الجامع لأحكام القرآن/المقدمة/باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الجامع لأحكام القرآن - المقدمة

المؤلف: القرطبي
باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف

معنى السورة في (كلام العرب) الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة قال النابغة :

ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب

أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك. وقيل : سميت بذلك لشرفها وارتفاعها كما يقال لما ارتفع من الأرض سور. وقيل : سميت بذلك لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده كسور البناء ؛ كله بغير همز وقيل : سميت بذلك لأنها قطعت من القرآن على حدة من قول السرب للبقية سؤر وجاء في أسآر الناس أي بقاياهم فعلى هذا يكون الأصل سؤرة بالهمزة ثم خففت فأبدلت واوا لانضمام ما قبلها. وقيل : سميت بذلك لتمامها وكمالها من قول العرب للناقة التامة سورة وجمع سورة سور بفتح الواو وقال الشاعر :

سود المحاجر لا يقرأن بالسور

ويجوز أن يجمع على سورات وسورات وأما الآية فهي العلامة بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله أي هي بائنة من أختها ومنفردة. وتقول العرب : بيني وبين فلان آية ؛ أي علامة ومن ذلك قوله تعالى : {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} وقال النابغة :

توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع

وقيل : سميت آية لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه كما يقال خرج القوم بآياتهم أي بجماعتهم. قال برج بن مسهر الطائي :

خرجنا من النقبين لاحي مثلنا ... بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا

وقيل : سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها واختلف النحويون في أصل آية فقال سيبويه : أيية على فعلة مثل أكمة وشجرة فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة. وقال الكسائي : أصلها آيية على وزن فاعلة مثل آمنة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتباسها بالجمع. وقال الفراء : أصلها أيية بتشديد الياء الأولى فقلبت ألفا كراهة للتشديد فصارت آية وجمعها آي وآيات وآياء. وأنشد أبو زيد :

لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه

وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجميع ما يختلط بها من الشبهات أي الحروف وأطول الكلم في كتاب الله عز وجل ما بلغ عشرة أحرف نحو قوله تعالى : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} و { أَنُلْزِمُكُمُوهَا} وشبههما ؛ فأما قوله : {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} فهو عشرة أحرف في الرسم وأحد عشر في اللفظ وأقصرهن ما كان على حرفين نحو ما ولا ولك وله وما أشبه ذلك ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة مثل همزة الاستفهام وواو العطف إلا أنه لا ينطق به مفردا وقد تكون الكلمة وحدها آية تامة نحو قوله تعالى : {وَالْفَجْرِ} {وَالضُّحَى} {وَالْعَصْرِ} وكذلك {الم} و {المص} و {طه} و {يس} و {حم} في قول الكوفيين وذلك في فواتح السور فأما في حشوهن فلا. قال أبو عمرو الداني : ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله : في الرحمن {مُدْهَامَّتَانِ} لا غير. وقد أتت كلمتان متصلتان وهما آيتان وذلك في قوله : {حم عسق} على قول الكوفيين لا غير. وقد تكون الكلمة في غير هذا الآية التامة والكلام القائم بنفسه وإن كان أكثر أو أقل قال عز وجل : {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا} قيل : إنما يعني بالكلمة ها هنا قوله تبارك وتعالى : {نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} . إلى آخر الآيتين وقال عز وجل : {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} قال مجاهد : لا إله إلا الله وقال النبي  : " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" . وقد تسمي العرب القصيدة بأسرها والقصة كلها كلمة فيقولون قال قس في كلمته كذا أي في خطبته وقال زهير : في كلمته كذا أي في قصيدته وقال فلان في كلمته يعني في رسالته فتسمي جملة الكلام كلمة إذ كانت الكلمة منها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره وكان بسبب منه مجازا واتساعا.

وأما الحرف فهو الشبهة القائمة وحدها من الكلمة وقد يسمى الحرف كلمة والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع والمجاز قال أبو عمرو الداني : فإن قيل فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو ص و ق و ن حرفا أو كلمة ؟ قلت : كلمة لا حرفا وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه ولا ينفرد وحده في الصورة ولا ينفصل مما يختلط به وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة كانفراد الكلم وانفصالها فلذلك سميت كلمات لا حروفا قال أبو عمرو : وقد يكون الحرف في غير هذا المذهب والوجه. قال الله عز وجل : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} أي على وجه ومذهب ومن ذلك قول النبي  : " أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي سبعة أوجه من اللغات والله أعلم.

الجامع لأحكام القرآن - المقدمة
مقدمة المؤلف | باب ذكر جمل من فضائل القرآن والترغيب فيه وفضل طالبه وقارئه ومستعمله والعامل به | باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى وما يكره منها وما يحرم واختلاف الناس في ذلك | باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره | باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه | باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه وثواب من قرأ القرآن مُعْربا | باب ما جاء في فضل تفسير القرآن وأهله | باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو وفيمن عاداه | باب ما يلزم قارىء القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته | باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك ومراتب المفسرين | باب تبيين الكتاب بالسنة وما جاء في ذلك | باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما جاء أنه سهل على من تقدم العمل به دون حفظه | باب معنى قول النبي إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه | فصل قال كثير من علمائنا كالداودي وابن صفرة وغيرهما | فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام | باب ذكر جمع القرآن وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها | فصل في فعل عثمان رضي الله عنه | فصل وقد طعن الرافضة قبحهم الله تعالى في القرآن | باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآيه | فصل وأما شكل المصحف ونقطه | فصل وأما وضع الأعشار | فصل وأما عدد حروفه وأجزائه | باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف | باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أولا | باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها | فصل إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين | باب التنبيه عن أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره | باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان