أربع قواعد تدور الأحكام عليها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أربع قواعد تدور الأحكام عليها
  ► ويكي مصدر:إسلام مطبوع ضمن "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، الجزء الثالث ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ محمد رحمه الله:

هذه أربع قواعد من قواعد الدين التي تدور الأحكام عليها وهي من أعظم ما أنعم الله تعالى به على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا أكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم سبحانه وتعالى في ألفاظ قليلة وهذا مما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع، وهو أن تعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر لنا ما خصه الله به على الرسل يريد منا أن نعرف نعمة الله ونشكرها. قال لما ذكر الخصائص: "وأعطيت جوامع الكلم" [1] قال إمام الحجاز محمد بن شهاب الزهري: معناه أن الله يجمع له المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة.

القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم

لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} إلى قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه

لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها".

القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج

قال تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} والواجب على المسلم اتباع المحكم، وإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في قولهم: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}.

القاعدة الرابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: "أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات": [2]

فمن لم يفطن لهذه القاعدة وأراد أن يتكلم على مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل. فهذه ثلاث ذكرها الله في كتابه والرابعة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم رحمك الله أن أربع هذه الكلمات مع اختصارهن يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام الذي يسمى علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين. وأنا أمثل لك مثلا تعرف به صحة ما قلته، وتحتذي عليه إن فهمته. وأمثل لك في فن من فنون الدين وهو علم الفقة، وأجعله كله في باب واحد منه، وهو الباب الأول: "باب المياه".

فنقول: قال بعض أهل العلم: الماء كله طهور إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عنه اسم الماء كماء ورد أو باقلا ونحوه. وقال آخرون: الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم"، [3] فلولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه، ودليله من النظر أنه لو وكله في شراء ماء فاشترى ماء مستعملا أو متغيرا بظاهر لم يلزمه قبوله، فدل على أنه لا يدخل في الماء المطلق.

قال الأولون: النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يغتسل الرجل في الماء الدائم"، [4] وإن عصى وفعل فالقول في الماء مسألة أخرى لا تعرض لها في الحديث لا بنفي ولا إثبات، وعدم قبول الموكل لا يدل، فلو اشترى له ماء من ماء البحر لم يلزمه قبوله؛ ولو اشترى له ماء متقذرا طهورا لم يلزمه قبوله، فانتقض ما قلتموه، فإن كنتم معترفين أن هذه الأدلة لا تفيدكم إلا الظن وقد ثبت أن "الظن أكذب الحديث" [5] فقد وقعتم في المحرم يقينا أصبتم أم أخطأتم لأنكم أفتيتم بظن مجرد، فإن قوله: {لَمْ تَجِدُوا مَاءً} كلام عام من جوامع الكلم، فإن دخل فيه هذا خالفتم النص وإن لم يدخل فيه وسكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل الكلام فيه؛ وعصيتم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} الآية، وكذلك إذا تركتم هذا اللفظ العام الجامع مع قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء" [6]، وتركتم هذه الألفاظ الواضحة العامة، وزعمتم أن الماء ثلاثة أنواع بالأدلة التي ذكرتموها وقعتم في طريق أهل الزيغ في ترك المحكم واتباع المتشابه.

فإن قلتم لم يتبين لنا أنه طهور، وخفنا أن النهي يؤثر فيه، قلنا قد جعل الله لكم مندوحة وهو الوقف وقول لا أدري وإلا ألحقوه بمسألة المتشابهات، وإما الجزم بأن الشرع جعل هذا طاهرا في مطهر فقد وقعتم في البحث عن المسكوت عنه، واتباع المتشابه وتركتم قوله: صلى الله عليه وسلم "وبينهما أمور مشتبهات". [7]

المسألة الثانية: قولهم إن الماء الكثير ينجسه البول والعذرة لنهيه عن البول فيه، فيقال لهم: الذي ذكر النهي عن البول فيه، وأما نجاسة الماء وطهارته فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر وهو قوله في الكلمة الجامعة { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } وهذا ماء وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض وعذرة الناس -: "الماء طهور لا ينجسه شيء". [8]

فمن ترك هذا المحكم وأفتى بنجاسته معللا بنهيه عن البول فيه، قد ترك المحكم واتبع المتشابه، ووقع في القول بلا علم لأنه لا يجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد نجاسة الماء لما نهى عن البول فيه، وإنما غاية ما عنده الظن. فإن قدرنا أن هذا لا يدخل في العموم الذي ذكرنا وتكلم فيه بالقياس فقد خالف قوله: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} وإن يعلل بقوله: لا يبين لي دخوله في العموم، وأخاف لأجل النهي عن نجاسته، قيل: لك مندوحة عن القول بلا علم؛ وهو إلحاقه بالمتشابهات، ولا تزعم أن الله شرع نجاسته وحرم شربه.

ومن ذلك فضل طهور المرأة زعم بعضهم أنه لا يرفع الحدث، وولد عليها من المسائل ما يشغل الإنسان ويعذب الحيوان؛ وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إنه مطهر رافع، فإن لم يصح الحديث فيه فلا كلام كما ذكر البخاري وغيره، وإن قلنا بصحة الحديث فنقول في صحيح مسلم حديث أصح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ واغتسل بفضل ميمونة"، [9] وهو داخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} قطعا، وداخل في قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء". [10] وإنما نهى الرجال عن استعماله نهي تنزيه وتأديب إذا قدر للأدلة القاطعة التي ذكرنا، فإذا قال من منع استعماله: أخاف إن النهي إذا سلمتم صحته يفسد الوضوء، قلنا: إذا خفت ذلك فألحقه بالمتشابهات، ولا تقل على الله بلا علم وتولد مسائل كثيرة سكت الشارع عنها في صفة الخلوة وغيرها.

ومن ذلك الماء الذي دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، فكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه طهور داخل في تلك القاعدة الجامعة {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، [11] لكن حمله آخرون على الكثير لقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" [12] قال الأولون: إن سلكنا في الحديث مسلك من قدح فيه من أهل الحديث فلا كلام، ولكن نتكلم فيه على تقدير ثبوته ونحن نقول بثبوته لكن لا يدل على ما قلتموه، ومن زعم أنه يدل على أن القليل ينجس فقد قال ما لا يعلم قطعا لأن اللفظ صرح أنه إن كثر لم يحمل الخبث ولم يتكلم فيما دون فيحتمل أنه ينجس كما ذكرنا، ويحتمل أنه أراد إن كان دونهما فقد يحمل وقد لا يحمل، فإذا لم تقطع على مراده بالتحديد فقد حرم الله القول عليه بلا علم، وإن زعمتم أن أدلتنا لا تشمل هذا فهو باطل؛ فإنها عامة، وعلى تقدير ذلك يكون من المسكوت عنه الذي نهينا عن البحث فيه. فلو أنكم قلتم كما قال من كرهه من العلماء: أكرهه أو لا أستحبه مع وجود غيره ونحو هذه العبارة التي يقولها من شك في نجاسته ولم يجزم بأن حكم الشرع نجاسة هذا، فقد أصبتم وعملتم بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم: "وبينهما أمور مشتبهات" سواء كان في نفس الأمر طاهرا أم لا. فإن من شك في شيء وتورع عنه فقد أصاب ولو تبين بعد ذلك أنه حلال. وعلى كل حال فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم أراد أن يشرع لأمته أن كل ماء دون القلتين بقلال هجر إذا لاقى شيئا نجسا أنه ينجسه ويصير شربه حراما، ولا تقبل صلاة من توضأ به ولا من باشره شيء منه حتى يغسله ولم يبين ذلك لهم حتى أتاه رجل يسأله عن الماء بالفلاة ترده السباع التي تأكل الميتات ويسيل فيه من ريقها ولعابها فأجابه بقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" [13] وأراد بهذا اللفظ أن يبين لأمته أن الماء إذا بلغ خمسمائة رطل بالعراقي لا ينجس إلا بالتغيير، وما نقص ينجس بالملاقاة، وصار كما وصفنا؛ فمن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وقال ما لا يعلم وتكلم فيما سُكت عنه، واتبع المتشابه وجعل المتشابه من الحرام البين، ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه؛ ويرينا الباطل باطلا ويوفقنا لاجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.

وهذه القواعد تدخل في جميع أنواع العلوم الدينية عامة وفي علم الفقه من كتاب الطهارة إلى باب الإقرار خاصة. والله أعلم.

أنهاه بقلمه الفقير إلى الله: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الوهاب نقلا من خط حسين بن حسن ابن حسين بن المصنف رحمة الله عليَّ ووالديّ وعليه ووالديه ولمن دعا لهم والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، آمين ثم آمين ثم آمين، وصلى الله على محمد وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه وسلم.

وقال أيضا: ومن أعظم ما منّ الله به عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته إعطاء جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خصه الله بالحكمة الجامعة، ومن فهم هذه المسألة فهما جيدا فهم قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. وهذه الكلمة أيضا من جوامع الكلم إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما أوصانا به في قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" [14] وتفهّم أيضا معنى قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.

فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله أي إلى كتاب الله، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي إلى سنته، علمنا قطعا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما نازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل النزاع.

وقال أيضا: إذا اختلف كلام أحمد وكلام الأصحاب فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله وإلى رسوله لا إلى كلام أحمد ولا إلى كلام الأصحاب، ولا إلى الراجح من ذلك؛ بل قد يكون الراجح والمرجح من الروايتين والقولين خطأ قطعا، وقد يكون صوابا، وقولك إذا استدل كل منهما بدليل فالأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل الصواب يصدق بعضه بعضا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل إما يستدل بحديث لم يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا. وبالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه؛ فإن لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه.

وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة، فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ يُنَبَّه على خطئه، وينكر عليه؛ وإن أريدَ بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفا لمذهبه أو لعادة الناس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كله داخل في قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.

وأما قول من قال اتفاق العلماء حجة فليس المراد الأئمة الأربعة بل إجماع الأمة كلهم، وهم علماء الأمة، وأما قولهم اختلافهم رحمة، فهذا باطل بل الرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب كما قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}. ولما "سمع عمر ابن مسعود وأبيا اختلفا في صلاة الرجل في الثوب الواحد، صعد المنبر وقال: اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أجد اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا فعلت وفعلت". لكن قد روي عن بعض التابعين أنه قال: "ما أحسب اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للناس لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة" ومراده شيء آخر غير ما نحن فيه، ومع هذا فهو قول مستدرك، لأن الصحابة ذكروا اختلافهم عقوبة وفتنة.

وقال أيضا: قد تبين لكم في غير موضع أن دين الإسلام حق بين باطلين وهدى بين ضلالتين، وهذه المسائل وأشباهها مما يقع الخلاف فيه بين السلف والخلف من غير نكير من بعضهم على بعض، فإذا رأيتم من يعمل ببعض هذه الأقوال المذكورة بالمنع، مع كونه قد اتقى الله ما استطاع لم يحل لأحد الإنكار عليه، اللهم إلا أن يتبين الحق فلا يحل لأحد أن يتركه لقول أحد من الناس، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص.

فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطؤوا لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله، هذا طريق المنعم عليهم وأما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. واتخاذهم أربابا من دون الله وإذا قيل: قال الله قال رسول الله قال: هم أعلم منا بهذا، هو طريق الضالين. ومن أهم ما على العبد وأنفع ما يكون له معرفة قواعد الدين على التفصيل، فإن أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، وَيَدَعُها عند التفصيل.

وقال أيضا: اختلفوا في الكتاب وهل يجب تعلمه واتباعه على المتأخرين لإمكانه، أم لا يجوز للمتأخرين لعدم إمكانه؟

فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً} الآية، وقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} وقوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}.

وسئل عن قول الشيخ تقي الدين: ولتكن همته فهم مقاصد الرسول، في أمره ونهيه، ما صورته؟

فأجاب: مراده ما شاع وذاع أن الفقه عندهم هو الاشتغال بكتاب فلان وفلان، فمراده التحذير من ذلك.

وقال أيضا: كذلك غيركم إنما اتباعه لبعض المتأخرين لا الأئمة، فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة، وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف ذلك من عرفه.

وقال أيضا: ذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله قواعد الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن أمرين وأراد أحد يأخذ بأحدهما ويترك الآخر، أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا، وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وقال: "كل منكما محسن" فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية.

الثانية إذا أمّ رجل قوما وهم يرون القنوت أو يرون الجهر بالبسملة وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن ويصير المفضول هو الفاضل. [15]


هامش

  1. متفق عليه
  2. متفق عليه
  3. مسلم
  4. مسلم
  5. متفق عليه
  6. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
  7. متفق عليه
  8. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
  9. مسلم
  10. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
  11. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
  12. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والدارمي
  13. أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والدارمي
  14. أبو داود والدارمي
  15. الشيخ عبد الرحمن بن قاسم "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جزء 4 ط الثانية وهو يشير إلى جوابه على مسائل متفرقة في الزكاة - وختمه بقوله: والله أعلم. كتبه محمد بن عبد الوهاب وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ومن خط من نقله من خط الشيخ محمد نقلت وذلك آخر سنة 1343.