المطلقة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المطلقة
  ► "قصيدة للشيخ معروف الرصافي الشاعر العراقي الشهير ينتصر فيها لمذهب الإمام ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان»". عن مجلة المنار، مجلد13 ج2 ص128 صفر 1328 ◄  

بدت كالشمس يحضنها الغروب ** فتاة راع نضرتها الشحوب

منزهة عن الفحشاء خود ** من الخفرات آنسة عروب

نور تستجد بها المعالي ** وتبلى دون عفتها العيوب

صفا ماء الشباب بوجنتيها ** فحامت حول رونقه القلوب

ولكن الشوائب أدركته ** فعاد وصفوه كدر مشوب

ذوى منها الجمال الغض وجدا ** وكاد يجف ناعمه الرطيب

أصابت من شيبتها الليالي ** ولم يدرك ذؤابتها المشيب

وقد خلب العقول لها جبين ** تلوح على أسرّته النكوب

ألا إن الجمال إذا علاه ** نقاب الحزن منظره عجيب

حليلة طيب الأعراق زالت ** به عنها وعنه بها الكروب

رعى ورعت فلم تر قط منه ** ولم ير قط منها ما يريب

توثق حبل ودهما حضورا ** ولم ينكث توثقه المغيب

فغاضب زوجها الخلطاء يوما ** بأمر للخلاف به نشوب

فأقسم بالطلاق لهم يمينا ** وتلك النية خطأ وحوب

وطلقها على جهل ثلاثا ** كذلك يجهل الرجل الغضوب

وأفتى بالطلاق طلاق بت ** ذوو فتيا تعصبهم عصيب

فبانت عنه لم تأت الدنايا ** ولم يعلق بها الذام المعيب

فظلت وهي باكية تنادي ** بصوت منه ترتجف القلوب

لماذا يا نجيب صرمت حبلي ** وهل أذنبت عندك يا نجيب

وما لك قد جفوت جفاء قالٍ ** وصرت إذا دعوتك لا تجيب

أبِنْ ذنبي اليّ فدتك نفسي ** فإني عنه بعدئذ أتوب

أما عاهدتني بالله أن لا ** يفرق بيننا إلا شعوب

لئن فارقتني وصددت عني ** فقلبي لا يفارقه الوجيب

وما إدماء ترتع حول روض ** ويرتع خلفها رشا ربيب

فما لفتت إليه الجيد حتى ** تخطفه بآزمتيه ذيب

فراحت من تحرقها عليه ** بداء مالها فيه طبيب

تشم الأرض تطلب منه ريحا ** وتنجب والبغام هو النحيب

وتمزع في الفلاة لغير وجه ** وآونة لمصرعه تؤوب

بأجزع من فؤادي يوم قالوا ** برغم منك فارقك الحبيب

فأطرق رأسه خجلا وأغضى ** وقال ودمع عينيه سكوب

نجيبة اقصري عني فإني ** كفاني من لظي الندم اللهيب

وما والله هجرك باختياري ** ولكن هكذا جرت الخطوب

فليس يزول حبك من فؤادي ** وليس العيش دونك لي يطيب

ولا أسلو هواك وكيف أسلو ** هوى كالروح في له دبيب

سلي عني الكواكب وهي تسري ** بجنح الليل تطلع أو تغيب

فكم غالبتها بهواك سهدا ** ونجم القطب مطلع رقيب

خذي من نور "رنتجن" شعاعا ** به للعين تنكشف الغيوب

وألقيه بصدري وانظريني ** ترى قلبي عليك به ندوب

وما المكبول ألقى في خضم ** به الأمواج تصعد أو تصوب

فراح يغطه التيار غطا ** إلى أن تم فيه له الرسوب

بأهلك يا ابنة الأمجاد مني ** إذا أنا لم يعد بك لي نصيب

ألا قل في الطلاق لموقعيه ** بما في الشرع ليس له وجوب

غلوتم في ديانتكم غلوا ** يضيق ببعضه الشرع الرحيب

أراد الله تيسيرا وأنتم ** من التعسير عندكم ضروب

وقد حلت بأمتكم كروب ** لكم فيهن لا لهم الذنوب

وهَى حبل الزواج ورقَّ حتى ** كاد إذا نفخت له يذوب

كخيط من لعاب الشمس أدلت ** به في الجو هاجرة حلوب

يمزقه من الأفواه نفث ** ويقطعه من النسم الهبوب

فدى ابن القيم الفقهاء كم قد ** دعاهم للصواب فلم يجيبوا

ففي إعلامه للناس رشد** ومزدجر لمن هو مستريب

نحا فيما أتاه طريق علم ** نحاها شيخه الحبر الأديب

وبين حكم دين الله لكن ** من الغالين لم تعه القلوب

لعل الله يحدث بعدُ أمرا ** لنا فيخيب منهم من يخيب