الخصائص/باب القول على الاطراد والشذوذ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الخصائص
المؤلف: ابن جني


الاطراد والشذوذ
باب القول على الاطراد والشذوذ

أصل مواضع "ط ر د" في كلامهم التتابع والاستمرار. من ذلك طردت الطريدة إذ اتبعتها واستمرت بين يديك، ومنه مطاردة الفرسان بعضهم بعضاً، ألا ترى أن هناك كراً وفراً فكل يطرد صاحبه. ومنه المطرد: رمح قصير يطرد به الوحش، واطرد الجدول إذا تتابع ماؤه بالريح. أنشدني بعض أصحابنا لأعرابي:

مالك لا تذكر أو تزور بيضاء بين حاجبيها نور
تمشي كما يطرد الغدير


ومنه بيت الأنصاري:

أتعرف رسماً كاطراد المذاهب


أي كتتابع المذاهب، وهي جمع مذهب، وعليه قول الآخر:

سيكفيك الإله ومسنمات كجندل لبن تطرد الصلالا

أي تتابع إلى الأرضين الممطورة لتشرب منها، فهي تسرع وتستمر إليها. وعليه بقية الباب. وأما مواضع "ش ذ ذ" في كلامهم فهو التفرق والتفرد، من ذلك قوله:

يتركن شذان الحصى جوافلا


أي ما تطاير وتهافت منه. وشذ الشيء يشِذ ويشُذ شذوذاً وشذاً، وأشذذته أنا، وشذذته أيضاً أشذه بالضم لا غير، وأباها الأصمعي وقال: لا أعرف إلا شاذاً أي متفرقاً. وجمع شاذ شذاذ، قال:

كبعض من مر من الشذاذ


هذا أصل هذين الأصلين في اللغة. ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سمته وطريقه في غيرهما، فجعل أهل علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطرداً، وجعلوا ما فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذاً، حملاً لهذين الموضعين على أحكام غيرهما.
ثم اعلم من بعد هذا أن الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعاً، وهذا هو الغاية المطلوبة، والمثابة المنوبة، وذلك نحو: قام زيد، وضربت عمراً، ومررت بسعيد. ومطرد في القياس، شاذ في الاستعمال. وذلك نحو الماضي من: يدر، ويدع. وكذلك قولهم "مكان مبقل" هذا هو القياس، والأكثر في السماع باقل، والأول مسموع أيضاً، قال أبو داود لابنه داود "يابني، ما أعاشك بعدي؟"، فقال داود:

أعاشني بعدك واد مبقل آكل من حوذانه وأنسل

وقد حكى أيضاً أبو زيد في كتاب حيلة ومحالة: مكان مبقل. ومما يقوى في القياس، يضعف في الاستعمال مفعول عسى اسماً صريحا، نحو قولك: عسى زيد قائماً أو قياماً، هذا هو القياس، غير أن السماع ورد بحظره، والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا، وذلك قولهم: عسى زيد أن يقوم، و«فَعَسَى الله أَن يَأتيَ بالفتْحِ». وقد جاء عنهم شيء من الأول، أنشدنا أبو علي:

أكثرت في العذل ملحاً دائماً لا تعذلا إني عسيت صائما

ومنه المثل السائر: "عسى الغويرأ بؤساً".
والثالث المطرد في الاستعمال، الشاذ في القياس، نحو قولهم: أخوص الرمث، واستصوبت الأمر. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: يقال استصوبت الشيء، ولا يقال: استصبت الشيء. ومنه استحوذ، وأغيلت المرأة، واستنوق الجمل، واستتيست الشاة، وقول زهير:

هنالك إن يسخولوا المال يخولوا


ومنه اسفيل الجمل، قال أبو النجم:

يدير عيني مصعب مستفيل


والرابع الشاذ في القياس والاستعمال جميعاً. وهو كتتميم مفعول، فيما عينه واو، نحو: ثوب مصوون، ومسك مدووف. وحكى البغداديون: فرس مقوود، ورجل معوود من مرضه. وكل ذلك شاذ في القياس والاستعمال. فلا يسوغ القياس عليه، ولا رد غيره إليه. ولا يحسن أيضاً استعماله فيما استعملته فيه إلا على وجه الحكاية.
واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس، فلا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلاً يقاس عليه غيره. ألا ترى أنك إذا سمعت: استحوذ واستصوب أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما. ألا تراك لا تقول في استقام: استقوم، ولا في استساغ: استسوغ، ولا في استباع: استبيع، ولا في أعاد: أعود، لو لم تسمع شيئاً من ذلك قياساً على قولهم: أخوص الرمث. فإن كان الشيء شاذاً في السماع، مطرداً في القياس، تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله. من ذلك امتناعك من: وذر، وودع، لأنهم لم يقولوهما، ولا غرو عليك أن تستعمل نظيرهما، نحو: وزن ووعد لو لم تسمعهما. فأما قول أبي الأسود:

ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه

فشاذ. وكذلك قراءة بعضهم «ما وَدَعك ربك وما قلى». فأما قولهم: ودع الشيء يدع -إذا سكن- فاتدع، فمسموع متبع، وعليه أنشد بيت الفرزدق:

وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف

فمعنى "لم يدع" -بكسر الدال- أي لم يتدع ولم يثبت، والجملة بعد "زمان" في موضع جر لكونها صفة له، والعائد منها إليه محذوف للعلم بموضعه، وتقديره: لم يدع فيه أو لأجله من المال إلا مسحت أو مجلف، فيرتفع "مسحت" بفعله و "مجلف" عطف عليه، وهذا أمر ظاهر ليس فيه من الاعتذار والاعتلال ما في الرواية الأخرى. ويحكى عن معاوية أنه قال: خير المجالس ما سافر فيه البصر، واتدع فيه البدن. ومن ذلك استعمالك "أن" بعد كاد نحو: كاد زيد أن يقوم، هو قليل شاذ في الاستعمال، وإن لم يكن قبيحاً ولا مأبياً في القياس. ومن ذلك قول العرب: أقائم أخواك أم قاعدان هذا كلامها؟. قال أبو عثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائم أخواك أم قاعد هما؟ إلا أن العرب لا تقوله إلا قاعدان، فتصل الضمير، والقياس يوجب فصله ليعادل الجملة الأولى.