الصارم المنكي في الرد على السبكي/الباب الخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الصارم المنكي في الرد على السبكي
الباب الخامس
ابن عبد الهادي

الباب الخامس

في تقرير كون الزيارة قربة وذلك بالكتاب والسنة والإجماع والقياس

قال المعترض

وأما الكتاب: فقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } دلت الآية على حث على المجيء إلى رسول الله ﷺ والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة فهي رتبة له ﷺ لا تنقطع بموته تعظيما له.

فإن قلت: المجيء إليه في حال الحياة ليستغفر لهم وبعد الموت ليس كذلك قلت: دلت الآية على تعليق وجدانهم الله توابا رحيما بثلاثة أمور: المجيء واستغفارهم واستغفار الرسول. فأما استغفار الرسول فإنه حاصل لجميع المؤمنين، لأن رسول الله ﷺ استغفر للمؤمنين لقوله تعالى: « واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات » ولهذا قال عاصم بن سليمان - وهو تابعي - لعبد الله بن سرجس الصحابي: استغفر لك رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية. رواه مسلم [1].

فقد ثبت أحد الأمور الثلاثة، وهو استغفار الرسول ﷺ لكل مؤمن ومؤمنة، فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته، وليس في الآية ما يعين أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم، بل هي محتملة [2]. والمعنى يقتضي بالنسبة إلى استغفار الرسول أنه سواء تقدم أم تأخر، فإن المقصود إدخالهم بمجيئهم واستغفارهم تحت من يشمله استغفار الرسول ﷺ، وإنما يحتاج إلى المعنى المذكور إذا جعلنا استغفار لهم الرسول معطوفا على "فاستغفروا الله" أما إن جعلناه معطوفا على "جاءوك" لم يحتج إليه، هذا كله إن سلمنا أن النبي ﷺ لا يستغفر بعد الموت، ونحن لا نسلم ذلك لما سنذكره من حياته ﷺ واستغفاره لأمته بعد موته، جاء مستغفرا ربه تعالى، فقد ثبت على كل تقدير أن الأمور الثلاثة المذكورة في الآية حاصلة لمن يجيء إليه ﷺ مستغفرا في حياته وبعد مماته.

والآية وإن وردت في أقوام معينين في حالة الحياة فتعم بعموم العلة كل من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت. ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبوا لمن أتى قبر النبي ﷺ أن يتلوا هذه الآية ويستغفر الله تعالى، وحكاية العتبي في ذلك مشهورة وقد حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب والمؤرخون وكلهم استحسنوها ورأوها من أدب الزائر ومما ينبغي له أن يفعله، وقد ذكرناها في آخر الباب الثالث. انتهى ما ذكره.

والجواب أن يقال

قوله: وهي قربة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، الكلام عليه من وجوه.

الأول: مطالبته بتصحيح دعواه وإلا كانت مجردة عما يثبتها.

الثاني: أن القربة هي ما يجعله الله ورسوله قربة، إما بأمره، وإما باختياره إنها قربة وإما بالثناء على فاعلها، وإما يجعل الفعل سببا لثواب يتعلق عليه، أو تكفير سيئات، أو غير ذلك من الوجوه التي يستدل بها على كون الفعل محبوبا لله مقربا إليه.

الثالث: إنه لا يكفي مجرد كون الفعل محبوبا له في كونه قربة، وإنما يكون قربة إذا لم يستلزم أمرا مبغوضا مكروها له أو تفويت أمر هو أحب إليه من ذلك الفعل، وأما إذا استلزم ذلك فلا يكون قربة، وهذا كما أن إعطاء غير المؤلفة قلوبهم من فقراء المسلمين وذوي الحاجات منهم؛ وإن كان محبوبا لله فإنه لا يكون قربة إذا تضمن فوات ما هو أحب إليه من إعطاء من يحصل بعطيته قوة في الإسلام وأهله، وإن كان قويا غنيا غير مستحق.

وكذلك التخلي لنوافل العبادات إنما يكون قربة إذا لم يستلزم تعطيل الجهاد الذي هو أحب إلى الله سبحانه من تلك النوافل، وحينئذ فلا يكون قربة في تلك الحال، وإن كان قربة في غيرها.

وكذلك الصلاة في وقت النهي إنما لم تكن قربة لاستلزامها ما يبغضه الله سبحانه ويكرهه من التشبه ظاهرا بأعدائه الذين يسجدون للشمس في ذلك الوقت.

فها هنا أمران يمنعان كون الفعل قربة: استلزامه لأمر مبغوض مكروه وتفويته لمحبوب هو أحب إلى الله من ذلك الفعل.

ومن تأمل هذا الموضع أحق التأمل أطلعه على سر الشريعة ومراتب الأعمال وتفاوتها في الحب والبغض والضر والنفع، بحسب قوة فهمه وإدراكه ومواد توفيق الله له، بل مبنى الشريعة على هذه القاعدة، وهي تحصيل خير الخيرين وتفويت أدناهما، وتعطيل شر الشرين باحتمال أدناهما. بل مصالح الدنيا كلها قائمة على هذا الأصل.

وتأمل نهي النبي ﷺ أولا عن زيارة القبور سدا لذريعة الشرك وإن فاتت مصلحة الزيارة، ثم لما استقر التوحيد في قلوبهم وتمكن منها غاية التمكن أذن في القدر النافع من الزيارة وحرم ما هو داع إلى غيره، فحرم اتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها والصلاة إليها فحرم جعلها قبلة ومسجدا، ونهى عن اتخاذ قبره الكريم عيدا وسأل ربه تعالى أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، وقد استجاب له ربه تعالى بأن حال بين قبره وبين المشركين بما لم يبق معه لهم وصول إلى عبادة قبره، وأمر الأمة بالصلاة عليه حيثما كانوا عقب قوله: « لا تتخذوا قبري عيدا » فقال: « وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ».

فهو ﷺ أحرص الناس على تحصيل القرب لأمته وقطع أسباب أضدادها عنهم، وإنما دخل الداخل على من ضعفت بصيرته في الدين، وكانت بضاعته في العلم مزجاة فلم يتسع صدره للجمع بين الأمرين ولم يفطن لارتباط أحدهما بالآخر.

وهذا القدر بعينه هو الذي ضاقت عنه عقول الخوارج وقصرت عنه أفهامهم حتى قال له قائلهم في قسمته: اعدل فإنك لم تعدل. [3] فإنه لما لحظ مصلحة التسوية ولم يلتفت إلى مصلحة الإيثار وما يترتب على فواته من المفاسد قال ما قال، هؤلاء سلف كل متمعقل متمعلم على ما جاء به الرسول بعقله أو رأيه أو قياسه أو ذوقه.

والمقصود أن كون الفعل قربة ملحوظة فيه هذان الأمران.

الوجه الرابع: أنه كيف يتقرب إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه بعين ما نهى عنه وحذر منه الأمة بقوله: « لا تتخذوا قبري عيدا » ومعلوم أن جعل الزيارة من أفضل القرب مستلزم لجعل القبر من أجل الأعياد، وهذا ضد ما حذر منه الأمة ونهاهم عنه وهو تقرب إليه بما يسخطه ويبغضه.

الوجه الخامس: الكلام على ما ذكره من الأدلة مفصلا وبيان عدم دلالته على ما ادعاه وأنه هو وغيره عاجز عن إقامة دليل واحد فضلا عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

فأما استدلاله بقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ } فالكلام فيها في مقامين:

أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبة. الثاني: بيان دلالتها على نقيضه، وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت له وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذا ظلم نفسه وأخبر أنه من المنافقين فقال تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، ثم لم يجئ إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له، فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنب، وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي وكان هذا فرقا بينهم وبين المنافقين. فلما استأثر الله عز وجل بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول "يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي" ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت وافترى على الصحابة والتابعين وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له لمن لا توبة له من الناس ولا يعد في أهل العلم. وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه ولم يفعله أحد منهم البتة؛ بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية.

ولما كان هذا المنقول شجا في حلوق البغاة وقذى في عيونهم وريبة في قلوبه قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحيى منهم من أهل العلم بالآثار قابله بالتحريف والتبديل. ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق ويظهر أدلته ليهتدي المسترشد وتقوم الحجة على المعاند فيعلي الله بالحق من يشاء ويضع بِردّه وبطره وغمص أهله من يشاء.

وبالله العجب، أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجود وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له؟ وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل قطعا، ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة.

ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه، وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في رده، وإنما ننبه عليه بعض التنبيه.

ومما يدل على بطلان تأويله قطعا أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذموما غاية الذم مغموصا بالنفاق، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له. ومن سوى بين الأمرين وبين المدعويين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق.

وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ } وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة. ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها ووفق لها هؤلاء الغلاة العصاة. وهذا بخلاف قوله: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيا أو ميتا ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه. يوضح ذلك أنه قال: « لا تجعلوا قبري عيدا » ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذه مضادة صريحة لدينه وما جاء به.

فصل

والمعترض قرر هذا التأويل على تقدير حياة النبي ﷺ وموته، وقد تبين بطلانه ولو قدر أنه ﷺ حي في قبره. مع أن هذا التأويل الباطل إنما يتم به. وقوله: « إن من شفقته ﷺ على أمته أنه لا يترك الاستغفار لمن جاء من أمته »، فهذا من أبين الأدلة على بطلان هذا التأويل، فإن هذا لو كان مشروعا بعد موته لأمر به أمته وحضهم عليه ورغبهم فيه ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ولا شكى إليه ولا سأله. والذي صح عنه من الصحابة مجيء القبر هو ابن عمر وحده: إنما كان يجيء للتسليم عليه ﷺ وعلى صاحبيه عند قدومه من سفر، ولم يكن يزيد عل التسليم شيئا البتة. ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو أجل أصحاب نافع مولى ابن عمر أو من أجلهم: « لا نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر ». ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة ولا تعظيم للرسول فوق تعظيمهم ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، فمن خالفهم إما أن يكون أهدى منهم أو مرتكبا لنوع بدعة، كما قال عبد الله بن مسعود لقوم قد رآهم اجتمعوا على ذكر يقولونه بينهم: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة ضلالة. [4]

فتبين أنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرا بعد موته ممكنا أو مشروعا لكان كمال شفقته ورحمته، بل رافة مرسله ورحمته بالأمة يقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه ومبادرة خير القرون إليه.

وأما قول المعترض: وأما الآية [5] وإن وردت في أقوام معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة: فحق فإنها تعم ما وردت فيه. وكان مثله عامة في حق كل من ظلم نفسه وجاءه كذلك. وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره بعد موته فقد عرف بطلانه. وقوله: "وكذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين"، فيقال له: من فهم هذا من سلف الأمة وأئمة الإسلام؟ فاذكر لنا عن رجل واحد من الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين أو الأئمة الأربعة أو غيرهم من الأئمة وأهل الحديث والتفسير أنه فهم العموم بالمعنى الذي ذكرته أو عمل به أو أرشد إليه، فدعواك على العلماء بطريق العموم هذا الفهم دعوى باطلة ظاهرة البطلان.

وأما حكاية العتبي الذي أشر إليها فإنها حكاية ذكرها بعض الفقهاء والمحدثين وليست بصحيحة ولا ثابتة إلى العتبي، وقد رويت عن غيره بإسناد مظلم كم بينا ذلك فيما تقدم، وهي في الجملة حكاية لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر، الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم وبالله التوفيق.

فإن قيل: فقد روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي، حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله ﷺ بثلاثة أيام فرمى بنفسه إلى قبر النبي ﷺ وحثى على رأسه من ترابه، وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله عز وجل فما وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عز وجل عليك: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك.

والجواب أن هذا خبر منكر موضوع وأثر مختلق مصنوع لا يصح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن يكن هو، فهو متروك كذاب، وإلا فهو مجهول، وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة، ونشأ وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل، ثم انتقل إلى بغداد فسكنها. قال عباس الدوري [6]: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال المجلي وأبو داود: [7] كذاب، وقال أبو حاتم الرازي [8] والنسائي [9] والدولابي [10] والأزدي [11]: متروك الحديث، وقال البخاري [12]: سكتوا عنه أي تركوه، وقال ابن عدي: [13] ما أقل ما له من المسند، وإنما هو صاحب أخبار وأسماء ونسب وأشعار، وقال ابن حبان: [14] كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال الحاكم أبو عبد الله: الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديث منكرة، وقال العباس بن محمد: [15] سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب.

قال المعترض

وأما السنة فما ذكرناه في الباب الأول والثاني من الأحاديث، وهي أدلة على زيارة قبره ﷺ بخصوصه، وفي السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور وقال ﷺ: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها » وقال ﷺ: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ».

وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه آداب زيارة القبور: ورد الأمر بزيارة القبور من حديث بريدة وأنس وعلي وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وأبي بن كعب وأبي ذر رضي الله عنهم، انتهى كلام أبي موسى الأصبهاني. فقبر النبي ﷺ سيد القبور داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها، انتهى ما ذكره المعترض.

وقد تقدم الكلام على ذكره من الأحاديث مستوفى وبُين أن الزيارة المتضمنة ترك مأمور أو فعل محظور ليست بمشروعة. وقد قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الجواب الباهر لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتى به في زيارة المقابر: وقد تنازع المسلمون في زيارة القبور فقال طائفة من السلف: إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري ولم تشتهر، ولما ذكر البخاري باب زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت على القبر. ونقل ابن بطال عن الشعبي قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي. وقال النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور. وعن ابن سيرين مثله. قال ابن بطال، وقد سئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه عليه السلام [ ثم ] أذن فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها وكان النبي ﷺ قد نهى أولا عن زيارة القبور باتفاق العلماء، فقيل لأن ذلك يقضي إلى الشرك، وقيل لأجل النياحة عندها، وقيل لأنهم كانوا يتفاخرون بها، وقد ذكر طائفة من العلماء في قوله: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى، وممن ذكره ابن عطية في تفسيره قال: وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور، أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة لكم العبادة والعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة بذكره، ثم قال النبي ﷺ: « كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزروها ولا تقولوا هجرا » فكان نهيه عن معنى الآية، ثم أباح الزيارة بعد لمعنى اتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر وتسنيمها بالحجارة الرخام وتلوينها سرفا وبنيان النواويس عليها، هذا لفظ ابن عطية.

والمقصود أن العلماء متفقون على أنه كان نهى عن زيارة البور ونهى عن الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير، واختلفوا هل نسخ ذلك، فقالت طائفة لم ينسخ ذلك لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة، ولهذا لم يخرج البخاري ما فيه نسخ عام، وقال الأكثرون بل نسخ ذلك، ثم قالت طائفة منهم إنما نسخ إلى الإباحة فزيارة القبور مباحة لا مستحبة، وهذا قول في مذهب مالك وأحمد وقالوا لأن صيغة افعل بعد الحظر، إنما تفيد الإباحة، كما قال في الحديث، « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها » و « كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا » [16]. وقد روي « ولا تقولوا هجرا » وهذا يدل على أن النهي كان لما يقال عندها من الأقوال المنكرة سدا للذريعة كالنهي عن الانتباذ في الأوعية كان لأن الشدة المطربة تدب فيها ولا يدرى بذلك فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري.

وقال الأكثرون: زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، وكما ثبت عنه في الصحيحين أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات [17]، وثبت في الصحيحين أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا « السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكن العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم » [18] وهذا في زيارة قبور المؤمنين، وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيه لأجل تذكار الآخرة، ولا يجوز الاستغفار لهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: « استأذنت ربي في أن أزور فبرها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ».

والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال الله تعالى: { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار، فإن الزيارة إذا تضمنت أمرا محرما من شرك أو كذب أو ندب أو نياحة وقول هجر، فهي محرمة بالإجماع كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله، فإن هؤلاء زيارتهم محرمة، فإنه لا يقبل دين إلا الإسلام وهو الاستسلام لخالقه وأمره، فنسلم لما قدره الله وقضاه، ونسلم لما يأمر به ويحبه، وهذا نفعله وندعو إليه وذلك نسلمه ونتوكل فيه عليه، فنرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، ونقول في صلاتنا { إياك نعبد وإياك نستعين } مثل قوله { فاعبده وتوكل عليه } وقوله: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }

والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته أو صداقته فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة، كما زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: « زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة » فهذه الزيارة كان ينهى عنها لما كانوا يصنعون من المنكر، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت، فكثير من الناس إذا رأى قريبه وهو مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة وقد يحصل منه جزع فيتعارض الأمران، ونفس الجنس مباح إن قصد به طاعة كان طاعة، وإن عمل معصية كان معصية.

وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة، فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه، لأن النبي ﷺ فعله، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور، وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتي قباء فيصلي في مسجدها، وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتي البقيع وشهداء أحد، كما كان النبي ﷺ يفعل، فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقا من دون الله، ولا يجوز أن تتخذ مساجد، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت. والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم، وهذا مشروع، بل هو فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين.

ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركا محرما بإجماع المسلمين، ولو ندبه وناح لكان أيضا محرما، وهو دون الأول، فمن احتج بزيارة النبي ﷺ لأهل البقيع وأهل أحد على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة، فهو أعظم ضلالا ممن يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز أن يشرك بالميت ويدعى من دون الله ويندب ويناح عليه، كما يفعل ذلك من يستدل بهذا الذي فعله الرسول وهو عبادة الله وطاعة له يثاب عليه الفاعل، وينتفع المدعو له ويرضى به الرب على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء الميت وظلم من العبد لنفسه، كزيارة المشركين وأهل الجزع الذين لا يخلصون لله الذين ولا يسلمون لما حكم به سبحانه وتعالى.

فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله، فهي منهي عنها. وهذه الثانية أعظم إثما من الأولى، ولا يجوز أن يصلى إليها، بل ولا عندها، بل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ فقال: « لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها » رواه مسلم في صحيحه [19].

فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه رسول الله ﷺ واتفق العلماء على أنه غير مشروع، وهو أن يتخذها مساجد ويتخذها وثنا ويتخذها عيدا فلا يجوز أن تقصد للصلاة الشرعية ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ولا أن تتخذ عيدا يجتمع إليها في وقت معين، كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى.

وأما الزيارة الشرعية فهي مستحبة عند الأكثرين، وقيل: كلها منهي عنها كما تقدم،والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن يحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد.

وتفصيل الزيارة على ثلاثة أنواع: منهي عنه، ومباح، ومستحب، وهو الصواب قال مالك وغيره: لا تأت إلا هذه الآثار: مسجد النبي ﷺ ومسجد قباء وأهل البقيع وأحد، فإن النبي ﷺ لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتين المقبرتين، كان يصلي يوم الجمعة في مسجده، ويوم السبت يذهب إلى قباء، كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا، فيصلي فيه ركعتين.

وأما أحاديث النهي فكثيرة ومشهورة في الصحيحين وغيرهما. كقوله ﷺ « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ثم ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد سبق ذكرها غير مرة، ومنه قوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: « إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد »، رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم في صحيحه. وفي سنن أبي داود عنه ﷺ أنه قال: « لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ». وفي موطأ مالك عن النبي ﷺ أنه قال: « اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ».

ثم ذكر الأثر المشهور في سنن سعيد بن منصور وقال [20]: فلما أراد الأئمة اتباع سننه في زيارة قبره والسلام طلبوا ما يعتمدون عليه من سننه، فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « ما من رجل يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام »، وعنه أخذ أبو داود ذلك، فلم يذكر في زيارة قبره غير هذا الحديث، وترجم عليه ( باب زيارة القبر ) مع أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل، فإنه لا يدل على كل ما يسميه الناس زيارة باتفاق المسلمين.

ويبقى الكلام المذكور فيه، هل هو السلام عند القبر، كما كان من دخل عليه عائشة يسلم عليه، أو يتبادل هذا والسلام عليه من خارج الحجرة، فالذين استدلوا به جعلوه متناولا لهذا، وهذا هوغاية ما كان عندهم في هذا الباب عنه ﷺ وهو ﷺ يسمع السلام من القبر، وتبلغه الملائكة الصلاة والسلام من البعد كما في النسائي عنه ﷺ: « إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام » وفي السنن عن أوس بن أوس أن النبي ﷺ قال: « وأكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي »، قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال: « إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء » صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

وذكر مالك في موطئه أن عبد الله بن عمر كان يأتي فيقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. وفي رواية كان إذا قدم من سفر. وعلى هذا اعتمد مالك رحمه الله فيما يفعل عند الحجرة إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن عمر، وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ ومع كثرة الصلاة والسلام عليه، فقد كرهه مالك، وذكر أنه بدعة لم يفعلها السلف ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. والله تعالى أعلم.

قال المعترض

وأما الإجماع فقد حكاه القاضي عياض على ما سبق في الباب الرابع، واعلم أن العلماء مجمعون على أن يستحب للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها للحديث المذكور. وممن حكى إجماع المسلمين على الاستحباب أبو زكريا النووي وقد رأيت في مصنف ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي. وهذا إن صح يحمل على أن الشعبي لم يبلغه الناسخ من أن الشعبي لم يصرح بقول له ومثل هذا لا يقدح. وكذلك رأيت فيه عن إبراهيم قال: كانون يكرهون زيارة القبور. وهذا لم يثبت عندنا ولم يبين إبراهيم الكراهة عمن ولا كيف هي. فقد تكون محمولة على نوع من الزيارة مكروة، ولم أجد شيئا يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين. ومثلهما لا يعارض الأحاديث الصريحة والسنن المستفيضة والمعلومة من سير الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بل لو صح عن الشعبي والنخعي التصريح بالكراهة، لكان ذلك من الأقوال الشاذة التي لا يجوز اتباعها والتعويل عليها. انتهى كلامه.

والجواب من وجوه

أحدها: أن يقال شيخ الإسلام لم يذهب إلى ما نقل عن الشعبي والنخعي في هذا الباب ولم يقل أن زيارة القبور محرمة ولا مكروهة، بل ذكر أنها على أنواع كما تقدم ذكره قريبا، وقال إن زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، فقول المعترض: ولم أجد شيئا يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين، كلام في نهاية السقوط.

الوجه الثاني: "وهذا لم يثبت عندنا فيما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي" كلام ساقط أيضا، وذلك أن هذا الأثر المذكور عن إبراهيم رواه عن منصور بن المعتمر وهو من أثبت الناس في إبراهيم أو أثبتهم، ورواه عن منصور سفيان الثوري وهو أثبت الناس فيه بلا خلاف، ورواه عن الثوري عبد الرزاق وغيره، فقول المعترض: "هذا لم يثبت عندنا" بعد إطلاعه على إسناده ووقوفه عليه يقينا يدل على أنه في غاية الجهالة وفي نهاية العناد واتباع الهوى، وقد علم المبتدئون في هذا العلم القاصرون فيه أن ما رواه سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي من أثبت الروايات وأصح الأسانيد، بل أصح أسانيد أهل الكوفة على الإطلاق الثوري عن منصور عن إبراهيم. فإذا قال القائل فيما نقل بهذا الإسناد "وهذا لم يثبت عندنا" دل على فرط جهله وعمى بصيرته، أو على شدة معاندته ومتابعته هواه. نسأل الله التوفيق.

الوجه الثالث: أنه ليس في المسألة إجماع لتحقيق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفا من حيث الدليل، قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه: [21] مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها، قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها. وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله، قال: وفي مجموعة قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور فقال: كان قد نهى عنه عليه الصلاة والسلام ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا، وليس من عمل الناس. وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها.

فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها. فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا. انتهى ما حكاه الشيخ.

وما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه [22] عن الشعبي قد رواه عبد الرزاق في مصنفه أيضا عنه، فروى الثوري عن مجالد بن سعيد [23] قال: سمعت الشعبي يقول: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي. ومجالد من أصحاب الشعبي، وفيه مقال لبعض أهل العلم من قبل حفظه، وكان الشعبي سمع النهي عن زيارة القبور، ولم يبلغه الناسخ، وروى عبدالرزاق أيضا عن معمر عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: « من زار القبور فليس منا » [24] وهذا مرسل من مراسيل قتادة وهو منسوخ.

وروى عبد الرزاق [25] عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون زيارة القبور، وهذا صحيح ثابت إلى إبراهيم وهو الذي ضعفه المعترض عنه بلا علم، وكثيرا ما يقول إبراهيم النخعي: كانوا يفعلون كذا وكانون يكرهون كذا، والظاهر أنه يريد بهم شيوخه ومن يحمل عنه العلم من أصحاب علي وابن مسعود وغيرهما.

والمقصود أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق، وإن كان قول من خالف الجمهور فيها ضعيفا، وشيخ الإسلام لم يذهب إلى هذا القول المخالف لقول الجمهور، وإنما حكاه غيره من أهل العلم والله أعلم.

قال المعترض

فإنا نقطع ونتحقق من الشريعة بجواز زيارة القبور للرجال وقبر النبي ﷺ داخل في هذا العموم ولكن مقصودنا إثبات الاستحباب له بخصوصه للأدلة الخاصة بخلاف غيره ممن لا يستحب زيارة قبره لخصوصه، بل لعموم زيارة القبور، وبين المعنيين فرق لما لا يخفى، فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص بل أقول: إنه لو ثبت خلاف في زيارة قبر غير النبي ﷺ لم يلزم من ذلك إثبات خلاف في زيارته، لأن زيارة القبر تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ واجب وأما غيره فليس كذلك، ولهذا المعنى أقول والله أعلم: إنه لا فرق في زيارته ﷺ بين الرجال والنساء لذلك ولعدم المحذور في خروج النساء إليه، وأما سائر القبور فمحل الإجماع على استحباب زيارتها للرجال، وأما النساء ففي زيارتهن للقبور أربعة أوجه في مذهبنا:

أشهرها أنها مكروهة جزم به أبو حامد المحاملي وابن الصباغ والجرجاني ونصر المقدسي وابن أبي عصرون وغيرهم. وقال الرافعي: إن الأأكثرين لم يذكروا سواه، وقال النووي: قطع به الجمهور، وصرح بأنها كراهة تنزيه.

والثاني: أنها لا تجوز قاله صاحب المذهب وصاحب البيان.

والثالث: لا تستحب ولا تكره، بل تباح، قاله الروياني.

والرابع: إن كانت لتجديد الحزن والبكاء بالتعديد والنوح على ما جرت به عادتهم فهو حرام، وعليه يحمل الخبر، وإن كانت للاعتبار بغير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد، قاله الشاشي، وفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل معه من الضبط والقوة بحيث لا يبكي ولا يجزع بخلاف المرأة.

واحتج المانعون بقوله ﷺ: « لعن زوارات القبور » [26] رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه من حديث حسان بن ثابت.

واحتج المجوزون بأحاديث منها قوله ﷺ: « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها » وأجاب المانعون بأن هذا خطاب الذكور، ومنها قوله ﷺ للمرأة التي رآها عند قبر تبكي: « اتقي الله واصبري » ولم ينهها عن الزيارة [27] وهو استدلال صحيح. ومنه قول عائشة، كيف أقول يا رسول الله قال: « قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين »، [28] وسنذكره في خروج النبي ﷺ للبقيع وهو استدلال صحيح. انتهى ما ذكره.

والجواب أن يقال

هذا المعترض لو نوقش على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي والخلل واللفظ المجمل لطال الخطاب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم وعنده أدنى علم، وقوله زيارة القبور تعظيم وتعظيم النبي ﷺ واجب الكلام عليه من وجوه.

أحدهما أن يقال: هاتان المقدمتان إن أخذتا على إطلاقهما أنتجتا أن زيارة قبره واجبة، وهو إنتاج لازم للمقدمتين لزوما بينا، فإن الضرب الأول من الشكل الأول والحد الأوسط فيه محمول في الأولى موضوع في الثانية، فتكون النتيجة موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهي زيارة قبره واجبة، ثم يلزم على هذا لوازم منها أن تارك زيارة قبره عاص آثم مستحق للعقوبة منتفي العدالة لا تصح شهادته ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا تفسيق جميع الصحابة إلا من صح عنه منهم الزيارة، ولا ريب أن هذا شر من قول الرافضة الذين فسقوا جمهورهم بتركهم تولية علي، بل هو من جنس قول الخوارج الذين يكفرون بالذنب. لأن تارك هذه الزيارة عنده تارك لتعظيمه، وترك تعظيمه كفر أو ملزوم للكفر، فإن تعظيم الرسول ﷺ من لوازم الإيمان، فعدمه مستلزم للكفر، وعلى هذا فكل من لم يزر قبره فهو كافر، لأنه تارك لتعظيمه ﷺ. ولا ريب أن الرافضة والخوارج لم يصلوا إلى هذا الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة.

يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم، وأما عباد القبور فكفروا بموافقة الرسول في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد التوحيد كفرا وتنقصا، فأين المكفر بالذنب إلى المكفر بموافقة الرسول وتجريد التوحيد؟

يوضحه الوجه الثالث: أن زيارة قبره لو كانت تعظيما له لكانت مما لا يتم الإيمان إلا بها، ولكانت فرضا معينا على كل من استطاع إليها سبيلا، من قرب أو بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض قام به الخلف الذين خلفوا من بعدهم يزعمون أنهم بذلك أولياء الرسول وحزبه القائمون بحقوقه، وما كانوا أولياء إن أولياؤه إلا أهل طاعته والقيام بما جاء به علما ومعرفة وعملا وإرشادا وجهادا والذين جردوا التوحيد الخالق وعرفوا للرسول حقه ووافقوه في تنفيذ ما جاء به والدعوة إليه والذب عنه.

الوجه الرابع: أنه إذا كان زيارة قبره واجبة على الأعيان كانت الهجرة إلى القبر آكد من الهجرة إليه في حياته، فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح كما قال النبي ﷺ: « لا هجرة بعد الفتح ». [29] وعند عباد القبور أن الهجرة إلى القبر فرض معين على من استطاع إليه سبيلا، وليس بخاف أن هذا مراغمة صريحة لما جاء به الرسول وإحداث في دينه ما لم يأذن به وكذب عليه وعلى الله، وهذا من أقبح التنقص.

وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أنه رأى فتيا بخط شيخ الإسلام وفيها:

ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.

فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمنا وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمنا أم كافرا، قال: وقال بعد ذلك: فالزيارة لقرب المؤمن نبيا كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته.

وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى، مقصودها الإشراك بالميت مثل طلب الحوائج منه أو به أو التمسح بقبره وتقبيله أو السجود له ونحو ذلك، فهذا كله لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ولا أحد من السلف لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره.

قال المعترض بعد حكايته هذا الكلام عن الشيخ: وبقي قسم لم يذكره وهو أن تكون للتبرك به من غير إشراك به فهذه ثلاثة أقسام.

أولها: السلام والدعاء له، وقد سلم جوازه وأنه شرعي.

والقسم الثاني: التبرك به والدعاء عنده للزائر، وقال: وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية أنه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه وأن المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين، فكيف بالأنبياء والمرسلين. ومن ادعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء فقد أتى أمرا عظيما نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حط لرتبة النبي ﷺ إلى درجة من سواه من المؤمنين وذلك كفر بيقين. فإن من حط رتبة النبي ﷺ عما يجب له فقد كفر، فإن قال إن هذا ليس بحط ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له، قلت هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدم في أول الباب الخامس الكلام في ذلك. ونحن نقطع بأن النبي ﷺ يستحق التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب في ذلك من في قلبه شيء من الإيمان. هذا كله كلام المعترض.

فانظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهودى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه أن يرمي أتباع الرسول وحزبه وأولياءه برأيه الذي يشهد به عليه كلامه، لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.

الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عباد القبور: أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ أو نوعا خاصا من التعظيم؟ فإن أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره وتقبيله واستلامه والطواف به لأنه من تعظيمه. وقد أنكر ﷺ على من عظمه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، وقال: « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ». ومعلوم أن مطريه إنما قصد تعظيمه. وقال ﷺ لمن قال له "يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا": « عليكم بقولكم ولا تستهوينكم الشيطان. أنا محمد عبد الله ورسوله. والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ». فمن عظمه بما لا يحب فإنما أتى بضد التعظيم، وهذا نفس ما حرمه الرسول صلوات الله وسلامه عليه ونهى عنه وحذر منه.

وأيضا فإن الحلف به تعظيم له، فقولوا يجب على الحالف أن يحلف به، لأنه تعظيم له وتعظيمه واجب. وكذلك تسبيحه وتكبيره والتوكل عليه والذبح باسمه؛ كل هذا تعظيم له. معلوم أن إيجاب هذا مثل إيجاب الحج إليه بالزيارة على من استطاع إليه سبيلا، ولا فرق بينهما. وإن قلتم إنما نوجب نوعا خاصا من التعظيم طولبتم بضابط هذا النوع وحده، والفرق بينه وبين التعظيم الذي لا يجب ولا يجوز، وبيان أن الزيارة من هذا النوع الواجب، وإلا كنتم متناقضين موجبين في الدين ما لم يوجبه الله وشارعين شرعا لم يأذن به الله.

الوجه السادس: أن يقال الصلاة عليه ﷺ كلما خطر بالبال تعظيم له فأرجبوا له هذا التعظيم، وحكموا على من قال لا يجب بأنه تارك لتعظيمه، بل حكموا على من قال لا تجب الصلاة عليه كلما ذكر ولا تجب الصلاة عليه في الصلاة أو لا تجب في العمر إلا مرة أو لا تجب أصلا بأنه تارك للتعظيم، لأن الصلاة عليه تعظيم له بلا ريب، فهل كان أئمة الإسلام وعلماء الأمة نافين لتعظيمه تاركين له بنفيهم الوجوب أم كانوا أشد تعظيما له منكم وأعرف بحقوقه وأحفظ لدينه أن يزاد فيه ما ليس منه.

يوضحه الوجه السابع: إن الذين كرهوا من الفقهاء الصلاة عليه عند الذبح يكونون على قولكم تاركين لتعظيمه، وذلك قادح في إيمانهم، وكذلك من كره أو حرم الحلف به وقال لا تعنقد يمين الحالف به يكون على قولكم تاركا لتعظيمه، لأن الحلف به تعظيم له بلا ريب.

الوجه الثامن: إن القول بعدم وجوب زيارة قبره أو بعدم استحبابها أو بعد جواز شد الرحال لا يقدح في تعظيمه بوجه من الوجوه، وهو بمنزلة قول من قال من أئمة الإسلام لا تجب الصلاة عليه في التشهد الأخير، وبمنزلة قول من قال منهم تكره الصلاة عليه عند الذبح، وبمنزلة قول من قال لا تستحب الصلاة عليه في التشهد الأول، ولا عند التشهد في الأذان. بل قول من نفى وجوب الزيارة أو جواز شد الرحال إلى القبر أولى أن لا يكون منافيا للتعظيم من قول من نفى وجوب الصلاة عليه أو استحبابها في بعض المواضع، لأن الصلاة عليه مأمور بها، وقد ضمن للمصلي عليه مرة أن يصلي الله عليه عشرا، بل الصلاة عليه محض التعظيم له، فنفي وجوبها أو استحبابها في موضع ليس بترك للتعظيم، وليس إنكار وجوب كل من الأمرين قادحا في تعظيمه، بل ذلك عين تعظيمه يدل عليه:

الوجه التاسع: أن تعظيمه هو موافقته في محبة ما يحب وكراهة ما يكره، والرضا بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه ولا يقدم على قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول، ثم يقدم المعقول عليه كما يقوله أئمة هذا المعترض الذين تلقى عنهم أصول دينه وقدم آرائهم، وهو أحسن ظنونهم على كلام الله ورسوله، ثم ينسب ورثة الرسول الموافقين مع أقواله المخالفين لما خالفها إلى ترك التعظيم. وأي إخلال بتعظيمه وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول عن إفادة اليقين وقدم عليه آراء الرجال وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول وآراء الرجال على قوله.

الوجه العاشر: أن إيجاب زيارة قبرة واستحبابها وشد الرحال إليه لأجل تعظيمه يتضمن جعل القبر منسكا يحج إليه كما يحج إلى البيت العتيق كما يفعله عباد القبور ولا سيما فإنهم يأتون عنده بنظير ما يأتي به الحاج من الوقوف والدعاء والتضرع، وكثير منهم يطوف بالقبر ويستلمه ويقبله ويتمسح به، فلم يبق عليه من أعمال المناسك إلا الحلق والنحر ورمي الجمار، فإيجاب الوسيلة إلى هذا المحذور أو استحبابها من أعظم الأمور منافاة لما شرعه الله ورسوله.

وقد آل الأمر بكثير من الجهال إلى النحر عند قبور من يشدون الرحال إلى قبورهم وحلق رؤوسهم عند قبورهم وتسمية زيارتها حجا ومناسك. وصنف فيه بعضهم كتابا سماه مناسك حج المشاهد وكان سبب هذا هو الغلو الذي يظنه من علمه تعظيما ولا ريب أن هذا أكره شيء إلى الرسول قصدا ووسيلة.

الوجه الحادي عشر: أن هذا الذي قصده عباد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذي لأجله حرم رسول الله ﷺ اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها ولعن فاعل ذلك ونهى عن الصلاة إليها وحرم اتخاذ قبره عيدا ودعا ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، ولأجله نهى فضلاء الأمة وساداتها عن ذلك، ولأجله أمر عمر بتعفية قبر دنيال [30] لما ظهر في زمان الصحابة، ولأجله منع مالك من نذر إتيان المدينة وأراد القبر أن يوفي بنذره، ولأجله كره الشافعي أن يعظم قبر مخلوق حتى يجعل مسجدا كما قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا. ولأجله كره مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ، لما يوهم هذا اللفظ من أنه قصد المدينة لأجل زيارة القبر، ولما فيه من تعظيم القبر الزيارة إليه مع كونه أعظم القبور على الإطلاق وأجلها وأشرف قبر على وجه الأرض. فالفتنة بتعظيمه أقرب من الفتنة بتعظيم غيره من القبور، فحمى مالك رحمه الله تعالى الذريعة حتى في اللفظ، ومنع الناذر من إتيانه. ولو كان إتيانه قربة عنده لأوجب الوفاء به، فإن من أصله أن كل طاعة تجب بالنذر سواء كان من جنسها واجب بالشرع أو لم يكن. ولهذا يوجب إتيان مسجد المدينة على من نذر إتيانه، وقد منع ناذر القبر من الوفاء بنذره. فلو كان ذلك عنده قربة لألزمه الوفاء به، ومن رد هذا النقل عنه وكذب الناقل فهو من جنس من افترى الكذب وكذب بالحق لما جاءه، فإن ناقله ممن له لسان صدق في الأمة بالعلم والإمامة والصدق والجلالة، وهو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أحد الأئمة الأعلام، وكان نظير الشافعي وإماما في سائر العلوم حتى قال المبرد: إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف، وروى عن يحيى بن أكثم أنه رآه مقبلا فقال: قد جاءت المدينة. وقد ذكر هذا النقل عن مالك في أشهر كتبه عند أصحابه وأجلها عندهم وهو المبسوط فمن كذبه فهو بمنزلة من كذب مالكا والشافعي وأبا يوسف ونظراءهم. ومتى وصل الهوى بصاحبه إلى هذا الحد فقد فضح نفسه وكفى خصمه مؤنته، ومن جمع أقوال مالك وأجوبته وضم بعضها إلى بعض ثم جمعها إلى أقوال السلف وأجوبتهم قطع بمرادهم وعلم نصيحتهم للأمة وتعظيمهم للرسول وحرصهم على اتباعه وموافقته في تجريد التوحيد وقطع أسباب الشرك. وبهذا جعلهم الله أئمة وجعل لهم لسان صدق في الأمة. فلو ورد عنهم شيء خلاف هذا لكان من المتشابه الذي يرد إلى المحكم من كلامهم وأصولهم، فكيف ولم يصح عنهم حرف واحد يخالفه.

فتبين أن هذا التعظيم الذي قصده عباد القبور هو الذي كرهه أهل العلم وهو الذي حذر منه رسول الله ﷺ ونهى أمته عنه ولعن فاعله وأخبر بشدة غضب الله عليه حيث يقول: « اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد »، ويقول: « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ». ومعلوم قطعا أنهم إنما فعلوا ذلك تعظيما لهم ولقبورهم، فعلم أن من التعظيم للقبور ما يلعن الله فاعله ويشتد غضبه عليه.

الوجه الثاني عشر: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولا من تقديم محبته على نفسه والولد والوالد والناس أجمعين ويصدق هذه المحبة أمران:

أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن تصلي الصبح والعصر، لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم، ونهى أن يقال: "ما شاء الله وشاء فلان". [31] ونهى أن يحلف بغير الله وأخبر أن ذلك شرك. [32] ونهى أن يصلي إلى القبر [33] أو يتخذ مسجدا [34] أو عيدا [35] أو يوقد عليه سراج. وذم [36] من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد فقال له: « بئس الخطيب أنت ». [37] بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة. ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.

الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه والرضا بحكمه والانقياد له والتسليم والإعراض عمن خالفه وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود المألوه المخوف المرجو المستغاث المستعان به المتوكل عليه الذي إليه الرغبة والرهبة وإليه الوجهة والعمل الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب والذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده وأحياهم وحده وأماتهم وحده ويبعثهم وحده ويغفر ويرحم ويهدي ويضل ويسعد ويشقي وحده. وليس لغيره من الأمر شيء كائنا من كان، بل الأمر كله لله.

وأقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم لديه ذكرا وقدرا وأعمهم عنده شفاعة ليس له من الأمر شيء، ولا يعطي أحدا شيئا ولا يمنع أحدا شيئا ولا يملك لأحد ضرا ولا رشدا، وقد قال لأقرب الخلق إليه وهم ابنته وعمه وعمته: « يا فاطمة بنت محمد لا أغني عليك من الله شيئا، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا،، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا ».

فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم النافع للمعظم في معاشه ومعاده الذي هو لازم إيمانه وملزومه. وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير. فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه، فالغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الأجر من وجه دون وجه. وأولياءه سلكوا بين ذلك قواما. وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته والسعي في إظهار دينه وإعلانه كلماته ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه.

وبالجملة: فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله وفيه وتحكيمه وحده والرضا بحكمه وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله: فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده أو تأوله أو فوضه أو أعرض عنه. والله سبحانه يشهد وكفى به شهيدا وملائكته ورسله وأولياؤه إن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، وهم يشهدون على أنهم بذلك. وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم وأقوال متبوعهم على قوله، وأنه لا يستفاد من كلامه يقين وأنه إذا عارضه الرجال قدمت عليه وكان الحكم ما تحكم به. أفلا يستحي من الله ومن العقلاء من هذا حاله في أصول دينه وفروعه أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسوله ناصر له منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه، ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون: { وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون } { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبكم بما كنتم تعملون }.

قال المعترض

وقد خرجنا عن المقصود إلى غرضنا وهو الاستدلال على أن زيارة قبر النبي ﷺ قربة وما يدل على ذلك القياس، وذلك على زيارة النبي ﷺ البقيع وشهداء أحد، وسنيين أن ذلك غير خاص به ﷺ، بل مستحب لغيره، وإذا استحب زيارة قبر غيره ﷺ فقبره أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم.

فإن قلت: الفرق أن غيره يزار للاستغفار له لاحتياجه إلى ذلك، كما فعل النبي ﷺ في زيارة أهل البقيع والنبي ﷺ مستغن عن ذلك.

قلت: زيارته ﷺ إنما هي لتعظيمه والتبرك به ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه كما أنا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم، وسؤال الله له الوسيلة وغير ذلك مما يعلم أنه حاصل له ﷺ بغير سؤالنا ولكن النبي ﷺ أرشدنا إلى ذلك لتكون بدعائنا له متعرضين للرحمة التي رتبها الله على ذلك.

فإن قلت: الفرق أيضا أن غيره لا يخشى فيه محذور، وقبره ﷺ يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد.

قلت: هذا كلام تقشعر منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته فإن فيه تركا لما دلت عليه الدلالة الشرعية بالآراء الفاسدة الخالية، وكيف يقدم على تخصيص قوله ﷺ « زوروا القبور » وعلى ترك قوله: « من زار قبري وجبت له شفاعتي » وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنة، وهذا بخلاف النهي عن اتخاذه مسجدا وكون الصحابة احترزوا عن ذلك للمعنى المذكور، لأن ذلك قد ورد النهي فيه، وليس لنا نحن أن نشرع أحكاما من قبلنا: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } فمن منع زيارة قبر النبي ﷺ فقد شرع من الدين ما لم يأذن له، وقوله مردود عليه، ولو فتحنا باب هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيرا من السنن، بل ومن الواجبات، والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ والمبالغة في ذلك. ومن تأمل القرآن العزيز وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه وما كانت الصحابة يعاملونه به من ذلك امتلأ قلبه إيمانا واحتقر هذا الخيال الفاسد واستنكف أن يصغي إليه. والله تعالى هو الحافظ لدينه، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له. وعلماء المسلمين متكلفون بأن يبينوا للناس ما يجب من الأدب والتعظيم والوقوف عند الحد الذي لا تجوز مجاوزته بالأدلة الشرعية، وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله. ومن أراد الله إضلاله من أفراد الجهال فلن يستطيع أحد هدايته، فمن ترك شيئا من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعما بذلك الأدب مع الربوبية فقد كذب على الله تعالى وضيع ما أمر به في حق رسله، وكما أن من أفرط وجاوز الحد إلى جانب الربوبية فقد كذب على رسول الله وضيع ما أمروا به في حق ربهم سبحانه وتعالى. والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين، وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور، انتهى ما ذكره.

والجواب أن يقال

لا يخفى ما في هذا الكلام من التلبيس والتمويه والغلو والتخليط والقول بغير علم، والمناقشة على جميع ذلك تفضي إلى التطويل، ولكن التنبيه على البعض كاف لمن وفقه الله.

واعلم أن هذا المعترض من أكثر الناس تلبيسا وخلطا للحق بالباطل ولهذا قد يروج كلامه على كثير منهم. وقوله: إن زيارة قبره قياسا على زيارته ﷺ البقيع وشهداء أحد هو من أفسد القياس لما بين الزيارتين من الفرق المبين. وقد أقر المعترض بالفرق بأن زيارته ﷺ لهم إحسان إليهم وترحم عليهم واستغفار لهم وأن زيارة قبره إنما هي لتعظيمه والتبرك به. وكيف يقاس على الزيارة التي لا يتعلق بها مفسدة البتة، بل هي مصلحة محضة، الزيارة التي يخشى بها أعظم الفتنة وتتخذ وسيلة إلى ما يبغضه المَزور ويكرهه ويمقت فاعله، حتى لو كانت الزيارة من أفضل القربات وكانت ذريعة ووسيلة إلى ما يكرهه المزور ويبغضه لنهى عنها طاعة له وتعظيما ومحبة وتوقيرا وسعيا في محابه، كما نهى عن الصلاة التي هي قربة إلى الله في الأوقات المخصوصة لما يستلزم من حصول ما يكرهه الله ويبغضه، ولم يكن في ذلك إخلال بتعظيم الله بل هذا عين تعظيمه وإجلاله وطاعته. فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه سر الفرق بين عباد القبور وأهل التوحيد.

وقوله: إن زيارته سبب لأن تنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه، فيقال له: كأن الرحمة لا تنال بالصلاة والسلام عليه عندك إلا من صلى عليه وسلم عند قبره، وهذا ما لا تقوله أنت ولا أحد من المسلمين معك، فهو كلام فيه تمويه وتلبيس.

قوله: فإن قلت: الفرق أيضا أن غيره لا يخشى فيه محذور وقبره يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعيده، سؤال لا تخفى صحته وقوته على أهل العلم والإيمان، وقوله في جوابه: هذا الكلام تقشعر منه الجلود ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته، فيقال نعم تقشعر منه جلود عباد القبور، الذين إذا دعو إلى عبادة الله وحده وأن لا يشرك به ولا يتخذ من دونه وثن يعبد اشمأزت قلوبهم واقشعرت جلودهم واكفهرت وجوههم، ولا يخفى أن هذا نوع شبه موافقة للذين قال الله فيهم { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ } ثم يقال: أما جلود أهل التوحيد المتبعين للرسول العالمين بمقاصده الموافقين له فيما أحبه ورغب فيه وكرهه وحذر منه، فإنها لا تقشعر من هذا الفرق، بل تزيد قلوبهم وجلودهم طمأنينة وسكينة وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوهم مرض فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته وحقائقه وأسراره إلا رجسا إلى رجسهم، وإذا سلك التوحيد في قلوبهم دفعته قلوبهم وأنكرته ظنا منهم أنه تنقص وهضم للأكابر وإزراء بهم وحط لهم من مراتبهم واتباع هؤلاء ضعفاء العقول، وهم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. وأما أهل العلم والإيمان فإنما تقشعر جلودهم من مخالفة الرسول فيما أمر ومن ترك قوله فيما أخبر، ومن قول القائل وإقراره بأن اليقين لا يستفاد بقوله وأنه يجب تقديم عقول الرجال وآرائهم على قوله إذا خالفها وأنه يجب أو يشرع الحج إلى قبره ويحعل من أعظم الأعياد ويحتج بفعل العوام والطغام على أن هذا من دينه ويقدم هديهم على هدي المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ويستحل تكفير من نهى عن أسباب الشرك والبدع ودعى إلى ما كان عليه خيار الأمة وسادتها، ويستحل عقوبته وينسب إلى التنقص والازراء،، فهذا وأمثاله تقشعر منه جلود أهل العلم والإيمان.

وقوله: إن في هذا الفرق تركا لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخالية – ففي هذا الكلام من قلب الحقائق وترك موجب النصوص النبوية والقواعد الشرعية والمحكم الخاص المقيد إلى المجمل المتشابه العام المطلق، كما يفعله أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ، ما نبينه بحول الله ومعونته وتأييده. فإن النصوص التي صحت عنه ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله من الصلاة عندها وإليها واتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها وشد الرحال إليها وجعلها أعيادا يجتمع لها كما يجتمع للعيد ونحو ذلك صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير. وهو أصل أسباب الشرك والفتنة به في العالم. فكيف يناقض هذا ويعارض بإطلاق « زوروا القبور » وبأحاديث لا يصح شيء منها البتة في زيارة قبره، ولا يثبت منها خبر واحد، ونحن نشهد بالله أنه لم يقل شيئا منها كما نشهد بالله أنه قال تلك النصوص الصحيحة الصريحة. وهؤلاء فرسان الحديث وأئمة النقل ومن إليهم المرجع في الصحيح والسقيم من الآثار. وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لم يصححوا منها خبرا واحدا ولم يحتجوا منها بحديث واحد، بل ضعفوا جميع ما ورد في ذلك وطعنوا فيه وبينوا سبب ضعفه وحكم عليه جماعة منهم بالكذب والوضع.

وكذلك دعواه إجماع السلف والخلف على قوله، فإذا أراد بالسلف المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فلا يخفى أن دعوى إجماعهم مجاهرة بالكذب، وقد ذكرنا غير مرة فيما تقدم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة شيء من هذا إلا عن ابن عمر وحده، فإنه ثبت عنه إتيان القبر للسلام عند القدوم من سفر ولم يصح هذا عن أحد غيره ولم يوافقه عليه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا من الخلفاء الراشدين ولا من غيرهم. وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. وكيف ينسب مالك إلى مخالفة إجماع السلف والخلف في هذه المسألة، وهو أعلم أهل زمانه بعمل أهل المدينة قديما وحديثا، وهو يشاهد التابعين الذين شهدوا الصحابة وهم جيرة المسجد وأتبع الناس للصحابة، ثم يمنع الناذر من إتيان القبر ويخالف إجماع الأمة. وهذا لا يظنه بمالك إلا جاهل كاذب على الصحابة والتابعين وأهل الإجماع، وقد نهى علي بن الحسين زين العابدين الذي هو أفضل أهل بيته وأعلمهم في وقته ذلك الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند القبر فيدخل فيها فيدعو واحتج عليه بما سمعه من أبيه عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: « لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغي أينما كنتم ». وكذلك ابن عمه حسن بن حسن بن علي شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا، وقال للرجل الذي رآه عند القبر: ما لي رأيتك عند القبر، فقال: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: « لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم »،، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.

وكذلك سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الأعلام وقاضي المدينة في عصر التابعين، ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه كان لا يأتي القبر قط، وكان يكره إتيانه. أفيظن بهؤلاء السادة الأعلام أنهم خالفوا الإجماع وتركوا تعظيم صاحب القبر وتنقصوا به؟ فهذا لعمر الله هو الكلام الذي تقشعر منه الجلود وليس مع عباد القبور من الإجماع إلا ما رأوا عليه العوام والطغام في الأعصار التي قل فيها العلم والدين وضعفت فيها السنن وصار المعروف فيها منكرا والمنكر معروفا، من اتخاذ القبر عيدا والحج إليه واتخاذه منسكا للوقوف والدعاء كما يفعل عند موقف الحج بعرفة ومزدلفة وعند الجمرات وحول الكعبة. ولا ريب أن هذا وأمثاله في قلوب عباد القبور لا ينكرونه ولا ينهون عنه، بل يدعون إليه ويرغبون فيه ويحضون عليه ظانين أنه من تعظيم الرسول ﷺ والقيام بحقوقه وأن من لم يوافقهم على ذلك خالفهم فيه فهو منتقص تارك للتعظيم الواجب، وهذا قلب لدين الإسلام وتغيير له. ولولا أن الله سبحانه ضمن لهذا الدين أن لا يزال طائفة من الأمة قائمة به لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة، لجرى عليه ما جرى على دين أهل الكتاب قبله، وكل ذلك باتباع المتشابه وما لا يصح من الحديث وترك النصوص المحكمة الصحيحة الصريحة.

وقوله "إن من منع زيارة قبره فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وليس لنا ذلك" جوابه أن يقال: أما من منع مما منع الله ورسوله منه وحذر مما حذر منه الرسول بعينه ونبه على المفاسد التي حذر منها الرسول ﷺ بتعظيم القبور وجعلها أعيادا واتخاذها أوثانا ومناسك يحج إليها كما يحج إلى البيت العتيق، ويوقف عندها للدعاء والتضرع والابتهال كما يفعل عند مناسك الحج، وجعلها مستغاثا للعالمين ومقصدا للحاجات ونيل الرغبات وتفريج الكربات؛ فإنه لم يشرع دينا لم يأذن به الله، وإنما شرعه من خالف ذلك ودعا إليه ورغب فيه وحض النفوس عليه واستحب الحج إلى القبر وجعله عيدا يجتمع إليه كما يجتمع للعبد، وجعله منسكا للوقوف والسؤال والاستغاثة به. فأي الفريقين الذي شرع من الدين ما لم يأذن به الله إن كنتم تعلمون.

ونحن نناشد عباد القبور: هل هذا الذي ذكرناه عنهم وأضعافه كذب عليهم أو هو أكبر مقاصدهم وحشو قلوبهم، والله المستعان.

قوله: والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم الني ﷺ والمبالغة في ذلك - جوابه أنه قد عرف بما قررناه أهل تعظيمه المتبعون له الموافقون لما جاء به والتارك لتعظيمه بتقرير خلاف ما جاء به والحض على ما حذر منه والتحذير مما رغب فيه وترك ما جاء به لآراء الرجال وعقولهم وتقريره وتقرير سلفه أن اليقين والهدى لا يستفاد بكلامه، وأن ما عليه عباد القبور هو من الغلو لا من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان فلا حاجة إلى إعادته.

قوله: ومن تأمل القرآن وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه وما كنت الصحابة تعامله به من ذلك امتلأ قلبه إيمانا واحتقر هذا الخيال الفاسد واستنكف أن يصغي إليه؛ وجوابه أن يقال: أنت وأضرابك من أقل الناس نصيبا من ذلك التعظيم، وإن كان نصيبكم من الغلو الذي ذمه وكرهه ونهى عنه نصيبا وافرا، فإن أصل هذا التعظيم وقاعدته التي يبنى عليها هو طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر؛ وأنت وأضرابك اكتفيتم من طاعته بأن أقمتم غيره مقامه: تطيعونه فيما قاله وتجعلون كلامه بمنزلة النص المحكم وكلامه المعصوم إن التفتم إليه بمنزلة المتشابه، فما وافق نصوص من اتخذتموه من دونه وقبلتموه وما خالفها تأولتموه أو رددتموه أو أعرضتم عنه ووكلتموه إلى عالمه. فنحن ننشدكم الله هل تتركون نصوص من قلدتموه لنصه أو تتركون نصه لنص من قلدتموه واكتفيتم من خبره عن الله وأسمائه وصفاته بخبر من عظمتموه من المتكلمين الذين أجمع الأئمة الأربعة والسلف على ذمهم والتحذير منهم والحكم عليهم بالبدعة والضلالة فاكتفيتم من خبره عن الله وصفاته بخبر هؤلاء وجعلتم خبرهم قواطع عقلية وأخباره ظواهر لفظية لا تفيد اليقين ولا يجوز تقديمها على أقوال المتكلمين.

ثم مع هذا العزل الحقيقي عظمتم ما يكره تعظيمه من القبور وشرعتم فيها وعندها ضد ما شرعه، وعدتم بهذا التعظيم على مقصوده بالإبطال، فعظمتم بزعمكم ما يكره تعظيمه وتقربتم إليه بما يباعدكم منه واستهنتم بما الإيمان كله في تعظيمه ونبذتموه وراء ظهوركم واتخذتم من دونه من عظمتم أقواله غاية التعظيم حتى قدمتموها عليه، وما أشبه هذا بغلو الرافضة في علي، وهم أشد الناس مخالفة له، وكذلك غلو النصارى في المسيح، وهم من أبعد الناس منه، وإن ظنوا أنهم معظمون له فالشأن كل الشأن في التعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو لازم وملزوم له والتعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا بتركه، فإن إجلاله عن هذا الإجلال واجب وتعظيمه عن هذا التعظيم متعين.

وقوله: إن المبالغة في تعظيمه واجبة - أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين. أم يريد بها التعظيم الذي شرعه الله ورسوله ﷺ من وجوب محبته وطاعته ومعرفة حقوقه وتصديق أخباره وتقديم كلامه على كلام غيره ومخالفة غيره لموافقته ولوازم ذلك، فهذا التعظيم لا يتم الإيمان إلا به، ولكن هذا المعترض وأضرابه عن هذا بمعزل، وإذا أخذ الناس منازلهم من هذا التعظيم فمنزلتهم منه أبعد منزل، وهو وخصومه كما قال الأول:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم ** ونزلتَ بالبيداء أبعدَ منزلِ

وقوله إن من ترك شيئا من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعما بذلك الأدب مع الربوبية إلى آخر كلامه، فنعم. ولكن الشأن في التعظيم المشروع وتركه وهل هو إلا طاعته وتقديمها على طاعة غيره وتقديم خبره على خبر غيره، وتقديم محبته على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. فمن ترك هذا فقد كذب على الله وعصى أمره وترك ما أمر به من التعظيم. وأما جعل قبره الكريم عيدا تشد المطايا إليه كما تشد إلى البيت العتيق، ويصنع عنده ما يكره الله ورسوله ويمقت فاعله ويتخذ موقفا للدعاء وطلب الحاجات وكشف الكربات، فمن جعل ذلك من دينه فقد كذب عليه وبدل دينه، وبالله تعالى التوفيق:

(تم الكتاب بإعانة رب الأرباب فالله الحمد على كل حال وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.)

هامش

  1. أخرجه مسلم 4/1823 – 1824 والترمذي في الشمائل رقم 22.
  2. في كتاب السبكي ( مجملة ) بدلا من قوله ( محتملة ).
  3. أخرجه البخاري 10/552 و 12/290 ومسلم 2/470 – 744 وابن ماجة رقم 172 وأحمد 3/56، 65، 353، 355.
  4. انظر البدع لابن وضاح ص11 فما بعدها.
  5. في كتاب السبكي ( والآية ) بدلا من قوله ( وأما الآية ).
  6. ص 245.
  7. انظر كتاب التاريخ لابن معين رقم 1767.
  8. انظر الميزان 4/324.
  9. الجرح والتعديل 9/85.
  10. انظر الضعفاء والمتروكين ص241 رقم 637.
  11. انظر الكامل لابن عدي 7/2563.
  12. انظر التاريخ الكبير 8/218 والصغير 117.
  13. انظر الكامل 7/2563
  14. انظر المجروحين 3/92، وانظر أيضا المغني 2/717، ولسان الميزان 6/209 والضعفاء للعقيلي 4/252 وتاريخ بغداد 14/53.
  15. انظر تاريخ ابن معين رقم 1768.
  16. انظر صحيح مسلم 3/1584 – 1585.
  17. أخرجه البخاري 3/209 رقم 1344 وانظره برقم 3596، 4042، 4085، 6426، 6590 ومسلم 4/1795، 1796 وأبو داود 3/551 رقم 3223 و 3224 والنسائي 4/61 رقم 1954 جميعا من حديث عقبة بن عامر.
  18. تقدم، وانظر صحيح مسلم 1/218 و 2/69، 670، +671.
  19. رواه مسلم 2/68 وقد تقدم
  20. انظر الجواب الباهر ص49-50.
  21. انظر الرد على الأخنائي ص77.
  22. انظر المصنف 3/569 باب زيارة القبور.
  23. قال فيه البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروي عنه وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئا، وقال ابن المديني قلت ليحيى بن سعيد مجالد قال في نفسي منه شيء وقال أحمد بن سنان القطان سمعت ابن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث أبي أسامة وغيره: ليس بشيء، يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره. وقال أبو طالب عن أحمد: ليس بشيء يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس، وقال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه وقال ابن أبي خثيمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث. كان يحيى بن سعيد يقول لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه. قلت ولم يرفعه قال للضعف وقال ابن أبي حاتم سئل أبي يحتج بمجالد قال: لا وهو أحب إلي من بشر بن حرب وأبي هارون العبدي وشهر بن حوشب وعيسى الخياط ودجاود الأودي وليس مجالد بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي ووثقه مرة وقال ابن عدي له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر وعامة ما يروه غير محفوظ، وقال عمرو بن علي وغيره مات سنة أربع وأربعين ومائة في ذي الحجة حديثه عند مسلم مقرون قلت: وقال يعقوب بن سفيان تكلم الناس فيه وهو صدوق وقال الدارقطني يزيد بن أبي زياد أرجح منه ومجالد لا يعتبر به وقال الساحي قال محمد بن المثنى يحتمل حديثه أصدقه، وقال ابن سعد كان ضعيفا في الحديث وقال العجيلي جائز الحديث إلا أن ابن المهدي كان يقول أشعث بن سوار كان أقرأ منه قال المجلي بن مجالد أرفع من أشعث وكان يحيى بن سعيد يقول: كان مجالد يلقن في الحديث إذا لقن وقال البخاري صدوق وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال الذهبي أورد البخاري في كتاب الضعفاء في ترجمة مجالد حديثا من طريق عن الشعبي عن ابن عباس في فضل فاطمة وهو موضوع صريح ما كان ينبغي أن يذكر في ترجمة مجالد فإن المتهم به رواة واه عن عبد الله بن نمير والآفة من الراوي المذكور فيه أه. من تهذيب التهذيب 10/39-41. انظر التاريخ الكبير للبخاري 8/9 والصغير ص112 والميزان 3/438 والمغني 2/542 والكاشف 3/106 ولسان الميزان 7/349 والجرح والتعديل 8/360 وطبقات ابن سعد 6/349 والضعفاء للعقيلي 4/232 والكامل لابن عدي 6/2414 – 2417 والعبر وشذرات الذهب 1/216 وتاريخ خليفة 420 وطبقاته 16 والكامل في التاريخ 5/512.
  24. انظر مصنف عبد الرزاق 3/569.
  25. انظر مصنف عبد الرزاق 3/569 وإسناده صحيح.
  26. أخرجه البخاري 3/371 رقم 1056 وابن ماجة 1/502 بإسناد صحيح، وأخرجه ابن ماجة 1/502 رقم 1574 من حديث حسان بن ثابت ورقم 1575 من حديث ابن عباس. أما حديث حسان فضعيف في إسناده عبد الرحمن بن يهمان وهو مقبول كما في التقريب لكن يشهد له حديثا أبي هريرة وابن عباس، فهو حسن لغيره وحديث ابن عباس حسن إن شاء الله تعالى.
  27. أخرجه البخاري 3/148 رقم 1283 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
  28. رواه مسلم وقد تقدم تخريجه.
  29. أخرجه البخاري 6/283 وأخرجه أيضا في كتاب الحج الباب رقم 43 وفي الجهاد باب رق 193 وباب رقم 1 وباب رقم 27 ومسلم 2/986 و 3/1486 وأبو داود رقم 2480 والترمذي 4/148 – 149 رقم 1590 والنسائي 7/147 رقم 4170 والدارمي 2/239 وأحمد في مسنده رقم 1991، 2396، 2898 طبعة أحمد شاكر، جميعا من حديث ابن عباس. وأخرجه مسلم 3/1488 من حديث عائشة رضي الله عنها.
  30. انظر هذه القصة في فضائل الشام ودمشق للربعي تخريج الشيخ ناصر، ص50.
  31. يشير إلى ما أخرجه النسائي 7/6 رقم 3773 من حديث قتيلة أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وعله آله وسلم فقال: « إنكم تندون وإنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون ما شاء الله ثم شئت.
  32. يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: « من حلف بغير الله فقد أشرك » وهو حديث صحيح. وقد خرجته وجمعت طرقه في تحقيقي على رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية ( الواسطة بين الحق والخلق ).
  33. يشير إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه ( لا تصلوا إلى القبور … )
  34. يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره، عليه الصلاة والسلام، وتقدم
  35. يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام « لا تجعلوا قبري عيدا » وتقدم تخريجه.
  36. يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام « لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها السرج » وتقدم
  37. الحديث أخرجه مسلم 2/594 من حديث عدي بن حاتم.


الصارم المنكي في الرد على السبكي للحافظ ابن عبد الهادي
تقديم | مقدمة المؤلف | الباب الأول | الباب الثاني | الباب الثالث | الباب الرابع | الباب الخامس