السيوف المشرقة/المقصد الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لنصير الدين محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي، اختصره وشذبه محمود شكري الآلوسي
  ► المقصد الأول في بيان ظهور الرافضة وسبب افتراقهم وعدد فرقهم وبيان أول من لقب الشيعة ومدتهم وذكر مكائدهم المقصد الثاني في الإلهيات المقصد الثالث في مباحث النبوة ◄  



المقصد الثاني في الإلهيات


وفيه مطالب.

المطلب الأول في بيان أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا

ذهبت الإمامية إلى أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بحكم العقل، بناء على أنه لا حاكم بالحسن والقبح سوى العقل، ولا حكم لله تعالى فيهما، بل إن الله تعالى تابع في أفعاله لحكم العقل، ولا يجوز أن يخالفه.

وهذا القول باطل، لأن مبناه على تحكيم العقل، وامتناع العرفان بغيره، وكلاهما ممنوع، وما هو إلا من بعض الظن، ودون إثباته خرط القتاد.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا لقوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها}، وقوله تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض}، وقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار}، ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: "ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها"، وقوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت} وأن الحاكم في الحسن والقبح هو الله تعالى، قال تعالى: {يفعل ما يشاء} و {يحكم ما يريد} وقال تعالى: {لا معقب لحكمه} وقال تعالى: {له الحكم} فإن اللام للاستغراق، وتقديم الخبر يدل على الحصر. وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله} وقال تعالى: {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} نفى الوجوب قبل البعثة لنفي لازمه.

ولما رواه محمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق أنه قال: "ليس لله على خلقه أن يعرفوه، وللخلق على الله أن يعرفهم"، فإنه لو كان العقل حاكما لزم أن يكون الله تعالى في أفعاله محكوما لبعض مخلوقاته بحيث لا يجوز له أن يخالفه قط، وكفى به نقصا.

واحتجت الشيعة على مدعاهم بأن شكر الله تعالى ودفع الخوف واجبان عقلا: أما الأول فلأن من ترك شكر النعم ذمته العقول واستحسنت سلبها عنه. وأما الثاني فلاحتمال أن المنعم قد أراد الشكر من المنعم عليه على النعمة، وأنه إذا لم يشكر سلبها عنه وعاقبه، فيحصل له خوف العقاب وزوال النعمة عنه، وهو قادر على دفعه، ومن لم يدفعه ذمه العقلاء، وهما متوقفان على المعرفة، وهي متوقفة على النظر لا تتم إلا به، وما لا يتم الواجب المطلق المقدور عقلا إلا به فهو واجب عقلا.

وهو باطل؛ لأن الوجوب المتنازع فيه هو ما ترك عليه الثواب والعقاب عند الله تعالى، لا المدح والذم عند العقلاء، ولأن وجوب شكر المنعم عقلا ممنوع، ولأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا كان عبثا، وهو قبيح، ولا فائدة فيه لله تعالى لاستغنائه عنها، ولا للعبد في الدنيا، لأنه متعب ولا حظ للنفس فيه، ولا في الآخرة إذ لا مجال للعقل في الأمور الآخرة.

وما يقال: إن الفائدة هي الأمن من احتمال العقاب في الترك الذي هو لازم الحضور على قلب كل ذي لب أو استحقاق الزيادة فباطل؛ لأن اللزوم ممنوع، بل عدمه معلوم في الأكثر، ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر، واستحقاق المدح معارض لاستحقاق الذم بارتكاب ما يحتمل خوف العقاب، وجلبه للزيادة لا يعلم بالعقل، ولأن الشكر قد يتضمن خوف العقاب؛ لاحتمال أن لا يقع لائقا. ودعوى القطع بعدم العقاب على شكر النعمة مكابرة، أو أنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وادعاء كون هذا التصرف حسنا ممنوع، فإن من بنى مسجدا من مال الغير أو أعطاه مسكينا ذمته العقول، أو لأنه كالاستهزاء كصعلوك شكر ملكا عظيما على كسرة خبز ولقمة طعام قد أخذها بيده بمحضر من أولي الألباب، فإن هذا الشكر يعد استهزاء منه على الملك، فإن ما أعطاه إياه حقير لدى الفقير وغيره، وما أعطاء الله تعالى العبد أحقر عنده من الكسرة واللقمة عند الملك، وكذلك الشكر على نعمة كانت عظيمة لدى المنعم عليه حقيرة لدى المنعم. والعرفان لا يدفع الخوف لقيام احتمال الخطأ، ولا يدفعه اعتقاد أنه مصيب، لأن كل من يأتي بالنظر لا يقطع بعدم احتمال فساده، وربما لعبت به الشكوك.

واحتجت الشيعة أيضا بأنه لو وجب النظر شرعا لزم إفحام الرسل، لأن المكلف يقول: لا يجب علي حتى يثبت الشرع، ولا يثبت حتى أنظر، وأنا لا أنظر. وهو أيضا باطل، لأن الإفحام مشترك، فإنه غير ضروري والمدعى مكابر، فللمكلف أن يقول ذلك بعينه، ولأن النبي يقول له: قد أخبرتك بما إن أذعنت أجداك، وإلا ضرك، وإن كنت في ريب مما أخبرتك به فالتفت إلى معجزتي فإنك إن التفت إليها عرفت صدقي، وإلا هلكت، ولا ضرر علي إن هلكت وهلك سائر الناس أجمعين، وإنما علي البلاغ المبين.

وهذا القول يضاهي قول من قال للواقف في واد من الأودية: إن وراءك يا من هو في غفلة أسد، فإن لم تتزحزح عن هذا الموضع افترسك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي، فقال: لا يثبت صدقك ما لم التفت، ولا أنظر ورائي ما لم يثبت صدقك. فإنه يدل على فرط جهالة الواقف وأنه استهدف نفسه للبلاء والردى. كذا قاله حجة الإسلام الغزالي في الإحياء.

واحتجت أيضا بأنه لو وجب النظر شرعا لزم تكليف العاقل. وهو أيضا باطل، لأنه ليس منه في شيء؛ لأنه يفهم الخطاب، ويتصور التكليف، وإن لم يصدق به.

المطلب الثاني في أن الله تعالى موجود حي عالم سميع بصير قادر

وذهبت الإسماعيلية من الرافضة إلى أنه تعالى ليس بموجود ولا معدوم، ولا واحد ولا متعدد، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا سميع ولا أصم، ولا بصير ولا أعمى، ولا حي ولا ميت. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية من أنه تعالى موجود، واحد، حي، عالم، قادر، سميع، بصير؛ كما نطقت به النصوص، كقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو} فإن الإله إما اسم جنس أو لا، وعلى الأول فالخبر إما محذوف أو لا، والمحذوف إما أن يكون من الأمور الخاصة؛ مثل لنا، أو للخلق، أو مستحق للعبودية، أو غير ذلك مما يناسب المقام، أو من الأمور العامة؛ وهو إما واحد أو متعدد؛ فإن كان واحدا فهو إما موجود؛ ولا حاجة إلى نفي الإمكان للإجماع على أن غير الموجود لا يكون إلها، ولأنه رد لمن يقول بتعدد الآلهة، ولأن الموجود أعم من الموجود بالفعل أو بالقوة، وأما كون وجوده تعالى ممكنا؛ فيعلم من لفظ الله؛ فإنه اسم للذات المستجمعة لجميع الصفات، ومن تلك الصفات الوجود، وإن كان من الأمور الخاصة؛ فالدال عليه لفظ الله أيضا، وإن كان متعددا فهو موجود ممكن، فيفيد وجوده تعالى بالفعل، وعدم إمكان غيره، وأما على تقدير عدم حذف الخبر بناء على لغة بني تميم فإنهم لا يثبتون الخبر لا لفظا ولا تقديرا، فلا بمعنى انتهى اسم فعل، وإلا بمعنى غير صفة الإله، فيفيد أن الله تعالى موجود بصفة العبودية، وغيره ليس بإله. وقد جوز سيبويه وكثير من المتقدمين وقوع إلا صفة مع صحة الاستثناء من غير ضعف، قال سيبويه: "يجوز في قولك لا رآني أحد إلا زيد أن يكون إلا زيد صفة"، وعليه أكثر المتأخرين من النحويين، وعليه قول الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان

وقال صاحب الكشاف: "لا حاجة في هذا المقام إلى هذا الخبر، فإن إلا الله مبتدأ، ولا إله خبره، وأصل التركيب الله إله؛ أي مستحق للعبادة، وأدخل أداة الحصر فقيل: لا إله إلا الله".

وأما دليل باقي الصفات فقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، {قل هو الله أحد * الله الصمد}، {عالم الغيب والشهادة}، {إن الله على كل شيء قدير}، {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}، {وهو السميع البصير} فنفي هذه الصفات عنه تعالى يخالف النصوص، فهو كفر لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولأنه يلزم ارتفاع النقيضين من نفي تلك الصفات وأضدادها، وهو باطل.

المطلب الثالث في بيان أن الإله واحد

ذهبت الخطابية والاثنينية والخمسية والمقنعية إلى أن الإله متعدد. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه جمهور المليين، وغيرهم من العقلاء كالفلاسفة والبراهمة، من أن الله تعالى واحد؛ لإجماع الأنبياء - عليهم السلام - على الدعوة إلى التوحيد، ونفي الشريك في الألوهية، ولنصوص الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما الله إله واحد}، {لا إله إلا هو}، {وإلهكم إله واحد} وغير ذلك. وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، «لا إله إلا الله»، «لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك»، وغير ذلك، ولما صح عن علي وأولاده من طريق أهل السنة والشيعة الإمامية والزيدية والكيسانية والإسماعيلية من أنهم كانوا يبرؤون ممن يقول بتعدد الآلهة. ولأنه لو تعدد الإله فإما أن يكون كل واحد منهما علة مستقلة تامة لوجود العالم، فيلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد بالشخص وهو محال، وإلا يلزم عجز الآخر، والعجز نقص. ولأن المعلول لا بد له من فاعل، والواحد كاف، وما زاد عليه عدد ليس أولى من الآخر، فيفضي ذلك إلى أعداد غير متناهية، وهو محال. ولأنه لو كانا موجودان واجبا الوجود فلا يخلو إما أن يكونا متوافقين في الماهية، أو متباينين فيها، وعلى كلا التقديرين يلزم تركيب كل منهما، أما على التقدير الأول فلتركيب كل منهما في الوجوب والتمايز في الماهية، لأنه لو كان واجبا الوجود متفقين لكان بينهما تمايز، وما به المشاركة بين الشيئين مغاير لما به امتياز كل واحد منهما عن الآخر، فيلزم تركيب كل منهما من جزئين، ثم إن ذينك الجزئين إما أن يكونا واجبين أو لا، فعلى الأول يلزم اشتراكهما في الوجوب والتباين في الماهية، فيكون كل منهما مركبا من جزئين آخرين؛ فيلزم التسلسل وعلى الثاني يلزم أن يكون أحدهما أو كلاهما ممكنا، وقد فرضنا واجبين، هذا خلف، ولأنه لو تعدد الواجب فإما أن يقع تخالف بينهما أو لا، وعلى الأول إما أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم كون الآخر عاجزا، أو يحصل مراد كليهما فيلزم اجتماع النقيضين، وعلى الثاني إما أن يكون قدرة كل منهما وإرادته كافية في وجود العالم؛ فيلزم اجتماع العلتين التامتين على معلول واحد بالشخص، وهو باطل، أو لا شيء منهما كاف، فيلزم أن يكون كل منهما عاجزا، وأن لا يكون خالقا، فلا يكون إلها. ولأنه لو وجد إلهان متصف كل منهما بالعلم والقدرة والإرادة، فوجود مقدور معين، كحركة جسم معين في زمان معين فوقوعه إما أن يكون بهما، فيلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول واحد بالشخص، وإما أن يكون بأحدهما، فيلزم الترجيح بلا مرجح. ولأنه لو وجد إلهان كل منهما جامع لصفات الألوهية، فإذا أراد أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أو لا، وكلاهما محال لاستلزامه اجتماع الضدين، أو لا يقع مراد واحد منهما، وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين المفروضين بكمال القدرة، ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروض امتناع خلو المحل عنهما، كحركة جسم وسكونه في زمان معين، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وهو محال لاستلزامه الترجيح بلا مرجح وعجز من فرض قادرا حيث لم يقدر على ما هو ممكن في نفسه، أعني إرادة الصدور، ولا شك في امتناع احتمال الإرادتين، وهو لا ينافي الإمكان، ولأنه لو تعدد الإله لا يكون العالم، لأن تكونه إما بمجموع القدرتين، وهو باطل لأن من شأن الإله كمال القدرة، وإما بكل منهما على الإنفراد فيلزم عجز الآخر، وهذا البرهان يسمى برهان التمانع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهتان إلا الله لفسدتا} والمراد بالفساد عدم التكون، فالبرهان قطعي، وأما إذا أريد به الخروج عما هو عليه من النظام فإقناعي، وتقريره أنه لو كان إلهان لأمكن وقوع التنازع بينهما والتغالب وذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض بحكم اللزوم العادي، فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام المحسوس، واختل النظام الذي به بقاء الأنواع، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

المطلب الرابع في بيان أن الله تعالى متفرد بالقدم

ذهبت الكاملية والعجلية والرزامية والقرامطة والنزارية إلى أنه تعالى غير متفرد بالقدم، فإن العالم أيضا قديم عندهم. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الفرق الإسلامية والمليون وغيرهم من العقلاء من أن القديم ذات واحدة والعالم حادث، للنصوص كقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام}، {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}، {والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها}، {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى غير ذلك من الآيات. ولأن العالم ممكن، لأنه إما مركب من الهيولى والصورة كما هو مذهب الفلاسفة، أو من الجواهر الفردة كما هو رأي المتكلمين، وواجب الوجود ليس بمركب، فالعالم ليس بواجب الوجود، فهو ممكن الوجود، وكل ممكن محدث، لأن الممكن الموجود لا بد له من مؤثر وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، فالمؤثر في العالم إما أن يكون موجبا بالذات فيلزم قدم الحادث اليومي أو التسلسل، لأن علته إن كانت قديمة لزم قدمه، وإن كانت محدثة لزم التسلسل، وإما أن يكون مختارا وجميع آثار المختار حادثة، لأن المختار إنما يفعل بالقصد إلى الفعل، وهو لا يتوجه إلى شيء حاصل، وإنما يتوجه نحو أمر معدوم، وإلا لزم تحصيل الحاصل.

واحتج من قال بقدم العالم بأن العلة التامة المستجمعة لشروط التأثير إن كانت قديمة لزم قدم العالم، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى، وتلك العلة الأخرى إما قديمة فيلزم قدم الحادث، ومحدثة فيلزم ما لزم وهكذا، فإما أن يدور أو يتسلسل.

والجواب أن الباري -عز اسمه- قادر مختار، ولا يلزم من وجود القادر المختار وجود أثره معه، لأنه يجوز أن يكون تخصصه بوقت دون وقت لا لأمر، والضرورة قاضية بالفرق بين القادر وبين الموجب بهذا المعنى.

المطلب الخامس في أن الله تعالى أبدي لا يصح عليه الفناء لا يشارك في ذلك

ذهبت المنصورية والكاملية والمعمرية والجناحية والرزامية والقرامطة والنزارية إلى أن الله تعالى ليس بمتفرد في الأبدية وعدم الفناء، فإن العالم يشاركه في ذلك، فإنه لا يصح عليه الفناء بل يستحيل عدمه. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الفرق الإسلامية وجميع المليين أنه تعالى متفرد بعدم صحة الفناء، للنصوص من الآيات والأخبار الصحيحة المتواترة الدالة على وجود الدنيا والآخرة وفناء السماوات والأرض وما فيهما، ولأن العالم ممكن، والممكن يجوز عدمه.

واحتجوا على ذلك بأن العالم فعل الواجب وأثره، فيلزم بدوامه دوامه، وهو باطل لما سيجيء - إن شاء الله تعالى - من أن الواجب قادر مختار.

واحتجوا أيضا بأن الزمان يستحيل عدمه، وإلا لكان عدمه بعد وجوده بعدية بالزمان، فيكون الزمان موجودا حال فرضه معدوما، هذا خلف، فالحركة تستحيل، فإن الزمان مقدار الحركة، فالجسم يستحيل لأن الحركة عرض يستحيل وجودها بدون الجسم.

والجواب أنا لا نسلم أن التقدم يفتقر إلى زمان، فإن أجزاء الزمان يتقدم بعضها على بعض من غير افتقار إلى زمان.

المطلب السادس في أن لله تعالى صفات ثبوتية أزلية

ذهبت الرافضة إلى أن ليس لله تعالى صفة، فلا حياة له ولا قدرة ولا علم ولا سمع ولا بصر، بل هو حي لا حياة له، وقادر لا قدرة له، وعالم لا علم له، وسميع لا سمع له، وبصير لا بصر له. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن له سبحانه صفات أزلية ثبوتية، وهي العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام، وزادت الحنفية التكوين، والأشعرية البقاء. فإن النصوص دالة على وجود العلم والقدرة لقوله سبحانه: {أنزله بعلمه}، {ولا يحيطون بشيء من علمه}، {إنما أنزل بعلم الله}، {أن القوة لله}، {هو الرزاق ذو القوة المتين} ولأن كل من هو عالم فله علم، إذ لا يعقل من العالم إلا ذلك، وكذا القادر وغيره.

واحتجت الرافضة على مدعاهم بأنه لو كان له صفة فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو حادثة؛ فعلى الأول يلزم تعدد القدماء، وهو ينافي التوحيد، وقد كفرت النصارى القائلين بتعدد القدماء، وعلى الثاني يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى، وخلوه في الأزل من صفات الكمال. والجواب أن تعدد القدماء إنما ينافي التوحيد لو كانت ذواتا قديمة مستقلة بالألوهية، وله صفات وقدمها لقدم الذات، فلا ينافي التوحيد. وإن ما كفرت النصارى لأنهم افترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: إن الله هو المسيح بن مريم، وقالت فرقة: الآلهة ثلاثة، وقالت فرقة: الإله اثنان، كما نص عليه الكتاب العزيز، ثم بعد ظهور الملة الحنيفية اتفقوا على أن الله تعالى هو جوهر واحد له أقانيم ثلاثة، يعنون بها الصفات، وهي الوجود والعلم والحياة، المعبر عنها بالأب والابن وروح القدس، ومثلوه بالسراج، وأن أقنوم العلم اتحد بجسد عيسى، وتدرعت بناسوته، ثم افترقوا على ثلاث فرق: الملكانية والنسطورية واليعقوبية. فقالت النسطورية: تدرعت بطريق الإشراق كما تشرق الشمس من الكوة على شيء. وقالت الملكانية: تدرعت بطريق الامتزاج كالراح والماء. وقالت اليعقوبية: بطريق الانقلاب حتى صار الإله هو المسيح بن مريم، ومن هؤلاء من زعم أنه تركب اللاهوت والناسوت كالنفس من البدن، واتفقوا على أن كل أقنوم أزلي قائم بنفسه، وقد ينتقل وينزل. وقد استدلوا على ذلك بما في الإصحاح الخامس من إنجيل متى والأول من إنجيل مرقص والتاسع من إنجيل لوقا والثامن من إنجيل يوحنا أن يوحنا بن دخرما قال: "إن روح القدس بصورة الحمامة نزل من السماء وحل في اليسوع". وكل ذلك كفر صريح، ولأن التعدد إنما يلزم لو تغاير الذات مع الصفات، والصفات بعضها مع بعض آخر؛ وليس كذلك، فإن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، وكذا الصفات بعضها من بعض. وليس هذا رفع للنقيضين لأن المراد بها أنها ليست عين الذات بحسب المفهوم، ولا غيرها بحسب الوجود، كما في سائر المحمولات، ولا يختص هذا بالمشتقات المحمولة على الذوات، بل يوجد في مباديها أيضا، فإن الوجود ليس عين الماهية فهو ما ولا غيرها ذاتا.

المطلب السابع في أن صفات الله تعالى قديمة

ذهبت الزرارية وبكير بن أعين وسليمان الجعفري ومحمد بن مسلم من عيون الإمامية ورواة شطر من أخبارهم وغيرهم إلى أن علمه تعالى وسمعه وبصره حادث. قال زرارة بن أعين: "لم يكن الله تعالى عالما في الأزل ولا سميعا ولا بصيرا حتى خلق لنفسه علما وسمعا وبصرا". وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وغيرهم من الفرق الإسلامية من أن صفاته تعالى كلها أزلية، لأن كل ما يتصف به سبحانه يلزم أن يكون صفة كمال، لامتناع اتصافه تعالى بصفة النقص بالاتفاق، فلو كانت حادثة لكان سبحانه خاليا عنها في الأزل، والخلو عن صفة الكمال مع جواز الاتصاف بها نقص، ولا يجوز الاتصاف حال الخلو بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال بأن يتصف دائما بنوع كمال تتعاقب أفراده من غير بداية ولا نهاية، لأنه على هذا لا يخلو الواجب عن الحادث في الأزل فيكون ناقصا، ولأن الحوادث المتعاقبة في الوجود الغير المتناهية ممتنعة، كما يدل عليه برهان التطبيق، ولأنه لا يخلو إما أن يكون كل من الصفات عين ذاته تعالى، أو مغايرة، أو لا عينه ولا غيره، فعلى الأول يلزم قدمها لقدم ذاته، وعلى الثاني والثالث فلا يخلو إما أن تكون واجبة لذاتها، أو ممكنة لذاتها، فإن كان الأول لزم قدمها لوجوب قدم الواجب، وإن كان الثاني فلابد لها من مؤثر، والمؤثر إما ذاته تعالى، أو غيره، والثاني محال لاستحالة احتياج الواجب إلى الغير، وإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون الله تعالى مؤثرا فيها بلا شرط، فيلزم قدمها لأنها عند قدم العلة التامة يلزم قدم المعلول، وإما أن يكون مؤثرا فيها بشرط قديم أو حادث، فعلى الأول يلزم قدم الصفة، وعلى الثاني يلزم التسلسل، وهو باطل؛ فثبت المطلوب. ولأنه روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: "كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالما"، وروى هو وجمع آخرون من الإمامية عن الأئمة بطرق متنوعة أنهم كانوا يقولون: إن الله سبحانه لم يزل عالما سميعا بصيرا. وما ذكره زرارة وأصحابه ومن حذا حذوه من الإمامية ضروري البطلان، فإن خلق العلم بدون العلم ممتنع، وكذا خلق القدرة بدون القدرة، ولأنه يلزم أن يكون الله تعالى محتاجا إلى مخلوق في صفاته.

واحتجوا على مدعاهم بأنه لا يتصور العالم والسميع والبصير إلا بوجود المعلوم والمسموع والمبصر، وهي حادثة، فوجب حدوث هذه الصفات القائمة بذاته.

والجواب أن عدم التصور ممنوع، ولأن الآثار المروية عن الأئمة ناصة على وجود العلم قبل وجود المعلوم، ولأن الحادث تعلق ما ذكر من الصفات، وأنه إضافة فيجوز تجددها وتغيرها.

المطلب الثامن أن الله تعالى فاعل بالاختيار

ذهبت الإسماعيلية من الإمامية تبعا للفلاسفة والبراهمة أن الله تعالى موجب بالذات، بمعنى أن تأثيره في وجود العالم بالإيجاب، على معنى أن العالم لازم لذاته، كتأثير الشمس بالإضاءة، وتأثير النار بالإحراق، فإن الإضاءة لازمة لذات الشمس، والإحراق لازم لذات النار. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه جماهير فرق الإسلام وجميع المليين من أنه تعالى قادر، وهو الذي يجوز أن يصدر منه الفعل وأن لا يصدر، وهذه الصحة هي القدرة، وإنما يرجح أحد الطرفين بانضمام وجود الإرادة أو عدمها إلى القدرة، فإنه لو كان موجبا يلزم أن يكون الممكنات قديمة، لأن الموجب لا يتأخر عنه فعله، واللازم باطل فالملزوم مثله، ولأن العالم محدث لأن كل جسم لا يخلو عن الحوادث مثل: الحركة والسكون، وهما حادثان لأنهما مسبوقان بالغير، وما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث بالضرورة، ولأن النصوص الدالة على اتصافه بالقدرة أكثر من أن يحصى، كقوله تعالى: {وهو على كل شيء قدير}، {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم}، {قل إن الله قادر على أن ينزل آية}، {بل قادرين على أن نسوي بنانه}، {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} إلى غير ذلك من الآيات.

واحتجوا على أن الله تعالى موجب بأن القادر لا بد له في فعله من الإرادة، والإرادة هي المحبة، والمحب للفعل محتاج إليه، والاحتياج من سمات النقص، ولأن المحبة من الكيفيات النفسانية، والواجب منزه عنها.

والجواب أنا لا نسلم أن الإرادة بمعنى المحبة، وإنما هي القصد إلى الشيء، والفاعل للفعل يريده، ويقصد إليه، سواء رضيه أو لا، وأن الإمامية روت عن الصادق أنه تعالى يريد ولا يحب، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

المطلب التاسع في أن الله تعالى قادر على كل مقدور

ذهب المرتضى وأبو جعفر الطوسي وطائفة أخرى من الإمامية إلى أنه تعالى غير قادر على كل مقدور العبد. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وأكثر الفرق الإسلامية من أنه تعالى قادر على كل مقدور، للنصوص الدالة على شمول قدرته، كقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير}، {إن الله على كل شيء قدير}.

وما ذكره شيخ الطائفة الضالة في التبيان في تفسير القرآن: أن الآية خرجت مخرج المبالغة، لأن أفعال العباد لا توصف بالقدرة، فبطلانه ظاهر، لأنه تخصيص من غير مخصص، ولأن المقتضي للقدرة هو الذات، وعلة صحة التعلق هي الإمكان، ونسبة الذات إلى الكل على السوية.

واحتجوا على مدعاهم بأنه تعالى لو أراد الفعل وأراد العبد عدمه فلا يخلو إما أن يقع مرادهما، فيلزم اجتماع النقيضين، أو لا يقع مراد كل منهما، فيلزم ارتفاعهما، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم عدم قدرة الآخر على مراده، وهو خلاف المقدور.

والجواب أن قدرة الله تعالى فيه تمنع تأثير قدرة العبد، فإنه سبحانه أقدر على الفعل من العبد، ولأن العبد لا يشاء إلا ما يشاء الله تعالى، قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.

المطلب العاشر في أنه تعالى عالم بما كان وما يكون

ذهبت الشيطانية إلى أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها. وذهبت الزرارية وطائفة أخرى من الإمامية إلى أنه تعالى لم يعلم الأشياء في الأزل، وإنما علمها [بعد] أن خلق لنفسه علما. وذهبت الحكمية وطائفة ممن تبعهم من الاثني عشرية كمقداد صاحب كنز العرفان وغيره إلى أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها. وهذا الكلام كله باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل الحق وجماهير الفرق الإسلامية والمليون من أنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها، وأن علمه تعالى يعم الممكنات؛ لقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم}، {عالم الغيب والشهادة}، {قد أحاط بكل شيء علما}، {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}، {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} فإن جعله سبحانه الكعبة والشهر الحرام والقلائد قياما للناس لجلب المصالح لهم ودفع المضار قبل وقوعها دليل على علمه تعالى بالشيء قبل كونه، إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر بها قبل وقوعها، مثل غلبة الروم على فارس بعد غلبهم في بضع سنين، وكلام أهل الجنة لأهل النار، ونحو ذلك. ولأن مصحف فاطمة مشحون بالأخبار عن الأشياء قبل وقوعها بإجماع الإمامية. ولأنه تواتر عن أهل البيت من طريق أهل السنة والشيعة أن علمه تعالى بالشيء قبل كونه كعلمه تعالى بعد كونه. وروى الفريقان عن أمير المؤمنين أنه قال: "والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها". وروى علي بن إبراهيم القمي من الفرقة الاثني عشرية عن منصور بن حازم قال: "سألت أبا عبد الله هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله بالأمس؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق"، إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة. ولأن الجهل بالبعض نقص، والنقص على الله تعالى محال.

واحتج من أنكر شمول علمه تعالى بقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وأمثاله، وبأنه لو علم سبحانه الأشياء قبل كونها لزم أن لا يقدر على شيء، وهو ينافي الربوبية، وذلك لأن ما علم الله تعالى وقوعه فهو واجب، وما علم الله تعالى عدمه فهو ممتنع، ولا قدرة على الواجب والممتنع.

والجواب عن الآية أن المراد علم ظهور ومشاهدة، وعن الدليل العقلي أن الفعل لا يمكن أن يوجد بغير فاعل موجد من غير نكير، ولأنه تعالى يعلم وقوعه بقدرته، ومثل هذا لا ينافي المقدورية قبل تحققها، وذلك ظاهر.

واحتجوا أيضا بأنه لو علمها لزم تغير علمه تعالى، وهذا على الواجب تعالى محال، لأنه لو علم أن زيدا يأكل السفرجل غدا، فإذا أكل في الغد، فإن بقي العلم بحالته فهو جهل، لكونه غير مطابق للواقع، وإن زال وحصل العلم [بأنه أكل] تغير الأول من الوجود إلى العدم، والثاني بالعكس.

والجواب أن العلم صفة يتجلى بها المعلومات، بمنزلة المرآة يكشف بها الصور، فلا يتغير بتغير المعلومات كما لا تتغير المرآة.

المطلب الحادي عشر في أنه تعالى يتكلم والكلام صفة من صفاته

ذهبت الكيسانية والزيدية والإمامية إلى أن كلامه تعالى مخلوق، لأنه كلام منتظم من الحروف المسموعة التي خلقها في جبريل أو النبي أو اللوح المحفوظ. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أنه صفة أزلية قائمة بذاته تعالى غير مخلوقة، كسائر الصفات الثبوتية، منافية للسكوت والآفة والخرس وغير ذلك، وليست من جنس الحروف، والأصوات، والله تعالى متكلم بها، وهو كلام نفساني، وهذه العبارات دالة عليه، وتسمى العبارات كلامه أيضا على معنى أنها عبارات عن كلامه، وهو يتأدى بها، والاختلاف على العبارات دون المسمى على ما ذهب إليه الأشعرية، لأن معنى المتكلم لغة وعرفا من قام به الكلام، لا من أوجده، للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركا، وقد أجمع المليون على أنه تعالى متكلم. والكلام القائم بذاته تعالى لا يكون هو اللفظي، على ما ذهبت إليه الأشعرية، فتعين أنه معنوي، وذلك ظاهر. ومن أنكر تعقل النفساني فهو من آفته. ولأنه إذا ثبت أنه تعالى متكلم لزم أن يكون الكلام صفة له، لأنه لا يشتق الفاعل لشيء باعتبار فعل غيره بالاستقراء.

واحتج من خالف أهل الحق بأنه قد علم من الدين بالضرورة أن القرآن كلام منتظم مؤلف من حروف مسموعة مفتتح بالتسمية مختتم بالاستعاذة، ولقوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}، {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}، {حتى يسمع كلام الله} والمسموع هو الكلام المؤلف من الحروف.

والجواب أن لفظ القرآن يطلق بطريق الاشتراك على المؤلف الحادث، وهو المتعارف عند القراء والفقهاء والأصوليين، وعلى مدلوله الذي هو القديم.

وأقول: إن مسألة الكلام قد حيرت الأفهام وزلت فيها أقدام، وليس مثل هذا الكتاب محلا لبسطها، ولا يسع المقام لتحريرها وسطرها. وإن أردت الحق الحقيق بالقبول الذي تقبله الأذهان وتذعن له العقول فارجع إلى فوائد تفسير روح المعاني لجدنا المرحوم الجامع للعجب العجاب من المنطوق والمفهوم.

المطلب الثاني عشر أن القرآن كلام الله تعالى ليس فيه تحريف ولا نقصان

ذهبت الاثنا عشرية وغيرهم من الإمامية إلى أن القرآن المكتوب بين دفتي المصاحف الموجود عند المسلمين الموجود عندهم ليس كله كلام الله، فإن فيه ما ليس منه، وليس فيه جميع القرآن المنزل الذي أمر الأمة بتلاوته، فإن فيه تحريفات كثيرة، وقد سقط منه آيات وسور جمة.

روى الكليني عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: أن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية.

وروى عن محمد بن [أبي] نصر عنه أنه قال: "كان في {لم يكن} اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم".

وروى عن سالم بن سلمة قال: "قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله: مه اكفف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده".

وروى هو وغيره عن الحكم بن عتبة أنه قال: "قرأ علي بن الحسين قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث، وقال: وكان علي بن أبي طالب محدثا". وروى عن مزيد عن أبي عبد الله أنه قال: "الرسول الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي يرى في منامه، والمحدث الذي يسمع الصوت".

وروى عن محمد بن الجهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله أنه قال: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} ليس كلام الله، بل حُرف عن موضعه والمنزل: أئمة هي أزكى من أئمتكم".

قالوا: ومما أسقط منه سورة الولاية، وكانت سورة الأحزاب [مثل] سورة الأنعام فأسقط منها ما كان في فضل أهل البيت والأحكام، و[لفظة] من قوله تعالى: {لا تحزن إن الله معنا} كما ذكر ذلك ابن شهراشوب السروي في مثالبه. وقالوا: سقط من قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} لفظ عن ولاية علي؛ ومن قوله تعالى: {خير من ألف شهر} لفظ وملك بني أمية، وكان بعد لفظ ألف؛ ومن قوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} لفظ بعلي بن أبي طالب، وكان بعد لفظ القتال؛ ومن قوله تعالى: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} لفظ "آل محمد"، وكان بعد لفظ الذين ظلموا؛ ومن قوله تعالى {ولكل قوم هاد} لفظ علي، وكان بعد هاد؛ ومن قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} لفظ وعلي صهرك، وكان بعد صدرك، فأسقطه عثمان حسدا، إلى غير ذلك مما يطول ذكره. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية أنه ليس في القرآن تحريف ولا نقصان، وذلك لأن الله تعالى قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وإذا كان الله تعالى الحافظ له كيف يتمكن أحد من تحريفه؟ ولأن تبليغ القرآن كما أنزل كان واجبا على الرسول عليه الصلاة والسلام إلى كافة الناس بنفسه أو بمن تبعه، قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فانتصب ﷺ لتعليمه فأمر بذلك من حضر وبعث إلى من ليس بحضرته، حتى انتشر في الأقطار التي دخلها الإسلام واشتهر في المواضع التي حل فيها الإيمان، ولم يزل المسلمون يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ويرون ذلك من أفضل الطاعات والأعمال من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى زماننا هذا، وكل ما هذا شأنه لا يمكن تغييره ولا إسقاط شيء منه. ولأنه لو كان فيه تحريف بتغيير أو نقصان لم يبق وثوق بالأحكام. ولأنه لو كان الأمر كما ذكر لرواه جميع فرق الشيعة عن أهل البيت.

وقد شدد النكير سائر فرقهم على القائل بالتحريف والإسقاط وحكموا بتكفيره، لا سيما الزيدية، ورووا عن أهل البيت أنهم كانوا يقرأون هذا القرآن، ويتمسكون بعامه وخاصه، ويستشهدون به. والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن. وقد علموه أولادهم وخدامهم وسائر أهل بيتهم، وكانوا يأمرون بتلاوته في الصلاة. ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها.

المطلب الثالث عشر أن الله تعالى مريد

ذهبت الإسماعيلية إلى أنه تعالى لا يتصف بالإرادة، لأنه تعالى موجب، ولا إرادة للموجب، فإن كل ما يصدر عنه لازم لذاته، ولأن الإرادة فعل من أفعاله، وكل فعل مسبوق بالإرادة، فيلزم أن تكون الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وهلم جرا، فيلزم التسلسل، وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية وسائر المليين من أنه تعالى مريد لأنه قادر، وفعل القادر مسبوق بالإرادة، والإرادة صفة قديمة لا تحتاج إلى إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل، ولأن النصوص الدالة على اتصاف الواجب سبحانه بهذه الصفة كثيرة جدا بحيث لا تكاد تحصى، قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} و {يحكم ما يريد}، {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، وغير ذلك من الآيات.

المطلب الرابع عشر أن إرادة الله تعالى متعلقة بكل كائن

ذهبت الفرق الثمانية من الزيدية والإمامية كلهم، إلا الإسماعيلية النافين للإرادة، إلى أنه تعالى غير مريد لجميع الكائنات، فإنه لا يريد الشر والكفر والمعصية، وقعت أو لم تقع. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن تبعهم من أنه سبحانه مريد للكائنات، من الخير والشر، والنفع والضر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية. قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا}، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم}، {ولو شاء الله ما أشركوا}، {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}، {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه}، {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه}، {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم}، {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}، {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}، {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} وغير ذلك من الآيات.

وروى الكليني عن محمد بن [أبي] نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا: "إن لبعض أصحابنا القول بالجبر، وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال علي بن الحسين: قال الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت" إلى آخر الحديث. ولأنه تعالى أخبر أن الذين حرفوا التوراة من أحبار اليهود لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فلو أراد إيمانهم لزم التناقض. ولأنه قد ثبت عن النبي ﷺ في الخبر المتفق عليه أنه قال: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". وروى الكليني وصاحب المحاسن عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى"، وروى جمع عن غيره من الأئمة بمعناه. وروى الكليني أيضا عن سليمان بن جلد عن أبي عبد الله قال: "إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله"، ثم تلا هذه الآية: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}. ولأنه سبحانه أمر إبليس أن يسجد لآدم وهو يعلم أنه لا يسجد، فإن أراد منه الطاعة فقد أراد الممتنع، وأن يقلب علمه جهلا. وروى الكليني أيضا عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله ما ينص على أنه تعالى يريد ضلال بعض عباده إرادة حتم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ولأنه سبحانه لو أراد الإيمان من الكافر وأراد الكفر من الكافر، وأراد الطاعة من العاصي وأراد منه العصيان، وقد صدر الكفر من الكافر والعصيان من العاصي؛ لزم أن لا يحصل مراد الله تعالى، ويحصل مراد الكافر والعاصي؛ فيلزم أن يكون كل منهما غالبا والله تعالى مغلوب، وهو ضروري البطلان. فقد روى الكليني عن الفتح بن زيد الجرجاني عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا تغلب إرادة الله تعالى، سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم. وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ما هو ناص على أنه تعالى يريد المعصية من العبد إرادة حتم، فإنه أراد أن يأكل آدم من الشجرة، وأن لا يسجد له إبليس. وروى عن ثابت بن سعيد ما هو على ذلك أيضا. ولأنه تعالى خلق للعاصي الإرادة والقدرة على خلق أفعاله وجعل له التمكن، كما ذكره المرتضى في درره، فلو أراد بها نفعه وهو يعلم أنه لا ينفعه بل يضره، فذلك عبث وسفه، والله تعالى منزه عن ذلك. ولأن إرادة الممتنع قبيح. ولأنه تعالى أقسم أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلو أراد إيمان من يعلم أنه من أصحاب الجحيم فقد أراد أن لا يبر قسمه. ولأنه تعالى لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس، ولم ينظره إلى يوم الوقت المعلوم، ولم يمكنه من الإضلال.

واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} والرضا هو الإرادة.

والجواب أنا لا نسلم أن الرضا هو الإرادة، ولو كان كذلك لكان الله تعالى راضيا بكفر جماعة أخبر بأنه يريد ألا يجعل لهم حظا في الآخرة وأنه يريد أن لا يطهر قلوبهم، وهو باطل بالاتفاق؛ ولأن الإرادة تنفك عن الرضا، كإرادة من إرادته تابعة لإرادة غيره وهو يكره المراد، وإرادة الله تعالى تابعة لإرادة العبد، وإن كانت متقدمة عليها، فأحسن التدبر.

واحتجوا أيضا بأنه لو كانت المعصية مرادة لله تعالى لكان الكافر العاصي مطيعا بكفره ومعصيته، لأن الإطاعة تحصيل مراد المطاع.

والجواب أن الإطاعة تحصيل ما أمر به المطاع، لا تحصيل ما أراد سواء كان مرضيا عنده أو لا. ألا ترى أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم ولم يرد، وأمر إبراهيم بذبح ولده ولم يشأ.

واحتجوا أيضا بأن إرادة القبيح قبيح، وكذا ترك إرادة الحسن.

والجواب أن كون كل منهما قبيحا ممنوع، فإنه لا قبح منه تعالى، كما تقدم. وترك إرادة الحسن إذا علم عدم وقوعه حسن، وإرادته قبيح، لأنها عبث.

المطلب الخامس عشر في أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد

ذهبت فرق من الشيعة إلى أن الأمر لازم للإرادة وجودا وعدما.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد؛ لأن الأمر لا يستلزم الإرادة، والنهي لا يستلزم الكراهة، إذ قد ينفك أحدهما عن الآخر، كالآمر للاختبار. وما يقال إنه ليس بأمر حقيقة ممنوع، فإنه ادعاء ومكابرة. ولأن الله تعالى كره خروج جماعة إلى الجهاد، وقد أمرهم بالخروج، قال تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} وقال تعالى حكاية عن شعيب: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} وقال تعالى: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} فإنها ناصة على أن العود في الكفر يكون بمشيئة الله تعالى. وقال تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} وقد أمرهم سبحانه بالإيمان. وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} وقال تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} وقال تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته} وقال تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقال تعالى: {أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى لم يرد إيمان الكل، ولو شاء لآمنوا ولم يشركوا، مع أنه أمرهم بالإيمان، وإنما كذب الله تعالى الكفار في قولهم: لو شاء الله ما عبدناهم، لقوله سبحانه: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} فإنهم زعموا أن المشيئة هي الرضا، وأن عبادتهم إياهم برضائه تعالى، وهو كذب، فإن الإرادة صفة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع، ويرادفها المحبة، فمعنى الأولين أعم من معنى الآخرين، والأعم غير الأخص. وما روي عن أبي حنيفة أن الإرادة والرضا متحدان، فهو مكذوب عليه. ولأنه تواتر عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، وقد رواه الإمامية عن الأئمة أيضا، وتواتر عنهم من طريقهم أيضا، كما ذكره شارح العدة وغيره. وروى البرقي في المحاسن والكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد". وروى الكليني عن الحسن بن عبد الرحمن الحمالي عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنه قال: "إنما تكون الأشياء بإرادته تعالى ومشيئته". وروى الكليني وغيره عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال: "أمر الله ولم يشاء، وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، ولو شاء سجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل، ولو لم يشأ لم يأكل"، إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة.

واحتج من خالف أهل الحق بأن الأمر بما لا يراد سفه، وكذا النهي عما يراد، والله سبحانه منزه عنه.

والجواب أن ذلك ممنوع، لأن الغرض من الأمر ليس بمنحصر في إيقاع المأمور به، والغرض من النهي ليس بمنحصر في إيقاع المنهي عنه، فإنه يصح وجود الأمر بدون الإرادة، كما يكون مع الإرادة وجود النهي، ولا يكون سفها. ألا ترى أن السيد إذا أراد إظهار عصيان العبد للحاضرين يأمره بشيء ولا يريده منه، وينهاه عن شيء ويريده، ولأن إرادة وقوع ما لم يعلم أنه لا يقع سفه وعبث، وهو سبحانه منزه عنهما. ولأنه روى الكليني عن فتح بن يزيد الجرجاني: أن لله تعالى إرادتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أوما رأيت أنه نهى آدم وحوا أن يأكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى.

واحتجوا أيضا بأنه سبحانه يكره المعاصي، فكيف يريدها؟

والجواب أنه ربما تجتمع الإرادة والكراهة، كمن أراد أمرا لأمر ما وهو يكرهه، وأفعاله تعالى لا تخلو عن الحكمة والمصلحة. ولأن الكتاب العزيز قد نص على ذلك كما سبق. وفي خاتمة الزبور: "هل تدري يا داود أي المؤمنين أحب إلي؟ الذي إذا قال: لا إله إلا الله اقشعر جلده، وإني أكره له الموت كما يكره الوالد لولده، ولابد له منه، إني أريد أن أسره في دار سوى هذه، فإن نعيمها فيها بلاء، ورجاءها فيها شدة، ومن أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة". فهذا أيضا ناص على أنه سبحانه قد يريد شيئا ويكرهه، فإنه يريد موت المؤمن الموصوف بتلك الصفة ويكرهه.

وقد تركت بعض المطالب هنا لكون ما سبق يغني عنها.

المطلب السادس عشر في بيان أنه لا يجوز البداء على الله

ذهبت الزرارية والبدائية والسالمية وجمع من الإمامية، كمالك الجهني ودارم بن الحكيم وزبان بن الصلت وغيرهم، إلى أنه يجوز البَدَاء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئا ثم يبدو له ما لم يكن ظاهرا له. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير المسلمين وغيرهم من المليين وسائر العقلاء من أنه لا يجوز البداء على الله تعالى، للنصوص المتقدمة في شمول علمه تعالى كل شيء، ولأنه يلزم أن يكون الله تعالى جاهلا بعواقب الأمور، والجهل عليه سبحانه محال، لأنه نقص.

واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، وبما رواه الكليني عن زرارة بن أعين عن أحدهما قال: "ما عبد الله بمثل البداء". وعن هشام بن سالم عنه قال: "ما عظم الله بمثل البداء". وبأن النسخ جائز بالاتفاق، وهو إما أن يكون لمصلحة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة قبل أو لا، والثاني باطل لأنه عبث والله تعالى منزه عنه، فتعين الأول وهو البداء.

والجواب أن جميع ما استدلوا به باطل. أما الاستدلال بالآية فلأنها لا تدل على المدعى، لأن المحو والإثبات لا يوجبان الجهل، والمعنى ينسخ ما شاء نسخه من الأحكام لمصلحة تجددت بحسب اقتضاء الزمان، كقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} وقوله تعالى: {واقتلوهم حيث وجدتموهم}، فإن الزمان الأول اقتضت المصلحة فيه المتاركة، والزمان الثاني اقتضت المصلحة فيه المقاتلة، ويثبت بدله ما يشاء، أو يتركه غير منسوخ، أو يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات، أو يمحو ظلمة الليل، ويثبت ضوء النهار، ونحو ذلك. وأما الاستدلال بالآثار فهو فاسد، لأنها موضوعة مفتراة، وآثار الوضع عليها ظاهر، ولا ظهور الشمس، لأن وصفه تعالى بما يدل صراحة على أنه جاهل بعواقب الأمور لا يكون عبادة، بل معصية وكفرا وإلحادا وزندقة، ولا يكون تعظيما بل تحقيرا.

وأما الاستدلال بالنسخ فباطل أيضا، لأن النسخ بالنسبة إلى الشارع بيان محض لانتهاء الحكم الأول، لأنه تعالى عالم بأن ذلك مؤقت إلى وقت معلوم، وبالنسبة إلى العباد رفع للحكم، لجهلهم بكونه مؤقتا، ولأن النسخ لمصلحة تجددت لم تكن موجودة قبل، فإن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، كمنفعة شرب الدواء في وقت ومضرته في وقت آخر. فلا يتم الترديد على ما لا يخفى.

المطلب السابع عشر في أنه لا يجب على الله تعالى شيء

ذهبت الشيعة قاطبة إلى أنه يجب على الله تعالى بعض الأمور، واختلفوا في معنى الواجب فقالت طائفة منهم: الواجب ما يستحق تاركه الذم عقلا، وقالت جماعة أخرى: الواجب ما قدره الله تعالى على نفسه أن يعطيه ولا يتركه. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه الفرقة الناجية وغيرهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، فإنه المتفضل بالتوفيق والخلق والرزق والثواب على الطاعة وغير ذلك، وليس شيء منها واجبا عليه سبحانه، وإنما هو فضل منه؛ إذ الألوهية تنافي الوجوب، والعبد المملوك لا يستحق أجرا ورعاية مصلحة، فإن أعطى فبفضله، وإن منع فبعدله، وهو محمود في كل فعاله.

وبطلان القولين في تفسير الواجب أظهر من الشمس. أما الأول فلأنه لا معنى للوجوب إلا عدم التمكن من الترك، وهو ينافي الاختيار. ولأنه لو وجب عليه شيء لزم أن يكون ناقصا لذاته، مستكملا بفعله، لأنه يستوجب الذم بتركه. ولأنه لو وجب عقلا لزم أن يكون بعض مخلوقاته حاكما عليه، وهو باطل. ولأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون بالاتفاق، فحينئذ لا يخلو إما أن يفعل ما يعلم أو لا، والثاني باطل لأنه ينقلب العلم جهلا، فتعين الأول فلا حاجة إلى القول بإيجاب الفعل له بعض الأشياء. ولأن الفعل إما واجب أو ممتنع غير مقدور عليه، وتاركه لا يستحق الذم، والواجب يقع البتة. ولأن ترك الواجب ممتنع كفعل الممتنع. وأما بطلان المذهب الثاني فلأن تقدير بعض الأشياء على نفسه عبث محض، والله سبحانه منزه عنه. ولأن ترك ما قدره على نفسه أن يفعله إن كان جائزا فات معنى الوجوب، وإن لم يكن جائزا بناءً على أن تركه مستلزم للذم عقلا فيرجع إلى المعنى الأول، وقد تقدم بطلانه آنفا، ولأن الوجوب على كلا المعنيين يدل على أن ترك الزجر عن القبائح وفعل القبيح والبخل والسفه والظلم كان جائزا له تعالى قبل الإيجاب وخلق الفعل كما لا يخفى.

واستدل من فسر الواجب بما يستحق تاركه الذم عقلا بأن من الأفعال ما يستحق فاعله الذم عقلا، ومنها ما يستحق تاركه الذم عقلا، وكل ما كان كذلك فهو واجب الفعل والترك عقلا.

والجواب أن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى - على ما سبق بيانه في أول مطالب هذا المقصد - ولأن الواجب يقع والممتنع لا يقع من غير أن يحكم العقل شيئا فيهما؛ فجعل الله تعالى محكوما لبعض خليقته ضلال وزندقة. ولا حجة لهم بقوله تعالى: {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} قوله تعالى: {كان على ربك حتما مقضيا} لأن المراد من الآية الأولى تأكيد الحكم دون الإيجاب، والمعنى وعد بالرحمة وعدا مؤكدا وهو منجز البتة، ولاستحالة تطرق الخلف إلى وعده أجراه مجرى الواجب وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط. و {على} في الآية الأولى لتأكيد المحاسبة والمجازاة، وفي الثانية لتأكيد التفضل لا للإيجاب، وفي الثالثة لتأكيد ورود كل أحد النار. ومعنى {حتما} أمر مبرم، فإن الحتم إبرام الأمر وإحكامه، وقوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} معناه: وكان ثابتا محققا بمقتضى الوعد، و {على} للتأكيد.

وأقول: لما كان هذا المقام مما تزل فيه الأقدام، لا بأس علينا أن نزيده بيانا ونورد له حجة وبرهانا، فإن حمل هذه الآيات على ما سمعت غير مرضي لدى المحققين، ومنتقد عند أرباب البصائر واليقين. وأحسن ما رأيته ما كتبه الأواه عمدة المحدثين وأحد الحفاظ المتقنين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بالحافظ ابن القيم -رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه- في كتابه بدائع الفوائد، الذي هو في الحقيقة درر وفرائد، فقال بعد كلام له في هذا الباب:

فإن لم يتسع لهذا ذهنك، فسأزيدك إيضاحا وبيانا، وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا إيجاب منه على نفسه، فهو الموجب، وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح وكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: «لما قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «سبقت غضبي». فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتابة، وصفة اليد، ومحل الكتابة، وأنه كتاب، وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش؛ فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد، وهو إيجاب منه على نفسه، ومنه قوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} فهذا حق أحقه على نفسه، فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ {الحق} ولفظة {على}. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لمعاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار». ومنه قوله ﷺ في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد. فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك"، فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه، لا أنهم أوجبوه ولا أنهم أحقوه، بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما، لا السائلون ولا العابدون، فإنه:

ما للعباد عليه حق واجب ** كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عُذبوا فبعدله أو نعموا ** فبفضله وهو الكريم الواسع

ومنه قوله تعالى: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه. ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه، نحو قوله تعالى: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} وقوله: {لنهلكن الظالمين} وقوله: {قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} إلى أمثال ذلك مما أخبر أنه يفعله إخبارا مؤكدا بالقسم. والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع، بخلاف القسم على ما فعله تعالى، مثل قوله: {يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين} والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر، وهو من باب القسم المتضمن للتصديق، ولهذا يقول الفقهاء: النهي ما اقتضى حضا أو منعا، والخبر ما اقتضى تصديقا أو تكذيبا، فالقسم الذي يقتضي الحض أو المنع، وهو من باب الطلب، لأن الحض والمنع طلب. ومن هذا ما أخبر به أنه لا بد أن يفعله لسبق كلماته به، لقوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون} وقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} فهذا إخبار عما يفعله أو يتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير. ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه، لقوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله ﷺ: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم»، فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب. ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، التي لا يجزم الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها بالمراد منها، كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذلك كله هو إخباره به، ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه، وقوله: «حرمت الظلم على نفسي» أي أخبرت أنه لا يكون، ونحو ذلك مما يتيقن أن المراد به ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه، فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر، فإنه يتضمن إبطال الخبر. ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما، فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه، فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم، كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله. وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه؟ وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله، فإن محبته لفعله تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه. ففرق بين فعله سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله، فإن فعل عباده يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع. فتدبر هذا الموضع الذي هو مزلة أقدام الأولين والآخرين، إلا من عصمه الله تعالى بعصمته وهداه إلى صراط مستقيم.

انتهى كلامه المقصود نقله. ولولا ضيق المقام لنقلناه بأسره، فإني لا أظنك تجده في كتاب غيره، وإن أردت استيفاء البحث فارجع إلى ذلك الكتاب لتحظى بالصواب وترى العجب العجاب.

المطلب الثامن عشر في بيان أن التكليف لا يجب على الله تعالى

ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن التكليف واجب على الله تعالى.

والحق ما ذهب إليه [أهل] السنة من أن التكليف لا يجب عليه تعالى، بل هو تفضل على الأبرار، وعدل بالنسبة إلى الفجار؛ لأنه لا يجب على الله تعالى شيء، كما سبق. ولأنه لو وجب عقلا بالنسبة إلى من يعلم الله بأنه يؤمن، دون الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن؛ فإن التكليف قبيح، لأنه إضرار له، لأنه إلزام أفعال شاقة لا يترتب عليه نفع في الدنيا، ويستحق عليه عذابا شديدا في الآخرة لا انقطاع له وإن كان سببا عن سوء اختياره، ولا سيما من يعلم أنه يؤمن ويعبد الله سنين ويموت كافرا، كبلعم بن باعور وبرصيصا الزاهد وأمية بن الصلت وأبو عمرو وأضرابهم حيث جمع لهم إلزام المشاق في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة، وهذا قبيح عقلا، والقبيح لا يكون واجبا. ولأن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن ويموت كافرا عبث، لأنه لا ينزجر عن القبائح. ولأنه لو وجب لوجب أن يبعث في كل قرية رسلا تترا من غير فترة، أو إماما غير جبان لا يخاف الأعداء بمجرد من الأضرار، ويؤيده بالمعجزات الباهرة الدالة على صدق دعواه، ويمكنه من الدعوة، ولم يفعل ذلك كله؛ فإنه قد وقعت فترة بين الرسل، ولم يبعث في كل قرية رسولا، ولم يبعث إلى قطّان شواهق الجبال المشمخرة نبيا، وكثير منهم لم يبلغه دعوة نبي قط، ولم يتول الإمامة بعد محمد ﷺ إلا رجال لا يتمكنون من إظهار ما هم عليه من أحكام الشريعة خوفا من المخالفين، حتى غاب خاتمهم منذ مدة مديدة خوفا من الأعداء على ما زعمه القوم، مع كثرة شيعته وأنصاره وأوليائه وتبعته. ولأن تكليف سفهاء الأحلام الذين لا يكادون يفقهون حديثا ولا يميزون بين المعجزة والسحر ولا يهتدون إلى طرق الاستدلال سبيلا، تكليف بما لا يطاق.

واحتج من خالف أهل الحق على وجوب التكليف بأن التكليف زاجر عن القبائح، لأن الإنسان بمقتضى طبعه يميل إلى الشهوات، فإن علم أنها حرام انزجر عنها، فالزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى واجب.

والجواب أن وجوب الزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى ممنوع، لأن المنزجر عن القبائح في العالم قليل جدا، فإن أكثر الناس لا ينزجرون عن القبائح مع العلم بقبحها، والتكليف بالنسبة إليهم عبث، وفعل العبث لا يكون واجبا من غير نكير. ولأن من يعلم الله تعالى أنه لا ينزجر بعد التكليف فزجره عبث، وكذا تكليفه. ولأن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى دون العقل كما تقدم.

المطلب التاسع عشر في أن اللطف لا يجب على الله تعالى

ذهبت الكيسانية والزيدية غير المخلصين والإمامية إلى أن اللطف واجب؛ واللطف ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من فرق المسلمين من أنه لا يجب عليه شيء؛ لأنه هو المالك على الإطلاق، وله التصرف في ملكه كيف يشاء، ولا حاكم عليه، ولا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل. ولأنه لو وجب اللطف عليه تعالى لوجب عليه سبحانه أن يريد إيمان كل مكلف، والنصوص تدل على خلاف ذلك، فإنها ناصة على أن انتفاء إيمان الكل مبني على انتفاء مشيئته سبحانه، قال تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} وقال تعالى: {ولو شاء لهداكم أجمعين} إلى غير ذلك من النصوص، وتخصيص الإرادة بإرادة العزم باطل؛ لأن إرادة العزم للممتنع كإرادة جزمه، وكلاهما سفه، وكذا إرادة انقلاب العلم جهلا، ولأنه لو وجب عليه اللطف لم يشأ ضده وقد شاء، قال تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه} وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه} فإنه إذا لم يشأ عدم الفعل فقد شاء الفعل لعدم القائل بالفصل. ولأنه لو وجب اللطف على الله تعالى لوجب عليه أن يريد لعبده خيرا، ولم ينكت في قلبه نكتة سوداء ولم يسد مسامع قلبه ولم يوكل به شيطانا يضله، وقد فعل ذلك كله بكثير من عباده. ولأنه تعالى قال: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} فلو كان اللطف واجبا لأخل بالواجب، وفعل ما هو عبث وسفه، تعالى الله عن ذلك. ولأنه لو وجب اللطف على الله تعالى لبعث في كل عصر نبيا وولى على كل بلد معصوما يدعو المكلف إلى الحق ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. ولأنه لو وجب عليه سبحانه اللطف لم يخلق للعاصي إرادة المعاصي.

واحتج من خالف أهل الحق بأن اللطف يحصل به غرض المكلف، وهو الإتيان بالمأمور به، فيكون واجبا، وإلا لزم نقض الغرض وهو قبيح.

والجواب أنا لا نسلم أن الغرض هو الإتيان بالمأمور به، وإلا لزم أن يكون الله تعالى معللا فعله بغرض ممتنع إذا أمر من يمتنع إيمانه بالإيمان، وهو سفه وعبث، ولأن الله تعالى قال: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وإذا حق القول منه بذلك فلا بد أن يكون جمع من المكلفين عصاة، فتكليفهم بالطاعة عبث، والعبث لا يكون واجبا، فاللطف منتف عنهم، فلو وجب لزم إخلاله تعالى به، ولأنه لو وجب ذلك لم ينظر إبليس إلى النفخة الأولى ولم يقل له: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم} الآية، حين قال: {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا}. ولأن الغرض يحصل بإلجاء المكلف على قبول المأمور به أيضا، بل هو أشد وأقوى من اللطف في حصول الغرض، ولا قبح فيه فيكون واجبا، كما فعل ذلك بقوم موسى عليه الصلاة والسلام حيث رفع فوقهم الطور وألجأهم على الامتثال لما أمروا به، قال تعالى: {ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} وقال تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة}، ولأن تمكن العاصي من المعاصي نقض للغرض، فإن عدمه لطف، ولم يفعل. ولأنه لو كان اللطف واجبا لما ذكر لم يخلق في العبد قدرة على خلق القبائح، فإنه نقض للغرض. ولأنه قد ثبت من طريق الإمامية عن أئمة أهل البيت أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود ولم يرد منه ذلك كما سلف فتذكر.

المطلب العشرون في بيان أن الأصلح لا يجب عليه تعالى

ذهبت الكيسانية والزيدية الغير المخلصين إلى أنه يجب على الله تعالى ما هو الأصلح الأنفع لعباده في الدين. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أنه لا يجب على الله تعالى شيء لما سبق غير مرة. ولأن الفعل إما واجب الوقوع أو ممتنع، والممتنع لا يقع بالاتفاق، فتعين الواجب، ولا فرق بين الأصلح وغيره من الفعل، ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لم يجر على يد كثير من عباده الشر، وقد أجراه على أيديهم. ولأن الله تعالى يعلم من الناس من لو أمكنه في الأرض أشاع البدع وسفك الدماء وظلم الناس، ومع ذلك مكنه وجعله سلطانا عليهم، فلو كان الأصلح واجبا عليه لم يمكنه. ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لم يمل للذين كفروا ليزدادوا إثما، وقد أملاهم، قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}. ولأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لم يجعل صدر من يريد أن يضله ضيقا حرجا، بل وجب أن يشرحه للإسلام. ولأنه تعالى لو وجب عليه الأصلح لم يسلط على ابن آدم عدوا يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم. ولأنه لو وجب عليه الأصلح لم يخلق في العبد قوة على خلق المعاصي وإرادتها ولم يجعل له ضروب التمكن، فإن الأصلح أضداد تلك الأمور. ولأنه لو وجب عليه الأصلح لزم أن يكون الواجب تعالى تاركا بعض الواجبات، فإن الأصلح لقوم موسى عليه الصلاة والسلام أن لا يرى السامري الرسول ولم يعلمه خاصية أثره حتى لا يقبض قبضة من أثر الرسول فيجعل ما يضل به الناس. ولأن الأصلح بحال الكافر المسكين المبتلى بأنواع البلايا أن لا يخلقه أو يميته في صغره قبل أن يرتكب ما يوجب الخلود في النار. ولأن الأصلح لمن يعلم سبحانه أنه لا يمتثل لأوامره ولا ينتهي عما نهاه عنه أن لا يأمره ولا ينهاه. ولأن الأصلح لأصحاب النبي ﷺ أن ينص على خلافة أبي بكر دون علي. ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لزم أن لا يستوجب الله تعالى على فعله شكرا، لكونه مؤديا لما وجب عليه، فكان كمن أدى دينا لازما، فالأمر بالشكر على ما يستوجبه قبح. ولأنه لو وجب الأصلح عليه تعالى لما كان له منة على العباد في إفاضة الخيرات ودفع البليات، لكونها أداء للواجب، وكان الأمر بالشكر عليها سفها وعبثا، ولكان قوله تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} لغوا. ولعمري إن مفاسد هذا الأصل أكثر من أن تحصى.

أقول: وقد ذكر في ترجمة التحفة ما نصه: "اعترض على الشيعة القائلين بوجوب الأصلح بأن تقوية الفاسقين على قتل الأنبياء وأبناء الأنبياء في غاية القبح عقلا، وقد وقع، كقتل يحيى والحسين؛ فإن أجابوا بأن مصائب مثل هؤلاء الكرام لما كانت مجازاة بالثواب الجزيل في دار الجزاء كانت تلك الأمور حسنة وصلاحا، لا قبحا وفسادا؛ قلنا: فالأنبياء الآخرون مثلا الذين لم تصبهم مثل هذه المصائب، هل يجزون بهذا الثواب الجزيل من غير ابتلاء أم لا؟ فعلى الأول لزم ترك الأصلح وصدور القبيح في حق يحيى والحسين مثلا، وعلى الثاني يلزم تركه في حق أولئك الكرام، لأنهم لم يفوزوا بالثواب الجزيل" انتهى، وهو إلزام حسن على ما لا يخفى.

واحتج من خالف أهل الحق أن ترك الأصلح المقدور الغير مضر بخل وسفه، والله تعالى منزه عن ذلك.

والجواب أن كون ترك الأصلح بخلا وسفها ممنوع، لأنه سبحانه حكيم عالم بعواقب الأمور، وكل ما يفعله الحكيم العالم بعواقب الأمور لا يخلو عن الحكمة والمصلحة.

المطلب الحادي والعشرون في بيان أن العوض لا يجب على الله تعالى

ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أنه يجب على الله تعالى العوض، وهو نفع مستحق خال من تعظيم الإله، في مقابلة ما أصاب العبد من الآلام. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، لا عوض ولا غيره كما سبق؛ ولأن العوض إنما يجب على من تصرف في ملك الغير، فإنه ظلم، ولا ملك لغيره تعالى.

وقول من زعم إنه لو اعتبر هذا لكان خيرات العباد أيضا ظلما باطل، فإن الفرق بين التصرف في ملك الغير بأمره ورضاه ظاهر لكل أحد. ولأنه لو وجب لوجب لمن ليس عليه حق لله تعالى، وله سبحانه على خلقه نعم لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. ولو عبد الله شخص من أول عمره إلى آخره بأنواع العبادات لم يؤد شكر أقل نعمة. روى ابن بابويه القمي في الأمالي من طريق صحيح عن علي بن الحسين أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "إلهي، وعزتك وجلالك وعظمتك لو أني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الأبد بتحميد الخلائق وشكرهم أجمعين لكنت مقصرا في بلوغ أداء شكر أخفى نعمة من نعمك، ولو أني كربت معادن حديد الدنيا بأنيابي وحرشت أرضها بأشفار عيني وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات والأرضين دما وصديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من وفي حقك علي، ولو أنك إلهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين وعظمت للنار خلقي وجسمي وملأت جهنم وأطباقها مني حتى لا يكون في النار معذب غيري ولا يكون لجهنم حطب سواي لكان هذا لك علي قليلا من كثير ما استوجب من عقوبتك". وفي نهج البلاغة: "لا يأمن خير هذه الأمة من عذاب الله".

واحتج من خالف أهل الحق بأن ترك العوض قبيح، لأنه ظلم، فيجب فعله.

والجواب أن كون ترك العوض ظلما ممنوع، لأن الظلم لا يمكن صدوره منه تعالى؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، بالتصرف في ملك الغير بغير رضاه، أو مجاوزة الحد، وكلاهما في حقه تعالى محال، إذ لا مالك سواه، وليس لأحد عليه حق. بل هو الذي خلق الخلق، وتفضل على عباده بما تفضل، وحد عليهم الحدود، وحلل الحلال وحرم الحرام، ولا يسأل عما يفعل. ويؤيده ما روي عن السجاد من الدعاء الذي ذكر قريبا، وكذا ما في النهج. ولأنه لو وجب العوض لوجب عليه تعالى إنزال الآلام على البهائم عوضا، ولم يقل به أحد. ولأنه لا قبح منه تعالى لما تقدم، ولا يمكن وقوع الظلم منه سبحانه. والاستدلال على إمكان وقوعه بأنه سبحانه قد تمدح بنفي الظلم عنه فقال: {ولا يظلم ربك أحدا} وقال: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} والتمدح بما لا يصح من الممدوح لغو، كقول من يمدح الأعمى: بأنه لا ينظر إلى المحرمات، والعنين: بأنه لا يزني؛ فاسد؛ لأن المراد من الظلم في الآيات والأخبار نقص أجر العمل الصالح للعبد على ما قدره الله تعالى له ووعده، أو تركه رأسا، وتعذيب العبد من غير جرم، أو زيادة تعذيبه على القدر الذي قدره الله تعالى له، فتفضل سبحانه على عباده فجعل الأجر حقهم، وملكا ملكهم، فسمى التصرف فيه ظلما، وإن كان ذلك ليس بظلم في الحقيقة. وأيضا لا نسلم أن نفي الظلم في الآيات للتمدح، بل هو رد على من زعم ذلك، أو إخبار لمن يعلم أنه لا يصح منه الظلم، كقوله تعالى: {إن الله لا يخلف الميعاد} وقوله: {ما يبدل القول لدي} فإنه إخبار منه تعالى بأنه لا يبدل القول لديه سبحانه لمن يعلم ذلك. ولو سلم أن النفي للتمدح فالمعنى لو أمكن منه الظلم فهو لا يظلم، وليس المقصود نفي إمكانه، بل زجر عباده عن الظلم، فهو على حد قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} وقوله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين}، وهذا أسلوب من أساليب البلاغة، وشتان ما بينه وما بين الأعمى والعنين بذلك.

المطلب الثاني والعشرون في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى

ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن العبد خالق لأفعاله بقدرته، حتى البهائم والطيور وغيرها من الحيوانات وما ليس له شعور من الأعضاء وغيرها. روى المرتضى في الدرر والغرر عن التوزي عن أبي عبيدة قال: اختصم رؤبة وذو الرمة عند بلال بن أبي بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر فحوصا ولا تقرمص سبع قرموصا (أي اتخذ قرموصا وهو الموضع الذي يأوي إليه) إلا بقضاء من الله وقدره، فقال له ذو الرمة: والله ما قدر الله على الذئب أن يأكل حلوبة عيائل (جمع عيل، وهو ذو العيال) ضرائك (جمع ضريك، وهو الفقير)، فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب على الذئب ثان، قال ذو الرمة: الكذب على الذئب خير من الكذب على رب الذئب. قال المرتضى: هذا الخبر صريح في قوله بالعدل واحتجاجه عليه وبصيرته فيه. هذا كلامه، ولا يتفوه به من له مسكة من العقل.

قل للذي يدعي في العلم فلسفة ** حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

ثم روى عن الأصمعي عن إسحاق بن سويد قال: أنشدني ذو الرمة:

وعينان قال الله كونا فكانتا ** فعولان بالألباب ما يفعل الخمر

فقلت له: فعولين خبر لكونا، فقال لي: لو سبحت لربحت، وإنما قلت: وعينان فعولان فوصفتهما بذلك، قال المرتضى: "وإنما تحرز ذو الرمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل". اهـ.

وهو باطل؛ لأنه وصفهما بذلك للمبالغة، إذ لا يقول ذو لب أن الخمر تخلق الإسكار، ولو أراد ما ذكره المرتضى لم يفد سوى أنه ما لا علم له ولا إرادة ولا قدرة، كالعين والخمر، شريك الله من خلقه، وهذا قول بطلانه أظهر من الشمس. وقد تبع هؤلاء الضلال المعتزلة، وكلا الفريقين وافقوا المجوسز وزعموا أن القول بخلاف ذلك يستلزم الظلم، وسموا هذا القول عدلا، وسموا أنفسهم عدلية، وأرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه، وأثبتوا له شركاء من خلقه. وقد ظنوا أن أمر الخلق هين حتى زعموا أن مثل الذرة وما دونها خالق لأفعاله.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكسوبة للعبد. وما زعمه المخالفون باطل، لأنه يستلزم أن يكون الكافر الذي علم الله تعالى أنه يختار الكفر ويموت عليه قادرا على أن يخلق فيه الإيمان، وليس كذلك، وإلا لزم أن ينقلب العلم جهلا، هذا خلف. ولأن العبد حال الفعل إن لم يتمكن من الترك كان مجبورا لا مختارا، وإن تمكن فلا بد له من مرجح لوجوب الفعل، ولم يمكن منه، وإلا لزم الترجيح من غير مرجح. ولأنه لو ناقض مراد الله مراد العبد: فإما أن يقع مرادهما جميعا، أو لا يقع، وكلاهما محال، أو يقع مراد أحدهما، فيلزم الترجيح بلا مرجح. ولأنه أجمعت الأمة على وجوب شكر الله تعالى على نعمته الآن، فلو كان بإيجاد العبد لزم شكر الغير على فعل نفسه، ولا معنى له، وأما الشكر على المقدمات فأمر آخر. ولأن المليين أجمعوا على صحة تضرع العبد إلى الله تعالى بطلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فلو كان بخلق العبد دون خلق الله تعالى لما صح ذلك.

ولنصوص الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {لا إله إلا هو خالق كل شيء}، {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله}، {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن} مع أن وقوف الطير فعل اختياري من الحيوان.

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله صانع كل صانع وصنعه"، أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد والبيهقي فيه والحاكم في المستدرك عن حذيفة بن اليمان مرفوعا.

وروت الإمامية عن الأئمة أيضا: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، كما ذكره شارح العدة وغيره؛ وفسروا الخلق بالتقدير، والتقدير بالتدبير، وهو أن يفعل ما يفعل المتحري للصواب الناظر في عواقب الأمور. ولا حجة لهم في ذلك لا من اللغة، ولا من كلام الأئمة. ولا يجوز أن يكون الخلق بمعنى التقدير لقوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}. وما ذهب إليه أهل الحق هو مذهب المتقدمين من المليين والحكماء الإلهيين ومن بعدهم من الفلاسفة، فإنهم قالوا: المبدأ الأول فاعل الحوادث كلها، وإنه هو المؤثر في الحقيقة، ولا مؤثر سواه، فإن الوسائط بمنزلة الشرائط والآلات. نص عليه الشيخ في الشفاء وتلميذه في التحصيل، وصنف صاحبه الحكيم عمر بن الخيام في ذلك رسالة مفردة، وصرح بذلك صاحب التجريد من الإمامية في شرح الإشارات.

واحتج من خالف أهل الحق بأنه لو كان الله تعالى موجدا لأفعال العباد لكان فاعلا، والفاعل يتصف بالفعل، إذ لا معنى للعاصي إلا فاعل العصيان، فيلزم أن يكون سبحانه كافرا، تعالى الله.

والجواب أن الفاعل يطلق على من قام به الفعل، لا على من أوجده.

واحتجوا أيضا بأنه لو كان خالقا لأفعال العباد لكان أظلم الظالمين، حيث خلق في العبد المعصية ثم عذبه عليها.

والجواب أن الله تعالى أوجد في العبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وصفةً من شأنها ترجيح أحد المقدورين بالوقوع، وهي الإرادة، وأخرى من شأنها الميل إلى الشهوات الموجبة لهلاكها والنفور عن التكاليف الموجبة لسعادتها، وهي النفس، ولما تعلقت الإرادة بالفعل تعلقت القدرة به بسبب تعلقها به، وهو ليس بمخلوق لله تعالى لما مر آنفا، وتعلق إرادة العبد بالفعل الكسب، والترجيح مع ميل النفس في المعصية، وبدونه في الطاعة الاختيار، فالعذاب بسبب سوء الاختيار والكسب. ولأن الله تعالى يعلم ما كانوا يفعلون لو فوض إليهم الأمر، فيخلق فيهم ذلك، فيعذب منهم الفجار، كما علم من أطفال الكفار ما كانوا يعملون، فيدخلهم مدخل آبائهم.

روى محمد بن بابويه عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عن أطفال المشركين يموتون قبيل أن يبلغوا الحنث، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم". وروى عن وهب بن وهب عنه عن أبيه أنه قال: "أولاد الكفار في النار". وروى الكليني وابن بابويه وآخرون عن الأئمة: أن الله تعالى خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده شقيا. وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله أنه قال: "إن الله تعالى خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه، فمن خلقه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله ولم يبغضه، وإن خلق شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل صالحا أحب عمله وأبغضه لما يصير إليه، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا، وإذا أبغضه لم يحبه أبدا". وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي نصير أنه قال: كنت بين يدي أبي عبد الله جالسا وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبدا لله: أيها السائل، علم الله عز وجل لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على طاعته ووضع ثقل العمل تحقيقا لما هم أهله، ووضع لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، ومنعهم إطاقة القبول، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه".

واحتجوا أيضا بأنه لو كان الله تعالى خالقا لفعل العبد لزم إفحام الأنبياء؛ لأنه إذا قال النبي للكافر: آمن بي، يقول الكافر: قل للذي بعثك يخلق في الإيمان حتى أؤمن، وقد خلق في الكفر، وأنا لا أتمكن من مقابلته، فيفحم النبي ولا يتمكن من جوابه.

والجواب أن النبي يقول له: إن الله تعالى أمرني بالتبليغ، وبيده الرد والقبول، وليس لي من الأمر شيء. أو يقول: دعوتي قد تكون داعية لك إلى الفعل واختياره، فيخلق الله تعالى فعل القبول عقبها. ولأن هذا يرد أيضا على تقدير كون العبد خالقا لأفعاله، لأن العبد إذا قال للنبي: إن الله تعالى أجرى بيدي، وأنا لا أتمكن من مقابلته وقهره، أو قال: إنه منعني من إطاقة القبول ووهب لي قوة على خلق المعصية دون الطاعة، فكيف يكلفني بالإطاقة؟، أو قال: إن الله تعالى أراد لي السوء ونكت في قلبي نكتة سوداء وسد مسامع قلبي ووكل بي شيطانا يضلني، فقل له: يريد بي الخير وينكت في قلبي نكتة من نور ويفتح مسامع قلبي ويوكل بي ملكا يسددني حتى أؤمن بك، فيفحم النبي أيضا.

واحتجوا أيضا بكثير من الآيات الدالة على استناد الفعل لفاعله، نحو: {يؤمنون به}، {يكفرون بآيات الله} وبكثير من الآيات الدالة على المدح نحو: {وإبراهيم الذي وفى} وفي الذم نحو: {وكيف تكفرون بالله وأنتم تتلى عليكم آيات الله} والوعد نحو: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} والوعيد نحو: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} وبالآيات الدالة على أن فعل العبد بمشيئته، نحو: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.

والجواب أن الفعل يستند حقيقة إلى من قام به، لا إلى من أوجده، فإن الأحمر مثلا الجسم، وإن كانت الحمرة بخلقه تعالى، وكذلك الأكل والشرب والنوم واليقظة وغيرها. وأما المدح والذم والوعد والوعيد فلاختيار العبد وكسبه إياه. وأما المشيئة فلأن أفعال العباد بإرادة الله تعالى، لكنها على وفق إرادة العبد، فإنه سبحانه لما كان عالما بما يريده العبد أراده، فإن الكتاب والسنة وآثار الأئمة ناصة على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} لا يفيد الخصم شيئا، فإنه تعالى لم يذم الكفرة على قولهم: إن الكفر بمشيئة الله تعالى، وإنما ذمهم لأنهم قصدوا بمقالتهم تكذيب النبي ﷺ، ولم يذمهم على تفويض الكائنات إلى مشيئة الله تعالى. وقوله تعالى فيما بعد: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} يصرم دجى هذا الوهم. وجميع شبههم في هذا الباب أوهى من بيت العنكبوت.

المطلب الثالث والعشرون في أن الله لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد

ذهبت المفوضة إلى أن الله تعالى فوض خلق الدنيا إلى محمد ﷺ وهو الخالق للدنيا وجميع ما فيها. وقالت جماعة منهم: إن الله تعالى فوض خلقها إلى محمد وعلي، فهما الخالقان لها. وقالت فرقة أخرى منهم: إن الله تعالى فوض خلقها وما فيها لعلي بن أبي طالب. والكل باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير الملة الإسلامية والمليون وغيرهم من العقلاء من أنه تعالى لم يفوض خلق الدنيا إلى أحد، لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات}، {خالق السموات والأرض وما بينهما}، {هل من خالق غير الله}، {الله خالق كل شيء} إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة التي في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولا دليل لهذه الفرقة الضالة على هذه الدعوى الكاذبة.

المطلب الرابع والعشرون في أن الله تعالى خالق الخير والشر

ذهبت الكيسانية والزيدية غير المخلصين والإمامية إلى أنه تعالى خالق الخير وليس بخالق الشر، بل خالق الشر إبليس وعصاة الثقلين. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أنه تعالى خالق كل شيء، لقوله تعالى: {لا إله إلا هو خالق كل شيء}، {كل شيء خلقناه بقدر}، {خلقكم وما تعملون}. ولما أخرجه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ عن ربه تبارك وتعالى: "أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدر على يده الخير، وويل لمن قدر على يده الشر".

ولما رواه محمد بن يعقوب الكليني وغيره عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله أنه كان يقول: "مما أوحى الله إلى موسى وأنزل عليه في التوراة: أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الخير وأجريته على يد من أحبه، فطوبى لمن أجريته على يده". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخلق وخلقت الشر وأجريته على يد من أردته، فويل لمن أجريته على يديه". وروى أيضا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: "إن في بعض ما أنزل الله في كتبه أني أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير وخلقت الشر، فطوبى لمن أجريت على يديه الخير، وويل لمن أجريت على يديه الشر". وروى علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي صاحب التفسير عن عبد المؤمن بن قاسم الأنصاري عن أبي عبد الله قال: "قال ربنا أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر". إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة.

ولقد سلك علماء الرافضة في تأويل هذه الأخبار كل واد. فقال بعض المحققين منهم: "المراد من الخير ما يلائم الطبع، ومن الشر ما ينافره"، وهذا لا يجديه نفعا على ما لا يخفى. ولأن ما ذهبوا إليه يستلزم إثبات الشركاء لله تعالى الذي له الخلق والأمر، ولذا سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة، فقال عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة»، وذلك لأنهم زعموا أن للعالم إلهين: أحدهما خالق الخير وهو يزدان، والثاني خالق الشر وهو أهرمن.

واحتج من خالف أهل الحق بأنه تعالى لو كان خالق كل شيء لكان خالق أفعال العباد، واللازم باطل، لأنه لو خلق الكفر والمعصية في العبد ثم عذبه بذلك لكان ظالما، فالملزوم مثله.

والجواب أن الظلم مستحيل في حقه تعالى؛ لأنه إما تجاوز الحد، أو التصرف في ملك الغير، وكلاهما محال على الله تعالى كما سبق؛ ولأن الله تعالى يخلق للعبد إرادة وقوة، فإذا أراد أن يفعل فعلا خلق الله تعالى ذلك الفعل فيه والقدرة عليه، والتفصيل في كتب الكلام، وهذا هو الأمر المتوسط بين الجبر والتفويض، وهو الصراط المستقيم، والمروي عن أئمة أهل البيت. روي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "قلت للإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله، هل فوض الله تعالى الأمر إلى العباد؟ فقال: الله تعالى أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد، فقلت: هل جبرهم على ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك، فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الأمر بين بين، لا جبر ولا تفويض، ولا كره ولا تسليط". وروى الكليني عنه أنه قال: "لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين". وروى الكليني عن أبي الحسن محمد بن الرضا نحوه وروى عن إبراهيم أنه قال: "سأل الرضا رجل: أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك، قال: أفيقدرون على فعل كما يريدون؟ فقال: هم أعجز من ذلك"، كذا في الفصول وفي نثر الدرر. وسأل الفضل بن سهل علي بن موسى الرضا في مجلس المأمون قال: "يا أبا الحسن، الخلق يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب، قال: فمطلقون؟ فقال: الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه". ولأن القدرة والإرادة مخلوقتان لله تعالى بالاتفاق، نص عليه نصير الدين الطوسي في قواعد العقائد وغيره، ولا فرق بين خلق الفعل في العبد وخلق قدرة خلقه فيه.

المطلب الخامس والعشرون في أن جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره

ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن ليس جميع الكائنات بقضاء الله تعالى وقدره. والقضاء إثبات ما هو كائن إلى الأبد على وفق ما تعلق به علمه تعالى أزلا في اللوح المحفوظ إجمالا، والقدر تفصيل قضاء الله السابق باتحادهما في المواد الخارجية. وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة من أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، لقوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}. ولما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»، ومثل ذلك كثير في الكتب الصحيحة.

وروى محمد بن بابويه القمي في كتاب التوحيد بإسناد صحيح عندهم عن أبي عبد الله أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر} ". وروى محمد بن بابويه القمي أيضا في حديث المعراج عن ابن عباس أن النبي ﷺ دعا الله فقال: "إلهي اجمع أمتي على ولاية علي بن أبي طالب ليردوا جميعا على حوضي يوم القيامة، فأوحى الله إليه أني قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، وقضائي ماض فيهم، لأهلكن من أشاء، وأهدي به من أشاء". وروى الكليني عن أبي نصير قال: "قلت لأبي عبد الله: شاء من أراد وقدر وقضى؟ قال: نعم، قلت: وأحب؟ قال: لا". وغير ذلك من رواياتهم الصحيحة عندهم.

واحتج من خالف أهل الحق أنه لو كانت المعاصي بقضاء الله وقدره لزم أن يكون الله ظالما، لأنه إذا قضى وقدر المعصية ثم عذب عليها كان ذلك ظلما.

والجواب أن القضاء على ما ذكرنا ليس من الظلم في شيء، لأنه إثبات ما تعلق به العلم في اللوح. وأما القدر فكذلك، لأن إيجاد الفعل عقب صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كما تقدم، فالعذاب بسبب سوء اختيار العبد المعصية وميل نفسه إليها وكسبه، ولو وكله الله تعالى إلى نفسه وفوض الأمر إليه يصدر منه المعصية بقدرته، ولأن القول بعدم التقدير إخراج الله تعالى عن سلطانه كما نطق به الصادق، ولأنه قد سبق أن الظلم لا يتصور في حقه تعالى.

المطلب السادس والعشرون في أن قرب العبد إلى ربه ليس بقرب مكان

ذهبت الحكمية والسالمية والشيطانية والميثمية وغيرهم من الإمامية إلى أن قرب العبد إلى ربه قرب مكان. روى ابن بابويه في كتاب المعراج عن حمران بن أعين عن أبي جعفر أنه قال في تفسير قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى}: "أدنى الله نبيه، فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ، فيه فراش يتلألأ من ذهب، فأراه صورة؛ فقيل: يا محمد، أتعرف هذه الصورة؟ قال: نعم، هذه صورة علي بن أبي طالب". وهو باطل.

والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم، أن قرب العبد إلى الله تعالى إنما هو بالدرجة والمنزلة والرضوان، وليس قربه منه سبحانه قرب مكان، لأن الله تعالى منزه عن المكان. والأثر من موضوعاتهم، فإن أمارات الوضع لائحة عليه، لأنه مخالف للأخبار الصحيحة، ولأنه يدل على أن صورة علي أقرب إلى الله تعالى من محمد، وبطلانه ظاهر.


السيوف المشرقة ومختصر الصواقع المحرقة
مقدمة | في بيان ظهور الرافضة وسبب افتراقهم وعدد فرقهم وبيان أول من لقب الشيعة ومدتهم وذكر مكائدهم | في الإلهيات | في مباحث النبوة | في الإمامة | في رد مطاعن الخلفاء الثلاثة وأم المؤمنين وسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم | في المعاد | في بيان ما يدل على بطلان مذهب الشيعة | في ذكر شيء من تعصباتهم ونبذ من هفواتهم