السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية/4

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث


السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
المؤلف: ابن تيمية


1 - حد شرب الخمر :[عدل]

وأما حد الشرب: فإنه ثابت بسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين قد روى أهل السنن عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: [ من شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب الخمر فاجلدوه ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه ] وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة هو وخلفاؤه والمسلمون بعده

والقتل عند أكثر العلماء منسوخ وقيل هو محكم يقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة

وقد ثبت عن النبي ﷺ: أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين وضرب عمر في خلافته ثمانين وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين ومنهم من يقول: الواجب أربعون والزيارة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها ونحو ذلك

فأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفي الأربعون وهذا أوجه القولين وهو قول الشافعي و أحمد رحمها الله في إحدى الروايتين عن أحمد

وقد كان عمر رضي الله عنه - لما كثر الشرب - زاد فيه النفي وحلق الرأس مبالغة في الزجر عنه فلو عزر الشارب مع الأربعين بقطع خبزه أو عزله عن ولايته كان حسنا وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه عن بعض نوابه أنه يتمثل بأبيات في الخمر فعزله

والخمرة التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي ﷺ بجلد شاربها كل شراب مسكر من أي أصل كان سواء من الثمار كالعنب والرطب والتين أو الحبوب كالحنطة والشعير أو الطلول كالعسل أو الحيوان كلبن الخيل بل لما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد ﷺ تحريم الخمر لم يكن عندهم بالمدينة من خمر العنب شيء لأنه لم يكن بالمدينة شجر عنب وإنما كانت تجلب من الشام وكان عامة شرابهم من نبيذ التمر وقد تواترت السنة عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه رضي الله عنهم أنه حرم كل مسكر وبين أنه خمر

وكانوا يشربون النبذ الحلو وهو أن ينبذ في الماء تمر وزبيب أي يطرح فيه والنبذ الطرح ليحلوا الماء لا سيما كثير من مياه الحجاز فإن فيه ملوحة فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين لأنه لا يسكر كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرا وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن ينبذوا هذا النبيذ في أوعية الخشب أو الجرر وهو ما يصنع من التراب أو القرع أو الظروف المزفتة وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي تربط أفواهها بالأوكية لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبا خفيفا ولا يشعر الإنسان فربما شرب الإنسان ما قد دبت فيه الشدة المطربة وهو لا يشعر فإذا كان السقاء موكيا انشق الظرف إذا غلا فيه النبيذ فلا يقع الإنسان في محذور وتلك الأوعية لا تنشق

وروى عنه أنه ﷺ رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية وقال: [ كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا المسكر ] فاختلف الصحابة ومن بعدهم من العلماء منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يثبته فنهى عن الانتباذ في الأوعية ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ فرخص في الانتباذ في الأوعية فسمع طائفة من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ فاعتقدوا أنه المسكر فترخصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر وترخصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب

والصواب ما عليه جماهير المسلمين أن كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب منه قطرة واحدة لتداو أو غير تداو فإن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتداوى بها فقال: [ إنها داء وليست بدواء وإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها ]

والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب فإن وجدت منه رائحة الخمر أو رؤى وهو يتقايؤها ونحو ذلك فقد قيل: لا يقام عليه الحد لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلا بها أو مكرها ونحو ذلك وقيل: يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ ن وهو الذي اصطلح عليه الناس وهو مذهب مالك و أحمد في غالب نصوصه وغيرهما

والحشيشة المصنوعة من ورق العنب حرام أيضا يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر وهي أخبث من الخمر من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير الرجل تخنث ودياثة وغير ذلك من الفساد والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة

وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدها ورأى أن آكلها يعزر بما دون الحد حيث ظنها تغير العقل من غير طرب بمنزلة البنج ولم نجد للعلماء المتقدمين فيها كلاما وليس كذلك بل آكلوها ينشؤون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة إذا أكثروا منها مع ما فيها من المفاسد الأخرى من الدياثة والتخنث وفساد المزاج والعقل وغير ذلك

ولكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا هوالاعتبار الصحيح وقيل: لا لجمودها وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها وبكل حال فهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: يا رسول الله أفتنا في شرايين كنا نصنعهما باليمن: البتع - وهو من العسل ينبذ حتى يشتد - والمزر وهو من الذرة والشعير حتى يشتد قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطى جوامع الكلم بخواتيمه فقال: [ كل مسكر حرام ] متفق عليه في الصحيحين وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: [ إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر خمرا ومن العسل خمرا وأنا أنهى عن كل مسكر ] رواه أبو داود وغيره

ولكن هذا في الصحيحين عن عمر موقوفا عليه أنه خطب به على منبر رسول الله ﷺ فقال: [ الخمر ما خامر العقل ] وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: [ كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ] وفي رواية: [ كل مسكر خمر وكل خمر حرام ] رواه مسلم في صحيحه

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: [ كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام ] قال الترمذي حديث حسن وروى أهل السنن عن السنن عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: [ ما أسكر كثيره فقليله حرام ] وصححه الحافظ وعن جابر رضي الله عنه [ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر فقال: أمسكر هو ؟ قال: نعم فقال: كل مسكر حرام إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال: عرق أهل النار ]

رواه مسلم في صحيحه وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: [ كل محرم خمر وكل مسكر حرام ] رواه أبو داود

والأحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة جمع رسول الله ﷺ بما أوتيته من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ولم يفرق بين نوع ونوع ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا على الخمر قد يصطبغ بها والحشيشة قد تذاب في الماء وتشرب فكل خمر يشرب ويؤكل والحشيشة تؤكل وتشرب وكل ذلك حرام وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها لأنه إنما حدث أكلها من قريب في أواخر المائة السادسة أو قريبا من ذلك كما أنه قد أحدثت أشربة مسكرة بعد النبي ﷺ وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة

2 - حد القذف[عدل]

ومن الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون حد القذف فإذا قذف الرجل محصنا بالزنا أو اللواط وجب عليه الحد ثمانون جلدة والمحصن هنا هو الحر العفيف وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ كاملا في نكاح تام

1 - وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية أو يباشر بلا جماع أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة أو يقذف الناس بغير الزنا أو يسرق من غير حرز أو شيئا يسيرا أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا فيها وكالولاء والشركاء إذا خانوا أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك أو يطفف المكيال والميزان أو يشهد بالزور أو يلقن شهادة الزور أو يرتشي في حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته أو يتعزى بعزاء الجاهلية أو يلبي داعي الجاهلية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات فهؤلاء يعاقبون تعزيزا وتنكيلا داعي الجاهلية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات فهؤلاء يعاقبون تعزيزا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كان قليلا وعلى حسب حال المذنب فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك وعلى حسب كبر المذنب وصغره فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يعاقبه من يتعرض إلا لامرأة واحدة أو صبي واحد

وليس لأقل التعزير حد بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجر النبي ﷺ وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا وقد يعزر بعزله عن ولايته كما كان النبي ﷺ وأصحابه يعزرون بذلك وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين كالجندي المقاتل إذا فر من الزحف فإن الفرار من الزحف من الكبائر وقطع خبزه نوع تعزير له وكذلك الأمير فعل ما يستعظم فعزله من الإمارة تعزير له

وكذلك قد يعزر بالحبس وقد يعزر بالضرب وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوبا كما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بذلك في شاهد الزور فإن الكاذب سود الوجه فسود وجهه وقلب الحديث فقلب ركوبه وأما أعلاه فقد قيل: لا يزيد على عشرة أسواط وقال كثير من العلماء لا يبلغ به الحد ثم هم على قولين: منهم من يقول: لا يبلغ به أدنى الحدود: لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر وهي الأربعون أو الثمانون ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد وهي العشرون أو الأربعون وقيل: بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد ومنهم من يقول: لا يبلغ بكل ذنب جنسه وإن زاد على حد جنس آخر فلا يبلغ بالسارق من غير حرز قطع اليد وإن ضرب أكثر من حد القاذف ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنى حد الزنى وإن زاد على حد القاذف كما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلا نقش على خاتمه وأخذ بذلك من بيت المال فأمر به فضرب مائة ضربة ثم في اليوم الثاني مائة ضربة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة ضربة

وروى عن الخلفاء الراشدين في رجل وامرأة وجدا في لحاف: يضربان مائة وروى عن النبي ﷺ في الذي يأتي جارية امرأته إن كانت أخلتها له: [ جلد مائة ] وإن لم تكن أخلتها له: [ رجم ] وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره والقولان الأولان في مذهب الشافعي وغيره

وأما مالك وغيره فحكى عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين فإن أحمد يتوقف في قتله وجوز مالك وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى

وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وكذلك كثير من أصحاب مالك وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة وكذلك قد قيل في قتل الساحر فإن أكثر العلماء على أنه يقتل وقد روى عن جندب رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا: أن حد الساحر ضربة بالسيف رواه الترمذي وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قتله فقال بعض العلماء: لأجل الكفر وقال بعضهم لأجل الفساد في الأرض لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا

وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل كما يقتل من تكرر منه اللواط أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك

وقد يستدل على أن المفسد متى إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجه الأشجعي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ] وفي رواية: [ ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ] وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة بدليل ما رواه أحمد في المسند عن ديلم الحميري رضي لله عنه قال: [ سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا بأرض نعالج بها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا فقال: هل يسكر ؟ قلت نعم قال: فاجتنبوه قلت: إن الناس غير تاركيه قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم ] وهذا لأن المفسد كالصائل فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل

وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا من الله كجلد الشارب والقاذف وقطع المحارب والسارق والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب وترك محرم في المستقبل كما يستتاب المرتد حتى يسلم فإن تاب وإلا فقتل

وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة أو يؤدي الواجب عليه والحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ] قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله ما حرم الله لحق الله فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام مثل آخر الحلال وأول الحرام فيقال في الأول: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} ويقال في الثاني {تلك حدود الله فلا تقربوها}

وأما تسمية العقوبة المعزرة حدا فهو عرف حادث ومراد الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات

والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط فإن خيار الأمور أوساطها قال علي رضي الله عنه: ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين ولا يكون الجلد بالعصى ولا بالمقارع ولا يكتفي فيه بالدرة بل الدرة تستعمل في التعزير

أما الحدود فلا بد فيها من الجلد بالسوط كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤدب بالدرة فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط ولا تجرد ثيابه كلها بل ينزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ذلك ولا يربط إذا لم يحتج إلى ذلك ولا يضرب وجهه فإن النبي ﷺ قال: [ إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه ولا يضرب مقاتله ] فإن المقصود تأديبه لا قتله ويعطى كل عضو حظه من الضرب كالظهر والأكتاف والفخذين ونحو ذلك

العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان :

أحدهما: عقوبة المقدر عليه من الواحد والعدد كما تقدم

والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال فاصل هذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله فكل من بلغته دعوة رسول الله ﷺ إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}

وكان الله - لما بعث نبيه وأمره بدعوة الخلف إلى دينه - لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله حتى هاجر إلى المدينة فإذن له وللمسلمين بقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}

ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وأكد الإيجاب وعظم أمر الجهاد في عامة السور المدنية وذم التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} قال تعالى: {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} وهذا كثير في القرآن وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله في سورة الصف التي يقوم فيها: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} وكقوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} وقوله تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} وقال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}

فذكر ما يولده عن أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع كما دل عليه الكتاب والسنة حتى قال النبي ﷺ [ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ] وقال: [ إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله ] متفق عليه وقال: [ من اغبر قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ] رواه البخاري وقال ﷺ: [ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات أجرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ] رواه مسلم وفي السنن: [ رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ] وقال ﷺ: [ عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله ] قال الترمذي حديث حسن: وفي مسند الإمام أحمد: [ حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها ] وفي الصحيحين : [ أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله قال: لا تستطيع قال: اخبرني قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر ؟ قال: لا قال: فذلك الذي يعدل الجهاد ] وفي السنن: أنه ﷺ قال: [ إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ]

وهذا باب واسع لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه فهو ظاهر عند الاعتبار فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين الدنيا ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال على مال يشتمل عليه عمل آخر

والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائما إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة

ثم إن الخلق لا بد لهم من محيا وممات ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتهما فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد وقد يرغب في ترقية نفسه حتى يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهي أفضل الميتات

وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين والأول هو الصواب لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وفي السنن: عنه ﷺ: [ أنه مر على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس فقال: ما كانت هذه لتقاتل وقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا ] وفيهما أيضا عنه ﷺ أنه كان يقول: [ لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ]

وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال الله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يعاقب بما لا يعاقب به الساكت

ولهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء كما دل عليه الكتاب والسنة وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخا

فأما أهل الكتاب والمجوس فيقاتلون حتى يستسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

ومن سواهم فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم إلا أن عامتهم لا يأخذونها من العرب وأيما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت من بعض شرائعه الظاهرة المتواترة فإنه يجب جهادها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة - وكان قد توقف في قتالهم بعض الصحابة - ثم اتفقوا حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر رضي الله عنهما: كيف تقاتل الناس ؟ وقد قال رسول الله ﷺ: [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ] فقال له أبو بكر: فإن الزكاة من حقها والله - لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال: فعلمت أنه الحق وقد ثبت عنه ﷺ من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج

ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة]

وفي رواية مسلم عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء يقرءون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لا تكلوا على العمل ]

وعن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ في هذا الحديث: [ يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ] متفق عليه وفي رواية لمسلم: [ تكون أمتي فرقتين فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق ] فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لما حصلت الفرقة بين أهل العراق والشام وكانوا يسمون الحرورية

بين النبي ﷺ أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته وأن أصحاب علي أولى بالحق ولم يحرض إلا على قتال أولئك المارقين الذين خرجوا من الإسلام وفارقوا الجماعة واستحلوا دماء من سواهم من المسلمين وأموالهم فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين

وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين: فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات ويؤدوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات من نكاح الأخوات وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ذلك

وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي ﷺ إليهم بها يقاتلون عليه فأما إذا بدءوا المسلمين فيتأكد قتالهم ما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع كما نعى الزكاة والخوارج ونحوهم يجب ابتداء ودفعا فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وكان الفضل لمن قام به كما قال الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} الآية فأما إذا أرادوا الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما الله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} وكما أمر النبي ﷺ بنصر المسلم وسواء أكان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق ولم يأذن الله في تركه أحدا كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج بل ذم الذين يستأذنون النبي ﷺ {يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا}

فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف الممتنعة

فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك

فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم فإنه يؤمر بالصلاة فإن امتنع عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل فيستتاب فإن تاب وإلا قتل وهل يقتل كافرا أو مرتدا أو فاسقا ؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره وهذا مع الإقرار بالوجوب

فأما من جحد الوجوب فهو كافر بالاتفاق بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعا ويضربوه عليها لعشر كما أمر النبي ﷺ حيث قال: [ مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ]

وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها ومن تمام ذلك تعاهد مساجد المسلمين وأئمتهم وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاة النبي ﷺ حيث قال: [ صلوا كما رأيتموني أصلي ] رواه البخاري وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: [ إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ]

وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم فلا يفوتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينه بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة ولا يقتصر على مايجوز للمنفرد الاقتصار عليه من قدر الأجزاء إلا لعذر وكذلك على إمامهم في الحج وأميرهم في الحرب ألا ترى أن الوكيل والولي في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله ؟ وهو في مال نفسه يفوت نفسه ما شاء فأمر الدين أهم وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى

ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح للطائفتين دينهم ودنياهم وإلا اضطربت الأمور عليهم وملاك ذلك كله حسن النية للرعية وإخلاص الدين كله لله والتوكل عليه فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة كما أمرنا أن نقول في صلاتنا {إياك نعبد وإياك نستعين} فإن هاتين الكلمتين قد قيل: أنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء وقد روى أن النبي ﷺ كان مرة في بعض مغازيه فقال: [ يامالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ] فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: {فاعبده وتوكل عليه} وقوله تعالى: {عليه توكلت وإليه أنيب} وكان النبي ﷺ - إذا ذبح أضحيته - يقول: [ اللهم منك وإليك ]

وأعظم عون لولي الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة أمور أحدها: الإخلاص لله والتوكل عليه بالدعاء وغيره وأصل ذلك المحافظة على الصلوات والبدن والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة الثالث: الصبر على أذى الحلق وغيره من النوائب ولهذا جمع الله بين الصلاة والصبر كقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} وكقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} وقوله تعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} وكذلك في سورة ق: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} وقال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}

وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا فالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى دعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه وفي الزكاة بالإحسان إلى الخلق بالمال والنفع من نصر المظلوم وإغاثة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ كل معروف صدقة ] فيدخل فيه كل إحسان ولوببسط الوجه والكلمة الطيبة ففي الصحيحين: عن علي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: [ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولاترجمان فينظر أيمن فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه فينظر أمامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل فإن لم يجد فبكلمة طيبة ] وفي السنن عن النبي ﷺ قال: [ لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ] وفي السنن عن النبي ﷺ: [ إن أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن ] وروى عنه ﷺ أنه قال لأم سلمة [ يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الأشر والبطر ] كما قال تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} وقال لنبيه ﷺ {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}

وقال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} وقال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} وقال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين}

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ألا يقوم من وجب أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا وأصلح فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه فقد قال الله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} وقال تعالى للصحابة: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه ] وقال ﷺ: [ إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ]

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: والله لأريدن أن أخرج لهم المرة من الحق فأخاف أن ينفروا عنها فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا فأخرجها معها فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه

وهكذا كان النبي ﷺ إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول وسأله مرة بعض أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال: [ إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ] فمنعهم إياها وعوضهم من الفيء وحاكم إليه علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة فلم يقض بها لواحد منهم ولكن قضى بها لخالتها ثم إنه طيب قلب كل واحد منهم بكلمة حسنة فقال لعلي: [ أنت مني وأنا منك ] وقال لجعفر: [ أشبهت خلقي وخلقي ] وقال لزيد: [ أنت أخونا ومولانا ] فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر مالا يصلح بذله من الولايات والأموال والمنافع والجود والشفاعة في الحدود وغير ذلك فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن أو يردهم بميسور من القول ما لم يحتج إلى الإغلاظ فإن رد السائل يؤلمه خصوصا من يحتاج إلى تأليفه وقد قال الله تعالى: {وأما السائل فلا تنهر} وقال تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} إلى قوله: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا}

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض من الطيب الذي يسوغ الدواء الكريه وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام - لما أرسله إلى فرعوه -: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}

وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما - لما بعثهما إلى اليمن - [ يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا ] وبال مرة أعرابي في المسجد فقام أصحابه إليه فقال: [ لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله ثم أمر بدلو من ماء فصب عليه وقال النبي ﷺ: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ] والحديثان في الصحيحين

وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته فأن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان ؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء فإن لم يأكل حتى مات دخل النار لأن العبادات لا تؤدي إلا بهذا ومالا يتم إلا به فهن واجب ولهذا كانت نفقة الإنسان على نفسه وأهله مقدمة على غيرها ففي السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [ تصدقوا فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي آخر قال: تصدق به على زوجتك قال: عندي آخر قال: تصدق به على ولدك قال عندي آخر قال: تصدق به على خادمك قال عندي آخر قال: أنت أبصر به ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [ دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمهما أجرا الذي أنفقته على أهلك ] وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [ يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى ] وهذا تأويل قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي الفضل

وذلك لأن نفقة الرجل على نفسه وأهله فرض عين بخلاف النفقة في الغزو على المساكين فإنه في الأصل إما فرض على الكفاية وإما مستحب وإن كان قد يصير متعينا إذا لم يقم غيره به فإن إطعام الجائع واجب ولهذا جاء في الحديث [ لو صدق السائل لما أفلح من رده ] ذكره الإمام أحمد وذكر أنه إذا علم صدقة وجب إطعامه وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ الذي فيه من أنواع العلم والحكمة وفيه أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام: حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه وساعة يناجي يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه وساعة يخلو فيها بلذاته فيما يحل ويجمل فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات فبين أنه لا بد من اللذات المباحات الجميلة فإنها تعين على تلك الأمور

ولهذا ذكر الفقهاء أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة باستعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق فإنهم بذلك يجتلبون ما ينفعهم كما خلق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم وحرم من الشهوات ما يضر تناوله وذم من اقتصر عليها فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: [ في بضع أحدكم صدقة قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر ؟ قالوا: بلى فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال ] وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: [ إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك ] الآثار في هذا كثيرة فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكان المباحات في صالح أعماله لصالح قلبه ونيته والمنافق لفساد قلبه ونيته - يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء فإن في الصحيح أن النبي ﷺ قال: [ ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب ]

وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات فقد شرع أيضا كل ما يعين على ذلك فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن مثل أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره ولهذا شرعت المسابقة بالخيل والإبل والمناضلة بالسهام وأخذ الجعل عليها لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله حتى كان النبي ﷺ يسابق بين الخيل هو وخلفاؤه الراشدون ويخرجون الأسباق من بيت المال وكذلك عطاء المؤلفة قلوبهم فقد روى: [ أن الرجل كان يسلم أول النهار رغبة في الدنيا فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس ]