اقتضاء الصراط المستقيم/11

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اقتضاء الصراط المستقيم
المؤلف: ابن تيمية


وقد دل حديث عمر رضي الله عنه في إهداء الحلة السيراء إلى أخ له بمكة مشرك على جواز بيعهم الحرير لكن الحرير مباح في الجملة وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين ولهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين ولم يجز بالخمر بحال وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه

فهذا الأصل فيه اشتباه فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد جوز ذلك

وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان

فقد يقال بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب فإن حمل الثياب والطعام إلى أرض الحرب فيه إعانة على دينهم في الجملة وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب فهنا أولى وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك لكن هل هو منع تحريم أو تنزيه مبني على ما سيأتي

وقد ذكر عبد الملك بن حبيب أن هذا مما اجتمع على كراهته وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام

قال عبد الملك بن حبيب بن الواضحة كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم ونهى عنه من غير تحريم

وقال وكذلك ما ذبحوا على اسم المسيح والصليب أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون فقد كان مالك وغيره ممن يقتدي به يكره أكل هذا كله من ذبائحهم وبه نأخذ وهو يضاهي قول الله تعالى وما أهل به لغير الله وهي ذبائحهم التي كانوا يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدون

قال وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك ويقولون قد أحل الله لنا ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وما يريدون بها روى ذلك ابن وهب عن ابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وسلمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد ومكحول وعطاء

وقال عبد الملك وترك ما ذبح لأعيادهم وأقستهم وموتاهم وكنائسهم أفضل

قال وإن فيه عيبا آخر أن كله من تعظيم شركهم

ولقد سأل سعيد المعافري مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم يتصدقون به عنهم أيأكل منه المسلم فقال لا ينبغي أن يأخذه منهم لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك فهو كالذبح للأعياد والكنائس

وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة هل يجوز للمسلم شراؤه فقال لا يحل ذلك لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء

وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها وربما حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها إنه لا يجوز لمسلم أن يشتريها من وجهين

الواحد أن ذلك من العون على تعظيم الكنيسة

والآخر أنه من وجه بيع الحبس ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض فيها بمنع ولا تنفيذ ولا شيء

قال وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه

وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني شيئا في عيدهم مكافأة له ورآه من تعظيم عيده وعونا لهم على كفرهم ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه

فأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع على كراهته بل هو عندي أشد فهذا كله كلام ابن حبيب

قد ذكر أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم وقد صرح بأن مذهب مالك أنه لا يحل ذلك

وأما نصوص الإمام أحمد على مسائل هذا الباب

فقال إسحق بن إبراهيم سئل أبو عبد الله رحمه الله عن النصارى وقفوا ضيعة للبيعة أيستأجرها الرجل المسلم منهم فقال لا يأخذها بشيء لا يعينهم على ما هم فيه

وقال أيضا سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بناء أبنى للمجوس ناووسا قال لاتبن لهم ولا تعنهم على ما هم فيه

وقد نقل عن محمد بن الحكم وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا بكراء قال لا بأس به

والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة بخلاف القبر المطلق فإنه ليس في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم

وقال الخلال باب الرجل يؤجر داره للذمي أو يبيعها منه وذكر عن المروزي أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريبه فقال فيها نصراني واستعظم ذلك وقال لا تباع يضرب فيها بالناقوس وينصب فيها الصلبان وقال لا تباع من الكفار وشدد في ذلك

وعن أبي الحارث أن أبا عبد الله سئل عن الرجل يبيع داره وقد جاء نصراني فأرغبه وزاد في ثمن الدار ترى له أن يبيع داره منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي قال لا أرى له ذلك يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها يبيعها من مسلم أحب إلي

فهذا نص على المنع

ونقل عنه إبراهيم بن الحارث قيل لأبي عبد الله الرجل يكري منزله من الذمي ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيها الخمر ويشرك فيها قال ابن عون كان لا يكري إلا من أهل الذمة يقول يرعبهم قيل له كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا قال لا ولكنه أراد أنه كره أن يرعب المسلم يقول إذا جئت أطلب الكراء من المسلم أرعبته فإذا كان ذميا كان أهون عنده

وجعل أبو عبد الله يعجب لهذا من ابن عون فيما رأيت وهكذا نقل الأثرم سواء ولفظه قلت لأبي عبد الله

ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها

ونقل عنه مهنا قال سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسي داره أو دكانه وهو يعلم أنهم يزنون فقال كان ابن عون لا يرى أن يكري المسلمين يقول أرعبهم في أخذ الغلة وكان يرى أن يكري غير المسلمين

قال أبو بكر الخلال كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عون ولم ينفذ لأبي عبد الله فيه قول وقد حكى عن إبراهيم أنه رآه معجبا بقول ابن عون والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهة شديدة فلو نفذ لأبي عبد الله قول في السكنى كانت السكنى والبيع عندي واحدا والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه لأنه يكفر فيها وينصب الصلبان أ , غير ذلك والأمر عندي أن لا تباع منه ولا تكرى لأنه معنى واحد

قال وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال سئل أبو عبد الله عن حصين بن عبد الرحمن فقال روى عنه حفص لا أعرفه قال له أبو بكر هذا من النساك حدثني أبو سعيد الأشج سمعت أبا خالد الأحمر يقول حفص هذا العدوي نفسه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابد أهل الكوفة من عون البصري فقال له أحمد حفص قال نعم فعجب أحمد يعني من حفص بن غياث

قال الخلال وهذا أيضا تقوية لمذهب أبي عبد الله

قلت عون هذا كأنه من أهل البدع أو من الفساق بالعمل فقد أنكر أبو خالد الأحمر على حفص بن غياث قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من المبتدع وعجب أحمد أيضا من فعل القاضي

قال الخلال فإذا كان يكره بيعها من فاسق فكذلك من كافر وإن كان الذمي يقر والفاسق لا يقر لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم

وهكذا ذكر القاضي عن أبي بكر عبد العزيز أنه ذكر قوله في رواية أبي الحارث لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها يبيعها من مسلم أحب إلي فقال أبو بكر لا فرق بين الإجارة والبيع عنده فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة وإذا منع البيع منع الإجارة ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك

وعن إسحق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله سئل يعني الأوزاعي عن الرجل يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصارى فكره ذلك وقال أحمد ما أحسن ما قال لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس

وعن أبي النضر العجلي قال قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني فهو يكره كل كرائه ولكنه يقضي للحمال بالكراء وإذا كان للمسلم فهو اشد كراهة

وتلخيص الكلام في ذلك أما بيع داره من كافر فقد ذكرنا منع أحمد منه ثم اختلف أصحابه هل هذا تنزيه أو تحريم

فقال الشريف أبو علي ابن أبي موسى كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى ويستبيح المحظورات فإن فعل أساء ولم يبطل البيع وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها

وأما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك وقد ذكرت كلام الخلال وصاحبه

وقال القاضي لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار أو كنيسة أو يبيع فيه الخمر سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أو لم يشترط لكنه يعلم أنه يبيع الخمر فيه

وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث لا أرى أن يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها يبيعها من مسلم أحب إلي

قال أبو بكر لا فرق بين الإجارة والبيع عنده فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة وإذا منع البيع منع الإجارة

وقال أيضا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة لا يستأجرها الرجل المسلم منهم يعينهم على ما هم فيه قال وبهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى

فقد حرم القاضي إجارتها لمن يعلم أنه يبيع فيها الخمر مستشهدا على ذلك بنص أحمد على أنه لا يبيعها من الكافر ولا يستكري وقف الكنيسة

وذلك يقتضي أن المنع في هاتين الصورتين عنده منع تحريم

ثم قال القاضي في أثناء المسألة

فإن قيل أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك

قيل المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عون رضي الله عنه وعجب منه وذكر القاضي رواية الأثرم

وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوز إجارتها من ذمي

وكذلك أبو بكر قال إذا أجاز أجاز وإذا منع منع وما لا يجوز فهو محرم وكلام أحمد رضي الله تعالى عنه محتمل الأمرين فإن قوله في رواية أبي الحارث يبيعها من مسلم أحب إلي يقتضي أنه منع تنزيه واستعظامه لذلك في رواية المروزي وقوله لا تباع من الكفار وشدد في ذلك يقتضي التحريم

وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع وما حكاه عن ابن عون وليس بقول له وإن إعجابه بفعل ابن عون إنما كان لحسن مقصد ابن عون ونيته الصالحة

ويمكن أن يقال بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك فإن إعجابه بالفعل دليل جوازه عنده واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين

والفرق بين الإجارة والبيع أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضه مصلحة أخرى وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم وإنزال ذلك بالكفار وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية فإنه وإن كان فيه إقرار الكفار لكن لما تضمنه من المصلحة جاز وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة

فأما البيع فهذه المصلحة منتفية فيه وهذا ظاهر على قول ابن أبي موسى وغيره أن البيع مكروه غير محرم فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة الراجحة كما في نظائره

فيصير في المسألة أربعة اقوال

وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو فيما إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرمة فأما إن آجره إياها لأجل بيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة لم يجز قولا واحدا وبه قال الشافعي وغيره كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور

وقال أبو حنيفة يجوز أن يؤاجرها لذلك

قال أبو بكر الرازي لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه الخمر وبين أن لا يشترط لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر أن الإجارة تصح

ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء وإن شرط لأن له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسة وتستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وترك ذكرها سواء كما لو اكترى دارا لينام فيها أو يسكنها فإن الأجرة تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلا لحمل خنزير أو ميتة أو خمر أنه يصح لأنه لا يتعين حمل الخمر بل لو حمل عليه بدله عصيرا لاستحق الأجرة فهذا التقييد عنده لغو فهو بمنزلة الإجارة المطلقة والمطلقة عنده جائزة وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها كما يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة قال لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره

وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى وقالوا ليس المقيد كالمطلق بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعة محرمة وإن جاز للمستأجر أن يقيم غيرها مقامها وألزموه مالو اكترى دارا ليتخذها مسجدا فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها اقتضت فعل الصلاة وهي لا تستحق بعقد الإجارة

ونازعه أصحابنا وكثير من الفقهاء في المقدمة الثانية وقالوا إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت الإجارة له لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما يعصر عصيرا لكن إذا رأى أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرا وعصره لذلك استحق اللعنة

وهذا أصل مقرر في غير هذا الموضع لكن معاصي الذمي قسمان

أحدهما ما اقتضى عقد الذمة إقراره عليها

والثاني ما اقتضى عقد الذمة منعه منها أو من إظهارها

فأما القسم الثاني فلا ريب أنه لا يجوز على أصلنا أن يؤاجر أو يبايع الذمي عليه إذا غلب على الظن أنه يفعل ذلك كالمسلم وأولى

وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى يكره ولا يحرم لأنا قد قررناه على ذلك وإعانته على سكنى الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية وإنما كره ذلك لأنه إعانة من غير مصلحة لا مكان بيعها من مسلم بخلاف الإقرار بالجزية فإنه جاز لأجل المصلحة

وعلى ما قاله القاضي لا يجوز لأنه إعانة على ما يستعين به على المعصية من غير مصلحة تقابل هذه المفسدة فلم يجز بخلاف إسكانهم دار الإسلام فإن فيه من المصالح ما هو مذكور في فوائد إقرارهم بالجزية

ومما يشبه ذلك أنه قد اختلف قول أحمد إذا ابتاع الذمي أرض عشر من مسلم على روايتين منع من ذلك في إحداهما قال لأنه لا زكاة على الذمي وفيه إبطال العشر وهذا ضرر على المسلمين قال وكذلك لا يمكنون من استئجار أرض العشر لهذه العلة

وقال في الرواية الأخرى لا بأس أن يشترى الذمى أرض العشر من مسلم

واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي مما تخرج هذه الأرض على روايتين قال في إحداهما لا عشر عليه ولا شيء سوى الجزية

وقال في الرواية الأخرى عليه فيما يخرج من هذه الأرض الخمس ضعف ما كان على المسلم ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ينهون عن شرائها فإن اشتروها ضعف عليهم العشر

وفي كلام أحمد ما يدل على هذه فإذا كان قد اختلف قوله في جواز تمليكهم رقبة الأرض العشرية لما فيه من رفع العشر فالمفسدة الدينية الحاصلة بكفرهم وفسقهم في دار كانت للمسلمين يعبد الله فيها ويطاع أعظم من منع العشر

ولهذا تردد هل يرفع الضرر بمنع التملك بالكلية أو مع تجويز البيع أما أن يعطل حق المسلم أو تؤخذ الزكاة من الكفار فكلاهما غير ممكن فكان منع التملك أسهل كما منعناه من تملك العبد المسلم والمصحف لما فيه من تمكين عدو الله من أولياء الله وكلام الله

وكذلك نمنعهم على ظاهر المذهب من شراء السبي الذي جرى عليه سهام المسلمين كما شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو يرفع الضرر بإبقاء حق الأرض عليه كما يؤخذ ممن اتجر منهم في أرض المسلمين ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة

ويتخرج أنه لا يؤخذ منه إلا عشر واحد كالمسألة الآتية وهذا في العشرية التي ليست خراجية

فأما الخراجية فقالوا ليس لذمي أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة وإذا جوزنا بيع أرض العنوة كان حكم الذمي في ابتياعها كحكمه في ابتياع أرض العشر المحض إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور بمعنى أن العشر يجب فيما أخرجت

وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ليست خراجية هل للذمي أن يتملكها بالإحياء

قال طائفة من العلماء ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأبي حامد الغزالي وهذا قياس إحدى الروايتين عن أحمد في منعه من ابتياعها فإنه إذا لم يجز تملكها بالابتياع فبالإحياء أولى لكن قد يفرق بينهما بأن المبتاعة أرض عامرة ففيه ضرر محقق بخلاف إحياء الميتة فإنه لا يقطع حقا

والمنصوص عن أحمد وعليه الجمهور من أصحابه أنه يملكها بالاحياء وهو قول أبي حنيفة واختلف فيه عن مالك

ثم هل عليه فيها العشر فيه روايتان

قال ابن أبي موسى ومن أحيا من أهل الذمة أرضا مواتا فهي له ولا زكاة عليه فيها ولا عشر فيما أخرجت

وقد روي عنه رواية أخرى أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم ويؤخذ منهم العشر مما يخرج يضاعف عليهم والأول أظهر

فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء هو قياس تضعيفه فيما ملكه بالابتياع

لكن نقل حرب عنه في رجل من أهل الذمة أحيا مواتا قال هو عشري

ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر المأخوذ من المسلم من غير تضعيف فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين وابن أبي موسى نقل الروايتين في وجوب عشر مضعف

وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع كذلك

وهذا الذي نقله ابن أبي موسى أصح فإن الكرماني ومحمد بن حرب وإبراهيم بن هانيء ويعقوب بن بختان نقلوا أن أحمد سئل وقال حرب سألت أحمد قلت إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا ماذا عليه قال أما أنا فأقول ليس عليه شيء قال وأهل المدينة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر قال وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليه العشر

قال وسألت أحمد مرة أخرى فقلت إن أحيا رجل من أهل الذمة مواتا قال هو عشري وقال مرة أخرى ليس عليه شيء

وروى حرب عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قيل له أخذكم للخمس من أرض الذمة التي في أرض العرب أبأثر عندكم أم بغير أثر قال ليس عندنا فيه أثر ولكن قسناه على ما أمر به عمر رضي الله عنه أن يؤخذ من أموالهم إذا اتجروا بها ومروا بها على عشار

فهذا أحمد رضي الله عنه سئل عن إحياء الذمي الأرض فأجاب أنه ليس عليه شيء وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشترائه الأرض هل يمنع أو يضعف عليه العشر

وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحد وهو تملك الذمي الأرض العشرية سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك وكذلك ذكر العنبري قاضي أهل البصرة أنهم يأخذون من جميع أرض أهل الذمة العشرية وذلك يعم ما ملك انتقالا أو ابتداء

وهذا يفيدك أن أحمد إذا منع الذمي أن يبتاع الأرض العشرية فكذلك يمنعه من إحيائها وأنه إذا أخذ منه فيما ابتاعه الخمس فكذلك فيما أحياه وأن من نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة فليس بمستقيم وإنما سببه قوله في الرواية الأخرى التي نقلها الكرماني هي أرض عشرية ولكن هذا كلام مجمل قد فصله ابو عبد الله في موضع آخر وبين مأخذه ونقل الفقه إن لم يعرف الناقل مأخذ الفقيه وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا

وقد أفصح أرباب هذا القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة فإن الذمي إذا اتجر في غير أرضه فإنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلمين وهو نصف العشر فكذا إذا استحدث أرضا غير أرضه لأنه في كلا الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي وحق الحرث والتجارة قرينان كما في قوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وكذلك قال أحمد في رواية الميموني يؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اتجروا فيها قومت ثم أخذ منهم زكاتها مرتين يضعف عليهم لقول عمر رضي الله عنه أضعفها عليهم فمن الناس من قاس الزرع على ذلك

قال الميموني والذي لا أشك فيه من قول أبي عبد الله غير مرة أن أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراج إنما ينظر إلى ما أخرجت يؤخذ منهم العشر مرتين

قال الميموني قلت لأبي عبد الله فالذي يشتري أرض العشر ما عليه قال لي الناس كلهم يختلفون في هذا منهم من لا يرى عليه شيئا ويشبهه بماله ليس عليه فيه زكاة إذا كان مقيما ما كان بين أظهرنا وبماشيته فيقول هذه أموال وليس عليه فيها صدقة ومنهم من يقول هذه حقوق لقوم ولا يكون شراؤه الأرض يذهب بحقوق هؤلاء منهم والحسن يقول إذا اشتراها ضوعف عليه العشر

قلت كيف يضعف عليه قال لأن عليه العشر فيؤخذ منه الخمس

قلت تذهب إلى أن يضعف عليه الخمس فيؤخذ منه الخمس فالتفت إلي وقال نعم يضعف عليه

قال وذاكرنا أبا عبد الله أن مالكا كان يرى أن لا يؤخذ منهم شيء وكان يحول بينهم وبين شراء الشيء منها

وهذه الرواية اختيار الخلال وهي مسألة كبيرة ليس هذا موضع استقصائها

والفقهاء أيضا يختلفون في هذه المسألة كما ذكره أبو عبد الله

فممن نقل عنه تضعيف العشر عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيره من أهل البصرة وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو قول أبي يوسف

ومنهم من قال بل يؤخذ العشر على ما كان عليه كالقول الذي ذكره بعض أصحابنا ويروى هذا عن الثوري ومحمد بن الحسن وحكى عن الثوري لا شيء عليه كالرواية الأخرى عن أحمد وروي هذا عن مالك أيضا وعن مالك أنه يؤمر ببيعها وحكى ذلك عن الحسن بن صالح وشريك وهو قول الشافعي وقال أبو ثور يجبر على بيعها

وقياس قول من يضعف العشر أن المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خمسين ضعفا ما يؤخذ من الذمي كما أنه إذا اتجر في دار الإسلام يؤخذ منه العشر ضعفا ما يؤخذ من الذمي

فقد ظهر على إحدى الروايتين وقول طوائف من أهل العلم نمنعهم من أن يستولوا على عقار في دار الإسلام للمسلمين فيه حق من المساكن والمزارع كما نمنعهم أن يحدثوا في دار الإسلام بناء لعباداتهم من كنيسة أو بيعة أو صومعة لأن عقد الذمة اقتضى إقرارهم على ما كانوا عليه من غير تعد منهم إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين فيه حق من عقار أو رقيق

وهذا لأن مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا وإنما أقروا بالجزية للضرورة العارضة والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها ولهذا لم يثبت لهم غير واحد من السلف حق شفعة على مسلم وأخذ بذلك أحمد رحمه الله وغيره لأن الشقص الذي يملكه مسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى ذمي بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول ولهذا نص أحمد على أن البائع للشقص إذا كان مسلما وشريكه ذمي لم يجب له شفعة لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه وكفه أن يبيع على بيعه أو يخطب على خطبته وهذا كله عن أحمد مخصوص بالمسلمين وفي البيع والخطبة خلاف بين الفقهاء

وأما استئجار الأرض الموقوفة على الكنيسة وشراء ما يباع على الكنيسة فقد أطلق أحمد المنع أنه لا يستأجرها لا يعينهم على ما هم فيه وكذلك أطلقه الآمدي وغيره

ومثل هذا مالو اشترى من المال الموقوف للكنيسة الموصى لها به أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك والمنع هنا أشد لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرا بخلاف نفس السكنى فإنها ليست محرمة ولكنهم يعصون في المنزل فقد يشبه مالو قد باعهم الخبز واللحم والثياب فإنهم قد يستعينون بذلك على الكفر وإن كان الإسكان فوق هذا لأن نفس الأكل والشرب ليس بمحرم ونفس المنفعة المعقود عليها في الإجارة وهو اللبث قد يكون محرما

ألا ترى أن الرجل لا ينهى أن يتصدق على الكفار والفساق في الجملة وينهى أن يقعد في منزله من يكفر أو يفسق وقد تقدم تصريح ابن القاسم أن هذا الشراء لا يحل وأطلق الشافعي المنع من معاونتهم على بناء الكنيسة ونحو ذلك

فقال في كتاب الجزية من الأم ولو أوصى يعني الذمي بثلث ماله أو شيء منه يبني به كنيسة لصلوات النصارى أو يستأجر به خدم للكنيسة أو تعمر به الكنيسة أو يستصبح به فيها أو يشتري بها أرض لتكون صدقة على الكنيسة أو تعمر من غلتها أو ما في هذا المعنى كانت الوصية باطلة ولو أوصى أن يبني كنيسة ينزلها مار الطريق أو وقفها على قوم يسكنونها جازت الوصية وليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذي اجتماعهم فيها على الشرك قال وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارا أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم

وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه فقال الآمدي لا يجوز رواية واحدة لأن المنفعة المعقود عليها محرمة وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة أو صومعة كالإجارة لكتب كتبهم المحرفة

وأما مسألة حمل الخمر والميتة والخنزير للنصراني أو للمسلم فقد تقدم لفظ أحمد أنه قال فيمن حمل خمرا أو خنزيرا أو ميتة لنصراني فهو يكره أكل كرائه ولكن يقضي للحمال بالكراء وإذا كان للمسلم فهو أشد زاد بعضهم فيها ويكره أن يحمل ميتة بكراء أو يخرج دابة ميتة ونحو هذا

ثم اختلف أصحابنا في هذا الجواب على ثلاث طرق

إحداها إجراؤه على ظاهره وأن المسألة رواية واحدة

قال ابن أبي موسى وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير للنصراني قال فإن فعل قضى له بالكراء وإن أجر نفسه لحمل محرم لمسلم كانت الكراهة أشد ويأخذ الكراء وهل يطيب له على وجهين أوجههما أنه لا يطيب له ويتصدق به وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال إذا آجر نفسه من رجل لمحل خمر أو خنزير أو ميتة كره نص عليه وهذه كراهة تحريم لأن النبي ﷺ لعن حاملها ولكن يقضي له بالكراء وغير ممتنع أن يقضي بالكراء وإن كان محرما كأجر الحجام

فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح

الطريقة الثانية تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها وجعل المسألة رواية واحدة أن هذه الإجارة لا تصح وهي طريقة القاضي في المجرد وهي طريقة ضعيفة رجع عنها القاضي في كتبه المتأخرة فإنه صنف المجرد قديما

الطريقة الثالثة تخريج هذه المسألة على روايتين

إحداهما أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل وللأجرة

والثانية لا تصح الإجارة ولا يستحق بها أجرة وإن حمل وذلك على قياس قوله في الخمر لا يجوز إمساكها وتجب إراقتها

قال في رواية أبي طالب إذا أسلم وله خمر أو خنازير تصب الخمر وتسرح الخنازير قد حرما عليه وإن قتلها فلا بأس

فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها ولأنه قد نص في رواية ابن منصور أنه يكره أن يؤاجر نفسه لنظارة كرم النصراني لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر

فقد منع من إجارة نفسه على حفظ الكرم الذي يتخذ للخمر فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر

فهذه طريقة القاضي في التعليق وتصرفه وعليها أكثر أصحابه مثل أبي الخطاب وهي طريقة من احتذى حذوه من المتأخرين

والمنصور عندهم الرواية المخرجة وهي مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد وهذا عند أصحابنا فيما إذا استأجر على حمل الخمر إلى بيته أو حانوته وحيث لا يجوز إقرارها سواء كان حملها للشرب أو مطلقا

فإذا كان يحملها ليريقها أو يحمل الميتة ليدفنها أو لينقلها إلى الصحراء لئلا يتأذى الناس بنتن ريحها فإنه يجوز الإجارة على ذلك لأنه عمل مباح ولكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح واستحق أجرة المثل وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه رده على صاحبه وهذا مذهب مالك وأظنه مذهب الشافعي أيضا ومذهب أبي حنيفة كالرواية الأولى

ومأخذه في ذلك أن الحمل إذا كان مطلقا لم يكن المستحق غير حمل الخمر

وأيضا فإن مجرد حملها ليس معصية لجواز أن تحمل لتراق أو تخلل عنده ولهذا إذا كان الحمل للشرب لم يصح ومع هذا فإنه يكره الحمل

والأشبه والله أعلم طريقة ابن أبي موسى فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وأقرب إلى القياس

وذلك لأن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت لقصد المعتصر والمستحمل فهو كما لو باع عنبا أو عصيرا لمن يتخذه خمرا وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانا بل يقضي له بعوضه

كذلك ههنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانا بل يعطي بدلها فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته

ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري بخلاف من استأجر للزنا أو التلوط أو القتل أو الغصب أو السرقة فإن نفس هذا العمل يحرم لا لأجل قصد المشتري فهو كما لو باعه ميتة أو خمرا فإنه لا يقضي له بثمنها لأن نفس هذه العين محرمة

ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقا ولا بالفساد مطلقا بل هي صحيحه بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه مال الجعل والأجر وهي فاسدة بالنسبة إلى الأجرة بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة والجعل ولهذا في الشريعة نظائر

وعلى هذا فنص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه ونقضي له بكرائه ولو لم نفعل هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه ثم لا يعطونه شيئا وما هم بأهل أن يعانوا على ذلك بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال

نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها فيها قولان

أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة ولا يباح الأخذ بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر

ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة فيقال له المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في تقابض الربا عند من يقول المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد فأما إذا تلف المقبوض عند القابض فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا

وحينئذ فيقال إن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم واستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم وإنما هو لحق الله تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال

وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أحد منفعتيه وعوضهما جميعا منه بخلاف مالو كان العوض خمرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواتها فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها

فيقال على هذا فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها

قيل نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة فإنهم إذا أسلموا على القبض لم نحكم بالقبض ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد ولكن في حق المسلم تحرم هذه الأجرة عليه لأنه كان معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له أنت فرطت حيث صرفت قوتك في عمل محرم فلا يقضى لك بأجرة

فإذا قبضها ثم قال الدافع هذا المال اقضوا لي برده فإنما أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له دفعته بمعاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذه فرد إليه ما أخذته إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا ومثله يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر

وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض ثمنها وقبضها وشراها ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع لا سيما ونحن نعاقب الخمار بياع الخمر بأن نحرق الحانوت التي يباع فيها نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرق حانوتا يباع فيه الخمر وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه حرق قرية يباع فيها الخمر وهي آثار معروفة وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع

وذلك لأن العقوبات المالية عندنا باقية غير منسوخة

فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل فمعلوم أن بيعهم ما يقيمون به أعيادهم المحرمة مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد بل هو إلى بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار لأن ما يبتاعونه من الطعام واللباس ونحو ذلك يستعينون به على العيد

إذ العيد كما قدمنا اسم لما يفعل من العبادات والعادات وهذه إعانة على ما يقام من العادات لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس ليس محرما في نفسه بخلاف شرب الخمر فإنه محرم في نفسه

فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم مثل صليب أو شعانين أو معمودية أو تبخير أو ذبح لغير الله أو صور ونحو ذلك فهذا لا ريب في تحريمه كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا وبناء الكنيسة لهم وأما ما ينتفعون به في أعيادهم للأكل والشرب واللباس فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته لكن كراهة تحريم كمذهب مالك أو كراهة تنزيه

والأشبه أنه كراهة تحريم كسائر النظائر عنده فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر ولأن هذه إعانة قد تفضي إلى إظهار الدين الباطل وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره وهذا أعظم من إعانة شخص معين

لكن من يقول هذا مكروه كراهة تنزيه يقول هذا متردد بين بيع العصير وبيع الخنزير وليس هذا مثل بيعهم العصير الذي يتخذونه خمرا لأنا إنما يحرم علينا أن نبيع الكفار ما كان محرم الجنس كالخمر والخنزير فأما ما يباح في حال دون حال كالحرير ونحوه فيجوز بيعه لهم

وأيضا فالطعام واللباس الذي يبتاعونه في عيدهم ليس محرما في نفسه وإنما الأعمال التي يعملونه بها لما كانت شعار الكفار نهي عنها المسلم لما فيها من مفسدة انجراره إلى بعض فروع الكفار فأما الكافر فهي لا تزيده من الفساد أكثر مما هو فيه لأن نفس حقيقة الكفر قائمة به فدلالة الكفر وعلامته إذا كانت مباحة لم يكن فيها كفر زائد كما لو باعهم المسلم ثياب الغيار التي يتميزون بها عن المسلمين بخلاف شرب الخمر وأكل الخنزير فإنه زيادة في الكفر

نعم لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبا أو شعانين ونحو ذلك فهنا قد باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية

ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفر وعلامته ودلالته على وجهين

وجه نؤمر به في دار الإسلام وهو ما فيه إذلال الكفر وصغاره فهذا إذا ابتاعوه كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله فإنا نحن نأمرهم بلبس الغيار

ووجه النهي عنه هو ما فيه من إعلاء الكفر وإظهاره له كرفع أصواتهم بكتابهم وإظهار الشعانين وبيع النواقيس لهم وبيع الرايات والألوية لهم ونحو ذلك فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها والمنع منها في ديار الإسلام فلا يجوز إعانتهم عليها

وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم فقد قدمنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتي بهدية النيروز فقبلها

وروى ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه أن امرأة سألت عائشة قالت إن لنا أظآرا من المجوس وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا فقالت أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم

وقال حدثنا وكيع عن الحكم بن حكيم عن أمه عن أبي برزة أنه كان له سكان مجوس فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان فكان يقول لأهله ما كان من فاكهة فكلوه وما كان من غير ذلك فردوه

فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم بل حكمها في العيد وغيره سواء لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه

وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم فإنها حرام عند العامة

وأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وما يتقربون بذبحه إلى غير الله نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة فعن أحمد فيها روايتان أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله وإن لم يسم عليه غير الله تعالى ونقل النهي عن ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر

قال الميموني سألت أبا عبد الله عن ذبائح أهل الكتاب فقال إن كان مما يذبحون لكنائسهم فلا يحل فقال يدعون التسمية على عمد إنما يذبحون للمسيح

وذكر أيضا أنه سأل أبا عبد الله عمن ذبح من اهل الكتاب ولم يسم فقال إن كان مما يذبحون لكنائسهم فقال يتركون التسمية فيه على عمد إنما يذبحون للمسيح وقد كرهه ابن عمر إلا أن أبا الدرداء يتأول أن طعامهم حل وأكثر ما رأيت منه الكراهة لأكل ما ذبحوا لكنائسهم

وقال أيضا سألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب ولم تسم قال إن كانت ناسية فلا بأس وإن كان مما يذبحون لكنائسهم فقد يدعون التسمية فيه على عمد