسمى الأجرة عسب الفحل مجازا وإجارة الفحل للضراب حرام, والعقد فاسد وبه قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك جوازه قال ابن عقيل ويحتمل عندي الجواز لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه وهذه منفعة مقصودة والماء تابع, والغالب حصوله عقيب نزوه فيكون كالعقد على الظئر ليحصل اللبن في بطن الصبي ولنا ما روى ابن عمر (أن النبي - ﷺ- نهى عن بيع عسب الفحل) رواه البخاري وعن جابر قال (نهى رسول الله - ﷺ- عن بيع ضراب الجمل) رواه مسلم ولأنه مما لا يقدر على تسليمه فأشبه إجارة الآبق ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته ولأن المقصود هو الماء, وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد وهو مجهول وإجارة الظئر خولف فيه الأصل لمصلحة بقاء الآدمي فلا يقاس عليه ما ليس مثله فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل, فهو حرام على الآخذ لما ذكرناه ولا يحرم على المعطي لأنه بذل ماله لتحصيل مباح يحتاج إليه ولا تمتنع هذا كما في كسب الحجام فإنه خبيث, وقد أعطي النبي - ﷺ- الذي حجمه وكذلك أجرة الكسح والصحابة أباحوا شراء المصاحف وكرهوا بيعها وإن أعطي صاحب الفحل هدية أو أكرمه من غير إجارة, جاز وبه قال الشافعي لما روى أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال (إذا كان إكراما فلا بأس) ولأنه سبب مباح فجاز أخذ الهدية عليه كالحجامة وقال أحمد في رواية ابن القاسم لا يأخذ فقيل له: ألا يكون مثل الحجام يعطي, وإن كان منهيا عنه؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي - ﷺ- أعطي في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام ووجهه أن ما منع أخذ الأجرة عليه منع قبول الهدية كمهر البغي وحلوان الكاهن قال القاضي: هذا مقتضى النظر, لكن ترك مقتضاه في الحجام فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس والذي ذكرناه أرفق بالناس وأوفق للقياس, وكلام أحمد يحمل على الورع لا على التحريم.

 مسألة: 

قال [والنجش منهي عنه وهو أن يزيد في السلعة وليس هو مشتريا لها] النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها, ليقتدي به المستام فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه فيغتر بذلك, فهذا حرام وخداع قال البخاري الناجش آكل ربا خائن وهو خداع باطل لا يحل وروى ابن عمر (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن النجش) وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال (لا تلقوا الركبان ولا يبع بعضكم على بيع بعض, ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد) متفق عليهما ولأن في ذلك تغريرا بالمشتري وخديعة له, وقد قال النبي - ﷺ - (الخديعة في النار) فإن اشترى مع النجش فالشراء صحيح في قول أكثر أهل العلم, منهم الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أن البيع باطل اختاره أبو بكر وهو قول مالك لأن النهي يقتضي الفساد ولنا أن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد, فلم يؤثر في البيع ولأن النهي لحق الآدمي فلم يفسد العقد كتلقي الركبان, وبيع المعيب والمدلس وفارق ما كان لحق الله تعالى لأن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار, أو زيادة في الثمن لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء كما في تلقي الركبان, وإن كان يتغابن بمثله فلا خيار له وسواء كان النجش بمواطأة من البائع أو لم يكن وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن ذلك بمواطأة البائع وعلمه, فلا خيار له واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه فقال بعضهم: لا خيار للمشتري لأن التفريط منه حيث اشترى ما لا يعرف قيمته ولنا أنه تغرير بالعاقد, فإذا كان مغبونًا ثبت له الخيار كما في تلقي الركبان ويبطل ما ذكره بتلقي الركبان.

 فصل: 

ولو قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا وكذا فصدقه المشتري واشتراها بذلك, ثم بان كاذبا فالبيع صحيح وللمشتري الخيار أيضا لأنه في معنى النجش.

 فصل: 

وقوله عليه السلام (لا يبع بعضكم على بيع بعض) معناه أن الرجلين إذا تبايعا فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن, أو أبيعك خيرا منها بثمنها أو دونه أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري ففسخ البيع, واشترى هذه فهذا غير جائز لنهي النبي - ﷺ - عنه ولما فيه من الإضرار بالمسلم, والإفساد عليه وكذلك إن اشترى على شراء أخيه وهو أن يجيء إلى البائع قبل لزوم العقد فيدفع في المبيع أكثر من الثمن الذي اشترى به, فهو محرم أيضا لأنه في معنى المنهي عنه ولأن الشراء يسمى بيعا فيدخل في النهي, ولأن النبي - ﷺ- نهى أن يخطب على خطبة أخيه وهو في معنى الخاطب فإن خالف وعقد فالبيع باطل لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد ويحتمل أنه صحيح لأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري, أو قوله الذي فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر, فالبيع المحصل للمصلحة أولى ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش وهذا مذهب الشافعي.

 فصل: 

وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ- قال (لا يسم الرجل على سوم أخيه) ولا يخلو من أربعة أقسام: أحدها, أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري وهو الذي تناوله النهي الثاني, أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم لأن النبي - ﷺ - باع في من يزيد فروى أنس: (أن رجلا من الأنصار شكا إلى النبي - ﷺ - الشدة والجهد فقال له: أما بقي لك شيء؟ فقال بلى قدح وحلس, قال: فأتني بهما فأتاه بهما فقال من يبتاعهما؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم فقال النبي - ﷺ - من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه) رواه الترمذي وقال: حديث حسن وهذا أيضا إجماع المسلمين, يبيعون في أسواقهم بالمزايدة الثالث أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه فلا يجوز له السوم أيضا, ولا الزيادة استدلالا بحديث (فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي - ﷺ- أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة وقد نهي عن الخطبة على خطبة أخيه, كما نهي عن السوم على سوم أخيه) فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر الرابع أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح, فقال القاضي: لا تحرم المساومة وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة استدلالا بحديث فاطمة ولأن الأصل إباحة السوم والخطبة فحرم منع ما وجد فيه التصريح بالرضا, وما عداه يبقى على الأصل ولو قيل بالتحريم ها هنا لكان وجها حسنا فإن النهي عام خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها, فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم ولأنه وجد منه دليل الرضا أشبه ما لو صرح به ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة, وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا لأنها جاءت مستشيرة للنبي - ﷺ- وليس ذلك دليلا على الرضا فكيف ترضى وقد نهاها النبي - ﷺ - بقوله: (لا تفوتينا بنفسك) فلم تكن تفعل شيئا قبل مراجعة النبي - ﷺ - والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه .

 فصل: 

بيع التلجئة باطل وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة والشافعي: هو صحيح لأن البيع تم بأركانه وشروطه, خاليا عن مقارنة مفسد فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد, ثم عقدا البيع بغير شرط ولنا أنهما ما قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين, ومعنى بيع التلجئة أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه فيواطئ رجلا على أن يظهرا أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك, ولا يريدان بيعا حقيقيا.

 مسألة: 

قال: [فإن باع حاضر لباد فالبيع باطل] وهو أن يخرج الحضري إلى البادي وقد جلب السلعة, فيعرفه السعر ويقول: أنا أبيع لك فنهى النبي - ﷺ- عن ذلك فقال: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) والبادي ها هنا, من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدويا أو من قرية, أو بلدة أخرى نهى النبي - ﷺ- الحاضر أن يبيع له قال ابن عباس (نهى النبي - ﷺ - أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد, قال فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا) متفق عليه وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - (لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) رواه مسلم وابن عمر وأبو هريرة, وأنس والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص, ويوسع عليهم السعر فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها, إلا بسعر البلد ضاق على أهل البلد وقد أشار النبي - ﷺ - في تعليله إلى هذا المعنى وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي ونقل أبو إسحاق بن شاقلا في جملة سماعاته أن الحسن بن على المصري سأل أحمد عن بيع حاضر لباد, فقال: لا بأس به فقال له: فالخبر الذي جاء بالنهي قال: كان ذلك مرة فظاهر هذا صحة البيع وأن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك وهذا قول مجاهد وأبي حنيفة وأصحابه والمذهب الأول لعموم النهي, وما يثبت في حقهم يثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط أحدها أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له والثاني, أن يكون البادي جاهلا بالسعر لقوله: " فيعرفه السعر " ولا يكون التعريف إلا لجاهل, وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا كان البادي عارفا بالسعر لم يحرم والثالث, أن يكون قد جلب السلع للبيع لقوله: " وقد جلب السلع " والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها وذكر القاضي شرطين آخرين أحدهما أن يكون مريدا لبيعها بسعر يومها والثاني أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه, وضيق في تأخير بيعه وقال أصحاب الشافعي إنما يحرم بشروط أربعة وهي ما ذكرنا إلا حاجة الناس إلى متاعه فمتى اختل منها شرط لم يحرم البيع, وإن اجتمعت هذه الشروط فالبيع حرام وقد صرح الخرقي ببطلانه ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد عن الرجل الحضري يبيع للبدوي؟ فقال: أكره ذلك, وأرد البيع في ذلك وعن أحمد رواية أخرى أن البيع صحيح وهو مذهب الشافعي لكون النهي لمعنى في غير المنهي عنه ولنا أنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

 فصل: 

فأما الشراء لهم, فيصح عند أحمد وهو قول الحسن وكرهت طائفة الشراء لهم كما كرهت البيع يروي عن أنس قال, كان يقال: هي كلمة جامعة يقول: لا تبيعن له شيئا ولا تبتاعن له شيئا وعن مالك في ذلك روايتان ووجه القول الأول, أن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر, ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر وليس ذلك في الشراء لهم, إذ لا يتضررون لعدم الغبن للبادين بل هو دفع الضرر عنهم, والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر وأما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع له, فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله والأوزاعي وابن المنذر وكرهه مالك والليث وقول الصحابي حجة ما لم يثبت خلافه.

 فصل: 

قال ابن حامد ليس للإمام أن يسعر على الناس, بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس به: بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا واحتج له بما روى الشافعي, وسعيد بن منصور عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد, عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب, فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا, وهم يعتبرون بسعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت ولأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد تبعه أصحاب المتاع, وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع ولنا ما روى أبو داود والترمذي, وابن ماجه عن أنس قال: (غلا السعر على عهد رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق, إني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد مثله فوجه الدلالة من وجهين أحدهما أنه لم يسعر, وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه الثاني أنه علل بكونه مظلمة, والظلم حرام ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان, كما اتفق الجماعة عليه قال بعض أصحابنا: التسعير سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون, ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الحاجة إليها, فلا يجدونها إلا قليلا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلوا الأسعار, ويحصل الإضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه, فيكون حراما فأما حديث عمر فقد روى فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه, ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد, فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا وما ذكروه من الضرر موجود فيما إذا باع في بيته ولا يمنع منه.

 مسألة: 

قال [ونهى عن تلقي الركبان] فإن تلقوا واشترى منهم, فهم بالخيار إذا دخلوا السوق وعرفوا أنهم قد غبنوا إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا روي أنهم كانوا يتلقون الأجلاب فيشترون منهم الأمتعة قبل أن تهبط الأسواق, فربما غبنوهم غبنا بينا فيضرونهم وربما أضروا بأهل البلد لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم, والذين يتلقونهم لا يبيعونها سريعا ويتربصون بها السعر فهو في معنى بيع الحاضر للبادي, فنهى النبي - ﷺ- عن ذلك وروى طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله: - ﷺ- (لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد) وعن أبي هريرة مثله متفق عليهما, وكرهه أكثر أهل العلم منهم عمر بن عبد العزيز ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وحكي عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأسا وسنة رسول الله - ﷺ- أحق أن تتبع فإن خالف وتلقى الركبان, واشترى منهم فالبيع صحيح في قول الجميع وقاله ابن عبد البر وحكي عن أحمد رواية أخرى أن البيع فاسد لظاهر النهي والأول أصح لأن أبا هريرة روى أن رسول الله - ﷺ - قال (لا تلقوا الجلب, فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار) رواه مسلم, والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح ولأن النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكها بإثبات الخيار, فأشبه بيع المصراة وفارق بيع الحاضر للبادي فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار, إذ ليس الضرر عليه إنما هو على المسلمين فإذا تقرر هذا فللبائع الخيار إذا علم أنه قد غبن وقال أصحاب الرأي: لا خيار له وقد روينا قول رسول الله - ﷺ - في هذا, ولا قول لأحد مع قوله وظاهر المذهب أنه لا خيار له إلا مع الغبن لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة ودفع الضرر ولا ضرر مع عدم الغبن وهذا ظاهر مذهب الشافعي ويحمل إطلاق الحديث في إثبات الخيار على هذا لعلمنا بمعناه ومراده لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله, ولأن النبي - ﷺ- جعل له الخيار إذا أتى السوق فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع ولم يقدر الخرقي الغبن المثبت للخيار, وينبغي أن يتقيد بما يخرج عن العادة لأن ما دون ذلك لا ينضبط وقال أصحاب مالك: إنما نهى عن تلقي الركبان لما يفوت به من الرفق لأهل السوق لئلا يقطع عنهم ما له جلسوا من ابتغاء فضل الله تعالى قال ابن القاسم فإن تلقاها متلق فاشتراها, عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها وقال الليث بن سعد: تباع في السوق وهذا مخالف لمدلول الحديث فإن النبي - ﷺ- جعل الخيار للبائع إذا دخل السوق ولم يجعلوا له خيارا, وجعل النبي - ﷺ- الخيار له يدل على أن النهي عن تلقي الركبان لحقه لا لحق غيره ولأن الجالس في السوق كالمتلقي في أن كل واحد منهما مبتغ لفضل الله تعالى, فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما وإلحاق الضرر به دفعا للضرر عن مثله, وليس رعاية حق الجالس أولى من رعاية حق المتلقي ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته فلا يعرج على مثل هذا والله أعلم. فصل: فإن تلقى الركبان فباعهم شيئا, فهو بمنزلة الشراء منهم ولهم الخيار إذا غبنهم غبنا يخرج عن العادة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل البيع فيه وهذا مقتضى قول أصحاب مالك لأنهم عللوا ذلك بما ذكرنا عنهم, ولا يتحقق ذلك في البيع لهم ولنا قول النبي - ﷺ -: (لا تلقوا الركبان) والبائع داخل في هذا ولأن النهي عنه لما فيه من خديعتهم وغبنهم وهذا في البيع كهو في الشراء, والحديث قد جاء مطلقا ولو كان مختصا بالشراء لألحق به ما في معناه وهذا في معناه.

 فصل: 

فإن خرج لغير قصد التلقي, فلقي ركبا فقال القاضي: ليس له الابتياع منهم ولا الشراء وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ويحتمل أن لا يحرم عليه ذلك وهو قول الليث بن سعد والوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأنه لم يقصد التلقي, فلم يتناوله النهي ووجه الأول أنه إنما نهى عن التلقي دفعا للخديعة والغبن عنهم وهذا متحقق, سواء قصد التلقي أو لم يقصده فوجب المنع منه, كما لو قصد.

 فصل: 

وإن تلقى الجلب في أعلى الأسواق فلا بأس فإن ابن عمر روى (أن النبي - ﷺ - نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق) رواه البخاري ولأنه إذا صار في السوق فقد صار في محل البيع والشراء, فلم يدخل في النهي كالذي وصل إلى وسطها.

 فصل: 

والاحتكار حرام لما روى عن الأثرم عن أبي أمامة, قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يحتكر الطعام) وروى أيضا بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - قال: (من احتكر فهو خاطئ) وروى (أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ خرج مع أصحابه, فرأى طعاما كثيرا قد ألقى على باب مكة فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: جلب إلينا فقال: بارك الله فيه وفي من جلبه فقيل له: فأنه قد احتكر قال: ومن احتكره؟ قالوا: فلان مولى عثمان, وفلان مولاك فأرسل إليهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: نشتري بأموالنا ونبيع قال: سمعت رسول الله - ﷺ- يقول: من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس) قال الراوي: فأما مولى عثمان فباعه وقال: والله لا أحتكره أبدا وأما مولى عمر فلم يبعه, فرأيته مجذوما وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون).

 فصل: 

والاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط أحدها أن يشتري فلو جلب شيئا, أو أدخل من غلته شيئا فادخره لم يكن محتكرا روى [عن] الحسن ومالك وقال الأوزاعي الجالب ليس بمحتكر لقوله: (الجالب مرزوق, والمحتكر ملعون) ولأن الجالب لا يضيق على أحد ولا يضر به بل ينفع, فإن الناس إذا علموا عنده طعاما معدا للبيع كان ذلك أطيب لقلوبهم من عدمه الثاني أن يكون المشتري قوتا فأما الإدام, والحلواء والعسل والزيت, وأعلاف البهائم فليس فيها احتكار محرم قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟ قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره وهذا قول عبد الله بن عمرو وكان سعيد بن المسيب وهو راوي حديث الاحتكار - يحتكر الزيت قال أبو داود: كان يحتكر النوى, والخيط والبزر ولأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها فأشبهت الثياب, والحيوانات الثالث أن يضيق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين أحدهما يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار, كالحرمين والثغور قال أحمد: الاحتكار في مثل مكة والمدينة والثغور فظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد, والبصرة ومصر لا يحرم فيها الاحتكار لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبا الثاني أن يكون في حال الضيق, بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها ويضيقون على الناس فأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم.

 مسألة: 

قال: [وبيع العصير ممن يتخذه خمرا باطل] وجملة ذلك أن بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم وكرهه الشافعي, وذكر بعض أصحابه أن البائع إذا اعتقد أنه يعصرها خمرا فهو محرم وأنما يكره إذا شك فيه وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر لمن يتخذه مسكرا قال الثوري بع الحلال ممن شئت واحتج لهم بقول الله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]. ولأن البيع تم بأركانه وشروطه ولنا, قول الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]. وهذا نهي يقتضي التحريم وروى عن النبي - ﷺ - أنه لعن في الخمر عشرة فروى ابن عباس (أن النبي - ﷺ- أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها, وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبائعها, ومبتاعها وساقيها) وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها أخرج هذا الحديث الترمذي, من حديث أنس وقال: قد روى هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي - ﷺ- وروى ابن بطة في تحريم النبيذ, بإسناده عن محمد بن سيرين أن قيما كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له فأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيبا, ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمر بقلعه وقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية, فأشبه إجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزني بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخص منها محل النزاع بدليلنا وقولهم: تم البيع بشروطه وأركانه قلنا: لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل, إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله وإما بقرائن مختصة به, تدل على ذلك فأما إن كان الأمر محتملا مثل أن يشتريها من لا يعلم أو من يعمل الخل والخمر معا, ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل, ويحتمل أن يصح وهو مذهب الشافعي لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه فلم يمنع صحة العقد, كما لو دلس العيب ولنا أنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح, كإجارة الأمة للزنى والغناء وأما التدليس فهو المحرم دون العقد ولأن التحريم ها هنا لحق الله تعالى, فأفسد العقد كبيع درهم بدرهمين ويفارق التدليس, فإنه لحق آدمي.

 فصل: 

وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق, أو في الفتنة وبيع الأمة للغناء أو إجارتها كذلك, أو إجارة داره لبيع الخمر فيها أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار, وأشباه ذلك فهذا حرام والعقد باطل لما قدمنا قال ابن عقيل: وقد نص أحمد -رحمه الله- على مسائل نبه بها على ذلك, فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه, ومن يخترط الأقداح لا يبيعها ممن يشرب فيها ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس بيعه للنساء وروى عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلا.

 فصل: 

قيل لأحمد: رجل مات, وخلف جارية مغنية وولدا يتيما وقد احتاج إلى بيعها قال: يبيعها على أنها ساذجة فقيل له: فإنها تساوى ثلاثين ألف درهم, فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا قال: لا تباع إلا على أنها ساذجة ووجه ذلك ما روى أبو أمامة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن, ولا كسبهن) قال الترمذي: هذا لا نعرفه إلا من حديث على بن يزيد وقد تكلم فيه أهل العلم ورواه ابن ماجه وهذا يحمل على بيعهن لأجل الغناء فأما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل, كما أن العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر لصلاحيته للخمر.

 فصل: 

ولا يجوز بيع الخمر ولا التوكيل في بيعه, ولا شراؤه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز وقال أبو حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها وهو غير صحيح فإن عائشة روت أن النبي - ﷺ - قال: (حرمت التجارة في الخمر) وعن جابر أنه سمع النبي - ﷺ- عام الفتح وهو بمكة, يقول (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلي بها السفن وتدهن بها الجلود, ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام ثم قال رسول الله - ﷺ - قاتل الله اليهود إن الله تعالى حرم عليهم شحومها, فجملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) متفق عليه ومن وكل في بيع الخمر, وأكل ثمنه فقد أشبههم في ذلك ولأن الخمر نجسة محرمة يحرم بيعها, والتوكيل في بيعها كالميتة والخنزير ولأنه يحرم عليه بيعه, فحرم عليه التوكيل في بيعه كالخنزير.

 مسألة: 

قال: [ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان ولا يبطله شرط واحد] ثبت عن أحمد - رحمه الله - أنه قال: الشرط الواحد لا بأس به إنما نهى عن الشرطين في البيع ذهب أحمد إلى ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ- أنه قال: (لا يحل سلف وبيع, ولا شرطان في بيع ولا تبع ما ليس عندك). أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع فنفض يده, وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع إنما نهى رسول الله - ﷺ- عن شرطين في البيع وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله وشرط ظهره إلى المدينة واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما, فروى عن أحمد أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد فحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق في من اشترى ثوبا, واشترط على البائع خياطته وقصارته أو طعاما واشترط طحنه وحمله: إن اشترط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز, وإن اشترط شرطين فالبيع باطل وكذلك فسر القاضي في "شرحه" الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد وأنه لا يطؤها ففسره بشرطين فاسدين وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع, أن يقول: إذا بعتكها فأنا أحق بها بالثمن وأن تخدمني سنة وظاهر كلام أحمد أن الشرطين المنهي عنهما ما كان من هذا النحو فأما إن شرط شرطين أو أكثر, من مقتضى العقد أو مصلحته مثل أن يبيعه بشرط الخيار, والتأجيل والرهن والضمين, أو بشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر وقال القاضي في "المجرد": ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كانا صحيحين, أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته أخذا من ظاهر الحديث, وعملا بعمومه ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين الشرطين ورووا (أن النبي - ﷺ- نهى عن بيع وشرط). ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد والحديث الذي رويناه يدل على الفرق ولأن الغرر اليسير إذا احتمل في العقد, لا يلزم منه احتمال الكثير وحديثهم لم يصح وليس له أصل وقد أنكره أحمد ولا نعرفه مرويا في مسند, ولا يعول عليه وقول القاضي: إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين بعيد أيضا فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير خلاف وشرط ما هو من مصلحة العقد كالأجل, والخيار والرهن والضمين, وشرط صفة في المبيع كالكتابة والصناعة, فيه مصلحة العقد فلا ينبغي أن يؤثر أيضا في بطلانه قلت أو كثرت ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئا من هذا القسم, فالظاهر أنه غير مراد له.

 فصل: 

والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها ما هو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم وخيار المجلس, والتقابض في الحال فهذا وجوده كعدمه لا يفيد حكما ولا يؤثر في العقد الثاني, تتعلق به مصلحة العاقدين كالأجل والخيار, والرهن والضمين والشهادة, أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع كالصناعة والكتابة ونحوها فهذا شرط جائز يلزم الوفاء به ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا الثالث, ما ليس من مقتضاه ولا من مصلحته ولا ينافي مقتضاه, وهو نوعان أحدهما اشتراط منفعة البائع في المبيع فهذا قد مضى ذكره الثاني, أن يشترط عقدا في عقد نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر أو يشتري منه, أو يؤجره أو يزوجه أو يسلفه, أو يصرف له الثمن أو غيره فهذا شرط فاسد يفسد به البيع سواء اشترطه البائع أو المشتري, وسنذكره -إن شاء الله تعالى- الرابع اشتراط ما ينافي مقتضى البيع وهو على ضربين أحدهما, اشتراط ما بنى على التغليب والسراية مثل أن يشترط البائع على المشتري عتق العبد فهل يصح؟ على روايتين إحداهما, يصح وهو مذهب مالك وظاهر مذهب الشافعي (لأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ اشترت بريرة وشرط أهلها عليها عتقها وولاءها فأنكر النبي - ﷺ- شرط الولاء دون العتق). والثانية, الشرط فاسد وهو مذهب أبي حنيفة لأنه شرط ينافي مقتضى العقد أشبه إذا شرط أن لا يبيعه لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه أشبه ما لو شرط أن يبيعه وليس في حديث عائشة أنها شرطت لهم العتق, وإنما أخبرتهم بإرادتها لذلك من غير شرط فاشترطوا الولاء فإذا حكمنا بفساده, فحكمه حكم سائر الشروط الفاسدة التي يأتي ذكرها وإن حكمنا بصحته فأعتقه المشتري فقد وفي بما شرط عليه, وإن لم يعتقه ففيه وجهان أحدهما يجبر لأن شرط العتق إذا صح, تعلق بعينه فيجبر عليه كما لو نذر عتقه والثاني, لا يحبر لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط بدليل ما لو شرط الرهن والضمين, فعلى هذا يثبت للبائع خيار الفسخ لأنه لم يسلم له ما شرطه له أشبه ما لو شرط عليه رهنا وإن تعيب المبيع, أو كان أمة فأحبلها أعتقه, وأجزأه لأن الرق باق فيه وإن استغله أو أخذ من كسبه شيئا فهو له وإن مات المبيع, رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق فيقال: كم قيمته لو بيع مطلقا؟ وكم يساوي إذا بيع بشرط العتق؟ فيرجع بقسط ذلك من ثمنه في أحد الوجهين وفي الآخر يضمن ما نقص من قيمته الضرب الثاني, أن يشترط غير العتق مثل أن يشترط أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق, ولا يطأ أو يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه أو متى نفق المبيع وإلا رده, أو إن غصبه غاصب رجع عليه بالثمن وإن أعتقه فالولاء له فهذه وما أشبهها شروط فاسدة وهل يفسد بها البيع؟ على روايتين قال القاضي: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح وهو ظاهر كلام الخرقي ها هنا وهو قول الحسن والشعبي والنخعي والحكم وابن أبي ليلى, وأبي ثور والثانية البيع فاسد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن (النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط) ولأنه شرط فاسد فأفسد البيع, كما لو شرط فيه عقدا آخر ولأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه, والمشتري كذلك إذا كان الشرط له فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه, والبيع من شرطه التراضي ولنا ما روت عائشة قالت: (جاءتني بريرة, فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة, ويكون لي ولاؤك فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها, فجاءت من عندهم ورسول الله - ﷺ- جالس فقالت: إني عرضت عليهم, فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي - ﷺ- فأخبرت عائشة النبي - ﷺ- فقال: خذيها واشترطى الولاء, فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ثم قام رسول الله - ﷺ - في الناس فحمد الله, وأثني عليه ثم قال: أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله, ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق, وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق) متفق عليه فأبطل الشرط ولم يبطل العقد قال ابن المنذر: خبر بريرة ثابت ولا نعلم خبرا يعارضه, فالقول به يجب فإن قيل: المراد بقوله: "اشترطي لهم الولاء" أي عليهم بدليل أنه أمرها به ولا يأمرها بفاسد قلنا: لا يصح هذا التأويل بوجهين أحدهما أن الولاء لها بإعتاقها فلا حاجة إلى اشتراطه الثاني, أنهم أبوا البيع إلا أن يشترط الولاء لهم فكيف يأمرها بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها؟ وأما أمره بذلك فليس هو أمرا على الحقيقة, وإنما هو صيغة الأمر بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه كقوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) وقوله: (فاصبروا أو لا تصبروا) والتقدير: واشترطى لهم الولاء أو لا تشترطي ولهذا قال عقيبه: (فإنما الولاء لمن أعتق) وحديثهم لا أصل له على ما ذكرنا, وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص غير مقبول.

 فصل: 

فإن حكمنا بصحة البيع فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن ذكره القاضي وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط لأن البائع إنما سمح ببيعها بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط, والمشتري إنما سمح بزيادة الثمن من أجل شرطه فإذا لم يحصل غرضه ينبغي أن يرجع بما سمح به, كما لو وجده معيبا.

 فصل: 

فإن حكمنا بفساد العقد لم يحصل به ملك سواء اتصل به القبض, أو لم يتصل ولا ينفذ تصرف المشتري فيه ببيع ولا هبة ولا عتق, ولا غيره وبهذا قال الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أن الملك يثبت فيه إذا اتصل به القبض وللبائع الرجوع فيه فيأخذه مع الزيادة المنفصلة, إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفا يمنع الرجوع فيه فيأخذ قيمته واحتج بحديث بريرة فإن عائشة اشترتها بشرط الولاء فأعتقتها, فأجاز النبي - ﷺ - العتق والبيع فاسد ولأن المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء بعقد وقد حصل عليه الضمان للبدل عن عقد فيه تسليط, فوجب أن يملكه كما لو كان العقد صحيحا ولنا أنه مقبوض بعقد فاسد, فلم يملكه كما لو كان الثمن ميتة أو دما فأما حديث بريرة فإنما يدل على صحة العقد, لا على ما ذكروه وليس في الحديث أن عائشة اشترتها بهذا الشرط بل الظاهر أن أهل بريرة حين بلغهم إنكار النبي - ﷺ- هذا الشرط تركوه ويحتمل أن الشرط كان سابقا للعقد, فلم يؤثر فيه.

 فصل: 

وعليه رد المبيع مع نمائه المتصل والمنفصل وأجرة مثله مدة بقائه في يده, وإن نقص ضمن نقصه لأنها جملة مضمونة فأجزاؤها تكون مضمونة أيضا فإن تلف المبيع في يد المشتري فعليه ضمانه بقيمته يوم التلف قاله القاضي ولأن أحمد نص عليه في الغصب, ولأنه قبضه بإذن مالكه فأشبه العارية وذكر الخرقي في الغصب, أنه يلزمه قيمته أكثر ما كانت فيخرج ها هنا كذلك وهو أولى لأن العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها, وعليه ضمان نقصها مع زيادتها فكذلك في حال تلفها كما لو أتلفها بالجناية, ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.

 فصل: 

فإن كان المبيع أمة فوطئها المشتري فلا حد عليه لاعتقاده أنها ملكه, ولأن في الملك اختلافا وعليه مهر مثلها لأن الحد إذا سقط للشبهة وجب المهر ولأن الوطء في ملك الغير يوجب المهر وعليه أرش البكارة إن كانت بكرا فإن قيل: أليس إذا تزوج امرأة ترويجا فاسدا, فوطئها فأزال بكارتها لا يضمن البكارة؟ قلنا: لأن النكاح تضمن الإذن في الوطء المذهب للبكارة لأنه معقود على الوطء, ولا كذلك البيع فإنه ليس بمعقود على الوطء بدليل أنه يجوز شراء من لا يحل وطؤها ولا يحل نكاحها فإن قيل: فإذا أوجبتم مهر بكر, فكيف توجبون ضمان البكارة وقد دخل ضمانها في المهر؟ وإذا أوجبتم ضمان البكارة فكيف توجبون مهر بكر, وقد أدى عوض البكارة بضمانه لها فجرى مجرى من أزال بكارتها بأصبعه ثم وطئها؟ قلنا: لأن مهر البكر ضمان المنفعة, وأرش البكارة ضمان جزء فلذلك اجتمعا وأما الثاني فإنه إذا وطئها بكرا, فقد استوفى نفع هذا الجزء فوجبت قيمته بما استوفى من نفعه فإذا أتلفه وجب ضمان عينه, ولا يجوز أن تضمن العين ويسقط ضمان المنفعة كما لو غصب عينا ذات منفعة, فاستوفى منفعتها ثم أتلفها أو غصب ثوبا, فلبسه حتى أبلاه وأتلفه فإنه يضمن القيمة والمنفعة كذا ها هنا.

 فصل: 

وإن ولدت كان ولدها حرا لأنه وطئها بشبهة ويلحق به النسب لذلك ولا ولاء عليه لأنه حر الأصل وعلى الواطئ قيمته يوم وضعه لأنه يوم الحيلولة بينه وبين صاحبه, فإن سقط ميتا لم يضمن لأنه إنما يضمنه حين وضعه ولا قيمة له حينئذ فإن قيل: فلو ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا, وجب ضمانه قلنا: الضارب يجب عليه غرة وهاهنا يضمنه بقيمته ولا قيمة له, ولأن الجاني أتلفه وقطع نماءه وهاهنا يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيده, ووقت الحيلولة وقت السقوط وكان ميتا فلم يجب ضمانه, وعليه ضمان نقص الولادة وإن ضرب بطنها أجنبي فألقت جنينا ميتا فعلى الضارب غرة عبد أو أمة للسيد منها أقل الأمرين من أرش الجنين, أو قيمته يوم سقط لأن ضمان الضارب له قام مقام خروجه حيا ولذلك ضمنه البائع وإنما كان للسيد أقل الأمرين لأن الغرة إن كانت أكثر من القيمة فالباقي منها لورثته لأنه حصل بالحرية, فلا يستحق السيد منها شيئا وإن كانت أقل لم يكن على الضارب أكثر منها لأنه بسبب ذلك ضمن وإن ضرب الواطئ بطنها فألقت الجنين ميتا, فعليه الغرة أيضا ولا يرث منها شيئا وللسيد أقل الأمرين كما ذكرنا وإن سلم الجارية المبيعة إلى البائع حاملا, فولدت عنده ضمن نقص الولادة وإن تلفت بذلك ضمنها لأن تلفها بسبب منه وإن ملكها الواطئ, لم تصر بذلك أم ولد على الصحيح من المذهب لأنها علقت منه في غير ملكه فأشبه الزوجة وهكذا كل موضع حبلت في ملك غيره, ولا تصير له أم ولد بهذا.

 فصل: 

إذا باع المشتري المبيع الفاسد لم يصح لأنه باع ملك غيره بغير إذنه وعلى المشتري رده على البائع الأول لأنه مالك, ولبائعه أخذه حيث وجد ويرجع المشتري الثاني بالثمن على الذي باعه ويرجع الأول على بائعه, فإن تلف في يد الثاني فللبائع مطالبة من شاء منهما لأن الأول ضامن والثاني قبضه من يد ضامنه بغير إذن صاحبه, فكان ضامنا فإن كانت قيمته أكثر من ثمنه فضمن الثاني لم يرجع بالفضل على الأول لأن التلف في يده, فاستقر الضمان عليه فإن ضمن الأول رجع بالفضل على الثاني.

 فصل: 

وإن زاد المبيع في يد المشتري بسمن, أو نحوه ثم نقص حتى عاد إلى ما كان عليه أو ولدت الأمة في يد المشتري, ثم مات ولدها احتمل أن يضمن تلك الزيادة لأنها زيادة في عين مضمونة أشبهت الزيادة في المغصوب, واحتمل أن لا يضمنها لأنه دخل على أن لا يكون في مقابلة الزيادة عوض فعلى هذا تكون الزيادة أمانة في يده فإن تلفت بتفريطه, أو عدوانه ضمنها وإلا فلا, وإن تلفت العين بعد زيادتها أسقط تلك الزيادة من القيمة وضمنها بما بقي من القيمة حين التلف قال القاضي: وهذا ظاهر كلام أحمد.

 فصل: 

إذا باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف البائع الثمن ثم أفلس فله الرجوع في المبيع وللمشتري أسوة الغرماء وبهذا قال الشافعي, وقال أبو حنيفة المشتري أحق بالمبيع من سائر الغرماء لأنه في يده فكان أحق به كالمرتهن ولنا أنه لم يقبضه وثيقة فلم يكن أحق به كما لو كان وديعة عنده بخلاف المرتهن فإنه قبضه على أنه وثيقة بحقه.

 فصل: 

إذا قال: بع عبدك من فلان على أن على خمسمائة فباعه بهذا الشرط فالبيع فاسد لأن الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري فإذا شرط كون بعضه على غيره لم يصح لأنه لا يملك المنع والثمن على غيره, ولا يشبه هذا ما لو قال: أعتق عبدك أو طلق امرأتك وعلى خمسمائة لكون هذا عوضا في مقابلة فك الزوجية ورقبة العبد ولذلك لم يجز في النكاح أما في مسألتنا فإنه معاوضة في مقابلة نقل الملك, فلا يثبت لمن العوض على غيره وإن كان هذا القول على وجه الضمان صح البيع ولزم الضمان.

 فصل: 

والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع يقال عربون وأربون وعربان وأربان, قال أحمد لا بأس به وفعله عمر رضي الله عنه وعن ابن عمر أنه أجازه وقال ابن سيرين لا بأس به وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين لا بأس إذا كره السلعة أن يردها يرد معها شيئا وقال أحمد هذا في معناه, واختار أبو الخطاب أنه لا يصح وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي يروى ذلك عن ابن عباس والحسن لأن (النبي - ﷺ- نهى عن بيع العربون). رواه ابن ماجه ولأنه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي ولأنه بمنزلة الخيار المجهول فإنه اشترط أن له رد البيع من غير ذكر مدة فلم يصح كما لو قال ولى الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما وهذا هو القياس وإنما صار أحمد فيه إلى ما روى فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا قال الأثرم قلت لأحمد تذهب إليه؟ قال أي شيء أقل؟ هذا عمر رضي الله عنه وضعف الحديث المروي روى هذه القصة الأثرم بإسناده, فأما إن دفع إليه قبل البيع درهما وقال لا تبع هذه السلع لغيري وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدئ وحسب الدرهم من الثمن صح لأن البيع خلا عند الشرط المفسد ويحتمل أن الشراء الذي اشترى لعمر كان على هذا الوجه فيحتمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتأخذ بيعه من أجله لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت توجب أن يكن معلوم المقدار كما في الإجارة.

 مسألة: 

قال وإذا قال بعتك بكذا على أن آخذ منك الدينار بكذا لم ينعقد البيع وكذلك إن باعه بذهب على أن يأخذ منه دراهم بصرف ذكراه وجملته أن البيع بهذه الصفة باطل لأنه شرط في العقد أن يصارفه بالثمن الذي وقع العقد به, والمصارفة عقد بيع فيكون بيعتان في بيعة قال أحمد هذا معناه وقد روى أبو هريرة قال (نهى رسول الله - ﷺ- عن بيعتين في بيعة) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - وهكذا كل ما كان في معنى هذا مثل أن يقول بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا أو على أن تبيعني دارك أو على أن أؤجرك أو على أن تؤجرني كذا أو على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي ونحو هذا فهذا كله لا يصح قال ابن مسعود الصفقتان في صفقة ربا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور العلماء وجوزه مالك وقال لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير ولنا الخبر وأن النهي يقتضي الفساد ولأن العقد لا يجب بالشرط لكونه لا يثبت في الذمة فيسقط فيفسد العقد لأن البائع لم يرض به إلا بذلك الشرط فإذا فات فات الرضا به, ولأنه شرط عقدا في عقد لم يصح كنكاح الشغار وقوله لا ألتفت إلى اللفظ لا يصح لأن البيع هو اللفظ فإذا كان فاسدا فكيف يكن صحيحا؟ ويتخرج أن يصح البيع ويفسد الشرط بناء على ما لو شرط ما ينافي مقتضى العقد كما سبق والله أعلم.

 فصل: 

وقد روى في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول بعتك هذا العبد بعشرة نقدا أو بخمسة عشر نسيئة أو بعشرة مكسرة أو تسعة صحاحا هكذا فسره مالك, والثوري وإسحاق وهو أيضا باطل وهو قول الجمهور لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال بعتك هذا أو هذا ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم فلم يصح كما لو قال بعتك أحد عبيدي وقد روى عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس أن يقول أبعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب على أحدهما وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعدما يجرى في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال: خذه أو قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقدا كافيا وإن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو يدل عليه, لم يصح لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابا لما ذكرناه وقد روى عن أحمد في من قال وإن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيحتمل أن يلحق به هذا البيع فيخرج وجها في الصحة ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة يحتمل فيها الجهالة بخلاف البيع ولأن العمل الذي يستحق به الأجرة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفقتين, فتتعين الأجرة المسماة عوضا له فلا يفضي إلى التنازع وهاهنا بخلافه.

 فصل: 

ولو باعه بشرط أن يسلفه أو بقرضه أو شرط المشتري ذلك عليه فهو محرم والبيع باطل وهذا مذهب مالك والشافعي ولا أعلم فيه خلافا, إلا أن مالكا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع ولنا ما روى عبد الله بن عمرو (أن النبي - ﷺ - نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة, وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف) أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي لفظ (لا يحل بيع وسلف) ولأنه اشترط عقدا في عقد فاسد كبيعتين في بيعة ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن القرض وريحا له وذلك ربا محرم ففسد كما لو صرح به ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا كما لو باع درهما بدرهمين, ثم ترك أحدهما.

 فصل: 

وإذا جمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض واحد كالصرف وبيع ما يجوز التفرق فيه قبل القبض والبيع والنكاح أو الإجارة نحو أن يقول بعتك هذا الدينار وهذا الثوب بعشرين درهما أو بعتك هذه الدار وأجرتك الأخرى بألف أو باعه سيفا محلى بالذهب بفضة أو زوجتك ابنتي وبعتك عبدها بألف صح العقد فيهما لأنهما عينان يجوز أخذ العوض عن كل واحدة منهما منفردة فجاز أخذ العوض عنهما مجتمعتين كالعبدين وهذا أحد قولي الشافعي وقال أبو الخطاب: في ذلك وجه آخر أنه لا يصح وهو القول الثاني للشافعي لأن حكمهما مختلف فإن المبيع يضمن بمجرد البيع والإجارة بخلافه, والأول أصح وما ذكروه يبطل بما إذا باع شقصا وسيفا فإنه يصح مع اختلاف حكمهما بوجوب الشفعة في أحدهما دون الآخر فأما إن جمع بين الكتابة والبيع فقال كاتبتك وبعتك عبدي هذا بألف في كل شهر مائة لم يصح لأن المكاتب قبل تمام الكتابة عبد قن فلا يصح أن يشتري من سيده شيئا ولا يثبت لسيده في ذمته ثمن, وإذا بطل البيع فهل يصح في الكتابة بقسطها؟ فيه روايتان نذكرهما في تفريق الصفقة وسوى أبو الخطاب بين هذه الصورة وبين الصور التي قبلها فقال: في الكل وجهان والذي ذكرناه -إن شاء الله تعالى- أولى.

 فصل: 

في تفريق الصفقة ومعناه أن يبيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز, صفقة واحدة بثمن واحد وهو على ثلاثة أقسام أحدها أن يبيع معلوما ومجهولا كقول بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف فهذا البيع باطل بكل حال ولا أعلم في بطلانه خلافا لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط الثاني, أن يكن المبيعان مما ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء كعبد مشترك بينه وبين غيره باعه كله بغير إذن شريكه وكقفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما ففيه وجهان أحدهما يصح في ملكه بقسطه من الثمن ويفسد فيما لا يملكه والثاني لا يصح فيهما وأصل الوجهين أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين إحداهما يفسد فيهما والثانية يصح في الحرة, والأولى أنه يصح فيما يملكه وهو قول مالك وأبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر: لا يصح وهو قول أبي ثور لأن الصفقة جمعت حلالا وحراما فغلب التحريم ولأن الصفقة إذا لم يكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل كالجمع بين الأختين وبيع درهم بدرهمين ولنا أن كل واحد منهما له حكم لو كان منفردا فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد منهما حكمه, كما لو باع شقصا وسيفا ولأن ما يجوز له بيعه قد صدر فيه البيع من أهله في محله بشرطه فصح كما لو انفرد ولأن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين وامتنع حكمه في أحد المحلين لنبوته عن قبول فيصح في الآخر كما لو أوصى بشيء لآدمي وبهيمة, وأما الدرهمان والأختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الآخر فلذلك فسد فيهما وهاهنا بخلافه القسم الثالث, أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم عليهما الثمن بالأجزاء كعبد وحر وخل وخمر, [وعبده] وعبد غيره وعبد حاضر وآبق فهذا يبطل البيع فيما لا يصح بيعه وفي الآخر روايتان نقل صالح عن أبيه في من اشترى عبدين فوجد أحدهما حرا رجع بقيمته من الثمن, ونقل عنه مهنا في من تزوج امرأة على عبدين فوجد أحدهما حرا فلها قيمة العبدين فأبطل الصداق فيهما جميعا وللشافعي قولان كالروايتين وأبطل مالك العقد فيهما إلا أن يبيع ملكه وملك غيره فيصح في ملكه ويقف في ملك غيره على الإجازة ونحوه قول أبي حنيفة فإنه قال إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص أو إجماع كالحر والخمر لم يصح العقد فيهما, وإن لم يثبت ذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه لأن ما اختلف فيه يمكن أن يلحقه حكم الإجازة بحكم حاكم بصحة بيعه وقال أبو ثور: لا يصح بيعه لما تقدم في القسم الثاني, ولأن الثمن مجهول لأنه إنما يتبين بالتقسيط للثمن على القيمة وذلك مجهول في الحال فلم يصح البيع به, كما لو قال: بعتك هذه السلعة برقمها أو بحصة من رأس المال ولأنه لو صرح به فقال بعتك هذا بقسطه من الثمن لم يصح فكذلك إذا لم يصرح وقال من نصر الرواية الأولى إنه متى سمى ثمنا في مبيع يسقط بعضه لا يوجب ذلك جهالة تمنع الصحة, كما لو وجد بعض المبيع معيبا فأخذ أرشه والقول بالفساد في هذا القسم أظهر إن شاء الله والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع إلا أن الظاهر فيها الصحة لأنها ليست عقود معاوضة, فلا توجد جهالة العوض فيها.

 فصل: 

وإن وقع العقد على مكيل أو موزون فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي رواية واحدة يأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن لأن العقد وقع صحيحا فذهاب بعضه لا يفسخه, كما بعد القبض وكما لو وجد أحد المبيعين معيبا فرده أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع فصل: وإن كان لرجلين عبدان لكل واحد عبد فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد أو وكل أحدهما صاحبه فباعهما بثمن واحد ففيه وجهان أحدهما يصح فيهما ويتقسط العوض على قدر قيمتهما وهو قول مالك وأبي حنيفة, وأحد قولي الشافعي لأن جملة الثمن معلومة فصح كما لو كانا لرجل واحد وكما لو باعا عبدا واحدا لهما أو قفيزين من صبرة واحدة والثاني لا يصح لأن كل واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن, وهو مجهول على ما قدمنا وفارق ما إذا كانا لرجل واحد فإن جملة البيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط والعبد المشترك والقفيزان ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء فلا جهالة فيه.

 فصل: 

ومتى حكمنا بالصحة في تفريق الصفقة وكان المشتري عالمًا بالحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة, وإن لم يعلم مثل إن اشترى عبدا يظنه كله للبائع فبان أنه لا يملك إلا نصفه أو عبدين فتبين أنه لا يملك إلا أحدهما فله الخيار بين الفسخ والإمساك لأن الصفقة تبعضت عليه وأما البائع فلا خيار له لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه ولو وقع العقد على شيئين يفتقر إلى القبض فيهما, فتلف أحدها قبل قبضه فقال القاضي للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ لأن حكم ما قبل القبض في كون المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد بدليل أنه لو تعيب قبل قبضه لملك المشتري الفسخ به.

 مسألة: 

قال ويتجر الوصي بمال اليتيم ولا ضمان عليه والربح كله لليتيم فإن أعطاه لمن يضارب له به فللمضارب من الربح ما وافقه الوصي عليه وجملته أن لولي اليتيم أن يضارب بماله وأن يدفعه إلى من يضارب له به ويجعل له نصيبا من الربح أيا كان, أو وصيا أو حاكما أو أمين حاكم, وهو أولى من تركه وممن رأى ذلك ابن عمر والنخعي والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي يروى إباحة التجارة به عن عمر وعائشة والضحاك ولا نعلم أحدا كرهه إلا ما روي عن الحسن ولعله أراد اجتناب المخاطرة به ولأن خزنه أحفظ له, والذي عليه الجمهور أولى لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص النبي - ﷺ - قال (من ولى يتيما له مال فليتجر ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وهو أصح من المرفوع ولأن ذلك أحظ للمولى عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم وأموال من يعز عليهم من أولادهم إلا أنه لا يتجر إلا في المواضع الآمنة ولا يدفعه إلا لأمين ولا يغرر بماله وقد روى عن عائشة رضي الله عنها أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر في البحر فيحتمل أنه كان في موضع مأمون قريب من الساحل ويحتمل أنها جعلته من ضمانه عليها إن هلك غرمته فمتى اتجر في المال بنفسه فالربح كله لليتيم وأجاز الحسن بن صالح وإسحاق أن يأخذه الوصي مضاربة لنفسه لأنه جاز أن يدفعه بذلك إلى غيره فجاز أن يأخذ ذلك لنفسه والصحيح ما قلنا لأن الربح نماء مال اليتيم فلا يستحقه غيره إلا بعقد, ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة مع نفسه فأما إن دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعله له الولي ووافقه عليه أي اتفقا عليه في قولهم جميعا لأن الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته, وهذا فيه مصلحته فصار تصرفه فيه كتصرف المالك في ماله.

 فصل: 

ويجوز لولي اليتيم إبضاع ماله ومعناه دفعه إلى من يتجر به والربح كله لليتيم وقد روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر ولأنه إذا جاز دفعه بجزء من ربحه فدفعه إلى من يوفر الربح أولى ويجوز أن يشتري له العقار لأنه مصلحة له فإنه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل والغرر فيه أقل من التجارة لأن أصله محفوظ ويجوز أن يبني له عقارا لأنه في معنى الشراء إلا أن يكن الشراء أحظ وهو ممكن فيتعين تقديمه وإذا أراد البناء بناه بما يرى الحظ في البناء به وقال أصحابنا يبنيه بالآجر والطين ولا يبني باللبن لأنه إذا هدم لا مرجوع له ولا بجص لأنه يلتصق بالآجر فلا يتخلص منه فإذا هدم فسد الآجر لأن تخليصه منه يفضي إلى كسره, وهذا مذهب الشافعي والذي قلناه أولى - إن شاء الله تعالى- فإنه إذا كان الحظ له في البناء بغيره فتركه ضيع حظه وماله ولا يجوز تضييع الحظ العاجل وتحمل الضرر الناجز المتيقن لتوهم مصلحة بقاء الآجر عند هدم البناء ولعل ذلك لا يكون في حياته ولا يحتاج إليه مع أن كثيرًا من البلدان لا يوجد فيها الآجر وكثير منها لم تجر عادتهم بالبناء به فلو كلفوا البناء به لاحتاجوا إلى غرامة كثيرة لا يحصل منها طائل وقول أصحابنا يختص من عادتهم البناء بالآجر كالعراق ونحوها فلا يصح في حق غيرهم.

 فصل: 

ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة لأننا نأمره بالشراء لما فيه من الحظ, فيكون بيعه تفويتا للحظ فإن احتيج إلى بيعه جاز نقل أبو داود عن أحمد يجوز للوصي بيع الدور على الصغار إذا كان نظرا لهم وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق قالوا يبيع إذا رأى الصلاح قال القاضي لا يجوز إلا في موضعين أحدهما أن يكون به ضرورة إلى كسوة, أو نفقة أو قضاء دين أو ما لا بد منه, وليس له ما تندفع به حاجته الثاني أن يكون في بيعه غبطة وهو أن يدفع فيه زيادة كثيرة على ثمن المثل قال أبو الخطاب كالثلث ونحوه أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه, وهذا مذهب الشافعي وكلام أحمد يقتضي إباحة البيع في كل موضع يكون نظرا لهم ولا يختص بما ذكروه وقد يرى الولي الحظ في غير هذا مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به, أو نفعه قليل فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه أو يرى شيئا في شرائه غبطة ولا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيها, لسوء الجوار أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها دارا يصلح له المقام بها وأشباه هذا مما لا ينحصر وقد لا يكون له حظ في بيع عقاره وإن دفع فيه مثلا ثمنه إما لحاجته إليه وإما لأنه لا يمكن صرف ثمنه في مثله فيضيع الثمن ولا يبارك فيه فقد جاء عن النبي - ﷺ - (من باع دارًا أو عقارًا, ولم يصرف ثمنه في مثله لم يبارك له فيه) فلا يجوز بيعه إذا فلا معنى لتقييده بما ذكروه في الجواز ولا في المنع بل متى كان بيعه أحظ له جاز بيعه وإلا فلا.

 فصل: 

ويجوز لولي اليتيم كتابة رقيق اليتيم وإعتاقه على مال, إذا كان الحظ فيه مثل أن تكون قيمته ألفا فيكاتبه بألفين أو يعتقه بألفين فإن لم يكن فيها حظ, لم يصح وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز إعتاقه لأن الإعتاق بمال تعليق له على شرط فلم يملكه ولي اليتيم, كالتعليق على دخول الدار وقال الشافعي: لا تجوز كتابته ولا إعتاقه لأن المقصود منهما العتق دون المعاوضة, فلم تجز كالإعتاق بغير عوض ولنا إنها معاوضة لليتيم فيها حظ, فملكها وليه كبيعه ولا عبرة بنفع العقد, ولا يضره كونه تعليقا فإنه إذا حصل الحظ لليتيم لا يضره نفع غيره, ولا كون العتق حصل بالتعليق وفارق ما قاسوا عليه فإنه لا نفع فيه فمنع منه, لعدم الحظ وانتفاء المقتضى لا لما ذكروه ولو قدر أن يكون في العتق بغير مال نفع كان نادرا ويتوجه أن يصح قال أبو بكر: يتوجه العتق بغير عوض للحظ, مثل أن يكون لليتيم جارية وابنتها يساويان مائة مجتمعتين ولو أفردت إحداهما ساوت مائتين, ولا يمكن إفرادها بالبيع فيعتق الأخرى لتكثر قيمة الباقية, فتصير ضعف قيمتها.

 فصل: 

قال أحمد ويجوز للوصي أن يشتري لليتيم أضحية إذا كان له مال يعني مالا كثيرا لا يتضرر بشراء الأضحية فيكون ذلك, وعلى وجه التوسعة في النفقة في هذا اليوم الذي هو عيد ويوم فرح, وفيه جبر قلبه وتطييبه وإلحاقه بمن له أب فينزل منزلة الثياب الحسنة وشراء اللحم سيما مع استحباب التوسعة في هذا اليوم, وجرى العادة بها بدليل قول النبي - ﷺ - (إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل) رواه مسلم ومتى كان خلط مال اليتيم أرفق به, وألين في الخبز وأمكن في حصول الأدم فهو أولى وإن كان إفراده أرفق به أفرده لقول الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220]. أي ضيق عليكم وشدد, من قولهم: أعنت فلان فلانا إذا ضيق عليه وشدد وعنتت الرجل إذا ظلعت ويجوز للوصى ترك الصبى في المكتب بغير إذن الحاكم وحكى لأحمد قول سفيان: لا يسلم الوصى الصبي إلا بإذن الحاكم فأنكر ذلك وذلك لأن المكتب من مصالحه, فجرى مجرى نفقته ولمأكوله ومشروبه, وملبوسه وكذلك يجوز له إسلامه في صناعة إذا كانت مصلحته في ذلك لما ذكرنا.

 فصل: 

وإذا كان الولى موسرا فلا يأكل من مال اليتيم شيئا إذا لم يكن أبا لقوله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6]. وإن كان فقيرا, فله أقل الأمرين من أجرته أو قدر كفايته لأنه يستحقه بالعمل والحاجة جميعا فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه فإذا أكل منه ذلك القدر, ثم أيسر فإن كان أبا لم يلزمه عوضه رواية واحدة لأن للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع الحاجة وعدمها وإن كان غير الأب فهل يلزمه عوض ذلك؟ على روايتين إحداهما, لا يلزمه وهو قول الحسن والنخعي وأحد قولي الشافعي لأن الله تعالى أمر بالأكل من غير ذكر عوض فأشبه سائر ما أمر بأكله ولأنه عوض من عمله فلم يلزمه بدله, كالأجير والمضارب والثانية يلزمه عوضه وهو قول عبيدة السلماني وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية لأنه استباحه بالحاجة من مال غيره فلزمه قضاؤه, كالمضطر إلى طعام غيره والأول أصح لأنه لو وجب عليه إذا أيسر لكان واجبا في الذمة قبل اليسار فإن اليسار ليس بسبب للوجوب, فإذا لم يجب بالسبب الذي هو الأكل لم يجب بعده وفارق المضطر فإن العوض واجب عليه في ذمته, ولأنه لم يأكله عوضا عن شيء وهذا بخلافه.

 فصل: 

فأما قرض مال اليتيم فإذا لم يكن فيه حظ له لم يجز قرضه, فمتى أمكن الولى التجارة به أو تحصيل عقار له فيه الحظ لم يقرضه لأن ذلك يفوت الحظ على اليتيم, وإن لم يمكن ذلك وكان قرضه حظا لليتيم جاز قال أحمد: لا يقرض مال اليتيم لأحد يريد مكافأته, ومودته ويقرض على النظر والشفقة, كما صنع ابن عمر وقيل لأحمد: إن عمر استقرض مال اليتيم قال: إنما استقرض نظرا لليتيم واحتياطا إن أصابه بشيء غرمه قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مال في بلده, فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده, يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق, أو نحوهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته أو حديثه خير من قديمه, كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفا أن يسوس أو تنقص قيمته, وأشباه هذا فيجوز القرض لأنه مما لليتيم فيه حظ فجاز كالتجارة به وإن لم يكن فيه حظ, وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز لأنه تبرع بمال اليتيم, فلم يحز كهبته وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله وقرضه لثقة أمين أولى من إيداعه لأن الوديعة لا تضمن إذا تلفت, فإن لم يجد من يستقرضه على هذه الصفة فله إيداعه لأنه موضع حاجة ولو أودعه مع إمكان قرضه جاز, ولا ضمان عليه فإنه ربما رأى الإيداع أحظ له من القرض فلا يكون مفرطا وكل موضع قلنا: له قرضه فلا يجوز إلا لمليء أمين, ليأمن جحوده وتعذر الإيفاء وينبغي أن يأخذ رهنا إن أمكنه, وإن تعذر عليه أخذ الرهن جاز تركه في ظاهر كلام أحمد لأن الظاهر ممن يستقرضه من أجل حظ اليتيم, أنه لا يبذل رهنا فاشتراط الرهن يفوت هذا الحظ وقال أبو الخطاب: يقرضه إذا أخذ بالقرض رهنا فظاهر هذا أنه لا يقرضه إلا برهن لأن فيه احتياطا للمال وحفظا له عن الجحد, والمطل وإن أمكنه أخذ الرهن فالأولى له أخذه احتياطا على المال, وحفظا له فإن تركه احتمل أن يضمن إن ضاع المال لتقريطه واحتمل أن لا يضمن لأن الظاهر سلامته وهذا ظاهر كلام أحمد لكونه لم يذكر الرهن.

 فصل: 

قال أبو بكر: وهل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله بنفسه؟ على روايتين لأنه متصرف بالإذن في مال غيره, فأشبه الوكيل وقال القاضي: يجوز ذلك للوصي وفي الوكيل روايتان وفرق بينهما بأن الوكيل يمكنه الاستئذان والوصي بخلافه.

 فصل: 

وإذا ادعى الولي الإنفاق على الصبي, أو على ماله أو عقاره بالمعروف من ماله, أو ادعى أنه باع عقاره لحظه أو بناء لمصلحته أو أنه تلف, قبل قوله وقال أصحاب الشافعي: لا يمضي الحاكم بيع الأمين والوصي حتى يثبت عنده الحظ ببينة ولا يقبل قولهما في ذلك ويقبل قول الأب والجد ولنا أن من جاز له بيع العقار, وشراؤه لليتيم يجب أن يقبل قوله في الحظ كالأب والجد, ولأنه يقبل قوله في عدم التفريط فيما تصرف فيه من غير العقار فيقبل قوله في العقار كالأب وإذا بلغ الصبي, فادعى أنه لاحظ له في البيع لم يقبل إلا ببينة فإن لم تكن بينة, فالقول قول الولي مع يمينه وإن قال الولي: أنفقت عليك منذ ثلاث سنين وقال الغلام: ما مات أبي إلا منذ سنتين فالقول قول الغلام ذكره القاضي لأن الأصل حياة والده واختلافهما في أمر ليس الوصي أمينا فيه فكان القول قول من يوافق قوله الأصل.

 فصل: 

قال أحمد: يجوز للوصي البيع على الغائب البالغ, إذا كان من طريق النظر وقال أصحابنا: يجوز للوصي البيع على الصغار والكبار إذا كانت حقوقهم مشتركة في عقار في قسمه إضرار وبالصغار حاجة إلى البيع, إما لقضاء دين أو مؤنة لهم وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: يجوز البيع, على الصغار والكبار فيما لا بد منه ولعلهما أرادا هذه الصورة لأن في ذلك نظرا للصغار واحتياطا للميت في قضاء دينه وقال الشافعي: لا يصح بيعه على الكبار لأنه تصرف في مال غيره من غير وكالة ولا ولاية, فلم يصح كبيع ماله المفرد أو ما لا تضر قسمته وهذا هو الصحيح, وما ذكروه لا أصل له يقاس عليه ويعارضه أن فيه ضررا على الكبار ببيع ما لهم بغير إذنهم ولأنه لا يجوز له بيع غير العقار, فلم يحز له بيع غير العقار كالأجنبي.

 فصل: 

ويصح تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي فيه في إحدى الروايتين وهو قول أبي حنيفة والثانية, لا يصح حتى يبلغ وهو قول الشافعي لأنه غير مكلف أشبه غير المميز ولأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به التصرف لخفائه وتزايده تزايدا خفي التدريج, فجعل الشارع له ضابطا وهو البلوغ فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة ولنا, قول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6]. ومعناه اختبروهم لتعلموا رشدهم وإنما يتحقق اختيارهم بتفويض التصرف إليهم من البيع والشراء ليعلم هل يغبن أو لا ولأنه عاقل مميز محجور عليه فصح تصرفه بإذن وليه, كالعبد وفارق غير المميز فإنه لا تحصل المصلحة بتصرفه لعدم تمييزه ومعرفته ولا حاجة إلى اختياره لأنه قد علم حاله وقولهم: إن العقل لا يمكن الاطلاع عليه قلنا: يعلم ذلك بآثار وجريان تصرفاته على وفق المصلحة, كما يعلم في حق البالغ فإن معرفة رشده شرط دفع ماله إليه, وصحة تصرفه كذا ها هنا فأما إن تصرف بغير إذن وليه لم يصح تصرفه ويحتمل أن يصح, ويقف على إجازة الولي وهو قول أبي حنيفة ومبنى ذلك على ما إذا تصرف في مال غيره بغير إذنه وقد ذكرناها فيما مضى وأما غير المميز فلا يصح تصرفه, وإن أذن له الولي فيه إلا في الشيء اليسير كما روي عن أبي الدرداء, أنه اشترى من صبي عصفورا فأرسله ذكره ابن أبي موسى.

 مسألة: 

قال: [وما استدان العبد فهو في رقبته يفديه سيده, أو يسلمه فإن جاوز ما استدان قيمته لم يكن على سيده أكثر من قيمته, إلا أن يكون مأذونا له في التجارة فيلزم مولاه جميع ما استدان) في هذه المسألة أربعة فصول: الفصل الأول: في استدانة العبد يعني أخذه بالدين, يقال: أدان واستدان وتدين قال الشاعر: يؤنبني في الدين قومي وإنما تدينت فيما سوف يكسبهم حمدا والعبيد قسمان محجور عليه فما لزمه من الدين بغير رضا سيده, مثل أن يقترض أو يشتري شيئا في ذمته ففيه روايتان إحداهما, يتعلق برقبته اختارها الخرقي وأبو بكر لأنه دين لزمه بغير إذن سيده فتعلق برقبته, كأرش جنايته والثانية يتعلق بذمته يتبعه الغريم به إذا أعتق وأيسر وهذا مذهب الشافعي لأنه متصرف في ذمته بغير إذن سيده فتعلق بذمته كعوض الخلع من الأمة, وكالحر القسم الثاني المأذون له في التصرف أو في الاستدانة, فما يلزمه من الدين هل يتعلق بذمة السيد أو برقبته؟ على روايتين وقال مالك والشافعي: إن كان في يده مال, قضيت ديونه منه وإن لم يكن في يده شيء تعلق بذمته, يتبع به إذا عتق وأيسر لأنه دين ثبت برضا من له الدين أشبه غير المأذون له فوجب أن لا يتعلق برقبته, كما لو استقرض بغير إذن سيده وقال أبو حنيفة: يباع إذا طالب الغرماء بيعه وهذا معناه أنه تعلق برقبته لأنه دين ثبت برضا من له الدين فيباع فيه, كما لو رهنه ولنا أنه إذا أذن له في التجارة فقد أغرى الناس بمعاملته, وأذن فيها فصار ضامنا كما لو قال لهم: داينوه, أو أذن في استدانة تزيد على قيمته ولا فرق بين الدين الذي لزمه في التجارة المأذون فيها, أو فيما لم يؤذن له فيه مثل إن أذن له في التجارة في البر فاتجر في غيره, فإنه لا ينفك عن التغرير إذ يظن الناس أنه مأذون له في ذلك أيضا.

 الفصل الثاني: 

فيما لزمه من الدين من أروش جناياته أو قيم متلفاته, فهذا يتعلق برقبة العبد على كل حال مأذونا, أو غير مأذون رواية واحدة وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وكل ما يتعلق برقبته فإن السيد يتخير بين تسليمه للبيع وبين فدائه, فإن سلمه فبيع وكان ثمنه أقل من أرش جنايته فليس للمجني عليه إلا ذلك لأن العبد هو الجاني, فلا يجب على غيره شيء وإن كان ثمنه أكثر فالفضل لسيده وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد, أن السيد لا يرجع بالفضل ولعله يذهب إلى أنه دفعه إليه عوضا عن الجناية فلم يبق لسيده فيه شيء كما لو ملكه إياه عوضا عن الجناية وهذا ليس بصحيح فإن المجني عليه لا يستحق أكثر من قدر أرش الجناية عليه, كما لو جنى عليه حر والجاني لا يجب عليه أكثر من قدر جنايته ولأن الحق تعلق بعينه, فكان الفضل من ثمنه لسيده كالرهن ولا يصح قولهم: إنه دفعه عوضا لأنه لو كان عوضا لملكه المجني عليه ولم يبع في الجناية, وإنما دفعه ليباع فيؤخذ منه عوض الجناية ويرد إليه الباقي, ولذلك لو أتلف درهما لم يبطل حق سيده منه بذلك لعجزه عن أداء الدرهم من غير ثمنه وإن اختار السيد فداءه لزمه أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته لأن أرش الجناية إن كان أكثر, فلا يتعلق بغير العبد الجاني لعدم الجناية من غيره وإنما تجب قيمته وإن كان أقل, فلم يجب بالجناية إلا هو وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه أرش جنايته بالغا ما بلغ لأنه يجوز أن يرغب فيه راغب, فيشتريه بأكثر من ثمنه فإذا منع بيعه لزمه جميع الأرش لتفويته ذلك وللشافعي قولان كالروايتين.

 الفصل الثالث: 

في تصرفاته أما غير المأذون, فلا يصح بيعه ولا شراؤه بعين المال لأنه تصرف من المحجور فيما حجر عليه فيه فأشبه المفلس ولأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه, فهو كتصرف الفضولي ويتخرج أن يصح ويقف على إجازة السيد كذلك وأما شراؤه بثمن في ذمته واقتراضه فيحتمل أن لا يصح لأنه محجور عليه أشبه السفيه, ويحتمل أن يصح لأن الحجر لحق غيره أشبه المفلس والمريض ويتفرع عن هذين الوجهين أن التصرف وإن كان فاسدا, فللبائع والمقرض أخذ ماله إن كان باقيا سواء كان في يد العبد أو السيد, وإن كان تالفا فله قيمته أو مثله إن كان مثليا, فإن تلف في يد السيد رجع بذلك عليه لأن عين ماله تلف في يده وإن شاء كان ذلك متعلقا برقبة العبد لأنه الذي أخذه منه وإن تلف في يد العبد, فالرجوع عليه وهل يتعلق برقبته أو ذمته؟ على روايتين وإن قلنا: التصرف صحيح والمبيع في يد العبد فللبائع فسخ البيع, وللمقرض الرجوع فيما أقرض لأنه قد تحقق إعسار المشتري والمقترض فهو أسوأ حالا من الحر المعسر وإن كان السيد قد انتزعه من يد العبد ملكه بذلك, وله ذلك لأنه أخذ من عبده مالا في يده بحق فهو كالصيد فإذا ملكه السيد, كان كهلاكه في يد العبد ولا يملك البائع والمقرض انتزاعه من السيد بحال وإن كان قد تلف, استقر ثمنه في رقبة العبد أو في ذمته سواء تلف في يد العبد أو السيد وأما العبد المأذون له فيصح تصرفه في قدر ما أذن له فيه لا نعلم فيه خلافا, ولا يصح فيما زاد نص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: إذا أذن له في نوع انفك الحجر عنه وجاز له التصرف مطلقا لأن الحجر لا يتجزأ, فإذا زال بعضه زال كله ولنا أنه متصرف بالإذن, فاختص تصرفه بمحل الإذن كالوكيل وقولهم: إن الحجر لا يتجزأ لا يصح, فإنه لو صرح بالإذن له في بيع عين ونهيه عن بيع أخرى صح وكذلك في الشراء, كالوكيل وإن أذن له السيد في ضمان أو كفالة ففعل, صح وهل يتعلق بذمة السيد أو رقبة العبد؟ على وجهين وإن رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه, لم يصر بذلك مأذونا له.

الفصل الرابع: في تصرفاته إن كان مأذونا له في التجارة قبل إقراره في قدر ما أذن له, ولم يقبل فيما زاد ولا يقبل إقرار غير المأذون له بالمال فإن أقر بعين في يده أو دين يتعلق برقبته لم يقبل على سيده لأنه يقر بحق على غيره فلم يقبل, كما لو أقر أن سيده باعه ويثبت في ذمته يتبع به بعد العتق وإن أقر بجنايته استوى في ذلك المأذون له وغيره وينقسم ذلك أقساما أربعة أحدها, جناية موجبها المال كإتلافه أو جناية خطأ, أو شبه عمد أو جناية عمد فيما لا قصاص فيه كالجائفة, ونحوها فلا يقبل إقراره بها لأنه إقرار بالمال فلم يقبل, كما لو أقر بدراهم أو دنانير القسم الثاني جناية موجبها حد سوى السرقة, أو قصاص فيما دون النفس فيقبل إقراره بذلك وبه قال أبو حنيفة ومالك, والشافعي وقال له زفر وداود والمزني, وجرير: لا يقبل لأنه يسقط به حق السيد فلا يقبل كالإقرار بجناية الخطإ ولنا, ما روي عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه قطع يد عبد بإقراره بالسرقة وجلد عبدا أقر عنده بالزنا نصف الحد ولا مخالف له في الصحابة فكان إجماعا ولأن ما لا يقبل إقرار السيد فيه على العبد, يقبل فيه إقرار العبد كالطلاق ولأن العبد غير متهم فيه لأن ضرره به أخص وهو بألمه أمس, فقبل إقراره كما لو أقرت به الزوجة وخرج على هذين المعنيين جناية الخطإ فإن إقرار السيد بها مقبول ولا يتضرر العبد بها القسم الثالث, إقراره بالسرقة يقبل في الحد فيقطع, ولا يقبل في المال سواء كانت العين تالفة أو باقية في يد السيد, أو في يد العبد وبهذا قال الشافعي ويحتمل أن لا يقطع إذا أقر بسرقة عين موجودة في يده وبهذا قال أبو حنيفة لأن العين محكوم بها لسيده فلا يقطع بسرقة عين لسيده ولأن المطالبة بالمسروق شرط في القطع, وهذه لا يملك غير السيد المطالبة بها ولأن هذا شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولنا, خبر على ـ رضي الله عنه ـ ولأنه مقر بسرقة عين تبلغ نصابا فوجب قطعه كما لو أقر حر بسرقة عين في يد غيره, وما ذكروه يبطل بهذه الصورة وإنما لم ترد العين إلى المسروق منه لحق السيد وأما في حق العبد, فقد يثبت للمقر له ولهذا لو عتق وعادت العين إلى يده لزمه ردها إلى المقر له القسم الرابع, الإقرار بما يوجب القصاص في النفس فروي عن أحمد أنه لا يقبل وعموم قول الخرقي إن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا, أو قصاصا أو طلق زوجته لزمه ذلك يقتضي قبول إقراره, وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأنه أقر بما يوجب قصاصا, فقبل كإقراره بقطع اليد ولأنه أحد نوعي القصاص, فقبل إقراره به كالآخر ولأنه لا يقبل إقرار سيده عليه به فقبل إقراره به, كالحد واحتج أصحابنا بأن مقتضى القياس أن لا يقبل إقراره بالقصاص أصلا لأنه إقرار على مال سيده ولأنه متهم, إذ يحتمل أن يكون عن مواطأة بينهما ليعفو على مال فيستحق رقبة العبد, ولذلك لم تحمل العاقلة اعترافا فتركنا موجب القياس لخبر على ـ رضي الله عنه ـ ففيما عداه يبقى على موجب القياس ويفارق القصاص في النفس القصاص في الطرف لأنه قد يحتمل أنه أراد التخلص من سيده ولو بفوات نفسه وكل موضع حكمنا بقبول إقراره بالقصاص, فحكمه حكم الثابت بالبينة فلولي الجناية العفو والاستيفاء, والعفو على مال فإن عفا تعلق الأرش برقبة العبد, على ما مر بيانه ويحتمل أن لا يملك العفو على مال لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى الإقرار بمال.

مسألة: قال: [وبيع الكلب باطل وإن كان معلما] لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل أي كلب كان وبه قال الحسن, وربيعة وحماد والأوزاعي, والشافعي وداود وكره أبو هريرة ثمن الكلب ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء, والنخعي وجوز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها وأخذ ثمنها وعنه رواية في الكلب العقور, أنه لا يجوز بيعه واختلف أصحاب مالك فمنهم من قال: لا يجوز ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه يجوز بيعه, ويكره واحتج من أجاز بيعه بما روى عن جابر أن النبي - ﷺ - (نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد) ولأنه يباح الانتفاع به, ويصح نقل اليد فيه والوصية به فصح بيعه, كالحمار ولنا ما روي أبو مسعود الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن ثمن الكلب, ومهر البغي وحلوان الكاهن) متفق عليه وعن رافع بن خديج قال قال رسول الله - ﷺ -: (ثمن الكلب خبيث, ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث) متفق عليهما وروي عن ابن عباس أنه قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب فإن جاء يطلبه فاملئوا كفه ترابا) رواه أبو داود ولأنه حيوان نهى عن اقتنائه في غير حال الحاجة إليه, أشبه الخنزير أو حيوان نجس العين أشبه الخنزير فأما حديثهم, فقال أحمد: هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف على جابر وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث وقد روى عن أبي هريرة, ولا يصح أيضا ويحتمل أنه أراد ولا كلب صيد وقد جاءت اللغة بمثل ذلك, قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان أي: والفرقدان ثم هذا الحديث حجة على من أباح بيع غير كلب الصيد.

فصل: ولا تجوز إجارته نص عليه أحمد وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم: يجوز لأنها منفعة مباحة فجازت المعاوضة عنها كنفع الحمير ولنا, أنه حيوان محرم بيعه لخبثه فحرمت إجارته كالخنزير وقياسهم ينتقض بضراب الفحل, فإنها منفعة مباحة ولا يجوز إجارتها ولأن إباحة الانتفاع لم تبح بيعه, فكذلك إجارته ولأن منفعته لا تضمن في الغصب فإنه لو غصبه غاصب مدة, لم يلزمه لذلك عوض فلم يجز أخذ العوض عنها في الإجارة كنفع الخنزير.

فصل: وتصح الوصية بالكلب الذي يباح اقتناؤه لأنها نقل لليد فيه من غير عوض وتصح هبته لذلك وقال القاضي: لا تصح لأنها تمليك في الحياة, أشبهت البيع والأول أصح ويفارق البيع لأنه يؤخذ عوضه وهو محرم ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.

مسألة: قال: [ومن قتله وهو معلم, فقد أساء ولا غرم عليه] أما قتل المعلم فحرام وفاعله مسيء ظالم, وكذلك كل كلب مباح إمساكه لأنه محل منتفع به يباح اقتناؤه فحرم إتلافه كالشاة ولا نعلم في هذا خلافا ولا غرم على قاتله وبهذا قال الشافعي وقال مالك وعطاء: عليه الغرم لما ذكرنا في تحريم إتلافه ولنا, أنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه فلم يجب غرمه بإتلافه كالخنزير, وإنما يحرم إتلافه لما فيه من الإضرار وقد نهى النبي - ﷺ - عن الضرر والإضرار.

فصل:

فأما قتل ما لا يباح إمساكه فإن الكلب الأسود البهيم يباح قتله لأنه شيطان قال عبد الله بن الصامت: سألت أبا ذر فقلت: (ما بال الأسود من الأحمر من الأبيض؟ فقال: سألت رسول الله - ﷺ - كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) رواه مسلم, وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم) ويباح قتل الكلب العقور لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - ﷺ - قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم الغراب, والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور) متفق عليه, ويقتل كل واحد من هذين وإن كان معلما للخبرين وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس, وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله لأنه يؤذي بلا نفع أشبه الذئب, وما لا مضرة فيه لا يباح قتله لما ذكرنا من الخبر وروي عن النبي - ﷺ - أنه (أمر بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله, ثم نهى عن قتلها وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي الطفيتين فإنه شيطان) رواه مسلم. 
  

فصل: ولا يجوز اقتناء الكلب, إلا كلب الصيد أو كلب ماشية أو حرث لما روي عن أبي هريرة, عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من اتخذ كلبا إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط) وعن ابن عمر قال: سمعت النبي - ﷺ- يقول: (من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث متفق عليه وإن اقتناه لحفظ البيوت, لم يجز للخبر ويحتمل الإباحة وهو قول أصحاب الشافعي لأنه في معنى الثلاثة فيقاس عليها والأول أصح لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما يتناول الخبر تحريمه قال القاضي: وليس هو في معناها, فقد يحتال اللص لإخراجه بشيء يطعمه إياه ثم يسرق المتاع وأما الذئب فلا يحتمل هذا في حقه, ولأن اقتناءه في البيوت يؤذي المارة بخلاف الصحراء.

فصل: فأما تربية الجرو الصغير لأحد الأمور الثلاثة فيجوز في أقوى الوجهين لأنه قصده لذلك, فيأخذ حكمه كما يجوز بيع العبد الصغير والجحش الصغير الذي لا نفع فيه في الحال لماله إلى الانتفاع ولأنه لو لم يتخذ الصغير, ما أمكن جعل الكلب للصيد إذا لا يصير معلما إلا بالتعليم ولا يمكن تعليمه إلا بتربيته, واقتنائه مدة يعلمه فيها قال الله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله) ولا يوجد كلب معلم بغير تعليم والوجه الثاني لا يجوز لأنه ليس من الثلاثة.

فصل: ومن اقتنى كلبا للصيد ثم ترك الصيد مدة, وهو يريد العود إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه لأن ذلك لا يمكن التحرز منه وكذلك لو حصد صاحب الزرع زرعه أبيح له إمساك الكلب, إلى أن يزرع زرعا آخر ولو هلكت ماشيته فأراد شراء غيرها فله إمساك كلبها لينتفع به في التي يشتريها فأما إن اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به, احتمل الجواز لأن النبي - ﷺ - استثنى كلب الصيد مطلقا واحتمل المنع لأنه اقتناه لغير حاجة أشبه غيره من الكلاب ومعنى كلب الصيد أي كلب يصيد به وهكذا الاحتمال لأن في من اقتنى كلبا ليحفظ له حرثا, أو ماشية إن حصلت أو يصيد به إن احتاج إلى الصيد, وليس له في الحال حرث ولا ماشية يحتمل الجواز لقصده ذلك, كما لو حصد الزرع وأراد أن يزرع غيره.

فصل: ولا يجوز بيع الخنزير ولا الميتة, ولا الدم قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر وعلى أن بيع الخنزير وشراءه, حرام وذلك لما روى جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو بمكة يقول: (إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير, والأصنام) متفق عليه ولا يجوز بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات كلها وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد, كالأسد والذئب وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير كالرخم, والحدأة والغراب الأبقع وغراب البين وبيضها, فكل هذا لا يجوز بيعه لأنه لا نفع فيه فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل.

فصل: ولا يجوز بيع السرجين النجس وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير, فكان إجماعا ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة وما ذكروه فليس بإجماع, فإن الإجماع اتفاق أهل العلم ولم يوجد ولأنه رجيع نجس, فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي.

فصل: ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك, كالمباحات قبل حيازتها وملكها ولا نعلم في ذلك خلافا فإن النبي - ﷺ - قال: (قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه, ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره) رواه البخاري.

مسألة: قال: ( وبيع الفهد والصقر المعلم, جائز وكذلك بيع الهر وكل ما فيه المنفعة ) وجملة ذلك, أن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع, من الكلب وأم الولد والوقف وفي المدبر والمكاتب, والزيت النجس اختلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى- لأن الملك سبب لإطلاق التصرف, والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ماله فيها, توصلا إليها ودفعا لحاجته بها كسائر ما أبيح بيعه, وسواء في هذا ما كان طاهرا كالثياب والعقار, وبهيمة الأنعام والخيل والصيود, أو مختلفا في نجاسته كالبغل والحمار, وسباع البهائم وجوارح الطير التي تصلح للصيد, التي كالفهد والصقر والبازي, والشاهين والعقاب والطير المقصود صوته, كالهزاز والبلبل والببغاء, وأشباه ذلك فكله يجوز بيعه وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر عبد العزيز وابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد, والصقر ونحوهما لأنها نجسة فلم يجز بيعها, كالكلب ولنا أنه حيوان أبيح اقتناؤه وفيه نفع مباح, من غير وعيد في حبسه فأبيح بيعه كالبغل وما ذكراه يبطل بالبغل, والحمار فإنه لا خلاف في إباحة بيعهما وحكمها حكم سباع البهائم في الطهارة, والنجاسة وإباحة الاقتناء والانتفاع وأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتنائه وحرمه إلا في حال الحاجة, فصارت إباحته ثابتة بطريق الضرورة بخلاف غيره, ولأن الأصل الإباحة بدليل قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]. ولما ذكرنا من المعنى خرج منه ما استثناه الشرع لمعان غير موجودة في هذا فبقي على أصل الإباحة وأما الهر فقال الخرقي: يجوز بيعها وبه قال ابن عباس, والحسن وابن سيرين والحكم, وحماد والثوري ومالك, والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه كره ثمنها وروي ذلك عن أبي هريرة, وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد واختاره أبو بكر لما روى مسلم عن جابر, أنه (سئل عن ثمن السنور فقال: زجر النبي - ﷺ - عن ذلك) وفي لفظ رواه أبو داود عن جابر (, أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن السنور) قال الترمذي: هذا حديث حسن وفي إسناده اضطراب ولنا, ما ذكرنا فيما يصاد به من السباع ويحمل الحديث على غير المملوك منها أو ما لا نفع فيه منها بدليل ما ذكرنا, ولأن البيع شرع طريقا للتوصل إلى قضاء الحاجة واستيفاء المنفعة المباحة ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه مما يباح الانتفاع به, فينبغي أن يشرع ذلك فيه ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه فما يباح الانتفاع به ينبغي أن يجوز بيعه.

فصل: فإن كان الفهد والصقر ونحوهما, مما ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لم يجز بيعه لعدم النفع به وإن كان مما يمكن تعليمه, جاز بيعه لأن مآله إلى الانتفاع فأشبه الجحش الصغير.

فصل: فأما ما يصاد عليه كالبومة التي يجعلها شباكا, لتجمع الطير إليها فيصيده الصياد فيحتمل جواز بيعها, للنفع الحاصل منها ويحتمل المنع لأن ذلك مكروه لما فيه من تعذيب الحيوان وكذلك اللقلق ونحوه.

فصل: فأما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير فإن كان مما لا نفع فيه, لم يجز بيعه طاهرا كان أو نجسا وإن كان ينتفع به بأن يصير فرخا, وكان طاهرا جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به أشبه أصله وإن كان نجسا, كبيض البازي والصقر ونحوه, فحكمه حكم فرخه وقال القاضي: لا يجوز بيعه لأنه نجس لا ينتفع به في الحال وهذا ملغي بفرخه وبالجحش الصغير.

فصل: قال أحمد: أكره بيع القرد قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للإطافة به, واللعب فأما بيعه لمن ينتفع به كحفظ المتاع والدكان ونحوه, فيجوز لأنه كالصقر والبازي وهذا مذهب الشافعي وقياس قول أبي بكر وابن أبي موسى المنع من بيعه مطلقا.

فصل: وفي بيع العلق التي ينتفع بها مثل التي تعلق على وجه صاحب الكلف فتمص الدم, والديدان التي تترك في الشص فيصاد بها السمك وجهان أصحهما جواز بيعها لحصول نفعها, فهي كالسمك والثاني لا يجوز لأنها لا ينتفع بها إلا نادرا, فأشبهت ما لا نفع فيه.

فصل: ويجوز بيع دود القز وبزره وقال أبو حنيفة في رواية عنه: إن كان مع دود القز قز, جاز بيعه وإلا فلا لأنه لا ينتفع بعينه فهو كالحشرات وقيل: لا يجوز بيع بزره ولنا أن الدود حيوان طاهر يجوز اقتناؤه لتملك ما يخرج منه, أشبه البهائم ولأن الدود وبزره طاهر منتفع به, فجاز بيعه كالثوب وقوله: لا ينتفع بعينه يبطل بالبهائم التي لا يحصل منها نفع, سوى النتاج ويفارق الحشرات التي لا نفع فيها أصلا, فإن نفع هذه كثير لأن الحرير الذي هو أشرف ملابس الدنيا إنما يحصل منها.

فصل: ويجوز بيع النحل إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها أن تمتنع وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعها منفردة لما ذكر في دود القز ولنا, أنه حيوان طاهر يخرج من بطونها شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه, كبهيمة الأنعام واختلف أصحابنا في بيعها في كواراتها فقال القاضي: لا يجوز لأنه لا يمكن مشاهدة جميعها ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعا معها, وهو مجهول وقال أبو الخطاب: يجوز بيعها في كواراتها ومنفردة عنها فإنه يمكن مشاهدتها في كواراتها إذا فتح رأسها, ويعرف كثرته من قلته وخفاء بعضه لا يمنع صحة بيعه, كالصبرة وكما لو كان في وعاء فإن بعضه يكون على بعض, فلا يشاهد إلا ظاهره والعسل يدخل في البيع تبعا فلا تضر جهالته, كأساسات الحيطان فإن لم يمكن مشاهدة النحل لكونه مستورا بأقراصه ولم يعرف لم يجز بيعه لجهالته.

فصل: ذكر الخرقي, أن الترياق لا يؤكل لأنه يقع فيه لحوم الحيات فعلى هذا لا يجوز بيعه لأن نفعه إنما يحصل بالأكل, وهو محرم فخلا من نفع مباح فلم يجز بيعه, كالميتة ولا يجوز التداوي به ولا بسم الأفاعي فأما السم من الحشائش والنبات, فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله لم يجز بيعه لعدم نفعه, وإن انتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا, جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به فأشبه بقية المأكولات.

فصل: ولا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدبغ, قولا واحدا قاله ابن أبي موسى وفي بيعه بعد الدبغ عنه خلاف وقد روى حرب عن أحمد أنه قال: (إن النبي - ﷺ- نهى عن ثمن الكلب) وأما غير ذلك, نحو ريش الطير التي لها مخلب أو بعض جلود السباع التي لها أنياب فإن بيعها أسهل لأن النبي - ﷺ- إنما نهى عن أكل لحومها والصحيح عنه, أنه لا يجوز وهذا ينبني على الحكم بنجاسة جلود الميتة وأنها لا تطهر بالدباغ وقد ذكرنا ذلك في بابه.

فصل: فأما بيع لبن الآدميات, فقال أحمد: أكرهه واختلف أصحابنا في جوازه فظاهر كلام الخرقي جوازه لقوله: "وكل ما فيه المنفعة". وهذا قول ابن حامد ومذهب الشافعي وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لأنه مائع خارج من آدمية, فلم يجز بيعه كالعرق ولأنه من آدمي, فأشبه سائر أجزائه والأول أصح لأنه لبن طاهر منتفع به فجاز بيعه كلبن الشاه, ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر فأشبه المنافع ويفارق العرق فإنه لا نفع فيه, ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فإنه يجوز بيع العبد, والأمة وإنما حرم بيع الحر لأنه ليس بمملوك وحرم بيع العضو المقطوع لأنه لا نفع فيه.

فصل: واختلفت الرواية في بيع رباع مكة وإجارة دورها, فروي أن ذلك غير جائز وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد وكره إسحاق لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: قال رسول الله - ﷺ - (في مكة: لا تباع رباعها ولا تكرى بيوتها) رواه الأثرم بإسناده وعن مجاهد عن النبي - ﷺ - أنه قال: (مكة حرام بيع رباعها, حرام إجارتها) وهذا نص رواه سعيد بن منصور في " سننه " وروى أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول الله - ﷺ - ذكره مسدد في " مسنده ", ولأنها فتحت عنوة ولم تقسم فكانت موقوفة, فلم يجز بيعها كسائر الأرض التي فتحها المسلمون عنوة ولم يقسموها, والدليل على أنها فتحت عنوة قول رسول الله - ﷺ -: (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين, وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار) متفق عليه وروت أم هانئ قالت: (أجرت حموين لي, فأراد على أخي قتلهما فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله إني أجرت حموين لي فزعم ابن أمي على أنه قاتلهما فقال النبي - ﷺ -: قد أجرنا من أجرت, أو أمنا من أمنت يا أم هانئ) متفق عليه ولذلك (أمر النبي - ﷺ -: بقتل أربعة فقتل منهم ابن خطل ومقيس بن صبابة) وهذا يدل على أنها فتحت عنوة والرواية الثانية, أنه يجوز بيع رباعها وإجارة بيوتها وروى ذلك عن طاوس وعمرو بن دينار وهذا قول الشافعي وابن المنذر وهو أظهر في الحجة لأن (النبي - ﷺ - لما قيل له: أين ننزل غدا؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟) متفق عليه يعني أن عقيلا باع رباع أبي طالب لأنه ورثه دون إخوته لكونه كان على دينه دونهما فلو كانت غير مملوكة, لما أثر بيع عقيل شيئا ولأن أصحاب النبي - ﷺ - كانت لهم دور بمكة لأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان, وسائر أهل مكة فمنهم من باع ومنهم من ترك داره, فهي في يد أعقابهم وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة فقال ابن الزبير: بعت مكرمة قريش فقال: يا ابن أخي ذهبت المكارم إلا التقوى أو كما قال واشترى معاوية دارين واشترى عمر دار السجن من صفوان بن أمية, بأربعة آلاف ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك بالبيع وغيره ولم ينكره منكر, فكان إجماعا وقد قرره النبي - ﷺ- بنسبة دورهم إليهم فقال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن, ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) وأقرهم في دورهم ورباعهم ولم ينقل أحدا عن داره ولا وجد منه ما يدل على زوال أملاكهم, وكذلك من بعده من الخلفاء حتى إن عمر ـ رضي الله عنه ـ مع شدته في الحق لما احتاج إلى دار السجن, لم يأخذها إلا بالبيع ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأرض وما روي من الأحاديث في خلاف هذا فهو ضعيف وأما كونها فتحت عنوة, فهو الصحيح الذي لا يمكن دفعه إلا أن النبي - ﷺ- أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم, فيدل ذلك على أنه تركها لهم كما ترك لهوازن نساءهم وأبناءهم وعلى القول الأول من كان ساكن دار أو منزل فهو أحق به, يسكنه ويسكنه وليس له بيعه ولا أخذ أجرته, ومن احتاج إلى مسكن فله بذل الأجرة فيه وإن احتاج إلى الشراء فله ذلك, كما فعل عمر رضي الله عنه وكان أبو عبد الله إذا سكن أعطاهم أجرتها فإن سكن بأجرة فأمكنه أن لا يدفع إليهم الأجرة جاز له ذلك لأنهم لا يستحقونها وقد روي أن سفيان سكن في بعض رباع مكة, وهرب ولم يعطهم أجرة فأدركوه, فأخذوها منه وذكر لأحمد فعل سفيان فتبسم فظاهر هذا, أنه أعجبه قال ابن عقيل: والخلاف في غير مواضع المناسك أما بقاع المناسك كموضع السعي والرمي فحكمه حكم المساجد, بغير خلاف.

فصل: ومن بنى بناء بمكة بآلة مجلوبة من غير أرض مكة جاز بيعها, كما يجوز بيع أبنية الوقوف وأنقاضها وإن كانت من تراب الحرم وحجارته انبنى جواز بيعها على الروايتين في بيع رباع مكة لأنها تابعة لمكة وهكذا تراب كل وقف وأنقاضه قال أحمد: وأما البناء بمكة فإني أكرهه قال إسحاق: البناء بمكة على وجه الاستخلاص لنفسه, لا يحل وقد روي أن النبي - ﷺ- (قيل له: ألا تبني لك بمنى بيتا؟ قال: منى مناخ لمن سبق).

فصل: قال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها وقال: الشراء أهون وكره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير وإسحاق وقال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها وقال أبو الخطاب: يجوز بيع المصحف مع الكراهة وهل يكره شراؤه وإبداله؟ على روايتين ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة والشافعي, وأصحاب الرأي لأن البيع يقع على الجلد والورق وبيع ذلك مباح ولنا, قول الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولم نعلم لهم مخالفا في عصرهم ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى, فتجب صيانته عن البيع والابتذال وأما الشراء فهو أسهل لأنه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز, كما أجاز شراء رباع مكة واستئجار دورها من لا يرى بيعها, ولا أخذ أجرتها وكذلك أرض السواد ونحوها وكذلك دفع الأجرة إلى الحجام لا يكره مع كراهة كسبه وإن اشترى الكافر مصحفا, فالبيع باطل به قال الشافعي وأجازه أصحاب الرأي وقالوا: يجبر على بيعه لأنه أهل للشراء والمصحف محل له ولنا, أنه يمنع من استدامة الملك عليه فمنع من ابتدائه كسائر ما يحرم بيعه, وقد نهى النبي - ﷺ- عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم فلا يجوز تمكينهم من التوصل إلى نيل أيديهم إياه.

فصل: ولا يصح شراء الكافر مسلما وهذا قول مالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد القولين وقال أبو حنيفة: يصح ويجبر على إزالة ملكه لأنه يملك المسلم بالإرث, ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده فصح شراؤه له كالمسلم ولنا, أنه يمنع استدامة ملكه عليه فمنع ابتداءه كالنكاح, ولأنه عقد يثبت الملك على المسلم للكافر فلم يصح كالنكاح, والملك بالإرث الاستدامة أقوى من ابتداء الملك بالفعل والاختيار بدليل ثبوته بهما للمحرم في الصيد مع منعه من ابتدائه, فلا يلزم من ثبوت الأقوى ثبوت ما دونه مع أننا نقطع الاستدامة عليه بمنعه منها وإجباره على إزالتها.

فصل: ولو وكل كافر مسلما في شراء مسلم, لم يصح الشراء لأن الملك يقع للموكل ولأن الموكل ليس بأهل لشرائه فلم يصح أن يشتري له, كما لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر وإن وكل المسلم كافرا يشتري له مسلما فاشتراه ففيه وجهان أحدهما, يصح لأن المنع منه إنما كان لما فيه من ثبوت ملك الكافر على المسلم والملك يثبت للمسلم ها هنا فلم يتحقق المانع والثاني, لا يصح لأن ما منع من شرائه منع التوكيل فيه كالمحرم في شراء الصيد والكافر في نكاح المسلمة, والمسلم لا يجوز أن يكون وكيلا لذمي في شراء خمر.

فصل: وإن اشترى الكافر مسلمًا يعتق عليه بالقرابة كأبيه وأخيه صح الشراء, وعتق عليه في قول بعض أصحابنا وحكي فيه أبو الخطاب روايتين إحداهما لا يصح وهو قول بعض الأصحاب لأنه شراء يملك به المسلم, فلم يصح كالذي لا يعتق عليه ولأن ما منع من شرائه لم يبح له شراؤه وإن زال ملكه عقيب الشراء, كشراء المحرم الصيد والثانية يصح شراؤه لأن المنع إنما ثبت لما فيه من إهانة المسلم بملك الكافر له والملك ها هنا يزول عقيب الشراء بالكلية ويحصل من نفع الحرية أضعاف ما حصل من الإهانة بالملك في لحظة يسيرة ويفارق من لا يعتق عليه فإن ملكه لا يزول إلا بإزالته, وكذلك شراء المحرم للصيد فإنه لو ملكه لثبت ملكه عليه, ولم يزل ولو قال كافر لمسلم: أعتق عبدك عني وعلى ثمنه ففعل صح لأن إعتاقه ليس بتمليك, وإنما هو إبطال للرق فيه وإنما حصل الملك فيه حكما فجاز, كما يملكه بالإرث حكما ولأن ما يحصل له بالحرية من النفع ينغمر فيه ما يحصل من الضرر بالملك فيصير كالمعدوم وفيه وجه آخر أنه لا يصح بناء على شراء قريبه المسلم.

فصل: ولو أجر مسلم نفسه لذمي لعمل في ذمته, صح (لأن عليا رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة, وأتى بذلك النبي - ﷺ- فأكله). وفعل ذلك رجل من الأنصار وأتى به النبي - ﷺ- فلم ينكره ولأنه لا صغار عليه في ذلك وإن استأجره في مدة كيوم, أو شهر ففيه وجهان أحدهما لا يصح لأن فيه استيلاء عليه وصغارا, أشبه الشراء والثاني يصح وهو أولى لأن ذلك عمل في مقابلة عوض أشبه العمل في ذمته, ولا يشبه الملك لأن الملك يقتضي سلطانا واستدامة وتصرفا بأنواع التصرفات في رقبته, بخلاف الإجارة.

فصل: ولا يجوز أن يفرق في البيع بين كل ذي رحم محرم وبه قال أبو حنيفة وقال مالك: لا يحرم التفريق إلا بين الأم وولدها لأن النبي - ﷺ- قال: (من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة). رواه الترمذي وقال: حديث حسن وقال: (لا توله والدة عن ولدها) فخصها بذلك, فدل على الإباحة فيما سواه وقال الشافعي: يحرم بين الوالدين والمولودين وإن سفلوا ولا يحرم بين من عداهم لأن القرابة التي بينهم لا تمنع القصاص ولا شهادة بعضهم لبعض, فلم تمنع التفريق في البيع كابني العم ولنا ما روى أحمد, في " المسند " حدثنا غندر حدثنا سعيد بن أبي عروبة, عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: (أمرني رسول الله - ﷺ- أن أبيع غلامين أخوين, فبعتهما ففرقت بينهما فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: أدركهما فارتجعهما, ولا تبعهما إلا جميعا). وروى عن أبي موسى أن النبي - ﷺ- قال: (لعن الله من فرق بين الوالدة وولدها والأخ وأخيه) ولأن بينهما رحما محرما, فلم يجز التفريق بينهما كالولد مع أمه ويفارق ابني العم فإنه ليس بينهما رحم محرم.

فصل: فإن فرق بينهما قبل البلوغ فالبيع باطل وبه قال الشافعي فيما دون السبع وقال أبو حنيفة: البيع صحيح لأن النهي, لمعنى في غير البيع وهو الضرر اللاحق بالتفريق فلم يمنع صحة البيع, كالبيع في وقت النداء ولنا حديث على وأن النبي - ﷺ- أمره بردهما ولو لزم البيع لما أمكن ردهما وروى أبو داود في "سننه " (أن عليا فرق بين الأم وولدها, فنهاه النبي - ﷺ - فرد المبيع). ولأنه بيع محرم لمعنى فيه ففسد, كبيع الخمر ولا يصح ما قاله فإن ضرر التفريق حاصل بالبيع فكان لمعنى فيه فأما تحديده بالسبع فإن عموم اللفظ يمنع ذلك ولا يجوز تخصيصه بغير دليل, وإن كان فرق بينهما بعد البلوغ جاز وقال أبو الخطاب: فيه روايتان إحداهما لا يجوز لعموم النهي والثانية يجوز وهي الصحيحة لما روي أن (سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر بامرأة وابنتها, فنفله أبو بكر ابنتها فاستوهبها منه النبي - ﷺ - فوهبها له وأهدى إلى النبي - ﷺ - مارية وأختها سيرين, فأعطى النبي - ﷺ- سيرين لحسان بن ثابت وترك مارية له) ولأنه بعد البلوغ يصير مستقلا بنفسه والعادة التفريق بين الأحرار, فإن المرأة تزوج ابنتها ويفرق بين الحرة وولدها إذا افترق الأبوان.

فصل: وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال كالسلطان الظالم, والمرابي فإن علم أن المبيع من حلال ماله فهو حلال وإن علم أنه حرام, فهو حرام ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه فإن لم يعلم من أيهما هو, كرهناه لاحتمال التحريم فيه ولم يبطل البيع لإمكان الحلال قل الحرام أو كثر وهذا هو الشبهة, وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه لما روى النعمان بن بشير أن النبي - ﷺ - قال: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات, لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه) متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم وفي لفظ رواية البخاري: (فمن ترك ما اشتبه عليه, كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من المأثم أوشك أن يواقع ما استبان) وروى الحسن بن علي, عن النبي - ﷺ- أنه قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وهذا مذهب الشافعي.

فصل: والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب الأول ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون, فلا يجوز شراؤها وإن أمكن أن يكون ذابحها مسلما لأن الأصل التحريم فلا يزول إلا بيقين أو ظاهر وكذلك إن كان فيها أخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك والأصل فيه حديث عدي بن حاتم, أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أرسلت كلبك فخالط كلبا لم يسم عليها فلا تأكل, فإنك لا تدري أيها قتله) متفق عليه فأما إن كان ذلك في بلد الإسلام فالظاهر إباحتها لأن المسلمين لا يقرون في بلدهم بيع ما لا يحل بيعه ظاهرا والثاني ما أصله الإباحة, كالماء يجده متغيرا لا يعلم أبنجاسة تغير أم بغيرها؟ فهو طاهر في الحكم لأن الأصل الطهارة فلا نزول عنها إلا بيقين أو ظاهر, ولم يوجد واحد منهما والأصل في ذلك حديث عبد الله بن زيد قال: (شكي إلى النبي - ﷺ - الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا). متفق عليه والثالث, ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام فهذا هو الشبهة, التي الأولى تركها على ما ذكرنا وعملا بما روى عن النبي - ﷺ - (أنه وجد تمرة ساقطة, فقال: لولا إني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها) وهو من باب الورع.

 فصل: 

وكان أحمد - رحمه الله- لا يقبل جوائز السلطان وينكر على ولده وعمه قبولها, ويشدد في ذلك وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب والقاسم, وبشر بن سعيد ومحمد بن واسع والثوري, وابن المبارك وكان هذا منهم على سبيل الورع والتوقي لا على أنها حرام, فإن أحمد قال: جوائز السلطان أحب إلى من الصدقة وقال: ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول: إنها سحت؟ وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة, مثل الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ورخص فيه الحسن البصري ومكحول والزهري والشافعي واحتج بعضهم بأن النبي - ﷺ - (اشترى من يهودي طعاما, ومات ودرعه مرهونة عنده) (وأجاب يهوديا دعاه وأكل من طعامه) وقد أخبر الله تعالى أنهم أكالون للسحت وروي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: لا بأس بجوائز السلطان فإن ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وقال: لا تسأل السلطان شيئا وإن أعطى فخذ, فإن ما في بيت المال من الحلال أكثر مما فيه من الحرام .

 فصل: 

قال أحمد - رحمه الله - في من معه ثلاثة دراهم حرام: يتصدق بالثلاثة وإن كان معه مائتا درهم, فيها عشرة حرام يتصدق بالعشرة لأن هذا كثير وذاك قليل فقيل له: قال سفيان: ما كان دون العشرة يتصدق به, وما كان أكثر يخرج قال: نعم لا يجحف به قال القاضي: وليس هذا على سبيل التحديد وإنما هو على طريق الاختيار لأنه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام, وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل فإنه يسهل إخراج الكل والواجب في الموضعين إخراج قدر الحرام والباقي مباح له وهذا لأن تحريمه لم يكن لتحريم عينه, وإنما حرم لتعلق حق غيره به فإذا أخرج عوضه زال التحريم عنه كما لو كان صاحبه حاضرا فرضي بعوضه, وسواء كان قليلا أو كثيرا والورع إخراج ما يتيقن به إخراج عين الحرام ولا يحصل ذلك إلا بإخراج الجميع لكن لما شق ذلك في الكثير, ترك لأجل المشقة فيه واقتصر على الواجب ثم يختلف هذا باختلاف الناس فمنهم من لا يكون له إلا الدراهم اليسيرة فيشق إخراجها لحاجته إليها, ومنهم من يكون له مال كثير فيستغني عنها فيسهل إخراجها.

 فصل: 

قد ذكرنا أن الظاهر من المذهب, لا يجوز بيع كل ماء عد كمياه العيون ونقع البئر في أماكنه قبل إحرازه في إنائه ولا الكلأ في مواضعه قبل حيازته فعلى هذا متى باع الأرض وفيها كلأ أو ماء, فلا حق للبائع فيه وقد ذكرنا رواية أخرى أن ذلك مملوك وأنه يجوز بيعه فعلى هذه الرواية إن باع الأرض فذكر الماء والكلأ في البيع, دخل فيه وإن لم يذكره كان الماء الموجود والكلأ للبائع لأنه بمنزلة الزرع في الأرض والماء أصل بنفسه, فهو كالطعام في الدار فما يتجدد بعد البيع فهو للمشتري وعلى هذه الرواية, إذا باع من هذا الماء آصعا معلومة جاز لأنه كالصبرة وإن باع كل ماء البئر, لم يجز لأنه يختلط بغيره ولو باع من النهر الجاري آصعا لم يجز لأن ذلك الماء يذهب ويأتي غيره.

 فصل: 

وعلى كلتا الروايتين متى كان الماء النابع في ملكه, أو الكلأ أو المعادن وفق كفايته لشربه, وشرب ماشيته لم يجب عليه بذله نص عليه لأنه في ملكه فإذا تساوى هو وغيره في الحاجة, كان أحق به كالطعام وإنما توعد النبي - ﷺ - على منع فضل الماء, ولا فضل في هذا ولأن عليه في بذله ضررا ولا يلزمه نفع غيره بمضرة نفسه وإن كان فيه فضل عن شربه وشرب ماشيته وزرعه, واحتاجت إليه ماشية غيره لزمه بذله بغير عوض ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب, ويسقي ماشيته وليس لصاحبه المنع من ذلك لما روى إياس بن عبد الله المزني أن رسول الله - ﷺ- قال: (من منع فضل الماء, ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - (نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها ونهى أن يمنع الماء مخافة أن يرعى الكلأ) يعني إذا كان في مكان كلأ, وليس يمكنه الإقامة لرعيه إلا بالسقي من هذا الماء فيمنعهم السقي ليتوفر الكلأ عليه وروى أبو عبيدة بإسناده عن عمر, أنه قال: ابن السبيل أحق بالماء من الباني عليه وعن أبي هريرة قال: ابن السبيل أول شارب وعن بهيسة قالت: (قال أبي: يا رسول الله, ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الماء قال: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح). وليس عليه بذل آلة البئر من الحبل والدلو والبكرة لأنه يخلق ولا يستخلف غيره, بخلاف الماء وهذا كله هو الظاهر من مذهب الشافعي ولا فرق فيما ذكرنا بين البنيان والصحارى وعن أحمد أنه قال: إنما هذا في الصحارى والبرية دون البنيان يعني أن البنيان إذا كان فيه الماء فليس لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه.

 فصل: 

وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره؟ فيه روايتان إحداهما, لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لأن الزرع لا حرمة له في نفسه ولهذا لا يجب على صاحبه سقيه بخلاف الماشية والثانية يلزمه بذله لذلك لما روي عن عبد الله بن عمرو (أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه, يخبره أنه قد سقى أرضه وفضل له من الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا فكتب إليه عبد الله بن عمرو أقم قلدك ثم اسق الأدنى فالأدنى, فإني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهي عن بيع فضل الماء) قال أبو عبيد: القلد يوم الشرب وفي "المسند" حدثنا حسن قال حدثنا حماد بن سلمة, عن أبي الزبير عن جابر قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع فضل الماء) وروى إياس بن عبد الله, قال: (نهى رسول الله - ﷺ- أن يمنع فضل الماء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وفي لفظ: (نهى عن بيع الماء) ولأن في منعه فضل الماء إهلاكه فحرم منعه كالماشية وقولهم: لا حرمة له قلنا: فلصاحبه حرمة, فلا يجوز التسبب إلى إهلاك ماله ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه فإن إضاعة المال منهي عنها وإتلافه محرم, وذلك دليل على حرمته.

 فصل: 

وإذا اشترى عبدا بمائة فقضاها عنه غيره صح سواء قضاه بأمره أو غير أمره فإن بان العبد مستحقا, لزم رد المائة إلى دافعها لأننا تبينا أنه قبض غير مستحق فكأن المائة لم تخرج من يد دافعها وإن بان العبد معيبا فرده بالعيب, أو بإقالة أو أصدق امرأة إنسان شيئا فطلقها الزوج قبل دخوله بها, أو ارتدت فهل يلزم رد المائة إلى دافعها أو على المشتري والزوج؟ يحتمل وجهين أحدهما على الدافع لأن القبض حصل منه, فالرد عليه كالتي قبلها والثاني على الزوج والمشتري لأن قضاءه بمنزلة الهبة لهما, بدليل براءة ذمتها منه والهبة المقبوضة لا يجوز الرجوع فيها وإن كان الدفع بإذن المشتري والزوج احتمل أن يكون الحكم فيه كما لو قضاه بغير إذنه, إذا كان فعل ذلك على سبيل التبرع عليه واحتمل أن يكون رده على الزوج والمشتري إذا كان عقدهما صحيحا بكل حال لأن إذنهما في تسليمه إلى من له الدين عليهما إذا اتصل به القبض, جرى مجرى قبوله وقبضه بخلاف ما إذا لم يأذن وإن أذنا في دفع ذلك عنهما قرضا فإن الرد يكون عليهما, والمقرض يرجع عليهما بعوضه.

 فصل: 

إذا قال العبد لرجل: ابتعني من سيدي ففعل فبان العبد معتقا فالضمان على السيد نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة إن كان السيد حاضرا حين غره العبد, وإن كان غائبا فالضمان على العبد لأن الغرور منه ولنا أن السيد قبض الثمن بغير استحقاق وضمن العهدة, فكان الضمان عليه كما لو كان حاضرا وإن بان العبد مغصوبا أو به عيب, فرده فالضمان على السيد لما ذكرنا.

 فصل: 

وإن اشترى اثنان عبدا فغاب أحدهما, وجاء الآخر يطلب نصيبه منه فله ذلك وقال أبو حنيفة ليس له ذلك لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بتسليم نصيب الغائب وليس له تسليمه بغير إذنه ولنا, أنه طلب حصته فكان له ذلك كما لو أوجب لكل واحد منهما منفردا وما ذكروه يبطل بهذه الصورة وإن قال الحاضر: أنا أدفع جميع الثمن, ويدفع إلى جميع العبد لم يكن له ذلك وقال أبو حنيفة: له ذلك ولنا أن شريكه لم يأذن للحاضر في قبض نصيبه ولا للبائع في دفعه إليه, فلم يكن لهما ذلك كما لو كانا حاضرين فإن سلم إليه فتلف العبد, فللغائب تضمين أيهما شاء لأن الدافع فرط بدفع ماله بغير إذنه والشريك قبض مال غيره بغير إذنه فإن ضمن الشريك لم يرجع على أحد لأن التلف حصل في يده, فاستقر الضمان عليه وإن ضمن الدافع رجع على القابض لذلك ويقوى عندي أنه إذا لم يمكن تسليم نصيب أحد المشتريين إليه إلا بتسليم نصيب صاحبه أنه لا يجوز التسليم إليه لما ذكرنا ها هنا.

 فصل: 

ويستحب الإشهاد في البيع لقول الله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282]. وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد, فكان أولى ويختص ذلك بما له خطر فأما الأشياء القليلة الخطر, كحوائج البقال والعطار وشبههما, فلا يستحب ذلك فيها لأن العقود فيها تكثر فيشق الإشهاد عليها وتقبح إقامة البينة عليها, والترافع إلى الحاكم من أجلها بخلاف الكثير وليس الإشهاد بواجب في واحد منهما ولا شرطا له روى ذلك عن أبي سعيد الخدري وهو قول الشافعي, وأصحاب الرأي وإسحاق وأبي أيوب وقالت طائفة: ذلك فرض لا يجوز تركه وروي ذلك عن ابن عباس وممن رأى الإشهاد على البيع عطاء وجابر بن زيد والنخعي لظاهر الأمر, ولأنه عقد معاوضة فيجب الإشهاد عليه كالنكاح ولنا قول الله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283]. وقال أبو سعيد: صار الأمر إلى الأمانة وتلا هذه الآية ولأن النبي - ﷺ- (اشترى من يهودي طعاما, ورهنه درعه) (واشترى من رجل سراويل) (ومن أعرابي فرسا فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت,) ولم ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك وكان الصحابة يتبايعون في عصره في الأسواق فلم يأمرهم بالإشهاد ولا نقل عنهم فعله, ولم ينكر عليهم النبي - ﷺ- ولو كانوا يشهدون في كل بياعاتهم لما أخل بنقله (وقد أمر النبي - ﷺ- عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية ولم يأمره بالإشهاد وأخبره عروة أنه اشترى شاتين فباع إحداهما ولم ينكر عليه ترك الإشهاد) ولأن المبايعة تكثر بين الناس في أسواقهم وغيرها, فلو وجب الإشهاد في كل ما يتبايعونه أفضى إلى الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]. والآية المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم كما أمر بالرهن والكاتب, وليس بواجب وهذا ظاهر.

 فصل: 

ويكره البيع والشراء في المسجد وبه قال إسحاق لما روى أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد, فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك) أخرجه الترمذي, وقال حديث حسن غريب ولأن المساجد لم تبن لهذا ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد فقال: هذه سوق الآخرة, فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا فإن باع فالبيع صحيح لأن البيع تم بأركانه وشروطه ولم يثبت وجود مفسد له, وكراهة ذلك لا توجب الفساد كالغش في البيع والتدليس والتصرية وفي قول النبي - ﷺ-: "قولوا: لا أربح الله تجارتك" من غير إخبار بفساد البيع دليل على صحته, والله أعلم.

  باب السلم: 

وهو أن يسلم عوضا حاضرا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل ويسمى سلما, وسلفا يقال: أسلم وأسلف وسلف وهو نوع من البيع, ينعقد بما ينعقد به البيع وبلفظ السلم والسلف ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع, وهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282]. وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه, وأذن فيه ثم قرأ هذه الآية ولأن هذا اللفظ يصلح للسلم ويشمله بعمومه وأما السنة فروى ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - (أنه قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث, فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) متفق عليه, وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: (أرسلنى أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف, فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله - ﷺ - فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك) وأما الإجماع فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز, ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن, ولأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل وقد تعوزهم النفقة فجوز لهم السلم ليرتفقوا, ويرتفق المسلم بالاسترخاص.

 مسألة: 

قال أبو القاسم - رحمه الله -: [وكل ما ضبط بصفة فالسلم فيه جائز). وجملة ذلك أن السلم, لا يصح إلا بشروط ستة: أحدها أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا فيصح في الحبوب والثمار, والدقيق والثياب والإبريسم, والقطن والكتان والصوف, والشعر والكاغد والحديد, والرصاص والصفر والنحاس, والأدوية والطيب والخلول, والأدهان والشحوم والألبان, والزئبق والشب والكبريت, والكحل وكل مكيل أو موزون, أو مزروع وقد جاء الحديث في الثمار وحديث ابن أبي أوفى في الحنطة, والشعير والزبيب والزيت وأجمع أهل العلم على أن السلم في الطعام جائز, قاله ابن المنذر وأجمعوا على جواز السلم في الثياب ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة كالجوهر من اللؤلؤ والياقوت, والفيروزج والزبرجد والعقيق, والبلور لأن أثمانها تختلف اختلافا متباينا بالصغر والكبر وحسن التدوير, وزيادة ضوئها وصفائها ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور, ونحوه لأن ذلك يختلف ولا بشيء معين لأن ذلك يتلف وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي وحكي عن مالك صحة السلم فيها, إذا اشترط منها شيئا معلوما وإن كان وزنا فبوزن معروف والذي قلناه أولى لما ذكرنا ولا يصح فيما يجمع أخلاطا مقصودة غير متميزة كالغالية, والند والمعاجين التي يتداوى بها للجهل بها ولا في الحوامل من الحيوان لأن الولد مجهول غير متحقق, ولا في الأواني المختلفة الرءوس والأوساط لأن الصفة لا تأتي عليه وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه إذا ضبط بارتفاع حائطه ودور أعلاه وأسفله لأن التفاوت في ذلك يسير, ولا يصح في القسي المشتملة على الخشب والقرن والعضب, والتوز إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك وتمييز ما فيه منها وقيل: يجوز السلم فيها, والأولى ما ذكرنا قال القاضي: والذي يجمع أخلاطا على أربعة أضرب أحدها مختلط مقصود متميز كالثياب المنسوجة من قطن وكتان, أو قطن وإبريسم فيصح السلم فيها لأن ضبطها ممكن الثاني, ما خلطه لمصلحته وليس بمقصود في نفسه كالإنفحة في الجبن, والملح في العجين والخبز والماء في خل التمر والزبيب فيصح السلم فيه لأنه يسير لمصلحته الثالث, أخلاط مقصودة غير متميزة كالغالية والند والمعاجين فلا يصح السلم فيها لأن الصفة لا تأتي عليها الرابع, ما خلطه غير مقصود ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء فلا يصح السلم فيه. فصل: ويصح السلم في الخبز, واللبأ وما أمكن ضبطه مما مسته النار وقال الشافعي: لا يصح السلم في كل معمول بالنار لأن النار تختلف ويختلف, عملها ويختلف الثمن بذلك ولنا: قوله عليه السلام (من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم) فظاهر هذا إباحة السلم في كل مكيل وموزون ومعدود, ولأن عمل النار فيه معلوم بالعادة ممكن ضبطه بالنشافة والرطوبة, فصح السلم فيه كالمجفف بالشمس فأما اللحم المطبوخ والشواء, فقال القاضي: لا يصح السلم فيه وهو مذهب الشافعي لأن ذلك يتفاوت كثيرا وعادات الناس فيه مختلفة فلم يمكن ضبطه وقال بعض أصحابنا: يصح السلم فيه لما ذكرنا في الخبز واللبأ.

 فصل: 

ويصح السلم في النشاب والنبل وقال القاضي: لا يصح السلم فيهما وهو مذهب الشافعي لأنه يجمع أخلاطا من خشب, وعقب وريش ونصل فجرى مجرى أخلاط الصيادلة, ولأن فيه ريشا نجسا لأن ريشه من جوارح الطير ولنا أنه مما يصح بيعه ويمكن ضبطه بالصفات التي لا يتفاوت الثمن معها غالبا, فصح السلم فيه كالخشب والقصب وما فيه من غيره متميز, يمكن ضبطه والإحاطة به ولا يتفاوت كثيرا فلا يمنع, كالثياب المنسوجة من جنسين وقد يكون الريش طاهرا وإن كان نجسا لكن يصح بيعه, فلم يمنع السلم فيه كنجاسة البغل والحمار.

 فصل: 

واختلفت الرواية في السلم في الحيوان فروي لا يصح السلم فيه وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وروى ذلك عن عمر وابن مسعود وحذيفة, وسعيد بن جبير والشعبي والجوزجاني لما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن من الربا أبوابا لا تخفى, وإن منها السلم في السن ولأن الحيوان يختلف اختلافا متباينا فلا يمكن ضبطه وإن استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن مثل: أزج الحاجبين, أكحل العينين أقنى الأنف أشم العرنين, أهدب الأشفار ألمى الشفة بديع الصفة تعذر تسليمه لندرة وجوده على تلك الصفة وظاهر المذهب, صحة السلم فيه نص عليه في رواية الأثرم قال ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابن مسعود وابن عباس, وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن, والشعبي ومجاهد والزهري, والأوزاعي والشافعي وإسحاق, وأبو ثور وحكاه الجوزجاني عن عطاء والحكم لأن أبا رافع قال: (استسلف النبي - ﷺ- من رجل بكرا) رواه مسلم وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (أمرني رسول الله - ﷺ - أن أبتع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة). وقد ذكرنا هذا الحديث في باب الربا ولأنه ثبت في الذمة صداقا فثبت في السلم كالثياب, فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف ثم هو محمول على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم رواه سعيد وقد روى عن على أنه باع جملا له يدعى عصيفير, بعشرين بعيرا إلى أجل ولو ثبت قول عمر في تحريم السلم في الحيوان فقد عارضه قول من سمينا ممن وافقنا.

 فصل: 

واختلفت الرواية في السلم في غير الحيوان, مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع فنقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد, أنه قال: لا أرى السلم إلا فيما يكال أو يوزن أو يوقف عليه قال أبو الخطاب: معناه يوقف عليه بحد معلوم لا يختلف كالزرع فأما الرمان والبيض, فلا أرى السلم فيه وحكى ابن المنذر عنه وعن إسحاق أنه لا خير في السلم في الرمان والسفرجل, والبطيخ والقثاء والخيار لأنه لا يكال ولا يوزن, ومنه الصغير والكبير فعلى هذه الرواية لا يصح السلم في كل معدود مختلف كالذي سميناه, وكالبقول لأنه يختلف ولا يمكن تقدير البقل بالحزم لأن الحزم يمكن في الصغير والكبير فلم يصح السلم فيه, كالجواهر ونقل إسماعيل بن سعيد وابن منصور جواز السلم في الفواكه والسفرجل, والرمان والموز والخضراوات, ونحوها لأن كثيرا من ذلك مما يتقارب وينضبط بالصغر والكبر وما لا يتقارب ينضبط بالوزن كالبقول ونحوها, فصح السلم فيه كالمزروع وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي, والأوزاعي وحكى ابن المنذر عن الشافعي المنع من السلم في البيض والجوز ولعل هذا قول آخر فيكون له في ذلك قولان.

 فصل: 

فأما السلم في الرءوس والأطراف فيخرج في صحة السلم فيها الخلاف الذي ذكرنا وللشافعي فيها قولان أيضا, كالروايتين أحدهما: يجوز وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور لأنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه, فجاز السلم فيه كبقية اللحم والآخر لا يجوز وهو قول أبي حنيفة لأن أكثره العظام والمشافر, واللحم فيه قليل وليس بموزون بخلاف اللحم فإن كان مطبوخا, أو مشويا فقال الشافعي: لا يصح السلم فيه وهو قياس قول القاضي لأنه يتناثر ويختلف وعلى قول غير القاضي من أصحابنا حكم ما مسته النار من ذلك حكم غيره وبه قال مالك, والأوزاعي وأبو ثور والعقد يقتضيه سليما من التأثر والعادة في طبخه تتفاوت, فأشبه غيره.

 فصل: 

وفي الجلود من الخلاف مثل ما في الرءوس والأطراف وقال الشافعي: لا يصح السلم فيها لأنها تختلف فالورك ثخين قوى والصدر ثخين رخو, والبطن رقيق ضعيف والظهر أقوى فيحتاج إلى وصف كل موضع منه, ولا يمكن ذرعه لاختلاف أطرافه ولنا أن التفاوت في ذلك معلوم فلم يمنع صحة السلم فيه, كالحيوان فإنه يشتمل على الرأس والجلد والأطراف واللحم والشحم وما في البطن وكذلك الرأس يشتمل على لحم الخدين والأذنين والعينين ويختلف ذلك, ولم يمنع صحة السلم فيه كذا ها هنا.

 فصل: 

ويصح السلم في اللحم وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يختلف ولنا, قول النبي - ﷺ -: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم) وظاهره إباحة السلم في كل موزون ولأننا قد بينا جواز السلم في الحيوان فاللحم أولى. الشرط الثاني, أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا فإن المسلم فيه عوض في الذمة فلا بد من كونه معلوما بالوصف كالثمن ولأن العلم شرط في المبيع, وطريقه إما الرؤية وإما الوصف والرؤية ممتنعة ها هنا فتعين الوصف والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها ومختلف فيها فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف الجنس, والنوع والجودة والرداءة فهذه لا بد منها في كل مسلم فيه ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اشتراطها وبه يقول أبو حنيفة ومالك, والشافعي الضرب الثاني ما يختلف الثمن باختلافه مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه, ونذكرها عند ذكره وذكرها شرط في السلم عند إمامنا والشافعي وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة لأنها تشتمل على ما وراءها من الصفات ولنا أنه يبقى من الأوصاف من اللون والبلد ونحوهما, ما يختلف الثمن والغرض لأجله فوجب ذكره, كالنوع ولا يجب استقصاء كل الصفات لأن ذلك يتعذر وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها, فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهرا ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف بطل السلم لأن من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود عند المحل واستقصاء الصفات يمنع منه ولو شرط الأجود, لم يصح أيضا لأنه لا يقدر على الأجود وإن قدر عليه كان نادرا وإن شرط الأردأ احتمل أن لا يصح لذلك واحتمل أن يصح لأنه يقدر على تسليم ما هو خير منه فإنه لا يسلم شيئا إلا كان خيرا مما شرطه, فلا يعجز إذا عن تسليم ما يجب قبوله بخلاف التي قبلها ولو أسلم في جارية وابنتها لم يصح لأنه لا بد أن يضبط كل واحدة منهما بصفات, ويتعذر وجود تلك الصفات في جارية وابنتها وكذلك إن أسلم في جارية وأختها أو عمتها أو خالتها أو ابنة عمها لما ذكرنا ولو أسلم في ثوب على صفة خرقة أحضرها لم يجز لجواز أن تهلك الخرقة وهذا غرر, ولا حاجة إليه فمنع الصحة كما لو شرط مكيالا بعينه, أو صنجة بعينها.

 فصل: 

والجنس والجودة أو ما يقوم مقامهما, شرطان في كل مسلم فيه فلا حاجة إلى تكرير ذكرهما في كل مسلم فيه ويذكر ما سواهما, فيصف التمر بأربعة أوصاف النوع برني أو معقلى والبلد, إن كان يختلف فيقول بغدادي أو بصري فإن البغدادي أحلى وأقل بقاء لعذوبة الماء, والبصري بخلاف ذلك والقدر كبار أو صغار وحديث أو عتيق فإن أطلق العتيق, فأي عتيق أعطى جاز ما لم يكن مسوسا ولا حشفا ولا متغيرا وإن قال: عتيق عام أو عامين فهو على ما قال فأما اللون فإن كان النوع الواحد مختلفا, كالطبرز يكون أحمر ويكون أسود ذكره وإلا فلا والرطب كالتمر في هذه الأوصاف, إلا الحديث والعتيق ولا يأخذ من الرطب إلا ما أرطب كله ولا يأخذ منه مشدخا ولا قديما قارب أن يتمر وهكذا ما جرى مجراه, من العنب والفواكه.

 فصل: 

ويصف البر بأربعة أوصاف النوع فيقول: سبيلة أو سلموني والبلد فيقول: حوراني أو بلقاوي أو سمالي وصغار الحب أو كباره, وحديث أو عتيق وإن كان النوع الواحد يختلف لونه ذكره ولا يسلم فيه إلا مصفى وكذلك الحكم في الشعير والقطنيات وسائر الحبوب.

 فصل: 

ويصف العسل بثلاثة أوصاف البلدي, فيجي أو نحوه ويجزئ ذلك عن النوع والزمان ربيعي أو خريفي أو صيفي واللون أبيض أو أحمر وليس له إلا مصفى من الشمع.

 فصل: 

ولا بد في الحيوان كله من ذكر النوع, والسن والذكورية والأنوثية, ويذكر اللون إذا كان النوع الواحد يختلف ويرجع في سن الغلام إليه إن كان بالغا وإن كان صغيرا فالقول قول سيده, وإن لم يعلم رجع في قوله إلى أهل الخبرة على ما يغلب على ظنونهم تقريبا وإذا ذكر النوع في الرقيق وكان مختلفا مثل التركي منهم الجكلي والخزري, فهل يحتاج إلى ذكره أو يكفي ذكر النوع؟ يحتمل وجهين ولا يحتاج في الجارية إلى ذكر البكارة والثيوبة ولا الجعودة والسبوطة لأن ذلك لا يختلف به الثمن اختلافا بينا ومثل ذلك لا يراعي, كما في صفات الحسن والملاحة فإن ذكر شيئا من ذلك لزمه ويذكر الثيوبة والبكارة لأن الثمن يختلف بذلك ويتعلق به الغرض ويذكر القد خماسي أو سداسي, يعني خمسة أشبار أو ستة أشبار قال أحمد يقول: خماسي سداسي أسود أبيض, أعجمي أو فصيح فأما الإبل فيضبطها بأربعة أوصاف فيقول: من نتاج بني فلان والسن بنت مخاض أو بنت لبون واللون, بيضاء أو حمراء أو ورقاء وذكر أو أنثى فإن كان نتاج يختلف فيه مهرية وأرحبية, فهل يحتاج إلى ضبط ذلك؟ يحتمل وجهين وما زاد على هذه الأوصاف لا يفتقر إلى ذكره وإن ذكر بعضه كان تأكيدا ولزمه وأوصاف الخيل كأوصاف الإبل وأما البغال والحمير, فلا نتاج لها فيجعل مكان ذلك نسبتها إلى بلدها وأما البقر والغنم فإن عرف لها نتاج, فهي كالإبل وإلا فهي كالحمر ولا بد من ذكر النوع في هذه الحيوانات, فيقول في الإبل: بختية أو عربية وفي الخيل عربية أو هجين أو برذون وفي الغنم, ضأن أو معز إلا الحمر والبغال فلا نوع فيهما.

 فصل: 

ويذكر في اللحم السن, والذكورية والأنوثية والسمن, والهزال وراعيا أو معلوفا ونوع الحيوان, وموضع اللحم منه ويزيد في الذكر فحلا أو خصيا وإن كان من صيد لم يحتج إلى ذكر العلف والخصاء ويذكر الآلة التي يصاد بها, من جارحة أو أحبولة وفي الجارحة يذكر صيد فهد أو كلب أو صقر, فإن الأحبولة يؤخذ الصيد منها سليما وصيد الكلب خير من صيد الفهد لكون الكلب أطيب الحيوان نكهة قيل: هو أطيب الحيوان نكهة لكونه مفتوح الفم في أكثر الأوقات والصحيح - إن شاء الله تعالى - أن هذا ليس بشرط لأن التفاوت فيه يسير ولا يكاد الثمن يتباين باختلافه, ولا يعرفه إلا القليل من الناس وإذا لم يحتج في الرقيق إلى ذكر البكارة والثيوبة والسمن والهزال, وأشباهها مما يتباين بها الثمن وتختلف الرغبات بها ويعرفها الناس فهذا أولى ويلزم قبول اللحم بعظامه لأنه هكذا يقطع, فهو كالنوى في التمر وإن كان السلم في لحم طير لم يحتج إلى ذكر الذكورية والأنوثية, إلا أن يختلف بذلك كلحم الدجاج ولا إلى ذكر موضع اللحم, إلا أن يكون كثيرا يأخذ منه بعضه ولا يلزمه قبول الرأس والساقين لأنه لا لحم عليها وفي السمك يذكر النوع بردي أو غيره والكبر والصغر, والسمن والهزال والطري والملح ولا يقبل الرأس والذنب, وله ما بينهما وإن كان كثيرا يأخذ بعضه ذكر موضع اللحم منه.

 فصل: 

ويضبط السمن بالنوع من ضأن أو معز أو بقر, واللون أبيض أو أصفر قال القاضي: ويذكر المرعي ولا يحتاج إلى ذكر حديث أو عتيق لأن إطلاقه يقتضي الحديث, ولا يصح السلم في عتيقه لأنه عيب ولا ينتهي إلى حد يضبط به ويصف الزبد بأوصاف السمن ويزيد, زبد يومه أو أمسه ولا يلزمه قبول متغير في السمن أو الزبد ولا رقيق إلا أن تكون رقته للحر ويصف اللبن بالنوع والمرعي, ولا يحتاج إلى اللون ولا حلبة يومه لأن إطلاقه يقتضي ذلك ولا يلزمه قبول متغير قال أحمد: ويصح السلم في المخيض وقال الشافعي: لا يصح السلم فيه لأن فيه ما ليس من مصلحته, وهو الماء فصار المقصود مجهولا ولنا أن الماء يسير يترك لأجل المصلحة, جرت العادة به فلم يمنع صحة السلم فيه كالماء في الشيرج, والملح والإنفحة في الجبن والماء في خل التمر ويصف الجبن بالنوع والمرعي, ورطب أو يابس ويصف اللبأ بصفات اللبن ويزيد اللون, ويذكر الطبخ أو ليس بمطبوخ.

 فصل: 

وتضبط الثياب بستة أوصاف النوع كتان أو قطن والبلد والطول والعرض والصفاقة والرقة والغلظ والدقة والنعومة والخشونة ولا يذكر الوزن فإن ذكره, لم يصح لتعذر الجمع بين صفاته المشترطة وكونه على وزن معلوم فيكون فيه تغرير لتعذر اتفاقه وإن ذكر خاما أو مقصورا, فله ما شرط وإن لم يذكره جاز, وله خام لأنه الأصل وإن ذكر مغسولا أو لبيسا لم يجز لأن اللبس يختلف ولا ينضبط فإن أسلم في مصبوغ وكان مما يصبغ غزله, جاز لأن ذلك من جملة صفات الثوب وإن كان مما يصبغ بعد نسجه لم يجز لأن صبغ الثوب يمنع الوقوف على نعومته وخشونته, ولأن الصبغ غير معلوم وإن أسلم في ثوب مختلف الغزول كقطن وإبريسم أو قطن وكتان أو صوف, وكانت الغزول مضبوطة بأن يقول: السدي إبريسم واللحمة كتان أو نحوه جاز ولهذا جاز السلم في الخز, وهو من غزلين مختلفين وإن أسلم في ثوب موشى وكان الوشي من تمام نسجه جاز وإن كان زيادة, لم يجز لأنه لا ينضبط.

 فصل: 

ويصف غزل القطن والكتان بالبلد واللون والغلظ والدقة, والنعومة والخشونة ويصف القطن بذلك ويجعل مكان الغلظ والدقة الطول والقصر وإن شرط في القطن منزوع الحب جاز وإن أطلق كان له بحبه, كالتمر بنواه يصف الإبريسم بالبلد واللون والغلظ والدقة يصف الصوف بالبلد واللون, والطول والقصر والزمان خريفي أو ربيعي لأن صوف الخريف أنظف قال القاضي: ويصفه بالذكورية والأنوثية لأن صوف الإناث أنعم ويحتمل أن لا يحتاج إلى هذه الصفة لأن التفاوت في هذا يسير وعليه تسليمه نقيا من الشوك والبعر, وإن لم يشترطه وإن اشترطه جاز وكان تأكيدا والشعر والوبر, كالصوف ويصح السلم في الكاغد لأنه يمكن ضبطه ويصفه بالطول والعرض والدقة والغلظ, واستواء الصنعة وما يختلف به الثمن.

 فصل: 

ويضبط النحاس والرصاص, والحديد بالنوع فيقول في الرصاص: قلعي أو أسرب والنعومة والخشونة واللون إن كان يختلف ويزيد في الحديد ذكرا أو أنثى, فإن الذكر أحد وأمضى وإن أسلم في الأواني التي يمكن ضبط قدرها وطولها وسمكها ودورها كالأسطال القائمة الحيطان والطسوت, جاز ويضبطها بذلك كله وإن أسلم في قصاع وأقداح من الخشب جاز ويذكر نوع خشبها من جوز, أو توت وقدرها في الصغر والكبر والعمق والضيق, والثخانة والرقة وأي عمل وإن أسلم في سيف ضبطه بنوع حديده وطوله وعرضه, ورقته وغلظه وبلده وقديم الطبع أو محدث, ماض أو غيره ويصف قبضته وجفنه.

 فصل: 

والخشب على أضرب منه ما يراد للبناء فيذكر نوعه, ويبسه ورطوبته وطوله ودوره, أو سمكه وعرضه ويلزمه أن يدفع إليه من طرفه إلى طرفه بذلك العرض والدور فإن كان أحد طرفيه أغلظ مما وصف فقد زاده خيرا, وإن كان أدق لم يلزمه قبوله وإن ذكر الوزن أو سمحا جاز, وإن لم يذكره جاز وله سمح خال من العقد لأن ذلك, عيب وإن كان للقسي ذكر هذه الأوصاف وزاد سهليا أو جبليا, أو خوطا أو فلقة فإن الجبلي أقوى من السهلي والخوط أقوى من الفلقة ويذكر فيما للوقود الغلظة واليبس والرطوبة, والوزن ويذكر فيما للنصب النوع والغلظ وسائر ما يحتاج إلى معرفته, ويخرجه من الجهالة وإن أسلم في النشاب والنبل ضبطه بنوع جنسه وطوله وقصره, ودقته وغلظه ولونه ونصله, وريشه.

 فصل: 

والحجارة منها ما هو للأرحية فيضبطها بالدور والثخانة, والبلد والنوع إن كان يختلف ومنها ما هو للبناء فيذكر النوع, واللون والقدر والوزن ويذكر في حجارة الآنية اللون والنوع, والقدر واللين والوزن ويصف البلور بأوصافه يصف الآجر واللبن بموضع التربة, واللون والدور والثخانة, وإن أسلم في الجص والنورة ذكر اللون, والوزن ولا يقبل ما أصابه الماء فجف ولا ما قدم قدما يؤثر فيه ويضبط التراب بمثل ذلك ويقبل الطين الذي قد جف إذا كان لا يتأثر بذلك.

 فصل: 

ويضبط العنبر بلونه والبلد, وإن شرط قطعة أو قطعتين جاز وإن لم يشترط, فله أن يعطيه صغارا أو كبارا وقد قيل: إن العنبر نبات يخلقه الله تعالى في جنبات البحر ويضبط العود الهندي ببلده وما يعرف به ويضبط المصطكي, واللبان والغراء العربي وصمغ الشجر, والمسك وسائر ما يجوز السلم فيه بما يختلف به.

 مسألة: 

قال: [إذا كان بكيل معلوم, أو وزن معلوم أو عدد معلوم]. هذا الشرط الثالث وهو معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل إن كان مكيلا وبالوزن إن كان موزونا, وبالعدد إن كان معدودا لقول النبي - ﷺ -: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم). ولأنه عوض غير مشاهد يثبت في الذمة, فاشترط معرفة قدره كالثمن ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافا ويجب أن يقدره بمكيال أو أرطال معلومة عند العامة فإن قدره بإناء معلوم, أو صنجة معينة غير معلومة لم يصح لأنه يهلك, فيتعذر معرفة قدر المسلم فيه وهذا غرر لا يحتاج إليه العقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسلم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره, ولا في ثوب بذرع فلان لأن المعيار لو تلف أو مات فلان بطل السلم منهم الثوري, والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وإن عين مكيال رجل أو ميزانه, وكانا معروفين عند العامة جاز ولم يختص بهما وإن لم يعرفا لم يجز.

 فصل: 

وإن أسلم فيما يكال وزنا, أو فيما يوزن كيلا فنقل الأثرم أنه سأل أحمد عن السلم في التمر وزنا؟ فقال: لا إلا كيلا قلت: إن الناس ها هنا لا يعرفون الكيل قال: وإن كانوا لا يعرفون الكيل فيحتمل هذا أنه لا يجوز في المكيل إلا كيلا, ولا في الموزون إلا وزنا وهكذا ذكره القاضي وابن أبي موسى لأنه مبيع يشترط معرفة قدره فلم يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل, كبيع الرطوبات بعضها ببعض ولأنه قدر المسلم بغير ما هو مقدر به في الأصل فلم يجز كما لو أسلم في المذروع وزنا ونقل المروذي عن أحمد, أنه يجوز السلم في اللبن إذا كان كيلا أو وزنا وهذا يدل على إباحة السلم في المكيل وزنا وفي الموزون كيلا لأن اللبن لا يخلو من كونه مكيلا أو موزونا وقد أجاز السلم فيه بكل واحد منهما وهذا قول الشافعي وابن المنذر وقال مالك: ذلك جائز إذا كان الناس يتبايعون التمر وزنا وهذا أصح, -إن شاء الله تعالى - لأن الغرض معرفة قدره وخروجه من الجهالة وإمكان تسليمه من غير تنازع, فبأي قدر قدره جاز ويفارق بيع الربويات فإن التماثل فيها في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا شرط ولا نعلم هذا الشرط إذا قدرها بغير مقدارها الأصلى إذا ثبت هذا فإن الحبوب كلها مكيلة, وكذلك التمر والزبيب والفستق والبندق والملح قال القاضي: وكذلك الأدهان وقال في السمن واللبن والزبد: يجوز السلم فيها كيلا ووزنا ولا يسلم في اللبأ إلا وزنا لأنه يجمد عقيب حلبه فلا يتحقق الكيل فيه.

 فصل: 

فإن كان المسلم فيه مما لا يمكنه وزنه بالميزان لثقله كالأرحية والحجارة الكبار يوزن بالسفينة, فتترك السفينة في الماء ثم يترك ذلك فيها فينظر إلى أي موضع تغوص فيعلمه, ثم يرفع ويترك مكانه رمل أو حجارة صغار إلى أن يبلغ الماء الموضع الذي كان بلغه ثم يوزن بميزان فما بلغ فهو زنة ذلك الشيء الذي أريد معرفة وزنه.

 فصل: 

ولا بد من تقدير المذروع بالذرع, بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز في الثياب بذرع معلوم.

 فصل: 

وما عدا المكيل والموزون والحيوان والمذروع فعلى ضربين: معدود, وغيره فالمعدود نوعان أحدهما لا يتباين كثيرا كالجوز والبيض ونحوهما, فيسلم فيه عددا وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وقال الشافعي: يسلم فيهما كيلا أو وزنا ولا يجوز عددا لأن ذلك يتباين ويختلف فلم يجز عددا, كالبطيخ ولنا أن التفاوت يسير ويذهب ذلك باشتراط الكبر أو الصغر أو الوسط فيذهب التفاوت, وإن بقي شيء يسير عفي عنه كسائر التفاوت في المكيل والموزون المعفو عنه ويفارق البطيخ فإنه ليس بمعدود, والتفاوت فيه كثير لا ينضبط النوع الثاني ما يتفاوت كالرمان والسفرجل والقثاء والخيار فهذا حكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول, ففيه وجهان أحدهما يسلم فيه عددا ويضبطه بالصغر والكبر لأنه يباع هكذا الثاني, لا يسلم فيه إلا وزنا وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي لأنه لا يمكن تقديره بالعدد لأنه يختلف كثيرا ويتباين جدا, ولا بالكيل لأنه يتجافى في المكيال ولا يمكن تقدير البقول بالحزم لأنه يختلف ويمكن حزم الكبيرة والصغيرة, فلم يمكن تقديره بغير الوزن فتعين تقديره به.

 مسألة: 

قال: [إلى أجل معلوم بالأهلة]. وهذا الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجلا أجلا معلوما وفي هذه المسألة فصول ثلاثة: أحدها: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا, ولا يصح السلم الحال قال أحمد في رواية المروذي: لا يصح حتى يشترط الأجل وبهذا قال أبو حنيفة ومالك, والأوزاعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يجوز السلم حالا لأنه عقد يصح مؤجلا, فصح حالا كبيوع الأعيان ولأنه إذا جاز مؤجلا فحالا أجوز, ومن الغرر أبعد ولنا قول النبي - ﷺ -: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم, أو وزن معلوم إلى أجل معلوم) فأمر بالأجل وأمره يقتضي الوجوب ولأنه أمر بهذه الأمور تبيينا لشروط السلم, ومنعا منه بدونها ولذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق, ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق فلا يصح, كالكتابة ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر ومعناه ما ذكرناه في أول الباب, من أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت ويفارق تنوع الأعيان, فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتأجيل وما ذكروه من التنبيه غير صحيح لأن ذلك إنما يجزئ فيما إذا كان المعنى المقتضى موجودا في الفرع بصفة التأكيد وليس كذلك ها هنا فإن البعد من الضرر ليس هو المقتضي لصحة السلم المؤجل وإنما المصحح له شيء آخر, لم نذكر اجتماعهما فيه وقد بينا افتراقهما إذا ثبت هذا فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالا في الذمة, صح ومعناه معنى السلم وإنما افترقا في اللفظ.

 الفصل الثاني: 

أنه لا بد من السلم كون الأجل معلوما السلم لقوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282]. وقول النبي - ﷺ -: "إلى أجل معلوم" ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافا فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف, ولا يصح أن يؤجله بالحصاد والجزاز وما أشبهه وكذلك قال ابن عباس وأبو حنيفة والشافعي, وابن المنذر وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس وبه قال مالك وأبو ثور وعن ابن عمر: أنه كان يبتاع إلى العطاء وبه قال ابن أبي ليلى وقال أحمد: إن كان شيء يعرف فأرجو, وكذلك إن قال: إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو في نفسه مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتفاوت أيضا فأشبه الحصاد واحتج من أجاز ذلك بأنه أجل يتعلق بوقت من الزمن, يعرف في العادة لا يتفاوت فيه تفاوتا كثيرا فأشبه إذا قال: إلى رأس السنة ولنا ما روي عن ابن عباس, أنه قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد فإن قيل: فقد روي عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله - ﷺ- (بعث إلى يهودي, أن ابعث إلى بثوبين إلى الميسرة) قلنا: قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة قال أحمد: فيه غفلة وهو صدوق قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه, ثم لا خلاف في أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح.

 فصل: 

إذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين كجمادى وربيع ويوم النفر تعلق بأولهما وإن قال: إلى ثلاثة أشهر كان إلى انقضائها لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها وكذلك لو قال: إلى شهر كان آخره وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية, بدليل قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36]. وأراد الهلالية وإن كان في أثناء شهر كملنا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية وقد ذكرنا هذا في غير هذا الموضع وإن قال: محله شهر كذا أو يوم كذا صح وتعلق بأوله وقيل: لا يصح لأنه جعل ذلك ظرفا فيحتمل أوله وآخره والصحيح الأول فإنه لو قال لامرأته: أنت طالق في شهر كذا تعلق بأوله, وهو نظير مسألتنا فإن قيل: الطلاق يتعلق بالإخطار والإغرار ويجوز تعليقه على مجهول كنزول المطر, وقدوم زيد بخلاف مسألتنا قلنا: إلا أنه إذا جعل محله في شهر تعلق بأوله فلا يكون مجهولا, وكذا السلم.

 فصل: 

ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن كالشهر وما قاربه وقال أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم جاز وقدره بعضهم بثلاثة أيام, وهو قول الأوزاعي لأنها مدة يجوز فيها خيار الشرط ولأنها آخر حد القلة ويتعلق بها عندهم إباحة رخص السفر وقال الآخرون: إنما اعتبر التأجيل لأن المسلم فيه معدوم في الأصل, لكون السلم إنما ثبت رخصة في حق المفاليس فلا بد من الأجل ليحصل ويسلم وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها ولنا أن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن, ولا يصح اعتباره بمدة الخيار لأن الخيار يجوز ساعة وهذا لا يجوز والأجل يجوز أن يكون أعواما, وهم لا يجيزون الخيار أكثر من ثلاث وكونها آخر حد القلة لا يقتضي التقدير بها وقولهم: إن المقصود يحصل بأقل مدة غير صحيح فإن السلم إنما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها, ولا تحصل هذه في المدة اليسيرة.

 الفصل الثالث: 

في كون الأجل معلوما بالأهلة وهو أن يسلم إلى وقت يعلم بالهلال نحو أول الشهر, أو أوسطه أو آخره أو يوم معلوم منه لقول الله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189]. ولا خلاف في صحة التأجيل بذلك ولو أسلم إلى عيد الفطر, أو النحر أو يوم عرفة أو عاشوراء, أو نحوها جاز لأنه معلوم بالأهلة وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية فذلك قسمان أحدهما, ما يعرفه المسلمون وهو بينهم مشهور ككانون وشباط أو عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما, فظاهر كلام الخرقي وابن أبي موسى أنه لا يصح لأنه أسلم إلى غير الشهور الهلالية أشبه إذا أسلم إلى الشعانين وعيد الفطير ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين, أشبه ما ذكرنا وقال القاضي: يصح وهو قول الأوزاعي والشافعي قال الأوزاعي: إذا أسلم إلى فصح النصارى وصومهم جاز لأنه معلوم لا يختلف, أشبه أعياد المسلمين وفارق ما يختلف فإنه لا يعلمه المسلمون القسم الثاني ما لا يعرفه المسلمون كعيد الشعانين وعيد الفطير ونحوهما, فهذا لا يجوز السلم إليه لأن المسلمين لا يعرفونه ولا يجوز تقليد أهل الذمة فيه لأن قولهم غير مقبول ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم لا يعرفه المسلمون وإن أسلم إلى ما لا يختلف, مثل كانون الأول ولا يعرفه المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول عنده.

 مسألة: 

قال: ( موجودا عند محله ) هذا الشرط الخامس, وهو كون المسلم فيه عام الوجود في محله ولا نعلم فيه خلافا وذلك لأنه إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه وإذا لم يكن عام الوجود, لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر فلم يمكن تسليمه فلم يصح بيعه, كبيع الآبق بل أولى فإن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة فلا يحتمل فيه غرر آخر, لئلا يكثر الغرر فيه فلا يجوز أن يسلم في العنب والرطب إلى شباط أو آذار ولا إلى محل لا يعلم وجوده فيه, كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلا نادرا فلا يؤمن انقطاعه.

 فصل: 

ولا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان بعينه ولا قرية صغيرة لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم, وممن حفظنا عنه ذلك الثوري ومالك والأوزاعي, والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق قال: وروينا عن النبي - ﷺ - (أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى, فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان فقال النبي - ﷺ -: أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى) رواه ابن ماجه وغيره ورواه أبو إسحاق الجوزجاني, في "المترجم" وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع ولأنه إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه لم يؤمن انقطاعه وتلفه فلم يصح, كما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معين أو صنجة معينة أو أحضر خرقة, وقال: أسلمت إليك في مثل هذه.

 فصل: 

ولا يشترط كون المسلم فيه موجودا حال السلم بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء وفي كل معدوم إذا كان موجودا في المحل وهذا قول مالك, والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال الثوري, والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجودا حال العقد إلى حين المحل لأن كل زمن يجوز أن يكون محلا للمسلم فيه لموت المسلم إليه فاعتبر وجوده فيه كالمحل ولنا (أن النبي - ﷺ- قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين, فقال: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) ولم يذكر الوجود, ولو كان شرطا لذكره ولنهاهم عن السلف سنتين لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة ولأنه يثبت في الذمة, ويوجد في محله غالبا فجاز السلم فيه كالموجود, ولا نسلم أن الدين يحل بالموت وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة, والمحل ما جعله المتعاقدان محلا وها هنا لم يجعلاه.

 فصل: 

إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل إما لغيبة المسلم فيه أو عجزه عن التسليم, حتى عدم المسلم فيه أو لم تحمل الثمار تلك السنة فالمسلم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به, وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إن كان موجودا أو بمثله إن كان مثليا وإلا قيمته وبه قال الشافعي, وإسحاق وابن المنذر وفيه وجه آخر أنه ينفسخ العقد بنفس التعذر لكون المسلم فيه من ثمرة العام بدليل وجوب التسليم منها, فإذا هلكت انفسخ العقد كما لو باعه قفيزا من صبرة فهلكت والأول الصحيح فإن العقد قد صح وإنما تعذر التسليم, فهو كما لو اشترى عبدا فأبق قبل القبض ولا يصح دعوى التعيين في هذا العام فإنهما لو تراضيا على دفع المسلم فيه من غيرها جاز وإنما أجبر على دفعه من ثمرة العام, لتمكينه من دفع ما هو بصفة حقه ولذلك يجب عليه الدفع من ثمرة نفسه إذا وجدها ولم يجد غيرها وليست متعينة وإن تعذر البعض, فللمشتري الخيار بين الفسخ في الكل والرجوع بالثمن وبين أن يصبر إلى حين الإمكان, ويطالب بحقه فإن أحب الفسخ في المفقود دون الموجود فله ذلك لأن الفساد طرأ بعد صحة العقد فلا يوجب الفساد في الكل, كما لو باعه صبرتين فتلفت إحداهما وفيه وجه آخر: ليس له الفسخ إلا في الكل أو يصبر على ما ذكرنا من الخلاف في الإقالة في بعض المسلم فيه وإن قلنا: إن الفسخ يثبت بنفس التعذر انفسخ في المفقود دون الموجود لما ذكرنا من أن الفساد الطارئ على بعض المعقود عليه لا يوجب فساد الجميع, ويثبت للمشتري خيار الفسخ في الموجود كما ذكرنا في الوجه الأول.

 فصل: 

إذا أسلم نصراني إلى نصراني في خمر ثم أسلم أحدهما فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن المسلم يأخذ دراهمه كذلك قال الثوري وأحمد وإسحاق, وأصحاب الرأي وبه نقول لأنه إن كان المسلم المسلم فليس له استيفاء الخمر فقد تعذر استيفاء المعقود عليه وإن كان المسلم إليه فقد تعذر عليه إيفاؤها, فصار الأمر إلى رأس ماله.

 مسألة: 

قال: [ويقبض الثمن كاملا وقت السلم قبل التفرق]. هذا الشرط السادس وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر, ما لم يكن ذلك شرطا لأنه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلما فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس ولنا أنه عقد معاوضة, لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق فلا يجوز التفرق فيه قبل القبض كالصرف ويفارق المجلس ما بعده, بدليل الصرف وإن قبض بعده ثم تفرقا فكلام الخرقي يقتضي أن لا يصح لقوله: " كاملا " وحكي ذلك عن ابن شبرمة والثوري وقال أبو الخطاب: هل يصح في غير المقبوض؟ على وجهين, بناء على تفريق الصفقة وهذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي وقد نص أحمد في رواية ابن منصور إذا أسلم ثلاثمائة درهم في أصناف شتى مائة في حنطة ومائة في شعير ومائة في شيء آخر, فخرج فيها زيوف رد على الأصناف الثلاثة على كل صنف بقدر ما وجد من الزيوف, فصح العقد في الباقي بحصته من الثمن وقال الشريف أبو جعفر في من أسلم ألفا إلى رجل فقبضه نصفه, وأحاله بنصفه أو كان له دين على المسلم إليه بقدر نصفه فحسبه عليه من الألف: فإنه يصح السلم في النصف المقبوض, ويبطل في الباقي فأبطل السلم فيما لم يقبض وصححه فيما قبض وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يبطل في الحوالة في الكل وفي المسألة الأخرى: يبطل فيما لم يقبض ويصح فيما قبض بقسطه بناء على تفريق الصفقة.

 فصل: 

وإن قبض الثمن فوجده رديئا, فرده والثمن معين بطل العقد برده ويبتدئان عقدا آخر إن أحبا وإن كان في الذمة, فله إبداله في المجلس ولا يبطل العقد برده لأن العقد إنما وقع على ثمن سليم فإذا دفع إليه ما ليس بسليم, كان له المطالبة بالسليم ولا يؤثر قبض المعيب في العقد وإن تفرقا ثم علم عيبه فرده, ففيه وجهان: أحدهما يبطل العقد برده لوقوع القبض بعد التفرق, ولا يجوز ذلك في السلم والثاني لا يبطل لأن القبض الأول كان صحيحا بدليل ما لو أمسكه ولم يرده وهذا يدل على المقبوض وهذا قول أبي يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي واختيار المزني, لكن من شرطه أن يقبض البدل في مجلس الرد فإن تفرقا عن مجلس الرد قبل قبض البدل لم يصح وجها واحدا لخلو العقد عن قبض الثمن بعد تفرقهما وإن وجد بعض الثمن رديئا فرده, فعلى المردود التفصيل الذي ذكرناه وهل يصح في غير الرديء إذا قلنا بفساده في الرديء؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة.

 فصل: 

وإن خرجت الدراهم مستحقة والثمن معين لم يصح العقد قال أحمد: إذا خرجت الدراهم مسروقة, فليس بينهما بيع وذلك لأن الثمن إذا كان معينا فقد اشترى بعين مال غيره بغير إذنه وإن كان غير معين فله المطالبة ببدله في المجلس وإن قبضه ثم تفرقا بطل العقد لأن المقبوض لا يصلح عوضا فقد تفرقا قبل أخذ الثمن, إلا على الرواية التي تقل بصحة تصرف الفضولي أو أن النقود لا تتعين بالتعيين وإن وجد بعضه مستحقا بطل في ذلك البعض, وفي الباقي وجهان بناء على تفريق الصفقة.

 فصل: 

إذا كان له في ذمة رجل دينار فجعله سلما في طعام إلى أجل, لم يصح قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم منهم مالك والأوزاعي, والثوري وأحمد وإسحاق, وأصحاب الرأي والشافعي وعن ابن عمر أنه قال: لا يصلح ذلك وذلك لأن المسلم فيه دين فإذا جعل الثمن دينا كان بيع دين بدين, ولا يصح ذلك بالإجماع ولو قال أسلمت إليك مائة درهم في كر طعام وشرطا أن يعجل له منها خمسين وخمسين إلى أجل لم يصح العقد في الكل على قول الخرقي, ويخرج [في] صحته في قدر المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة أحدهما يصح وهو قول أبي حنيفة والثاني, لا يصح وهو قول الشافعي وهو أصح لأن للمعجل فضلا على المؤجل فيقتضي أن يكون في مقابلته أكثر مما في مقابلة المؤجل والزيادة مجهولة, فلا يصح.

 مسألة: 

قال: [ومتى عدم شيء من هذه الأوصاف بطل] وجملة ذلك أن هذه الأوصاف الستة التي ذكرناها, لا يصح السلم إلا بها وقد دللنا على ذلك واختلفت الرواية في شرطين آخرين: أحدهما معرفة صفة الثمن المعين ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته, إذا كان في الذمة لأنه أحد عوضي السلم فإذا لم يكن معينا اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه, إلا أنه إذا أطلق وفي البلد نقد معين انصرف الإطلاق إليه وقام مقام وصفه, فأما إن كان الثمن معينا فقال القاضي وأبو الخطاب: لا بد من معرفة وصفه واحتجا بقول أحمد: يقول: أسلمت إليك كذا وكذا درهما ويصف الثمن فاعتبر ضبط صفته وهذا قول مالك وأبي حنيفة لأنه عقد لا يملك إتمامه في الحال, ولا تسليم المعقود عليه ولا يؤمن انفساخه فوجب معرفة رأس المسلم فيه, ليرد بدله كالقرض والشركة ولأنه لا يؤمن أن يظهر بعض الثمن مستحقا فينفسخ العقد في قدره, فلا يدري في كم بقي وكم انفسخ؟ فإن قيل: هذا موهوم والموهومات لا تعتبر قلنا: التوهم معتبر ها هنا لأن الأصل عدم الجواز وإنما جوز إذا وقع الأمن من الغرر, ولم يوجد ها هنا بدليل ما إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قدر المسلم فيه بصنجة أو مكيال معين, فإنه لا يصح وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط لأنه ذكر شرائط السلم ولم يذكره وهو أحد قولي الشافعي لأنه عوض مشاهد فلم يحتج إلى معرفة قدره, كبيوع الأعيان وكلام أحمد إنما تناول غير المعين ولا خلاف في اعتبار أوصافه ودليلهم ينتقض بعقد الإجارة وأنه ينفسخ بتلف العين المستأجرة, ولا يحتاج مع اليقين إلى معرفة الأوصاف ولأن رد مثل الثمن إنما يستحق عند فسخ العقد لا من جهة عقده وجهالة ذلك لا تؤثر, كما لو باع المكيل أو الموزون ولأن العقد تمت شرائطه فلا يبطل بأمر موهوم فعلى القول الذي يعتبر صفاته, لا يجوز أن يجعل رأس مال السلم ما لا يمكن ضبط صفاته كالجواهر وسائر ما لا يجوز السلم فيه فإن جعلاه سلما بطل العقد, ويجب رده إن كان موجودا وقيمته إن عرفت إذا كان معدوما فإن اختلفا فالقول قول المسلم إليه لأنه غارم وهكذا إن حكمنا بصحة العقد ثم انفسخ وإن اختلفا في المسلم فيه, فقال أحدهما: في مائة مدى حنطة وقال الآخر: في مائة مدى شعير تحالفا وتفاسخا به قال الشافعي وأبو ثور, وأصحاب الرأي: كما لو اختلفا في ثمن المبيع.

 فصل: 

وكل مالين حرم النساء فيهما لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر لأن السلم من شرطه النساء والتأجيل والخرقي منع بيع العروض بعضها ببعض نساء فعلى قوله لا يجوز إسلام بعضها في بعض وقال ابن أبي موسى: لا يجوز أن يكون رأس مال السلم إلا عينا أو ورقا وقال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد ها هنا قال ابن المنذر قيل لأحمد: يسلم ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن؟ فلم يعجبه وعلى هذا لا يجوز أن يكون المسلم فيه ثمنا وهو قول أبي حنيفة لأنها لا تثبت في الذمة إلا ثمنا, فلا تكون مثمنة وعلى الرواية التي تقول بجواز النساء في العروض يجوز أن يكون رأس مال السلم عرضا كالثمن سواء, ويجوز إسلامها في الأثمان قال الشريف أبو جعفر: يجوز السلم في الدراهم والدنانير وهذا مذهب مالك والشافعي لأنها تثبت في الذمة صداقا فتثبت سلما كالعروض ولأنه لا ربا بينهما من حيث التفاضل ولا النساء, فصح إسلام أحدهما في الآخر كالعرض في العرض ولا يصح ما قاله أبو حنيفة فإنه لو باع دراهم بدنانير صح, ولا بد أن يكون أحدهما مثمنا فعلى هذا إذا أسلم عرضا في عرض موصوف بصفاته فجاءه عند الحلول بذلك العرض بعينه لزمه قبوله, على أحد الوجهين لأنه أتاه بالمسلم فيه على صفته فلزمه قبوله كما لو كان غيره والثاني, لا يلزمه لأنه يفضي إلى كون الثمن هو المثمن ومن نصر الأول قال: هذا لا يصح لأن الثمن إنما هو في الذمة وهذا عوض عنه وهكذا لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة فحل المحل وهي على صفة المسلم فيه فأحضرها, فعلى احتمالين أيضا أحدهما لا يصح لما ذكرنا ولأنه يفضي إلى أن يكون قد استمتع بها وردها خالية عن عقر والثاني, يجوز لأنه أحضر المسلم فيه على صفته ويبطل الأول بما إذا وجد بها عيبا فردها واختلف أصحاب الشافعي في هاتين المسألتين على هذين الوجهين وإن فعل ذلك حيلة لينتفع بالعين أو ليطأ الجارية ثم يردها بغير عوض لم يجز, وجها واحدا لأن الحيل كلها باطلة. الشرط الثاني المختلف فيه تعين مكان الإيفاء قال القاضي: ليس بشرط وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق, وطائفة من أهل الحديث وبه قال أبو يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي لقول النبي - ﷺ -: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم) ولم يذكر مكان الإيفاء, فدل على أنه لا يشترط وفي الحديث الذي فيه (أن اليهودي أسلم إلى النبي - ﷺ- فقال النبي - ﷺ-: أما من حائط بني فلان فلا ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى) ولم يذكر مكان الإيفاء ولأنه عقد معاوضة, فلا يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء كبيوع الأعيان وقال الثوري: يشترط ذكر مكان الإيفاء وهو القول الثاني للشافعي وقال الأوزاعي: هو مكروه لأن القبض يجب بحلوله, ولا يعلم موضعه حينئذ فيجب شرطه لئلا يكون مجهولا وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: إن كان لحمله مؤنة, وجب شرطه وإلا فلا يجب لأنه إذا كان لحمله مؤنة اختلف فيه الغرض بخلاف ما لا مؤنة فيه وقال ابن أبي موسى: إن كانا في برية لزم ذكر مكان الإيفاء, وإن لم يكونا في برية فذكر مكان الإيفاء حسن وإن لم يذكراه كان الإيفاء في مكان العقد لأنه متى كانا في برية لم يمكن التسليم في مكان العقد فإذا ترك ذكره كان مجهولا, وإن لم يكونا في برية اقتضى العقد التسليم في مكانه فاكتفى بذلك عن ذكره فإن ذكره كان تأكيدا, فكان حسنا فإن شرط الإيفاء في مكان سواء صح لأنه عقد بيع فصح شرط ذكر الإيفاء في غير مكانه كبيوع الأعيان ولأنه شرط ذكر مكان الإيفاء, فصح كما لو ذكره في مكان العقد وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى أنه لا يصح لأنه شرط خلاف ما اقتضاه العقد, لأن العقد يقتضي الإيفاء في مكانه وقال القاضي وأبو الخطاب: متى ذكر مكان الإيفاء ففيه روايتان, سواء شرطه في مكان العقد أو في غيره لأن فيه غررا لأنه ربما تعذر تسليمه في ذلك المكان فأشبه تعيين المكيال واختاره أبو بكر وهذا لا يصح فإن في تعيين المكان غرضا ومصلحة لهما, فأشبه تعيين الزمان وما ذكروه من احتمال تعذر التسليم فيه يبطل بتعيين الزمان ثم لا يخلو إما أن يكون مقتضى العقد التسليم في مكانه فإذا شرطه فقد شرط مقتضى العقد, أو لا يكون ذلك مقتضى العقد فيتعين ذكر مكان الإيفاء نفيا للجهالة عنه وقطعا للتنازع, فالغرر في تركه لا في ذكره وفارق تعيين المكيال فإنه لا حاجة إليه ويفوت به علم المقدار المشترط لصحة العقد, ويفضي إلى التنازع وفي مسألتنا لا يفوت به شرط ويقطع التنازع, فالمعنى المانع من التقدير بمكيال بعينه مجهول هو المقتضي لشرط مكان الإيفاء فكيف يصح قياسهم عليه.

 مسألة: 

قال: ( وبيع المسلم فيه من بائعه أو من غيره, قبل قبضه فاسد وكذلك الشركة فيه والتولية, والحوالة به طعاما كان أو غيره ) أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافا, وقد (نهى النبي - ﷺ- عن بيع الطعام قبل قبضه) وعن ربح ما لم يضمن ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه كالطعام قبل قبضه وأما الشركة فيه والتولية, فلا تجوز أيضا لأنهما بيع على ما ذكرنا من قبل وبهذا قال أكثر أهل العلم وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية لما روي عن النبي - ﷺ- أنه (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والتولية). ولنا أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض, فلم يجز كما لو كانت بلفظ البيع ولأنهما نوعا بيع فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه, كالنوع الآخر والخبر لا نعرفه وهو حجة لنا لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه, والشركة والتولية بيع فيدخلان في النهي ويحمل قوله: وأرخص في الشركة والتولية على أنه أرخص فيهما في الجملة لا في هذا الموضع وأما الإقالة فإنها فسخ وليست بيعا وأما الحوالة به فغير جائزة لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر, والسلم بغرض الفسخ فليس بمستقر ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ فلم يجز كالبيع ومعنى الحوالة به, أن يكون لرجل طعام من سلم وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم فلا يجوز وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه, فلم يجز كالبيع وأما بيع المسلم فيه من بائعه فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه فهذا حرام, سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما سواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة أو أقل, أو أكثر وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وذكر ابن أبي موسى عن أحمد, رواية أخرى في من أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر, جاز ولم يجز أكثر من ذلك وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر والشعير جنس واحد والصحيح في المذهب خلافه وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه يتعجله ولا يؤخره إلى الطعام قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس قال: إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه, وإلا فخذ عوضا أنقص منه ولا تربح مرتين رواه سعيد في " سننه " ولنا قول النبي - ﷺ-: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه أبو داود, وابن ماجه ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع فلم يجز كبيعه من غيره فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرا منه, أو دونه في الصفات جاز لأن ذلك ليس ببيع إنما هو قضاء للحق, مع تفضل من أحدهما.

 فصل: 

فأما الإقالة في المسلم فيه فجائزة لأنها فسخ قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة لأن الإقالة فسخ للعقد ورفع له من أصله وليست بيعا قال القاضي: ولو قال: لي عندك هذا الطعام, صالحني منه على ثمنه جاز وكانت إقالة صحيحة فأما الإقالة في بعض المسلم فيه فاختلف عن أحمد فيها فروى عنه أنها لا تجوز ورويت كراهتها عن ابن عمر, وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين, والنخعي وسعيد بن جبير وربيعة, وابن أبي ليلى وإسحاق وروى حنبل عن أحمد أنه قال: لا بأس بها وروى ذلك عن ابن عباس, وعطاء وطاووس ومحمد بن على وحميد بن عبد الرحمن, وعمرو بن دينار والحكم والثوري, والشافعي والنعمان وأصحابه وابن المنذر ولأن الإقالة مندوب إليها, وكل معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء والإنظار ووجه الرواية الأولى أن السلف في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل التأجيل, فإذا أقاله في البعض بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي حصلت الإقالة فيه فلم يجز, كما لو اشترط ذلك في ابتداء العقد ويخرج عليه الإبراء والإنظار فإنه لا يتعلق به شيء من ذلك.

 فصل: 

إذا أقاله رد الثمن إن كان باقيا أو مثله إن كان مثليا, أو قيمته إن لم يكن مثليا فإن أراد أن يعطيه عوضا عنه فقال الشريف أبو جعفر: ليس له صرف ذلك الثمن في عقد آخر حتى يقبضه وبه قال أبو حنيفة لقول النبي - ﷺ -: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) ولأن هذا مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم يجز التصرف فيه قبل قبضه, كما لو كان في يد المشتري وقال القاضي أبو يعلى: يجوز أخذ العوض عنه وهو قول الشافعي لأنه عوض مستقر في الذمة فجاز أخذ العوض عنه كما لو كان قرضا ولأنه مال عاد إليه بفسخ العقد, فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع إذا فسخ والمسلم فيه مضمون بالعقد, وهذا مضمون بعد فسخه والخبر أراد به المسلم فيه فلم يتناول هذا فإن قلنا بهذا, فحكمه حكم ما لو كان قرضا أو ثمنا في بيوع الأعيان لا يجوز جعله سلما في شيء آخر لأنه يكون بيع دين بدين ويجوز فيه ما يجوز في القرض وأثمان البياعات إذا فسخت.

 مسألة: 

قال: [وإذا أسلم في جنسين ثمنا واحدا, لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس] صورة ذلك أن يسلم دينارا واحدا في قفيز حنطة وقفيز شعير ولا يبين ثمن الحنطة من الدينار, ولا ثمن الشعير فلا يصح ذلك وجوزه مالك وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأن كل عقد جاز على جنسين في عقدين جاز عليهما في عقد واحد, كبيوع الأعيان وكما لو بين ثمن أحدهما ولنا أن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول, فلم يصح كما لو عقد عليه مفردا بثمن مجهول ولأن فيه غررا لأننا لا نأمن الفسخ بتعذر أحدهما فلا يعرف بم يرجع؟ وهذا غرر أثر مثله في السلم وبمثل هذا عللنا معرفة صفة الثمن وقدره وقد ذكرنا ثم وجها آخر, أنه لا يشترط فيخرج ها هنا مثله لأنه في معناه ولأنه لما جاز أن يسلم في شيء واحد إلى أجلين ولا يبين ثمن كل واحد منهما, كذا ها هنا قال ابن أبي موسى: ولا يجوز أن يسلم خمسة دنانير وخمسين درهما في كر حنطة حتى يبين حصة ما لكل واحد منهما من الثمن والأولى صحة هذا لأنه إذا تعذر بعض المسلم فيه رجع بقسطه منهما إن تعذر النصف رجع بنصفهما, وإن تعذر الخمس رجع بدينار وعشرة دراهم. مسألة: قال: [وإذا أسلم في شيء واحد على أن يقبضه في أوقات متفرقة أجزاء معلومة فجائز] . قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجل يدفع إلى الرجل الدراهم في الشيء يؤكل, فيأخذ منه كل يوم من تلك السلعة شيئا؟ فقال: على معنى السلم إذا؟ فقلت: نعم قال: لا بأس ثم قال: مثل الرجل القصاب يعطيه الدينار على أن يأخذ منه كل يوم رطلا من لحم قد وصفه وبهذا قال مالك وقال الشافعي: إذا أسلم في جنس واحد إلى أجلين ففيه قولان: أحدهما: لا يصح لأن ما يقابل أبعدهما أجلا أقل مما يقابل الآخر, وذلك مجهول فلم يجز ولنا أن كل بيع جاز في أجل واحد, جاز في أجلين وآجال كبيوع الأعيان فإذا قبض البعض وتعذر قبض الباقي, ففسخ العقد رجع بقسطه من الثمن ولا يجعل للباقي فضلا عن المقبوض لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء, فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتفق أجله.

 مسألة: 

قال: [وإذا لم يكن السلم فيه كالحديد والرصاص, وما لا يفسد ولا يختلف قديمه وحديثه لم يكن عليه قبضه قبل محله] . يعني بالسلم: المسلم فيه, باسم المصدر كما يسمى المسروق سرقة والمرهون رهنا قال إبراهيم: خذ سلمك أو دون سلمك ولا تأخذ فوق سلمك ومتى أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة, لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها أن يحضره في محله فيلزمه قبوله لأنه أتاه بحقه في محله, فلزمه قبوله كالمبيع المعين وسواء كان عليه في قبضه ضرر, أو لم يكن فإن أبى قيل له: إما أن تقبض حقك وإما أن تبرئ منه فإن امتنع قبضه الحاكم من المسلم إليه للمسلم, وبرئت ذمته منه لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع بولايته وليس له أن يبرئ لأنه لا يملك الإبراء الحال الثاني أن يأتي به قبل محله, فينظر فيه فإن كان مما في قبضه قبل محله ضرر إما لكونه مما يتغير, كالفاكهة والأطعمة كلها أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب ونحوها, لم يلزم المسلم قبوله لأن له غرضا في تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه في ذلك الوقت وكذلك الحيوان لأنه لا يأمن تلفه, ويحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه في ذلك الوقت دون ما قبله وهكذا إن كان مما يحتاج في حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه, أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ في هذه الأحوال كلها لأن عليه ضررا في قبضه ولم يأت محل استحقاقه له, فجرى مجرى نقص صفة فيه وإن كان مما لا ضرر في قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس, فإنه يستوي قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا في قبضه ضرر الخوف, ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل الحال الثالث, أن يحضره بعد محل الوجوب فحكمه حكم ما لو أحضر المبيع بعد تفرقهما.

 فصل: 

ولا يخلو إما أن يحضر المسلم فيه على صفته أو دونها, أو أجود منها فإن أحضره على صفته لزم قبوله لأنه حقه وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبوله لأن فيه إسقاط حقه, فإن تراضيا على ذلك وكان من جنسه جاز وإن كان من غير جنسه, لم يجز لما تقدم وإن اتفقا على أن يعطيه دون حقه ويزيده شيئا لم يجز لأنه أفرد صفة الجودة بالبيع, وذلك لا يجوز ولأن بيع المسلم فيه قبل قبضه غير جائز فبيع وصفه أولى الثالث, أن يحضره أجود من الموصوف فينظر فيه فإن أتاه به من نوعه لزمه قبوله لأنه أتى بما تناوله العقد وزيادة تابعة له, فينفعه ولا يضره إذ لا يفوته غرض فإن أتاه به من نوع آخر لم يلزمه قبوله لأن العقد تناول ما وصفاه على الصفة التي شرطاها, وقد فات بعض الصفات فإن النوع صفة وقد فات, فأشبه ما لو فات غيره من الصفات وقال القاضي: يلزمه قبوله لأنهما جنس واحد يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فأشبه الزيادة في الصفة مع اتفاق النوع والأول أجود لأن أحدهما يصلح لما لا يصلح له الآخر فإذا فوته عليه, فوت عليه الغرض المتعلق به فلم يلزمه قبوله كما لو فوت عليه صفة الجودة وهذا مذهب الشافعي فإن تراضيا على أخذ النوع بدلا عن النوع الآخر, جاز لأنهما جنس واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة فجاز أخذ أحدهما عن الآخر, كالنوع الواحد وقال بعض أصحاب الشافعي: لا يجوز له أخذه للمعنى الذي منع لزوم أخذه وقال إبراهيم: لا تأخذ فوق سلمك في كيل ولا صفة ولنا أنهما تراضيا على دفع المسلم فيه من جنسه فجاز, كما لو تراضيا على دفع الرديء مكان الجيد أو الجيد مكان الرديء وبهذا ينتقض ما ذكروه فإنه لا يلزم أخذ الرديء, ويجوز أخذه ولأن المسلم أسقط حقه من النوع فلم يبق بينهما إلا صفة الجودة وقد سمح بها صاحبها.

 فصل: 

إذا جاءه بالأجود, فقال: خذه وزدني درهما لم يصح وقال أبو حنيفة: يصح كما لو أسلم في عشرة فجاءه بأحد عشر ولنا أن الجودة صفة, فلا يجوز إفرادها بالعقد كما لو كان مكيلا أو موزونا فإن جاءه بزيادة في القدر, فقال: خذه وزدني درهما ففعلا صح لأن الزيادة ها هنا يجوز إفرادها بالعقد.

 فصل: 

وليس له إلا أقل ما تقع عليه الصفة لأنه إذا أسلم إليه ذلك, فقد سلم إليه ما تناوله العقد فبرئت ذمته منه وعليه أن يسلم إليه الحنطة نقية من التبن والقصل والشعير ونحوه مما لا يتناوله اسم الحنطة وإن كان فيه تراب كثير يأخذ موضعا من المكيال, لم يجز وإن كان يسيرا لا يؤثر في المكيال ولا يعيبها لزمه أخذه ولا يلزمه أخذ التمر إلا جافا ولا يلزم أن يتناهى جفافه لأنه يقع عليه الاسم ولا يلزمه أن يقبل معيبا بحال ومتى قبض المسلم فيه فوجده معيبا, فله المطالبة بالبدل أو الأرش كالمبيع سواء.

 فصل: 

ولا يقبض المكيل إلا بالكيل ولا الموزون إلا بالوزن, ولا يقبضه جزافا ولا بغير ما يقدر به لأن الكيل والوزن يختلفان فإن قبضه بذلك, فهو كقبضه جزافا فيقدره بما أسلم فيه ويأخذ قدر حقه, ويرد الباقي ويطالب بالعوض وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل أن يعتبره؟ على وجهين مضى ذكرهما في بيوع الأعيان وإن اختلفا في قدره, فالقول قول القابض مع يمينه قال القاضي: ويسلم إليه ملء المكيال وما يحمله ولا يكون ممسوحا ولا يدق ولا يهز لأن قوله: أسلمت إليك في قفيز يقتضي ما يسعه المكيال وما يحمله, وهو ما ذكرنا.

 مسألة: 

قال: [ولا يجوز أن يأخذ رهنا ولا كفيلا من المسلم إليه] واختلفت الرواية في الرهن والضمين في السلم فروى المروزي, وابن القاسم وأبو طالب منع ذلك وهو اختيار الخرقي وأبو بكر ورويت كراهة ذلك عن علي, وابن عمر وابن عباس والحسن, وسعيد بن جبير والأوزاعي وروى حنبل جوازه ورخص فيه عطاء ومجاهد, وعمرو بن دينار والحكم ومالك, والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي, وابن المنذر لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282]. إلى قوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]. وقد روى عن ابن عباس وابن عمر أن المراد به السلم ولأن اللفظ عام فيدخل السلم في عمومه ولأنه أحد نوعي البيع, فجاز أخذ الرهن بما في الذمة منه كبيوع الأعيان ووجه الأول أن الراهن والضمين إن أخذا برأس مال السلم, فقد أخذا بما ليس بواجب ولا مآله إلى الوجوب لأن ذلك قد ملكه المسلم إليه وإن أخذا بالمسلم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن, والمسلم فيه لا يمكن استيفاؤه من الرهن ولا من ذمة الضامن ولأنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه وقد قال النبي - ﷺ -: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه أبو داود ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة المضمون عنه, فيكون في حكم أخذ العوض والبدل عنه وهذا لا يجوز.

 فصل: 

فإن أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه ثم تقايلا السلم, أو فسخ العقد لتعذر المسلم فيه بطل الرهن لزوال الدين الذي به الرهن وبرئ الضامن, وعلى المسلم إليه رد رأس مال السلم في الحال ولا يشترط قبضه في المجلس لأنه ليس بعوض ولو أقرضه ألفا وأخذ به رهنا ثم صالحه من الألف على طعام معلوم في ذمته, صح وزال الرهن لزوال دينه من الذمة, وبقي الطعام في الذمة ويشترط قبضه في المجلس كي لا يكون بيع دين بدين فإن تفرقا قبل القبض, بطل الصلح ورجع الألف إلى ذمته برهنه لأنه يعود على ما كان عليه كالعصير إذا تخمر ثم عاد خلا وهكذا لو صالحه عن الدراهم بدنانير في ذمته, فالحكم مثل ما بينا في هذه المسألة.

 فصل: 

وإذا حكمنا بصحة ضمان السلم فلصاحب الحق مطالبة من شاء منهما وأيهما قضاه برئت ذمتهما منه فإن سلم المسلم إليه المسلم فيه إلى الضامن ليدفعه إلى المسلم, جاز وكان وكيلا وإن قال: خذه عن الذي ضمنت عني لم يصح وكان قبضا فاسدا مضمونا عليه لأنه إنما استحق الأخذ بعد الوفاء, فإن أوصله إلى المسلم برئ بذلك لأنه سلم إليه ما سلطه المسلم إليه في التصرف فيه وإن أتلفه فعليه ضمانه لأنه قبضه على ذلك وإن صالح المسلم الضامن عن المسلم فيه بثمنه لم يصح لأن هذا إقالة, فلا يصح من غير المسلم إليه وإن صالحه المسلم إليه بثمنه صح وبرئت ذمته وذمة الضامن لأن هذا إقالة وإن صالحه على غير ثمنه, لم يصح لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض.

 فصل: 

والذي يصح أخذ الرهن به كل دين ثابت في الذمة يصح استيفاؤه من الرهن كأثمان البياعات, والأجرة في الإجارات والمهر وعوض الخلع, والقرض وأرش الجنايات وقيم المتلفات ولا يجوز أخذ الرهن بما ليس بواجب, ولا مآله إلى الوجوب كالدية على العاقلة قبل الحول لأنها لم تجب بعد ولا يعلم إفضاؤها إلى الوجوب, فإنهم لو جنوا أو افتقروا أو ماتوا لم تجب عليهم فلم يصح أخذ الرهن بها فأما بعد الحول, فيجوز أخذ الرهن بها لأنها قد استقرت في ذمتهم ويحتمل جواز أخذ الرهن بها قبل الحول لأن الأصل بقاء الحياة واليسار والعقل ولا يجوز أخذ الرهن بالجعل في الجعالة قبل العمل لأنه لم يجب ولا يعلم إفضاؤه إلى الوجوب وقال القاضي: يحتمل أخذ الرهن به لأن مآله إلى الوجوب واللزوم فأشبهت أثمان البياعات والأولى أولى لأن إفضاءها إلى الوجوب محتمل فأشبهت الدية قبل الحول ويجوز أخذ الرهن به بعد العمل لأنه قد وجب ولا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة لأنه غير لازم فإن للعبد تعجيز نفسه, ولا يمكن استيفاء دينه من الرهن لأنه لو عجز صار الرهن للسيد لأنه من جملة مال المكاتب وقال أبو حنيفة: يجوز: ولنا, أنها وثيقة لا يمكن استيفاء الحق منها فلم يصح كضمان الخمر, ولا يجوز أخذ الرهن بعوض المسابقة لأنها جعلة ولم يعلم إفضاؤها إلى الوجوب لأن الوجوب, إنما يثبت بسبق غير المخرج وهذا غير معلوم ولا مظنون وقال بعض أصحابنا: فيها وجهان هل هي إجارة أو جعالة؟ فإن قلنا: هي إجارة جاز أخذ الرهن بعوضها وقال القاضي: إن لم يكن فيها محلل فهي جعالة, وإن كان فيها محلل فعلى وجهين وهذا كله بعيد لأن الجعل ليس هو في مقابلة العمل بدليل أنه لا يستحقه إذا كان مسبوقا وقد عمل العمل وإنما هو عوض عن السبق, ولا تعلم القدرة عليه ولأنه لا فائدة للجاعل فيه ولا هو مراد له وإذا لم تكن إجارة مع عدم المحلل, فمع وجوده أولى لأن مستحق الجعل هو السابق وهو غير معين, ولا يجوز استئجار رجل غير معين ثم لو كانت إجارة لكان عوضها غير واجب في الحال ولا يعلم إفضاؤه إلى الوجوب ولا يظن, فلم يجز أخذ الرهن به كالجعل في رد الآبق واللقط ولا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة كالثمن المعين, والأجرة المعينة في الإجارة والمعقود عليه في الإجارة إذا كان منافع معينة مثل إجارة الدار, والعبد المعين والجمل المعين مدة معلومة, أو لحمل شيء معين إلى مكان معلوم لأن هذا حق تعلق بالعين لا بالذمة ولا يمكن استيفاؤه من الرهن لأن منفعة العين لا يمكن استيفاؤها من غيرها وتبطل الإجارة بتلف العين وإن وقعت الإجارة على منفعة في الذمة, كخياطة ثوب وبناء دار جاز أخذ الرهن به لأنه ثابت في الذمة, ويمكن استيفاؤه من الرهن بأن يستأجر من ثمنه من يعمل ذلك العمل فجاز أخذ الرهن به, كالدين ومذهب الشافعي في هذا كله كما قلنا.

 فصل: 

فأما الأعيان المضمونة كالمغصوب والعواري, والمقبوض ببيع فاسد والمقبوض على وجه السوم ففيها وجهان أحدهما, لا يصح الرهن بها وهو مذهب الشافعي لأن الحق غير ثابت في الذمة فأشبه ما ذكرنا ولأنه إن رهنه على قيمتها إذا تلفت, فهو رهن على ما ليس بواجب ولا يعلم إفضاؤه إلى الوجوب وإن أخذ الرهن على عينها لم يصح لأنه لا يمكن استيفاء عينها من الرهن فأشبه أثمان البياعات المتعينة والثاني يصح أخذ الرهن بها وهو مذهب أبي حنيفة, وقال: كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها يريد ما يضمن بمثله أو قيمته كالمبيع يجوز أخذ الرهن به لأنه مضمون بفساد العقد لأن مقصود الرهن الوثيقة بالحق, وهذا حاصل فإن الرهن بهذه الأعيان يحمل الراهن على أدائها وإن تعذر أداؤها استوفى بدلها من ثمن الرهن, فأشبهت الدين في الذمة.

 فصل: 

قال القاضي: كل ما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به وما لم يجز الرهن به, لم يجز أخذ الضمين به إلا ثلاثة أشياء عهدة المبيع يصح ضمانها ولا يصح الرهن بها والكتابة لا يصح الرهن بدينها, وفي ضمانها روايتان وما لم يجب لا يصح الرهن به ويصح ضمانه والفرق بينهما من وجهين أحدهما, أن الرهن بهذه الأشياء يبطل الإرفاق فإنه إذا باع عبده بألف ودفع رهنا يساوي ألفا, فكأنه ما قبض الثمن ولا ارتفق به والمكاتب إذا دفع ما يساوي كتابته, فما ارتفق بالأجل لأنه كان يمكنه بيع الرهن أو بقاء الكتابة ويستريح من تعطيل منافع عبده والضمان بخلاف هذا الثاني أن ضرر الرهن يعم لأنه يدوم بقاؤه عند المشتري فيمنع البائع التصرف فيه, والضمان بخلافه.

 فصل: 

إذا اختلف المسلم والمسلم إليه في حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه لأنه منكر وإن اختلفا في أداء المسلم فيه, فالقول قول المسلم لذلك وإن اختلفا في قبض الثمن فالقول قول المسلم إليه لذلك وإن اتفقا عليه وقال أحدهما: كان في المجلس قبل التفرق وقال الآخر: بعده فالقول قول من يدعي القبض في المجلس لأن معه سلامة العقد, وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب دعواه قدمت أيضا بينته لأنها مثبتة والأخرى نافية.

 باب القرض: 

والقرض نوع من السلف وهو جائز بالسنة والإجماع أما السنة, فروى أبو رافع (أن النبي - ﷺ - استسلف من رجل بكرا فقدمت على النبي - ﷺ- إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع, فقال يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا فقال: أعطه فإن خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم وعن ابن مسعود, أن النبي - ﷺ - قال: (ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة) وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ-: (رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت: يا جبريل, ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة) رواهما ابن ماجه وأجمع المسلمون على جواز القرض.

فصل: والقرض مندوب إليه في حق المقرض, مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث ولما روي أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا, كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) وعن أبي الدرداء أنه قال: " لأن أقرض دينارين ثم يردان, ثم أقرضهما أحب إلى من أن أتصدق بهما ولأن فيه تفريجا عن أخيه المسلم وقضاء لحاجته, وعونا له فكان مندوبا إليه كالصدقة عليه وليس بواجب قال أحمد لا إثم على من سئل القرض فلم يقرض وذلك لأنه من المعروف, فأشبه صدقة التطوع وليس بمكروه في حق المقرض قال أحمد: ليس القرض من المسألة يعني ليس بمكروه وذلك لأن النبي - ﷺ- كان يستقرض بدليل حديث أبي رافع ولو كان مكروهًا, كان أبعد الناس منه ولأنه إنما يأخذه بعوضه فأشبه الشراء بدين في ذمته قال ابن أبي موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده يعني ما لا يقدر على وفائه ومن أراد أن يستقرض فليعلم من يسأله القرض بحاله, ولا يغره من نفسه إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله قال أحمد: إذا اقترض لغيره ولم يعلمه بحاله لم يعجبني وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه قال القاضي: يعني إذا كان من يقترض له غير معروف بالوفاء لكونه تغريرا بمال المقرض, وإضرارا به أما إذا كان معروفا بالوفاء لم يكره لكونه إعانة له, وتفريجا لكربته.

فصل: ولا يصح إلا من جائز التصرف لأنه عقد على المال فلم يصح إلا من جائز التصرف كالبيع وحكمه في الإيجاب والقبول حكم البيع على ما مضى ويصح بلفظ السلف والقرض لورود الشرع بهما, وبكل لفظ يؤدي معناهما مثل أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد على بدله أو توجد قرينة دالة على إرادة القرض فإن قال: ملكتك ولم يذكر البدل, ولا وجد ما يدل عليه فهو هبة فإن اختلفا فالقول قول الموهوب له لأن الظاهر معه, لأن التمليك من غير عوض هبة.

فصل: ولا يثبت فيه خيار ما لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ لغيره فأشبه الهبة والمقترض متى شاء رده, فيستغني بذلك عن ثبوت الخيار له ويثبت الملك في القرض بالقبض وهو عقد لازم في حق المقرض جائز في حق المقترض فلو أراد المقرض الرجوع في عين ماله, لم يملك ذلك وقال الشافعي: له ذلك لأن كل ما يملك المطالبة بمثله ملك أخذه إذا كان موجودا كالمغصوب والعارية ولنا أنه أزال ملكه بعوض من غير خيار, فلم يكن له الرجوع فيه كالمبيع ويفارق المغصوب والعارية, فإنه لم يزل ملكه عنهما ولأنه لا يملك المطالبة بمثلهما مع وجودهما وفي مسألتنا بخلافه فأما المقترض, فله رد ما اقترضه على المقرض إذا كان على صفته لم ينقص ولم يحدث به عيب لأنه على صفة حقه, فلزمه قبوله كالمسلم فيه وكما لو أعطاه غيره ويحتمل أن لا يلزم المقترض قبول ما ليس بمثلي لأن القرض فيه يوجب رد القيمة على أحد الوجهين فإذا رده بعينه لم يرد الواجب عليه, فلم يجب قبوله كالمبيع.

فصل: وللمقرض المطالبة ببدله في الحال لأنه سبب يوجب رد المثل في المثليات فأوجبه حالا كالإتلاف ولو أقرضه تفاريق ثم طالبه بها جملة فله ذلك لأن الجميع حال, فأشبه ما لو باعه بيوعا حالة ثم طالبه بثمنها جملة وإن أجل القرض لم يتأجل, وكان حالا وكل دين حل أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله وبهذا قال الحارث العكلي والأوزاعي, وابن المنذر والشافعي وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل لقول النبي - ﷺ - (المؤمنون عند شروطهم) ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء فملكا الزيادة فيه, كخيار المجلس وقال أبو حنيفة في القرض وبدل المتلف كقولنا وفي ثمن المبيع والأجرة والصداق وعوض الخلع كقولهما لأن الأجل يقتضي جزءا من العوض والقرض لا يحتمل الزيادة والنقص في عوضه, وبدل المتلف الواجب فيه المثل من غير زيادة ولا نقص فلذلك لم يتأجل وبقية الأعواض يجوز الزيادة فيها فجاز تأجيلها ولنا, أن الحق يثبت حالا والتأجيل تبرع منه ووعد, فلا يلزم الوفاء به كما لو أعاره شيئا وهذا لا يقع عليه اسم الشرط, ولو سمى فالخبر مخصوص بالعارية فيلحق به مما اختلفا فيه لأنه مثله ولنا, على أبي حنيفة أنها زيادة بعد استقرار العقد فأشبه القرض, وأما الإقالة: فهي فسخ وابتداء عقد آخر بخلاف مسألتنا, وأما خيار المجلس فهو بمنزلة ابتداء العقد بدليل أنه يجزئ فيه القبض لما يشترط قبضه, والتعين لما في الذمة.

فصل: ويجوز قرض المكيل والموزون بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض ماله مثل من المكيل والموزون والأطعمة جائز ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة سلما سوى بني آدم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز قرض غير المكيل والموزون لأنه لا مثل له, أشبه الجواهر ولنا (أن النبي - ﷺ- استسلف بكرا وليس بمكيل ولا موزون) ولأن ما يثبت سلما يملك بالبيع ويضبط بالوصف, فجاز قرضه كالمكيل والموزون وقولهم: لا مثل له خلاف أصلهم فإن عند أبي حنيفة, لو أتلف على رجل ثوبا ثبت في ذمته مثله ويجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته فأما ما لا يثبت في الذمة سلما, كالجواهر وشبهها فقال القاضي: يجوز فيها قرضها ويرد المستقرض القيمة لأن ما لا مثل له يضمن بالقيمة, والجواهر كغيرها في القيم وقال أبو الخطاب: لا يجوز قرضها لأن القرض يقتضي رد المثل وهذه لا مثل لها ولأنه لم ينقل قرضها, ولا هي في معنى ما نقل القرض فيه لكونها ليست من المرافق ولا يثبت في الذمة سلما, فوجب إبقاؤها على المنع ويمكن بناء هذا الخلاف على الوجهين في الواجب في بدل غير المكيل والموزون فإذا قلنا: الواجب رد المثل لم يجز قرض الجواهر وما لا يثبت في الذمة سلما لتعذر رد مثلها وإن قلنا: الواجب رد القيمة جاز قرضه لإمكان رد القيمة ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين.

فصل: فأما بنو آدم, فقال أحمد: أكره قرضهم فيحتمل كراهية تنزيه ويصح قرضهم وهو قول ابن جريج, والمزني لأنه مال يثبت في الذمة سلما فصح قرضه كسائر الحيوان ويحتمل أنه أراد كراهة التحريم, فلا يصح قرضهم اختاره القاضي لأنه لم ينقل قرضهم ولا هو من المرافق ويحتمل صحة قرض العبيد دون الإماء وهو قول مالك والشافعي إلا أن يقرضهن من ذوي محارمهن, لأن الملك بالقرض ضعيف فإنه لا يمنعه من ردها على المقرض فلا يستباح به الوطء, كالملك في مدة الخيار وإذا لم يبح الوطء لم يصح القرض لعدم القائل بالفرق, ولأن الأبضاع مما يحتاط لها ولو أبحنا قرضهن أفضى إلى أن الرجل يستقرض أمة, فيطؤها ثم يردها من يومه ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردها, كما يستعير المتاع فينتفع به ثم يرده ولنا أنه عقد ناقل للملك فاستوى فيه العبيد والإماء كسائر العقود ولا نسلم ضعف الملك فإنه مطلق لسائر التصرفات, بخلاف الملك في مدة الخيار وقولهم: متى شاء المقترض ردها ممنوع فإننا إذا قلنا: الواجب رد القيمة لم يملك المقترض رد الأمة وإنما يرد قيمتها وإن سلمنا ذلك, لكن متى قصد المقترض هذا لم يحل له فعله ولا يصح اقتراضه كما لو اشترى أمة ليطأها ثم يردها بالمقابلة أو بعيب فيها, وإن وقع هذا بحكم الاتفاق لم يمنع الصحة كما لو وقع ذلك في البيع, وكما لو أسلم جارية في أخرى موصوفة بصفاتها ثم ردها بعينها عند حلول الأجل ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح الوطء لم يمنع منه في الجواري, كالبيع في مدة الخيار وعدم القائل بالفرق ليس بشيء على ما عرف في مواضعه وعدم نقله ليس بحجة فإن أكثر الحيوانات لم ينقل قرضها وهو جائز.

فصل: وإذا اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن, لم يجز لأن القرض فيها يوجب رد المثل فإذا لم يعرف المثل لم يمكن القضاء وكذلك لو اقترض مكيلا أو موزونا جزافا لم يجز لذلك ولو قدره بمكيال بعينه, أو صنجة بعينها غير معروفين عند العامة لم يجز لأنه لا يأمن تلف ذلك, فيتعذر رد المثل فأشبه السلم في مثل ذلك وقال الإمام أحمد في ماء بين قوم, لهم نوب في أيام مسماة فاحتاج بعضهم إلى أن يستقي في غير نوبته فاستقرض من نوبة غيره, ليرد عليه بدله في يوم نوبته: فلا بأس وإن كان غير محدود كرهته فكرهه إذا لم يكن محدودا لأنه لا يمكنه رد مثله وإن كانت الدراهم يتعامل بها عددا فاستقرض عددا, رد عددا وإن استقرض وزنا رد وزنا وهذا قول الحسن وابن سيرين والأوزاعي واستقرض أيوب من حماد بن زيد دراهم بمكة عددا, وأعطاه بالبصرة عددا لأنه وفاه مثلما اقترض فيما يتعامل به الناس فأشبه ما لو كانوا يتعاملون بها وزنا فرد وزنا.

فصل: ويجب رد المثل في المكيل والموزون لا نعلم فيه خلافا قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم, على أن من أسلف سلفا مما يجوز أن يسلف فرد عليه مثله, أن ذلك جائز وأن للمسلف أخذ ذلك ولأن المكيل والموزون يضمن في الغصب والإتلاف بمثله فكذا ها هنا فأما غير المكيل والموزون ففيه وجهان أحدهما يجب رد قيمته يوم القرض لأنه لا مثل له, فيضمنه بقيمته كحال الإتلاف والغصب والثاني يجب رد مثله (لأن النبي - ﷺ- استسلف من رجل بكرا, فرد مثله). ويخالف الإتلاف فإنه لا مسامحة فيه فوجبت القيمة لأنها أحصر, والقرض أسهل ولهذا جازت النسيئة فيه فيما فيه الربا ويعتبر مثل صفاته تقريبا, فإن حقيقة المثل إنما توجد في المكيل والموزون فإن تعذر المثل فعليه قيمته يوم تعذر المثل لأن القيمة ثبتت في ذمته حينئذ وإذا قلنا: تجب القيمة وجبت حين القرض لأنها حينئذ ثبتت في ذمته.

فصل: ويجوز قرض الخبز ورخص فيه أبو قلابة ومالك ومنع منه أبو حنيفة ولنا, أنه موزون فجاز قرضه كسائر الموزونات وإذا أقرضه بالوزن, ورد مثله بالوزن جاز وإن أخذه عددا فرده عددا, فقال الشريف أبو جعفر: فيه روايتان إحداهما لا يجوز لأنه موزون أشبه سائر الموزونات والثانية, يجوز قال ابن أبي موسى: إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل فلا يحتاج إلى الوزن والوزن أحب إلى ووجه الجواز, ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت: يا رسول الله إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير ويردون زيادة ونقصانا فقال: لا بأس, إن ذلك من مرافق الناس لا يراد به الفضل) ذكره أبو بكر في "الشافي" بإسناده وفيه أيضا بإسناده عن معاذ بن جبل (أنه سئل عن استقراض الخبز والخمير, فقال: سبحان الله إنما هذا من مكارم الأخلاق فخذ الكبير وأعط الصغير, وخذ الصغير وأعط الكبير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك) ولأن هذا مما تدعو الحاجة إليه ويشق اعتبار الوزن فيه, وتدخله المسامحة فجاز كدخول الحمام من غير تقدير أجرة, والركوب في سفينة الملاح وأشباه هذا فإن شرط أن يعطيه أكثر مما أقرضه أو أجود أو أعطاه مثل ما أخذ وزاده كسرة, كان ذلك حراما وكذلك إن أقرضه صغيرا قصد أن يعطيه كبيرا لأن الأصل تحريم ذلك وإنما أبيح لمشقة إمكان التحرز منه, فإذا قصد أو شرط أو أفردت الزيادة فقد أمكن التحرز منه فحرم بحكم الأصل, كما لو فعل ذلك في غيره.

فصل: وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية, فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس, وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة, مثل أن يقرضه مكسرة ليعطيه صحاحا أو نقدا, ليعطيه خيرا منه وإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة وإن لم يكن لحمله مؤنة, جاز وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن علي, وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود, وأيوب السختياني والثوري وأحمد, وإسحاق وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة, ومالك والأوزاعي والشافعي لأنه قد يكون في ذلك زيادة وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز, ومعناه: اشتراط القضاء في بلد آخر وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعا وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق, فيأخذونها منه فسئل عن ذلك ابن عباس فلم ير به بأسا وروي عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه سئل عن مثل هذا, فلم ير به بأسا وممن لم ير به بأسا ابن سيرين والنخعي رواه كله سعيد وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها, بل بمشروعيتها ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة وإن شرط في القرض أن يؤجره داره, أو يبيعه شيئا أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى لم يجز لأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وسلف ولأنه شرط عقدا في عقد, فلم يجز كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها, أو على أن يهدي له هدية أو يعمل له عملا كان أبلغ في التحريم وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء, لم يقبله ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه, أو يحسبه من دينه إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض لما روى الأثرم أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما فجعل يهدي إليه السمك ويقومه حتى بلغ ثلاثة عشر درهما فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم وعن ابن سيرين, أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه فردها عليه, ولم يقبلها فأتاه أبي فقال: لقد علم أهل المدينة إني من أطيبهم ثمرة وأنه لا حاجة لنا فيم منعت هديتنا, ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل وعن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق فقال: إنك تأتي أرضا فاش فيها الربا فإن أقرضت رجلا قرضا, فأتاك بقرضك ومعه هدية فاقبض قرضك واردد عليه هديته رواهما الأثرم وروى البخاري, عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قدمت المدينة, فلقيت عبد الله بن سلام وذكر حديثا وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن, أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه, فإنه ربا قال ابن أبي موسى: ولو أقرضه قرضا ثم استعمله عملا لم يكن ليستعمله مثله قبل القرض, كان قرضا جر منفعة ولو استضاف غريمه ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك حسب له ما أكله لما روى ابن ماجه, في " سننه " عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه, أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله, إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) وهذا كله في مدة القرض فأما بعد الوفاء فهو كالزيادة من غير شرط, على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -.

فصل: فإن أقرضه مطلقا من غير شرط فقضاه خيرا منه في القدر, أو الصفة أو دونه برضاهما, جاز وكذلك إن كتب له بها سفتجة أو قضاه في بلد آخر جاز ورخص في ذلك ابن عمر, وسعيد بن المسيب والحسن والنخعي, والشعبي والزهري ومكحول, وقتادة ومالك والشافعي, وإسحاق وقال أبو الخطاب: إن قضاه خيرا منه أو زاده زيادة بعد الوفاء من غير مواطأة, فعلى روايتين وروي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن عمر, أنه يأخذ مثل قرضه ولا يأخذ فضلا لأنه إذا أخذ فضلا كان قرضا جر منفعة ولنا أن النبي - ﷺ- استسلف بكرا, فرد خيرا منه وقال: (خيركم أحسنكم قضاء) متفق عليه وللبخاري: (أفضلكم أحسنكم قضاء) ولأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه, فحلت كما لو لم يكن قرض وقال ابن أبي موسى: إذا زاده بعد الوفاء فعاد المستقرض بعد ذلك يلتمس منه قرضا ثانيا, ففعل لم يأخذ منه إلا مثل ما أعطاه فإن أخذ زيادة, أو أجود مما أعطاه كان حراما قولا واحدا وإن كان الرجل معروفا بحسن القضاء, لم يكره إقراضه وقال القاضي: فيه وجه آخر أنه يكره لأنه يطمع في حسن عادته وهذا غير صحيح فإن النبي - ﷺ - كان معروفا بحسن القضاء فهل يسوغ لأحد أن يقول: إن إقراضه مكروه, ولأن المعروف بحسن القضاء خير الناس وأفضلهم وهو أولى الناس بقضاء حاجته وإجابة مسألته, وتفريج كربته فلا يجوز أن يكون ذلك مكروها وإنما يمنع من الزيادة المشروطة ولو أقرضه مكسرة, فجاءه مكانها بصحاح بغير شرط جاز وإن جاءه بصحاح أقل منها فأخذها بجميع حقه, لم يجز قولا واحدا لأن ذلك معاوضة للنقد بأقل منه فكان ربا.

فصل: وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه, وكان ذلك مما يجري فيه الربا لم يجز لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه وإن كان في غيره لم يجز أيضا وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي, وفي الوجه الآخر يجوز لأن القرض جعل للرفق بالمستقرض وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه, بخلاف الزيادة ولنا أن القرض يقتضي المثل فشرط النقصان يخالف مقتضاه فلم يجز, كشرط الزيادة.

فصل: ولو اقترض من رجل نصف دينار فدفع إليه دينارا صحيحا وقال: نصفه قضاء, ونصفه وديعة عندك أو سلما في شيء صح وإن امتنع المقرض من قبوله, فله ذلك لأن عليه في الشركة ضررا ولو اشترى بالنصف الثاني من الدينار سلعة جاز إلا أن يكون ذلك عن مشارطة, فقال: أقضيك صحيحا بشرط إني آخذ منك بنصفه الباقي قميصا فإنه لا يجوز لأنه لم يدفع إليه صحيحا إلا ليعطيه بالنصف الباقي فضل ما بين الصحيح والمكسور من النصف المقضي ولو لم يكن شرطا جاز فإن ترك النصف الآخر عنده وديعة جاز, وكانا شريكين فيه وإن اتفقا على كسره كسراه فإن اختلفا لم يجبر أحدهما على كسره لأنه ينقص قيمته.

فصل: ولو أفلس غريمه, فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئا معلوما جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له ولو كان له عليه حنطة فأقرضه ما يشتري به حنطة يوفيه إياها, لم يكن محرما لذلك ولو أراد رجل أن يبعث إلى عياله نفقة فأقرضها رجلا على أن يدفعها إلى عياله فلا بأس, إذا لم يأخذ عليها شيئا ولو أقرض أكاره ما يشتري به بقرا يعمل عليها في أرضه أو بذرا يبذره فيها فإن شرط ذلك في القرض, لم يجز لأنه شرط ما ينتفع به فأشبه شرط الزيادة وإن لم يكن شرطا فقال ابن أبي موسى: لا يجوز لأنه قرض جر منفعة قال: ولو قال: أقرضني ألفا, وادفع إلى أرضك أزرعها بالثلث كان خبيثا والأولى جواز ذلك إذا لم يكن مشروطا لأن الحاجة داعية إليه والمستقرض إنما يقصد نفع نفسه, وإنما يحصل انتفاع المقرض ضمنا فأشبه أخذ السفتجة به وإيفاءه في بلد آخر, ولأنه مصلحة لهما جميعا فأشبه ما ذكرنا.

فصل: قال أحمد في من اقترض من رجل دراهم, وابتاع بها منه شيئا فخرجت زيوفا: فالبيع جائز ولا يرجع عليه بشيء يعني لا يرجع البائع على المشتري ببدل الثمن لأنها دراهمه, فعيبها عليه وإنما له على المشتري بدل ما أقرضه إياه بصفته زيوفا وهذا يحتمل أنه أراد فيما إذا باعه السلعة بها وهو يعلم عيبها فأما إن باعه في ذمته بدراهم ثم قبض هذه بدلا عنها غير عالم بها, فينبغي أن يجب له دراهم خالية من العيب ويرد هذه عليه وللمشتري ردها على البائع, وفاء عن القرض ويبقى الثمن في ذمته وإن حسبها على البائع وفاء عن القرض ووفاه الثمن جيدا, جاز قال: ولو أقرض رجلا دراهم وقال: إذا مت فأنت في حل كانت وصية وإن قال: إن مت فأنت في حل لم يصح وذلك لأن هذا إبراء معلق على شرط ولا يصح تعليقه على الشروط, والأول وصية لأنه علق ذلك على موت نفسه والوصية جائزة قال: ولو أقرضه تسعين دينارا بمائة عددا والوزن واحد وكانت لا تنفق في مكان إلا بالوزن, جاز وإن كانت تنفق برءوسها فلا وذلك لأنها إذا كانت تنفق في مكان برءوسها كان ذلك زيادة, لأن التسعين من المائة تقوم مقام التسعين التي أقرضه إياها ويستفضل عشرة ولا يجوز اشتراط الزيادة, وإذا كانت لا تنفق إلا بالوزن فلا زيادة فيها وإن كثر عددها قال: ولو قال: اقترض لي من فلان مائة ولك عشرة فلا بأس, ولو قال: اكفل عني ولك ألف لم يجز وذلك لأن قوله: اقترض لي ولك عشرة جعالة على فعل مباح فجازت كما لو قال: ابن لي هذا الحائط ولك عشرة وأما الكفالة, فإن الكفيل يلزمه الدين فإذا أداه وجب له على المكفول عنه فصار كالقرض, فإذا أخذ عوضا صار القرض جارا للمنفعة فلم يجز.

فصل: قد ذكرنا أن المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا, أو كان بحاله ولو كان ما أقرضه موجودا بعينه فرده من غير عيب يحدث فيه لزم قبوله, سواء تغير سعره أو لم يتغير وإن حدث به عيب لم يلزمه قبوله وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان, وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها ولم يلزمه قبولها, سواء كانت قائمة في يده أو استهلكها لأنها تعيبت في ملكه نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة وقال: يقومها كم تساوي يوم أخذها؟ ثم يعطيه وسواء نقصت قيمتها قليلا أو كثيرا قال القاضي: هذا إذا اتفق الناس على تركها, فأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزم أخذها وقال مالك والليث بن سعد, والشافعي: ليس له إلا مثل ما أقرضه لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها فجرى مجرى نقص سعرها ولنا أن تحريم السلطان لها منع إنفاقها وإبطال ماليتها, فأشبه كسرها أو تلف أجزائها وأما رخص السعر فلا يمنع ردها, سواء كان كثيرا مثل إن كانت عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق, أو قليلا لأنه لم يحدث فيها شيء إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت.

فصل: وإذا أقرضه ما لحمله مؤنة, ثم طالبه بمثله ببلد آخر لم يلزمه لأنه لا يلزمه حمله له إلى ذلك البلد فإن طالبه بالقيمة لزمه لأنه لا مؤنة لحملها فإن تبرع المستقرض بدفع المثل وأبى المقرض قبوله, فله ذلك لأن عليه ضررا في قبضه لأنه ربما احتاج إلى حمله إلى المكان الذي أقرضه فيه, وله المطالبة بقيمة ذلك في البلد الذي أقرضه فيه لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه وإن كان القرض أثمانا أو ما لا مؤنة في حمله, وطالبه بها وهما ببلد آخر لزمه دفعه إليه لأن تسليمه إليه في هذا البلد وغيره واحد.

فصل: وإن أقرض ذمي ذميا خمرا, ثم أسلما أو أحدهما بطل القرض ولم يجب على المقترض شيء سواء كان هو المسلم أو الآخر لأنه إذا أسلم لم يجز أن يجب عليه خمر لعدم ماليتها, ولا يجب بدلها لأنها لا قيمة لها ولذلك لا يضمنها إذا أتلفها وإن كان المسلم الآخر لم يجب له شيء لذلك.