50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الرابع/الباب التاسع والثلاثون (2)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين (2)
المؤلف: ابن حزم


وقد قال غيره من الفقهاء: إيجاب الكفارة على المرأة المظاهرة من زوجها ككفارة المظاهر ولا فرق. فهذا كل ما موَّهوا به من الحديث لاح أنه حجة عليهم، وبالله تعالى التوفيق. وجملة القول: إن كل شيء نص الله تعالى ورسوله فهو حق، وكل ما أوردوه بآرائهم مما ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله فهو باطل وإفك، وهم كمن قال: لما حرم الله تعالى وفرض ما شاء حرمت أنا أيضاً وفرضت ما شئت، لأنه تعالى حرم وفرض ولا فرق. وقد صح على رسول الله من طريق عمر بن عنبسة في نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها: «إِنَّ تِلْكَ سَاعَة تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَيَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ حِينَئِذٍ» وعن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس: و: «إِنَّ تِلْكَ السَّاعَةُ تُسْجَرُ فِيهَا النَّارُ» لو كان هذا على بادىء الرأي وظاهر الاحتياط لكانت الصلاة حينئذ أحرى وأولى، معارضة الكفار، فإذا سجدوا للشمس صلينا نحن لله تعالى، وإذا سجرت النار صلينا، ونعوذ بالله منها. هذه صفة عللهم المفتراة الكاذبة، وهذا ما جاء به النص فصح أنه لا يحل لأحد تعليل في الدين، ولا القول بأن هذا سبب هذا الحكم، إلا أن يأتي به نص فقط. فصل في الاشتقاق قال أبو محمد: واحتج بعضهم في إيجاب القول بالعلل، وأن الأحكام إنما وقعت العلل ــــ بأن الأسماء مشتقة في اللغة.

وهذا لو صح لما كان لهم فيه حجة، إذ لا سبب في الاشتقاق يتوصل به إلى إثبات العلل في الأحكام، فكيف وهو باطل. الاشتقاق الصحيح إنما هو اختراع اسم لشيء ما مأخوذ من صفة فيه، كتسمية الأبيض من البياض، والمصلي من الصلاة، والفاسق من الفسق، وما أشبه ذلك. وليس في ذلك من هذا ما يوجب أن يسمى أبيض ما لا بياض فيه، ولا مصلِّياً من لا يصلِّي، ولا فاسقاً، من لا فسق فيه، فأي شيء في هذا مما يتوصل به إلى إيجاب القياس، والقول بأن البُرّ إنما حرّم أن يباع البُرَّ متفاضلاً، لأنه مأكول، أو لأنه مكيل، أو لأنه مدخر؟ وهل يتشكل هذا الحمق في عقل ذي عقل؟ وبالله تعالى التوفيق. وأما ما عدا هذا من الاشتقاق ففاسد البتة وهو كل اسم علم وكل اسم جنس أو نوع أو صفة، فإن الاشتقاق في كل ذلك مبطل ببرهان ضروري؛ وهو أننا نقول لمن قال: إنما سميت الخيل خيلاً لأجل الخيلاء التي فيها، وإنما سمي البازي بازياً لارتفاعه، والقارورة قارورة لاستقرار الشيء فيها، والخابية خابية لأنها تخبىء ما فيها، إنه يلزمك في هذا وجهان ضروريان لا انفكاك لك منهما البتة. أحدهما: أن تسمي رأسك خابية، لأن دماغك مخبوء فيها وأن تسمي الأرض خابية، لأنها تخبىء كل ما فيها، وأن تسمي أنفك بازياً لارتفاعه، وأن تسمي السماء والسحاب بازياً لارتفاعهما، وكذلك القصر والجبل، وأن تسمي بطنك قارورة لأن مصيرك مستقر به، وأن تسمي البئر قارورة لأن الماء مستقر فيها، وأن تسمي المستكبرين من الناس خيلاً، للخيلاء التي فيهم، ومن فعل هذا لحق بالمجانين المتخذين لإضحاك سخفاء الملوك في مجالس الطرب، وصار ملهى وملعباً وضُحكة يتطايب بخبره، وكان للحرمة ومداواة الدماغ أولى منه بغير ذلك، فإن أبى ترك اشتقاقه الفاسد. والوجه الثاني: أن يقال: إن اشتققت الخيل من الخيل أو القارورة من الاستقرار والخابية من الخبء: فمن أي شيء اشتققت الخيلاء والاستقرار والخبء، وهذا يقتقضي الدور الذي لا ينفك منه، وهو أن يكون كل واحد منهما اشتق من صاحبه، وهذا جنون؛ أو وجود أشياء لا أوائل لها ولا نهاية، وهذا مخرج إلى الكفر والقول بأزلية العالم، ومع أنه كفر فهو محال ممتنع.

وأيضاً: فإذا بطل الاشتقاق في بعض الأسماء كلف من قال به في بعضها أن يأتي ببرهان، وإلا فهو مبطل. وأيضاً: فليس قول من قال: إن الخيل مشتقة من الخيلاء، أولى بالقبول من قول من قال: إن الخيلاء مشتقة من الخيل، وكلا القولين دعوى فاسدة زائفة لا دليل على صحتها، في البرهان الضروري قد قام على بطلانها، لأنه لم توجد قط الخيلاء إلا والخيل موجودة، ولا وجدت الخيل إلا والخيلاء موجودة ولم يوجد قط أحدهما قبل الآخر، فبطل قولهم، وبالله تعالى نتأيد. ولو كان ما قالوا لكانت الأسد أولى أن تسمى خيلاً، لأنهم أكثر خيلاء من الخيل، ولكانت النسور أولى أن تسمى بزاة من الصقور، لأنها أشد ارتفاعاً منها، وإلا فما الذي جعل القوارير أولى بهذا الاسم من الرمان والعتائد والإدراج والقلال.

وقالوا: لما وجدنا العصير حلو لا يسمى خمراً وهو حلال، ثم حدثت فيه الشدة فسمي خمراً فحرِّم، ثم ارتفعت الشدة فلم يسمَّ خمراً، لكن سمِّي خلاًّ، علمنا أن العلة المحرمة، والتي حرم من أجلها، والتي من أجلها سمي خمراً، هي الشدة. قال أبو محمد: هذا كلام فاسد في غاية الفساد. فأول ذلك أن يقال لهم: في أي عقل وجدتم أن كون الشدة فيه أوجبت أن يسمى بالخاء والميم والراء؟ ولكن لا بد لكل عين فيها صفات مخالفة لصفات عين أخرى أن يوقع على كل واحد منها اسم غير اسم العين الأخرى، ليقع التفاهم فيها بين المخاطبين، فعلق على ما فيه الشدَّة اسم مَّا، وعلى ما لا شدة فيه اسم آخر، لا لشيء إلا ليفهم الناس مراد من كلمهم وخاطبهم، وكذلك موجود في العالم، وإلا ما ضاقت اللغة عن تسميته، أو عجز أهلها عن ذلك، أو لم يرد الله تعالى أن يكون له في هذه اللغة اسم.

وأيضاً: فإن اللغة العربية أول من نطق بها إسماعيل، والخمر أقدم من كون إسماعيل في الأرض، لأنهما من الأشياء التي علم آدم أسماءها، قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فعم تعالى ولم يخص، فقد كانت الخمر على حالها من الإسكار والشدة وهي حلال، وهي لا تسمى خمراً، فقد كذب هذا القائل وأثم. وأيضاً، فإن الخمر تسمى في كل لغة بغير اسم الخمر عندنا، فما وجدنا ألسنتهم تلتوي لذلك، ولا أحكامهم تنطوي، ولا الخمر حلت لهم: لأجل أن اسمها عندهم في اللغة العربية، ولم نجد قط تلك العين المسماة خمراً إلا وهي مسكرة في كل وقت، وفي كل أمة، وفي كل مكان، حاشا خمر الجنة فقط، فبطل قولهم في العلل. وبالله تعالى التوفيق. وأيضاً: فإن العرب تسمي الخمر بخمسة وستين اسماً ما وجدناها تضطر إلى ترك شيء منها، ولا اضطرت إلى وضعه، وقد بينَّا الكلام في كيفية أصل اللغات في باب مفرد من كتابنا هذا، ولله الحمد.

وكذلك قالوا: إن كون البُرّ مطعوماً محرماً متفاضلاً هو علة تسمية ذلك رباً، والقول عليهم في ذلك كالقول في الخمر، ولا فرق، وبالله تعالى لا إله إلا هو التوفيق. وقالوا: العلة في وجوب كون الرقبة في الظهار مؤمنة هي وجوب كونها سليمة الأعضاء كرقبة القتل. قال أبو محمد: وهذا تحكم فاسد، واحتجاج للخطأ بالخطأ، وللدعوى بالدعوى ومثلهم في هذا القول كإنسان قال: لي على زيد درهم فقيل له: هل لك بيِّنة؟ فقال: نعم، فقيل: وما هي؟ قال: إن لي على عمر درهماً، فقيل له، وما بيِّنتك على أن لك على عمر درهماً؟ قال: بينتي على ذلك أن لي على زيد درهماً؟ فهو يريد أن يجعل دعواه صحة لدعوى أخرى، وكلتاهما ساقطة، إذ لا دليل عليهما، وليس هذا الفعل من أفعال أهل العقول، ودعواهم أن الرقبة في كلا الموضعين لا تجزىء إلا أن تكون سليمة، دعوى زائفة لا تصح، فكيف أن يقاس عليها ألا تكون إلا مؤمنة؟. وقال بعضهم: العلة في ذلك أنها كفارة عن ذنب. قال أبو محمد: وليس على قاتل الخطأ ذنب أصلاً، فبطل تعليلهم الفاسد، وأيضاً فهذه دعوى كالأولى، لا دليل عليها. وما الفرق بينهم وبين من قال: إنما وجبت في القتل أن تكون الرقبة مؤمنة لأنها كفارة عن قتل. فما عدا القتل فلا تجب فيه مؤمنة؟ وهذا لا انفكاك منه، فكل هذه دعوى لا دليل عليها، ولا ينفكون ممن بطل ما أثبتوه ويثبت ما أبطلوا. واعلم أنه لا يمكن أحداً منهم أن يدعي علة في شيء من الأحكام إلا أمكن لخصمه أن يأتي بعلة أخرى يدعي أن ذلك الحكم إنما وجب لها، وهذا ما لا مخلص لهم منه، وبالله تعالى نعتصم.

فصل في إبطال القول بالعلل

قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به، قد بينا عواره، ولاح اضمحلاله، والحمد لله رب العالمين. ونحن الآن ــــ بعون الله تعالى وقوته لا إله إلا هو ــــ شارعون في إبطال القول بالعلل في شيء من الشرائع، وبالله تعالى التوفيق. فيقال لمن قال: إن أحكام الشريعة إنما هي العلل. أخبرونا عن هذه العلل التي تذكرون: أهي من فعل الله تعالى وحكمه؟ أم من فعل غيره وحكم غيره؟ أم لا من فعله تعالى ولا من فعل غيره؟ ولا سبيل إلى قسم رابع أصلاً. فإن قالوا: من فعل غير الله من غير حكمه، جعلوا ههنا خالقاً غيره، وفاعلاً للحكم غيره، وجعلوا فعل ذلك الفاعل موجباً على الله تعالى أن يفعل ما فعل، وأن يحكم بما حكم به وهذا شرك مجرد، وكفر صريح، وهم لا يقولون ذلك. فإن قالوا: ليست من فعله ولا من فعل غيره، أوجبوا أن في العالم أشياء لا فاعل لها، أو أنهم في هذا الحاكمون على الله تعالى بها، وهم الذين يحللون ويحرمون، ويقضون على الباري عز وجل، وهذا كفر مجرد، ومذهب أهل الدهر، وهم لا يقولون ذلك.

فإن قالوا: بل هي من فعل الله عز وجل وحكمه. قلنا لهم: أخبرونا عنكم أفعلها الله تعالى لعلة؟ أو فعلها لغير علة؟ فإن قالوا: فعلها تعالى لغير علة، تركوا أصلهم وأقروا أنه تعالى يفعل الأشياء لا لعلة، وقيل لهم أيضاً: ما الذي أوجب أن تكون الأحكام الثواني لعلل، وتكون الأفعال الأول التي هي علل هذه الأحكام لا لعلل وهذا تحكم بلا دليل، ودعوى ساقطة لا برهان عليها، وإن قالوا: بل فعلها تعالى لعلل أخر، سُئلوا في هذه العلل أيضاً كما سئلوا في التي قبلها، وهكذا أبداً فلا بد لهم ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يقفوا في أفعال ما فيقولون إنه فعلها لغير علة، فيكونون بذلك تاركين لقولهم الفاسد، إنه تعالى لا يفعل شيئاً إلا لعلة، أو يقولون بمفعولات لا نهاية لها، وأشياء موجودة لا أوائل لها، وهذا كفر وخروج عن الشريعة بإجماع الأمة. وقبح الله قولاً يضطر قائله إلى مثل هذه المواقف، فبطل قولهم في العلل، وصح قولنا: إن الله تعالى يفعل ما يشاء إلا لعلة أصلاً بوجه من الوجوه، بهذا البرهان الضروري الذي لا انفكاك عنه، وبالله تعالى التوفيق. قال أبو محمد: ويكفي من هذا كله أن جميع الصحابة رضي الله عنهم أولهم عن آخرهم، وجميع التابعين، أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين، أولهم عن آخرهم، ليس منهم أحد قال: إن الله تعالى حكم في شيء من الشريعة لعلَّة، وإنما ابتدع هذا القول متأخرو القائلين بالقياس.

وأيضاً فدعواهم إن هذا الحكم حكم به الله تعالى لعلة كذا؛ فرية ودعوى لا دليل عليها، ولو كان هذا الكذب عن أحد من الناس لسقط قائله فكيف على الله عز وجل؟. ولسنا ننكر وجود أسباب لبعض أحكام الشريعة، بل نثبتها ونقول بها، لكنا نقول: إنها لا تكون أسباباً إلا حيث جعلها الله تعالى أسباباً، ولا يحل أن يتعدى بها المواضع التي نص فيها على أنها أسباب لما جعلت أسباباً له، وقد بيَّنَّا كثيراً من ذلك في أول هذا الباب. قال أبو محمد: ومن عجائب هؤلاء القوم أنهم لو قيل لهم: تعمدوا الباطل ما قدروا على أكثر مما فعلوا ومن ذلك: أنهم أتوا إلى حكم لم ينص الله تعالى ولا رسوله على أن له سبباً وهو تحريم البُرّ بالبُر متفاضلاً، فجعلوا له سبباً وعلَّة، وحرموا من أجله الحديد بالحديد متفاضلاً، وبيع الأرز بالأرز متفاضلاً، وبيع السقيمونيا بالسقمونيا متفاضلاً، ثم أتوا إلى حكم جعل له رسول الله نسباً، وأخبر أنه حكم بذلك من أجله؛ فعصوه وأطرحوه وهو قوله : إنه نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث لأجل الدافة، فقالوا: ليست الدافة سبباً، ولا يجب من أجلها ترك ادخار لحوم الأضاحي، وهكذا يكون عكس الحقائق، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان. قال أبو محمد: فإن قال قائل: أنتم تنكرون القول بالعلل وتقولون بالأسباب فما الفرق بين الأمرين. فالجواب، وبالله تعالى التوفيق: أن الفرق بين العلة وبين السبب، وبين العلامة وبين الغرض، فروق ظاهرة لائحة واضحة، وكلها صحيح في بابه، وكلها لا يوجب تعليلاً في الشريعة، ولا حكماً بالقياس أصلاً، فنقول وبالله تعالى التوفيق. إن العلة هي اسم لكل صفة توجب أمراً ما إيجاباً ضرورياً، والعلة لا تفارق المعلول البتة، ككون النار علة الإحراق، والثلج علة التبريد الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلاً، وليس أحدهما قبل الثاني أصلاً ولا بعده. وأما السبب فهو كل أمر فعل المختار فعلاً من أجله لو شاء لم يفعله، كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجباً للشيء المسبب منه ضرورة، وهو قيل الفعل المتسبب منه ولا بد، وأما الغرض فهو الأمر الذي يجري إليه مفاعل ويقصده ويفعله، وهو بعد الفعل ضرورة، فالغرض من الانتصار إطفاء الغضب وإزالته وإزالة الشيء هي شيء غير وجوده، وإزالة الغضب غير الغضب، والغضب هو السبب في الانتصار، وإزالة الغضب هو الغرض في الانتصار، فصح أن كل معنى مما ذكرنا غير المعنى الآخر، فالانتصار بين الغضب وبين إزالته وهو مسبب للغضب وإذهاب الغضب هو الغرض منه.

وأما العلامة فهي صفة يتفق عليها الإنسانان، فإذا رآها أحدهما علم الأمر الذي اتفقا عليه، ومثل قول رسول الله لابن مسعود: «إِذْنُكَ عَلَى أَنْ يُرْفَعَ الحِجَابُ وَأَنْ تَسْتَمِعَ سَوَادِيَ حَتَّى أَنْهَاكَ» فكان رفع الحجاب واستماع حركة الني علامة الإذن لابن مسعود، وكقوله : «إِنِّي لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رفقة الأَشْعَرِيِّينَ بِالقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِين نَزِلُوا بِالنَّهَارِ» فكانت أصوات الأشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم، ومن هذا أخذت الأعلام الموضوعة في الفلوات لهداية الطريق، والأعلام في الجيوش لمعرفة موضع الرئيس. وقال أبو محمد: وهذا معنى رابع. وقد سمي أيضاً العلل معاني، وهذا من عظيم شغبهم، وفاسد متعلقهم، وإنما المعنى تفسير اللفظ، مثل أن يقول قائل: معنى الحرام؟ فتقول له هو كل ما لا يحل فعله، أو يقول: معنى الفرض، فنقول: هو كل ما لا يحل تركه، أو يقول: ما الميزان؟. فنقول له: آلة يعرف بها تباين مقادير الأجرام، فهذا وما أشبه هو المعاني وهذا أيضاً شيء خامس. وكل هذا لا يثبت علة الشرائع ولا يوجب قياساً، لأن العلامة إذا كانت موضوعة لأن يعرف بها شيء ما، فلا سبيل إلى أن يعرف بها شيء آخر بوجه من الوجوه، لأنه لو كان ذلك لما كانت علامة لما جعلت له علامة، ولوقع الإشكال.

قال أبو محمد: فلما كانت هذه المعاني المسماة الخمسة التي ذكرنا، مختلفة متغايرة كل واحد منها غير الآخر، وكانت كلها مختلفة الحدود والمراتب، وجب أن يطلق على كل واحد منها اسم غير الاسم الذي لغيره منها. ليقع الفهم واضحاً، ولئلا تختلط فيسمى بعضها باسم آخر منها، فيوجب ذلك وضع معنى في غير موضعه، فتبطل الحقائق. والأصل في كل بلاء وزعماء تخليط وفساد، اختلاط أسماء ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال، وهذا في الشريعة أضر شيء وأشده هلاكاً لمن اعتقد الباطل، إلا من وفقه الله تعالى.

وإذا قد بينا هذه الأسماء الأربعة، وهي: العلة والغرض والسبب والعلامة، وبينا أن معانيها مختلفة، وأن مسمياتها شتى، وحسمنا داء من أراد إيقاع اسم العلة في الشريعة على معنى السبب، فيخرج بذلك إلا ما لا يحل اعتقاده، من أن الشرائع شرعها الله تعالى لعلل أوجبت عليها أن يشرعها، أو إلى الفرية على الله تعالى في الإدعاء أنه شرع عللاً لم ينص عليها هو تعالى ولا رسوله و لا أذناً بها، ولا بد لأهل العلل من أحد هذين السبيلين. وكلاهما مهلك.

ولسنا ننكر أن يكون الله تعالى جعل بعض الأشياء سبباً لبعض ما شرع من الشرائع، بل نقر بذلك ونثبته حيث جاء به في النص، كقوله : «أَعْظَمُ النَّاسِ جُرْماً فِي الإِسْلاَمِ مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وكما جعل تعالى كفر الكافر وموته كافراً سبباً إلى خلوده في نار جهنم، والموت على الإيمان سبباً لدخول الجنة، وكما جعل السرقة بصفة ما سبباً للقطع، والقذف بصفة ما سبباً للجلد والوطء بصفة مَّا للجلد والرجم، وكما نقر بهذه الأسباب المنصوص عليها، فكذلك ننكر أن يدعي أحد سبباً حيث لم ينص عليه. ولسنا نقول: إن الشرائع كلها لأسباب، بل نقول: ليس منها شيء لسبب إلا ما نص منها أنه لسبب، وما عدا ذلك فإنما هو شيء أراده الله تعالى الذي يفعل ما شاء، ولا نحرم ولا نحلل، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نقول إلا ما قال ربنا عز وجل، ونبينا ، ولا نتعد ما قالا، ولا نترك شيئاً منه، وهذا هو الدين المحض الذي لا يحل لأحد خلافه ولا اعتقاده سواء. وبالله تعالى التوفيق. وقد قال الله تعالى واصفاً لنفسه: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه وأن أفعاله لا يجزىء فيها «لم»...؟ وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله «لم كان هذا» فقد بطلت الأسباب جملة وسقطت العلل البتة إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمراً كذا لأجل كذا.

وهذا أيضاً مما يسأل عنه فلا يحل لأحد أن يقول لم كان هذا السبب لهذا الحكم ولم يكن لغيره؟ ولا أن يقول: لم جعل هذا الشيء سبباً دون أن يكون غيره سبباً أيضاً، لأن من فعل هذا السؤال فقد عصى الله عز وجل، وألحد في الدين وخالف قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } فمن سأل عما يفعل فهو فاسق وجب أن تكون العلة كلها منفية عن الله تعالى ضرورة، وفي قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } بيان جلي أنه لا يجوز لأحد منا أن يقول قولاً لا يسأل عنه، ولزمنا فرضاً سؤال كل قائل من أين قلت كذا؟ فإن بين لنا أن قوله ذلك حكاية صحيحة من ربه تعالى وعن نبيه ، لزمنا طاعته وحرم عليه التمادي في سؤاله، وإن لم يأت به مصححاً عن ربه تعالى، ولا عن نبيه ، ضرب برأيه عرض الحائط، ورد عليه أمره متروكاً غير مقبول معه، ولا مرضي عنه.

فهذا حكم السبب وفعله والعلامة والغرض والمعنى قد بينا كل ذلك غاية البيان ولم نقل إلا ما قاله الله ربنا عز وجل، وليست العبارة بالألفاظ المخالفة خلافاً إذا حقق المعنى فلم يبعث محمد إلى العرب فقط، بل إلى أهل كل لغة من الإنس والجن، فلا بد ضرورة لكل أحد من عبارة يفهم بها كلام ربه تعالى، ومعنى مراده في الدين اللازم له، وإنما أوردنا هذا لئلا يتعلق جاهل فيقول: إن كلامك هذا ليس منصوصاً في القرآن فأرينا، أن حقيقة مفهومه كلها، ومعناه الذي لا يتحمل كلامنا معنى غيره منصوص في القرآن نصّاً جليّاً ظاهراً وبالله تعالى التوفيق. فاعلم الآن أن العلل كلها منفية عن أفعال الله تعالى وعن جميع أحكامه البتة، لأنه لا تكون العلة إلا في مضطر. واعلم أن الأسباب كلها منفية عن أفعال الله تعالى كلها، وعن أحكامه. حاشا ما نص تعالى عليه أو رسوله . وأما الغرض في أفعاله تعالى وشرائعه فليس هو شيئاً غير ما ظهر منها فقط، والغرض في بعضها أيضاً أن يعتبر بها المعتبرون، وفي بعضها أن يدخل الجنة من شاء إدخاله فيها، وأن يدخل النار من شاء إدخاله فيها.

وكل ما ذكرنا من غرضه تعالى في الاعتبار؛ ومن إدخاله الجنة من شاء ومن إدخاله النار من شاء، وتسبيبه ما شاء لما شاء، فكل ذلك أفعال من أفعاله؛ وأحكام من أحكامه لا سبب لها أصلاً، ولا غرض له فيها البتة، غير ظهورها وتكوينها فقط {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } ولولا أنه تعالى نص على أنه أراد منا الاعتبار وأراد إدخال الجنة من شاء، ما قلنا به، ولكنا صدقنا ما قال ربنا تعالى، وقلنا ما علمنا ولم نقل ما لم نعلم. فهذه حقيقة الإيمان الذي تعضده البراهين الحسية والعقلية.

ودليل ذلك أن السبب والغرض لا يخلوان من أنهما مخلوقان لله تعالى، أو أنهما غير مخلوقين أصلاً، أو أنهما مخلوقان لغيره، فمن جعلهما غير مخلوقين أصلاً كفر، لأنه يجعل في العالم شيئاً لم يزل، ومن قال: إنهما مخلوقان لغير كفر، لأنه يجعل خالقاً غير الله تعالى، فثبت أنهما مخلوقان له تعالى وقد قام البرهان على أن كل ما دون الله تعالى فهو خلق الله، فإذاً قد ثبت أن الغرض والسبب مخلوقان لله تعالى، فلا يخلو من أن يكون خلقهما لسبب أيضاً، ولغرض أو لا لسبب ولا لغرض، فإن كان فعلها لسبب آخر، وغرض آخر، لزم أيضاً فيهما مثل ذلك، حتى تنتهي بقائل هذا إلى إثبات معدودات ومخلوقات لا نهاية لها. وهذا كفر من قائله، وإن كان تعالى فعلهما لا لسبب ولا لغرض، فهذا هو قولنا إنه تعالى يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، لا لسبب ولا لغرض، حاشا ما نص تعالى عليه فقط أنه فعله للغرض أراده، أو لسبب، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما شاء لا لغرض ولا لسبب، ولولا النصوص الواردة بذلك في بعض المواضع ما حل لمسلم أن يقول: إن الله تعالى فعل كذا لسبب كذا، ولا إن له عز وجل في فعل كذا إرادة كذا {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .

قال أبو محمد: ويقال لمن قال بالعلل وجعلها صفات في أشياء توجد فتشتبه بها، فيوجب ذلك أن يحكم لها بحكم واحد: إنك لا تعدم معارضاً بصفات أخر توجب غير الأحكام التي أوجبتم، فإن أنتم أبطلتم حكم التشابه الذي يعارضكم به خصومكم فقد أقررتم أن الأتباع لا معنى له، ولا يوجب حكماً، وليس قول خصومكم فيما أتى به من ذلك بأولى بالسقوط من قولكم. ومثال ذلك: أن تقولوا: لما أشبه النبيذ الخمر في أنه شديد ملذ مسكر وجب له التحريم من أجل ذلك، فيعارضكم خصومكم فيقولون: لما أشبه النبيذ المسكر العصير في أنه لا يفكر مستحله، وجب له التخليل من أجل ذلك، فإن أبطلتم التشبيه الذي أتى به خصومنا فقد أقررتم أن التشبيه لا يوجب حكماً، وهذا عائداً على تشبهكم الذي شبهتم ولا فرق. وقال بعضهم: علة تحريم البُر بالبُر متفاضلاً أنه مطعوم. وقال بعضهم: العلة في ذلك أنه مكيل. وقال بعضهم: العلة في ذلك أنه مدخر. قال أبو محمد: وكل واحد من هذه الطوائف مبطلة لما عدت به الأخرى، فكلهم قد اتفق على إبطال التعليل بلا خلاف بينهم، فليس ما أثبتت هذه الطائفة من التعليل بأثبت مما أثبتت الأخرى، ولا بعض هذه العلل أولى بالسقوط من سائرها، بل كلها دعوى زائفة ساقطة لا برهان عليها، وهكذا جميع عللهم.

وليت شعري كيف يسهل على من يخاف سؤال الله تعالى يوم القيامة أن يأتي بعلة لم يجدها قط لا لله تعالى ولا لرسوله فيثبتها في الدين، فإنما ينسبها إلى الله تعالى فيكذب عليه، أو إلى رسوله فيقوله ما لم يقل، أو لا ينسب ذلك إلى الله تعالى ولا إلى رسوله فيحصل في أن يحدث ديناً من عنده نفسه، ولا بد من إحداهما، وهما خطتا خسف، نعوذ بالله منهما، وبالله تعالى التوفيق. قال أبو محمد: ومنهم طوائف يمنعون من تخصيص العلل، ثم يجعلون علة الربا في التمر بالرطب مخصوصة يحدث العرايا. فيقرون أن النص أبطل علتهم، ولو كانت حقّاً ما أبطلها، لأن الحق لا يبطل الحق، وكذلك لا يمكن أن يبطل حديث صحيح حديثاً صحيحاً إلا على سبيل النسخ فقط، وأما على معنى ألا يقبل فلا سبيل إلى ذلك البتة. والحق لا يكذب بعضه بعضاً أبداً.

قال أبو محمد: وقد سألهم من سلف من أصحابنا فقالوا: لو كانت العلة التي تدعون في الشرائع موجبة لما ادعيتم من تحليل أو تحريم، لكانت غير مختلفة أبداً، كما أن العلل العقلية لا تختلف أبداً.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الرابع

في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين (1) | في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين (2) | في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين (3) | في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين (4) و هو باب الكلام في الاجتهاد ما هو ؟