الإسلام بحاجة إلى دعاية وتبشير

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلام بحاجة إلى دعاية وتبشير
  ► مجموعة مقالات نشرت في مجلة الفتح القاهرية لصاحبها محب الدين الخطيب، ومن ثم جمعت في كتاب. ط1: المطبعة السلفية بالقاهرة، ط2: مطبعة الاعتدال بدمشق. ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

من نحو سبع سنوات، حينما كنت أنشر هذه الفصول في مجلة «الفتح» الإسلامية التي تصدر بالقاهرة، لم أكن أنوي أن أجمعها في كتاب على حدة، ولم أكن أعتقد أنها فصول ذات بال، ولكن ما نشر منها فصل إلا وقابله القراء بغاية الرضى والاستحسان، ونشطني ذلك فمضيت في هذا السبيل.

وكان كاتب الدهر عطوفة الأمير شكيب أرسلان كتب إلي يومئذ يقول لي إنه أعجب بهذه الفصول كل الإعجاب، ويدعوني على المثابرة والمزيد، وقال إنه يرى أن أركان الأدب العربي في الجزائر اليوم هم أربعة: الزاهري وباديس والعقبي والميلي، فكتبت أنا إليه يومئذ أدله على آخرين هم من نوابغ الأدب اليوم في هذه البلاد، ذكرتهم له باسمائهم، وكان يومئذ حضرة العالم المفضال الأستاذ الشيخ محمود ياسين يكتب إلى مجلة «الفتح» من دمشق بمقالات نافعة بعنوان «سرني وساءني» فكان كلما نشر فصل من هذه الفصول إلا وكتب عنه وقال «سرني من كلام الزاهري كيت وكيت» وكانت الآنسة تفيدة علّام المعلمة الفضلى في مدرسة ثنوية للبنات في مصر قد أعجبت بفصل «الكتاب الممزق» وكتبت في «الفتح» يومئذ مقالا تبدي فيه هذا الإعجاب. وترجم أكثر هذه الفصول إلى الفرنسية، وترجم فصل واحد منها إلى لغة الملايو. ولما صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في سنة 1347 أثنت عليه جميع الصحف العربية التي أهديت إليها نسخ في المشرق والمغرب، وإني أذكر بعض ذلك على سبيل المثال: فقد عدت مجلة «المجمع العلمي العربي» في دمشق هذا الكتاب دليلا على أن في الجزائر وتونس والمغرب الأقصى نهضة علمية أدبية ناضجة مباركة، وقالت مجلة «المعرفة» الغراء التي تصدر في القاهرة في عدد مارس 1932 ما خلاصته: فكرة التبشير الإسلامي نشأت مع الفتح الإسلامي جنبا إلى جنب... وجاء اليوم كاتب الجزائر الأستاذ الشيخ محمد سعيد الزاهري فكساها ثوب العصر الحاضر، وخلع عليها أسلوب الرواية الرائع، فجاء كتابه «الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير» الذي هو الآن بين أيدينا ذبا طليا ومبتكرا جديدا في هذا الباب، ومضت تثني على هذا الكتاب، وتحث على مطالعته واقتنائه.

وكتب علامة الجزائر الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» فصلاً قيماً عن هذا الكتاب نشره في جزء شعبان 1350 من مجلة «الشهاب» التي تصدر تحت إشرافه في قسنطينة الجزائر جاء فيه ما نصه: «عرفنا شاعر الجزائر الشيخ السعيد الزاهري شاعراً خنذيذاً، وعرفناه كاتبا رحب البيان بليغا، وعرفناه في هذا الكتاب داعية إسلاميا كبيرا، وقد خاض مسألة الحجاب، والمرأة الجزائرية، ومسألة الإسلام والتغرب والشبيبة المتعلمة، فأبان عن الحقائق وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشد الخصوم - إذا أنصف - إلا بالإكبار والتسليم، وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة «الشبيه بالروائي» سهل جذاب، لا تستطيع إذا تناولت أوله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره... ».

ولعل هذا الثناء العاطر الذي تفضل رئيس العلماء الجزائريين فأثنى به على هذا الكتاب يغني عن ذكر ما لقيه من ثناء ورضى ومن إعجاب وتقدير عند علماء الجزائر وأدبائها جميعا، وعند الداعي إلى الله فضيلة الأستاذ الشيخ الطيب العقبي بالخصوص.

وإني أشكر سائر هؤلاء العلماء والأدباء على ما غمروني به من هذا التقدير الذي لا أستحقه ولا أراني له أهلا.


وبعد، إن نسخ الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد نفدت كلها، فرأيت أن أطبعه هذه الطبعة الثانية، وهي كما ترى جميلة أنيقة في ورق صقيل، ومهذبة مصححة، وقد أضفت إليها زيادات جوهرية وفصولا أخرى لم تنشر في الطبعة الأولى.

وعلى الله توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل.

الجزائر (العاصمة) في 29 محرم الحرام 1352=25 - 5 - 1933

محمد السعيد الزاهري

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

وبعد فإن الإسلام دين دعوة، وكل مسلم على وجه الأرض من وظيفته الدعوة إلى الإسلام بسيرته الشخصية أولا، ثم بحسن فهمه حكمة الإسلام في أساليبه ومراميه، وبالتنبيه بعد ذلك إلى هذه الحكمة في كل ما يضطر إليه من مناقشة وجدال.

وهذه فصول كتبها أخي في الدعوة، الأستاذ السيد محمد السعيد الزاهري الجزائري لتنشر في صحيفة الفتح، فرأيتها مثلاً صالحا للدعوة على الخير وما يجب أن يكون عليه الداعي من بصيرة وحكمة، لذلك استخرت الله عز وجل في إفرادها بهذا الكتاب عسى أن ينفع الله بها، وهو ولي التوفيق.

محب الدين الخطيب

عائشة

كنت بعاصمة الجزائر سنة 1344هـ، وصمت بها رمضان ذلك العام، وكنا رفقة نجتمع كل ليلة من ليالي رمضان، وكان في رفقتنا محام مسلم جزائري اسمه الإسلامي: «عبد القادر... » واسمه الفرنسي: «أَلبرت... » وهذا الاسم الأخير هو ما تدعوه به أمه الفرنسية وأصدقاؤه الفرنسيون والمتفرنسون، وكان هو الآخر متفرنسا، ومتفرنسا في كل شيء؛ في عقليته وأدبه، وفي أخلاقه وعاداته، وحتى في اللغة العامية التي يتكلم بها، فهو لا يقيم الصلاة، ولا يصوم رمضان، ولا يحرم ما حرم الله ولا يؤمن بأن القرآن تنزيل من الله، بل كان يحسبه من كلام الرسول ﷺ وهكذا - وهو عند نفسه مسلم - كان من الذين لا يدينون دين الحق، وذلك لأنه نشأ نشأة فرنسية محضة، ما كان يعرف فيهما ما الإسلام، ولا يعرف عن المسلمين شيئا، فقد ربته أم فرنسية، في وسط فرنسي...

ومع ذلك فقد وجدنا فيه خصلة حميدة هي التي كانت تربطنا به وتربطه بنا ارتباطا متينا، وهي وطنيته الحقة، وغيرته الصادقة على الجزائر وإخلاصه لأبنائها، وجهاده في سبيلها جهادا شريفا، فكنا نتعاون على البر بالجزائر، وعلى خدمة القضية الجزائرية: هو يستعين بي على فهم نفسية الجزائر المسلمة، وأنا استعين به على ما صدر في القضية من قرارات وقوانين.

وكان متزوجا بزوج فرنسية لا تعرف هي أيضا العربية الدارجة إلا قليلا، وكانت تحضر معه مجالسنا تلك، فكنا (أنا وإياه) نتكلم في الصلاة والصوم والقرآن وما إلى ذلك من مسائل الدين، وكان رجلاً لا يذعن إلا للحجة والدليل، فكان لذلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

فتحاورنا ما شاء الله محاورة مخلصة لا نريد بها إلا بيان الحق، ثم أذعن وصام وهجر الخمرة وآمن بالله واليوم الآخر وأيقن بأن القرآن من عند الله لا ريب فيه، ثم كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما وجدت أية صعوبة في إقناعه، مع أني لم أكن أطمع فيه، لما أعرفه في هؤلاء من المكابرة والعناد.

وليس مرادي أن أقص حكاية مسلم كان ضالاً فاهتدى من ضلاله، وإنما مرادي شيء آخر غير هذا، فقد انقضى رمضان ذلك وتفرقنا، فسافرت أنا في النصف الأخير من شوال 1344هـ إلى مدينة الأغواط بجنوب الجزائر مندوبا من بعض سراتها، فأنشأت بها (مدرسة الشبيبة القرآنية) بإعانة فضلائها واحتملت من العناء في هذا المشروع ما لا طاقة لي به [1] لولا حب هذا الوطن البائس، وحدث لي ما اضطرني إلى السفر إلى بسكرة (مسقط رأسي) فخلفني - لحسن الحظ - على المدرسة أخ مصلح كريم دعوته لهذه المهمة، وهو الأستاذ الميلي.

وسافر صديقي المحامي الأستاذ عبد القادر... إلى فرنسا هو وقرينته ومضت فترة لا أكتب إليه فيها ولا يكتب إلي، فلبثنا كذلك، حتى جاءتني منه ذات يوم رسالة يخبرني فيها بما عمله هنالك للجزائر، وبما ينوي أن يعمله لها، ويعاتبني على ما كان من قطيعة وجفاء ويخبرني بإسلام قرينته، ويشكر لي أن كنت سبباً في هدايتها.

وكتبت إليَّ هي بخطها ضافية تقول لي فيها: إنها مدينة لي بهدايتها إلى الإسلام لأنها وإن لم تعلن إسلامها ولم تذعه إلا في هذا اليوم فإنها كانت اعتنقت الإسلام منذ رمضان 1344، وكانت قالت يومئذ فيما بينها وبين نفسها: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله» منذ سمعتني أتحدث إلى زوجها عن حكمة الصلاة والصيام وتحريم الخمر، وعن القرآن الكريم وكونه كتاب الإنسانية الذي لا يصلحها إلا هو، وكونه تنزيلا من الله، ما فيه شك. وقالت: «... ومما زادني إيماناً ما رأيته في زوجي، وهو يحاورك في القرآن، فقد رأيت كل ما أعرفه فيه من قوة حجة وإحكام منطق، كل ذلك رأيته يضول أمام ما كنت تبديه من إيمان تندفع فيه اندفاعا: فيه لهجة صادقة، وفيه فصاحة وبيان، وإن أنس لا أنسى وجومه وقد زعم أن الوطنية الصادقة تغني عن الدين فقلت له: «إذا كنت لا تدين بدين أبناء وطنك، ولا تلبس لباسهم، ولا تتكلم بلغتهم وعوائدك غير عوائدهم فبماذا تكون وطنيا؟ ثم إذا كنت تعيش في غير مجتمعهم بعيداً عنهم وتتأدب بأدب غير أدبهم وتتخلق بأخلاق غير أخلاقهم فيماذا تميز مصلحتهم من مضرتهم؟ »

« لقد أسلمت منذ ذلك الحين يا سيدي وكنت أخشى إن أنا أذعنت إسلامي من النساء الفضوليات أن يسلقنني بألسنة حداد، وذهب عني اليوم هذا الخوف لما قوي إيماني وأعلنت إسلامي وأصبحت أفتخر به بين الفرنسيات في باريس وفي غير باريس وكثيرا ما دعوتهن إلى الإسلام ومنهن من يسمعن لقولي وكان من السهل أن يدخلن في دين الله لو أنهن وجدن معلما يعلمهن هذه الهداية وداعياً يدعوهن إليها دعاية إقناع وفيها بلاغ مبين»

«أنا مؤمنة مقتنعة بأن الإسلام هو دين الله، ما أرتاب فيه، ولكني - كما تعرفني - لا أملك من البيان ما أستطيع أن أقنع به صواحباتي وصديقاتي المتعلمات المهذبات! على أني قد بلغت وما زلت أبلغ... »

ثم سألتني عن مسائل في الصلاة والصيام والطلاق ونحو ذلك وطلبت مني أن أختار لها اسماً إسلامياً تسمي به نفسها، فاخترت لها اسم «عائشة» وقلت لها لأنه اسم عائشة أم المؤمنين إحدى أزواج رسول الله ﷺ، وذكرت لها لمحة من ترجمتها، فكتبت إلي تخبرني بأنها مغتبطة مسرورة بهذا الاسم الكريم وتذكر لي أنها عرضته على كثير من معارفها وصواحباتها ففرحن لها فرحاً شديداً وعدن يدعونها «عائشة» وتجد هي هذا الدعاء لذيذا، وتذكر لي أن قد أعجبتهن تلك اللمحة من ترجمة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - واستزادتني من الكتابة إليها بسير فضليات النساء المسلمات وتقول: إنها ترجو أن توفق إلى هداية كثيرات إلى الإسلام بمثل سير هؤلاء المؤمنات الصالحات، وأردت أن أوافيها برغبتها ولكني وجدت في ذلك مشقةً وعسرًا، فقد كنت أكتب إليها الرسالة بالعربية ثم أدفعها إلى أحد أصدقائي لينقلها إلى الفرنسية نقلا دقيقا عسيرا غير يسير لما في ذلك من آيات كريمة وأحاديث شريفة تصعب ترجمتها وترجمة ما فيها من إعجاز.

أنا لم أقصد أول مرة إلى هداية هذه السيدة المسيحية إلى الإسلام ولكن الله هداها إليه بما كنت أتحدث به إلى زوجها المسلم وبما كان يجري بيني وبينه في الإسلام من مناقشة وحوار، فأسلمت وجعلت تدعو إلى الإسلام وتُبشر به: لا تلهيها عن ذكر الله زينة باريس وزخرفها ولا ما هنالك من لعب ولهو ولا ما في تلك الحياة من غرور وأخاديع.

الكتاب الممزق

اجتمعت يوما عند عالم من علماء المشرقيات في الجزائر بسيدة فرنسية كاتبة مستشرقة هي الأخرى، وتكلمنا في مسألة التبشير الإسلامي والدعاية إلى سبيل المؤمنين فقلت: لو أن لهذا الإسلام هداة يهدون بالحسنى، ودعاة ينشرون الإسلام في أوربا وأمريكا وغيرها لما لبثت الكرة الأرضية إلا يسيرا حتى يغمرها الإسلام بنوره، فوافقت السيدة على رأي هذا العاجز، وأخبرتنا بأنها تعرف أسرة من الأسر النبيلة في الجزائر تزورها الفينة بعد الفينة، وتختلف إليها من حين إلى حين، تبحث عن المجتمع النسائي الإسلامي وما يتصل به.

وذكرت لنا أنها كانت ألفت كتابا في هذا الموضوع، وكانت تظنه كتابا قيما، نصحت فيه المرأة المسلمة بأن تعتمد على نفسها في تحرير رقبتها وأن تتمرد على الحجاب فلا تبقى سجينة به، وهكذا جعلت تصف للمسلمة طريق الحرية والخلاص! وقرأت من كتابها على ربة المنزل في تلك الأسرة وعلى نساء كن معها يستمعن الكتاب وصاحبته تتلوه عليهن، فلما سمعنه أكبرنه وقلن حاش لله ما هذا حقا، إن هذا إلا خطأ مبين، وابتدرتها ربة المنزل تقول لها: إنك سيدتي ألفت هذا الكتاب لنا معشر المسلمات بنية حسنة، وتريدين أن تخدمينا به خدمة صادقة وتعلمين لنا به عملاً صالحا (!) ولكن اسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك: إن كتابك هذا هو آلة هدم شرف المسلمة والقضاء على سعادتها، ولتمزيق ما هي فيه من صيانة وعفاف، وكل ما فيه أن الوهم يصور لك المرأة المسلمة أسيرة في يد الرجل وتتصورين حجابها سجنا لها، مع أن الأمر ليس كذلك، فإن حجاب المسلمة صيانة لها، والمرأة في خدرها كالوردة في كمها، والمرأة في خدرها كالملكة في قصرها لا تبرحه ولا تود أن تريم عنه، وليس الرجل إلا قيما (قواما) عليها، تظل هي في منزلها وكل غرامها في إصلاح شؤونه وفي تربية أولادها، ويظل هو يكد ويكدح ليؤدي ما لها عليه من واجب، وليقوم لها على ضرورياتها، وهو مسؤول لها أكثر مما هي مسؤولة، أترينها - وهي ملكة منزلها - تسمي نفسها أسيرة بيد رجل وتسمي حجابها سجنا لها؟ كلا سيدتي، فحجابها هو صونها، وأولى بالمرأة أن تصان وتحتجب. وكما يجب على الرجل أن يكون رجلا كاملا في رجولته، يجب على المرأة أن تكون امرأة أنثى كاملة في أنوثتها، وفي الحجاب من لين الأنوثة ودلالها ما لا يكون في السفور.

والسفور عندنا من عادات النساء البدويات والقرويات، حيث الخشونة وشظف العيش، لا من شأن الحضريات حيث الطراوة أو النعومة، وحيث الرفاهية والعيش الرخيم. والمرأة البدوية أو القروية بسفورها مترجلة تشبه الرجل، ثم هي ليست بامرأة كالنساء ولا برجل كالرجال.

قالت الراوية: واندفعت ربة المنزل تصف السافرة بأنها لاهية لاعبة مسرفة في لهوها وفي لعبها، وقد تقسو عليها فتصفها بقلة الحياء، حتى خجلتُ ووجمتُ فأردت أن أتكلم فلم أقدر على الكلام.

قالت: ثم جعلت تُدلُّ بالحجاب، وتزعم أن فيه الحشمة والعفاف وفيه الأنوثة وكل ما فيها من سحر ودلال، وتُطري المحتجبات، وتسرف في الثناء عليهن.

قالت: وهنا حنقت واستكبرت - وأنا المتعلمة الكاتبة - أن أقف بين يدي امرأة جاهلة موقف الحيرة والوجوم، وأنا ما جئتها إلا لأعلمها كيف تكون امرأة حرة (!) فجمعت «قوتي بيدي» وقلت لها:

- لو أنك يا سيدتي ذقت لذة الحرية لما صبرت عنها لحظة واحدة، ولمزقت حجابك تمزيقا.

قالت: وهل أنتِ في الحرية تتلذذين بها وتنعمين في بحبوحتها؟

قلت: نعم، أنا كذلك.

قالت: وأنت مع ذلك امرأة أنثى؟

قلت: وهو كذلك.

قالت: تلك أنتِ عند نفسكِ، وأما عندنا فما أنتِ كذلك.

قلت: وكيف؟

قالت: فلنجعلك أنتِ مثلاً أعلى للحرية التي تريدينها لنا، فأنت امرأة مهذبة كاتبة، ونحن إن خلصنا من الحجاب (كما تقولين) وترقينا وتمدينا، فما نحن ببالغات - مهما أمعنا في الترقي والتمدن - على الذروة التي أنت فيها من الثقافة والتهذيب، ومع هذا كله فما نراكِ كملت أنوثتك، وما نراك إلا فقدت أكثر ما تكون به امرأة.. امرأة أنثى كاملة في أنوثتها.

قالت الراوية: وهنا قاطعتها - بلهجة غضب - قائلة: ولمهْ؟

فقالت: أنتِ عازبة غير متزوجة؟

قالت: فقلت «نعم»

قالتا: وماذا يمنعك من الزواج؟

فقلت: لم أجد رجلا كما أحبُّ.

قالت: ويحك! فهل خلت رقعة الأرض من رجل يكون كما تريدين؟

وواصلت حديثها وقالت: ولا تعمرين منزلك إلا قليلا؟

فقلت: لا تتزوجين ولا تلدين ولا تعمرين منزلك، فما أنت بزوجة ولا بأم ولا بربة منزل، فإذا بماذا تكونين امرأة أنثى كاملة في أنوثتها؟ أبركوب الخيل، والخطب الحماسية، والتصفيق والهتاف؟ كلا سيدتي، ليس شيء من لين الأنوثة ولا نعومتها في هذا ولا في مثله.

قالت الراوية: فما زدتُ على أن ودعتهن، وخرجت خزيانة منكسرة مهزومة ليس وراء ما أنا فيه من الخزي والانكسار والهزيمة غاية أخرى، وكنت أراني كل شيء عند نفسي، فصرت أراني أهون ما يكون، وكان كتابي الذي أَحب ما يكون لي، فصار أرخص الأشياء وأسمجها في عيني، ولم ينطفئ ندمي عليه إلا بعد ما محوته محواً من لوح الوجود، وكان الحجاب في نظري عادة جامدة قاسية يجب أن تتمرد عليها كل مسلمة تريد أن تخرج إلى هذه الحياة، فصرت أنظر إليه كأقدس الشعائر التي يجب أن يحتفظ بها احتفاظا شديدا، وهكذا أصبحت أنظر إلى كل شيء إسلامي بغير العين التي كنت أنظر بها من قبل إليه. وإني مكبة اليوم على تأليف كتاب في نصرة الحجاب، قد انتهيت إليه منذ ذلك اليوم، ولا أكتمكم أني أصبحت أميل إلى الإسلام ميلا شديدا، وغير بعيد أن تسمعوا عني أن «فلانة» ( تعني نفسها) قد اعتنقت الإسلام.


وهذه امرأة مسلمة قد استطاعت على جهلها وأميتها أن تهزم بدفاعها عن دينها امرأة مثقفة راقية كاتبة مستشرقة هي كل شيء عند نفسها، وشيء عند الذين عرفوها وعرفوا فضلها وانتصافها. فلو أن جميع المسلمين والمسلمات يعتزون بالإسلام وينفحون عنه ويبشرون به ويدعون إلى سبيله، إذن يكونُ الدين كله لله، وإذن لآمن من في الأرض كلهم جميعا.

صديقي عمار

في الجزائر اليوم شباب ناهض مبارك يزكو كل يوم عدده ويزيد، وهذا الشباب فئتان: فئة قرأت العربية وتربت تربية إسلامية فقادتها (وهم قادة الأمة) يسيرون بالأمة في طريق الإصلاح الإسلامي، وسموا أنفسهم جماعة "الإصلاح الديني" [2] وهذه الحركة الإصلاحية حديثة العهد، لا ترجع في تاريخ انتشارها إلا إلى بضع سنوات. وفئة أخرى قرأت بالفرنسية وتربت تربية غير إسلامية، حتى إنها لا تعرف الإسلام ولا رجال الإسلام المشهورين إلا من طريق اللغة الفرنسية. وأنت تعلم ما كتب أئمة هذه اللغة (الفرنسية) من الهزؤ بالأديان وبرجال الأديان، فنشأت هذه الفئة من شباب الجزائر لا تعرف الإسلام ولا تحترمه، ولا تعرف التاريخ الإسلامي ولا تعتز به، بل ولا تعرف تاريخ الجزائر ولا تاريخ أسلافها في الجزائر؛ فهي لا تنظر إلى آبائها وأجدادها في هذه البلاد الكريمة إلا كما ينظر إليهم الفرنسيون ورجال الاستعمار. وهؤلاء المستعمرون يعمدون إلى كل مكرمة من مكارم الجزائر المسلمة، فيمسخونها مسخا، ولا يزالون بها حتى يخرجونها نقيصة يحطون بها من كرامة الجزائر، وعاراً يعيبون به آباءنا الجزائريين. فالرئيس "حميدو" القائد البحري الجزائري المشهور - الذي أخضع دول أوروبا جميعا لبأس الجزائر وسلطانها حتى كان الأوربيون جميعا يؤدون للجزائر مغرما سنويا، وكانوا لا يدخلون هذا البحر المتوسط حتى يعطوا الجزية عن بدٍ وهم صاغرون - هذا القائد البطل العربي الجزائري لا يعترف له المستعمرون بالشجاعة وشدة البأس، بل يقلبون ذلك فيصفونه بأنه قاطع طريق وبأنه هو وأصحابه الأبطال "قرصان" متوحشون. ويصفون "قرصان" الأوربيين الذين يعدون على الجزائر ظلماً وعدوانا بأنهم أهل نجدة وبطولة... وهكذا يمسخون كل فضيلة من فضائل الإسلام والعروبة في الجزائر.

وبهذه اللبان تغذى أبناء الجزائر الذين تخرجوا في المدارس الفرنسية، فهم لا يعرفون دينهم، ولا يعرفون لغتهم، ولا يعرفون تاريخهم الإسلامي، ولا تاريخ آبائهم المسلمين.

ومع ذلك، فإن هذا التعليم الغربي لم يستطع أن ينتزع من هؤلاء الشبان المسلمين كل ما يريد أن ينتزع منهم، وقد بقيت فيهم وطنية طبيعية كانت تذكو في نفوسهم، وتتأجج في صدورهم، وتطغى بهم من حين إلى حين. وكان احتكاكهم بالإفرنج وما يسومونهم به من سوء العذاب يزيد هذه الوطنية التهاباً وطغيانا. فيلتجئون إلى كتب الفرنجة نفسها فيستخرجون منها بعض ما كان لآبائهم من مكرمة وفخار، وبعض ما كان للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من عزة وسلطان، وبعض ما في دين الله (الإسلام) من الفضيلة ومكارم الأخلاق. ثم يعتزون بذلك ويفتخرون به أشد الافتخار.

من أجل ذلك، فإني كثيرا ما أطمع في هؤلاء الشبان المسلمين أن يفيئوا إلى أمر الله، وأطمع فيهم أن يكونوا دعاة يدعون الناس إلى الإسلام ويبشرون به بين الفرنسيين. وذلك يسير غير عسير، إذا كان حملة الدين ورجال الإسلام لا يبخلون على هؤلاء الشبان بأمر من أمور الدين، يبينون لهم الإسلام بياناً صادقاً حتى يعرفونه حق المعرفة، وحتى يمكنهم أن يبينوه للناس على وجهه.

عرفت كثيرا من هؤلاء الشبان المسلمين، فكانوا يفرحون بي ويستغربون أن يروا بينهم رجلاً من رجال الدين وعالماً من علماء الإسلام غير جامد ولا جاهل، ويستغربون - بفرح شديد - أن يروا رجلاً من المسلمين لا يعرف لغة غير اللغة العربية، ثم هو فيها يعرف أكثر مما يعرفون هم في اللغة الفرنسية التي يظنونها لغة العالم كله. وكثيراً ما صارحني غير واحد منهم بأنه اليوم فقط عرف أن العلم واحد في جميع اللغات، وأن الفكر يستوي فيه سائر البشر.

وقد أتحدث إلى أكثرهم علماً وأدباً من أصحاب الشهادات العالية فيستمع ويصغي إلي كما يصغي الولد الصغير الذي لا يعلم شيئاً، ولا سيما إذا تحدثت إليه في أمر من أمور الإسلام.

كنت عام (..) بالجزائر (العاصمة) وكان من رفاقي فيها الأستاذ مسعود سكفالي المحامي، وهو مشهور بالغيرة على أبناء وطنه وكان مرجعا لشباننا المتحمسين، وعرفت عنده من هؤلاء الشبان شاباً مسلماً ما يزال يومئذ طالباً في السنة النهائية من كلية الحقوق، وهو صغير ما يزال في الواحدة والعشرين من عمره. وقد تربى هذا الشاب في أحضان الكاثوليك في مدرسة من مدارسهم المسيحية، وكان اسمه "عمار"، ولكن هؤلاء الكاثوليك قد سموه اسماً مسيحياً، لا أذكره الآن..

وكان هذا الشاب المسلم قد منعه أولياؤه الكاثوليك من مخالطة المسلمين والتحدث باللغة العربية، حتى نسي أنه مسلم وأنه عربي جزائري. ولكن اختلاطه بالأستاذ سكفالي وأمثاله من المسلمين الذين تخرجوا في الجامعة الفرنسية بالجزائر أو في غيرها من جامعات فرنسا ومن الشبان المسلمين الذين ما زالوا بها طلبة يتعلمون ومعاشرته لهم قد نبه ذلك فيه وطنية كانت كامنة في قلبه، فعرف أنه مسلم وأنه عربي جزائري. وعرفته أنا وهو ما يزال يلبس القبعة، وما يزال عنده مطاعن المسيحيين وشبه الملحدين التي يقذفون بها الإسلام. وعرفته وهو يعتقد أنها شُبه ومطاعن ما عنده في ذلك شك. ولكنه يفتش على عالم مسلم ينزه له الإسلام عن هذه الشبه والمطاعن تنزيهاً واضحاً مفهوماً يقبله العقل ويعترف به الذين يعلمون. وهو وإن كان ناشئاً صغيرا، فإنه كاتب بليغ بلغة الفرنسيين، يعرف قيمته أدباء هذه اللغة جميعا. وأفضنا في هذه المطاعن وفي هذه الشبه، ومن حسن الحظ أن كانت هذه المطاعن وهذه الشبه هي التي قذف بها الإسلام في مصر الدكتور طه حسين وسلامه موسى وغيرهما من الملاحدة المقلدين وأعوان الاستعمار على تقريب شباننا من أغراضه، فكنت اطلعت عليها وعلى ما نشرته مجلة (الزهراء) و(الفتح) من تزييف تلك السخافات، وعلى أكثر ما كتبه كاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب أرسلان، وعلى أكثر ما كتبه الأديب الإمام السيد مصطفى صادق الرافعي في هذا الباب، واطلعت على غير ذلك. فقدمت إلى ما عند صاحبنا من مطاعن على الإسلام، فجعلتهن هباء منثورا. وكان ذلك - لذلك - علي سهلا ميسورا. وقد أجبته بأجوبة أخرى ما عثرت عليها لأحد غيري. وكانت أحاديثنا هذه في كل يوم صباح مساء، وكانت عامةً غير خاصة يحضرها كثير من قرنائه الشبان الجزائريين. وما هي إلا بضعة أيام حتى خلع صاحبنا "عمار" قبعته من على رأسه ولبس طربوشا، ثم مضى تواً إلى الكاثوليك الذين كان في مدرستهم بين حجورهم وقال لهم: "جئت لأخبركم بأني تركت دينكم وما تعبدون من دون الله، واتبعت ملة آبائي المسلمين. فمنذ اليوم أصبحت مسلما، لي ما للمسلمين وعلي ما عليهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله... ". وكانت أحاديثنا هذه بذرة صالحة لمقالات ممتعة، وفصول قيمة بليغة كتبها صاحبنا (عمار) ورفاقه الشبان باللغة الفرنسية في الدفاع عن الإسلام، وفي الرد على لوي بير تران وأندريه سرفييه، وهما من (كولون) الجزائر، ومن أشد أعداء الإسلام في العالم كله، ولكنهما لم يتقولا على الإسلام أكثر مما قرأناه للدكتور طه حسين وسلامه موسى وغيرهما من أدعياء التجديد في بلاد الشرق. غير أن هؤلاء الشبان قد استطاعوا بما عندهم من الحق والعلم وسحر البيان أن يقنعوا كثيراً من الفرنسيين ببطلان ما يدعيه أعداء الإسلام، حتى أن أندريه سرفييه كف عن الكيد للإسلام، وهدأ عن المسلمين، بل أصبح يكتب ما هو بالانتصار للإسلام أشبه منه بالكيد له والافتراء عليه، وهو الذي كان منذ بضع سنوات سود صحائف (كتابا) بشتم محمد ﷺ وبالافتراء على الإسلام. ولو أننا أسسنا في الجزائر معهداً إسلاميا يزود هؤلاء الشبان بالمعلومات الكافية ويعرفهم بكل ما يجب أن يعرفوه عن الإسلام بأسلوب جميل، لكانوا نصروا الإسلام بأقلامهم ولكتبوا عنه يومئذ ما فيه بلاغ مبين.

طلبة أفريقيا الشمالية

في سنة 1919 تأسست في عاصمة الجزائر جمعية إسلامية باسم (الجمعية الودادية لطلبة افريقية الشمالية)، والغرض منها إعانة الطلبة المسلمين الذين ما زالوا يتعلمون في الجامعات الفرنسية بالجزائر وفرنسا إعانة مادية وأدبية، أسسها شبان الجزائر المسلمون الذين حاولوا أن ينضموا إلى الجمعية الفرنسية التي أسسها قبل ذلك الشبان الفرنسيون، واشترطوا في قانونها الأساسي أن لا يدخلها عليهم طالب مسلم إلا أن يتفرنس. فكبر على شباننا أن يروا هذه الجمعية مباحة للطلبة الفرنسيين والاسبان واليهود وغيرهم ومحرمة على المسلمين، فأيقظ هذا التعصب الأوربي حمية إسلامية في صدور شباب الجزائر المسلمة فجعلوا لأنفسهم جمعية، كما لزملائهم جمعية، وقد أقبل الناس عليها إقبالا كثيرا، بعث فيها النشاط والحياة. وكان عدد الطلبة المسلمين قليلاً جداً في جامعة الجزائر، واليوم أصبح بفضل هذه الجمعية عدداً غير قليل... وهو في كل يوم يزكو ويزيد.

واطلعت على قانون هذه الجمعية فإذا هو يحتفظ بما في الجزائر من قومية ودين، ويحتفظ بذلك احتفاظا شديدا.

فرجوت أنا لهذه الجمعية المباركة أن تكون مسلمة خالصة لا شية فيها، تربي شباب الجزائر وتعلمهم الكتاب والحكمة وتزكيهم وتنشر فيهم خلق القرآن الكريم. ورجوت لها بعد أن تبشر بالإسلام وتدعو إلى سبيل المؤمنين.

وكان أكثر هؤلاء الشبان أصدقائي ومعارفي، فاجتمعت بكثير منهم وفاوضتهم في هذا الأمر، واقترحت عليهم أن يتخذوا لجمعيتهم نادياً إسلاميا تلقى فيه المحاضرات عن الإسلام وعن عظماء الإسلام، باللغة العربية وبالفرنسية...

وقمت فيهم بمحادثات كثيرة، وألقيت عليهم عدة محاضرات، حتى أقنعتهم بأن اتخاذ هذا النادي الإسلامي أمر واجب على هذه الجمعية مفروض لا بد منه.

وكنا قررنا كل شيء، وعينوني محاضراً بالعربية، على أن تترجم محاضراتي كلها إلى الفرنسية. فاقترحت أنا عليهم أن يعينوا الأستاذ الشيخ عمر راسم محاضراً بالفرنسية، فإنه رجل من أبر الناس بالإسلام ومن أكثرهم علماً به، وأنا لست أعرف عن الإسلام أكثر مما يعرف الأستاذ راسم. وقد فسر الجزء الأول من القرآن الكريم تفسيراً إذا أنت قرأته عرفت أن العلم موهبة يهبها الله من يشاء من عباده، وهو يعد من قادة الفكر في الجزائر، جاهد في سبيل الجزائر المسلمة، وأوذي في الله، ودخل السجن ولبث فيه سبع سنين. وهو أول رجل في الجزائر (فيما نعلم) حارب التفرنج والإلحاد بما كتبه بلغة القرآن، وبلغه الفرنسيس. فاستبشروا بهذا الاقتراح وكاد يتم كل شيء، ولكن الأشياء مرهونة بأوقاتها، فسافر من الجزائر بعض من كان الأمل معقوداً بهم في نجاح هذا المشروع، وسافرت أنا أيضا من غير أن أحادث الأستاذ الشيخ عمر راسم في هذا الموضوع.

وقد كاتبني اليوم بعض أولئك الأصدقاء في هذا الشأن، وطلب إلي (بعد ما انتهى من الطلب والدراسة إلى الحياة العملية) أن أعيد عليه تلك المحادثات. وراجعني فيها وألح في المراجعة، حتى ذكرني بأكثرها من بعد ما نسيت.

وفي الحق أن هذه المحادثات كانت كلها نقضا وتزييفاً لما في أيدي أعداء الإسلام من مطاعن ومفتريات حتى استطاعوا أن يخدعوا بها كثيراً من شباب الجزائر عن دينه الحق، لأنهم كانوا يلبسون على أبنائنا الحق بالباطل، ويخرجون لهم الكذب الجبريت في صورة الواقع الذي لا ريب فيه، ويزعمون أن ما ينتهون إليه إنما هو ثمرة البحث العلمي الذي لا يتعصب ولا يحابي! وأهم هذه المطاعن والمفتريات جاء في محاضرة حاضرنا بها أحد هؤلاء الشبان المغرورين في بهو من أبهاء الجزائر التي أعدت للاجتماعات والمحاضرات.

وخلاصة محادثاتي أنها جاءت في المحاضرة التي حاضرتهم بها جوابا عن محاضرة ذلك الشاب المغرور في تلك الليلة وفي التي تليها.

قام صاحبنا فما حمد الله ولا أثنى عليه، بل حمد الحاضرين وأثنى عليهم، وفرح بي وشكر لي أن حضرت هذا الاجتماع الذي لا يحضره عادة علماء الإسلام، يعني الفقهاء الذين ما زالوا يفضلون البقاء في ظلمات الجمود! ثم قال: ومن جمود هؤلاء "الفقهاء" أيها السادة، أنهم يؤمنون إيمانا جازما أن محمداً - ﷺ - أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب وذلك ليكون القرآن من عند الله لا من عمل محمد - ﷺ - ونحن نعتقد أن محمداً - ﷺ - كان يقرأ ويدرس الكتب القديمة، ونعتقد أن القرآن كان من عمله هو، وما أنزل الله على بشر من شيء.

ثم قال: وينبغي لنا أن ننبذ التعصب الديني ظهريا، فلا نترك - تعصباً - هذه الحضارة الغربية اللامعة، وما فيها من زخرف وزينة، إلى حضارة قديمة يقال إنها كانت لآبائنا القدماء المسلمين. فلنتمسك بهذه الحضارة الغربية المغرية، ثم إن وافقت حضارة الإسلام القديمة فذلك ما كنا نبغي، وإن خالفتها فحاجتنا إلى حضارة عاجلة هي زينة الحياة الدنيا، لا إلى حضارة إسلامية غابرة نجهلها ولا نعرفها. ثم تكلم عن حركة التجديد المتحرك في مصر وفي بلاد الشرق، وتمنى لها أن ينتصر السفور فيها على الحجاب، ثم استنهض إلى تحرير المسلمة الجزائرية حتى تكون كالمرأة الفرنسية حريةً وسفورا، وأخيراً طلب إلي أن أقول كلمتي في هذا الأمر، وكان يحسبني سأصادق على ما قال. ولكني نهضت فنقضت أقاويله هذه نقضاً حتى لم أبق منها على شيء، وحتى اقتنع الناس ببطلان تلك المفتريات، بل هو نفسه قد اقتنع وسلم تسليما.

وجملة ما قلته يومئذ: إن قادة الفكر في الجزائر أيها الإخوان فريقان: فريق متفرج متخرج من المدارس الفرنسية، يحتقر أمته ولا يحترم دينها ولا عوائدها ولا تاريخها، وكل ما يقدمه لها أنه يرميها بالجهل والجمود. وفريق آخر من "الفقهاء" يحذرون الأمة من هؤلاء المتفرنجين، ويسمونهم بالكفر والمروق من الإسلام. وهكذا ضل هؤلاء الفريقان دهراً طويلاً، ما يكلم أحد منهم أحداً، ولا يرأم الرجلُ منهم أخاه، ولا فكروا في تكوين وحدة إسلامية تنتفع بها أمة الجزائر. حتى بعث الله هذه الفئة المباركة من شبان الجزائر، وهي جماعة "الإصلاح الديني" فجعلت دستورها القرآن الكريم الذي هو خير جامعة تجمع أشتات الجزائر المتناثرة. وقد وفقت إلى أن تحطم بالقرآن العظيم كثيراً مما لصق بالإسلام من خرافات وأضاليل، وهي ترجو أن يهيئ الله لها من أمرها رشدا، فيرجع بالمسلمين إلى الدين الخالص والإسلام الصحيح، ويخرجهم من الظلمات إلى النور. وترجو كذلك أن توفق إلى أن تهدي بالقرآن العظيم أبناءنا المتفرنجين الذين ضلوا صراط الله المستقيم، فحسبوا أن الإسلام إنما هو ما يعمه فيه جهلة المسلمين من الجهل والضلال، فكان ذلك عوناً للاستعمار على أن يحتل عقول أبنائنا، ويبث فيهم الزيغ والتفرنج، ولو أن أبناءنا اهتدوا بهدي النبي محمد ﷺ وتخلقوا بخلق القرآن، لما غلبنا الاستعمار على أفئدتهم وأسماعهم وأبصارهم حتى صاروا ولهم قلوب لا يفقهون بها إلا ما يرضي الاستعمار، ولهم آذان لا يسمعون بها إلا ما يرضي الاستعمار، ولهم أعين لا يبصرون بها إلا ما يرضي الاستعمار.

إن الاستعمار أيها السادة يقول: ما منع المسلمين أن يندمجوا فينا إلا القرآن الذي جعلهم يندمجون في الأتراك ويرضون بهم سادة حاكمين عليهم. ولذلك فإن في رجال الاستعمار من يحاربون القرآن ويصدون عن سبيل الله، حتى لا يكون هناك دين يمنع المسلمين أن ينسوا أنفسهم، ويتهافتوا على التفرنج والاندماج، ويومئذ لا تكون فتنة، ويكون الأمر كله للاستعمار (لا قدر الله).

ويحارب الاستعمار القرآن أيها السادة بهذه المدارس التي ينشرها في سائر بلاد الإسلام، يفتري فيها على الله الكذب، ويتقول فيها على الإسلام الأقاويل، فيزعم أن القرآن من عمل الرسول ﷺ لا من عند الله، لكي يهون من أهمية هذا الكتاب العظيم، ويزعم أن محمدا ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة ويدرس الكتب القديمة، لكي يصح أن يكون هو الذي عمل القرآن.

وهذه أيها السادة مفتريات قد افتراها العرب المشركون في عهد النبي ﷺ من قبل أن تتمضمض بها ألسنة هؤلاء المستعمرين. وقد دحضها القرآن وزيفها تزييفا.

ومع أني قد أعددت محادثة ألممت فيها بهذا الموضوع من جميع نواحيه، وسأطلب إليكم أيها السادة أن تستمعوا لها في ليلة قادمة، فإني أقول الآن: إن القرآن الكريم، أيها السادة، وإن كان المنطق الإنساني يقصر عن وصفه وعن الإحاطة بكماله الذي لا يحد ولا ينتهي، فإن من يتدبر - ولو قليلا - يعلم أنه منزل من الله ما فيه من شك، وأنه ما يقدر عليه من أحد غير الله بتناول القرآن ما يسمونه (الفلسفة الإلهية) أو "الإلهيات" ونسميه نحن "غيب السموات والأرض" فيذكر لنا من ذلك ما يمكن أن تؤمن به الفطرة البشرية كلها، أو ما يجب على الفطرة البشرية كلها أن تؤمن به إيمانا فيه الرضى وفيه الهدوء والاطمئنان. وما لم يذكره القرآن في هذا الباب، أيها السادة، فهو فوق ما تتناوله هذه الفطرة البشرية، والناس قد اختلفوا فيه اختلافاً كثيرا، ولا يزالون فيه أبد الدهر مختلفين لا يتفقون، ثم لا يهتدون فيه إلى شيء من اليقين. إن هم إلا يظنون، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا. وألممت إلمامة مجملة بقواعد التشريع وأحوال الحكم في القرآن. ثم قلت:

ويتناول القرآن إصلاح هذه الإنسانية من ناحية التربية والتهذيب، فيضع لها المثل الأعلى للفضيلة والخلق الكريم. ويدعوك القرآن إلى هذا المثل الأعلى من الفضيلة والخلق الكريم، ويشوقك إليه ويغريك به إغراء كثيرا، حتى يصل بك - إذا أنت تخلقت بخلقه - إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه امرؤ من الكمال. وليس في الكلام ما ترى فيه الفضيلة رائعة مغرية على أتم ما يكون فتنة وجمالا، ويريك الرذيلة قبيحة شوهاء على أشد ما تكون قبحاً وبشاعة، مثل كلام الله الذي يعلم ما تكن الأنفس وما تخفي الصدور. ولو أن هذه الإنسانية قد توفقت إلى أن تتربى بتربية القرآن وتتأدب بآدابه، لاستراحت مما هي فيه من إثم وفساد ومما تعانيه من شرور وموبقات.

ثم ذكرت أهم عدة آيات كريمة تنطق بالحق وتشهد بما أقول. ثم قلت: هل لكم يا سادتي أن تقرؤا بأنفسكم بعض سور من القرآن فتعلموا يقينا أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأنه تنزيل العزيز الحكيم، لا من عمل الرسول ﷺ.

ولو أن هذا القرآن كان من عند رسول الله، لكان حقيقا أن ينسبه ﷺ إلى نفسه، لا إلى الله.

وبسطت هذا الموضوع بسطا اقتنع به الحاضرون. وانتقلت منه إلى الأمية التي كانت شائعة يومئذ بين العرب أجمعين. وأثبت لهم بالشواهد التاريخية التي لا تقبل مناقشة ولا جدالا أن رسول الله ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب.

وبعد ذلك قلت: وهب أن رسول الله ﷺ كان يعرف الحروف الهجائية العربية ويقرؤها ويكتبها، فما هي هاته الحروف؟ هي بلا شك تلك الحروف التي كانت يومئذ في أول نشأتها، يلتبس فيها كل حرف بكل حرف، ولا يتبين فيها شيء من شيء. ولا يمكن بحال أن تكون حروفا تكتب بها كتب، وتدون بها دواوين.

وأين هذه (الكتب القديمة) التي يزعمون أنها كانت مكتوبة بالحروف العربية، ويزعمون أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها ويدرسها؟.. وما هي أسماء هذه الكتب؟ ومن هم الذين ألفوها؟ وهل كانت في بلاد العرب جامعات علمية تدرس باللغة العربية، وتكتب بالحروف العربية، حتى يمكن أن يقال أن النبي ﷺ تعلم فيها الكتاب والحكمة. وهاته العلوم التي ذكرها الله في القرآن العظيم؟ ويح هؤلاء القوم المستعمرون! يقولون إن الأبجدية العربية على حالتها الحاضرة اليوم قاصرة لا تفي بالمراد ولا تماشي علوم العصر ولا آدابه، ثم يزعمون أن العرب في الجاهلية كانوا أولي علم وفلسفة وكتب قديمة مكتوبة بالحروف العربية التي وفت لهم بكل ما كان عندهم من حكمة وأدب! فهل معنى هذا أن الأبجدية العربية كانت في الجاهلية أرقى منها في هذا العهد الأخير؟! { قاتلهم الله أنى يؤفكون }.

ولو كنت أعجب من شيء في هذه الحياة لعجبت من أمركم أنتم أيها الإخوان، أنتم مسلمون وآباؤكم مسلمون، لا ترضون إذا وصفتم بغير الإسلام، ومع ذلكم فإنكم لا تعرفون شيئا عن الإسلام إلا ما جاءكم عن طريق أعدائه، أفمن أعداء الإسلام تتعلمون الإسلام؟

أليس في استطاعة أدناكم علماً بالإسلام أن يأخذ الإسلام عن أبويه أو ذوي قرباه أو عن أي مسلم آخر؟ فإن هؤلاء العامة من المسلمين - مهما بلغوا في الجهل - فإنهم أحق من الأجانب وأجدر أن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله. إنه ليس من عجب يا سادتي أعجب من أمركم هذا!

*


تقول يا سيدي فلان ( أعني المحاضر ) "ينبغي لنا أن ننبذ التعصب الديني (الإسلامي ) ظهريا، فلا يحملنا التعصب على ترك هذه الحضارة الغربية اللامعة، إلى حضارة إسلامية يقال إنها كانت في القديم لآبائنا المسلمين..." وهذا هو نفس ما يقول الاستعمار (كما قدمته لكم آنفا) الذي يريد أن يرزأنا في كل شيء، يريد أن يرزأنا في قوميتنا وأن يرزأنا في ديننا، حتى لا يكون هنالك عندنا ما يعصمنا من أن يلتهمنا الاستعمار التهاما ويأكلنا أكلا لما، فنندمج فيه يومئذ اندماجا لا يبقى منا معه شيء. فإذا نبذنا هذا التعصب الديني، أعني إذا تركنا ديننا ونبذناه ظهريا وانسلخنا من عوائدنا وأخلاقنا وأنكرنا كل صلة تربطنا بآبائنا الأولين، ثم تهافتنا على هذه الحضارة الغربية، فتَفَرْنَجْنا واندمجنا، وأسرفنا في التَّفَرْنُج والاندماج، حتى يغمر التفرنج والاندماج منا كل شيء، وحتى لا تكون علينا سمة من سمات الإسلام، وحتى لا يبقى عندنا ما يصح أن نتسمى به مسلمين، فهل نكون يومئذ بعدما خرجنا من ذاتيتنا ومسخنا عن أنفسنا قد تمدنا وترقينا؟ وهل يعترف العالم الغربي يومئذ بأن لنا في هذه الحياة مركزا ممتازا؟

والجواب أننا لا محالة نصير يومئذ إلى الموت والاضمحلال وبئس المصير.

والشيء السخيف المضحك، أيها السادة، هذه الدعاية التي تدعونا إلى أن نترك حضارة آبائنا المسلمين، إلى هذه الحضارة الغربية اللامعة... فإن مثلنا - اذا فعلنا ذلك وانخدعنا - مثل من لا يعجبه أبوه الذي ولده، فيتركه ويتخذ لنفسه أباً آخر لامعاً جميلا! أروني أيها السادة رجلاً واحداً يستطيع أن يخرج عن الطبيعة، فيرضى بأبيه بديلا، أو قل فيرضى أن يكون ابنا لا أب له! فالذين يدعوننا إلى ترك حضارة آبائنا إنما يدعوننا إلى أن نعلن على الملأ: إننا ما لنا من آباء.

يعجبني منكم أيها السادة ذلكم الشاب الذي استعار اسم "كامل بن سراج" حين يقول: ".. وهل من مصلحة العالم أن يكون كله أوربوياً غربياً؟ وقد استبدلت اليابان منازل باريس بمنازل اليابان الخشبية، ولكن هل أغناها ذلك من الزلزال شيئاً؟... "يقول هذا ردا على لويس بيرتران الذي يقول: ".. الشرق مريض بالتعصب الديني الذي يحرمه من الحضارة الغربية، ومن الاندماج في الغرب.. " وأنا أرجو لكم أيها الشبان أن تكونوا كلكم مثل هذا الشاب الذي تعرفونه وإن كان يستعير اسم (ابن سراج) وكلكم تعجبون به إعجاباً كثيراً وتقدمونه عليكم إماما وزعيما. سادتي وإخواني، إن في هذه الحياة الغربية زينة ولمعانا وإن فيها لحبائل وخدائع { فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } ولا يفتننكم شياطين الاستعمار، فيفسدوا عليكم دينكم ويخرجوكم من كل ما بقي لديكم من شرف واستقامة، كما أخرجوكم من دياركم وأموالكم بغير حق.

وليس في التعصب أكبر مقتاً من تعصب هؤلاء الغربيين، فهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم { وان فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون }. يعلمون أن من الحق أن نحتفظ بكرامتنا وبقوميتنا وبديننا، ولكنهم لتعصبهم الغربي يعدون ذلك علينا "تعصباً دينياً ممقوتا".

أخبرني أحد أصدقائي أنه كان عرف أحد الصحفيين الفرنسيس في مدينة بسكرة الجميلة، وأن هذا الصحفي أعجبته بسكرة هذه بحسنها وجمالها، فأقام فيها دهراً طويلا، عاشر فيه المسلمين وعرف أخلاقهم وعوائدهم، فأعجبه ما رأى فيهم من فطرة سليمة وخلق كريم. وعلل ذلك بأن هؤلاء المسلمين (في بسكرة) وان كان أكثرهم من العامة البسطاء فإنهم مازالوا على الفطرة الإسلامية، فهذه الأخلاق الكريمة الباقية فيهم هي من فضيلة الإسلام التي مازالت بعيدة عن مساوئ هذه الحضارة الغربية الآثمة.

قال صديقي الراوي: وزارني هذا الصحفي مرة في يوم قائظ شديد الحر، لا يزور فيه المرء ولا يزار. قال: فحياني بتحية الإسلام، فرددت عليه بأحسن منها، ثم قال لي: يا فلان، أتدري فيم أتيتك في هذه الساعة؟ قلت: الله أعلم. قال: القلق واضطراب البال هما اللذان حملاني على أن أزورك الآن. قلت: وهل حدث مكروه؟ قال لا، ولكني رجل قد مللت حياة العزوبة والانفراد، وأصبحت أشعر بالحاجة إلى زوج صالحة، أسكن إليها وتخفف عن كاهلي أعباء هذه الحياة وتهون علي همومها وأحزانها وتقاسمني حلو الحياة ومرها وسراءها وضراءها. وقد نظرت في هذا الأمر، وقلبته على كل وجه، فإذا الزواج عسير علي غير يسير. فهؤلاء النساء الأوربيات السافرات وإن كن متأنقات متمدنات فهن إنما يصلحن للهو واللعب، وقليل منهن ( إن لم أقل ليس فيهن ) من تصلح أن تتخذها حرماً مصونا.

قال الراوي: فقلت إنكم تشكون نساءكم، ونحن نشكو نساءنا وجهلهن. وأنتم تشكون السفور، ونحن نشكو الحجاب. فقال: قولوا الحمد لله على نعمة الإسلام، وما بثه بينكم من خلق متين، وقولوا "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". فالمسلمات قد أدبهن الإسلام، فإذا هن حور مقصورات في الخيام، قاصرات الطرف على بعولتهن، طائعات لأزواجهن، لا يعصينهم في معروف، مقتنعات بالقليل الذي قسم الله لهن، مكنونات في خدورهن، غير متبرجات بزينة، حافظات للغيب بما حفظ الله. فماذا تريدون من نسائكم المسلمات بعد هذه الصفات الفاضلة؟ هل تريدون أن تعلموهن في هذه المدارس الفرنسية، فلا يتعلمن فيها بدل حسن الخلق إلا التمرد والعصيان، وإلا التفنن في الشهوات إلى حد من الاستهتار بعيد، وإلا الإسراف في النفقات على الأحذية وطلائها، وعلى الجوارب والمساحيق حتى يعجز أزواجهن أو آباؤهن عن تسديد نفقاتهن، وحتى لا يكفيهن من النفقة قليل ولا كثير؟

إياكم - أيها المسلمون - أن تغتروا بأكاذيب هؤلاء الغربيين الذين لم يعترفوا من شدة تعصبهم بكرامة المسلمة ولم يقدروها حق قدرها. فهم يسمون حجابها سجنا، وحياءها جموداً، وطاعتها لزوجها حيوانية وجهلا. ومن تعصبنا نحن الغربيين أننا لا نسمح لأنفسنا أن ننتقد ما عليه مجتمعنا من نقص وفساد، بل بلغ بنا الرضى عن أنفسنا أننا نسمي استهتارنا حرية وإسرافنا في أمرنا تنفيذ إرادة، وهكذا نستر عيوبنا وضعفنا تحت لمعان الألفاظ وخداع العناوين.

قال الراوي: ثم قال لي هذا الصحفي الفاضل: - هل تدري يا فلان لماذا أتيت إلى بسكرة؟ قلت: لا أدري.

قال: جئت مندوبا من بعض كبريات الصحف بباريس، لأضع لها "رواية" عن العائلة الإسلامية تنشرها تباعا. وتأخذ منها خلاصة تمنحها دور السينما (الصور المتحركة )، وكانت هذه الجريدة تنتظر مني، وكان الناس ينتظرون مني، أن أضع روايتي هذه وأصور فيها العائلة المسلمة أو بالحري المرأة المسلمة على أشد ما يمكن أن تكون توحشاً وانحطاطا. ولكني بحثت هذا المجتمع الإسلامي فوجدته طاهراً بسيطا، لم يتشوه بالحضارة الغربية وآثامها. ففاوضت الجريدة وراجعتها في موضوع الرواية وأسلوبها فرضيتْ، ولكن على شرط لم أرض به أنا..

بحثت عن الإسلام في هذه العائلة الإسلامية الطاهرة الخالصة فإذا هو دين الحق الذي يجب على من في الأرض أن يؤمنوا له كلهم جميعا. وأحببت أن أسلم وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وأحببت أن أذيع إسلامي بين الناس، وأحببت يومئذ أن أتزوج بامرأة مسلمة مؤمنة، ولكني خشيت أن يزدريني هؤلاء الغربيون المتعصبون الفضوليون.

لو كنت من نطلق الناس ودهمائهم لأسلمت ولسعدت بإسلامي، ولكني صحفي يعرفني جميع الناس ويهتمون مني بكل صغيرة وكبيرة، فإذا أعلنت إسلامي فسيمطرونني وابلا من الشتائم، وسيصورونني صوراً هزلية لاذعة مرة تذهب بكل ما لي من صبر واحتمال.

قال الراوي: ثم قال لي: هل تدري ماذا أريد منك الآن؟

فقلت: لا أدري، ولكني أتشرف بأن أكون طوع إشارتك.

فقال: أريد منك أن تفتيني أو أن تستفتي لي أحد علماء الدين (الإسلامي) في رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويهتدي بهدي محمد - ﷺ - ثم يكون كذلك في خاصة نفسه، لا يهيج على نفسه فضول الناس ولا تعصبهم. فهل يكون عليه من سبيل وهل يقبل الله منه عدلا أو صرفا...

فقلت له: إن الله أرحم وأكرم من أن لا يقبل من رجل مؤمن يكتم إيمانه.

فقال: فاشهد لي إذن بأني "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله". وبأني من المسلمين.

*


سادتي، هل رأيتم تعصباً أشد مقتا من تعصب هؤلاء القوم؟ وهذا رجل صحفي آمن بالله وبرسوله، وكتم إيمانه مخافة أن ينال منه قومه، ويصموه بالتأخر والتدين، تعصباً منهم وفضولا. يصموننا بالتعصب إذا نحن استمسكنا بديننا واحتفظنا بما عندنا من طربوش وعمامة، ولكنك إذا رجوت من أكثر فلاسفتهم حرية فكر وإرادة أن ينتزع قبعته من على رأسه ويضع مكانها عمامة أو طربوشاً فلا تراه إلا محتفظاً بقبعته ويعتز بها اعتزازا.

واذا كان الغربي المستعمر لا يعجبه أن يرى على رأسي طربوشاً، أو يستقبح منظر عمامتي، فهل ألام أنا إذا هو لبس قبعة سوداء أن أراها على رأسه غراباً أقبح ما يكون شؤماً وسواداً؟

(وهنا ضحك الحاضرون واستغرقوا في الضحك، ونزع المتقبعون منهم قبعاتهم التي على رؤسهم.)

هم يحتفظون بعوائدهم وقوميتهم ويعتزون بأنفسهم، فلماذا لا نتعلم منهم - على الأقل - هذه الخصلة، فنحتفظ بديننا وقوميتنا ونعتز بأنفسنا؟

وبماذا تريدون أن أستشهد لكم على تعصب هؤلاء الناس، بعدما حرموا عليكم - وهم إخوانكم وزملاؤكم في طلب العلم - أن تدخلوا معهم في جمعيتهم التي أسسوها باسم (جمعية التلاميذ) فاضطررتم أنتم أن تؤسسوا جمعية لأنفسكم، ونعم ما فعلتم.

سادتي، أريد أن أذكر لكم في هذا المقام مسألة ينبغي لكل مسلم أن يهتم بها اهتماماً كبيرا، وهي مسألة فيها شرح وبيان لما نحن فيه:

نرى كل يوم من هذه الجاليات الغربية في بلاد المغرب ناساً يدخلون في دين الله ويعتنقون الإسلام. حتى صاروا الآن عدة آلاف، وهم كل يوم يزيدون، والنساء منهم نحو ثمانين في المائة. وقد بحثت هذه المسألة واستقصيتها، فانتهيت إلى أن الأسباب التي تحمل هؤلاء المسيحيين على اعتناق الإسلام ترجع في صميمها إلى الدعاية الفعلية التي يقوم بها العامة المسلمون ضمناً من غير قصد منهم، وذلك حين ما يذكرون دينهم على سبيل الفخر والاعتزاز فيؤثرون على من يستمع لهم من المسيحيين. وكانت المسيحيات اللاتي أسلمن أكثر عددا ًمن المسيحيين الذين أسلموا، لأن نساءنا المسلمات أكثر احتفاظاً بالإسلام من الرجال المسلمين. وأشد منهم مناضلة عن دينهن وأخلاقهن وعوائدهن.

كنت مرة ضيفاً عند أحد أصدقائي في ضاحية من ضواحي الجزائر (العاصمة)، وإننا لنتحدث بمثل هذا الحديث إذ سمعت امرأة من وراء حجاب تقول: وأنا الأخرى كنت امرأة مسيحية، ثم أسلمت بسبب من مثل ما تقول يا سيدي. كنت اشتريت ثوباً حريريا أنيقا، ولبسته ذات يوم من أيام الصيف، وكانت لي جارة مسلمة فدخلت عليها في ذلك الثوب الجديد. وما هي إلا أن رأتني، ورأت أعضائي بادية ونهودي عارية، حتى قامت تؤنبني وتستقبح مني أن ألبس مثل هذا الثوب الذي لا تتبين به كاسية من عارية! فأثرت نصيحتها في نفسي تأثيراً بليغا، فانتزعته منذ ذلك اليوم، ثم لم ألبس بعده ثوبا قصيفاً خليعا، واكتسيت من الإسلام ثوباً سابغاً عفيفا. فالحمد لله على الستر وراحة الخدر...

فالمسلمة الجزائرية - أيها السادة - أصلح حالا من الرجل، لأنها ما زالت أبعد منه عن التفرنج.

وأخرى، فإن العامة المسلمين الذين يتزوجون بالأجنبيات يتمسكون بدينهم تمسكا حبب الإسلام إلى نسائهم وزينه في قلوبهن، وكره إليهن الكفر والفسوق والعصيان، ففررن إلى الله ودخلن في الإسلام. وأكثر هؤلاء المسلمين الذين يتزوجون بالأجنبيات ويهدونهن إلى الإسلام هم من أهالي جبال زواوة الذين يذهبون إلى فرنسا عملة كاسبين، ويرجعون إلى الجزائر متزوجين.

والحقيقة المرة أيها السادة بأنني لم أجد شخصا واحداً قد اهتدى إلى الإسلام على يد شاب متنور منكم.

وأمر من ذلك وأدهى أننا نرى العامي المسلم يتزوج بالأجنبية، فلم يزل بها يدعوها إلى الله حتى تسلم ويحسن إسلامها. وإننا نرى الشاب المهذب من هؤلاء الذين تعلموا في مدارس الفرنجة يتزوج بالإفرنجية، فلم تزل هي به حتى يتفرنج ويكفر.

هذه حقيقة مرة مؤلمة، ولكن يجب الاعتراف بها وإعلانها بين الناس.

يجب أن يذاع في القريب والبعيد أن هؤلاء الشبان المتنورين أصحاب الشهادات العلمية الاوربوية العالية الذين عقد الوطن بهم الأمل في أن يجلبوا إليه خيراً كثيرا، قد ولوا الأدبار واندمجوا في الفرنجة اندماجا على أيدي أزواجهم الأجنبيات، على حين أن هؤلاء الأجنبيات يخرجن من الظلمات إلى النور على أيدي أزواجهن من العامة المسلمين، فيعدن مسلمات مؤمنات صالحات.

ويجب علينا - أيها السادة - أن نعترف ونذيع في الناس أن سبب هذا الأمر هو هذه المدارس الإفرنجية التي أطفأت في صدور الشبان حب الاحتفاظ بالقومية وأضعفت في نفوسهم الشعور الإسلامي الذي يشعر به المسلمون.

على أن التزوج بالأجنبيات هو أمر ضرره فادح جداً على القومية الإسلامية، وليس فيه أدنى خير، فالشبان الذين يتزوجون بالأجنبيات يتركون بنات أعمامهم بلا بعولة ولا أزواج يعولونهن ويقومون على ضرورياتهن، وربما أداهن الفقر والحاجة إلى أن يصبحن خطراً على المجتمع الإسلامي وعلى ما فيه من الحشمة ومكارم الأخلاق.

وما من شاب مسلم ترك بنت عمه المسلمة العربية المحتشمة وتزوج بأجنبية من اللائي لا يعرفن الحياء إلا وقد ندم على زواجه من حيث لا ينفعه الندم، وكان عاقبة أمره خسرا، ولم يكن زواجه موفقاً ولا سعيدا. وذلك لأنه لا يكاد يقضي أيام العرس الأولى حتى يجد بجانبه امرأة تزدريه ولا تحترمه ولا تعرف له قيمة أو اعتبارا، وهي تحمل لجنسه العربي الكراهية والبغض، وتعتقد أن زواجها به عليها مصاب عظيم، وتعتقد أنها كانت تطلب فيه زوجا كريما فوجدت فيه عبداً لئيما.

ويجد هو نفسه قد غلط وأخطأ التقدير، فقد طلب فيها وردة تفوح وتعبق فإذا هي أفعى يلعو فحيحها وصريرها.

وما من فرنجية تزوجها شاب مسلم من هؤلاء وولدت منه ولداً إلا وتسمي أولادها بأسماء فرنجية غير عربية، ثم لا يكبر هؤلاء إلا وهم فرنجة ليسوا عرباً ولا مسلمين.

وكان شاب مسلم عربي من هؤلاء - وهو طبيب - قد تزوج بأجنبية فولد لهما ولد ذكر فسماه أبوه "صالحا" وسمته أمه "موريس". فقال فيه كاتب الجزائر الفكه وشاعرها المبدع الأستاذ محمد الأمين العمودي الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذه الأبيات الحلوة:

حيي الطبيب ولا تنس قرينته ** فهو سليمان و"المدام" بلقيس

له غلام أطال الله مدته ** تنازع العرب فيه والفرنسيس

لا تعذلوه إذا ما خان ملته ** فنصفه "صالح" والنصف "موريس"

وفي الحق أن هاته الأبيات هي منطبقة على جميع هؤلاء الشبان المغرورين الذين يتركون قريباتهم العربيات ويتزوجون بالأجنبيات البعيدات.

كيف يتفرنج المتفرنجون من شبابنا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات؟ فإن فعلوا ذلك ليرضى عنهم الاستعمار، فالله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين. (وهنا هاج الحاضرون وصاحوا: لا نرضي الاستعمار. نرضي الله ورسوله. ليَعلُ الإسلام... )

*


وتستبشر يا سيدي ( المحاضر ) بحركة التجديد في مصر وبلاد الشرق، وتتمنى أن ينتصر فيها السفور على الحجاب، وتستنهض إلى الأخذ بيد المسلمة الجزائرية حتى تكون كالمرأة الفرنسية حرية وسفورا. وأحسبك يا سيدي تعني بكلمة حركة التجديد في الشرق تلك الحركة التي هي أحرى أن تسمى حركة "الإلحاد والتقليد" منها أن تسمى حركة "تجديد" لأن غايتها التفرنج والاندماج في الغرب اندماجا تاماً بكل معنى الكلمة. و يقوم بهذه المشاغبة ناس تعلم أكثرهم في مدارس أجنبية غير إسلامية أسست لمثل هذه الغاية في الشرق. ثم خرجوا منها { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره }.

إنها إن تكن فتنة (الإلحاد والتقليد) يقوم بها كثير من أعوان الاستعمار في الشرق، فإننا لا نخاف منها خوفاً شديداً. لولا فتنة التجديد والإلحاد هذه لما قام أعلام الأدب العربي ورجال الإصلاح الإسلامي يجاهدون في الله حق جهاده ويقومون حقاً بحملة الإصلاح والتجديد، مثل العلامة السيد رشيد رضا وأمير البيان الأمير شكيب أرسلان والأديب الإمام السيد مصطفى صادق الرافعي و... ورجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه عرفناهم في "الزهراء" و"المنار" و"الفتح" المبين.

وكل هذه الجلبة التي نسمعها في الشرق (غير الجزائر) تحوم حول ما تكلم به آنفا سيدي (فلان) في هذه البلاد (الجزائر). فالتجديد كله هو "تحرير" المرأة المسلمة وسفورها، أو قل هو كشف المرأة المسلمة وهتك سترها، ثم ليس هنالك في "التجديد" شيء آخر غير هذا.

الحجاب أيها السادة فريضة فرضها الله على أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، وقال في كتابه العزيز: (يا نساء النبي... وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى... " ثم اقتدت المؤمنات بأمهات المؤمنين، ثم أخذ الحجاب يفشو بين المسلمات على مقدار ما تستبحر الحضارة بين المسلمين. فالحجاب أثر من آثار التمدن الإسلامي، بقي بأيدينا تراثا عن آبائنا الأولين. فهل إذا أضعناه نكون قد أحسنا لأجدادنا وبررنا بهم برورا، أم نكون أسأنا إليهم وعققناهم عقوقا؟

إن الحجاب أيها السادة هو فصل ما بين الرجل والمرأة لتنقطع هي إلى منزلها تصلحه وتربي أولادها، وينقطع هو إلى العمل والاكتساب خارج البيت. ثم ماذا تريدون من سفور المرأة المسلمة الجزائرية؟ تقولون إنكم تريدون لها أن تخرج إلى حياة العمل والجهاد. ولكن هل نسيتم أنكم في بلد أكثر أبنائه في عطلة وبطالة؟ فهل تريدون لنسائنا أن يعشن أيضا عاطلات متشردات؟ يذرعن الطرقات جيئة وذهابا طول النهار وزلفا من الليل.

كتب كاتب مسلم في إحدى الصحف الإفرنسية فصلا يدعو فيه المرأة المسلمة إلى السفور، فأجابته فتاة مسلمة في الصحيفة نفسها، وسمت نفسها "فاطمة الزهراء" جوابا حقا، ما ينبغي لأحد بعده أن يدعو المسلمات إلى السفور. وتقول له في هذا الجواب: (.. ولا يعزب عن بالك يا سيدي إذا أنت دعوتنا إلى السفور أننا معشر المسلمات لا نفهم عنك إلا أنك تدعونا إلى أن نقضي نهارنا في البارات أو في الطرقات نفتش على أصحاب من الرجال نقودهم من أنوفهم إلى المسارح والمراقص فنبيت نرقص حتى نتعب ونظمأ، فإذا عطشنا عجنا بالبار (الحانة) نشرب ونستجم (نستريح). ثم نعود كمثل ما كنا فيه، "وهكذا، دواليك..." هذا هو ما تفهمه المسلمة الجزائرية عنكم إذا أنتم دعوتموها إلى السفور. فهل فهمتم أنتم أيها الشبان؟ إنه مهما بالغ دعاة السفور في دعوى أن العفة ليست في الحجاب، فما هم بقادرين على أن ينكروا أن الحجاب هو أعون على العفاف وأنه هو أقرب للتقوى.

في أي جو من أجواء السفور تستطيعون أن تجدوا العفاف أيها السادة الإخوان؟ أتجدونه في هذه الحضارة اللامعة التي تسيل خلاعة واستهتار؟ أم أين تجدونه إلا حيث لا يكون سفور أو حيث لا يكون اختلاط بين الرجال والنساء! ما أريد أن أنبهكم يا سادتي إلى هذه الملاعب والمراقص والملاهي والمسارح الحمراوات (جمع الحمراء) وما يكون فيها من إثم وغي. ولا إلى هذه الروايات التي تمثلها دور السينما (الصور المتحركة) فتمثل فيها الغواية والضلال تمثيلاً يغري الزوجة بالغدر والخيانة ويزين لها ذلك تزيينا. وهل أكثر هذه الروايات التي يسمونها روايات حب وغرام إلا روايات غدر وخيانة وإثم، سميت بغير أسمائها تلبيساً وتضليلاً ودعاية إلى الشر والفساد.

وإنما أريد أن أذكر لكم أن في الجنوب الجزائري الشرقي (من عمالة قسنطينة) ولاية صغيرة، اسمها "سوف" واسم قاعدتها "الوادي"، وكلكم فيها أظن تعرفونها. و"سوف" هذه هي من أكثر بلاد الله ديناً وصلاحا ومن أكثر بلاد الله طهراً وعفافا. ومع ذلكم فإن فيها مدينة آهلة بما يناهز العشرين ألفا من السكان اسمها: (كمار). واختصت (كمار) هذه من دون بلاد "سوف" كلها بسفور النساء وتحريرهن، حتى لا تتزوج فتاة في (كمار) إلا بعد أن تتعرف بخطيبها وتختار لنفسها الزوج الذي تريد على العادة الجارية بين الفرنجة اليوم. مع أن أهالي (كمار) ما زالوا على حالة بداوة وبساطة في كل أساليب العيش، ولكن هل في (كمار) حيث السفور واختلاط الرجال بالنساء تجد العفاف الشديد الذي تجده فيما حولها من بلدان "سوف" حواضرها وقراها؟

إن "الوادي" و"البهيمة" و"الزكم" و" كوينين" وغيرها من مدائن "سوف"وقراها من أشد بلاد الله تمسكاً بالحجاب ومن أشد بلاد الله عفة واستقامة. و"كمار" وحدها (وهي في وسط سوف، وأهاليها سوافة) ترتكب فيها كبائر الإثم، أو تقع فيها حوادث الحب والغرام (كما يقولون). وكان أعيان (كمار) وأهل الفضل فيها حجبوا النساء، ومنعوهن من السفور والاختلاط بالرجال، ولكن شيخ طريقة صوفية دعا بالشر على كل امرأة تبقى في خدرها، ولعن كل فتاة تحتجب لعناً كثيرا، فعاد النساء إلى السفور وتركن الخدور.

وكذلكم جبل (آوراس) حيث السفور والاختلاط، وجبل (العمور) أيضا.

فهذه الشواهد أيها السادة تدل دلالة واضحة على أن السفور المختلط - بدوياً كان أو مدنيا - هو دون الحجاب من حيث الشرف والعفاف.

ينبغي أن تحتجب المرأة الدميمة فتستر على نفسها قبحها ودمامتها، وينبغي أن تحتجب المرأة الجميلة حتى لا يفتتن بها الناس.

وختمت حديثي بهذه الكلمة:

سادتي، هل أدلكم على النجاة مما نحن فيه؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، وتتخذون لكم معهداً إسلامياً تتعلمون فيه الإسلام، وتدرسون فيه كتاب الله وسيرة رسول الله ﷺ. فإن فعلتم فعسى أن تكونوا من المهتدين، وإن لم تفعلوا فلن تفلحوا إذن أبدا.

وما انتهيت من حديثي إلى هنا حتى كاد القوم يطيرون فرحاً وسرورا.

في أحد متنزهات وهران

اجتمعت ذات يوم من أيام الصيف في العام الماضي - عند طبيب من أطباء العيون في مدينة وهران - بأحد الصحفيين الاسبان، وتعارفنا هنالك، وما هو إلا أن انصرفنا من عند الطبيب حتى ركبنا سيارة أجرى إلى (روزفيل)، أحسن متنزهات وهران الصيفية وأجملها منظراً وخلاء. وانتبذنا هنالك على ساحل البحر مكاناً قصيا، وقضيناها ثمت عشية ألذ ما تكون أنساً وصفاء، وأحسن ما تكون سمراً وحديثا.

وكان رفيقي الاسباني أديباً شاعراً باللغة الاسبانية، فذكرنا البحر، وأقوال الشعراء فيه. فأنشدنا من أشعار الاسبان في وصف البحر ما هو حسن مقبول لا بأس به، وما فيه نبوغ وإبداع حتى تكاد تحسبه عربيا مبينا. وطلب إلي صاحبي أن أنشده شيئاً من أشعار العرب في هذا الموضوع، فخانتني ذاكرتي ولم يحضرني شيء من أقوال شعرائنا في وصف البحر. غير أني تذكرت أن عشية مثل هذه العشية كانت قد اتفقت لي في الجزائر (العاصمة) وأن منظرها كان مثل هذا المنظر تماما. وتذكرت أني كنت وصفت منظر البحر في تلك العشية، بقصيدة أقول فيها:

ما كان أشهاها إلي عشية ** أمسيتها بجوانب (البلفار)

والبحر يكتنف الجزائر كالهلال ** مقوسا أو مثل عطف سوار

والريح فوق الماء تكتب أسطراً ** ما كان أجملهن من أسطار

كتبت سطور الاعتبار لمن تدبـ ** برها، وموعظةً لذي استبصار

قد يقرأ الناس الكتابة، وهي لم ** تك من براعة كاتب أو قاري

ولقد يكون البحر رهواً هادئا ** إلا حراك تبعثر وعثار

فكأنه قفز الفلا: مرت به ** غنم فلم تترك سوى الآثار

أو أنه رمل بقاع صفصف ** جادته بالأحجار سود سواري

والموج كالثعبان يهجم بالسوا ** حل هائجا، لكن على الأحجار

وحجارة فوق العباب نواتىء ** كخيام حي، خيمت بقفار

وفقاقع تبدو ككتان بنا ** ئقه منتشرة على الأشجار

وما انتهيت من إنشادي إلى هنا حتى كاد رفيقي يطير فرحاً وإعجابا بهذا الشعر، وأخذه مني على نية أن يترجمه إلى لغة الاسبان، وتفضل فأثنى على شعراء العرب ثناء لا يحصى وسألني فجأة:

- ما هو الكتاب العربي الذي كان له أثر بليغ عميق في تكوين أدبك وشاعريتك؟

فقلت له: القرآن الكريم

فقال: القرآن؟.. إنه كتاب ديني.

فقلت: نعم، إنه كتاب ديني، وإنه في لغة العرب معجزة الفصاحة وسحر البيان. وذكرت له أنني منذ أيام اجتمعت بالدكتور جاك ساي العالم الفرنسي وأحد أطباء الحكومة في وهران وتحادثنا عن الأدب العربي وعن قلة القصص فيه، حتى أن الشعر العربي لم يتناول القصة بالمرة، فقلت له: إن سبب ذلك هو أن الأدب العربي أدب واقعي حقيقي أكثر مما هو خيالي. والذوق العربي نفسه يمج الخيال الذي لا يصور الحقيقية ولا الواقع. والقصة يضطر إليها الأدب الخيالي أكثر مما يضطر إليها الأدب العربي الذي أهم أغراضه أن يصف لك حقائق الحياة. فذكر الدكتور ساي أنه قرأ بحثاً لأحد العلماء المستشرقين يرى فيه مثل هذا الرأي ويقول: "إن الشاعر العربي أصدق شعراء الدنيا وأطبعهم، وأكثرهم مطابقة للحقيقة والواقع. فإذا وصف لك خداً بأنه كالورد، فاعلم أن الأمر كذلك لا يتجاوزه ولا يعدوه". فقاطعني رفيقي الاسباني وقال: وكذلك الشعر الذي قرأته الساعة في وصف البحر، هو مطابق للواقع تماماً، ولا سيما في نظر الذين يعرفون الصحراء وخيامها وآثار الغنم فيها". وعدت إلى حكاية حديثي مع الدكتور ساي فقلت: وأفضى بنا الحديث إلى القرآن الكريم ومكانته في الأدب العربي، فذكرت للدكتور شيئاً كثيراً مما كنت قرأته في كتاب "إعجاز القرآن" للأستاذ الرافعي، فسمع لي الدكتور، وأصغى إلي مغتبطاً مسروراً. ثم قلت له: أما أنا فإن القرآن هو الذي كون لي فكرة مستقلة، وهو الذي ربى في ملكة التمييز التي أميز بها الخبيث من الطيب، والقبيح من الحسن، والباطل من الصحيح. وأشهد أني كنت أقرأ كتاباً من كتب الأدب فيجذبني إليه، وأقرأ كتاباً آخر ضد الأول في الفكرة والأسلوب فيجذبني إليه أيضا، وكنت أحس بعقلي يذبذب بين الكتابين كالكرة التي تضطرب بين اللاعبين، لا يستقر لها قرار، حتى رجعت إلى القرآن فثبت عقلي بعدما كان يرجف، واستقل استقلالاً تاما، واتخذ سبيله في الأدب وغير الأدب واضحاً مستقيما، وأصبح يحكم على الأشياء بعدما يعقلها ويفهمها فهماً صحيحاً لا ذبذبة فيه ولا اضطراب. وأصبحت أقرأ الكتاب من كتب الأدب فأعرف فيه الحق من الباطل، والزائف من الصواب، فأسلم له الرأي الصائب، وأرد عليه القول الزائف، ولا أدع صاحب الكتاب يتكلم وحده. (فضحك الدكتور إعجابا بهذه الكلمة). ثم قلت: وما وجدت كتابا يصف النفس البشرية بما فيها من خير وشر، ويصف هذا المجتمع الإنساني بما فيه من حسنات وسيئات مثلما يصفهما القرآن الحكيم. واستشهدت بآيات كريمة على صحة هذا القول. ثم قلت لرفيقي الاسباني: وهنا قال: قد كنت لا أعرف شيئاً عن الأدب العربي، ولا أعرف هذا القرآن. وكنت معجبا بالحكيم ديكارت والعلامة باسكال ولا أكاد أعجب بشيء سواهما، غير أني صرت الآن شديد الإعجاب بهذه الفلسفة الاجتماعية التي يصفها القرآن، وإني لا بد سأشتري في القريب العاجل مصحفا كريما، وطائفة من التراجم والتفاسير أستعين بها على فهم القرآن.

فقلت له: ولا تنس يا دكتور أن القرآن لا يترجم.

قال: ولماذا؟

قلت: ما من ترجمة للقرآن إلا وفيها من الأغلاط السخيفة المضحكة ما لا يعد ولا يحصى. فترجمة فرنسية طبعتها الحكومة على نفقتها وتعتبر رسمية ترجمت قوله تعالى: { القارعة ما القارعة } بقولها: (القرعة ما القرعة!) وغير ذلك من المضحكات.

وأذكر أن وزارة الخارجية بباريس أدركت قصور هذه التراجم وفسادها، فندبت عالماً فرنسياً - نسيت اسمه - وكلفته بوضع ترجمة للقرآن الكريم تكون غاية في المطابقة والإتقان. وباشر هو عمله هذا، واستعان عليه بأعوان آخرين، أكب على ذلك أمداً طويلا، ثم أخرج ترجمة لسورة الفاتحة ولآيات من سورة البقرة وقدمها بمقدمة قال فيها:

"لأجل أن نفهم القرآن يجب علينا أن نقرأه في اللغة العربية نفسها، لأنه لا يمكن أن يترجم بحال. وأسباب ذلك كثيرة ولكنها ترجع في أهميتها إلى سببين اثنين:

أحدهما: في طبيعة اللغة الفرنسية، والآخر في طبيعة اللغة العربية.

فأما الأول فهو أن اللغة الفرنسية لم تكن في يوم من أيام حياتها لغة دينية لا في "ذوقها"ولا في فصاحة أساليبها، والقرآن كتاب دين. ولو أن الله أنزل كتاباً دينياً فرنسياً يكون المثل الأعلى للفصاحة في اللغة الفرنسية كما كان القرآن المثل الأعلى للفصاحة العربية لوسعنا إذن أن نقول: إن ترجمة القرآن ترجمة صحيحة مطابقة وان كانت عسيرة فهي ممكنة على كل حال.

وأما السبب الثاني فهو أن اللغة العربية - ولا سيما في القرآن - غنة (أو نغمة موسيقية) يؤدى بها كثير من المعاني الرائعة الجميلة التي ربما كانت سبباً في أكثر ما في أسلوب القرآن من بلاغة وإعجاز. وهذه الغنة لا تمكن ترجمتها أبداً.."

فقال الدكتور ساي: هذا كلام صواب لا غبار عليه، وأمر واقع لا ريب فيه، وحق أن هذا القرآن كتاب عظيم، ولا ينبغي لأحد أن يتركه دون أن يدرسه. ولقد أغراني حديثك هذا بالقرآن وشوقني إليه، وسأدرس القرآن وأتدبره وأحسبه سيغير كثيراً من أفكاري وآرائي في الفلسفة والأدب والاجتماع. وقال: إني أتعجب من هؤلاء الغربيين الذين ملأوا الدنيا بأقوالهم عن القرآن، كيف أعماهم - مع ذلك - التعصب المسيحي أو اللاديني ومنعهم من أن يتفقهوا بما في القرآن من هدى وحكمة. وأرى أن حتما واجباً على المسلمين أن يبشروا البشرية كلها بهذا القرآن الذي هو كتاب الإنسانية كلها. وأرى أن في المسلمين كفاءة تامة للقيام ببيان تعاليم الإسلام ونشرها بين الناس جميعا.

وما وصلت من حكاية حديثي إلى هنا حتى قال رفيقي الاسباني: لقد صدق الدكتور ساي هذا، وإني أيضاً سأشتري مصحفاً كريماً، وأشتري طائفة من التراجم والتفاسير لأقتبس من نور القرآن الكريم، وقد صرت من الآن أحبه وأميل اليه. ثم [ قال ] (الاسباني): ولكن أخبرني عن أدباء العربية في هذا العصر، فهل هم كلهم ينظرون إلى القرآن بمثل العين التي تنظر بها أنت إليه، ويرونه في الأدب العربي بمكان الروح من الجسد ويعرفون بأنه هو مفخرة الفصاحة وسحر البيان؟ فقلت له: إن أدباء العربية اليوم ينظرون إلى القرآن بعين أنا قاصر أن أنظر إليه بها، ومن أدباء النصارى العرب من لا يتردد في اعتقاد هذه المنزلة للقرآن. ولكن ناساً آخرين من أدبائنا، قد تأدبوا بأدب غير عربي وتثقفوا بثقافة لا إسلامية ولا شرقية، فأحدثوا جلبة في الصحف والمجلات، وثاروا على كل شيء شرقي قديم أدباً كان أو غير أدب، وسموا أنفسهم "مجددين" "وأنصار الجديد"، وهؤلاء قد يمنعهم تعصبهم أو جهلهم عن النظر في القرآن وقد لا يعرفون ما فيه من الإعجاز. هم ينكرون على الشرق كل ما فيه من شيء قديم، والقرآن "القديم" هو المقصود بالذات من هذا الإنكار. وقد أمعنوا في هذا الإنكار وفي هذا الجحود، حتى أنهم ليكادون ينكرون على الشرق أنه هو مطلع الشمس المشرقة المنيرة.

على أن زعامة الأدب اليوم هي والحمد لله في أيدي الأدباء الراشدين، مثل الأديب الكبير السيد مصطفى صادق الرافعي، وكاتب الشرق الأكبر الأمير شكيب وأمير الشعراء الأستاذ شوقي بك، والصحفي المجاهد السيد محب الدين الخطيب صاحب(الزهراء) و(الفتح)، ومن إلى هؤلاء الهادين المهتدين.

وعلى كل حال فإن هؤلاء المجددين قد زادوا في ثروة اللغة العربية فنقلوا إليها كثيراً مما كان يحسن بأدبائنا أن يقرأوه في لغات أجنبية.

ولولا هؤلاء المجددون لما رأينا هذه الكتب القيمة الخالدة التي ألفها أنصار الحق في الدعاية إلى القرآن الكريم، وإلى ما في الشرق من أدب وجمال.

إن بعض هؤلاء المجددين في مصر ينادون جهرة بوجوب إحياء الأدب الفرعوني القديم وأدب الإغريق القديم واتخاذ أدب محلي في مصر ليستغنوا بذلك عن الأدب العربي، وفي الحق أن هذا ليس خدمة لمصر، وإنما هو إسقاط لزعامة مصر على العرب كلها وعلى شعوب الإسلام قاطبة. فإن المسلمين وسائر العرب يرون في مصر إماماً لهم في الأدب العربي والثقافة الإسلامية، لا في أدب الفراعنة ولا في أدب الإغريق ولا في أدب محلي في مصر حديث.

قال صاحبي الاسباني: هل في ملوك المسلمين اليوم من ينصر هذا القرآن عملياً ويقيم حكم الله بين الناس؟

فقلت: سمعنا عن جلالة ابن السعود ملك نجد والحجاز إنه يعمل اليوم لتجديد شباب الإسلام ويحكم بين الناس بما أنزل الله.

فقال: وهل عمل صاحب الجلالة ابن السعود يجدي في سائر المسلمين الذين يبلغون أربعمائة مليون؟ أحسب أن نفعه لا يتجاوز جزيرة العرب إلى بقية المسلمين الذين هم من أجناس مختلفة وأقطار متنائية.

قلت: قال رسول الله ﷺ: «ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وبلاد الحجاز بما فيها من الأماكن المقدسة هي قلب بلاد الإسلام، فإذا صلح هذا القلب صلحت بلاد الإسلام كلها، وليس يستقيم للمسلمين أمر ولا تصلح لهم حال إلا إذا صلحت قلوبهم وخلص إيمانهم حتى لا تبقى فيه شائبة من شوائب الجاهلية الأولى.

إذا ما صفت للمسلمين عقائد ** صفا كل فعل منهم وتجودا

وإن خبثت بالمحدثات قلوبهم ** فقد ضل سعي المسلمين وما اهتدى

ولا يمكن بحال أن تنتظر من المسلمين عملاً صالحا ولا خلقاً براً شريفا، ما لم يدخل الإيمان في قلوبهم حقا، وما لم يتقو هذا الإيمان فيهم حتى تطفح به أنفسهم هدى ونورا. وهنالك ينصرون الله وهنالك ينصرهم الله. { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }.

فقال صاحبي الاسباني: هذه أمور مهمة وحقائق عن الإسلام ما كنت أعلمها من قبل، ولقد جعلتني - بحديثك هذا - أعتقد أن فجر الإسلام لا محالة سيطلع من جديد وسيملأ الأرض هدى ونورا، ما من ذلك بد، وليس فيه من شك. وسيكون ذلك قريباً أو بعيداً على قدر نشاط المسلمين في تزكية أنفسهم وتطهيرها وإصلاح ذات بينهم، وعلى حسب ما يكون لهم من الدعاية والتبشير، وكل عمل صالح تقوم به حكومة إسلامية بعد تبشيراً عملياً بدين الإسلام وشريعته. ومن الأسف أن الصحافة الغربية وشركات الأخبار البرقية لم تتناول أعمال ابن السعود وغيره من حكام المسلمين وجماعاتهم بما تستحق من النشر والإذاعة، بل كثيراً ما تنشر عنهم أخبار السوء الزائفة. وذلك لأنها صحافة وشركات مادية قبل كل شيء، لا تعرف العمل لوجه الله.

وكانت إحدى المجلات الأميركانية نشرت فصلا بقلم بعض الرهبان المضللين يدعو فيه الحكومات الأوروبوية أن تتألب على جلالة بن السعود صاحب المملكة العربية السعودية وتضرب على يده ولا تدعه يعمل بأحكام القرآن الكريم بدعوى أن شريعة الإسلام هي قاسية فظيعة تصلح لمنهج المتوحشين ولا تلائم الحضارة الحاضرة، ثم قالت: إن شريعة (السن بالسن والعين بالعين...) و(قطع يد السارق) هي شريعة الإنسان الأول، وهي تعني بذلك شريعة الإسلام. وقد نقلت صحف في الغرب والشرق - وفي الشرق العربي أيضا - هذا الطعن على الإسلام من غير تعليق.

ولما انبرى عالم جليل من أشهر أساتذة القانون في إحدى الجامعات الأميركانية إلى هذه المجلة يرد عليها باطلها وينكث غزلها لم يكد ينقل جوابه أحد في الغرب ولا في الشرق.

وهذا الأستاذ المنصف يستحسن شريعة القرآن ويدعو إلى العمل بها ويفضلها على غيرها من سائر القوانين الوضعية.

وهو يتمنى على جميع المحاكم في سائر البلاد أن تعاقب القتلة السفاكين واللصوص المجرمين بنفس العقوبات التي جاء بها القرآن الكريم، وهو يقول: " لو أننا في أميركا مثلا عملنا بشريعة القرآن لكنا اليوم في راحة تامة مما نقاسيه من الشرور والويلات، فلو قطعنا يد سارق واحد لانقطعت السرقة من أصلها ولما خشي الآباء والأمهات من هؤلاء اللصوص المجرمين الذين يختطفون الأطفال ابتغاء الفدية والمال.." ثم قال: "والذين لا يعجبهم أن تقطع يد السارق.. ويزعمون أنهم يدافعون بذلك عن الحضارة إنما هم في الحقيقة لصوص محتالون يدافعون عن أيديهم التي تعودت السرقة والاختلاس..."

*


وانتقلنا بعد إلى شجن من شجون هذا الحديث: حديث التبشير الإسلامي وما يتصل بمسألة التبشير الإسلامي. فذكرنا جالية الاسبان في الجزائر، وقلنا إن من أسلم منها فقد أسلم، ومن لا يزالون مسيحيين فكثير منهم يتقربون من الإسلام يوماً فيوما، فهم في كل يوم يرفضون عادة من عاداتهم ويعتاضون عنها بعادة من عادات أهل وهران المسلمين، فهم يزورون مزارات المسلمين ويبخرونها بالبخور!.. ولولا أن هذه الفئة النفعية المغرضة - فئة الصحافة الاستعمارية في الجزائر - تبذر دائما بذور الشقاق بين الجزائريين المسلمين الوطنيين وبين الأجانب المتوطنين لدخل في دين الله كثير من الجاليات الغربية.

وتناولنا مسألة التبشير المسيحي بين المسلمين فقلت: ذكر الجنرال الفرنسي آزا في كتابه (المسألة الجزائرية) ما تعريبه:

"إن المسلمين لا يمكن أن يتركوا الإسلام ويتنصروا.. وقد كانت وقعت في الجزائر مجاعات عمومية عظيمة في القرن الماضي فانتهزها الكاردينال لافيجري (مؤسس إرسالية الآباء البيض) فرصة لتنصير الأطفال المسلمين، فالتقط من مخالب المجاعات أربعة آلاف طفل صغير دون العاشرة، وما هي إلا أن كبروا وعرفوا أن آباءهم مسلمون حتى هربوا ورجعوا إلى الإسلام ولم يبق منهم على النصرانية إلا نحو أربعين شخصا ما أحسبهم مخلصين للمسيح في بقائهم على النصرانية وإنما أبقاهم عليها شدة اضطرارهم وفقرهم.. "

فعجب صاحبي من نشاط التبشير المسيحي في بلاد الإسلام مع أنه لا يلاقي إلا كل خيبة ولا يبوء إلا بالفشل والإخفاق.

وودعني صاحبي الاسباني وودعته على نية أن نلتقي في وقت قريب، وكنت نويت أن أجعل حديثنا في المرة الثانية عن الأندلس، وهل يعود الإسلام من جديد. ومع الأسف فإننا لم نلتق بعدها، غير أن صديقي السيد عبد القادر محداد الأستاذ في المدرسة الثانوية الفرنسية بوهران قد رجع أخيراً من سياحته في الأندلس، وحدثنا بأن أهل مقاطعة الأندلس اليوم يفتخرون على بقية الاسبان بأنهم عرب أبناء عرب من سلالة عربية. وأصبحت العروبة هي موضع الشرف عند الاسبان، فأشرف شريف عندهم من لا يزال اسمه عربياً، دليلا على أصله العربي؛ وأمة الاسبان كلها تعتبر نفسها شرقية لا غربية. وقال إنه قرأ (الدليل الرسمي للأندلس) فإذا الذي ألفه أديب اسباني اسمه (بن أمية)، وإذا هو يقول في مقدمة الدليل: "إن جميع من في اسبانيا من العبقريين الذين نبغوا في الشعر والكتابة والنحت والتصوير وغيرها من الآداب الرفيعة، هم عرب وأبناء عرب.." وأطنب بعد في عد مفاخر المسلمين وصناعاتهم وعلومهم التي كانت لهم في بلاد الأندلس. وخيالات الشعر الاسباني اليوم خيالات عربية، وروح الأدب الاسباني في جملته روح عربية. والعامة من أهل الأندلس اليوم ما زالوا يتسامرون ويتحادثون بحكايات عربية تقصها الأمهات على أطفالهن، وهي حكايات عن بني سراج وبني أمية وما إلى ذلك. وهم يفتشون كثيراً على المراثي التي نظمها شعراء العرب في رثاء الأندلس المسلمة والبكاء عليها.

وقال: إذا دخلت غرناطة أو قرطبة أو غيرهما من المدن التي كانت مساكن العرب، حسبت نفسك في مدينة عربية. فإن ديار العرب ومبانيهم هنالك ما زالت على حالتها الإسلامية الأولى، ولم يكد يتغير منها شيء. وآثار العرب موجودة هنالك في كل مدينة وفي كل قرية من ديارهم. وإذا كان الحجاب هو فصل ما بين الرجل والمرأة، فإن اشبيلية وغيرها اليوم لا يختلط فيها الرجال بالنساء. ففي المقاهي يجلس النساء في ناحية لهن خاصة بالنساء، وفي الأفراح البلدية يبقى النساء في مركباتهن وعرباتهن، يتفرجن ويستمعن الغناء من بعيد. وفي الشوارع (في اشبيلية) لا يخاصر الرجل امرأته، بل يمشي أمامها، وتمشي هي وراءه، وما زالوا يزورون مقابر الأولياء والصالحين وأضرحتهم التي في كل حومة واحد منها، وهي أضرحة في الأصل إسلامية. وهم يطيبونها إلى الآن بالبخور كما يفعل المسلمين.

فقلت له: وأنا أيضاً رأيت في بعض دور الصور المتحركة منظراً لسرب من الفتيات الاسبانيات، وهن في حفلة عرس، فرأيتهن يضربن بخمرهن على جيوبهن، ويدنين عليهن من جلابيبهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. ورأيتهن في هيئة من الحجاب تشبه هيئة كثيرات من العربيات المسلمات اللائي تراهن في قرى الجزائر وتونس والمغرب الأقصى.

وكان أحد الاسبان واسمه (بن حفص) (Bin Hafs) (وهو ضابط في جيش الاسبان برتبة قومندان) إذا وجد كتاباً عربياً بكى بكاء مراً على مجد المسلمين وسلطانهم في الأندلس. وكان يقول: (لو أن الإسلام يعود إلى الأندلس من جديد، لما كان في ذلك أكثر من أن يسمي أهل الأندلس اليوم أنفسهم مسلمين.. ) يعني أن الأندلس متهيئة بطبيعتها وبحالتها الحاضرة وبعقليتها لقبول الإسلام وللترحيب به من جديد، لو كان لهذا الإسلام دعاة ومبشرون. والأستاذ محداد يستبعد نجاح التبشير الإسلامي في اسبانيا لما للكنيسة هناك من سلطة قوية على العامة. ويعترف بأن في اسبانيا من يتمنى لأمته أن تكون أمة مسلمة حتى تعود إليها حضارتها العربية الأولى، وحتى تكون رأس الأمم الإسلامية، ولا يستبعد أن تنجح الدعوة الإسلامية في اسبانيا بين طبقة الأدباء والمفكرين.

واتفقنا أخيراً على أن الإسلام في حاجة شديدة إلى دعاية وتبشير، في نفس بلاد الإسلام، وفي سائر بلاد الله. واتفقنا أيضاً على أن هذه الدنيا كلها في حاجة إلى أن يرحمها الله بهداية هذا الإسلام: هذا الدين القيم الحنيف.

ذيل

عقب نشر هذا الفصل وردت على صحيفة (الفتح) الكلمة الآتية من أحد كبار أساتذة الطب في دمشق، فألحقناها به لأهميتها:

في الأندلس المسيحية

والحجاب موجود أيضاً!

لقد جاء في مقال الفاضل الأستاذ السيد محمد السعيد الزاهري المنشور في العدد 10228 من صحيفة الفتح الغراء أن أمورا كثيرة لم تزل في الأندلس عربية إسلامية، حتى قال عن لسان صديقه السيد عبد القادر محداد (وإذا كان الحجاب هو فصل ما بين الرجل والمرأة، فإن اشبيلية وغيرها لا يختلط فيها الرجال بالنساء... ) وإني لأزيد على ذلك بأن الحجاب نفسه ما زال موجوداً في بعض زوايا الأندلس كما جاء في كتاب (غير المشهور من اسبانيا) في الصفحة 90، وهو رسم امرأة متحجبة الحجاب الشرعي الذي كان مستعملاً في بلادنا كلها قبل سنين قليلة والذي لم يزل في المستمسكات بعرى الدين المتينة في جميع البلاد الإسلامية، وقد كتب تحت هذا الرسم بخمس لغات (الألمانية والاسبانية والإيطالية والإنكليزية والإفرنسية) ما مؤداه بالحرف: إحدى النساء المسيحيات اللاتي لم يزلن إلى الآن متحجبات كما كن في عصر عرب الأندلس.

فالرجاء نشر ما ذكر ليكون ذيلا للمقال المذكور وخدمة للتاريخ والحقيقة، والسلام عليكم.

دمشق (قارئ)


حنين الاسبان إلى العرب

وهذا فصل كنت نشرته في العدد الصادر يوم 5 ذي الحجة الحرام. 1350 هـ، 12 - 04 - 1932م وفي العدد الذي يليه من جريدة "النور" الغراء التي كانت تصدر بعاصمة الجزائر، بعنوان:

(اسبانيا الحديثة، موقفها بإزاء العروبة والإسلام. حقائق ومعلومات لم تنشر قبل اليوم).

ولما كان هذا الفصل مناسبا لهذا المقام أردت أن أثبته في هذا الكتاب، وهو من زيادات هذه الطبعة الثانية:

من عهد قريب غير بعيد كانت نشرت الجرائد اليومية وشركات الأخبار أن مجلس الوزراء الاسبان قد قرر أن ينشيء مدرستين كليتين للأبحاث العربية الإسلامية، إحداهما في مجريط (مدريد) والأخرى في غرناطة، ونشرت الجرائد العربية والإسلامية هذا الخبر مقتضبا مجرداً عن كل بيان مثلما فعلت تماماً جرائد الاستعمار والجرائد المسيحية التي لا يسرها ما يسر العروبة والإسلام.

ونحن لا نلوم صحف الاستعمار إذ هي لم تنوه باسبانيا الحديثة التي جعلت تعمل الصالحات وتهتدي إلى سبيل الرشاد، ولا نلومها إذ هي تعمدت إغفال عمل نافع كهذا الذي عملته اسبانيا فلم تشرحه ولم تتناوله بالإذاعة والنشر، فقد عرفنا من هذه الصحف وهذه الشركات الإخبارية أنها لا تود الخير للإسلام ولا للعروبة ولا تتورع أن تحاربهما ولا أن تتوسل إلى ذلك بكل وسيلة مهما كانت سافلة غير شريفة، وإنما نعجب من الصحف العربية والإسلامية على الخصوص كيف تقتضب هي الأخرى هذا الخبر اقتضابا دون أن تزيده في شرح أو بيان. وقد يزول عجبنا إذا عرفنا أنه ليس للإسلام أية شركة من شركات الأخبار، وأن العروبة لا تملك جريدة من الجرائد الكبرى ولا وسيلة أخرى من وسائل النشر والإذاعة.

فالصحافة العربية اليوم - إلا قليلاً - لا تزال عالة على صحف الاستعمار تتأثر بها وتقلدها تقليداً كثيراً لا حد له ولا نهاية، والدعاية الاستعمارية لا تزال تعمل عملها في كل بلد من بلاد الإسلام. وكان الواجب علينا معشر العرب المسلمين أن نهتم لكل حادث من حوادث الخير أو الشر يعني العرب أو يتعلق بالمسلمين، لا أن نكون تبعاً للغربيين نقول بما يقولون ونصمت عما يصمتون. وفي جمهورية الاسبان الحديثة ما لا يهم المستعمرين ولا يعنيهم، ولكنه يهم العرب ويعني المسلمين.

وقد حصلت أنا على معلومات عن هاتين الكليتين فأردت أن أذيعها هنا.

وأبدأ بنشر فقرات من نفس مشروع القانون الذي قدمه إلى المجلس النيابي معالي وزير المعارف العمومية السنيور مارسيلينو دومينكو، وقد مهد لهذا المشروع بفذلكة جاء فيها ما ترجمته:

(ليس هنالك حكومة يجب عليها أن تحافظ على الآثار الإسلامية وأن تنشط الأبحاث العربية أكثر مما يجب على اسبانيا.

" ثمانية قرون كاملة ونحن دماغ أوروبا ونورها اللامع، وذلك لأن الحضارة الإسلامية قد عاشت طيلة هذا الأمد كله فوق أرضنا، وأثرت تأثيراً بليغاً في تاريخنا، وصبغت إلى الأبد حياتنا بالصبغة الشرقية (أي العربية الإسلامية) من الأدب إلى الفن إلى النظام إلى غير ذلك من نواحي الحياة، فالبحث عن الماضي (أي الإسلامي) أقل ما يقال فيه إنه واجب جليل... (ولأداء هذا الواجب لا يمكن الحكومة أن تهييء نظاماً جديدا. وإنما الأفضل أن تستعمل ما هو موجود، أعني بذلك جماعة المستشرقين (الاسبان) الباحثين الذين حافظوا على شرف اسبانيا بوجه خاص وبعناية تامة وبتواضع وبنصر باهر في ميدان الأبحاث الشرقية.

... ووسائلنا إلى تحقيق آمالنا على ضربين: الأعمال المختصة بالماضي، وهي البحث والتنقيب والترجمة بحيث يسهل على طلابنا أن يتناولوا الكتب التي تتعلق بتاريخنا الإسلامي الذي هو كما قلنا سابقاً جزء من تاريخ اسبانيا؛ وثانيا الأعمال المختصة بالمستقبل والمراد منها استكثار العلائق الاقتصادية والثقافية بيننا وبين الشرق من مثل نشر لغتنا ونفوذنا وزرع حياة جديدة في ردهات مدارسنا، وذلك بأن نفتحها في أوجه الشبان المسلمين وندعوهم إليها، ولا سيما العرب الذين يتثقفون اليوم في مدارس تظهر لنا العداوة والبغضاء...

والخلاصة إنه يجب علينا أن نعلن عن شخصيتنا الحقيقية لمن لا يزالون من غير أن يعرفونا يجعلون اسبانيا جنة بائدة، وفردوساً مفقودا.

أما المقصد الأول فانه يسهل علينا أن نجعل مقره في مجريط، فهي متبوأ الأساتذة المشهورين، وهي الوسط المساعد على البحث العلمي، وفيها المخطوطات العربية، وجارة الاسكوريال حيث المكتبة العربية الكبرى.

وأما المقصد الثاني فينبغي أن نجعل مقره في غرناطة التي سعت منذ أعوام في هذا الأمر بغاية الحزم والنشاط، وهي آخر مدينة عربية فتحها الاسبان، وتوجد فيها الآثار العربية أكثر من سواها، وهي ذات طبيعة ناضرة مختلفة المناظر، وقد استمرت اللغة العربية وبقيت تدرس في جامعتها بلا انقطاع، كل ذلك يخولها أن تكون أولى من غيرها وأحق بأن تنشر لاسبانيا في الشرق حسن الأحدوثة والذكر الجميل.

وهي أحق بأن تحافظ على حياة الأبحاث العربية في الأندلس كما كان لها ذلك منذ قديم.. )

ثم عرض الوزير الاسباني نص مشروع القانون الذي وضعه لإنشاء هاتين الكليتين، ومن فقراته:

"المادة الثانية" الغرض من إنشاء كلية مجريط هو تنظيم وتنشيط الأبحاث العلمية عن التاريخ والحضارة وسائر نواحي الحياة الإسلامية من جميع وجوهها ولا سيما اسبانيا، ونشر الكتب العربية وترجمتها والبحث عن الأدباء المسلمين "العرب" واستقصاء آثارهم.

"المادة الثالثة" لتحقيق هذا الغرض تنشأ أولاً فرقة المذاهب الفلسفية والعلمية في الإسلام، وفرقة التاريخ السياسي للأندلس على عهد العرب وفرقة النظام (الإدارة) والفقه الإسلاميين، وفرقة اللغة العربية وآدابها، وفرقة المغرب واللهجات المغربية، وفرقة الفن والمعمار العربي (المعمار هو هندسة البناء) وعدد هذه الفرق يزاد فيه في المستقبل كلما توفرت لنا الوسائل الملائمة، وتهيأ لنا العلماء المستعدون لمثل هذه الأعمال.

وكل فرقة من هذه الفرق تتركب من شخص أو من أشخاص أخصائيين أو تلامذة يريدون إتمام معلوماتهم على نفقة الحكومة.

وثانيا تنشر هذه المدرسة مجلة علمية تكون لسان حالها، تنشر سلسلة كتب مترجمة، ومطبوعات عربية وأبحاثاً عن الموضوعات الآنف ذكرها، وأدبيات (عربية) مختارة لتنشر بين الجمهور وكتباً نحوية، وقواميس لغوية ومختارات معلقاً عليها (مشروحة) وما إلى هذا من كل ما يضطر الطلبة اليه.

وثالثا لهذه المدرسة أن تدعو بعض العلماء الأخصائيين الأجانب ليقوموا فيها ببعض الدروس أو المحاضرات.

وكذلك يحق لأساتذتها أن يقوموا ببعض الرحلات والأسفار في سبيل البحث والتنقيب.

"المادة الخامسة" يشرف على هذه المدرسة لجنة علمية يرأسها وزير المعارف العمومية، وتتكون من الدون خوليان زوبيرا، والدون رامون مبنداندس بيدال، والدون كوميس مورينو، والدون سانشاز آلبرنوس، والدون أنطونيو بربيطو، والدون ميكيل آسين بلاصيوص الذي هو مدير هذه الكلية.

"المادة التاسعة" الغرض من إنشاء مدرسة غرناطة هو التعليم العالي للغة العرب وحضارتهم واللغة العبرية واجتلاب الشبيبة الإسلامية، ويضاف إلى ذلك أبحاث علمية.

"المادة العاشرة" لبلوغ هذه الغاية تنشأ في أول الأمر فرقة تتعلم اللغة العربية واللغة العبرية، وفرقة لدراسة التاريخ الإسلامي من حيث الثقافة والسياسة، وفرقة للنظام والفقه الإسلاميين، وفرقة للهجات المغربية، وفرقة للفن العربي والهندسة العربية. ويزاد في هذه الفرق متى توفرت المواد اللازمة والعلماء المستعدون لمثل هذه الأعمال.

ويضاف إلى ذلك دروس في الثقافة الأندلسية والثقافة الإسلامية تلقى على الطلبة الشرقيين.

وتعتني مدرسة غرناطه هذه بالأبحاث العلمية اتفاقاً مع مدرسة مجريط كما هو مفصل في المادة السادسة عشرة التي تخص إنشاء لجنة النشر.

وتجتهد مدرسة غرناطة في دعوة التلامذة المغاربة ليتلقوا دروسهم في مدارس غرناطة وتخصص لهم دروساً تلائم دينهم وثقافتهم وتهيىء لهم في أول فرصة ممكنة غرفاً وحجرات حيث يسكنون.

ولهذه المدرسة أن تدعو هي الأخرى بعض العلماء الأخصائيين الأجانب ليقوموا فيها ببعض الدروس أو المحاضرات، ويحق لأساتذتها أن يسافروا لأجل البحث والتنقيب.

"المادة الثانية عشر" تشرف على هذه المدرسة لجنة تتكون من رئيس (مدير) جامعة غرناطة وعميد كلية الآداب، والمعماري (المهندس) المحافظ على قصر الحمراء، ومن أستاذين آخرين من كلية الآداب، أحدهما تعينه الكلية، والآخر هو أستاذ اللغة العربية فيها ويكون هو المدير الفني لهذه المدرسة...

وجاء في المادة الحادية عشر - إن أساتذة هذه المدرسة العربية يقع تعيينهم بإجراء مسابقة (مناظرة) بينهم ولا يشارك فيها إلا الدكاترة ( الذين يحملون شهادة الدكتورة من إحدى الجامعات المعترف بها).

وأنت ترى هذا المشروع القانوني هو ما يمكن أن تبذله حكومة عربية - لو هي أرادت ذلك - لإحياء مجد العرب، وحكومة إسلامية لكي تبعث به تاريخ الإسلام من جديد ناصعاً مجيدا.

وأنت ترى أن معالي وزير المعارف الاسباني قد مهد لمشروعه هذا بكلمة كلها افتخار بالعرب، واعتزاز بثقافة الإسلام، فهو يرى من دواعي الفخر أن يقول: ( تاريخنا الإسلامي) على حين نرى أن كثيراً من وزراء الحكومات الإسلامية يخجلون من ذكر (تاريخهم الإسلامي) فضلا عن أن يذكروه على وجه الافتخار. بل سمعنا مراراً بعض رجال تركيا الرسميين يزعمون أن تاريخ تركيا لم يكن في يوم من أيامه تاريخاً إسلامياً (كذا)، وهم يفاخرون بذلك، ثم هم يتبرءون من ثقافة العرب التي لا يتبرءون منها إلا كما يتبرءون من لحومهم ودمائهم.

وهذا العمل الصالح الذي تعمله الحكومة الاسبانية هو أثر من آثار حنين اسبانيا الحديثة إلى العرب. فالطبقة المفكرة المستنيرة من الاسبان أصبحت تعتقد أن أسعد أيام اسبانيا في التاريخ إنما هي أيام العرب، وإن العصر الذهبي للاسبان إنما هو العصر الإسلامي، وإنه لا سبيل إلى النهوض باسبانيا الحديثة ولا إلى إقالتها من عثرتها وكبوتها إلا بالعمل على إحياء ما مضى فيها من عهد العروبة والإسلام. ولا ترى في اسبانيا اليوم عالماً ولا أديباً: شاعراً أو كاتباً إلا وقد ندب العرب وبكاهم بكاء مراً، وأجود ما تقرؤه من شعر الاسبان ونثرهم اليوم هو ما ندبوا به الأندلس العربية وبكوها فيه. فالروائي الاسباني المشهور ابلاسكو ابانيز لا يكاد يجيد في رواية له إلا إذا جعلها مرثية يرثي بها العرب، وأمير الشعراء الاسبان فييا سباسا لم ينل هذه المرتبة العالية من الشهرة بالشعر إلا بمراثيه في العرب.

وفي اسبانيا اليوم كاتب من أكبر كتابها سمى نفسه (ابن أمية) - وهو اسباني مسيحي - يعتقد أن اسبانيا كلها أمة شرقية لا علاقة لها بالأمم الأوربية، ولا تمت إلى (اللاتين) بصلة نسب، ويدعو الاسبان أن يعتبروا أنفسهم شرقيين لا غربيين، ويقول: (يقولون لنا إنكم أمة لاتينية، والحق أننا أمة شرقية بحتة... ) ثم يذكر الشواهد القاطعة على أن اسبانيا هي أمة شرقية لا غربية، ويزيف مزاعم من يقولون إنها غربية لاتينية؛ وله الحق في هذا القول، فإننا نرى هنا في وهران وفي غيرها عدداً لا يحصى من المسلمين عربا وبربراً - والبربر هم أيضاً عرب وأبناء عرب - نساء ورجالاً يجيدون اللغة الاسبانية ويعرفونها معرفة تامة من غير أن يتعلموها، بل كما يعرف العرب اللغة البربرية وكما يعرف هؤلاء اللغة العربية. وهي (الاسبانية) في ألسنتهم وأفواههم أسهل عليهم من اللغة الفرنسية التي لا يجيدونها في الكثير الغالب إلا بعد القراءة والتعلم. وذلك لأن اللغة الاسبانية - وإن كانت في أصلها لاتينية - فهي شرقية في نفسيتها ومزاجها لا يصعب على هؤلاء العرب الشرقيين أن يتكلموها كلغة قومية. واليهود هنا في عمالة وهران يتكلمون أيضاً الاسبانية كلغة منزلية. أما الفرنسيس مثلا فإنه يصعب عليهم أن يتكلموا الاسبانية من غير أن يتعلموها ويمارسوها طويلا، ذلك لأن مزاجهم غربي ومزاجها هي شرقي...

ومن كتاب الاسبان وأدبائهم من يذهب إلى وجوب تعريب الأندلس من جديد، ويقترح لذلك على الحكومة أن تجعل اللغة العربية إجبارية في مدارس الأندلس، وأن تسعى في جلب العائلات العربية فتنزلهم بالأندلس وتقطعهم المزارع والأراضي، فتستعرب بذلك الأندلس مرة أخرى.

وبلغني أن نادياً تأسس في قرطبة لإحياء الثقافة العربية في الأندلس وفي اسبانيا كلها، وان عدداً وافراً من الأدباء والمفكرين الاسبان قد انخرطوا في هذا النادي.

واستحالت هذه الفكرة في عقول بعض المخلصين الاسبان من فكرة محلية داخلية إلى فكرة فسيحة فيها شيء كثير من السعة والطموح. ففي أدباء الاسبان اليوم من يتمنى لو ترجع الخلافة الإسلامية إلى الأندلس وتكون قرطبة هي عاصمة الإسلام كما كانت في القديم على عهد الخلفاء الأمويين، قالوا وتخفق راية هذه الخلافة الإسلامية الجديدة على بلاد الجزائر وتونس والمغرب الأقصى والأندلس وسائر بلاد الاسبان على أن تكون هذه البلاد ولايات متحدة: الناس فيها سواء لا حاكم ولا محكوم ولا غالب ولا مغلوب ولا ظالم ولا مظلوم. وقد تظهر هذه الفكرة على غاية من الغرابة والشذوذ، ولكنها على كل حال دليل قاطع على أن الاسبان أصبحوا اليوم لا مستعمرين يبغضون العرب ويحملون لهم في صدورهم الضغائن والأحقاد، ولا مسيحيين يتعصبون من الإسلام ويتمنون له الفناء والزوال ويعملون على أن يلحقوا به الشر والأذى.

وإذا نظرنا إلى سياسة اسبانيا الحديثة في منطقة حمايتها بالمغرب الأقصى ومعاملتها للمسلمين هنالك، وجب علينا أن نعترف بالحقيقة الواقعة وأن نعلن على رؤؤس الأشهاد أن جمهورية اسبانيا الفتاة تعامل المغاربة معاملة حسنة، فلا فرق عندها بين مغربي وبين اسباني في حق من الحقوق، وهي تعتبر العرب أبناءها لا رعاياها، فلا يخاف العربي هنالك ظلماً ولا هضما.

والأوقاف الإسلامية والشؤون الدينية مثلاً هي كلها في أيدي أهاليها العرب المغاربة المسلمين، لا تتداخل فيها الحكومة بوجه من الوجوه. وللمسلمين هنالك أن ينشئوا المدارس العربية الإسلامية الحرة. وفي هذا الصيف الماضي قد اجتمع أعيان مدينة تطوان وأهل الفضل والمرؤة فيها وأسسوا مدرسة عربية إسلامية حرة كثيرة الطبقات والأقسام، وجعلوها نظامية على أحدث طراز، ومع ذلك لم يلقوا من الحكومة الاسبانية معاكسة ولا اعتراضا. ولا تمنع الحكومة هنالك عربياً من رعاياها أن ينشيء جريدة عربية كيفما كان مذهبها السياسي، ولا سنت قانوناً خاصاً قيدت به ثمت صحافة العرب دون صحافة الاسبان، بل قانون المطبوعات واحد يشمل الصحافة الاسبانية والصحافة العربية على السواء. وآية ذلك أننا لم نسمع إلى الآن أن حكومة اسبانيا قد منعت جريدة عربية - أيا كانت - من دخول منطقة حمايتها بالمغرب الأقصى، وهذا لم تفعله اسبانيا حتى في أيام الحرب الريفية حينما كانت الجرائد في جميع الأقطار تنتصر للمجاهد الكبير الأمير محمد بن عبد الكريم.

وكان كاتب الدهر أمير الجهاد وأمير البيان عطوفة الأمير شكيب أرسلان زار بلاد الأندلس وزار المنطقة المغربية التي تحت حماية اسبانيا. فأقام له إخواننا العرب هنالك حفلات تكريم. ولم يعترض الاسبان على شيء من ذلك، وكانت يومئذ صحافة الاستعمار الفرنسي قد هاجمت عطوفة الأمير بالأكاذيب والمفتريات وعاتبت الاسبان عتاباً مراً على سماحهم له بالإقامة في المنطقة الاسبانية، وأغرتهم بإبعاده كما أبعدته حكومة مراكش الفرنسية من طنجة وهي منطقة دولية بين كثير من الدول.

ولما انعقد المؤتمر الإسلامي بالقدس الشريف وأراد أن يمثل المغرب الاسباني فيه عظيم من عظماء المسلمين هنالك لم تمانع حكومة الاسبان في ذلك ولا اعترضت عليه، بل سمعنا أنها انتدبته رسمياً ليحضر هذا المؤتمر.

وبالجملة فحكومة اسبانيا الجمهورية لم تعمل عملاً استعمارياً تريد به محق العروبة أو الإسلام ولا حاولت أن تقطع تلك الأمة الإسلامية التي تحت حمايتها من جسد الإسلام ولا أن تجعلها في عزلة عن العالم ولا أن تخفيها عن الأنظار، فالمغاربة الذين هم تحت حمايتها هم اليوم في عيشة راضية يتمتعون بما لم يتمتع به أي بلد آخر من بلاد الإسلام قد كتب عليه أن تستعمره دولة غربية باسم حماية أو انتداب، ولو أن اسبانيا كانت غربية لكانت قاسية ظالمة كأخواتها الغربيات، ولكن رحمتها وعدالتها من (شرقيتها) المتسامحة الوديعة، ومن آثار العروبة فيها.

(حاشية)

نشرنا هذا الفصل منذ أربعة عشر شهراً لم تستطع اسبانيا الحديثة في أثنائها أن تنفذ هذا المشروع، لأنها منهمكة في إطفاء الفتن التي لا تزال تقوم في بلادها من حين إلى حين، ولأن بعض الدول الاستعمارية التي يسوؤها أن ترى العرب والاسبان يتصافحون قد وضعت العراقيل في سبيل هذا المشروع، وهي وإن لم تستطع إحباطه فقد استطاعت أن تؤخره إلى أجل غير مسمى. على أن جماعة (البيت الإسلامي) في مدريد ورجال (الجمعية الاسبانية - الإسلامية) التي ينوب رئيسها صاحب العطوفة الأمير شكيب أرسلان لا يزالون يبذلون الجهود المخلصة والمساعي المشكورة في هذا السبيل. وإذا كان العرب والمسلمون لا يريدون أن يمدوا أيديهم بالإعانة إلى جماعة هذا البيت ولا إلى رجال هذه الجمعية فإنه ستضيع من أيدينا فرصة ثمينة قد نندم عليها ندما شديداً وقد لا تسنح لنا مرة أخرى.


كيف يغوون شبابنا؟

ولو أن الغربيين كانوا كلهم مثل مسيو لوي بيرتران - خصيم الشرقيين الألد، وعدو المسلمين الأزرق - لما خفنا على شبابنا - ولو على واحد منهم - من أن يتهافتوا على التفرنج والاندماج.

فخصومته للشرق، وما في هذه الخصومة من مكابرة وعناد، وعداوته للمسلمين، وتعصبه للمسيحية على الإسلام، وما في ذلك من تحامل وإسراف - كل ذلك فيه مزدجر بليغ لشبابنا المسلمين الذين يتعلمون في المدارس الأجنبية، وفيه ما يثير فيهم الغيرة على الإسلام، والغضب للكرامة، وفيه ما يهج في رؤوسهم النخوة والاعتزاز. ولكن الغربيين ليسوا سواء: منهم من { قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } ومنهم من يدس السم في الدسم، ويدعو شبابنا الذين يقرأون لغاتهم إلى التفرنج والاندماج، دعاية هي غاية ما يمكن أن تكون لطفا واحتيالا، دعاية يزينون لهم فيها الغواية والضلال، ويلبسون عليهم فيها الحق بالباطل، وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون.

*


نشر لوي بيرتران هذا كتاباً سماه (لدى الإسلام)، شتم فيه الإسلام ما شاءت له تربيته أن يشتم وكابر في انكار المآثر العربية الإسلامية الخالدة في اسبانيا وفي غيرها ما شاء له تعصبه أن يكابر وأثنى فيه على المسيحية ثناء كثيراً حتى أشبع غرضه وهواه، وزعم فيه أن اسبانيا اليوم هي الأمة الراقية المتمدنة في أوربا كلها لما فيها من تعصب مسيحي وبغض للإسلام. وذكر فيه مصر وجهادها في سبيل الاستقلال، فشتمها وشوه نهضتها وجهادها كما شاء له التعصب والحقد، فتأسف على ذهاب البوليس البريطاني الذي كان في مصر، وقال إنه كان حازماً جميل الهندام. واستقبح منظر البوليس اليوم، وقال: (إنه ذو شوارب طويلة مستقبحة لا جمال فيها.. )

كأن الاستقلال لا ينال إلا بحلق الشوارب! إلى غير ذلك مما قال. ويقرأ شبابنا مثل هذا الكتاب، فينتفعون بهذه الشتائم المقذعة، فتثير كل ما فيهم من غيرة ونخوة، فيكرهون التفرنج، وينفرون من الاندماج. ولكن الذي نخافه على أبنائنا هؤلاء الفرنجة الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، يحببون إلى أبنائنا الكفر والإلحاد، ويكرّهون إليهم الهدى ودين الحق. في السنة الماضية كان ورد الجزائر من فرنسا رجلان اثنان أتيا متعاقبين (أحدهما تلو الآخر). أما أولهما، فهو مندوب من بعض جمعيات الحشمة والتقيد فطاف في بلاد الجزائر، وخطب في مسارحها (الفرنسوية طبعاً) ودعا الناس إلى التدين والنساء إلى الاحتشام، وحذر من الكتاب والصحف والمجلات والروايات المستهترة الخليعة.

وأما الثاني، فهو مندوب من بعض جمعيات الإلحاد ومناوأة الأديان. ولعل المقصد الأهم هو مناوأة الإسلام وحده، فطاف في الجزائر، وخطب في مسارحها، ودعا الناس إلى الكفر والإلحاد. وكل محاضرة يلقيها في أي بلد من الجزائر، كان شبان المسلمين يحضرونها ويستمعون لها ويسمعون بآذانهم ما يقوله المحاضر فيها من طعن على الإسلام واعتداء عليه، فيسؤهم ذلك ويحنقون ويكادون يتميزون من الغيظ. ولكن الرجل كان من أشد الناس خبثاً ودهاء، وكان سرعان ما يلحظ على وجوه هؤلاء الشبان حنقاً وانفعالا، فيعمد إلى إرضائهم ويقول: (.. لست أريد هذه الشبيبة المسلمة المستنيرة التي تعلمت في مدارسنا وتمدنت بمدنيتنا وتربت بأدبنا، وأصبحت منا على قاب قوسين أو أدنى. وما منع هؤلاء الشبان المسلمين أن يكونوا منا إلا هذه الطرابيش الحمراء التي تغطي أدمغة صالحة لأن تبذر فيها وتنمو أفكار الفلاسفة المفكرين الذين يعقلون، ولا يؤمنون بخرافة الأديان! وهؤلاء الشبان، قبل أن يتطربشوا، قد قطعوا شوطاً واسعاً في التقدم وحرية الفكر. فنبذوا العمامة ونبذوا معها كثيراً من الأفكار البالية العتيقة! (كذا)، وسوف لا يتحرجون أن ينبذوا الطربوش وينبذوا معه آخر ما بقي عندهم من العقائد والخرافات. وإنه ليسرنا أن نرى اليوم رجال الشرق الإسلامي يخرجون من الإسلام ويرقون إلى مصاف الملاحدة الذين هم الطبقة المستنيرة المفكرة في كل عصور التاريخ. ويذكر الصلاة، فيستبشر بأن عدد المسلمين الذين يقيمون الصلاة يقل يوماً فيوماً. ويقول: إن مدارسنا الأوربية في الشرق لها الفضل الكبير في (تحرير)كثير من شبان الإسلام وفك رقابهم من تكاليف الصلوات! ويذكر الصوم، فيثني على المسلمين الذين لا يصومون، ويصفهم بالعقل والحكمة. وهنا يسرد حكاية مهندس جزائري يقطن اليوم في فرنسا كان تخرج من كلية "الرياضيات" بمدينة ليون. ويثني على هذا المهندس الجزائري المسلم، وبفضله في العلم والحكمة والذكاء والنشاط. ثم يقول: ".. ولكني أتأسف كثيراً له، لأنه ما يزال إلى هذا اليوم يقيم الصلاة ويصوم رمضان!.." ويذكر الحج ويستقبحه ويستثقله، ويزعم أن كل مسلم يحج يندم لما يلاقيه في حجته من نصب وعناء. مع أن الحج هو أقصى ما يتمناه هؤلاء المسلمون: من حج منهم ومن لم يحج. ومع أن السلطة القائمة في الجزائر هي التي تسبب للحجاج الجزائريين كل ما يصيبهم من تعب وأذى، بما تضعه في سبيلهم من العراقيل والصعوبات، ومنها إلزامهم بأن يحجوا على باخرة تعيّنها الحكومة، وقد يُشحنون فيها شحن البضائع. إلى غير ذلك من القيود والتضييقات.

ثم كتب مقالا في مجلة (الفكر الحر) الفرنسوية وصف فيه طوافه ببلاد الجزائر وتونس، وما ألقاه من المحاضرات، واعترف فيه بأنه كان يستعمل الحيلة والمكر في دعاية شباب الإسلام إلى الكفر والإلحاد. فقال ما معناه: كنت أجد من شباب الإسلام مقاومة وأرى على وجوههم كراهية لما أدعوهم إليه، غير أنهم كانوا أحداثاً أغراراً غير مجربين، فاستطعت أن أتقي غضبهم وأن أجلب بعضهم بما كنت أستعمله من الدهاء والخداع. فإن كرهوا انتقادي أو طعني على الإسلام حوّلت الكلام في الحال إلى دين المسيحيين أو إلى دين اليهود، ومع أن شباب الإسلام كانوا أشد غيرةً على دينهم - أو قال: كانوا أكثر تعصباً لدينهم - من اليهود والمسيحيين إلا إنهم كانوا غير مزودين بالمعلومات الدينية (الإسلامية) التي تكفيهم للمناضلة والدفاع عن دينهم...

وبعد ما أغرى دعاة الإلحاد الغربيين بشباب الإسلام في بلاد المغرب بحجة أن هؤلاء الشبان المسلمين هم الآن عزل غير متسلحين بالعلوم الدينية الإسلامية، قال: وجاءني في مستغانم مقدم طريقة صوفية في الجزائر ليهديني وليجعل في عنقي (سبحة) أذكر بها (الله)! فهديته أنا، وبكل سهولة رمى بسبحته، وعاد من الذين (لا يسبحون) ولا يؤمنون بالدين!.. وقد ذكر هذه الواقعة كدليل على أن كثيراً من المتدينين المسلمين هم يتدينون عن غير بينة ولا علم. وهم ليسوا بأكثر تمسكا بدينهم من الشبان الأحداث.

*


وعلى أثر ما نشرت في (الفتح) خبر ذلك الشاب المسلم الفاسي الذي تنصر، مع أنه ابن أسرة مشهورة بالدين والصلاح و(التصوف)، وذكرت أن سبب تنصره أنهم دخلوا عليه من باب "أن روح الإسلام هي التصوف، وأن هذا التصوف إنما هو نفس المسيحية.." فكرت في هذا الخطر المسيحي الذي قد يهجم على المسلمين من هذه الناحية والتمست لهذه الفكرة شواهدها الواقعية، فعلمت أن (المجلة الأهلية) التي تصدر بالفرنسية في باريس قالت في عدد نوفمبر وديسمبر سنة 1927: إن بعض الأشياخ الصوفية في بلاد المغرب (شمال افريقية) لهم اتصال ببعض الرهبان النصارى الذين يدارسونهم تعاليم يسوع المسيح. فكاشفت بهذا الأمر صديقي الفاضل السيد جلول قارة مصطفى في تلمسان فقال: إنه رأى عند بعض الشيوخ منشوراً نشره المبشرون المسيحيون على أشياخ التصوف المسلمين يقولون لهم فيه إنهم إخوانهم في الدين (يريدون أن التصوف والمسيحية دين واحد)، ويزعمون فيه أن جميع الصوفية المسلمين، ولاسيما أكابرهم، كانوا يبشرون بالمسيح. وذكروا فيه لهم أمثلة وشواهد، قالوا إنها من التاريخ، وهي زائفة مكذوبة وليست من التاريخ.

ثم ذكر لي أن التبشير المسيحي قد أصبح خطره شديداً على الإسلام في المغرب الأقصى. وقال إنه رأى بعينه زهاء أربعين آنسة في حديقة عمومية بحاضرة مكناس وهن سافرات غير متحجبات، يرقصن رقصا دينيا مسيحيا، ويرتلن آيات الإنجيل وأناشيد الكنيسة. فسأل عنهن، فقيل له: إنهن تلميذات مسلمات في مدرسة للمبشرين الكاثوليك. وعلى فرض أن بعضهن مسلمات لا جميعهن فإنها مصيبة كبرى تجعل الشبان المسلمين ورجال الإصلاح الإسلامي يقفون موقف حرجا رهيبا أمام المبشرين الكاثوليك الذين يستمدون العون والقوة من حكومة الاستعمار، حتى أن المسلمين في المغرب الأقصى لا يستطيعون أن يقوموا بأدنى حركة إسلامية ضد التبشير المسيحي هنالك.

وكانت مجلة (الفتح) تعاون المصلحين في المغرب الأقصى على نشر الدعوى والإرشاد، وتدفع التبشير المسيحي عن الإسلام في كل مكان، فيسوء ذلك التبشير المسيحي هناك ويفتضح أمره. أما وقد منع (الفتح) من دخول المغرب، فسوف ينشط المبشرون الكاثوليك، وسيرى المصلحون هنالك أنهم فقدوا في "الفتح" أحسن وسيلة لنشر الدعوى والإصلاح.

والأمر الواقع الذي لا ريب فيه أن المبشرين بدأوا يهاجمون الإسلام من واجهة جديدة مستفيدين من جهالة بعض جهلائنا الذين يقولون في القرآن: "صوابه خطأ وخطؤه كفر! وإنه عسير لا يفهم" مع أن الله تعالى يقول: { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ويقول: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها }. فالمبشرون يستغلون بعد المسلمين هذا القرآن الكريم، والواقع الذي لا ريب فيه أن ملاحدة الغرب وغيرهم من أعداء الإسلام يغري بعضهم بعضا بشبابنا المسلمين بحجة أنهم ما زالوا أحداثاً غير مجربين ولا مسلحين بالمعارف الدينية الكافية. (يريدون: ولذلك يجب تكفيرهم) بل ويمد الملحدون أعينهم بعد ذلك إلى غير الشبان الأحداث فيطمعون فيهم بحجة أنهم لا يتدينون عن بينة ولا علم.

والأمر الثالث الذي لا ريب فيه أيضا أن الاستعمار يعين الملحدين على نشر الإلحاد بين المسلمين، ويحمي أيضاً جمعيات المبشرين ويعاونها بالمال، وربما أمدها بإعانات مالية من أوقاف المسلمين. ثم هذا الاستعمار نفسه ينشط من جهة أخرى أصحاب الشعوذة والأباطيل التي ألصقت بالدين، للصد عن سبيل الله... في حين يمنع الجزائريين من أن ينشروا بينهم لغة العروبة والإسلام.

الأمر جد، وليس بالهزل. والإسلام يهاجم اليوم من كل جهة. وعلماء الدين في بلاد المغرب كلها لا يزال أكثرهم غافلين، لا يزودون الناس بالهداية الإسلامية الحقة ولا بتعاليم القرآن الكريم. إنه يجب عليهم أن يتذكروا دائما قوله تعالى { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون... }.

فصل ختامي

التبشير المسيحي في كل يوم يهجم على الإسلام ويصبحه في دياره وعلماء المشرقيات باسم البحث العلمي؛ في كل يوم يهدمون معنا جديداً من قواعد الإسلام وحصونه. والاستعمار باسم التمدين يحاول أن يلتهم الإسلام التهاما. وفي كل يوم تصدر آلاف من الصحف والمجلات والخطب والمحاضرات، وكلها مطاعن ومفتريات على الإسلام، في كل لغة من اللغات. ومع ذلك فإن المسلمين ما زالوا طوائف وشيعاً، منقسمين على أنفسهم متفرقين في دينهم، لم يشعروا بما حاق بهم جميعا من الخطر العظيم. وما زال أكثر علماء الدين يؤلف لينصر طائفة مسلمة على طائفة أخرى أختها. ومازالوا في جمود وشقاق وضغائن وأحقاد، أضاعت أعمارهم وشغلتهم عن الدفاع عن الله ورسوله ﷺ وعن الكتاب الذي أنزل على رسوله وعن تزييف ما يرجف به المرجفون بدين الإسلام وعن بيان محاسن هذا الإسلام. هذه حالة محزنة. والله إني اعتقد أن التبشير الإسلامي في هذا اليوم هو أيسر ما يكون، لو اجتهد علماء الإسلام واعتنوا بهذا السفه وهذه المطاعن التي طعن بها الإسلام فجمعوها تتبعوها ونقضوها وزيفوها بالحق والآيات البينات. ثم نشروا ذلك كله بين عامة المسلمين. فإن ذلك خير للناس، وأجدى على المسلمين من كثير من مسائل "علم الكلام". والمسلمون بطبيعتهم الدينية دعاة مبشرون، وإنما تنقصهم المعلومات الضرورية للتبشير بالإسلام..

وفي شبان الإسلام اليوم طائفة وفيرة تعلمت اللغات الأجنبية وحدقتها، فينبغي لعلماء الدين أن لا يتركوا الاستعمار يغلبنا على تلك الطائفة المتعلمة من الشبان. ولو أن علماءنا زودوها بالمعلومات الإسلامية الصحيحة لقامت للإسلام بدعاية نشيطة وتبشير واسع النطاق. ومن هذه الحوادث الواقعة التي تلوتها عليك تعلم أن التبشير الإسلامي لا محالة مفيد وأن الدعاية إلى دين الحق لا بد أن تترك أثرها المحمود، وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين...

تم الكتاب بحمد الله وفضله..

هامش

  1. لأن السلطة لا تريد هذا النوع من المدارس.
  2. وهم اليوم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين