الاستقامة/8

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
الاستقامة
المؤلف: ابن تيمية


وأما القتال فالسنة أيضا فيه خفض الصوت ولهذا قال حماس بن قيس بن خالد لامرأته يوم فتح مكة ... إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة ... وأبو يزيد قائم كالموتمه واستقبلهم بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

وهذه الدقادق والأبواق التي تشبه قرن اليهود وناقوس النصارى لم تكن تعرف على عهد الخلفاء الراشدين ولا من بعدهم من أمراء المسلمين وإنما حدث في ظني بعض ملوك المشرق من أهل فارس فإنهم أحدثوا في أحوال الإمارة والقتال أمورا كثيرة وانبثت في الأرض لكون ملكهم انتشر حتى ربا في ذلك الصغير وهرم فيها الكبير لا يعرفون غير ذلك بل ينكرون أن يتكلم أحد بخلافه حتى ظن بعض الناس أن ذلك من إحداث عثمان بن عفان وليس كذلك بل ولا فعله عامة الخلفاء والأمراء بعد عثمان رضي الله عنه

ولكن ظهر في الأمة ما أخبر به النبي حيث قال لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع قالوا فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء كما قال في الحديث الآخر لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن

وكلا الحديثين في الصحيح أخبر بأنه يكون في الأمة من يتشبه باليهود والنصارى ويكون فيها من يتشبه بفارس والروم

ولهذا ظهر في شعائر الجند المقاتلين شعائر الأعاجم من الفرس وغيرهم حتى في اللباس وأعمال القتال والأسماء التي تكون لأسباب الإمرة مثل الألفاظ المضافة إلى دار كقولهم ركاب دار وطشت دار وخان دار فإن ذلك في لغة الفرس بمعنى صاحب وحافظ فإذا قالوا جان دار فالجان هي الروح في لغتهم فالجان دار بمعنى حافظ الروح وصاحب الروح وكذلك الركاب دار أي صاحب الركاب وحافظ الركاب وهو الذي يسرج الفرس ويلجمه ويكون في ركاب الراكب وكذلك صاحب الطشت الذي يغسل الثياب والأبدان

وكذلك برد دار وهو صاحب العتبة وهو الموكل بدار الأمير كالحداد والبواب الذي يمنع من الدخول والخروج ويأذن فيه

وكذلك يقولون جمدار وسلاح دار وجوكان دار وبندق دار ودوادار وخرندار واستادار لصاحب الثياب الذي يحفظ الثياب وما يتعلق بذلك ولصاحب السلاح والجوكان والبندق والدواه وخزانة المال والاستدانة وهي التصرف في إخراج المال وصرفه فيما يحتاج إليه من الطعام واللباس وغير ذلك

ويتعدى ذلك إلى ولاة الطعام والشراب فيقولون مرق دار أي صاحب المرقة وما يتعلق بها وشراب دار لصاحب الشراب ويقولون مهما ندار أي صاحب المهم كما يقولون مهمان خاناه أي بيت المهم والمهمة وهو في لغتهم الضيف أي بيت الإضافة وصاحب الضيافة مهمان دار لمثل رسول يرد على الأمير والعيون الذين هم الجواميس ونحو ذلك ممن يتخذ له ضيافة ويوجد منه أخبار وكتب ويعطى ذلك ونحو ذلك

فإن الألف والنون في لغتهم جمع كما يقولون مسلمان وفقيهان وعالمان أي مسلمون وفقهاء وعلماء ونحو ذلك قولهم فراش خاناه أي بيت الفرس والفراش يسمونه باللفظ العربي ويقولون زرد خاناه أي بيت الزرد

وهذا الخاص هو عام في العرف يراد به بيت السلاح مطلقا وإن ذكر لفظ الزرد خاصة كما كان الصحابة يعبرون عن السلاح بالحلقة والحلقة هي الدروع المسرودة من السرد الذي يقال له الزرد فنقلت السين زايا وربما قالوا الحلقة والسلاح أي الدروع والسلاح

ولهذا لما صالح النبي من صالحه من يهود صالحهم على أن له الحلقة وفي السيرة كان في بني فلان وفلان من الأنصار الحلقة والحصون أي هم الذين لهم السلاح الذين يقاتلون بها والحصون التي يأوون إليها كما يكون لأمراء الناس من أصناف الملوك المعاقل والحصون والقلاع ولهم السلاح فإن هذه الأمور هي جنن القتال وبها يمتنع المقاتل والمطلوب بخلاف من لا سلاح له ولا حصن فإنه ممكن من نفسه مقدور عليه في مثل الأمصار وإن كان القتال على الخيل بالسلاح هو أعلى وأفضل من القتال في الحصون بالسلاح فالحصان خير من الحصون ومن لم يكن قتاله إلا في الحصون والجدر فهو مذموم

كما قال تعالى عن اليهود لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون سورة الحشر 14

والمحدثات في أمر الإمارة والملك والقتال كثيرة جدا ليس هذا موضعها فإن الأمة هي في الأصل اربعة أصناف كما ذكر ذلك في قوله فاقرأوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله سورة المزمل 20

فالصنف الواحد القراء وهم جنس العلماء والعباد ويدخل فيهم من تفرع من هذه الأصناف من المتكلمة والمتصوفة وغيرهم

والصنف الآخر المكتسب بالضرب في الأرض وأما المقيمون من أهل الصناعات والتجارات فيمكن أن يكونوا من القراء المقيمين أيضا بخلاف المسافر فإن النبي قال إذا مرض العبد أو سافر كتبه له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم أخرجاه في الصحيحين عن ابي موسى

والله سبحانه إنما ذكر هذه الأصناف في الآية ليبين من يسقط عنه قيام الليل من أهل الأعذار فذكر المريض والمسافر اللذين ذكرا في الحديث وذكر المسافرين في ضربين الضاربين في الأرض يبتغون من فضل الله والمقاتلين في سبيل الله وهم التجار والأجناد

والمقصود هنا ان الأجناس الأربعة من المقاتلة والتجار ومن يلحق بهم من الصناع والقراء وأهل الأعذار كالمرضى ونحوهم كل هؤلاء قد حصل فيهم من الأنواع المختلفة ما يطول وصفه

وأمورهم ما بين حسن مأمور به وبين قبيح منهى عنه ومباح واشتمال أكثر أمورهم على هذه الثلاثة المأمور به والمنهى عنه والمباح والواجب الأمر بما أمر الله به والنهي عما نهى عنه والإذن فيما أباحه الله

لكن إذا كان الشخص أو الطائفة لا تفعل مأمورا إلا بمحظور أعظم منه أو لا تترك مأمورا إلا لمحظور أعظم منه لم يأمر امرا يستلزم وقوع محظور راجح ولم ينه نهيا يستلزم وقوع مأمور راجح فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الذي بعثت به الرسل والمقصود تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان

فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعا وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من اهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي اعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدفع أدنى الفسادين باعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما كما قال النبي ألا انبئكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين

لكن المقصود هنا ان هذه الأصوات المحدثة في امر الجهاد وإن ظن أن فيها مصلحة راجحة فإن التزام المعروف هو الذي فيه المصلحة الراجحة كما في اصوات الذكر إذ السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان أفضل من المتأخرين في كل شئ من الصلاة وجنسها من الذكر والدعاء وقراءة القرآن واستماعه وغير ذلك ومن الجهاد والإمارة وما يتعلق بذلك من أصناف السياسات والعقوبات والمعاملات في إصلاح الأموال وصرفها فإن طريق السلف أكمل في كل شئ ولكن يفعل المسلم من ذلك ما يقدر عليه

كما قال الله تعالى فآتقوا الله ما استطعتم سورة التغابن 16 وقال النبي إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولا حول ولا قوة إلا بالله

قال أبو القاسم القشيري وإن حسن الصوت مما أنعم الله تعالى به على صاحبه من الناس قال الله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء سورة فاطر 1 قيل في التفسير من ذلك الصوت الحسن وذم الله وسبحانه الصوت الفظيع فقال تعالى إن أنكر الأصوات لصوت الحمير سورة لقمان 19

قلت كون الشئ نعمة لا يقتضى استباحة استعماله فيما شاء الإنسان من المعاصي ولا يقتضي إلا حسن استعماله بل النعم المستعملة في طاعة الله يحمد صاحبها عليها ويكون ذلك شكرا لله يوجب المزيد من فضله فهذا يقتضي حسن استعمال الصوت الحسن في قراءة القرآن كما كان أبو موسى الأشعري يفعل وكما كان النبي يستمع لقراءته وقال مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا وقال لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود

فأما استعمال النعم في المباح المحض فلا يكون طاعة فكيف في المكروه أو المحرم ولو كان ذلك جائزا لم يكن قربة ولا طاعة إلا بإذن الله ومن جعله طاعة لله بدون ذلك فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله

ومعلوم أن القوة نعمة والجمال نعمة وغير ذلك من نعم الله التي لا يحصيها إلا هو فهل يجعل أحد مجرد كون الشئ نعمة دليلا على استحباب إعماله فيما شاء الإنسان أم يؤمر المنعم عليه بألا يستعملها في معصية ويندب إلى ألا يستعملها إلا في طاعة الله تعالى

فآلاستدلال بهذا منزلة من استدل بإنعام الله بالسلطان والمال على ما جرت عادة النفوس باستعمال ذلك فيه من الظلم والفواحش ونحو ذلك فآستعمال الصوت الحسن في الأغاني وآلات الملاهي مثل استعمال الصور الحسنة في الفواحش واستعمال السلطان بالكبرياء والظلم والعدوان واستعمال المال في نحو ذلك

ثم يقال له هذه النعمة يستعملها الكفار والفساق في أنواع من الكفر والفسوق أكثر مما يستعلها المؤمنون في الإيمان فإن استمتاع الكفار والفساق بالأصوات المطربة أكثر من استمتاع المسلمين فأي حمد لها بذلك إن لم تستعمل في طاعة الله ورسوله

وأما قوله إن الله ذم الصوت الفظيع فهذا غلط منه فإن الله لا يذم ما خلقه ولم يكن فعلا للعبد إنما يذم العبد بأفعاله الاختيارية دون ما لا اختيار له فيه وإن كان صوته قبيحا فإنه لا يذم على ذلك وإنما يذم بأفعاله

وقد قال الله في المنافقين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم سورة المنافقون 4

وقال ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام سورة البقرة 204

وإنما ذم الله ما يكون بآختيار العبد من رفع الصوت الرفع المنكر كما يوجد ذلك في أهل الغلظ والجفاء كما قال النبي الجفاء والغلط وقسوة القلوب في الفدادين من أهل الوبر وهم الصياحون صياحا منكرا

وقد قال الله تعالى واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير سورة لقمان 19 فأمره أن يغض من صوته كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم وكما أمره أن يقصد في مشيه وذلك كله فيما يكون باختياره لا مدخل لذه الصوت وعدم لذته في ذلك

وقال تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون سورة الحجرات 4 وقال لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له القول سورة الحجرات 2 وقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى سورة الحجرات 3

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي في التوراة قال ليس بفظ ولا غليظ ولاصخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر

وفي الصحيح أيضا انه أمر ان يبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب

وعنه قال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية

ثم قال ابو القاسم واستلذاذ القلوب واشتياقها إلى الأصوات الطيبة واسترواحها إليها مما لا يمكن جحوده فإن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل يقاسى تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء قال الله تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت سورة الغاشية 17

وحكى إسماعيل بن علية قال كنت أمشى مع الشافعي رحمه الله وقت الهاجرة فجزنا بموضع يقول فيه أحد شيئا فقال مل بنا إليه ثم قال أيطربك هذا فقلت لا فقال مالك حسن

قلت قد كان مستغنيا عن أن يستشهد على الامور الحسية بحكاية مكذوبة على الشافعي فإن إسماعيل بن علية شيخ الشافعي لم يكن ممن يمشي معه ولم يرو هذا عن الشافعي بل الشافعي روى عنه وهو من أجلاء شيوخ الشافعي وابنه ابراهيم بن إسماعيل كان متكلما تلميذا لعبد الرحمن بن كيسان الأصم أحد شيوخ المعتزلة وكان قد ذهب إلى مصر وكان بينه وبين الشافعي مناوأة حتى كان الشافعي يقول فيه أنا مخالف لابن علية في كل شئ حتى في قول لا إله إلا الله لأني أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء الحجاب وهو يقول لا إله إلا الله الذي خلق في الهواء كلاما يسمعه موسى وهذا يذكر له أول رسالة في أصول الفقه ويظن بعض الناس أن ابنه يشتبه بأبيه فإنه شيخ الشافعي وأحمد وطبقتهما

فهذه الحكاية يعلم انها مفتراة من له أدنى معرفة بالناس ولو صحت عمن صحت عنه لم يكن فيها إلا ما هو مدرك بالإحساس من ان الصوت الطيب لذيذ مطرب وهذا يشترك فيه جميع الناس ليس هذا من أمور الدين حتى يستدل فيه بالشافعي بل ذكر الشافعي في مثل هذا غض من منصبه مثل ما ذكر ابن طاهر عن مالك رحمه الله حكاية مكذوبة وأهل المواخر أعلم بهذه المسألة من أئمة الدين ولو حكى مثل هذا عن إسحاق بن إبراهيم النديم وأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني لكان أنسب من ان يحكيها عن الشافعي

ثم يقال كون الصوت الحسن فيه لذه أمر حسى لكن أي شئ في هذا مما يدل على الأحكام الشرعية من كونه مباحا او مكروها او محرما ومن كون الغناء قربة أو طاعة

بل مثل هذا ان يقول القائل استلذاذا بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذ النفوس بالوطء مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالمباشرة للجميل من النساء والصبيان مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بالنظر إلى الصور الجميلة مما لا يمكن جحوده واستلذاذها بأنواع المطاعم والمشارب مما لا يمكن جحوده فأي دليل في هذا لمن هداه الله على ما يحبه ويرضاه أو يبيحه ويجيزه

ومن المعلوم أن هذه الأجناس فيها الحلال والحرام والمعروف والمنكر بل كان المناسب لطريقة الزهد في الشهوات واللذات ومخالفة الهوى ان يستدل بكون الشئ لذيذا مشتهى على كونه مباينا لطريق الزهد والتصوف كما قد يفعل كثير من المشايخ يزهدون بذلك في جنس الشهوات واللذات

وهذا وإن لم يكن في نفسه دليلا صحيحا فهو اقرب إلى طريقة الزهد والتصوف من الاستدلال بكون الشئ لذيذا على كونه طريقا إلى الله

وكل من الاستدلالين باطل فلا يستدل على كونه محمودا أو مذموما أو حلالا او حراما إلا بالأدلة الشرعية لا بكونه لذيذا في الطبع أو غير لذيذ

ولهذا ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس اللذات كما قال للذين قال احدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال الآخر أما أنا فلا اتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال النبي لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني

وقد أنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين سورة المائدة 87

ثم إن أبا القاسم وطائفة معه تارة يمدحون التقرب إلى الله بترك جنس الشهوات وتارة يجعلون ذلك دليلا على حسنه وكونه من القربا ت وهذا بحسب وجد أحدهم وهواه لا بحسب ما أنزل الله وأوحاه وما هو الحق والعدل وما هو الصلاح والنافع في نفس الأمر

والتحقيق أن العمل لا يمدح ولا يذم لمجرد كونه لذة بل إنما يمدح ما كان لله أطوع وللعبد أنفع سواء كان فيه لذة أو مشقة قرب لذيذ هو طاعة ومنفعة ورب مشق هو طاعة ومنفعة ورب لذيذ أو مشق صار منهيا عنه

ثم لو استدل بهذا على تحسين القرآن به لكان مناسبا فإن الاستعانة بجنس اللذات على جنس الطاعات مما جاءت به الشريعة كما يستعان بالأكل والشرب على العبادات

قال تعالى يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله سورة البقرة 172 وقال كلوا من الطيبات واعملوا صالحا سورة المؤمنون 51

وفي الحديث المتفق عليه قوله عليه السلام لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك

وقال في بضع أحدكم أهله صدقة

وكذلك حمده في النعم كما في الحديث الصحيح إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها

فلو قال إن الله خلق فينا الشهوات واللذات لنستعين بها على كمال مصالحنا فخلق فينا شهوة الأكل واللذة به فإن ذلك في نفسه نعمة وبه يحصل بقاء جسومنا في الدنيا وكذلك شهوة النكاح واللذة به هو في نفسه وربه يحصل بقاء النسل فإذا استعين بهذه القوى على ما أمرنا كان ذلك سعادة لنا في الدنيا والآخرة وكنا من الذين أنعم الله عليهم نعمة مطلقة وإن استعملنا الشهوات فيما حظره علينا بأكل الخبائث في نفسها أو كسبها كالمظالم أو بالإسراف فيها أو تعدينا أزواجنا أو ما ملكت أيماننا كنا ظالمين معتدين غير شاكرين لنعمته لكان هذا كلاما حسنا

والله قد خلق الصوت الحسن وجعل النفوس تحبه وتلتذ به فإذا استعنا بذلك في استماع ما امرنا باستماعه وهو كتابه وفي تحسين الصوت به كما أمرنا بذلك حيث قال زينوا القرآن باصواتكم وكما كان يفعل أصحابه بحضرته مثل أبي موسى وغيره كنا قد استعملنا النعمة في الطاعة وكان هذا حسنا مأمورا به كما كان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون

فهذا كان استماعهم وفي مثل هذا السماع كانوا يستعملون الصوت الحسن ويجعلون التذاذهم بالصوت الحسن عونا لهم على طاعة الله وعبادته باستماع كتابه فيثابون على هذا الالتذاذ إذ اللذة المأمور بها المسلم يثاب عليها كما يثاب على أكله وشربه ونكاحه وكما يثاب على لذات قلبه بالعلم والإيمان فإنها أعظم اللذات وحلاوة ذلك أعظم الحلاوات

ونفس التذاذه وإن كان متولدا عن سعته وهو في نفسه ثواب فالمسلم يثاب على عمله وعمل ما يتلود عن عمله ويثاب عما يلتذ به من ذلك مما هو أعظم لذة منه فيكون متقلبا في نعمة ربه وفضله

فأما أن يستدل بمجرد استلذاذ الإنسان للصوت أو ميل الطفل إليه أو استراحة البهائم به على جواز أو استحباب في الدين فهو من أعظم الضلال وهو كثير فيمن يعبد الله بغير العلم المشروع

ومن المعلوم أن الاطفال والبهائم تستروح بالأكل والشرب فهل يستدل بذلك على ان كل أكل وشرب فهو حسن مأمور به

وأصل الغلط في هذه الحجج الضعيفة أنهم يجعلون الخاص عاما في الأدلة المنصوصة وفي عموم الألفاظ المستنبطة فيجنحون إلى أن الألفاظ في الكتاب والسنة أباحت أو حمدت نوعا من السماع يدرجون فيها سماع المكاء والتصدية أو يجنحون إلى المعاني التي دلت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات والسماع يجعلون ذلك متناولا لسماع المكاء والتصدية

وهذا جمع بين ما فرق الله بينه بمنزلة قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا وأصل هذا القياس المشركين الذين عدلوا بالله وجعلوا لله أندادا سووهم برب العالمين في عبادتها أو اتخاذها آلهة وكذلك من عدل رسوله متنبئا كذابا كمسيلمة الكذاب أو عدل بكتابه وتلاوته واستماعه كلاما آخر أو قراءته أو سماعه أو عدل بما شرعه من الدين دينا آخرا شرعه له شركاؤه فهذا كله من فعل المشركين وإن دخل في بعضه من المؤمنين قوم متأولون فالناس كما قال الله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون سورة يوسف 106

فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وهذا مقام ينبغي للمؤمنين التدبر فيه فإنه ما بدل دين الله في الأمم المتقدمة وفي هذه الأمة إلا بمثل هذا القياس ولهذا قيل ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس

وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده فإنه لم يعدل أحد بالله شيئا من المخلوقات في جميع الأمور فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك به كمن عمد إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه فعدل به سماع بعض الاشعار

وقد روى عن النبي أنه قال فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه رواه الترمذي وغيره

وروى أيضا عنه ما تقرب العباد إلى الله بشئ أحب إليه مما خرج منه يعني القرآن وهذا محفوظ عن خباب بن الأرت أحد المهاجرين الأولين السابقين قال يا هناه تقرب إلى الله بما استطعت فلن يتقرب إليه بشئ احب اليه من كلامه فإذا عدل بذلك ما نزه الله عنه ورسوله بقوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له سورة يس 69 وجعله قرآنا للشيطان كما في الحديث فما قرآني قال الشعر كان هذا عدل كلام الرحمن بكلام الشيطان وهذا قد جعل الشيطان عدلا للرحمن فهو من جنس الذين قال الله فيهم فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين سورة الشعراء 94 98

والاستدلال بكون الصوت الحسن نعمة واستلذاذ النفوس به على جواز استعماله في الغناء أو استحباب ذلك في بعض الصور مثل الاستدلال بكون الجمال نعمة ومحبة النفوس الصور الجميلة على جواز استعمال الجمال الذي للصبيان في إمتاع الناس به مشاهدة ومباشرة وغير ذلك او استحباب ذلك في بعض الصور وهذا أيضا قد وقع فيه طوائف من المتفلسفة والمتصوفة والعامة كما وقع في الصوت أكثر من هؤلاء لكن الواقعون في الصور فيهم من له من العقل والدين ما ليس لهؤلاء إذ ليس في هؤلاء رجل مشهور بين الناس شهرة عامة بخلاف أهل السماع ولكن هم طرقوا لهم الطريق وذرعوا الذريعة حتى آل الأمر بكثير من الناس أن قالوا وفعلوا في الصوت نظير ما قاله هؤلاء وفعلوه في الصور يحتجون على جواز النظر إليه والمشاهدة بمثل نظير إن الله جميل يحب الجمال وينسون قوله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم

ويحتجون بما في ذلك من راحة النفوس ولذاتها كما يحتج هؤلاء ويكرمون ذا الصورة على ما يبذله من صورته وإشهادهم إياها كما يكرم هؤلاء ذا الصوت على ما يبذله من صوته وإسماعهم إياه بل كثيرا ما يجمع في الشخص الواحد بين الصورة والصوت كما يفعل في المغنيات من القينات

وقد زين الشيطان لكثير من المتنسكة والعباد أن محبة الصور الجميلة إذا لم يكن بفاحشة فإنها محبة لله كما زين لهؤلاء أن استماع هذا الغناء لله ففيهم من يقول هذا اتفاقا وفيهم من يظهر أنه يحبه لغير فاحشة ويبطن محبة الفاحشة وهو الغالب

لكن ما أظهروه من الرأي الفاسد وهو أن يحب لله ما لم يأمر الله بمحبته هو الذي سلط المنافق منهم على أن يجعل ذلك ذريعة إلى الكبائر ولعل هذه البدعة منهم اعظم من الكبيرة مع الإقرار بأن ذلك ذنب عظيم والخوف من الله من العقوبة فإن هذا غايته أنه مؤمن فاسق قد جمع سيئة وحسنه وأولئك مبتدعة ضلال حين جعلوا ما نهى الله عنه مما أمر الله به وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا وبمثلهم يضل أولئك حتى لا ينكروا المنكر إذا اعتقدوا أن هذا يكون عبادة الله

ومن جعل ما لم يأمر الله بمحبته محبوبا لله فقد شرع دينا لم يأذن الله به وهو مبدأ الشرك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله سورة البقرة 165

فإن محبة النفوس الصورة والصوت قد تكون عظيمة جدا فإذا جعل ذلك دينا وسمى لله صار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تدينا وعبادة

كما قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم سورة البقرة 93

وقال تعالى عنهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم سورة 6

بخلاف من أحب المحرمات مؤمنا بأنها من المحرمات فإن من احب الخمر والغناء والبغي والمخنث مؤمنا بأن الله يكره ذلك ويبغضه فإنه لا يحبه محبة محضة بل عقله وإيمانه يبغض هذا الفعل ويكرهه ولكن قد غلبه هواه فهذا قد يرحمه الله إما بتوبة إذا قوى ما في إيمانه من بغض ذلك وكراهته حتى دفع الهوى وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بغير ذلك

أما إذا اعتقد أن هذه المحبة لله فإيمانه بالله يقوي هذه المحبة ويؤيدها وليس عنده إيمان يزعه عنها بل يجتمع فيها داعي الشرع والطبع الإيمان والهدى وذلك أعظم من شرب النصراني للخمر فهذا لا يتوب من هذا الذنب ولا يتخلص من وباله إلا أن يهديه الله

فتبين له أن هذه المحبة ليست محبة لله ولا أمر الله بها بل كرهها ونهى عنها وإلا فلو ترك أحدهم هذه المحبة لم يكن ذلك توبة فإنه يعتقد أن جنسها دين بحيث يرضى بذلك من غيره ويأمره به ويقره عليه وتركه لها كترك المؤمن بعض التطوعات والعبادات

وليس في دين الله محبة أحد لحسنه قط فإن مجرد الحسن لا يثيب الله عليه ولا يعاقب ولو كان كذلك كان يوسف عليه السلام لمجرد حسنه أفضل من غيره من الانبياء لحسنه وإذا استوى شخصان في الأعمال الصالحة وكان أحدهما أحسن صورة وأحسن صوتا كانا عند الله سواء فإن اكرم الخلق عند الله أتقاهم يعم صاحب الصوت الحسن والصورة الحسنة إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته كان أفضل من هذا الوجه كصاحب المال والسلطان إذا استعمل ذلك في طاعة الله دون معصيته فإنه بذلك الوجه أفضل ممن لم يشركه في تلك الطاعة ولم يمتحن بما امتحن به حتى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ثم ذلك الغير إن كان له عمل صالح آخر يساويه به وإلا كان الأول أفضل مطلقا

وهذا عام لجميع الأمور التي أنعم الله تعالى بها على بني آدم وابتلاهم بها فمن كان فيها شاكرا صابرا كان من أولياء الله المتقين وكان ممن امتحن بمحبة حتى صبر وشكر وإن لم يكن المبتلى صابرا شكورا بل ترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه كان عاصيا أو فاسقا أو كافرا وكان من سلم من هذه المحنة خيرا منه إلا أن يكون له ذنوب أخرى يكافيه بها

وإن جمع بين طاعة ومعصية فإن ترجحت طاعته كان أرجح ممن لم يكن له مثل ذلك وإن ترجحت معصيته كان السالم من ذلك خيرا منه فإن كان له مال يتمكن به في الفواحش والظلم فخالف هواه وأنفقه فيما يبتغي به وجه الله أحب الله ذلك منه وأكرمه وأثابه

ومن كان له صوت حسن فترك استعماله في التخنيث والغناء واستعلمه في تزيين كتاب الله والتغني به كان بهذا العمل الصالح وبترك العمل السئ أفضل ممن ليس كذلك فإنه يثاب على تلاوة كتاب الله فيكون في عمله معنى الصلاة ومعنى الزكاة

ولهذا قال النبي ما أذن الله لشئ كأذنه لبني حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به وقال لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته

ومن كان له صورة حسنة فعف عما حرم الله تعالى وخالف هواه وجمل نفسه بلباس التقوى الذي قال الله فيه يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير سورة الأعراف 26 كان هذا الجمال يحبه الله وكان من هذا الوجه أفضل ممن لم يؤت مثل هذا الجمال ما لا يكساه وجه العاصي فإن كانت خلقته حسنة ازدادت حسنا وإلا كان عليها من النور والجمال بحسبها

وأما أهل الفجور فتعلو وجوههم ظلمة المعصية حتى يكسف الجمال المخلوق قال ابن عباس رضي الله عنه إن للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة لظلمة في القلب وغبرة في الوجه وضعفا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق

وهذا يوم القيامة يكمل حتى يظهر لكل احد كما قال تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون سورة آل عمران 106 107

وقال تعالى ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين سورة الزمر 60

وقال تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة سورة القيامة 22 25

وقال تعالى وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة اولئك هم الكفرة الفجرة سورة عبس 38 42

وقال تعالى وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية سورة الغاشية 2 4 و وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية سورة الغاشية 89

وقال تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه سورة الكهف 29

وقال تعالى إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم سورة المطففين 22 24

وقال النبي لا تزال المسألة بأحدهم حتى يجئ يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم

وقال من سأل الناس وله ما يكفيه جاءت مسألته خدوشا أو كدوحا في وجهه يوم القيامة

وقال عليه السلام أول زمرة تلج الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم كأشد كوكب في السماء إضاءة وقال يوم حنين شاهت الوجوه لوجوه المشركين

وأمثال هذا كثير مما فيه وصف أهل السعادة بنهاية الحسن والجمال والبهاء وأهل الشقاء بنهاية السوء والقبح والعيب

وقد قال تعالى في وصفههم في الدنيا محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بنيهم إلى قوله سبحانه سيماهم في وجوههم من أثر السجود سورة الفتح 29 فهذه السيما في وجوه المؤمنين والسيما العلامة وأصلها من الوسم وكثيرا ما يستعمل في الحسن كما جاء في صفة النبي وسيم قسيم

وقال الشاعر ... غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيماء لا تشق على البصر ...

وقال الله تعالى في صفة المنافقين ولو نشاء لأرينا كهم فلعرفتهم بسيماهم سورة محمد 30 فجعل للمنافقين سيما أيضا

وقال وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر سورة الحج 72 فهذه السيما وهذا المنكر قد يوجد في وجه من صورته المخلوقة وضيئة كما يوجد مثل ذلك في الرجال والنساء والولدان لكن بالنفاق قبح وجهه فلم يكن فيه الجمال الذي يحبه الله وأساس ذلك النفاق والكذب

ولهذا يوصف الكذاب بسواد الوجه كما يوصف الصادق ببياض الوجه كما أخبر الله بذلك ولهذا روى عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتعزيز شاهد الزور بأن يسود وجهه ويركب مقلوبا على الدابة فإن العقوبة من جنس الذنب فلما اسود وجهه بالكذب وقلب الحديث سود وجهه وقلب في ركوبه وهذا أمر محسوس لمن له قلب فإن ما في القلب من النور والظلمة والخير والشر يسرى كثيرا إلى الوجه والعين وهما أعظم الأشياء ارتباطا بالقلب

ولهذا يروى عن عثمان أو غيره أنه قال ما أسر أحد بسريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه والله قد أخبر في القرآن أن ذلك قد يظهر في الوجه فقال ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم سورة محمد 30 فهذا تحت المشيئة ثم قال ولتعرفنهم في لحن القول سورة محمد 30 فهذا مقسم عليه محقق لا شرط فيه وذلك أن ظهور ما في قلب الإنسان على لسانه أعظم من ظهوره في وجهه لكنه يبدو في الوجه بدوا خفيا يعلمه الله فإذا صار خلقا ظهر لكثير من الناس وقد يقوى السواد والقسمة حتى يظهر لجمهور الناس وربما مسخ قردا أو خنزيرا كما في الأمم قبلنا وكما في هذه الأمة أيضا وهذا كالصوت المطرب إذا كان مشتملا على كذب وفجور فإنه موصوف بالقبح والسوء الغالب على ما فيه من حلاوة الصوت فذو الصورة الحسنة إما أن يترجح عنده العفة والخلق الحسن وإما أن يترجح فيه ضد ذلك وإما أن يتكافآ

فإن ترجح فيه الصلاح كان جماله بحسب ذلك وكان أجمل ممن لم يمتحن تلك المحنة

وإن ترجح فيه الفساد لم يكن جميلا بل قبيحا مذموما فلا يدخل في قوله إن الله جميل يحب الجمال

وإن تكافأ فيه الأمران كان فيه من الجمال والقبح بحسب ذلك فلا يكون محبوبا ولا مبغضا

والنبيصلى االله عليه وسلم ذكر هذه الكلمة للفرق بين الكبر الذي يبغضه الله والجمال الذي يحبه الله فقال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذلك فقال لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس فأخبر أن تحسين الثوب قد يكون من الجمال الذي يحبه الله كما قال تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد سورة الأعراف 31

فلا يكون حينئذ من الكبر

وقد يرد أنه ليس كل ثوب جميل وكل نعل جميل فإن الله يحبه فإن الله يبغض لباس الحرير ويبغض الإسراف والخيلاء في اللباس وإن كان فيه جمال فإذا كان هذا في لبس الثياب الذي هو سبب هذا القول فكيف في غيره

وتفسير هذا قوله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم

فعلم أن مجرد الجمال الظاهر في الصور والثياب لا ينظر الله إليه وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال فإن كان الظاهر مزينا مجملا بحال الباطن أحبه الله وإن كان مقبحا مدنسا بقبح الباطن أبغضه الله فإنه سبحانه يحب الحسن الجميل ويبغض السيئ الفاحش

وأهل جمال الصورة يبتلون بالفاحشة كثيرا واسمها ضد الجمال فإن الله سماه فاحشة وسوءا وفسادا وخبيثا فقال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا سورة الإسراء 32

وقال ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن سورة الأنعام 151

وقال أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين سورة الأعراف 80

وقال وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعلمون السيئات سورة هود 78

وقال ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث سورة الأنبياء 74

وقال رب انصرني على القوم المفسدين سورة العنكبوت 30

وقال وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين سورة الأعراف 84

والفاحش والخبيث ضد الطيب والجميل فإذا كان كذلك أبغضه الله ولم يحبه ولم يكن مندرجا في الجميل

ونظير ذلك قوله إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش وقوله إن الله يبغض الفاحش البذئ فلو أفحش الرجل وبذأ بصوته الحسن كان الله يبغض ذلك

ونفي المخنثين سنة من سنن النبي الثابته عنه في موضعين في حق الزاني والزانية اللذين لم يحصنا كما قال جلد مائة وتغريب عام وفي حق المخنث وهو إخراجه من بين الناس وذلك أن الفاحشة لا تقع إلا مع قدرة ومكنة الإنسان لا يطلب ذلك إلا إذا طمع فيه بما يراه من أسباب المكنة فمن العقوبة على ذلك قطع أسباب المكنة فإذا تغرب الرجل عن أهله وأعوانه وأنصاره الذي يعاونون وينصرونه ذلت نفسه وانقهرت فكان ذلك جزاء نكالا من الله من الجلد ولأنه مفسد لأحوال من يساكنه فيبعد عنهم وكذلك المخنث يفسد أحوال الرجال والنساء جميعا فلا يسكن مع واحد من الصنفين

وقد كان من سنة النبي وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء والمتأهلين والعزاب فكان المندوب في الصلاة أن يكون الرجال في مقدم المسجد والنساء في مؤخره

وقال النبي خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وقال يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال رؤوسهم من ضيق الأزر وكان إذا سلم لبث هنيهة هو والرجال لينصرف النساء أولا لئلا يختلط الرجال والنساء وكذلك يوم العيد كان النساء يصلين في ناحية فكان إذا قضى الصلاة خطب الرجال ثم ذهب فخطب النساء فوعظهن وحثهن على الصدقة كما ثبت ذلك في الصحيح وقد كان عمر بن الخطاب وبعضهم يرفعه إلى النبي قد قال عن أحد ابواب المسجد أظنه الباب الشرقي لو تركنا هذا الباب للنساء فما دخله عبد الله بن عمر حتى مات

وفي السنن عن النبي أنه قال للنساء لا تحققن الطريق وامشين في حافته أي لا تمشين في حق الطريق وهو وسطه وقال على عليه السلام ما يغار أحدكم أن يزاحم امرأته العلوج بمنكبها يعني في السوق

وكذلك لما قدم المهاجرون المدينة كان العزاب ينزلون دارا معروفة لهم متميزة عن دور المتأهلين فلا ينزل العزب بين المتأهلين وهذا كله لأن اختلاط أحد المصنفين بالآخر سبب الفتنة فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب وكذلك العزب بين الآهلين فيه فتنة لعدم ما يمنعه فإن الفتنة تكون لوجود المقتضى وعدم المانع فالمخنث الذي ليس رجلا محضا ولا هو امرأة محصنة لا يمكن خلطه بواحد من الفريقين فأمر النبي بإخراجه من بين الناس

وعلى هذا المخنث من الصبيان وغيرهم لا يمكن من معاشرة الرجال ولا ينبغي أن تعاشر المرأة المتشبهة بالرجال النساء بل يفرق بين بعض الذكران وبين بعض النساء إذا خيفت الفتنة كما قال مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع

وقد نهى عن مباشرة الرجل في ثوب واحد وعن مباشرة المرأة المرأة في ثوب واحد مع ان القوم لم يكونوا يعرفون التلوط ولا السحاق وإنما هو من تمام حفظ حدود الله كما أمر الله بذلك في كتابه وقد روى أن عمر بلغه أن رجلا يجتمع إليه نفر من الصبيان فنهى عن ذلك

وأبلغ من ذلك أنه نفى من شبب به النساء وهو نصر بن حجاج لما سمع امرأة شببت به وتشتهيه ورأى هذا سبب الفتنة فجز شعره لعل سبب الفتنة يزول بذلك فرآه أحسن الناس وجنتين فأرسل به إلى البصرة ثم إنه بعث يطلب القدوم إلى وطنه ويذكر الا ذنب له فأبى عليه وقال أما وأنا حي فلا

وذلك أن المرأة إذا أمرت بالاحتجاب وترك التبرج وغير ذلك مما هو من أسباب الفتنة بها ولها فإذا كان في الرجال من قد صار فتنة للنساء أمر أيضا بمباعدة سبب الفتنة إما بتغيير هيئته وإما بالانتقال عن المكان الذي تحصل به الفتنة فيه لأنه بهذا يحصن دينه ويحصن النساء دينهن

وبدون ذلك مع وجود المقتضى منه ومنهن لا يؤمن ذلك وهكذا يؤمر من يفتن النساء من الصبيان أيضا

وذلك أنه إذا احتج إلى المباعدة التي تزيل الفتنة كان تبعيد الواحد أيسر من تبعيد الجماعة الرجال أو النساء إذ ذاك غير ممكن فتحفظ حدود الله ويجانب ما يوجب تعدي الحدود بحسب الإمكان وإذا كان هذا فيمن لا ريبة فيه ولا ذنب فكيف بمن يعرف بالريبة والذنب

وهكذا المرأة التي تعرف بريبة تفتن بها الرجال تبعد عن مواضع الريب بحسب الإمكان فإن دفع الضرر عن الدين بحسب الإمكان واجب فإذا كان هذا هو السنة فكيف بمن يكون في جمعه من أسباب الفتنة ما الله به عليم والرجل الذي يتشبه بالنساء في زيهن

واستعمال أسماء الجمال والحسن والزينة ونحو ذلك في الأعمال الصالحة والقبح والشين والدنس في الأعمال الفاسدة أمر ظاهر في الكتاب والسنة وكلام العلماء مثل اسم الطيب والطهارة والخبث والنجاسة ومن ذلك ما في حديث أبي ذر المشهور وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن النبي أنه قال من حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يكون فيها مع أصحابه الذين يخبرونه عن ذات نفسه وساعة يخلو فيها بلذاته فيما يحل ويجمل فذكر الحل والجمال

وهذا يشهد لقول الفقهاء في العدالة إنها صلاح الدين والمروءة قالوا والمروءة استعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه وهذا يرجع إلى الحسن والقبح في الأعمال وأن الأعمال وأن الأعمال تكون حسنة وتكون قبيحة وإن كان الحسن هو الملائم النافع والقبيح هو المنافي فالشئ يكمل ويجمل ويحسن بما يناسبه ويلائمه وينفعه ويلتذ به كما يفسد ويقبح بما ينافيه ويضره ويتألم به والأعمال الصالحة هي التي تناسب الإنسان والأعمال الفاسدة هي التي تنافيه

ولهذا لما قال بعض الأعراب إن مدحي زين وذمي شين قال النبي ذاك الله فمدحه يزين عنده لأنه مدحه بحق ودمه يشينه لأنه حق

وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب يسري إلى الوجه كما تقدم ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة فكلما كثر البر والتقوى قوى الحسن والجمال وكلما قوى الإثم والعدوان قوى القبح والشين حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح فكم ممن لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ذلك على صورته

ولهذا ظهر ذلك ظهورا بينا عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها حتى يكون أحدهم في كبره أحسن واجمل منه في صغره ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهرا بها في حال الصغر لجمال صورتها

وهذا ظاهر لكل احد فيمن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وأهل المظالم والفواحش من الترك ونحوهم فإن الرافضي كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه حتى يقوى شبهه بالخنزير وربما مسخ خنزيرا وقردا كما قد تواتر ذلك عنهم ونجد المردان من الترك ونحوهم قد يكون أحدهم في صغره من أحسن الناس صورة ثم إن الذين يكثرون الفاحشة تجدهم في الكبر أقبح الناس وجوها حتى إن الصنف الذي يكثر ذلك فيهم من الترك ونحوهم يكون أحدهم أحسن الناس صورة في صغره وأقبح الناس صورة في كبره وليس سبب ذلك أمرا يعود إلى طبيعة الجسم بل العادة المستقيمة تناسب الأمر في ذلك بل سببه ما يغلب على احدهم من الفاحشة والظلم فيكون مخنثا ولوطيا وظالما وعونا للظلمة فيكسوه ذلك قبح الوجه وشينه

ومن هذا أن الذين قوي فيهم العدوان مسخهم الله قردة وخنازير من الأمم المتقدمة وقد ثبت في الصحيح أنه سيكون في هذه الأمة أيضا من يمسخ قردة وخنازير فإن العقوبات والمثوبات من جنس السيئات والحسنات كما قد بين ذلك في غير موضع

ولا ريب أن ما ليس محبوبا لله من مسخوطاته وغيرها تزين في نفوس كثير من الناس حتى يروها جميلة وحسنة يجدون فيها من اللذات ما يؤيد ذلك وإن كانت اللذات متضمنة لآلام أعظم منها

كما قال تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب سورة آل عمران 14

وقال أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء سورة فاطر 8

وقال تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تبات سورة غافر 37

وقال وكذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون سورة الأنعام 108

وقال تعالى وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم سورة الأنفال 48

وقد قال سبحانه عن المؤمنين ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون سورة الحجرات 7