إحياء علوم الدين/كتاب الحلال والحرام/الباب الرابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إحياء علوم الدين
كتاب الحلال والحرام- الباب الرابع
المؤلف: أبو حامد الغزالي



الباب الرابع

في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية


اعلم أن من تاب وفي يده مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام وإخراجه ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما.

النظر الأول: في كيفية التمييز والإخراج: اعلم أن كل من تاب وفي يده كل ما هو حرام معلوم العين من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل؛ فعليه تمييز الحرام. وإن كان ملتبساً مختلطاً فلا يخلو إما أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان، وإما أن يكون في أعيان متمايزة كالعبيد والدور والثياب. فإن كان في المتماثلات أو كان شائعاً في المال كله كمن اكتسب المال بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها في المرابحة وصدق في بعضها، أو من غصب دهناً وخلطه بدهن نفسه، أو فعل ذلك في الحبوب، أو الدراهم والدنانير فلا يخلو ذلك إما أن يكون معلوم القدر أو مجهولاً. فإن كان معلوم القدر مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف. وإن كان أشكل فله طريقان أحدهما: الأخذ باليقين والآخر: الأخذ بغالب الظن، وكلاهما قد قال به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة. ونحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ باليقين فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب ولا يغير إلا بعلامة قوية وليس في أعداد الركعات علامات يوثق بها، وأما ههنا فلا يمكن أن يقال: الأصل أن ما في يده حرام، بلهو مشكل فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهاداً، ولكن الورع في الأخذ باليقين، فإن أراد الورع فطريق التحري والاجتهاد أن لا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال. وإن أراد الأخذ بالظن فطريقه مثلاً أن يكون في يده مال تجارة فسد بعضها فيتيقن أن النصف حلال وأن الثلث مثلاً حرام ويبقى سدس يشك فيه فيحكم فيه بغالب الظن. وهكذا طريق التحري في كل مال وهو أن يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل والحرمة. والقدر المتردد فيه إن غلب على ظنه التحريم أخرجه وإن غلب الحل جاز له الإمساك والورع في إخراجه، وهذا الورع آكد لأنه صار مشكوكاً فيه، وجاز إمساكه اعتماداً على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه وقد صار ضعيفاً بعد يقين اختلاط الحرام. ويحتمل أن يقال الأصل التحريم ولا يأخذ إلا ما غلب على ظنه أنه حلال وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر وليس يتبين لي الحال ترجيح وهو من المشكلات.

فإن قيل: هب أنه أخذ اليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه? ولو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة. أي واحدة كانت. ويأخذ الباقي ويستحله ولكن يقال: لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح واستبقى واحدة لم تحل لاحتمال أنها الحرام? فنقول: هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعارضة إليه، وأما الميتة فلا تتطرق المعارضة إليها فليكشف الغطاء عن هذه الأشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه، وقد سئل احمد بن حنبل رضي الله عنه عن مثل هذا فقال: يدع الكل حتى يتبين، وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين وقال: لا أدري أيتهما آنيتك? فتركهما فقال المرتهن: هذا هو الذي لك وإنما كنت أختبرك? فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وإذا ورع ولكنا نقول إنه غير واجب. فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر فنقول: إذا رد أحد الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر، لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه، فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة، وإن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذ وقع عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح، فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه. فنقول: لأنه أيضاً إن كان قد تسلم درهم في يد الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغالب فيقع هذا بدلاً عنه في علم الله إن كان الأمر كذلك، ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلفه رجلان كل واحد منهما درهماً على صاحبه، بل في عين مسألتان لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر أو أحرقه كأن قد أتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التقاص، فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى ان من يأخذ درهماً حراماً ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجوراً عليه لا يجوز التصرف فيه وهذا المذهب يؤدي إليه، فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه إلا ترك اللفظ. والمعاطاة بيع ومن لا يجعلها بيعاً فحيث يتطرق إليها احتمال إذ الفعل يضعف دلالته وحيث يمكن التلفظ، وههنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة قطعاً والبيع غير ممكن لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه وقد يكون مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره وكذا الدبس والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض.

فإن قيل: فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه في مثل هذه الصورة وجعلتموه بيعاً? قلنا: لا نجعله بيعاً بل نقول هو بدل عما فات في يده فيملكه كما يملك المتلف عليه من الرطب إذا أخذ مثله؛ هذا إذا ساعده صاحب المال فإن لم يساعده واضر به وقال: لا آخذ درهماً أصلاً إلا عين ملكي فإن استبهم فأتركه ولا أهبه وأعطل عليك مالك. فأقول على القاضي أن ينوب عنه في القبض حتى يطيب للرجل ماله فإن هذا محض التعنت والتضييق والشرع لم يرد به، فإن عجز عن القاضي ولم يجده فليحكم رجلاً متديناً ليقبض عنه فإن عجز فيتولى هو بنفسه ويفرد على نية الصرف إليه درهماً ويتعين ذلك له ويطيب له الباقي، وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم.

فإن قيل: فينبغي أن يحل له الأخذ وينتقل الحق إلى ذمته فأي حاجة إلى الإخراج أولاً ثم التصرف في الباقي? قلنا: قال قائلون يحل له ما دام يبقى قدر الحرام ولا جوز أن يأخذ الكل ولو أخذ لم يجز له ذلك. وقال آخرون: ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال، وقال آخرون يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه وأما هو فلا يعطي فإن أعطى عصى هو دون الآخذ منه، وما جوز أحد أخذ الكل وذلك لأن المال لو ظهر فله أن يأخذ حقه من هذه الجملة إذ يقول لعل المصروف إلي يقع عين حقي. وبالتعيين وإخراج حق الغير وتمييزه يندفع هذا الاحتمال فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما هو أقرب إلى الحق مقدم كما يقدم المثل على القيمة والعين على المثل فكذلك ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة وما يحتمل فيه رجوع العين يقدم على ما يحتمل فيه رجوع المثل، ولو جاز لهذا أن يقول ذلك لجاز لصاحب الدرهم الآخر أن يأخذ الدرهمين ويتصرف فيهما ويقول على قضاء حقك من موضع آخر؛ إذ الاختلاط من الجانبين وليس ملك أحدهما بأن يقدر فائتاً بأولى من الآخر إلا أن ينظر إلى الأقل فيقدر أنه فائت فيه أو ينظر إلى الذي خلط فيجعل بفعله متلفاً لحق غيره وكلاهما بعيدان جداً. وهذا واضح في ذوات الأمثال فإنها تقع عوضاً في الإتلافات من غير عقد فأما إذا اشتبه دار بدور أو عبد بعبيد فلا سبيل إلى المصالحة والتراضي، فإن أبى أن يأخذ إلا عين حقه ولم يقدر عليه وأراد الآخر أن يعوق عليه جميع ملكه، فإن كانت متماثلة القيم فالطريق أن يبيع القاضي جميع الدور ويوزع عليهم الثمن بقدر النسبة وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل، ويوقف قدر التفاوت إلى البيان أو الاصطلاح لأنه مشكل، وإن لم يوجد القاضي فللذي يريد الخلاص وفي يده الكل أن يتولى ذلك بنفسه، هذه هي المصلحة وما عداها من الاحتمالات ضعيفة لا نختارها وفيما سبق تنبيه على العلة، وهذا في الحنطة ظاهر، وفي النقود دونه، وفي العروض أغمض، إذ لا يقع البعض بدلاً عن البعض، فلذلك احتيج إلى البيع، ولنرسم مسائل يتم بها بيان هذا الأصل.

مسألة: إذا ورث مع جماعة وكان السلطان قد غصب ضيعة لمورثهم فرد عليه قطعة معينة فهي لجميع الورثة. ولو رد من الضيعة نصفاً وهو قدر حقه ساهمه الورثة، فإن النصف الذي لا يتميز حتى يقال: هو المردود، والباقي هو المغصوب، ولا يصير مميزاً بنية السلطان، وقصده حصر الغضب في نصيب الآخرين.

مسألة: إذا وقع في يده مال أخذه من سلطان ظالم ثم تاب والمال عقار وكان قد حصل منه انتفاع؛ فينبغي أن يحسب أجر مثله لطول تلك المدة، وكذلك كل مغصوب له منفعة أو حصل منه زيادة، فلا تصح توبته ما لم يخرج أجرة المغصوب، وكذلك كل زيادة حصلت منه وتقدير أجرة العبيد والثياب والأواني وأمثال ذلك مما لا يعتاد إجارتها مما يعسر ولا يدرك ذلك إلا باجتهاد وتخمين،وهكذا كل التقويمات تقع بالاجتهاد وطريق الورع الأخذ بالأقصى، وما ربحه على المال المغصوب في عقود عقدها على الذمة وقضى الثمن منه، فهو ملك له ولكن فيه شبهة، إذ كان ثمنه حراماً كما سبق حكمه، وإن كان بأعيان تلك الأموال فالعقود كانت فاسدة، وقد قيل: تنفذ بإجارة المغصوب منه للمصلحة فيكون المغصوب منه أولى به، والقياس أن تلك العقود تفسخ وتسترد الثمن وترد الأعواض فإن عجز عنه لكثرته فهي أموال حرام حصلت في يده فللمغصوب منه قدر رأس ماله، والفضل حرام يجب إخراجه لتتصدق به، ولا يحل للغاصب ولا للمغصوب منه، بل حكمه حكم كل حرام يقع في يده.

مسألة: من ورث مالاً ولم يدر مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم علامة، فهو حلال باتفاق العلماء، وإن علم أن فيه حراماً وشك في قدره أخرج مقدار الحرام بالتحري، فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان يتولى أعمال للسلاطين واحتمل أن لم يكن يأخذ في عمله شيئاً، أو كان قد أخذ ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة، فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب، وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد. وقال بعض العلماء: لا يلزمه والإثم على المورث، واستدل بما روي أن رجلاً ممن ولي عمل السلطان مات، فقال صحابي: الآن طاب ماله: أي لوارثه، وهذا ضعيف، لأنه لم يذكر اسم الصحابي ولعله صدر من متساهل، فقد كان في الصحابة من يتساهل، ولكن لا نذكره لحرمة الصحبة، وكيف يكون موت الرجل مبيحاً للحرام المتيقن المختلط ومن أين يؤخذ هذا? نعم. إذا لم يتيقن يجوز أن يقال: هو غير مأخوذ بما لا يدري، فيطيب لوارث لا يدري أن فيه حراماً يقيناً.

النظر الثاني: في المصرف: فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال: إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه، وإن كان غائباً فينتظر حضوره أو الإيصال إليه، وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره.

وإما أن يكون لمالك غيره معين وقع اليأس من الوقوف على عيبه ولا يدري أنه مات عن وارث أم لا، فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه، وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك، كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة، كيف يقدر على جمعهم، وإن قدر فكيف يفرق ديناراً واحداً مثلاً على ألف أو ألفين، فهذا ينبغي أن يتصدق به.

وإما من مال الفيء والأموال المرصدة لمصالح المسلمين كافة، فيصرف ذلك إلى القناطر والمساجد والرباطات ومصانع طريق مكة، وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين، ليكون عاماً للمسلمين، وحكم القسم الأول لا شبهة فيه. أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم إليه المال إن وجد قاضياً متدنياً، وإن كان القاضي مستحلاً فهو بالتسليم إليه ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه، فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه، بل يحكم من أهل البلد عالماً متديناً، فإن التحكيم أولى من الانفراد، فإن عجز فليتول ذلك بنفسه، فإن المقصود الصرف. وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح، فلا يترك أصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه.

فإن قيل: ما دليل جواز التصدق بما هو حرام? وكيف يتصدق بما لا يملك? وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام. وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي.

فنقول: نعم، ذلك له وجه واحتمال، وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس. أما الخبر فأمر رسول الله ﷺ بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام، إذ قال ﷺ: "أطعموها الأسارى". ولما نزل قوله تعالى: "آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعده غلبهم سيغلبون" كذبه المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم، يزعم أن الروم ستغلب. فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله ﷺ، فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة والسلام: "هذا سخت"، فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله ﷺ له في المخاطرة مع الكفار. وأما الأثر؛ فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن، فطلبه كثيراً فلم يجده، فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي. وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش، فقال: يتصدق به. وروي أن رجلاً سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة، ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له: تفرق الناس، فأتى معاوية فأبى أن يقبض؛ فأتى بعض النساك فقال: ادفع خمسها إلى معاوية، وتصدق بما يبقى، فبلغ معاوية قوله، فتلهف إذ لم يخطر له ذلك، وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وجماعة من الورعين إلى ذلك.

وأما القياس فهو أن يقال: إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير، أولى من إلقائه في البحر، فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتنا على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة. وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته، وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر. فإن في الخبر الصحيح: "إن للزارع والغارس أجراً في كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه" وذلك بغير اختياره، وأما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب، فذلك إذا طلبنا الأجر لنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع. وقول القائل: ما لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا، فهو كذلك ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذا أحله دليل الشرع، وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل وإذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول إن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيراً. أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى من يتصدق عليهم، وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضاً فقير ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير، ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضاً مسائل: مسألة: إذا وقع في يده مال من سلطان قال قوم: يرد إلى السلطان فهو أعلم بما تولاه فيقلده ما تقلده وهو خير من أن يتصدق به، واختار المحاسبي ذلك وقال: كيف يتصدق به فلعل له مالكاً معيناً? ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من السلطان ويتصدق به، وقال قوم: يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك لأن ذلك إعانة للظالم وتكثير لأسباب ظلمه فالرد إليه تضييع لحق المالك، والمختار أنه إذا علم من عادة السلطان انه لا يرده إلى مالكه فيتصدق به عن مالكه فهو خير للمالك إن كان له مالك معين من أن يرد على السلطان، لأنه ربما لا يكون له مالك معين وكون حق المسلمين، فرده على السلطان تضييع، فإن كان له مالك معين فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك وهذا ظاهر، فإذا وقع في يده من ميراث ولم يتعد هو بالأخذ من السلطان فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها إذ لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها، ثم وإن كان غنياً من حيث إنه اكتسبه من وجه مباح وهو الالتقاط وههنا لم يحصل المال من وجه مباح فيؤثر في منعه من التملك ولا في المنع من التصدق.

مسألة: إذا حصل في يده مال لا مالك له وجوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة، فقد قال قوم: يأخذ كفاية سنة لنفسه وعياله وإن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل، وهذا ما اختاره المحاسبي ولكنه قال: الأولى أن يتصدق بالكل إن وجد من نفسه قوة التوكل وينتظر لطف الله تعالى في الحلال، فإن لم يقدر فله أن يشتري ضيعة أو يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه وكل يوم وجد فيه حلالاً أمسك ذلك اليوم عنه، فإذا فني عاد إليه، فإذا وجد حلالاً معيناً بمثل ما أنفقه من قبل ويكون ذلك قرضاً عنده، ثم إنه يأكل الخبز ويترك اللحم إن قوي عليه وإلا أكل اللحم من غير تنعم وتوسع، وما ذكره لا مزيد عليه ولكن جعل ما أنفقه قرضاً عنده فيه نظر ولا شك في أن الورع ان يجعله قرضاً، فإذا وجد حلالاً تصدق بمثله. ولكن مهما لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه فلا يبعد ان لا يجب عليه أيضاً إذا أخذه لفقره لا سيما إذا وقع في يده من ميراث ولم يكن متعدياً بغضبه وكسبه حتى يغلظ الأمر عليه فيه. مسألة: إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة وليس يفضل الكل عن حاجته، فإذا كان له عيال فليخص نفسه بالحلال لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده وعياله وأولاده الصغار والكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم إلى ما هو أشد منه فإن أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة. وبالجملة؛ كل ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة، وهو أنه يتناول مع العلم والعيال ربما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ بالحلال بنفسه ثم بمن يعول، وإذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته وكسوته وبين غيره من المؤن كأجرة الحجام والصباغ والقصار والحمال والاطلاء بالنورة والدهن وعمارة المنزل وتعهد الدابة وتسجير التنور وثمن الحطب ودهن السراج فليخص بالحلال قوته ولباسه، فإن ما يتعلق ببدنه ولا غنى به عنه. هو أولى بأن يكون طيباً، وإذا دار الأمر بين القوت واللباس فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال لأنه ممتزج بلحمه ودمه، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به. وأما الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحر والبرد والأبصار عن بشرته وهذا هو الأطهر عندي. وقال الحارث المحاسبي: يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة والطعام لا يبقى عليه لما روي أنه: "لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام"، وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في "بطنه حرام ونبت لحمه من حرام" فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى، ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى.

فإن قيل: فإذا كان الكل منصرفاً إلى أغراضه فأي فرق بين نفسه وغيره وبين جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق? قلنا: عرف ذلك بما روي أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحاً وعبداً حجاماً فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فنهى عن كسب الحجام فروجع مرات فمنع منه فقيل: إن له أيتاماً فقال: " أعلفوه الناضح"، فهذا يدل على الفرق بين ما يأكله هو أو دابته فإذا انفتح سبيل الفرق فقص عليه التفصيل الذي ذكرناه.

مسألة: الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله أن يوسع عليهم وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر وما أنفق على عياله فليقتصد، وليكن وسطاً بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب. فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير فليوسع عليه، وإن كان غنياً فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلاً ولم يجد شيئاً فإنه في ذلك الوقت فقير، وإن كان الفقير الذي حضر ضيفاً تقياً لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره جمعاً بين حق الضيافة وترك الخداع فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره، ولا ينبغي أن يعول على أنه لا يدري فلا يضره فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه، ولذلك تقيأأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا قد شربا على جهل، وهذا وإن أفتينا بإنه حلال للفقراء أحللناه بحكم الحجة إليه فهو كالخنزير والخمر إذا أحللناهما بالضرورة فلا يلتحق بالطيبات.

مسألة: إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع، فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما بل هو واجب فليتلطف في الامتناع، فإن لم يقدر فليوافق وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان والأخ والأخت قريبان من ذلك لأن حقهما أيضاً مؤكد، وكذلك إذا ألبسته أمه ثوباً من شبهة وكانت تسخط برده فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن يصلي فيه إلا عند حضورها فيصلي فبه صلاة المضطر،وعند تعارض أسباب الورع ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق. وقد حكي عن بشر رحمه الله أنه سلمت إليه أمه رطبة وقالت: بحقي عليك أن تأكلها وكان يكرهه فأكل ثم صعد غرفة فصعدت أمه وراءه فرأته يتقيأ، وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين صيانة المعدة. وقد قيل لأحمد بن حنبل: سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة? فقال: لا. فقال أحمد: هذا شديد. فقيل له: سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال: بر والديك؛ فماذا تقول? فقال للسائل: أحب أن تعفيني فقد سمعت ما قالا ثم قال: ما أحسن أن تداريهما. مسألة: من في يده مال حرام محض فلا حج عليه ولا يلزمه كفارة مالية لأنه مفلس ولا تجب عله الزكاة إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلاً، وهذا يجب عليه إخراج الكل إما رداً على المالك إن عرفه أو صرفاً إلى الفقراء إن لم يعرف المال، وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه لم يخرجه من يده لزمه الحج لأن كونه حلالاً ممكن ولا يسقط الحج إلا بالفقر ولم يتحقق فقره، وقد قال الله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" وإذا وجب عليه التصدق بما يزيد على حاجته حيث يغلب على ظنه تحريمه فالزكاة أولى بالوجوب، وإن لزمته كفارة فليجمع بين الصوم والإعتاق ليخلص بيقين. وقد قال قوم: يلزمه الصوم دون الإطعام إذ ليس له يسار معلوم. وقال المحاسبي: يكفيه الإطعام. والذي نختاره: أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها وألزمناه إخراجها من يده لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه فعليه الجمع بين الصوم والإطعام، أما الصوم فلأنه مفلس حكماً، وأما الإطعام فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ويحتمل أن يكون له اللزوم من جهة الكفارة.

مسألة: من في يده حرام امسكه للحاجة فأراد أن يتطوع بالحج فإن كان ماشياً فلا بأس به لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة أولى. وإن كان لا يقدر على أن يمشي ويحتاج إلى زيادة للمركوب فلا يجوز الأخذ لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد. وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام بحيث يستغني به عن بقية الحرام فالإقامة في انتظاره أولى من الحج ماشياً بالمال الحرام.

مسألة: من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب، فإن لم يقدر فمن وقت الإحرام إلى التحلل، فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة أن لا يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام؛ فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام ولا على ظهره حرام فإنا وإن جوزنا هذا بالحاجة فهو نوع ضرورة، وما ألحقناه بالطيبات، فإن لم يقدر فليلازم قلبه الخوف والغم لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته.

مسألة: سئل أحمد بن حنبل رحمه الله فقال له قائل: مات أبي وترك مالاً وكان يعامل من تكره معاملته، فقال: تدع من ماله بقدر ما ربح، فقال: له دين وعليه دين، فقال تقضي وتقضي، فقال افترى ذلك? فقال: أفتدعه محتبساً بدينه? وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام إذ قال: يخرج قدر الربح، وأنه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلاً عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقاص والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد، وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة.