مجلة الرسالة/العدد 874/الأدب والفن في أسبُوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 874/الأدب والفن في أسبُوع

مجلة الرسالة - العدد 874
الأدب والفن في أسبُوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 04 - 1950


للأستاذ عباس خضر

عمل عظيم:

أذكر بمزيد الغبطة والسرور قرار مجلس الوزراء الذي يقضي بمنح زوجة وولدي المرحوم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني معاشاً قدره ثلاثون جنيهاً على أن يؤول نصيب الولدين عند بلوغهما سن الرشد إلى الزوجة. وهكذا تتحقق مسعى الإنسان العظيم عميد الأدباء الدكتور طه حسين بك، وهذا القرار يعتبر مبدأ جديداً في تقدير الأدباء تقديراً خالصاً من أي اعتبار لغير أدبهم وأثرهم في خدمة البلاد.

ولقد كان من أشنع الجحود أن تهمل أسرة الكاتب العظيم - وليس لديها ما يوفر لها العيش الكريم اللائق بها - دون رعاية الدولة وعنايتها.

ولقد هزني ذلك القرار الحكيم وبعث إلى فؤادي نشوة، إذ استشعرت فيه أمرين إلى جانب أثره في تخفيف أعباء العيش عن أسرة الأديب الراحل، الأول أنه محا عن مصر سبة العقوق لأعلامها الأدباء، والأمر الثاني أننا صرنا إلى حال يتجه فيها أولو الأمر إلى الحق الصرف، وقد اعتدنا أن نرى تدخل الحزبيات في المنح والمنع.

أما عميد الأدباء - رعاه الله - فماذا أقول فيه؟

لقد قلت إبان توليته وزارة المعارف بعد أن أجملت برنامجه كما فهمناه من كتاباته ومحاضراته - قلت إننا لن نتوانى عن مطالبته بتنفيذ هذا البرنامج، وداخلني عند ذاك شيء من الإشفاق وأنا أستحضر ما عهدنا من بلادة الرسميات، فقلت: ليس كل ما يكتبه الكاتب يستطيع تحقيقه إذا ولي الأمر. فالكاتب يضع المثل والتنفيذ شيء آخر، ولكنا نرجو أن يعمل ما وسعه العمل. قلت ذلك وأنا لا أتوقع أنه سيصنع ما صنع من عظائم الأمور ولما يمض غير قليل. أما الآن فإنني أكرر أني لا أدري ماذا أقول فيه. ولكني أرى الرجل قد زهد في ثناء الكلام فاتخذ من الأعمال مثنيات لا ترائي ولا تنافق.

وكثيراً ما يداخلني شعور بأن لا أسرف في الحديث عن الدكتور طه حسين لأن مكان معاليه في الوزارة يثير التهمة بالملق، وليس كل الناس يعلم أني بعيد عنه. ولكن ما حيلتي؟ هل أقول له مثلاً: لا تعمل على تقرير معاش لأسرة المازني وتعليم أولاده بالمج التعليم العالي؟

الحقيقة أننا حين نتحدث عن طه حسين فإننا نتحدث عن (معنى) أو (مثل) أتيح للبلاد أن تظفر به في هذه الفترة من حياتها المضطربة. ألسنا إذن نتحدث عن نعمة الله فينا؟

المعوقات الثقافية للأدب:

ابتدأت محطة لندن العربية إذاعة سلسلة من الأحاديث لمعالي الدكتور طه حسين بك في موضوع (معوقات الأدب الحديث) وقد أذيع أول هذه الأحاديث يوم الجمعة الماضي، وقد تناول فيه واحداً من هذه المعوقات، وهو الخاص بالثقافة، فقال: إنه يأتي من أن الثقافة ليست منتشرة في الشرق العربي كما ينبغي، فالتعليم لا يزال محدوداً، وقراء الأدب تبعاً لذلك قليلون، فالكاتب لا يجد صدى كبير لما يكتب، ولا يجد ما يغنيه من الكسب المادي. وقد كان الأدباء في القديم وفي أوائل الحديث يتكسبون بأدبهم من الأمراء والكبراء، أما الأديب المعاصر فقد عزف عن ذلك واتجه إلى الاعتماد على أدبه في كسب عيشه، وإن كان الأدباء قد اضطروا إلى الرجوع إلى الحماية بعض الشيء، وهم يكتبون في الصحف ويعملون في خدمة الدولة لأن الأدب وحده لا يقوم بحاجتهم، والأديب في حاجة إلى أن يفرغ لأدبه، يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً، فلو كثر القراء وأغنوا الكاتب عن اللجوء إلى الوسائل الأخرى لكان للأدب في الشرق العربي شأن آخر. وهناك ناحية أخرى لهذه المسألة، وهي أن ثقافة الأدباء وثقافة القراء قليلة التنوع، وذلك آت من طريقة التعليم، فإن التعليم في الشرق العربي لا يتيح للمتعلمين إلا تعلم لغة أجنبية واحدة أو اثنتين، فالكاتب الذي لا يلم بالثقافات المختلفة لا يتعمق موضوعه؛ والمثل الأعلى في ذلك أن يكون في الأمة من يترجمون إلى لغتها كل ما يجد في الأمم الأخرى من ألوان الثقافات، فيجد الأدباء والقراء من هذه الثقافات ما ينمي أفكارهم ويوسع آفاقهم.

حفلات زحلاوية:

أشرت في الأسبوع الماضي إلى كلمة الأستاذ حبيب الزحلاوي التي عقب بها على ما جاء خاصاً به، وعلى غير ما يخصه، فيما كتبته عن حفلة تأبين المغفور الأستاذ علي محمود طه بالمنصورة.

وأسارع أولاً فأشكره على ثنائه، وأذكر فضله فيما هيأ لنا من جو المرح والدعاية في تلك الرحلة بسعة صدره وقوة أعصابه الحديدية.

وأوثر أن أعرض عما تطاير في كلمته من شرر أورى وخبا دون أن يصيب هدفاً، فمن المفهوم أني لم أحذ حذوه في الخصومة كما قال، إنما هي مشاكله في التعبير، كما أني لا أشعر بحاجة إلى إقناعه بأني أتقنت (القفش والتنكيت) وما أنتظر منه دعوة إلى مزيد من انتباه وإتقان - أوثر أن أعرض عن ذلك كله، لأقصد إلى جلاء المعالم الأدبية فيما تناوله.

يقول أني تعثرت في الخطوة الأولى، ويزعم (أن الذي يتعثر ويكبو في الخصام قد لا يهتدي إلى السبيل المؤدي إلى الفوز والنصر) مهلاً يا صديقي! ولا صارماً في حكمك هكذا. . فإن الذي زعمته تعثر وكبا والذي هو أنا قد ينهض من عثرته وكبوته ويأخذ في السبيل إلى النصر. . إلا أن يكون ذلك مستحيلاً في منطقك الحديدي! ثم ما هي العثرة أو الكبوة التي أضلتني سبيل نصر ليس في بالي وحسباني؟ ألأني قلت إن وصفك للشاعر الذي اجتمع الناس لتأبينه بالبوهيمية غير لائق بالمقام! كنت أحسب أن هذه الإشارة تكفي، وقد تلطفتُ أيضاً فوصفت كلمتك التي ألقيتها بالحفل، حفل التأبين، بأنها لم تند بماء العاطفة. فجئت تقرر مذهباً جديداً في التأبين يسوغ أو لعله يوجب أن لا يقتصر على ذكر محاسن الشاعر والإعراب عن عواطف الأسى لفقده، بل لعل هذا المذهب الجديد يلغي المراثي من الأدب ويمنع التأسي والتفجع، فإنك تقول (ما جئت أبكي صديقي الراحل، ثم ما قيمة البكاء على الميت؟ وهل إذا نديت كلامي بماء العاطفة كنت أضفت صفة جديدة إلى الصفات التي اجتمعنا للاحتفال بها) فلم جئت إذن يا صاحبي؟ ألتقول إن الشاعر كان عربيداً ماجناً؟ وبذلك أضفت صفة جديدة إلى الصفات المحتفل بها! وأكسبت الحفل قيمة أي قيمة! إذ أخرجته عن ندب الندابين وبكاء البكاءين إلى. . . إلى ماذا يا ربي؟! أأقول إلى شتم الشاتمين؟ يا أستاذ زحلاوي، إن حفلات التأبين إنما تقام للتأبين أي ذكر محاسن الفقيد وتعديد مناقبه، وحفلات التكريم هي أيضاً تقام للتكريم لا للتهزيء، فإن بالغ قوم في هذا أو ذاك إلى درجة الكذب واختراع صفاته غير موجودة في المؤن أو المكارم فهذا شيء آخر غير ما كنا فيه بالمنصورة، وهو خروج عن الأصل لا حاجة بنا إلى زجه في مناسبتنا الكريمة اللهم إلا إن كنت تريد أن تبتكر نوعاً من الحفلات طبقاً لمذهبك السالف الذكر، حفلات لا عهد لأحد بها، وهي جديرة بأن تنسب إلى مخترعها فتسمى حفلات زحلاوية. .

وما ذنب الشعر يا صديقي حتى كدت تصهره بنارك أو تعالجه بالمطرقة والسندان وهو فن رقيق كالأزهار تتلقاه المشاعر كما يلمس البنان الزهرة في رفق وحنان؟ فالشاعر صاحب القصيدة الجيدة يتخيل أصحاب الشاعر قد ذهلوا لأنه غادر الشاطئ وأوغل في اليم، فوقفوا مذهولين يحلمون بعودته، ولكن الذاهب لن يعود.

قل للرفاق الحلين تيقظوا ... ودعوا الأماني الكواذب عنكمو

حلم من الأحلام عودة ذهب ... لا تحلموا بمجيئه لا تحلموا

فماذا يضيرك يا سيدي من أن يقال إن هذا كلام جيد؟ هل عيبه أنك ألقيت كلمة في الحفل يجب أن تسطع شمسها فتحجب سائر النجوم والكواكب؟

ورأيتك يا صديقي تأتي بأقباس من كلمة الأستاذ الزيات وتطلب مقارنتها بما قلت أنت لتخرج بالنتيجة التي أردتها وهي أنك رسمت معه (الخطوط الرئيسية لمن يتوفر على دراسة الشاعر الصديق علي محمود طه) وقد علمنا ما قاله الأستاذ الزيات، فهل وصفك الشاعر بالبوهيمية والعربدة هو الذي كمل هذه الخطوط دون كل ما قيل في الحفل من نثر وشعر؟!

هلا رسمت مستقلاً خطوط هذه الدراسة، ولعلك تفعل الآن وأنت في حل من أن تذكر عن الشاعر الفقيد كل ما تريد في غير مقام التأبين، وقد ذكرت أنك تعرف عنه كثيراً، وإني أفترض فيك الكفاية، فهيا. . . وأرجو لك الهداية إلى سبيل الفوز والنصر.

معرض الفن الأسباني:

يقوم هذا المعرض الآن في قصر إسماعيل على شاطئ النيل وهو يمثل الفن الأسباني في الرسم والتصوير والنقش والنحت في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ويحوي أعمالاً فنية لفناني هذه الفترة الأسبانيين وعلى رأسهم الفنان العظيم (جوبا) الذي تحرر من الجمود في عصره وعبر بحرية تامة عن نوازعه الإنسانية وثار على الأوضاع وسخر من أهل الرذائل والنقائص، يعبر عن كل ذلك بريشته كما يعبر الكاتب بقلمه ومن هؤلاء الفنانين أيضاً (جوليو أنطونيو) الذي تعمق طبائع الإنسان مع الوضوح والصفاء، ومنهم (زو كواجا) الذي يتميز بالقوة والثقة والتجديد، و (دالي) الذي أبدع جمالاً أروع من الوقع في لوحته (المرأة في النافذة).

ويشعر الإنسان في هذا المعرض أنه أمام حرارة فائرة ونصاعة باهرة، ولا أخال كلتا الصفتين إلا منحدرتين من الدم العربي الأندلسي الذي لا يزال متغلغلاً في تلك البلاد، فالحرارة الفائرة هي حرارة الشرق، والنصاعة هي البيان العربي المشرق قد تحول على الريشة إلى خطوط وألوان. وإنك لتقرأ في هذه الأعمال الفنية قصائد ومقالات، أبدعها قصائد الغزل. . فالمرأة تمثل أهم اللوحات والتماثيل، وهي المرأة العربية بسحنتها وسماتها مع ما اكتسبته هناك من النضارة الزهراء والبشرة البضة الملساء، وترى فيها غزل عمر بن أبي ربيعة وأصحابه كما ترى نسيب العذريين ممثلاً في تعبيرات النفس المحبة والعواطف المتأججة.

وتبرز في هذا الفن الأسباني الناحية الاجتماعية والإنسانية أكثر من مظاهر الطبيعة، فالغالب فيه تحليل النفس الإنسانية واستخراج الموضوعات المختلفة من صورة الإنسان. مثل (أهوال الحرب) و (الثورة) و (محاكم التفتيش) وغيرها. ويبدو فيها تمجيد الإنسانية العالية ونقد الأوضاع المنحرفة والسخرية منها. ولكنني حرت أمام صور المصارعة الثيرانية، فإني أقشعر من هذه المناظر وأشعر بوحشيتها، ولكن لم أجد على اللوحات تعبيراً يماثل ما بنفسي، بل أجد الأمر على خلاف ذلك، وكل الطاقة الفنية منصبة على المهارة في إبراز الأوضاع المختلفة لهذه المصارعة، ولكنني لست أسبانياً، والفنان الأسباني إنما يعبر عن شعور الأسبانيين في اعتزازهم بهذه (الفروسية) ومع هذا فقد كنت أرجو أن أجد هناك فناناً يرتفع عن هذه الظاهرة القومية إلى ذروة الإنسانية. . .

عباس خضر