أطار بكَ الناعي فؤادَ العُلى ذُعرا

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

أطار بكَ الناعي فؤادَ العُلى ذُعرا

أطار بكَ الناعي فؤادَ العُلى ذُعرا
المؤلف: حيدر بن سليمان الحلي



أطار بكَ الناعي فؤادَ العُلى ذُعرا
 
غداة َ نعى في نعيك المجدَ والفخرا
دعا بك فابيضَّت لنعيكَ عينُها
 
من الحزن وارفضَّت مدامعُها حمرا
بكتكَ فجارت جود كفيك إذ جرت
 
بدمعٍ تعدّى القطرَ إذ ساجل القطرا
ألا إنَّ روضَ المكرمات برغمها
 
ذوي بعدما قد كان غضَّ الحيا نضرا
وتلك قناة ُ العزِّ طارت بكفه
 
شظايا إلى أن كلها نفدت كسرا
فيا موحشاً نادى النهى برحيله
 
ويا تاركاً عين الندى أسفاً عبرى
ليومك جرحٌ في حشا المجد لم يجد
 
معالجهُ طولَ الزمان له سبرا
أصاب الردى لمّا أصابك مقتلاً
 
من الحسب السامي به قتل الصبرا
وغادر أفقَ المجدِ أغبر قاتما
 
يحثو الثرى لمّا توسَّد في الغبرا
لمن بعدك الفيحاءُ تذخر دمعَها
 
وقد كنت عند النائبات لها ذخرا؟
حرامٌ بأن يُهدي بها عاطرُ الثنا
 
فبعد عروس سائرُ الدهر لا عطرا
بلى فلتكن في النوح «خنساء» عصرها
 
وإن جلَّ عن صخرٍ «سليمانها» قدرا
قفا ناشداها أين بان عميدُها
 
وهل بعده حامٍ تسدُّ به ثغرا؟
غدت بين ذؤبان الخطوب فريسة ً
 
بها كيف شاءت تنشب الناب والظفرا؟
مضى ابنُ جلاها لا ومثواه لا ترى
 
من القوم من يجلو دجى همها الدهرا
أمرَّ لديها العيشُ بعد افتقاده
 
وكان حلا فيه لأبنائها عصرا؟
فعذراً إذاً إن تشتك اليتمَ بعده
 
فقد فقدتْ منه أباً لم يزل برّا
برغم أخيه الجود ودّع شخصَه
 
وعاد إلى لقياه ينتظر الحشرا
ففي القلب منه كلما مرَّ خاطرٌ
 
تذكّر محزوناً وأني له الذكرى
فتى ً شدَّ أزرَ المجد فيه أطايبٌ
 
على عفة ٍ منذ ارتدوا شدّوا الأزرا
كرامٌ على أولي الزمان رحابُهم
 
لمنتجعى معروفهم لم تزل خُضرا
لهم شرفُ البيت القديم ووفدُهم
 
يحيّون فيه منهم البدرَ فالبدرا
ثلمن المنايا عزَّهم "بمحمدٍ"
 
فشلَّت يدٌ فيها تناولنه قسرا
فتى ً كان سيفاً فاصلاً في يد العُلى
 
يقدُّ ولو لاقى ضرييته الدهرا
وكان لها في نحرها عقد سؤددٍ
 
فلو شعرت يوماً به باهت الشعرى
ترى هل درى ناعيه أن نعيَّه
 
من الشرف الوضّاح قد قصم الظهرا؟
وحرَّ به قلب النهى فكأنما
 
سرى بين أضلاع النهى نعيُه جمرا
فيا حامليه هل علمتم بأنكم
 
حملتم على أعواده النهى َ والأمرا؟
ويا دافنيه في الثرى هل علمتمُ
 
بأنكمُ واريتمُ في الثرى بحرا؟
لقد كان إن جن الدجى ليلَ حادثٍ
 
يشقُّ لها من نور طلعته فجرا
أغرُّ إذا ما قطبَّ العامُ مجدباً
 
تبسَّم فيه للندى وجلا ثغرا
وإن قبضت يمنى الكرام بنانَها
 
مخافة إعسارٍ به بسط اليسرى
ضحوك المحيا بُوركت منه طلعة ٌ
 
تشعُّ لو استقطرتها قطرت بشرى
إذا ما نشرنا في المجالس ذكرَه
 
تأرَّج في الدنيا فطبّقها نشرا
لئن غاب فهو البدر موفٍ فقد مضى
 
وأعقب في أفق العُلى أنجماً زهرا
وما مخدرٌ أخلى الردى منه غابه
 
إذا منعت أشباله بعده الخدرا
غطارفة ٌ غرُّ المساعي تقيّلوا
 
أباً فأباً كانوا غطارفة ً غرّا
إذا فوخروا يوماً أتوا بأبيهم
 
وعدُّوا مزاياهم فقيل كفى فخرا
بحارٌ ولكن في يدي كل واحدٍ
 
نشأن لمرتاد النهى أبحرٌ عشرا
لقد عذبوا بين الأنام خلائقاً
 
ترشّفها حتى انتشى كلّهم سكرا
مناجيبُ قد أفنى التراثَ على الندى
 
أبوهم وأبقى في العُلى لهم الذكرى
مضى مَن نضت أمُّ الفخار حدادَها
 
عليه ولم تمسح مفارقها الغبرا
وقد أودعت شطراً بلحد محمدٍ
 
ولحد "سليمانٍ" به أودعت شطرا
فلا يشمت الحسّادُ في موت ماجدٍ
 
قضى حين وافته الملائكُ بالبشرى
فهذا على ُّ القدر قام من العُلى
 
مقامَ "سليمانٍ" فزيدت به فخرا
خضمُّ ندى ً ما البحرُ يطفح موجه
 
بأغزر لجاً من بنانته الصغرى
وهضبة حلمٍ لو وزنت به الورى
 
وجدتهم في جنبه كلَّهم ذرّا
وراءكم يا حاسديه مكانه
 
بأندية العليا فإنَّ له الصدرا
وكم موكبٍ للفخر ضمّكم معاً
 
فكنتم بغاثاً وهو كان به صقرا
أخو أخوة ٍ في المكرمات جميعهم
 
أتوا شرَعاً فاستغرقوا الحمد والشكرا
عليُّهم في المجد محسنُهم بدا
 
ومحسنهم منسيُّهم نائلاً غمرا
بني الحلم أنتم أرسخ الناس هضبة ً
 
وأرحبهم في كل نازلة ٍ صدرا
نقول لكم صبراً ونعلم أنكم
 
أجلُّ ولكنْ عادة ٌ قولنا صبرا
لكم ختم اللهُ الرزايا بهذه
 
فلا طرقت أبياتكم بعدها أخرى