إحياء علوم الدين/كتاب شرح عجائب القلب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إحياء علوم الدين
كتاب شرح عجائب القلب
المؤلف: أبو حامد الغزالي


وهو الكتاب الأول من ربع المهلكات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تتحيز دون إدراك جلاله القلوب والخواطر، وتدهش في مبادئ إشراق أنواره الأحداث والنواظر، المطلع على خفيات السرائر، العالم بمكنونات االضمائر، المستغني في تدبير مملكته عن المشاور والموازر، مقلب القلوب وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومفترج الكروب.

والصلاة على سيد المرسلين، وجامع شمل الدين، وقاطع دابر الملحدين. وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم كثيراً.

أما بعد: فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه، التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره، وفي الآخرة عدته وذخره، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه؛ فالقلب هو العالم بالله. وهو المتقرب إلى الله؛ وهو العامل لله، وهو الساعي إلى الله، وهو المكاشف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات، يستخدمها القلب ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة؛ فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً بغير الله، وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه؛ وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره؛ وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه، إذ كل إناء ينضح بما فيه، وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه، ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل، إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه. وحيلولته بأن بمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين مع أصابع الرحمن، وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين. ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيه "نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين.

وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري على الجوارح من العبادات والعادات - وهو العلم الظاهر، ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات - وهو العلم الباطن؛ فلا بد أن نقدم عليه كتابين: كتاباً في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه، وكتاباً في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه. ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات.

فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام، فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام.

بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل

وما هو المراد بهذه الأسامي

اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب، ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة. ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا:

اللفظ الأول: لفظ القلب، وهو يطلق لمعنيين "أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه، ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته، إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية. وهذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت. ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك؛ فإنه قطعة لحم لا قدر له، وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين. "والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب. ولها علاقة مع القلب الجسماني، وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته؛ فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة. أو تعلق المتمكن بالمكان، وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين: أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة، وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة والثاني أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليس لغيره أن يتكلم فيه، والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها.

اللفظ الثاني: الروح، وهو أيضاً يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين: أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن، وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت؛ فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه، والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى: وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب، وليس شرحه من غرضنا، إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان؛ فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين، فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلاً. المعنى الثاني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله "قل الروح من أمر ربي وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته.

اللفظ الثالث: النفس، وهو أيضاً بين معان، ويتعلق بغرضنا منه معنيان: "أحدهما" أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التوصف؛ لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان، فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" . "المعنى الثاني" هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة، وهي نفس الإنسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها؛ فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. قال الله تعالى في مثلها "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية" والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى؛ فإنها مبعدة عن الله، وهي من حزب الشيطان. وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة؛ لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه. قال الله تعالى "ولا أقسم بالنفس اللوامة" وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء. قال الله تعالى إخباراً عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء" وقد يجوز أن يقال: المراد بالأمارة بالسوء: هي النفس بالمعنى الأول، فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.

اللفظ الرابع: العقل، وهو أيضاً مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم، والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان: "أحدهما" أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب. "والثاني" أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة. ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه، والعلم صفة حالة فيه، والصفة غير الموصوف، والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم:" أول ما خلق الله العقل": فإن العلم عرض لا يتصور أن يكون أول مخلوق، بل لا بد وأن يكون المحل مخلوقاً قبله أو معه، ولأنه لا يمكن الخطاب معه. وفي الخبر: أنه قال له تعالى أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر.. الحديث.

فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة: وهي القلب الجسماني، والروح الجسماني، والنفس الشهوانية، والعلوم. فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة، ومعنى خامس: وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان. والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها، فالمعاني خمسة، والألفاظ أربعة، وكل لفظ أطلق لمعنيين، وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها؛ فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل، وهذا خاطر الروح، وهذا خاطر القلب، وهذا خاطر النفس، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء، ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي، وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر، لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة، فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب، فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها، ولذلك شبه سهل التستري القلب بالعرش، والصدر بالكرسي فقال: القلب هو العرش والصدر هو الكرسي، ولا يظن به أنه يرى أنه عرش الله وكرسيه فإنه ذلك محال، بل أراد به أنه مملكة الإنسان والمجرى الأول لتدبيره وتصرفه، فهمابالنسبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى، ولا يستقيم هذا التشبيه أيضاً إلا من بعض الوجوه، وشرح ذلك أيضاً لا يليق بغرضنا فلنجاوزه.

بيان جنود القلب

قال الله تعالى "وما يعلم جنود ربك إلا هو" فلله سبحانه في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنود مجندة لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو. ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب، فهو الذي يتعلق بغرضنا. وله جندان: جند يرى بالأبصار، وجند لا يرى إلا بالبصائر، وهو في حكم الملك، والجنود في حكم الخدم والأعوان، فهذا معنى الجند: فأما جنده المشاهد بالعين فهو اليد والرجل والعين والأذن واللسان وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة، فإن جميعها خادمة للقلب ومسخرة له، فهو المتصرف فيها والمردد لها، وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافاً ولا عليه تمرداً، فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء. وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى، فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافاً، بل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما يفترقان في شيء: وهو أن الملائكة عليهم السلام عالمة بطاعتها وامتثالها، والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والإنطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب، وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق، وهو السفر إلى الله سبحانه وقطع المنازل إلى لقائه، فلأجله خلقت القلوب. قال الله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" وإنما مركبه البدن وزاده العلم. وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح، وليس يمكن العبد أن يصل إلى الله سبحانه ما لم يسكن البدن ولم يجاوز الدنيا، فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى، فالدنيا مزرعة الآخرة، وهي منزل من منازل الهدى، وإنما سميت دنيا: لأنها أدنى المنزلتين، فاضطر إلى أن يتزود من هذا العالم، فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم، فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه، وإنما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره، وأن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك، فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين: باطن: وهو الشهوة. وظاهر، وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء، فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه، وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن، وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء، وظاهر، وهو اليد والرجل اللذين بهما يعمل بمقتضى الغضب، وكل ذلك بأمور خارجة؛ فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها، ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف الغذاء لم تنفعه شهوة الغذاء وإلفه، فافتقر للمعرفة إلى جندين: باطن، وهو إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق: وظاهر، وهو العين والأذن والأنف وغيرها. وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة. وقد أشرنا إلى طرف يسير منها في كتاب الشكر فليقتنع به.

فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف: صنف باعث ومستحث: إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة، وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب، وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة. والثاني: هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد، ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة: وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار. والثالث: هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس: وهو قوة البصر والسمع والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في أعضاء معينة، ويعبر عن هذا بالعلم والإدراك، ومع كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة وهي الأعضاء المركبة من الشحم واللحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود، فإن قوة البطش إنما هي بالأصابع، وقوة البصر إنما هي بالعين، وكذا سائر القوى، ولسنا نتكلم في الجنود الظاهرة أعني الأعضاء فإنها من عالم الملك والشهادة، وإنما نتكلم الآن فيما أيدت به من جنود لم تروها. وهذا الصنف الثالث وهو المدرك من هذه الجملة ينقسم إلى ما قد أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس: أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس وإلى ما سكن منازل باطنة: وهي تجاويف الدماغ، وهي أيضاً خمسة، فإن الإنسان بعد رؤية الشيء يغمض عينه فيدرك صورته في نفسه وهو الخيال، ثم تبقى تلك الصورة معه بسبب شيء يحفظه وهو الجند الحافظ، ثم يتفكر فيما حفظة فيركب بعض ذلك إلى البعض، ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه، ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في خياله بالحس المشترك بين المحسوسات؛ ففي الباطن حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ، ولولا خلق الله قوة الحفظ والفكر والذكر والتخيل لكان الدماغ يخلوا عنه كما تخلو اليد والرجل عنه؛ فتلك القوى أيضاً جنود باطنة وأماكنها أيضاً باطنه، فهذه هي أقسام جنود القلب، وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول. ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء، ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم.

بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة

اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقياداً تاماً، فيعينه ذلك على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده، وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد حتى يملكاه ويستعبداه، وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد، وللقلب جند آخر: وهو العلم والحكمة والتفكر، كما سيأتي شرحه، وحقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب الله تعالى على الجندين الآخرين، فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان. فإن ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقيناً وخسر خسراناً مبيناً، وذلك حالة أكثر الخلق، فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة، وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم فيما يفتقر العقل إليه، ونحن نقرب إلى فهمك بثلاثة أمثلة:

المثال الأول: أن نقول: مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها، وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل. والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة. والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل، وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة، كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنياً في تدبيراته بوزيره مستشيراً له ومعرضاً عن إشارة هذا العبد الخبيث، مستدلاً بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه، أدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمراً له مسلطاً من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره، حتى يكون العبد مسوساً لا سائساً، ومأموراً مدبراً لا أميراً مدبراً، استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه؛ فكذا النفس متى استعانت بالعقل، وأدبت بحمية الغضب، وسلطتها على الشهوة، واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها، اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها، ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم" وقال تعالى "واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث" وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوي" وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى.

المثال الثاني: اعلم أن البدن كالمدينة والعقل - أعني المدرك - من الإنسان كملك مدبر لها، وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته، والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته، فصار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن هو جاهد عدوه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال الله تعالى "والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة" وإن ضيع ثغره وأعمل رعيته وذم أثره فانتقم منه عند الله تعالى فيقال له يوم القيامة: يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك كما ورد في الخبر. وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله له صلى الله عليه وسلم "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".

المثال الثالث: مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حاذقاً وفرسه مروضاً وكلبه مؤدباً معلماً كان جديراً بالنجاح، ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحاً والكلب عقوراً فلا فرسه ينبعث تحته منقاداً ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعاً فهو خليق بأن يعطب فضلاً عن أن ينال ما طلب، وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته، وجماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصاً شهوة البطن والفرج، وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه. نسأل الله حسن التوفيق بلطفه.

بيان خاصية قلب الإنسان

اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي؛ إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة أيضاً، حتى إن الشاة ترى الذئب بعينها نتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فلذلك هو الإدراك الباطن.

فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان، ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب من الله تعالى. وهو راجع إلى علم وإرادة:

أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية فإن هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشاركه فيها الحيوانات، بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة، وهذا حكم منه على كل شخص. ومعلوم أنهذ لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص فحكمه على جميع الأشخاص زائد على ما أدركه الحس. وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر.

وأما الإرادة فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها، وذلك غير إرادة الشهوة وإرادة الحيوانات بل يكون على ضد الشهوة. فإن الشهوة تنفر عن الفصد والحجامة، والعقل يريدها ويطلبها ويبذل المال فيها. والشهوة تميل إلى لذائذ الأطعمة في حين المرض والعاقل يجد في نفسه زاجراً عنها، وليس ذلك زاجر الشهوة. ولو خلق الله العقل المعرف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعاً على التحقيق.

فإذن قلب الإنسان اختص بعلم وإرادة ينفك عنها سائر الحيوان بل ينفك عنها الصبي في أول الفطرة وإنما يحدث ذلك فيه بعد البلوغ. وأما الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فإنها موجودة في حق الصبي.

ثم الصبي في حصول هذه العلوم فيه له درجتان؛ إحداهما: أن يشتمل قلبه على سائر العلوم الضرورية الأولية؛ كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة فتكون العلوم النظرية فيها غير حاصلة إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول، ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم كحال الكاتب الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد.

الثانية: أن تتحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده، فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب وإن لم يكن مباشراً للكتابة بقدرته عليها. وهذه هي غاية درجة الإنسانية. ولكن في هذه الدرجة مراتب لا تحصى يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها؛ إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة، ولبعضهم بتعلم واكتساب، وقد يكون سريع الحصول وقد يكون بطيء الحصول. وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء، فدرجات الترقي فيه غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه لا نهاية لها. وأقصى الرتب رتبة النبي الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف، بكشف إلهي في أسرع وقت، وبهذه السعادة يقرب العبد العبد من الله تعالى قرباً بالمعنى والحقيقة والصفة لا بالمكان والمسافة ومراقى هذه الدرجة هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل، وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنزل.

فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علماً ولكن قد يصدق به إيماناً بالغيب، كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي، وكما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من العلوم الضرورية، ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد ولكن إنما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة - كما سيأتي بيانه - وإلى هذا الجود الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له"? وبقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه عز وجل "لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقاً وبقوله تعالى "من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً" كل ذلك إشارة إلى أن أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم - تعالى عن البخل والمنع علواً كبيراً - ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب فإن القلوب كالأواني فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء فالقلوب المشغولة لغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله تعالى. وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة.

وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله وصفاته وأفعاله فيه كمال الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال. فالبدن مركب للنفس، والنفس محل للعلم، والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته التي لأجله خلق. وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقاً لأجل تلك الخاصية، فإن تعطلت منه نزل إلى حضيض رتبة الحمار. وكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ويفارقها في أمور هي خاصيته وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين من رب العالمين. والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة، فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل فنبات، ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان، ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط، وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء.

من استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل فقد تشبه بالملائكة؛ فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكاً وربانياً كما أخبر الله تعالى عن صواحبات يوسف عليه السلام بقوله "ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم".

ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمراً كثور، وإما شرهاً كخنزير. وإما ضرياً ككلب أو سنور، أو حقوداً كجمل. أو متكبراً كنمر، أو ذاروغان كثعلب، أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد.

وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على طريق الوصول إلى الله تعالى - كما سيأتي بيان طرف منه في كتاب الشكر- فمن استعمله فيه فقد فاز، ومن عدل عنه فقد خسر وخاب. وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده، والدار الآخرة مستقره، والدنيا منزله، والبدن مركبه، والأعضاء خدمه. فيستقر هو - أعني المدرك من الإنسان - في القلب الذي هو وسط مملكته كالملك، ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريده إذ تجتمع أخبار المحسوسات عنده، ويجري القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى خازنه، ويجري اللسان مجرى ترجمانه، ويجري الأعضاء المتحركة مجرى كتابه، ويجري الحواس الخمس مجرى جواسيسه فيوكل كل واحد منها بأخبار صقع من الأصقاع؛ فيوكل العين بعالم الألوان، والسمع بعالم الأصوات، والشم بعالم الروائح. وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم ويؤدونها إلى القوة الخيالية التي هي كصاحب البريد، ويسلمها صاحب البريد إلى الخازن وهي الحافظة، ويعرضها الخازن على الملك فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في تدبير مملكته وإتمام سفره الذي هو بصدده، وقمع عدوه الذي هو مبتلي به، ودفع قواطع الطريق عليه فإذا فعل ذلك كان موفقاً سعيداً شاكراً نعمة الله وإذا عطل هذه الجملة أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه وهي الشهوة والغضب وسائر الحظوظ العاجلة، أو في عمارة طريقه دون منزله إذ الدنيا طريقه التي عليها عبوره، ووطنه ومستقره الآخرة؛ كان مخذولاً شقياً كافراً بنعمة الله تعالى مضيعاً لجنود الله تعالى ناصراً لأعداء الله مخذلاً لحزب الله فيستحق المقت والإبعاد في المنقلب والمعاد. نعوذ بالله من ذلك.

وإلى المثال الذي ضربناه أشار كعب الأحبار حيث قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت؛ الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريد والقلب منه ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده، فقلت: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. وقال علي رضي الله عنه في تمثيل القلوب: إن لله تعالى في أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها: ثم فسره فقال: أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان، وهو إشارة إلى قوله تعالى "أشداء على الكفار رحماء بينهم" وقوله تعالى "مثل نوره كمشكاة فيها مصباح" قال أبي بن كعب رضي الله عنه: معناه مثل نور المؤمن وقلبه وقوله تعالى "أو كظلمات في بحر لجى" مثل قلب المنافق. وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى "في لوح محفوظ" وهو قلب المؤمن. وقال سهل: مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي فهذه أمثلة القلب.

بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته

اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب، فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف وهي: الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية. فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم. ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره. ومن حيث أنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى "قل الروح من أمر ربي" فإنه يدعى لنفسه الربوبية، ويحب الاستيلاء، والاستعلاء، والتخصص، والاستبداد بالأمور كلها، والتفرد بالرياسة، والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها؛ بل يدعي لنفسه العلم، والمعرفة، والإحاطة بحقائق الأمور، ويفرح إذا نسب إلى العلم، ويحزن إذا نسب إلى الجهل، والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية، وفي الإنسان حرص على ذلك. ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريراً يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر، ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع، ويظهر الشر في معرض الخير، وهذه أخلاق الشياطين.

وكل إنسان فيه شوب من هذه الأصول الأربعة - أعني الربانية والشيطانية والسبعية والبهيمية - وكل ذلك مجموع في القلب. فكأن المجموع في إهاب الإنسان: خنزير وكلب وشيطان وحكيم.

فالخنزير هو الشهوة فإنه لم يكن الخنزير مذموماً للونه وشكله وصورته بل لجشعهوكلبه وحرصه.

والكلب هو الغضب فإن السبع الضاري والكلب العقور ليس كلباً وسبعاً باعتبار الصورة اللون والشكل، بل روح معنى السبعية الضراوة والعدوان والعقر، وفي باطن الإنسان ضراوة السبع وغضبه وحرص الخنزير وشبقه، فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر والسبع بالغضب إلى الظلم والإيذاء.

والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير وغيظ السبع ويغري أحدهما بالآخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه.

والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح، وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهوراً تحت سياسته، فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه، فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضى الكلب فيكون دائماً في عبادة كلب وخنزير.

وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همتهم البطن والفرج ومنافسة الأعداء، والعجب منه أن ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة، ولو كشف الغطاء عنه وكوشف بحقيقة حاله ومثل له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو اليقظة لرأى نفسه ماثلاً بين يدي خنزير ساجداً له مرة وراكعاً أخرى ومنتظراً لإشارته وأمره. فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته وإحضار شهوته، أو رأى نفسه مثلاً بين يدي كلب عقور عابداً له مطيعاً سامعاً لما يقتضيه ويلتمسه مدققاً بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده، ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعياً طول النهار في عبادة هؤلاء، وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكاً والرب مربوباً والسيد عبداً والقاهر مقهوراً، إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طابعاً وريناً مهلكاً للقلب ومميتاً له، أما طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحسد والحقد والشماتة وغيرها. وأما طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التهور والبذالة والبذخ والصلف والاستشاطة والتكبر والعجب والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق وإرادة الشر وشهوة الظلم وغيرها. وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب فيحصل منها صفة المكر والخداع والحيلة والدهاء والجراءة والتلبيس والتضريب والغش والخب والخنا وأمثالها. ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية: لاستقر في القلب من الصفات الربانية العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه، والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة، واستحقاق التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله، ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب، ولانتشر إليه من ضبط خنزير الشهوة ورده إلى حد الاعتدال صفات شريفة مثل العفة والقناعة والهدو والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف والمساعدة وأمثالها، ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها وردها إلى حد الواجب صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو والثبات والنبل والشهامة والوقار وغيرها.

فالقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه، وهذه الآثار على التواصل واصلة إلى القلب. أما الآثار المحمودة التي ذكرناها فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقاً ونوراً وضياءً حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين، وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من قلبه وبقوله صلى الله عليه وسلم "من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوباً عن الله تعالى، وهو الطبع وهو الرين قال تعالى "كلا بل وإن على قلوبهم ما كانوا يكسبون" وقال عز وجل "أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون" فربط عدم السماع بالطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى فقال تعالى "واتقوا الله واسمعوا واتقوا الله ويعلمكم الله".

ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق صلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها. فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك "يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور" وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة.

قال ميمون بن مهران: إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكته سوداء فإذا هو نزع وتاب صقل، وإن عاد زيد فيها حتى يعلوا قلبه فهو الران وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس فطاعة الله سبحانه بمخالفة الشهوات مصقلة للقلب، ومعاصيه مسودات له فمن أقبل على المعاصي اسود قلبه، ومن اتبع السيئة الحسنة ومحا أثرها لم يظلم قلبه، ومن أتبع السيئة الحسنة ومحا أثرها لم يظلم قلبه، ولكن ينقص نوره كالمرآة التي يتنفس فيها ثم تمسح ويتنفس ثم تمسح، فإنها لا تخلو عن كدورة. وقد قال صلى الله عليه وسلم "القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر وقلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلبت عليه حكم له بها? وفي رواية: ذهبت به. قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا. فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى.

بيان مثل القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة

اعلم أن محل العلم هو القلب؛ أعني اللطيفة المدبرة لجميع الجوارح وهي المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء، وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات؛ فكما أن للمتلون صورة ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها، كذلك لكل معلوم حقيقة ولتلك الحقيقة صورة ينطبع في مرآة القلب وتتضح فيها، وكما أن المرآة غير وصور الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور. فكذلك ههنا ثلاثة أمور القلب، وحقائق الأشياء، وحصول نفس الحقائق في القلب وحضورها فيه.

فالعالم عبارة عن القلب الذي فيه يحل مثال حقائق الأشياء، والمعلوم عبارة عن حقائق الأشياء. والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة.

وكما أن القبض مثلاً يستدعي قابضاً كاليد ومقبوضاً كالسيف، ووصولاً بين السيف واليد -بحصول السيف في اليد- ويسمى قبضاً فكذلك وصول مثال المعلوم إلى القلب يسمى علماً، وقد كانت الحقيقة موجودة والقلب موجوداً ولم يكن العالم حاصلاً، لأن العلم عبارة عن وصول الحقيقة إلى القلب، كما أن السيف موجود واليد موجودة ولم يكن اسم القبض والأخذ حاصلاً لعدم وقوع السيف في اليد، نعم القبض عبارة عن حصول السيف بعينه في اليد والمعلوم بعينه لا يحصل في القلب، فمن علم النار لم تحصل عين النار في قلبه، ولكن الحاصل حدها وحقيقتها المطابقة لصورتها، فتمثيله بالمرآة أولى لأن عين الإنسان لا تحصل في المرآة وإنما يحصل مثال مطابق له. وكذلك حصول مثال مطابق لحقيقة المعلوم في القلب يسمى علماً.

وكما أن المرآة لا تنكشف فيها الصورة لخمسة أمور أحدها نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل. والثاني لخنثه وصدئه وكدورته وإن كان تام الشكل. والثالث لكونه معدولاً به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة وراء المرآة. والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة. والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذى بها شطر الصورة وجهتها.

فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلى فيها حقيقة الحق في الأمور كلها، وإنما خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فإنه لا ينجلى له المعلومات لنقصانه. والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه. وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "من قارف ذنباً فارقه عقل لا يعود إليه أبدا" أي حصل في قلبه كدورة لا يزول أثرها إذ غايته أن يتبعه بحسنة يمحوه بها، فلو جاء بالحسنة ولم تتقدم السيئة لازداد لا محالة إشراق القلب فلما تقدمت السيئة سقطت فائدة الحسنة لكن عاد القلب بها إلى ما كان قبل السيئة ولم يزدد بها نوراً. فهذا خسران مبين ونقصان لا حيلة له فليست المرآة التي تتدنس ثم تمسح بالمصقلة كالتي تمسح بالمصقلة لزيادة جلائها من غير دنس سابق? فالإقبال على طاعة الله والإعراض عن مقتضى الشهوات هو الذي يجلو القلب ويصفيه ولذلك قال الله تعالى "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" وقال صلى الله عليه وسلم "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم".

الثالث أن يكون معدولاً به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن قلب المطيع الصالح وإن كان صافياً فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذياً بمرآته شطر المطلوب. بل يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو بتهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكراً فيها، أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها. وإذا كان تقييد الهم بالأعمال وتفصيل الطاعات مانعاً عن انكشاف جليه الحق فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات الدنيوية ولذاتها وعلائقها فكيف لا يمنع عن الكشف الحقيقي?.

الرابع: الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوباً عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن، فإن ذلك يحول بينه وبين حقيقة الحق ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد. وهذا أيضاً حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب، بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السموات والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجاباً بينهم وبين درك الحقيقة.

الخامس: الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيباً مخصوصاً يعرفه العلماء بطرق الاعتبار فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فتنجلى حقيقة المطلوب لقلبه، فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم لا يحصل إلا من علمين سابقين يأتلفا ويزدوجان على وجه الخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على مثال ما يحصل النتاج من ازدواج الفحل والأنثى. ثم كما أن من أراد أن يستنتج رمكة لم يمكنه ذلك من حمار وبعير وإنسان بل من أصل مخصوص من الخيل الذكر والأنثى، وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص. فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان وبينهما طريق في الازدواج يحصل من ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب، فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج هو المانع من العلم. ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها، بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلاً بالمرآة فإنه إذا رفع المرآة بإزاء وجهه لم يكن قد حاذى بها شطر القفا فلا يظهر فيها القفا، وإن رفعها وراء القفا حاذاه كان قد عدل بالمرآة عن عينه فلا يرى المرآة ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى مرآة أخرى ينصبها وراء القفا، وهذه في مقابلتها بحيث يبصرها ويراعى مناسبة بين وضع المرآتين حتى تنطبع صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا، ثم تنطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين، ثم تدرك العين صورة القفا، فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازورارات وتحريفات أعجب مما ذكرناه في المرآة يعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك الازورارات. فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور. وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف. وإليه الإشارة بقوله عز وجل "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان" إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السموات والأرض والجبال بها صار مطيقاً لحمل أمانة الله تعالى. وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب التي ذكرناها. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء" إشارة إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلوب وبين الملكوت.

وإليه الإشارة بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله، يا رسول الله أين الله في الأرض أو في السماء? قال في قلوب عباده المؤمنين، وفي الخبر "قال الله تعالى: لم يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع" وفي الخبر "أنه قيل يا رسول الله من خير الناس فقال "كل مؤمن مخموم القلب" فقيل: وما مخموم القلب? فقال "هو التقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر ولا غل ولا حسد ولذلك قال عمر رضي الله عنه: رأى قلبي ربي. إذ كان قد رفع الحجاب بالتقوى، ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه فيرى جنة عرض بعضها السموات والأرض، أما جملتها فأكثر سعة من السموات والأرض لأن السموات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف فهو متناه على الجملة، وأما عالم الملكوت وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بإدراك البصائر فلا نهاية له، نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه ولكنه في نفسه بالإضافة إلى علم الله لا نهاية له. وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة تسمى الحضرة الربوبية لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله، ومملكته وعبيده من أفعاله، فما يتجلى من ذلك للقلب هي الجنة بعينها عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق، ويكون سعة ملكه في الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من الله وصفاته وأفعاله. وإنما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه "قد أفلح من زكاها" ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أعني إشراق نور المعرفة وهو المراد بقوله تعالى "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه".

نعم هذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب المرتبة الأولى إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض. والثانية إيمان المتكلمين وهو ممزوج بنوع استدلال، ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام والثالثة إيمان العارفين وهو المشاهد بنور اليقين.

ونبين لك هذه المراتب بمثال: وهو أن تصديقك بكون زيد مثلاً في الدار له ثلاث درجات.

الأولى: أن يخبرك من جربته بالصدق ولم تعرفه بالكذب ولا اتهمته في القول، فإن قلبك يسكن إليه ويطمئن بخبره بمجرد السماع، وهذا الإيمان بمجرد التقليد، وهو مثل إيمان العوام فإنهم لما بلغوا سن التمييز سمعوا من آبائهم وأمهاتهم وجود الله تعالى وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته وبعثة الرسل وصدقهم وما جاءوا به، وكما سمعوا به قبلوه وثبتوا عليه واطمأنوا إليه، ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه لهم لحسن ظنهم بآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم، وهذا الإيمان سبب النجاة في الآخرة وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين وليسوا من المقربين لأنه ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين، إذ الخطأ ممكن فيما سمع من الآحاد بل من الأعداد فيما يتعلق بالاعتقادات، فقلوب اليهود والنصارى أيضاً مطمئنة بما يسمعونه من آبائهم وأمهاتهم إلا أنهم اعتقدوا ما اعتقدوا خطأ لأنهم ألقي إليهم الخطأ، والمسلمون اعتقدوا الحق لا لاطلاعهم عليه ولكن ألقي إليهم كلمة الحق.

الرتبة الثانية: أن تسمع كلام زيد وصوته من داخل الدار ولكن من وراء جدار فتستدل به على كونه في الدار فيكون إيمانك وتصديقك ويقينك بكونه في الدار أقوى من تصديقك بمجرد السماع، فإنك إذا قيل لك إنه في الدار ثم سمعت صوته ازددت به يقيناً لأن الأصوات تدل على الشكل والصورة عند من يسمع الصوت في حال مشاهدة الصورة، فيحكم قلبه بأن هذا صوت ذلك الشخص؛ وهذا إيمان ممزوج بدليل والخطأ أيضاً ممكن أن يتطرق إليه، إذ الصوت قد يشبه الصوت وقد يمكن التكلف بطريق المحاكاة إلا أن ذلك قد لا يخطر ببال السامع لأنه ليس يجعل للتهمة موضعاً ولا يقدر في هذا التلبيس والمحاكاة غرضاً.

الرتبة الثالثة: أن تدخل فتنظر إليه بعينك وتشاهده؛ وهذه هي المعرفة الحقيقية والمشاهدة اليقينية وهي تشبه معرفة المقربين والصديقين لأنهم يؤمنون عن مشاهدة فينطوي في إيمانهم إيمان العوام والمتكلمين، ويتميزون بمزية بينة يستحيل معها إمكان الخطأ. نعم وهم أيضاً يتفاوتون بمقادير العلوم وبدرجات الكشف.

أما درجات الكشف فمثاله أن يبصر زيداً في الدار عن قرب وفي صحن الدار في وقت إشراق الشمس فيكمل له إدراكه والآخر يدركه في بيت أو من بعد أو في وقت عشية فيتمثل له في صورته ما يستيقن معه أنه هو؛ ولكن لا يتمثل في نفسه الدقائق والخفايا من صورته. ومثل هذا متصور في تفاوت المشاهدة للأمور الإلهية.

وأما مقادير العلوم فهو بأن يرى في الدار زيداً وعمراً وبكراً غير ذلك وآخر لا يرى إلا زيداً فمعرفة ذلك تزيد بكثرة المعلومات لا محالة. فهذا حال القلب بالإضافة إلى العلوم والله تعالى أعلم بالصواب.

بيان حال القلب

بالإضافة إلى أقسام العلوم العقلية والدينية والدنيوية والأخروية

اعلم أن القلب بغريزته مستعد لقبول حقائق المعلومات كما سبق ولكن العلوم التي تحل فيه تنقسم إلى عقلية وإلى شرعية. والعقلية تنقسم إلى ضرورية ومكتسبة. والمكتسبة إلى دنيوية وأخروية.

أما العقلية: فنعني بها ما تقضي بها غريزة العقل ولا توجد بالتقليد والسماع؛ وهي تنقسم إلى ضرورية: لا يدري من أين حصلت وكيف حصلت? كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً موجوداً معدوماً معاً؛ فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطوراً عليها ولا يدري متى حصل له هذا العلم ولا من أين حصل له? أعني أنه لا يدري له سبباً قريباً، وإلا فليس يخفى عليه أن الله هو الذي خلقه وهداه.

وإلى علوم مكتسبة: وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال. وكلا القسمين قد يسمى عقلاً.

قال علي رضي الله عنه: رأيت العقل عقلـين فمطبوع ومسمـوع

ولا ينفع مسـمـوع إذا لم يك مطبـوع

كما لا تنفع الشمـس وضوء العين ممنوع

والأول هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي "ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل" والثاني هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه "إذا تقرب الناس إلى الله تعالى بأنواع البر فتقرب أنت بعقلك" إذ لا يمكن التقرب بالغريزة الفطرية ولا بالعلوم الضرورية بل بالمكتسبة. ولكن مثل على رضي الله عنه هو الذي يقدر على التقرب باستعمال العقل في اقتناص العلوم التي بها ينال القرب من رب العالمين، فالقلب جار مجرى العين وغريزة العقل فيه جارية مجرى قوة البصر في العين، وقوة الإبصار لطيفة تفقد في العمى وتوجد في البصر وإن كان قد غمض عينيه أو جن عليه الليل، والعلم الحاصل منه في القلب جار مجرى قوة إدراك البصر في العين ورؤيته لأعيان الأشياء. وتأخر العلوم عن عين العقل في مدة الصبا إلى أوان التمييز أو البلوغ يضاهي تأخر الرؤية عن البصر إلى أوان إشراق الشمس وفيضان نورها على المبصرات. والقلم الذي سطر الله به العلوم على صفحات القلوب يجري مجرى قرص الشمس. وإنما لم يحصل العلم في قلب الصبي قبل التمييز لأن لوح قلبه لم يتهيأ بعد لقبول نفس العلم. والقلم عبارة عن خلق من خلق الله تعالى جعله سبباً لحصول نفس العلوم في قلوب البشر قال الله تعالى "الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" وقلم الله تعالى لا يشبه قلم خلقه كما لا يشبه وصفه وصف خلقه، فليس قلمه من قصب ولا خشب كما أنه تعالى ليس من جوهر ولا عرض؛ فالموازنة بين البصيرة الباطنة والبصر الظاهر صحيحة من هذه الوجوه إلا أنه لا مناسبة بينهما في الشرف؛ فإن البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة، وهي كالفارس والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس بل لا نسبة لأحد الضررين إلى الآخر. ولموازنة البصيرة الباطنة للبصر الظاهر سماه الله تعالى باسمه فقال "ما كذب الفؤاد ما رأى" سمى إدراك الفؤاد رؤية وكذلك قوله تعالى "وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض" وما أراد به الرؤية الظاهرة فإن ذلك غير مخصوص بإبراهيم عليه السلام حتى يعرض في معرض الامتنان، ولذلك سمي ضد إدراكه عمى فقال تعالى "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب في الصدر" وقال تعالى "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً" فهذا بيان العلم العقلي.

أما العلوم الدينية: فهي المأخوذة بطريق التقليد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وذلك يحصل بالتعلم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم معانيهما بعد السماع، وبه كمال صفة القلب وسلامته عن الأدواء والأمراض، فالعلوم العقلية غير كافية في سلامة القلب وإن كان محتاجاً إليها، كما أن العقل غير كاف في استدامة صحة أسباب البدن بل يحتاج إلى معرفة خواص الأدوية والعقاقير بطريق التعلم من الأطباء، إذ مجرد العقل لا يهتدي إليه ولكن لا يمكن فهمه بعد سماعه إلا بالعقل، فلا غنى بالعقل عن السماع ولا غنى بالسماع عن العقل. فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين وكن جامعاً بين الأصلين، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية والشخص المريض يستضر بالغذاء من فاته الدواء، فكذلك أمراض القلوب لا يمكر علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة وهي وظائف العبادات والأعمال التي ركبها الأنبياء صلوات الله عليهم لإصلاح القلوب، فمن لا يداوى قلبه المريض بمعالجات العبادة الشرعية واكتفى بالعلوم العقلية استضر بها كما يستضر المريض بالغذاء. وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة نعوذ بالله منه، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض فيعجز عن الجمع بينهما. فيظن أنه تناقض في الدين، فيتحير به فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين. وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقصاً في الدين وهيهات. وإنما مثاله مثال الأعمى الذي دخل دار قوم فتعثر فيها بأواني الدار فقال لهم: ما بال هذه الأواني تركت على الطريق لم لا ترد إلى مواضعها? فقالوا له: تلك الأواني في مواضعها! وإنما أنت لست تهتدي للطريق لعماك فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك على عماك وإنما تحيلها على تقصير غيرك? فهذه نسبة العلوم الدينية إلى العلوم العقلية.

والعلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية وأخروية. فالدنيوية: كعلم الطلب والحساب والهندسة والنجوم وسائر الحرف والصناعات. والأخروية: كعلم أحوال القلب وآفات الأعمال والعلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله -كما فصلناه في كتاب العلم- وهما علمان متنافيان -أعني أن من صرف عنايته إلى أحدهما حتى تعمق فيه قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر- ولذلك ضرب علي رضي الله عنه للدنيا والآخرة ثلاثة أمثلة فقال: هما ككفتي الميزان، وكالمشرق والمغرب، وكالضرتين إذا رضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

ولذلك ترى الأكياس في أمور الدنيا وفي علم الطب والحساب والهندسة والفلسفة جهالاً في أمور الآخرة. والأكياس في دقائق علوم الآخرة جهالاً في أكثر علوم الدنيا، لأن قوة العقل لا تفي بالأمرين جميعاً في الغالب فيكون أحدهما مانعاً من الكمال في الثاني. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "إن أكثر أهل الجنة البله أي البله في أمور الدنيا.

وقال الحسن في بعض مواعظه: لقد أدركنا أقواماً لو رأيتموهم لقلتم مجانين ولو أدركوكم لقالوا شياطين. فمهما سمعت أمراً غريباً من أمور الدين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم، فلا يغرنك جحودهم عن قبوله إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك يجري أمر الدنيا والآخرة ولذلك قال تعالى "إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها" الآية وقال تعالى "يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون" وقال عز وجل "فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم" فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدنيا والدين لا يكاد يتيسر إلا لمن رسخه الله لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس المستمدون من القوة الإلهية التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق عنها. فأما قلوب سائر الخلق فإنها إذا استقلت بأمر الدنيا انصرفت عن الآخر وقصرت عن الاستكمال فيها.

بيان الفرق بين الإلهام والتعلم

والفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق وطريق النظار

اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية - وإنما تحصل في القلب في بعض الأحول - تختلف الحال في حصولها فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدري، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم. فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاماً، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتباراً واستبصاراً. ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما يدري العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل? وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب. والأول: يسمى إلهاماً ونفثاً في الروع والثاني: يسمى وحياً وتختص به الأنبياء. والأول يختص به الأولياء والأصفياء. والذي قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختص به العلماء. وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لأن تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها، وإنما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة - التي سبق ذكرها - فهي كالحجاب المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة. وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من مرآة في مرآة تقابلها، والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد وأخرى يزول بهبوب الرياح تحركه. وكذلك قد تهب رياح الألطاف وتنكشف الحجب عن أعين القلوب فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة عند المنام فيعلم به ما يكون في المستقبل. وتمام ارتفاع الحجاب بالموت فيه ينكشف الغطاء، وينكشف أيضاً في اليقظة حتى يرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف، وأخرى على التوالي إلى حد ما. ودوامة في غاية الندور فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب، فإن ذلك ليس باختيار العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة، وإليه الإشارة بقوله تعالى "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء".

فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية. فلذلك لم يحصروا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكلوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإدارة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة.

فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. فمن كان لله كان الله له. وزعموا أن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية وتفريغ القلب منها وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن وعن العلم والولاية والجاه بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلوا بنفسه في زواية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره، بل يجتهد أن لا يخطر ببال شيء سوى الله تعالى، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلاً بلسانه: على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه، ثم يصبر عليه إلى أن يمحى أثره عن اللسان ويصادف قلبه مواظباً على الذكر ثم يواظب عليه إلى أن يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، ويبقى معنى الكلمة مجرداً في قلبه حاضراً فيه كأنه لازم له لا يفارقه وله اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحد واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس، وليس له اختيار في استجلاب رحمة الله تعالى، بل هو بما فعله صار متعرضاً لنفحات رحمة الله فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق؛ وعند ذلك إذا صدقت إرادته وصفت همته وحسنت مواظبته فلم تجاذبه شهواته ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا تلمع لوامع الحق في قلبه، ويكون في ابتدائه كالبرق الخاطف لا يثبت؛ ثم يعود وقد يتأخر، وإن عاد فقد يثبت وقد يكون مختطفاً؛ وإن ثبت قد يطول ثباته وقد لا يطول، وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق وقد يقتصر على فن واحد. ومنازل أولياء الله تعالى فيه لا تحصر كما لا يحصى تفاوت خلقهم وأخلاقهم. وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء، ثم استعداد وانتظار فقط.

وأما النظار وذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضائه إلى هذا المقصد على الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء، ولكن استوعروا هذا الطريق واستبطؤا ثمرته واستبعدوا استجماع شروطه، وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر وإن حصل في حال فثباته أبعد منه، إذ أدنى وسواس وخاطر يشوش القلب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قلب المؤمن أشد تقلباً من القدر في غليانها" وقال عليه أفضل الصلاة والسلام "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن، وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدة طويلة إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها، فكم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال، فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض. وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعلم ذلك وصار فقيهاً بالوحي. والإلهام من غير تكرير وتعليق وأنا أيضاً ربما انتهت بي الرياضة والمواظبة إليه ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه وضيع عمره، بل هو كمن يترك طريق الكسب والحراثة رجاء العثور على كنز من الكنوز، فإن ذلك ممكن ولكنه بعيداً جداً؛ فكذلك هذا. وقالوا: لا بد أولاً من تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء فعساه ينكشف بعد ذلك بالمجاهدة.

بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس

اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس، لأن القلب أيضاً خارج عن إدراك الحس وما لبس مدركاً بالحواس تضعف الأفهام عن دركه إلا بمثال محسوس. ونحن نقرب ذلك إلى الأفهام الضعيفة بمثالين:

أحدهما: أنه لو فرضنا حوضاً محفوراً في الأرض احتمل أن يساق الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي، فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم وقد يكون أغزر وأكثر. فذلك القلب مثل الحوض، والعلم مثل الماء، وتكون الحواس الخمس مثال الأنهار. وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتلئ علماً، ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر يعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله.

فإن قلت: فكيف يتفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه? فاعلم أن هذا من عجائب أسرار القلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة بل القدر الذي يمكن ذكره أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ بل في قلوب الملائكة المقربين. فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة فكذلك فاطر السموات والأرض كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح المحفوظ ثم أخرج إلى الوجود على وفق تلك النسخة، والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس والخيال، فإن من ينظر إلى السماء والأرض ثم يغض بصره يرى صورة السماء والأرض في خياله حتى كأنه ينظر إليها، ولو انعدمت السماء وارض وبقي هو في نفسه لوجد صورة السماء والأرض في نفسه كأنه يشاهدهما وينظر إليهما، ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال. والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل في الخيال والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجاً من خيال الإنسان وقلبه. والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ.

فكأن للعالم أربع درجات في الوجود: وجود في اللوح المحفوظ وهو سابق على وجوده الجسماني، ويتبعه وجوده الحقيقي، ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي - أعني وجود صورته في الخيال - ويبتع وجوده الخيال وجوده العقلي - أعني وجود صورته في القلب وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية. والروحانية بعضها أشد روحانية من البعض؛ وهذا اللطف من الحكمة الإلهية، إذ جعل حدقتك على صغر حجمها بحيث تنطبع صورة العالم والسموات والأرض على اتساع أكنافها فيها، ثم يسري من وجودها في الحس وجود إلى الخيال، ثم منه وجود في القلب فإنك أبداً لا تدرك إلا ما هو واصل إليك، فلو لم يجعل للعالم كله مثالاً في ذاتك لما كان لك خبر مما يباين ذاتك، فسبحان من دبر هذه العجائب في القلوب والأبصار ثم أعمى عن دركها القلوب والأبصار، حتى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها وبعجائبها.

ولنرجع إلى الغرض المقصود فنقول: القلب قد يتصور أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ، كما أن العين يتصور أن يحصل فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها وتارة من النظر إلى الماء الذي يقابل الشمس ويحكي صورتها. فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ رأى الأشياء فيه وتفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من داخل الحواس، فيكون ذلك كتفجر الماء من عمق الأرض. ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجاباً له عن مطالعة اللوح المحفوظ كما أن الماء إذا اجتمع في الأنهار منع ذلك من التفجر في الأرض، وكما أن من نظر إلى الماء الذي يحكي صورة الشمس لا يكون ناظراً إلى نفس الشمس؛ فإذن للقلب بابان: باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم الملك والشهادة. وعالم الشهادة والملك أيضاً يحاكي عالم الملكوت نوعاً من المحاكاة. فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك. وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علماً يقيناً بالتأمل في عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس. وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفرد بذكر الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم "سبق المفردون" قيل ومن المفردون يا رسول الله? قال "المتنزهون بذكر الله تعالى وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافاً" ثم قال في وصفهم إخباراً عن الله تعالى فقال "ثم أقبل بوجهي عليهم أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه? ثم قال تعالى: أول ما أعطيهم أن أقذف النور في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم" ومدخل هذه الأخبار هو الباب الباطن فإذا الفرق بين علوم الأولياء والأنبياء وبين علوم العلماء والحكماء هذا وهو أن علومهم تأتي من داخل القلب من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت، وعلم الحكمة يتأتى من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك، وعجائب عالم القلب وتردده بين عالمي الشهادة والغيب لا يمكن أن يستقصى في علم المعاملة. فهذا مثال يعلمك الفرق بين مدخل العالمين.

المثال الثاني: يعرفك الفرق بين العملين، أعني عمل العلماء وعمل الأولياء: فإن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم واجتلابها إلى القلب، وأولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب وتطهيرها وتصفيتها وتصقيلها فقط، فقد حكي أن أهل الصين وأهل الروم تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة لينقش أهل الصين منها جانباً وأهل الروم جانبياً ويرخى بينهم حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ودخل أهل الصين من غير صبغ وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم فرغوا أيضاً فعجب الملك من قولهم وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ? فقيل: وكيف فرغتم من غير صبغ! فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب، فرفعوا وإذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية مع زيادة إشراق وبريق، إذ قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التقصيل؛ فكذلك عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين، وعناية الحكماء والعلماء بالاكتساب ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم، فكيفما كان الأمر فقلت المؤمن لا يموت وعلمه عند الموت لا يمحى وصفاؤه لا يتكدر وإليه أشار الحسن رحمه الله عليه بقوله: التراب لا يأكل محل الإيمان بل يكون وسيلة وقربة إلى الله تعالى.

وأما ما حصله من نفس العلم وما حصله من الصفاء والاستعداد لقبول نفس العلم فلا غنى به عنه ولا سعادة لأحد إلا بالعلم والمعرفة، وبعض السعادات أشرف من بعض كما أنه لا غنى إلا بالمال. فصاحب الدرهم غني وصاحب الخزائن المترعة غني، وتفاوت درجات السعداء بحسب تفاوت المعرفة والإيمان كما تتفاوت درجات الأغنياء بحسب قلة المال وكثرته، فالمعارف أنوار ولا يسعى المؤمنون إلى لقاء الله تعالى إلا بأنوارهم قال الله تعالى "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" وقد روي في الخبر "أن بعضهم يعطى نوراً مثل الجبل وبعضهم أصغر حتى يكون آخرهم رجلاً يعطى نوراً على إبهامقدميه فيضيء مرة وينطفئ أخرى فإذا أضاء قدم قدميه فمشى وإذا طفئ قام، ومرورهم على الصراط على قدر نورهم فمنهم من يمر طرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كالفرس إذا اشتد في ميدانه، والذي أعطي نوراً على إبهام قدمه يحبو حبواً على وجهه ويديه ورجليه يجر يداً ويعلق أخرى ويصيب جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص" الحديث فبهذا ظهر تفاوت الناس في الإيمان ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين سوى النبيين والمرسلين لرجح. فهذا أيضاً يضاهي قول القائل: لو وزن نور الشمس بنور السرج كلها لرجح؛ فإنما أحاد العوام نوره مثل نور السراج وبعضهم نوره كنور الشمع، وإيمان الصديقين كنور القمر والنجوم، وإيمان الأنبياء كالشمس. وكما ينكشف في نور الشمس صورة الآفاق مع اتساع أقطارها ولا ينكشف في نور السراج إلا زواية ضيقة من البيت فكذلك انشراح الصرد بالمعارف وانكشاف سعة الملكوت لقلوب العارفين. ولذلك جاء في الخبر "أنه يقال يوم القيامة اخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة" كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان وأن هذه المقادير من الإيمان لا تمنع دخول النار، وفي مفهومه أن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار، إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولاً وأن من في قلبه مثقال ذرة لا يستحق الخلود في النار وإن دخلها. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم "ليس شيء خيراً من ألف مثله إلا الإنسان المؤمن إشارة إلى تفضيل قلب العارف بالله تعالى الموقن فإنه خير من ألف قلب من العوام. وقد قال تعالى "وأنت الأعلون إن كنتم مؤمنين" تفضيلاً للمؤمنين على المسلمين والمراد به المؤمن العارف دون المقلد وقال عز وجل "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" فأراد ههنا بالذين آمنوا الذين صدقوا من غير علم وميزهم عن الذين أوتوا العلم. ويدل ذلك على أن اسم المؤمن يقع على المقلد وإن لم يكن تصديقه عن بصيرة وكشف.

وفسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى "والذين أوتوا العلم درجات" فقال يرفع الله العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وقال صلى الله عليه وسلم "أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب وقال صلى الله عليه وسلم "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" وفي رواية "كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" فبهذه الشواهد يتضح لك تفاوت درجات أهل الجنة بحسب تفاوت قلوبهم ومعارفهم، ولهذا كان يوم القيامة يوم التغابن إذ المحروم من رحمة الله عظيم الغبن والخسران، والمحروم يرى فوق درجته درجات عظيمة فيكون نظره غليها كنظر الغني الذي يملك عشرة دراهم إلى الغني الذي يملك الأرض من المشرق إلى المغرب وكل واحد منهما غني ولكن ما أعظم الفرق بينهما وما أعظم الغبن على من يخسر حظه من ذلك "وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا".

بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف

في اكتساب المعرفة لا من التعلم ولا من الطريق المعتاد

اعلم أن من انكشف له شيء ولو الشيء اليسير بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفاً بصحة الطريق، ومن لم يدرك ذلك من نفسه قط فينبغي أن يؤمن به، فإن درجة المعرفة فيه عزيزة جداً، ويشهد لذلك شواهد الشرع والتجارب والحكايات:

أما الشواهد: فقوله تعالى "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" فكل حكمة تظهر من القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو بطريق الكشف والإلهام. وقال صلى الله عليه وسلم "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار وقال الله تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً" من الإشكالات والشبه "ويرزقه من حيث لا يحتسب" يعلمه علماً من غير تعلم ويفطنه من غير تجربة. وقال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً" قيل نوراً يفرق به بين الحق والباطل ويخرج به من الشبهات، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه من سؤال النور فقال عليه الصلاة والسلام "اللهم أعطني نوراً وزدني نوراً واجعل لي في قلبي نوراً وفي قبري نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً حتى قال في شعري وفي بشري وفي لحمي ودمي وعظامي" وسئل صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" ما هذا الشرح? فقال "هو التوسعة إن النور إذا قذف به في القلب اتسع له الصدر وانشرح وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقال علي رضي الله عنه: ما عندنا شيء أسره النبي صلى الله عليه وسلم إلينا إلا أن يؤتى الله تعالى عبداً فهماً في كتابه وليس هذا بالتعلم"? وقيل في تفسير قوله تعالى "يؤتى الحكمة من يشاء" إنه الفهم في:كتاب الله وقال تعالى "ففهمناها سليمان" خص ما انكشف باسم الفهم. وكان أبو الدرداء يقول: المؤمن من ينظر بنور الله من وراء ستر رقيق والله إنه للحق يقذفه الله في قلوبهم ويجريه على ألسنتهم. وقال بعض السلف: ظن المؤمن كهانة.

وقال صلى الله عليه وسلم "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى وإليه يشير قوله تعالى "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" وقوله تعالى "قد بينا الآيات لقوم يوقنون" وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "العلم علمان فعلم باطن في القلب فذلك هو العلم النافع" وسئل بعض العلماء عن العلم الباطن ما هو? فقال: هو سر من أسرار الله تعالى يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكاً ولا بشراً. وقد قال صلى الله عليه وسلم "إن من أمتي محدثين ومعلمين ومكلمين وإن عمر منهم" وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث" يعني الصديقين والمحدث هو الملهم، والملهم هو الذي انكشف له في باطن قلبه من جهة الداخل لا من جهة المحسوسات الخارجة.

والقرآن مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية والكشف: وذلك علم من غير تعلم. وقال الله تعالى "وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون" خصصها بهم وقال تعالى "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين" وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالم الذي يحفظ من كتاب فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء? بلا حفظ ولا درس. وهذا هو العلم الرباني وإليه الإشارة بقوله تعالى "وعلمنا من لدنا علماً" مع أن كل علم من لدنه ولكن بعضها بوسائط تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علماً لدنيا بل اللدني الذي ينفتح في سر القلب من غير سبب مألوف من خارج فهذه شواهد النقل ولو جمع كل ما ورد فيه من الآيات والأخبار والآثار لخرج عن الحصر.

وأما مشاهدة ذلك بالتجارب فذلك أيضاً خارج عن الحصر وظهر ذلك على الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها عند موته: إنما هما أخواك وأختاك، وكانت زوجته حاملاً فولدت بنتاً فكان قد عرف قبل الولادة أنها بنت. وقال عمر رضي الله عنه في أثناء خطبته: يا سارية الجبل الجبل؛ إذ انكشف له أن العدو قد أشرف عليه فحذره لمعرفته ذلك، ثم بلوغ صوته إليه من جملة الكرامات العظيمة وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه وكنت قد لقيت امرأة في طريقي فنظرت إليها شزراً وتأملت محاسنها فقال عثمان رضي الله عنه لما دخلت: يدخل علي أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه أما علمت أن زنا العينين النظر? لتتوبن أو لأعزرنك فقلت: أوحي بعد النبي? فقال. لا، ولكن بصيرة وبرهان وفراسة صادقة. وعن أبي سعيد الخراز قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيراً عليه خرقتان، فقلت في نفسي: هذا وأشباهه كل على الناس، فناداني وقال "والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه" فاستغفرت الله في سري فناداني وقال "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" ثم غاب عني ولم أره.

وقال زكريا بن داود: دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي - وهو عليل وكان ذا عيال ولم يعرف له سبب يعيش به - قال: فلما قمت قلت في نفسي من أين يأكل هذا الرجل? قال: فصاح بي يا أبا العباس رد هذه الهمة الدنية فإن لله تعالى ألطافاً خفية. وقال أحمد النقيب: دخلت على الشبلي فقال مفتوناً: يا أحمد فقلت: ما الخبر? قال: كنت جالساً لجرى بخاطري أنك بخيل، فقلت: ما أنا بخيل، فعاد مني خاطري وقال: بل أنت بخيل، فقلت: ما فتح اليوم علي بشيء إلا دفعته إلى أول فقير يلقاني، قال: فما استتم الخاطر حتى دخل علي صاحب لمؤنس الخادم ومعه خمسون ديناراً فقال" اجعلها في مصالحك، قال: وقمت فأخذتها وخرجت وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزيد يحلق رأسه فتقدمت إليه وناولته الدنانير، فقال: أعطها المزين، فقلت: إن جملتها كذا وكذا، قال: أوليس قد قلنا لك إنك بخيل? قال: فناولتها المزين فقال المزين: قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا نأخذ عليه أجراً، قال: فرميت بها في دجلة وقلت: ما أعزك أحد إلا أذله الله عز وجل. وقال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير النيناني واعتقدت في نفسي أن أسلم عليه ولا آكل في داره طعاماً، فلما خرجت من عنده إذا به قد لحقني وقد حمل طبقاً فيه طعام وقال: يا فتى كل فقد خرجت الساعة من اعتقادك، وكان أبو الخير النيناني هذا مشهوراً بالكرامات وقام إبراهيم الرقي: قصدته مسلماً عليه فحضرت صلاة المغرب فلم يكد يقرأ الفاتحة مستوياً فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي! فلما سلم خرجت إلى الطهارة فقصدني سبع فعدت إلى أبي الخير وقلت: قصدني سبع، فخرج وصاح به وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني? فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال لي: اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد.

وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر بل ما حكي عنهم من مشاهدة الخضر عليه السلام والسؤال منه، ومن سماع صوت الهاتف، ومن فنون الكرامات خارج عن الحصر والحكاية لا تنفع الجاحدما لم يشاهد ذلك من نفسه، ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحد أمران أحدهما: عجائب الرؤيا الصادقة فإنه ينكشف بها الغيب وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضاً في اليقظة فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس وعدم اشتغالها بالمحسوسات فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه! والثاني: إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبياً بل يسمى ولياً، فمن آمن بالأنبياء وصدق بالرؤيا الصحيحة لزمه لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان: باب إلى خارج وهو الحواس، وباب إلى الملكوت من داخل القلب وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي، فإذا أقربهما جميعاً لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة، بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيل إليه فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه من عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت. وأما السبب في انكشاف الأمر في المنام بالمثال المحوج إلى التعبير وكذلك تمثل الملائكة للأنبياء والأولياء بصور مختلفة فذلك أيضاً من أسرار عجائب القلب، ولا يليق ذلك إلا بعلم المكاشفة فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كاف للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها. فقد قال بعض المكاشفين ظهر لي الملك فسألني أملي عليه شيئاً من ذكري الخفي عن مشاهدتي من التوحيد وقال: ما نكتب لك عملاً ونحن نحب أن نصعد لك بعمل تتقرب به إلى الله عز وجل فقلت: ألستما تكتبان الفرائض? قالا: بلى، قلت: فيكفيكما ذلك. وهذه إشارة إلى أن الكرام الكاتبين لا يطلعون على أسرار القلب وإنما يطلعون على الأعمال الظاهرة. وقال بعض العارفين: سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله فقال: ما تقول رحمك الله? ثم التفت إلى يمينه فقال: ما تقول رحمك الله? ثم أطرق إلى صدره وقال: ما تقول رحمك الله? ثم أجاب بأغرب جواب سمعته فسألته عن التفاته فقال: لم يكن عندي في المسألة جواب عتيد، فسألت صاحب الشمال فقال لا أدري! فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه فقال لا أدري، فنظرت إلى قلبي وسألته فحدثني بما أجبتك فإذا هو أعلم منهما. وكأن هذا هو معنى قوله عليه السلام "إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم".

وفي الأثر: إن الله تعالى يقول: أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكرى توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه. وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه: القلب بمنزلة القبة المضروبة حولها أبواب مغلقة باب فتح له عمل فيه? فقد ظهر انفتاح باب من أبواب القلب إلى جهة الملكوت والملأ الأعلى، وينفتح ذلك الباب بالمجاهدة والورع والإعراض عن شهوات الدنيا. ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد: احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة. وقال بعض العلماء: يد الله على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله لهم من الحق. وقال آخر: لو شئت لقلت إن الله تعالى يطلع الخاشعين على بعض سره.

بيان تسلط الشيطان على القلب بالوساوس

ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها

اعلم أن القلب كما ذكرناه مثال قبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل باب، ومثاله أيضاً مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب، أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا تخلو عنها، أو مثال حوض تنصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه. وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال؛ أما من الظاهر فالحواس الخمس، وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان؛ فإنه إذا أدرك بالحواس شيئاً حصل منه أثر في القلب، وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلاً بسبب كثرة الأكل وبسبب قوة في المزاج حصل منها في القلب أثر وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر. والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائماً من هذه الأسباب. وأخص الآثار الحاصلة في القلب هو الخواطر؛ وأعني بالخواطر ما يحصل فيه من الأفكار، والأذكار، وأعني به إدراكاته علوماً إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر فإنها تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بعد أن كان القلب غافلاً عنها. والخواطر هي المحركات للإرادات فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة، فمبدأ الأفعال الخواطر، ثم الخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم يحرك النية، والنية تحرك الأعضاء. والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة، وإلى ما يدعو إلى ما ينفع في الدار الآخرة. فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمى إلهاماً، والخاطر المذموم أعنى الداعي إلى الشر يسمى وسواساً، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة، ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث. ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب. فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة.

وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان: فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكاً، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطاناً واللطيف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقاًو الذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمىإغواء وخذلاناً، فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة والملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف، وقد خلقه وسخره لذلك والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء؛ والتخويف عند الهم بالخير بالفقر. فالوسوسة في مقابلة الإلهام، والشيطان في مقابلة الملك، والتوفيق في مقابلة الخذلان. وإليه الإشارة بقوله تعالى "ومن كل شيء خلقنا زوجين" فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها. فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم -ثم تلا قوله تعالى "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" الآية". وقال الحسن إنما هما همان يجولان في القلب هم من الله تعالى وهم من العدو، فرحم الله عبداً وقف عند همه فما كان من الله تعالى أمضاه وما كان من عدوه جاهده.

ولتجاذب القلب بين هذين المسلطين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" فالله تعالى عن أن يكون له أصبح مركبة من لحم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الإصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير، فإنك لا تريد إصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك. والله تعالى يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلاص. والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحاً متساوياً ليس بترجح أحدهما على الآخر، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها، فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد إلا وله شيطان" قالوا وأنت يا رسول الله? قال "وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمر إلا بخبر وإنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه الله على شهوته حتى صارت لا تنبسط إلا حيث ينبغي وإلى الحد الذي ينبغي فشهوته لا تدعو إلى الشر فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير. ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا بمقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالاً فوسوس. ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجاله وأقبل الملك وألهم. والتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيستوطن ويستمكن، ويكون اجتياز الثاني اختلاساً. وأكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين وتملكتها فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآخرة. ومبدأ استيلائها اتباع الشهوات والهوى. ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات وعمارته بذكر الله تعالى الذي هو مطرح أثر الملائكة. وقال جابر بن عبيدة العدوي: شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدر من الوسوسة فقال: إنما مثل ذلك مثل البيت الذي يمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه. يعني أن القلب الخالي عن الهوى لا يدخله الشيطان. ولذلك قال الله تعالى "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" فكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله ولذلك سلط الله عليه الشيطان. وقال تعالى "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" وهو إشارة إلى أن من الهوى إلهه ومعبوده فهو عبد الهوى لا عبد الله. ولذلك قال عمرو ابن العاص للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال "ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني".

وفي الخبر "إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه" ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به، لأنه إذا خطر في القلب ذلك شيء انعدم منه ما كان فيه من قبل، ولكن كل شيء سوى الله تعالى وسوى ما يتعلق به فيجوز أيضاً أن يكون مجالاً للشيطان، وذكر الله هو الذي يؤمن جانبه ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال. ولا يعالج الشيء إلا بضده وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة والتبري عن الحول والقوة، وهو معنى قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الغالب عليهم ذكر الله تعالى، وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة. قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" وقال مجاهد في معنى قول الله تعالى "من شر الوسواس الخناس" قال: هو منبسط على القلب؛ فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه. فالتطارد بين الله تعالى ووسوسة الشيطان كالتطارد بين النور والظلام وبين الليل والنهار، ولتضادهما قال الله تعالى "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله" وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فإن هو ذكر الله تعالى خنس وإن نسي الله تعالى التقم قلبه" وقال ابن وضاح في حديث ذكره: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب ولم يتب مسح الشيطان وجهه بيده وقال: بأبى وجه من لا يفلح".

وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم فسلطنة الشيطان أيضاً سارية في لحمه ودمه ومحيطة بالقلب من جوانبه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع". وذلك لأن الجوع يكسر الشهوة ومجرى الشيطان الشهوات. ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخباراً عن إبليس "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم" وقال صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتترك دينك ودين آبائك? فعصاه وأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر أتدع أرضك وسمائك? فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك، فعصاه وجاهد" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فمن فعل ذلك فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة" فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الوسوسة وهي هذه الخواطر التي تخطر للمجاهد أنه يقتل وتنكح نساؤه وغير ذلك مما يصرفه عن الجهاد وهذه الخواطر معلومة. فإذاً الوسواس معلوم بالمشاهدة وكل خاطر فله سبب ويفتقر إلى اسم يعرفه فاسم سببه الشيطان ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته، ولذلك قال عليه السلام "ما من أحد إلا وله شيطان".

فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام والملك والشيطان والتوفيق والخذلان فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان أنه جسم لطيف أو ليس بجسم. وإن كان جسماً فكيف يدخل بدن الإنسان ما هو جسم? فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة. بل مثال الباحث عن هذا مثال من دخلت في ثيابه حية وهو محتاج إلى إزالتها ودفع ضررها فاشتغل بالبحث عن لونها وشكلها وطولها وعرضها وذلك عين الجهل فمصادمة الخواطر الباعثة على الشر قد علمت ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة، وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور في المستقبل عدو فقد عرف العدو لا محالة فينبغي أن يشتغل بمجاهدته وقد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" وقال تعالى "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين" فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه. نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه وسلاح الشيطان الهوى والشهوات وذلك كاف للعالمين. فأما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته - نعوذ بالله منه - وحقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات فلا يحتاج في علم المعاملة إلى معرفته. نعم ينبغي أن يعلم أن الخواطر تنقسم إلى ما يعلم قطعاً أنه داع إلى الشر فلا يخفى كونه وسوسة. وإلى ما يعلم أنه داع إلى الخير فلا يشك في كونه إلهاماً، وإلى ما يتردد فيه فلا يدري أنه من لمة الملك أو من لمة الشيطان? فإن من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في معرض الخير، والتمييز في ذلك غامض وأكثر العباد به يهلكون، فإن الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشر الصريح فيصور الشر بصورة الخير، كما يقول للعالم بطريق الوعظ: أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل هلكى من الغفلة قد أشرفوا على النار? أما لك رحمة على عباد الله تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك وقد أنعم الله عليك بقلب بصير ولسان ذلق ولهجة مقبولة? فكيف تكفر نعمة الله وتتعرض لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة الخلق إلى الصراط المستقيم? وهو لا يزال يقرر ذلك في نفسه ويستجره بطليف الحيل إلى أن يشتغل بوعظ الناس، ثم يدعوه بعد ذلك إلى أن يتزين لهم ويتصنع بتحسين اللفظ وإظهار الخير ويقول له: إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك من قلوبهم ولم يهتدوا إلى الحق. ولا يزال يقرر ذلك عنده وهو في أثنائه يؤكد فيه شوائب الرياء وقبول الخلق ولذة الجاه والتعزز بكثرة الأتباع والعلم والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين بالنصح إلى الهلاك، فيتكلم وهو يظن أن قصده الخير وإنما قصده الجاه والقبول، فيهلك بسبب وهو يظن أنه عند الله بمكان وهو من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليؤيد هذا الدين بقوم لا خلاق لهم". و "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ولذلك روي أن إبليس لعنه الله تمثل لعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فقال له" قل لا إله إلا الله. فقال: كلمة حق ولا أقولها بقولك. لأن له أيضاً تحت الخير تلبيسات، وتلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى وبها يهلك العلماء والعباد والزهاد والفقراء والأغنياء وأصناف الخلق ممن يكرهون ظاهر الشر ولا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة.

وسنذكر جملة من مكايد الشيطان في كتاب الغرور في آخر هذا الربع. ولعلنا إن أمهل الزمان صنفنا فيه كتاباً على الخصوص نسميه (تلبيس إبليس) فإنه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد والعباد لا سيما في المذاهب والاعتقادات، حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها، كل ذلك إذعاناً لتلبيسات الشيطان ومكايده.

فحق على العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه من لمة الملك أو لمة الشيطان وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة لا بهوى من الطبع، ولا يطلع عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم كما قال تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا" أي رجعوا إلى نور العلم "فإذا هم مبصرون" أي ينكشف لهم الإشكال فأما من لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان بتلبيسه بمتابعة الهوى فيكثر فيه غلطه ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر. وفي مثلهم قال سبحانه وتعالى "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" قيل هي أعمال ظنوها حسنات فإذا هي سيئات. وأغمض أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع النفس ومكايد الشيطان وذلك فرض عين على كل عبد وقد أهمله الخلق واشتغلوا بعلوم تستجر إليهم الوسواس وتسلط عليهم الشيطان وتنسيهم عداوته وطريق الاحتراز عنه. ولا ينجى من كثرة الوسواس إلا سد أبواب الخواطر. وأبوابها الحواس الخمس وأبوابها من داخل الشهوات وعلائق الدنيا. والخلوة في بيت مظلم تسد باب الحواس. والتجرد عن الأهل والمال يقلل مداخل الوسواس من الباطن ويبقى مع ذلك مداخل باطنة في التخيلات الجارية في القلب وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر الله تعالى ثم أنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ويلهيه عن ذكر الله تعالى فلا بد من مجاهدته، وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا يتخلص أحد من الشيطان ما دام حياً. نعم قد يقوى بحيث لا ينقاد له ويدفع عن نفسه شره بالجهاد، ولكن لا يستغنى قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجري في بدنه. فإذا ما دام حياً فأبواب الشيطان مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق وهي الشهوة والغضب والحسد والطمع والشره وغيرها - كما سيأتي شرحها - ومهما كان الباب مفتوحاً والعدو غير غافل لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة.

قال رجل للحسن يا أبا سعيد أينام الشيطان? فتبسم وقال: لو نام لاسترحنا. فإذن لا خلاص للمؤمن منه. نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوته. قال صلى الله عليه وسلم "إن المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في سفره" وقال ابن مسعود شيطان المؤمن مهزول. وقال قيس بن الحجاج: قال لي شيطاني دخلت فيك وأنا مثل الجزور وأنا الآن مثل العصفور، قلت: ولم ذاك? قال: تذيبني بذكر الله تعالى. فأهل التقوى لا يتعذر عليهم سد أبواب الشيطان وحفظها بالحراسة، أعني الأبواب الظاهرة والطرق الجلية التي تفضي إلى المعاصي الظاهرة، وإنما يتعثرون في طرقه الغامضة فإنهم لا يهتدون إليها فيحرسونها كما أشرنا إليه في غرور العلماء والوعاظ والمشكل أن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة وباب الملائكة باب واحد، وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة فالعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق غامضة المسالك في ليلة مظلمة فلا يكاد يعلم الطريق إلا بعين بصيرة وطلوع شمس مشرقة. والعين البصيرة ههنا هي القلب المصفى بالتقوى. والشمس المشرقة هو العلم الغزير المستفاد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يهدي إلى غوامض طرقه، وإلا فطرقه كثيرة وغامضة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطا وقال "هذا سبيل الله" ثم خط خطوطاً عن يمين الخط وعن شماله ثم قال "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم تلا "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" لتلك الخطوط فبين صلى الله عليه وسلم كثرة طرقه.

وقد ذكرنا مثالاً للطريق الغامض من طرقه وهو الذي يخدع له العلماء والعباد المالكين لشهواتهم الكافين عن المعاصي الظاهرة، فلنذكر مثالاً لطريقه الواضح الذي لا يخفى إلا أن يضطر الآدمي إلى سلوكه. وذلك كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "كان راهب في بني إسرائيل فعمد الشيطان إلى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فأتوا بها إليه فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتى قبلها، فلما كانت عنده ليعالجها أتاه الشيطان فزين له مقاربتها ولم يزل به حتى واقعها فحملت منه، فوسوس إليه وقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن سألوك فقل ماتت، فقتلها ودفنها، فأتي الشيطان أهلها فوسوس إليهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها، فأتاه أهلها فسألوه عنها فقال: ماتت، فأخذوه ليقتلوه بها فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي خنقتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعني تنج وأخلصك منهم قال: بماذا? قال: اسجد لي سجدتين؛ فسجد له سجدتين فقال له الشيطان: إني بريء منك. فهو الذي قال الله تعالى فيه "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك" فانظر الآن إلى حيله واضطراره الراهب إلى هذه الكبائر، وكل ذلك لطاعته له في قبول الجارية للمعالجة وهو أمر هين وربما يظن صاحبه أنه خير وحسنة فيحسن ذلك في قلبه بخفي الهوى فيقدم عليه كالراغب في الخير فيخرج الأمر بعد ذلك عن اختياره ويجره البعض إلى البعض بحيث لا يجد محيصاً: فنعوذ بالله من تضييع أوائل الأمور وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".

�بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب اعلم أن مثال القلب مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه، فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة وهو فرض عين على كل عبد مكلف، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضاً واجب، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله فصارت معرفة مداخله واجبة. ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة، ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان.

فمن أبوابه العظيمة: الغضب والشهوة؛ فإن الغضب هو غول العقل وإذا ضعفت جند العقل هجم جند الشيطان. ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة. فقد روي أن موسى عليه السلام لقيه إبليس فقال له: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك وأنا خلق من خلق الله أذنبت وأريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي، فقال موسى: نعم، فلما صعد موسى الجبل وكلم ربه عز وجل وأراد النزول قال له ربه: أد الأمانة، فقال موسى: يا رب عبدك إبليس يريد أن تتوب عليه، فأوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى قد قضيت حاجتك مرة أن يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه، فلقي موسى إبليس فقال له: قد قضيت حاجتك أمرت أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليك، فغضب واستكبر وقال: لم أسجد له حياً أسجد له ميتاً? ثم قال له: يا موسى إن لك علي حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن: اذكرني حين تغضب فإن روحي في قلبك وعيني في عينك وأجري منك مجرى الدم؛ اذكرني إذا غضبت فإنه إذا غضب الإنسان نفخت في أنفه فما يدري ما يصنع، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى، وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها فلا أزل حتى أفتنك بها وأفتنها بك. فقد أشار بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا، وامتناعه من السجود لآدم ميتاً هو الحسد وهو أعظم مداخله وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس: أرني كيف تغلب ابن آدم? فقال: آخذه عند الغضب وعند الهوى، فقد حكي أن إبليس ظهر لراهب فقال له الراهب: أي أخلاق بني آدم أعون لك? قال: الحدة فإن العبد إذا كان حديداً قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة: وقيل: إن الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه?

ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص فمهما كان العبد حريصاً على كل شيء أعماه حرصه وأصمه إذ قال صلى الله عليه وسلم "حبك للشي يعمي ويصم ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطاه الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكراً وفاحشاً. فقد روي أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة حمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمره الله تعالى، فرأى في السفينة شيخاً لم يعرفه فقال له نوح: ما أدخلك? فقال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، فقال له نوح: أخرج منها يا عدو الله فإنك لعين، فقال له إبليس: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين، فأوحى الله تعالى إلى نوح: أنه لا حاجة لك بالثلاث فليحدثك بالاثنتين، فقال له نوح: ما الاثنتان? فقال: هما اللتان لا تكذباني هما اللتان لا تخلفاني بهما أهلك الناس؛ الحرص والحسد، فبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً، وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص.

ومن أبوابه العظيمة: الشبع من الطعام وإن كان حلالاً صافياً؛ فإن الشبع يقوي الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان. فقد روي أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له: يا إبليس ما هذه المعاليق? قال: هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم فقال: فهل فيها من شيء? قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر، قال: فهل غير ذلك? قال: لا" قال لله على أن لا أملأ بطني من الطعام أبداً، فقال له إبليس: والله على أن لا أنصح مسلماً أبداً. ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة؛ أولها: أن يذهب خوف الله من قلبه. الثاني: أن يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع. والثالث: أنه يثقل عن الطاعة. والرابع: أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة، والخامس: أنه إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس. والسادس: أن يهيج فيه الأمراض.

ومن أبوابه: حب التزين من الأثاث والثياب والدار، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالباً على قلب الإنسان باض فيه وفرخ، فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ويستسخره فيها طول عمره، وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية، فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق إليه أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان واتباع الوى ويخشى من ذلك سوء العاقبة بالكفر نعوذ بالله منه.

ومن أبوابه العظيمة: الطمع في الناس: لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى المطموع فيه كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك. وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد روى صفوان بن سليم أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة فقال له: يا ابن حنظلة احفظ عني شيئاً أعلمك به فقال: لا حاجة لي به: قال: انظر فإن كان خيراً أخذت وإن كان شراً رددت، يا ابن حنظلة لا تسأل أحداً غير الله سؤال رغبة? وانظر كيف تكون إذا غضبت? فإني أملكك إذا غضبت.

ومن أبوابه العظيمة: العجلة وترك التثبت في الأمور، وقال صلى الله عليه وسلم "العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى وقال عز وجل "خلق الإنسان من عجل" وقال تعالى "وكان الإنسان عجولاً" وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه" وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة، والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل، والعجلة تمنع من ذلك، وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدري. فقد روي أنه لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها فقال هذا حادث، مكانكم فطار حتى أتي خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد وإذا الملائكة حافين به، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا، فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة.

ومن أبوابه العظيمة: الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار؛ فإن كل ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان، فإن من معه قوته فهو فارغ القلب. فلو وجد مائة دينار مثلاً على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى، وقد كان قيل قبل وجود المائة مستغنياً، فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنياً وقد صار محتاجاً إلى تسعمائة ليشتري داراً يعمرها وليشتري جارية وليشتري أثاثاً ويشتري الثياب الفاخرة، وكل شيء من ذلك يستدعي شيئاً آخر يليق به. وذلك لا آخر له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم فلا آخر لها سواء. قال ثابت البناني لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما هو فانطلقوا حتى أعيوا ثم جاءوا وقالوا ما ندري? قال: أنا آتيكم بالخبر فذهب ثم جاء وقال: قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم قال: فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فينصرفون خائبين ويقولون: ما صحبنا قوماً قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحى ذلك، فقال لهم إبليس: رويداً بهم عسى الله أن يفتح لهم الدنيا فنصيب منهم حاجتنا. وروي أن عيسى عليه الصلاة والسلام توسد يوماً حجراً فمر به إبليس فقال: يا عيسى رغبت في الدنيا? فأخذه عيسى صلى الله عليه وسلم فرمى به من تحت رأسه وقال: هذا لك مع الدنيا وعلى الحقيقة من يملك حجراً يتوسد به عند النوم فقد ملك من الدنيا ما يمكن أن يكون عدة للشيطان عليه. فإن القائم بالليل مثلاً للصلاة مهما كان بالقرب منه حجر، يمكن أن يتوسده? ولا تتحرك رغبته إلى النوم. هذا في حجر فكيف بمن يملك المخاد الميثرة والفرش الوطيئة والمنتزهات الطيبة فمتى ينشط لعبادة الله تعالى? ومن أبوابه العظيمة: البخل وخوف الفقر؛ فإن ذلك هو الذي يمنع الإنفاق والتصدق ويدعو إلى الإدخار والكنز والعذاب الأليم وهو الموعود للمكاثرين كما نطق به القرآن العزيز. قال خيثمة بن عبد الرحمن: إن الشيطان يقول: ما غلبني ابن غلبة فلن يغلبني على ثلاث؛ أن يأخذ المال من غير حقه، وإنفاقه في غير حقه، ومنعه من غير حقه. وقال سفيان: ليس للشيطان سلاح مثل خوف الفقر فإذا قبل ذلك منه أخذ في الباطل ومنع من الحق وتكلم بالهوى وظن بربه ظن السوء.

ومن آفات البخل الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال، والأسواق هي معشش الشياطين. وقال أبو إمامة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيماً فاجعل لي بيتاً قال الحمام، قال: اجعل لي مجلساً قال الأسواق ومجامع الطرق، قال: اجعل لي طعاماً قال طعامك ما يذكر اسم الله عليه، قال: اجعل لي شراباً قال كل مسكر، قال: اجعل لي مؤذناً قال المزامير، قال: اجعل لي قرآناً قال الشعر، قال: اجعل لي كتاباً قال الوشم، قال: اجعل لي حديثاً قال الكذب، قال: اجعل لي مصايد قال النساء".

ومن أبوابه العظيمة: التوصل: التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار، وذلك مما يهلك العباد والفساق جميعاً فإن الطعن في الناس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في الطبع من الصفات السبعية، فإذا خيل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق وكان موافقاً لطبعه غلبت حلاوته على قلبه فاشتغل به بكل همته، وهو بذلك فرحان مسرور يظن أنه يسعى في الدين وهو ساع في اتباع الشياطين، فترى الواحد منهم يتعصب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو آكل الحرام ومطلق اللسان بالفضول والكذب ومتعاط لأنواع الفساد ولو رآه أبو بكر لكان أول عدو له إذ موالي أبي بكر من أخذ سبيله وسار بسيرته وحفظ ما بين لحييه، وكان من سيرته رضي الله عنه أن يضع حصاة في فمه ليكف لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه فأنى لهذا الفضولي أن يدعي ولاءه وحبه ولا يسير بسيرته? وترى فضولياً آخر يتعصب لعلي رضي الله عنه وكان من زهد علي وسيرته أنه لبس في خلافته ثوباً اشتراه بثلاثة دراهم وقطع رأس الكمين إلى الرسغ، ونرى الفاسق لابساً الثياب الحرير ومتجملاً بأموال اكتسبها من حرام وهو يتعاطى حب علي رضي الله عنه ويدعيه وهو أول خصمائه يوم القيامة، وليت شعري من أخذ ولداً عزيزاً لإنسان هو قرة عينه وحياة قلبه فأخذ يضربه ويمزقه وينتف شعره ويقطعه بالمقراض وهو مع ذلك يدعي حب أبيه وولاءه فكيف يكون حاله عنده? ومعلوم أن الدين والشرع كانا أحب إلا أبي بكر وعمر وعثمان وعلى سائر الصحابة رضي الله عنهم، من الأهل والولد بل من أنفسهم والمقتحمون لمعاصي الشرع هم الذين يمزقون الشرع ويقطعونه بمقاريض الشهوات ويتوددون به إلى عدو الله إبليس وعدو أوليائه فترى كيف يكون حالهم يوم القيامة عند الصحابة وعند أولياء الله تعالى? لا بل لو كشف الغطاء وعرف هؤلاء ما تحبه الصحابة في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحيوا أن يجروا على اللسان ذكرهم مع قبح أفعالهم? ثم إن الشيطان يخيل إليهم أن من مات محباً لأبي بكر وعمر فالنار لا تحوم حوله، ويخيل إلى الآخر أنه إذا مات محباً لعلي لم يكن عليه خوف وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة رضي الله عنها وهي بضعة منه اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً وهذا مثال أوردناه من جملة الأهواء. وهكذا حكم المتعصبين للشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة فكل من ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له: كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان، وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان؛ فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته وذهبت فيه إلى الله تعالى ثم ادعيت مذهبي كاذباً? وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم، وقد سلمت المدارس لأقوام قل من الله خوفهم وضعفت في الدين بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب، فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه، بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته فاستمر الناس عليه ونسوا أمات دينهم فقد هلكوا وأهلكوا فالله تعالى يتوب علينا وعليهم، وقال الحسن: بلغنا أن إبليس قال: سولت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي فقصموا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوباً لا يستغفرون الله تعالى منها وهي الأهواء. وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون منها?.

ومن عظيم حيل الشيطان أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب والخصومات قال عبد الله بن مسعود: جلس قوم يذكرون الله تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع، فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون - وليس إياهم يريد- فقام الذين يذكرون الله تعالى فاشتغلوا بهم يفصلون بينهم فتفرقوا عن مجسلهم، وذلك مراد الشيطان منهم.

ومن أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحروا فيه على التفكير في ذات الله تعالى وصفاته، وفي أمور لا يبلغها حد عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين، أو يخيل إليهم في الله تعالى خيالات يتعالى الله عنها يصير أحدهم بها كافراً أو مبتدعاً وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره، يظن ذلك هو المعرفة والبصيرة وأنه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في عقل نفسه وأثبت الناس عقلاً أشدهم اتهاماً لنفسه وأكثرهم سؤالاً من العلماء. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك? فيقول الله تبارك وتعالى فيقول فمن خلق الله? فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالبحث في علاج هذا الوسواس فإن هذا وسواس يجده عوام الناس دون العلماء وإنما حق العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء فالعامي لو يزني ويسرق كان خيراً له من أن يتكلم في العلم فإنه من تكلم في الله وفي دينه من غير إتقان العالم وقع في الكفر من حيث لا يدري، كمن يركب لجة البحر وهو لا يعرف السباحة ومكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد، والمذاهب لا تحصر وإنما أردنا بما أرودناه المثال.

ومن أبوابه سوء الظن بالمسلمين قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم" فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيراً منه. وكل ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم فقال صلى الله عليه وسلم "اتقوا مواضع التهم" حتى احترز هو صلى الله عليه وسلم من ذلك. روي عن علي بن حسين أن صفية بنت حي بن أخطب أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في المسجد قالت: فأتيته فتحدثت عنده فلما أمسيت انصرفت فقام يمشي معي فمر به رجلان من الأنصار فسلما ثم انصرفا فناداهما وقال "إنها صفية بنت حي" فقالا يا رسول الله ما نظن بك إلا خيراً، فقال "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من الجسد وإني خشيت أن يدخل عليكما فانظر كيف أشفق صلى الله عليه وسلم على دينهما فحرسهما? وكيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله? فيقول: مثل لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه. فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة، بل بعين الرضا بعضهم وبعين السخط بعضهم ولذلك قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

فيجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر. فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه، وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب، والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق. فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه وفي هذا القدر ما ينبه على غيره فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله.

فإن قلت: فما العلاج في دفع الشيطان وهل يكفي في ذلك ذكر الله تعالى وقول الإنسان لا حول ولا قوة إلا بالله فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة وذلك مما يطول ذكره. وغرضنا في هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات وتحتاج كل صفة إلى كتاب منفرد على ما سيأتي شرحه - نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة، وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان. ولذلك قال الله تعالى "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" خصص بذلك المتقي فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن تقول له: اخسأ، فمجرد الصوت يدفعه. فإن كان بين يديك لحم وهو جائع فإنه يهجم على اللحم ولا يندفع بمجرد الكلام، فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر، فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب. وأما قلوب المتقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات بل لخلوها بالغفلة عن الذكر، فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله تعالى "فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" وسائر الأخبار والآيات الواردة في الذكر.

قال أبو هريرة: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: مالك مهزول? قال: أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعاً وإذا شرب سمى الله فأظل عطشاناً، وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا، وإذا ادهن سمى الله فأظل شعثاً، فقال: لكني مع رجل لا يفعل شيئاً من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه. وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح: اللهم إنك سلطت علينا عدواً بصيراً بعيوننا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك وقنطه منا كما قنطته من عفوك وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شيء قدير. قال: فتمثل له إبليس يوماً في طريق المسجد فقال له: يا ابن واسع هل تعرفني? قال: ومن أنت? قال: أنا إبليس، فقال: وما تريد? قال: أريد أن لا تعلم أحد هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك، قال: والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت. وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: كان شيطان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بيده شعلة من نار فيقوم بين يديه وهو يصلي فيقرأ ويتعوذ فلا يذهب، فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له: قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. فقال ذلك فطفئت شعلته وخر على وجهه وقال الحسن. نبئت أن جبرائيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي وقال صلى الله عليه وسلم "أتاني الشيطان فنازعني ثم نازعني فأخذت بحلقه فوالذي بعثني بالحق ما أرسلته حتى وجدت برد ماء لسانه على يدي ولولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح طريحا في المسجد" وقال صلى الله عليه وسلم "ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير الذي سلكه عمر وهذا لأن القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشيطان وقوته وهي الشهوات فمهما طمعت في أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر كما اندفع عن عمر رضي الله عنه كان محالاً، وكنت كمن يطمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشغولة بغليظ الأطعمة، ويطمع أن ينفعه كما نفع الذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة، والذكر الدواء والتقوى احتماء وهي تخلي القلب عن الشهوات. فإذا نزل الذكر قلباً فارغاً عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في المعدة الخالية عن الأطعمة. قال الله تعالى "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب" وقال تعالى "كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير" ومن ساعد الشيطان بعمله فهو مواليه وإن ذكر الله بلسانه. وإن كنت تقول الحديث قد ورد مطلقاً بأن الذكر يطرد الشيطان ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط نقلها علماء الدين فانظر إلى نفسك، فليس الخبر كالعيان، وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة؛ فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف يجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب العالمين وجواب المعاندين وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت? فالصلاة محك القلوب فيها يظهر محاسنها ومساويها ؛ فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان بل ربما يزيد عليك الوسواس، كما أن الدواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر، فإن أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء بالتقوى ثم أردفه بدواء الذكر يفر الشيطان منك كما فر من عمر رضي الله عنه. ولذلك قال وهب بن منبه: اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر؛ أي أنت مطيع له. وقال بعضهم: يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه. وكما أن الله تعالى قال "ادعوني أستجب لكم" وأنت تدعوه ولا يستجيب لك فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدعاء.

قيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى "ادعوني أستجب لكم"? قال: لأن قلوبكم ميتة، قيل وما الذي أماتها? قال: ثمان خصال؛ عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه، وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده، وقلتم نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته، وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له، وقال تعالى "إن الشيطان لكم عدواً فاتخذوه عدواً" فواطأتموه على المعاصي، وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم، فكيف يستجيب لكم? فإن قلت فالداعي إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون? فاعلم أنه لا حاجة لك إلى معرفة ذلك في المعاملة فاشتغل بدفع العدو ولا تسأل عن صفته. كل البقل من حيث يؤتى ولا تسأل عن المبقلة، ولكن الذي يتضح بنور الاستبصار في شواهد الأخبار: أنهم جنود مجندة وأن لكل نوع من المعاصي شيطاناً يخصه ويدعو إليه فأما طريق الاستبصار فذكره يطول ويكفيك القدر الذي ذكرناه وهو أن اختلاف المسببات يدل على اختلاف الأسباب كما ذكرناه في نور النار وسواد الدخان.

وأما الأخبار فقد قال مجاهد: لإبليس خمسة من الأولاد قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره: ثبر والأعور ومبسوط وداسم وزلنبور. فأما ثبر: فهو صاحب المصائب الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية. وأما الأعور: فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه. وأما مبسوط: فهو صاحب الكذب. وأما داسم: فإنه يدخل مع الرجل إلى أهله يرميهم بالعيب عنده ويغضبه عليهم وأما زلنبور: فهو صاحب السوق فبسببه لا يزالون متظلمين. وشيطان الصلاة يسمى خنزب وشيطان الوضوء يسمى الولهان وقد ورد في ذلك أخبار كثيرة.

وكما أن الشياطين فيهم كثرة فكذلك في الملائكة. وقد ذكرنا في كتاب الشكر السر في كثرة الملائكة واختصاص كل واحد منهم بعمل منفرد به، وقد قال أبو أمامة الباهلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك؛ للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب عن قصعة العسل في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل كل باسط يده فاغر فاه، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين".

وقال أيوب بن يونس بن يزيد: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن ثم ينشئون معهم. وروى جابر ابن عبد الله: أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض قال يا رب هذا الذي جعلت بيني وبينه عداوة إن لم تعني عليه ولا أقوى عليه، قال: لا يولد لك ولد إلا وكل به ملك، قال: يا رب زدني، قال: أجزي بالسيئة سيئة وبالحسنة عشراً إلى ما أريد، قال: رب زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما دام في الجسد الروح، قال إبليس: يا رب هذا العبد الذي كرمته على إن لا تعني عليه لا أقوى عليه? قال لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد: قال: يا رب زدني، قال: تجري منهم مجرى الدم وتتخذون صدورهم بيوتاً، قال: رب زدني، قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك إلى قوله غروراً، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الثواب والعقاب. وخلق الله تعالى الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم كما قال تعالى "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل" وصنف أجسامهم أجسام بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله تعالى يوم القيامة لا ظل إلا ظله"، وقال وهيب بن الورد: بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام وقال: إني أريد أن أنصحك، قال: لا حاجة لي في نصحك ولكن أخبرني عن بني آدم قال: هم عندنا ثلاثة أصناف: أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن منه في عناء. وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد كفونا أنفسهم. وأما الصنف الثالث فهم مثلك معصمون لا نقدر منهم على شيء.

فإن قلت: فكيف يتمثل الشيطان لبعض الناس دون البعض، وإذا رأى صورة فهل هي صورته الحقيقية أو هو مثال يمثل له به? فإن كان على صورته الحقيقية فكيف يرى بصورة مختلفة? وكيف يرى في وقت واحد في مكانين وعلى صورتين حتى يراه شخصان بصورتين مختلفتين? فاعلم أن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا تدرك حقيقة صورتهما بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة، فما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام في صورته إلا مرتين وذلك أنه سأله أن يريه نفسه على صورته فواعده بالبقيع وظهر له بحراء فسد الأفق من المشرق إلى المغرب ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وإنما كان يراه في صورة الآدمي غالباً فكان يراه في صورة دحية الكلبي وكان رجلاً حسن الوجه. والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة، فيراه بعينه ويسمع كلامه بأذنه فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين. وإنما المكاشف في اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام، كما روي عن عمر بن عبد العزيز رجمه الله أن رجلاً سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر بين منكبه وأذنه، له خرطوم طويل دقيق قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى خنس. ومثل هذا قد يشاهد بعينه في اليقظة، فقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس إليها، وكانت الجيفة مثال الدنيا. وهذا يجري مجرى مشاهدة صورته الحقيقية، فإن القلب لا بد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل عالم الملك والشهادة لأن أحدهما متصل بالآخر. وقد بينا أن القلب له وجهان: وجه إلى عالم الغيب وهو مدخل الإلهام والوحي، ووجه إلى عالم الشهادة. فالذي يظهر منه في الوجه الذي يلي عالم الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة لأن عالم الشهادة كله متخيلات، إلا أن الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحس فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى، حتى يرى شخصاً جميل الصورة وهو خبيث الباطن قبيح السر لأن عالم الشهادة عالم كثير التبليس. أما الصورة التي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر القلوب فلا تكون إلا محاكية للصفة وموافقة لها، لأن الشيطان في صورة كلب وضفدع للصفة وموافقة لها، فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلا بصورة قبيحة، فيرى الشيطان في صورة كلب وضفدع وخنزير وغيرها، ويرى الملك في صورة جميلة فتكون تلك الصورة عنوان المعاني ومحاكية لها بالصدق، ولذلك يدل القرد والخنزير في النوم على إنسان خبيث، وتدل الشاة على إنسان سليم الصدر وهكذا جميع أبواب الرؤيا والتعبير. وهذه أسرار عجيبة وهي من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذكرها بعلم المعاملة. وإنما المقصود أن تصدق بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك، تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم، وتارة بطريق الحقيقة. والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى - هو مثال المعنى لا عين المعنى - إلا أنه يشاهد بالعين مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم.

بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب

وهمها وخواطرها وقصودها وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به

اعلم أن هذا أمر غامض، وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال "عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن الله تعالى يقول للحفظة: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها شيئة وإذا هم بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشراً وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة. وفي لفظ آخر "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت" وفي لفظ آخر، "وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها" وكل ذلك يدل على العفو فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه "إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" وقوله تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً" فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه وقوله تعالى "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وقوله تعالى "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم" والحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح.

فنقول. أول ما يرد على القلب الخاطر، كما لو خطر له مثلاً صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها. والثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة في الطبع وهذا يتولد من الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ويسمى الأول حديث النفس. والثالث حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل، ويسمى هذا اعتقاداً وهو يتبع الخاطر والميل. الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصداً، وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل.

فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة: الخاطر وهو حديث النفس، ثم الميل، ثم الاعتقاد، ثم الهم.

فنقول: أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان أيضاً تحت الاختيار، وهما المرادان بقوله صلى الله عليه وسلم "عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها" فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل، فأما الهم والعزم فلا يسمى حديث النفس، بل حديث النفس كما روى عثمان بن مظعون حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله نفسي تحدثني أن أطلق خولة، قال "مهلاً إن من سنتي النكاح" قال: نفسي تحدثني أن أجب نفسي، قال: "مهلاً خصاء أمتي دءوب الصيام" قال: نفسي تحدثني أن أترهب، قال "مهلاً رهبانية أمتي الجهاد والحج" قال: نفسي تحدثني أن أترك اللحم، قال "مهلاً فإني أحبه ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه فهذه الخواطر التي ليس معها عزم على الفعل هي حديث النفس، ولذلك شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن معه عزم وهم بالفعل.

وأما الثالث: وهو الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا تردد بين أن يكون اضطراراً أو اختياراً، والأحوال تختلف فيه فالاختياري منه يؤاخذ به والا ضطراري لا يؤاخذ به.

وأما الرابع وهو الهم بالفعل: فإنه مؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن كان قد تركه خوفاً من الله تعالى وندما على همه كتبت له حسنة لأن همه سيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة، والهم على وفق الطبع مما يدل على تمام الغفلة عن الله تعالى، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع هو العمل لله تعالى والعمل لله تعالى أشد من جده في موافقة الشيطان بموافقة الطبع فكتب له حسنة لأنه رجح جده في الامتناع وهمه به على همه بالفعل، وإن تعوق الفعل بعائق أو تركه بعذر لا خوفاً من الله تعالى كتبت عليه سيئة، فإن همه فعل من القلب اختياري.

والدليل على هذا التفصيل ما روي في الصحيح مفصلاً في لفظ الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قالت الملائكة عليهم السلام رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه، فإن هو عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي وحيث قال: فإن لم يعملها: أراد به تركها لله، فأما إذا عزم على فاحشة فتعذرت عليه بسبب أو غفلة فكيف تكتب له حسنة? وقد قال صلى الله عليه وسلم "إنما يحشر الناس على نياتهم" ونحن نعلم أن من عزم ليلاً على أن يصبح ليقتل مسلماً أو يزني بامرأة فمات تلك الليلة مات مصراً ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها.

والدليل القاطع فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار"، فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول? قال "لأنه أراد قتل صاحبه" وهذا نص في أنه صار بمجرد الإرادة من أهل النار مع أنه قتل مظلوماً فكيف يظن أن الله لا يؤاخذ بالنية والهم? بل كل هم دخل تحت اختيار العبد فهو مؤاخذ به إلا أنه يكفره بحسنة، ونقض العزم بالندم حسنة فلذلك كتبت له حسنة، فأما فوت المراد بعائق فليس بحسنة. وأما الخواطر وحديث النفس وهيجان الرغبة فكل ذلك لا يدخل تحت اختيار فالمؤاخذة به تكليف ما لا يطاق ولذلك لما نزل قوله تعالى "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: كلفنا ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ثم يحاسبه بذلك فقال صلى الله عليه وسلم: "لعلكم تقولون كما قالت اليهود سمعنا وعصينا قولوا سمعنا وأطعنا فقالوا سمعنا وأطعنا" فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به. فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس. وكل من يظن أن ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب? بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا? أي ما يدخل تحت الاختيار. فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذاً به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التقوى ههنا وأشار إلى القلب" وقال الله تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" وقال صلى الله عليه وسلم "الإثم حواز القلوب وقال "البر ما اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك" حتى إنا نقول إذا حكم القلب المفتى بإيجاب شيء وكان مخطئاً فيه صار مثاباً عليه بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي. فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله. فإن تذكر ثم تركه كان معاقباً عليه. ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية. فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته. وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح.

بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية

عند الذكر أم لا?

اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق: فقالت فرقة: الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل لأنه عليه السلام قال "فإذا ذكر الله خنس والخنس هو السكوت فكأنه يسكت.

وقالت فرقة: لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب إذا صار مستوعباً بالذكر كان محجوباً عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه قد يتكلم ولا يفهم وإن كان الصوت يمر على سمعه.

وقالت فرقة: لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضاً ولكن تسقط غلبتها فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف.

وقالت فرقة: ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم الذكر في لحظه، ويتعاقبان في أزمنة متقاربة يظن لتقاربها أنها متساوقة وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة، واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا.

وقالت فرقة: الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقاً لا ينقطع، وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم "ما من عبد إلا وله أربعة أعين: عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه وإلى هذا ذهب المحاسبي. والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس، وإنما نظر كل واحد منهم إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه.

والوسواس أصناف: الأول: أن يكون من جهة التلبيس بالحق، فإن الشيطان قد يلبس بالحق فيقول للإنسان تترك التنعم باللذات فإن العمر طويل والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم، فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه وقال لنفسه: الصبر عن الشهوات شديد ولكن الصبر على النار أشد منه، ولا بد من أحدهما فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان وهرب، إذا لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي ولا يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار، فإن إيمانه بكتاب الله عز وجل يدفعه عن ذلك فينقطع وسواسه. وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله فيقول: أي عبد يعرف الله كما تعرفه ويعبده كما تعبده? فما أعظم مكانك عند الله تعالى! فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه كل ذلك من خلق الله تعالى فمن أين يعجب به? فيخنس الشيطان إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا من الله فإن المعرفة والإيمان يدفعه. فهذا نوع من الوسواس ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة.

الصنف الثاني: أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها، وهذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقيناً أنه معصية وإلى ما يظنه بغالب الظن. فإن علمه يقيناً خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة ولم بخنس عن التهييج وإن كان مظنوناً، فربما يبقى مؤثراً بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه فتكون الوسوسة موجودة ولكنها مدفوعة غير غالبة.

الصنف الثالث: أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر وتذكر الأحوال الغالبة والتفكر في غير الصلاة مثلاً فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع ساعة ويعود، ويندفع ويعود، فيتعاقب الذكر والوسوسة وبتصور أن يتساوقا جميعاً حتى يكون الفهم مشتملاً على فهم معنى القراءة وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب. وبعيد جداً أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر، ولكنه ليس محالاً إذا قال عليه السلام "من صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشيء من أمر الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه فلولا أنه متصور لما ذكره، إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر، فإنا قد نرى المستوعب القلب بعدو تأذى به قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في مجادلة عدوه بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه، وكذلك المستغرق في الحب قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ويغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه، ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يد أحد لكان كأن لا يراه. وإذا تصور هذا في خوف من عدو وعند الحرص على مال وجاه فكيف لا يتصور من خوف النار الحرص على الجنة ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أن لكل مذهب من المذاهب وجهاً في محل مخصوص.

وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد ولكن الخلاص منه عمراً طويلاً بعيداً جداً، ومحال في الوجود ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر وتهييج الرغبة لتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي: أنه نظر إلى علم ثوبه في الصلاة فلما سلم رمى بذلك الثوب وقال "شغلني عن الصلاة" وقال "اذهبوا به إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته وكان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه وهو على المنبر ثم رمى به قال "نظرة إليه ونظرة إليكم وكان ذلك لوسوسة الشيطان بتحريك لذة النظر إلى خاتم الذهب وعلم الثوب - وكان ذلك قبل تحريم الذهب فلذلك لبسه ثم رمى به - فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا ونقدها إلا بالرمي والمفارقة، فما دام يملك شيئاً وراء حاجته ولو ديناراً واحداً لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره، وأنه كيف يحفظه? وفيماذا ينفقه? وكيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد وكيف يظهره حتى يتباهى به? إلى غير ذلك من الوساوس. فمن أنشب مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشيطان كان كمن انغمس في العسل وظن أن الذباب لا يقع عليه فهو محال. فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان. وليس له باب واحد بل أبواب كثيرة. قال حكيم من الحكماء: الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة، فإن أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام، فإن أبى شككه في وضوئه وصلاته حتى يخرجه عن العلم، فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابراً عفيفاً فتميل قلوبهم إليه فيعجب بنفسه وبه يهلكه، وعند ذلك يشتد إلحاحه فإنها آخر درجة ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة.

بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب

في التغير والثبات

اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها، فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب، فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته. فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه، وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره. وإن جذبه مالك إلى خير جذبه آخر إلى غيره. فتارة يكون متنازعاً بين ملكين، وتارة بين شيطانين، وتارة بين ملك وشيطان - ولا يكون قط مهملا ً- وإليه الإشارة بقوله تعالى "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم" ولاطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف به فيقول "لا ومقلب القلوب وكان كثيراً ما يقول "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالوا أو تخاف يا رسول الله? قال "وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء وفي لفظ آخر "إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه".

وضرب له صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة: فقال "مثل القلب مثل العصفور يتقلب في كل ساعة" وقال عليه السلام "مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليانا وقال "مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن" وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من حيث لا تهدى إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى.

والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما، ثلاثة: قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت، فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه، فيحكم بأنه لا بد من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به، وينظر الملك إلى القلب فيجده طيباً في جوهره طاهراً بتقواه مستنيراً بضياء العقل معموراً بأنوار المعرفة فيراه صالحاً لأن يكون له مستقراً ومهبطاً، فعند ذلك يمد بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير وكذلك على الدوام، ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه. وإليه الإشارة بقوله تعالى "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى" وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، فلا يخفى على هذا النور خافية ولا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان، بل يقف الشيطان ويوحي زخرف القول غروراً فلا يلتفت إليه وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معموراً بالمنجيات - التي سنذكرها - من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك. وهو القلب الذي أقبل الله عز وجل بوجهه عليه، وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" وبقوله عز وجل "يا أيتها النفس المطمئنة".

القلب الثاني: القلب المخذول المشحون بالهوى، المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث، المفتوح فيه أبواب الشياطين، المسدود عنه أبواب الملائكة. ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه، فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى، فتستولي النفس وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته. فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني، ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد، ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفئ أنواره، فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر، وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار، ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم، وصم عن السمع، وهاجت الشهوة فيه، وسطا الشيطان، وتحركت الجوارح على وفق الهوى فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره. وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" وبقوله عز وجل "لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون" وبقوله "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجهاً حسناً لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه، أو كالذي لا يملك نفسه فيها فيه الجاه والرياسة والكبر، ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه، أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه، أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى، فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفئ منه أنواره فينطفئ نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان.

القلب الثالث: قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوي داعي الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك? وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه? أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً متعوباً يضحك عليك أهل الزمان? أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان قد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يتمنعوا? أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو كان ذلك شراً لامتنع عنه? فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه؛ فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسى العاقبة? أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد? أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ولا تستثقل ألم النار? أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك? أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص? فكيف تخالف الناس خوفاً من حر الشمس ولا تخالفهم خوفاً من حر النار? فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذباً بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضاً عن حزب الله تعالى وأوليائه، ومساعداً لحزب الشيطان وأعدائه، وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى، وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة، بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه، فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن - أي بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب - أعني التقليب والانتقال من حزب إلى حزب، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت، وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء. فمن خلق للجنة يسرت له أبواب الطاعات ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان، فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى بقوله: إن الله رحيم فلا تبال، وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم، وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غداً "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً" يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها، فيوسع قلبه لقبول الغزور ويضيقه عن قبول الحق، وكل ذلك بقضاء من الله وقدر "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء - إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده" فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. خلق الجنة وخلق لها أهلاً فاستعملهم بالطاعة، وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعملهم بالمعاصي. وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار فقال "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه صلى الله عليه وسلم "هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فتعالى الله الملك الحق لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.

ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فإن استقصاء لا يليق بعلم المعاملة، وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزئ بالقشر عن اللباب بل يتشوق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب. وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق.

تم كتاب عجائب القلب ولله الحمد والمنة. ويتلوه كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق، والحمد لله وحده وصلى الله على كل عبد مصطفى.