مجلة الرسالة/العدد 932/القَصَصُ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 932/القَصَصُ

مجلة الرسالة - العدد 932
القَصَصُ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 05 - 1951

2 - قانصوه الغوري

سلطان مصر الشهيد

للأستاذ محمود رزق سليم

مهداة إلى حضرة صاحب العزة الدكتور عبد الوهاب بك عزام

الفصل الثاني

خاتمة سلطان

لله ما أروع الدهر، وما أكثر عجائبه، وما أقسى ما تقدم الأيام من عظات وعبر، وما تحتوي عليه من صروف وغير

والدهر آونة يصفو لصاحبه ... حتى يعود فيسو ماءه كدرا

يعطي ويمنح ما شاءت عوارفه ... ويسلب المرء كرها كل ما دخرا

العادل الملك المزهي بداوته ... كبابه الملك حتى عاد فانحدروا

سعى إليه ولكن سعى مؤتمن ... ولم يقدر لمقهى دهره الحذرا

أيها الملك العادل طومان باى! هاهي ذي دولتك تولي، وها هي ذي دولة أخرى تقبل، وها هو ذا سلطان جديد يحتل عرشك، ويجلس فوق كرسيك، فيبذل ويهب، ويرقي ويؤمر، وينهي ويأمر، وينفي ويعفو، ويوطد دعائم سلطنته بالحزم والعزم وبالبر والوعد الحسن، يعاونه في ذلك كثير من الناقمين منك الحاسدين لك، الحاقدين عليك، الذين ناصبتهم وقت زهوك، عداء استحكمت حلقاته، وجفاء زاد أمره واستشرى خطره.

ولقد أملى لك جهلك، وضعف بصرك بالأمور، أن تبطش بهم رجلاً في أثر رجل، وتقتلهم أميراً بعد أمير، وتفتك بهم صديقاً في أعقاب صديق، مع أنهم جنود عرشك، وحاملو كرسيك، ومؤسسو سلطانك، ومدعمو دولتك، ولكنك جعلت مسرح سلطنتك مذبحاً تنحر فيه فحول رجالك، بدل أن تلتمس منهم العون، وتسترق قلوبهم بالود.

هان لهم الأمر، ورأوا بأعينهم قرب مصارعهم وأنهم على وشك أن يلقوا منيتهم بين يديك، فجميعهم الخطر المشترك؛ وآثروا اطراح أطماعهم ودخلهم والضغائن الفاشية بينهم، لكي يقفوا أمامك صفاً واحداً شديد المرة، حصين الثغرة وقاوموك فهزموك وأسلمت نفسك للفرار. . .

فماذا أفادك بطشك وصلفك وأجداك جورك وعسفك، لكن تمكن منك الداء حتى نكلت بالأصفياء

وظنت دهرك لا يجيئك غدره ... والصفو من كلتا يديه متاح

فمضى وخلفك المعذب قلبه ... ولك ليل بكرة وصباح

نصرك الأنا بكى (قصروه)، وأصفى لك وده، ووهب لك مكنون حبه، ونخل لك مخزون رأيه، وتقدم أمام جنودك إلى باب السلسة وسلم المدرج بالقلعة، إبان نزاعك مع سلطانك وسلطان البلاد من قبلك الأشرف جانبلاط، وقتما نقضت عهده وشققت عصا طاعته وطعمت في الملك دونه، فتقدم صديقك قصروه يعاونك وأنت في شدتك، ويؤازرك وأنت في ضيقك، ودلف إلى القلعة وكان بها جانبلاط معتصماً، فحطم بابها وسلمها، وأقتحم رحابها وهيأ لك بذلك أسباب النصر ومهد لك سبيل إلى الملك وكان وقت جهادك إلى جانبك شديد التواضع جم المروءة نزل به حب الجميل وإسداء المعروف، إلى ما لم ينزل إليه أمير. فكان ينفق على حفر الخنادق من ماله، ويعاون على إنجاز حفرها بيده وحمل الأتربة على كتفه ورأسه، حفزا لهمم العمال وحثا لحماسة الجنود وضربا للأمثال. . .

فماذا كان نصيبه منك؟ حقا لقد خلعت عليه الأتابكية - قيادة الجند - أرفع مناصب الدولة بعد السلطنة، وعظمته ولكن تعظيم الخادع الماكر. حتى إذا اطمأنت إلى نفسك ووثقت بحولك وطولك بطشت به بطشة الجبار الفاجر. وهو أكثر ما يكون ثقة بك واطمئنان إليك، واعتماد عليك وبعدا عن التفكير في خيانتك فوكلت به من قتله.

وكذلك فعلت بالسلطان جانبلاط بعد ما أمنته وأستسلم إليك ووعدته بأن تضفي عليه أسباب الأمن والحرية، فماذا كانت عاقبته وعاقبة وثوقه بك؟ نفيته إلى الإسكندرية، ووصيت به من خنقه في سجونها، دون جريرة إلا ضعفه عن مناوأتك وانفضاض الطامعين من حوله إليك.

ومن قبل هذا بطشت بالظاهر قونصوه، وغدرت بالناصر محمد بن عثمان ونكات بأرملة السلطان المستسلم جانبلاط، ولم ترع لأنوثتها حرمة، ولا لكبر منها مكانة. مع أنها سرية ملك وزوجته ملك، وأم ملك، وأخت ملك، فأرهقتها بما طلبت منها وأنقذت نفسها من كيدك بآلاف من الدنانير قدمتها إليك. . .

ألا فارقب الدهر وهو يدير للقصاص وستلقى جزاءك مناص. . .

قبل عيد الفطر عام 906 هجرية، وفي إحدى الدور النائية في أطراف القاهرة أجتمع عدد من أمراء السلطنة يتزعمهم الأميران: قيت الرجي، ومصر باي. وكان من بينهم طقطباى، وتمر باى، وكرتباى، وخشكادى البسقي، وغيرهم وغيرهم، ممن ينقمون على الملك العادل، وممن هددهم بالقبض عليهم ونفيهم. . .

ويقبلون وجوه الرأي في تصرفاتهم ومواقفه إزاءهم، واشتطاته في معاملتهم واجترائه في العدوان عليهم. . .

قال أحدهم: لقد تفاقم شر هذا الطاغية، وأغرم بسفك الدماء وإهدار الأبرياء حرصاً على دولته وزعماً منه أننا خطر عليها وقد أصبح بطشه قريباً منا. . . نحن الأحياء. . .

قال آخر: وإن لنا فيما أجرمه في جانب الأنابكي قصروه صديقه لعبرة. . . والعاقل من اعتبر بغيره، وأننا إذا أرخينا له في الزمام ولم تهنه من غربه، ونحد من غضبه، تطاير شرره حتى نحترق به. . .

قال آخر: ألا تقدمون له نصيحة خالصة وتطلبون إليه في صراحة وحزم أن يكف عن سيئاته، ويقلع عن خطيئاته. . . أو لكم مقترح أخر؟

قال أخر: إن مثله لا ينقاد للنصيحة، ولا يأمن ناصحه من مد مغبة غدره، فقد التاثت نفسه، واختلط حب الفتك بدمه ولحمه، وبلغ به سوء الظن مبلغاً وخيماً. . . ومثله مثل الظامئ الصادي، إذا شرب من ماء البحر، فلا نقع غلة، ولا روى ظمأ، بل أزداد أوامه، واشتد هيامه. . .

قال آخر: إذا لابد من تدمير أمر حربه. . ولابد من إزالته من الطريق! فهل لدينا من القوة ما يكفي لنجاح هذه التجربة. . .؟ وأنتم تعلمون أنه نفى جماعة إلى قوص، منهم جان بردى الغزإلى، وقرقماس قرا، وقايتباى. وهم من القوة والشجاعة والدربة، والرأي، بالمكان الذي تعلمون. . . لقد قيل أن بعضهم فقد في الطريق إلى منفاه. . . ولم نظفر بعد بخبر عنهم، لذلك ترون أننا في حاجة قصوى إلى إعداد العدة ولم الشمل وجمع العدد الكبير المستطاع إلى جانبنا. . . ثم. . . ثم علينا أن نغرى المترددين والوجلين حتى ينحازوا إلى صفوفنا. . .

إن العادل لا يزال لديه جمع كبير من المماليك السلطانية، ومن المماليك (العادلية) وهم مماليكه الأخصاء، وحوله عدد آخر من الأمراء، الذين اصطنعهم بالمنصب والمال والهدية، ومنهم الأمير طراباى رأس النوبة. إني اعتقد أن طراباي يبصبص بذنبه لمنصب الأتابيكية.، وقد وكل السلطان إليه أن يقوم بمهامها ريثما يعين لها الأمير ولعله يكون طراباي نفسه. . .

قال آخر: لقد بلغني أن الأنابكية ستكون من نصيب الأمير قابي بردى الدوادار الثاني. . . فهو المنافس الوحيد الخطر لطراباى فهو من عصبة العادل وخواصه، وأشعر أن طراباى بدأ يتململ من العادل بسبب إيثاره لقاني بردى عليه، ومن هنا يمكن اصطناعه وتستطاع استمالته إلى صفوفنا.

قال آخر: لو كان أمر طراباى كما نقول، لما جمع جنده وأعوانه أمس، واصطحب عدداً من الأمراء الطامعين أمثال: أنس باى وبيرس البهلوان، ومعهم الوالي والشرطة. لقد طاف هؤلاء جميعاً بعد العشاء أمس يفتشون المنازل ويفجعون سكانها، ويغلظون القول للناس، وبحثاً عنا وطمعاً في كشفنا والقبض علينا وتسليمنا لهذا السفاح. . ولو تم الأمر على ما يهوى طراباى لتم هلاكنا.

قال آخر: إن طراباى في موقفه هذا، يمسك العصا من وسطها، فهو يقوم بمهام منصبه في ظاهر الأمر، حتى لا يسرع إليه العادل فيتهمه ويقضي عليه، والعادل يأخذ بالظنة ويستمع للغربة. . . وبذلك ينجو طراباى من كيده وغدره في حين أنه حانق عليه لآنا على وشك أن يختص الأمير قاني بردى بمنصب الأنابكية دونه. ومن هنا نستطيع أن ندخل إليه من هذه الثغرة فنوسع فيها حتى نحمله إلى الانضمام لجماعتنا. وليس ببعيد أن تثور ظنون العادل ضده بعد فرار الأنابكية من يديه فيتهمه ويبطش به. فإذا لم يسرع طراباى منذ الآن باختيارها والانحياز إلينا، فقد تضيع الفرصة منه لدى الطرفين، ثم لا يجد من ينهض لمعونته حينما يقف وحده في الميدان. أما فالفرصة مواتية له. . اتركوني أتصل به وأدبر لكم أمره.

قال آخر: لا تنسوا أيها الرفاق أن تضعوا في حسابكم مماليك جانبلاط، ومماليك قصوره. فان سخطهم الشديد على العادل يسبب فتكه بسيدهم، نستطيع استغلاله لقضيتنا. فاعملوا على ضم صفوفهم إلى صفوفنا. وادعوا إلينا كل نافر من ظلم العادل وجوره. . .

قال آخر: إذا انصرفتم أيها الرفاق، فليكن كل منكم على حذر، وليكتم الآمر جهده، حتى يتم تدبير جميع أطرافه. وقد يبعث العادل في طلب أحد منا - ومناسبات الاستدعاء كثيرة في هذه الأيام - ثم يقبض عليه ويبطش به. فلنكن إذاً على حذر. . .

أنقض هذا المؤتمر وأنصرف أعضاؤه إلى تدبير الأمر حسبما اتفقوا. بينما كان السلطان العادل قد أهمه أمر المختفين من الأمراء، وأثقل على الناس بالبحث عنهم. وساءت ظنونه في عدد آخر من الأمراء والمماليك. فقعد يدبر وسيلة للبطش بهم والقضاء عليهم.

وفي أحد الأيام كان القراء يختمون البخاري في القلعة، وبهذه المناسبة أقيم حفل أزدان بمن فيه من العلية والرؤساء، ومنهم قضاة الشرع وعدد من الأمراء.

حينذاك أرسل الملك العادل في طلب الأمير قانصوه الغورى والأمير قيت الرجى، ليتم بهما عقد الحفل ونظامه. فلم يلبيا الدعوة، وأحسا بما يكمن فيها من الغدر، وشعرا أن الفرصة حانت للصراع.

أسرع الغورى وقيت إلى الاجتماع بأعوانهما من أمراء وجنود، وأذيع بينهم جميعاً أن السلطان العادل قد اختار فرصة العيد للتنكيل بهم جميعاً. فليدافع كل فرد منهم عن حياته ضد المعتدي الأثيم.

ثارت ثائرتهم وتجمعت أحشادهم، ووفد كل أمير بخاصته من جنده.

وفي يوم الأحد آخر رمضان؛ شهروا سيوفهم؛ وشرعوا رماحهم؛ ولبسوا دروعهم؛ وركبوا جيادهم؛ واستعدوا للنزال.

وقد انحاز إلى جانبهم جملة من الناقمين وعدد غير قليل من الأمراء الهاربين والمختفين، وزحفوا إلى القلعة وفيها العادل. .

وأهاب العادل بأمرائه وجنوده أن يجتمعوا بباب السلسلة، فأجتمع عدد قليل منهم طراباي الشريفي، وأنس باى، وقرقماس، ومعهم جملة من المماليك السلطانية. فوقع بين الفريقين صدام يسير ثم انحاز كل عن غريمه. . .

في ذلك الحين كان الأمير طراباي قد استجمع فؤاده، وعملت الدسيسة في نفسه عملها. . ففر من لدن العادل ومعه جمع من الأمراء، فتبعهم عدد من الجنود فارين إليهم، وذلك عند الغروب.

أسقط في يدي العادل وأيقن أنه مغلوب لا محالة، وأن مصيره دنا، فرأى أن يودع عرشاً لم يجلس عليه إلا قرابة ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وعينه باكية ونفسه والهة. ورأى أن ينجوا بجلده في طي الليل، وأن يختفي عند بعض خاصته وخلصانه، حتى لا يمرقه أعداؤه إرباً إرباً. . فنزل من القلعة والظلام يستره، يتحسس طريقه متنكرا كأوضع نكرة في رعيته، وأصبح حسبه من الملك أن يملك إهابه.

أما قيت الرحبي ومن معه فقد دهموا القلعة بعد قليل، وملكوا زمام الأمر فيها، ولما علم الجند فرار العادل استباحوا لأنفسهم الهجوم على مخازن الميرة والسلاح والإسطبلات السلطانية، فنهبوا منها الشيء الكثير.

أخذوا الأمراء يتشاورون توا في تعيين سلطان جديد. وبعد لأي تم اختيار الأمير قانصوه الغورى - على نحو ما وصفنا - وتمت بيعته في صبيحة عيد الفطر، ومن ثم سار موكبه، ونعم القاهريون بمرآه. .

استوى الغورى على عرش البلاد، وتسلم مقاليد السلطنة، وشغل زمناً بمواكبه، وبالخلع والمناصب التي أخذ يوزعها على أنصاره، تهدئة للخواطر وتسكينا للفتن. .

غير أنه وأعوانه من الأمراء ينامون على جمر الغض، ويتقلبون على فراش القلق والحيرة والحذر. ويعتقدون أن العادل مادام على قيد الحياة، فهو خطر دائم جاثم يهدد سلطتهم وحياتهم.

وفي يوم التأم شمل الأمراء عند سلطانهم الغورى وفيهم قتيت الرحب، وقد صار أنابيكياً، ومصر باى الدوادار، وطراباى رأس التوبة، وجان برى الغزالي المحتسب، ومهم وإلى القاهرة وآخرون.

فوجه السلطان الغورى حديثه إلى أتابكية قيت وقال

- السلطان: أيها الأمير الكبير! ألم يأن بعد الجند الثائرين أن يثوبوا إلى رشدهم، ويكفوا عن غلوائهم، ويرمجوا جانب العقل والحزم على الطمع والفتنة؟ إن الخزانة والحواصل السلطانية لا تستطيع الآن أن تفي بجميع ما يطلبون. ألا ينتظرون حتى تستقر الأمور وتهدأ الأحوال. . . وحتى تشحذ الهمة ونعيد النظر في وسائل تدبير المال؟ ثم نجيبهم إلى ما يطلبون.

وأنني في الوقت الذي يجتمع فيه المال والطعام والكسي لدى لن أدخر وسعاً في الإغداق والبر، ولن أقصر في الوفاء بالرواتب، ولن أتقاعد عن التعويض عما فات.

- الأنابكى قيت: إذا بذل لهم مولانا السلطان وعده الكريم وضغطنا نحن الأمراء باللين والقول الحسن فسيكون حتماً عن ثورتهم وأعتقد أنهم يدينون المقام الشريف بالطاعة والولاء، أما نحن فسنبذل قصارى جهدنا في سبيل تهدئة الفتنة محافظة على الخواطر السلطانية الشريفة.

السلطان: أنت تعلم أيها الأمير - أن أمامنا مشكلة كبرى لم تحمل إلى اليوم. وقد أنصرم شهر شوال ولم نضع لها حلاً. تلك هي مشكلة اختفاء العادل. . . ينبغي أن يؤتي به إلى هنا حياً كان أو ميتاً. ولعل الماكر الخبيث له في ثورة الجنود فتنهم وتحريضهم على طلب المتأخر من عطيتهم ورواتبهم.

- الأمير مصر باى: أجل يا مولانا إن العادل أعواناً وأنصاراً يعمل معهم في الخفاء، ويدبر الأمر للعودة إلى السلطنة بعد أن انتزعت منه انتزاعاً ولكن هيهات. . .

إنه يجتمع بهؤلاء الأعوان والأنصار في ظلام الليل الدامس ويسردون سطورا حاضة على الثورة، ويبذلون فيها الوعود السخية للجند، وينثر عليهم دراهمه ودنانيره شفاهاً، ريثما يعود. . . ويهب لكل واحد منهم مائتي دينار وفرساً مطهمة. ويتوب إليهم مما جنته يداه. ويمينهم بأنه لن يعود فيهم إلى سيرته الأولى، وسيرعى العدالة حق الرعاية، ويدفع الرواتب، ويجزل العطاء، ويفصل في الأمور برأيهم. . .

- السلطان: أمر مدهش، وأخبار عجيبة. . . من أتى لك هذه المعلومات أيها الأمير مصر باى؟ وكيف يصمت والي القاهرة على هذه الفتن، ولا يبحث عن مصدرها ويبطش به بطشة نكراء. .؟

الوالي إن ما يقوله الأمير مصر باى صحيح يا مولانا - فقد عثرنا بالقبو عند سوق السلاح على أوراق مكتوبة بهذا المعنى، معلقة على الجدران رجاء أن يقرأها المارة من الجند، فيكون لها أثرها في نفوسهم. . . ولنا نزعناها سراعاً، وأخذنا طريقنا إلى البحث عن مصدرها.

السلطان: مصدرها؟ عجباً! ان مصدرها معروف لا حاجة إلى تبيينه. . . إنه العادل المخلوع بلا شك. فلماذا نقصر في البحث عنه إلى اليوم؟ ومن العار أيها الوالي أن تتهاون في القبض عليه إلى الآن. فلا بد من الوصول إليه بأى ثمن.

طراباى: الواقع يا مولانا أننا لم نقصر في البحث عن العادل، طفت القاهرة مع الوالي وشرطته، ودهمنا منازل كثيرين من أصدقائه، وهجم الوالي على بيت القاضي الحنفية برهان الدين الكركي، وهو من خاصة العادل وخلصانه. ثم آل أمره إلى القبض عليه، فحبس في دار الأنابكي قيت، وقد سمعنا أن العادل أودع لدى هذا القاضي مالاً، غير أن مولانا السلطان قد أمر بالإفراج. عنه ثم دهمنا سيدي علي بن السلطان المؤيد أحمد، وقد قيل لنا ان العادل يختبئ عنده، ولكننا لم نعثر له على اثر، وفتشنا جملة من المنازل وعدداً من الزوايا الأماكن ولا نزال نجد في البحث عنه في كل مكان، وسنعثر عليه بعون الله وبفضل رضا مولانا السلطان.

السلطان: بارك الله فيك أيها الأمير طراباى، لا ننسى لك أنك كنت في مقدمة الأسباب التي أدت إلى هزيمة العادل، ولنا الأمل في أن يتم مصرعه على يديك أو يدي الأمير مصر باى.

مصر باى: إذا أذن مولانا السلطان فأطلق لي عنان العمل كما اشتهى، فقد أوفق في العثور على الضالة، وأنهى إلى مقره الشريف خاتمة هذا الطاغية.

السلطان: إنك مطلق الحرية تصرف في أمره، وأفعل ما تشاء.

أنفض الجمع وكان اختفاء العادل حديث أهل القاهرة طول شهر شوال، لم يهدأ لهم فيه لسان ولا سكن خاطر. ومما أثار ثائرة الحديث، ما كان يقوم به الوالي وشرطته وغيره من الأمراء والجند، من دهم البيوت، ومفاجأة أهلها بحثاً عنه، والأمراء فيما بين ذلك لا يأمنون المسير إلا بين رجال من حرسهم يحيطون بهم، ولا يطيب لهم رقاد إلا على ريبة وخوف. وهكذا عاش الجميع عيش قلق وهم، شهراً وبعض شهر.

والأمير مصر باى عيونه وأرصاده يتسقطون أخبار العادل. فترامى إليه أن العادل يجتمع مع خاصته ليلاً، ويتواري عنهم نهاراً، ولا يعرف مقره أحد من أعوانه. وان ممن يجتمع به جابي بك شاد الشراب خاناه، وجابي بك الشامي.

وكان جابي بك الشامي يسكن مقربة من دار الأمير مصر باى فبعث الأمير إليه وإلى رفيقه، وسألهما عن العادل ومكانه فأنكروا معرفة مكانه، والاتصال به. فشدد الأمير عليهما النكير، وتهددهما بالعذاب الأليم، حتى أيقنا بالهلاك فلما رأى الخوف قد أستقر في نفسيهما، ونطقت بالهلع عيونها لان لهما القول، وبذل لهما الوعد باللقب والمال والجاه. ولمح لهما لأن السلطان سيعرف لهما يد هما فيرقيهما إلى الصف الأول من صفوف أمرائه. وهكذا جعلهما بين خوف لا يستطيعان دفع شره ورجاءهما أحوج إلى غيره وبره.

حينئذ اعترفا لمصر باى بأنهما يجتمعان بالعادل بين الفينة والفينة. فقال لهما مصرباى: إنني أعتبر كما صديقين مخلصين، وعوناَ للسلطان على عدوه. فلنضع معاً خطة حكيمة، ولنحكم الشباك حتى لا يفلت منها الصيد.

فقالا له: اقترح ونحن نطيع وننفذ.

فقال مصر باى: زينا للعادل أنكما وأعوانكما تدبرون له أمر العودة إلى السلطنة، وأن كثيراً من الجند قد أنضم إليكم وأن الفتنة ضد السلطان الغورى قدزاد ضرامها، وأن المنشورات الثورية التي تذيعونها آتت أكلها، وأن الجنود على وشك إعلان السلطان بالعصيان والقتال وهم في حاجة إلى قيادته. . .

ثم ليأت العادل إلى دار جاني بك الشامي عشاء في ليلة نتفق عليها. . . ثم خذوا في الطعام والشراب إلى هدأة من الليل وألقوا في روعه أن ينتقل إلى دار الأتابكي جرباش كرت، المجاورة لدار جاني بك، وبها سرداب سري ينفذ إلى دارى. . . فيزحف مع خاصته من هذا السرداب حتى إلى فيقتتلني. . . ومن ثم يطيب له الزحف بمجموعه المنتظرة على القلعة فيملكها. . . ثم اتركاني أدبر بقية أمره. . .

أنصرف الرجلان وفي عشاء الاثنين 13 من ذي القعدة، وفد العادل على منزل جاني بك الشامي مسرفاً في الأمل، بهجاً يدنو عودته إلى عرشه. فتبسط له صديقاه في الحديث ومدا له الموائد الحافلة، وضربا له نصف الليل موعداً للهجوم على منزل مصر باى، وبينما هم في لهوهم وترقبهم إذ دهم المنزل الأمير مصر باي بجنوده. . . فأحس العادل بالخيانة وأيقن بالتلف، ولم يجد حوله من يدفع عنه فوقف وحده الميدان يذود عن نفسه. . . ولم يجد بداً من الفرار، فركن إليه جاهداً إلى أعلى حائط في المنزل، وقذف بنفسه إلى خارجه نحو الأرض، فكسر فخذه. وهناك تلقاه أحد مماليك جانبلاط فتهوى على رأسه بسيفه فاجتزه. . . وعدا عليه جملة من المماليك فأثخنوا فيه بسيوفهم انتقاماً منه وشفاء لما في صدورهم. .

ثم حمل رأس العادل إلى الأمير مصرباي فوضعه في طبق من النحاس وسيره إلى الأبواب السلطانية، وحاملو المشاعل من حوله ينادون:

(هذا جزاء من يسفك الدماء ويقتل الأبرياء)

محمود رزق سليم