مجلة الرسالة/العدد 648/الكُتُب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 648/الكُتُب

مجلة الرسالة - العدد 648
الكُتُب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 12 - 1945


المسئولية والجزاء

للدكتور علي عبد الواحد وافي

بقلم الأستاذ سعيد زايد

أستاذنا الدكتور علي عبد الواحد وافي عميد علم الاجتماع في مصر بلا منازع، فهو قد درس مسائله دراسة وافية دقيقة تبين للمتأمل في كتبه القيمة والمستمع لمحاضراته في كلية الآداب.

وعلم الإجماع الصحيح - وأقصد به التابع للمدرسة الاجتماعية الفرنسية - علم حديث في مصر لم يخلص بعد من التيارات المنازعة أو بمعنى أصح من المخالفين لمنهجه، وهم على وجه العموم يتبعون المدارس الإنجليزية والأمريكية، وتنحوا المدارس الأولى منحى بيولوجيا بينما تنحو الثانية منحى عمليا، وأغلب الظن أن معارضة المعارضين للمدرسة الفرنسية إنما ترجع إلى عدم الفهم الصحيح لأسس التي تضعها لعلم الاجتماع، ولسنا هنا في مقام سرد حججهم والرد عليها، ولكنا نحب أن نقول إنه من حسن الحظ أن قيض الله للمدرسة الفرنسية عالما فهم دقائق علمها وأخرجه لقراء العربية واضحا لا يحتاج إلى جهد كبير في الفهم، وسيأتي اليوم الذي يميز فيه الناس بين الخبيث والطيب، ويتحقق البقاء للإصلاح.

الكتاب الذي بين أيدينا أحد مؤلفات الجمعية الفلسفية المصرية، وموضوعه المسؤولية والجزاء، ويتكلم فيه الأستاذ عن الأسس التي تقوم عليها المسؤولية كلام عالم استوعب جميع الجزيئات فأتت أحكامه عامة شاملة لا يتطرق إليها النقص، وهو وإن أملى عليه تواضعه بأن يقول بأنه اعتمد كثيرا على مؤلف أستاذه فوكونية في المسؤولية إلا أن الأخير لم يدرس الناحية الإسلامية ولم يحاول بالتالي أن يتكلم عن مظاهر المسؤولية في المجتمعات الإسلامية، بينما ترى هذه الناحية لم تغب عن ذهن أستاذنا فأدخلها ضمن مؤلفه القيم، فموقفه يتلخص في أنه فهم منهج علم الاجتماع على يدي علماء المدرسة الفرنسية الاجتماعية فهما صحيحا. ثم استطاع أن يطبقه على دراسة أية ناحية من نواحي المجتمعات المختلفة، وحبذا لو فهم جميع علمائنا الآخذين من الثقافة الغربية مناهج علومهم صحيحا ثم حاولوا بعد ذلك أن يدرسوا نواحي جديدة وهم مسلمين بأسس الدراسة الصحيحة، إذن لظهرت ذاتيتهم ورأينا مؤلفات تقف بجانب مؤلفات الغربيين في ميدان التفاخر لا كما نرى الآن صورا مشوهة من مؤلفات الغربيين نقول إن أستاذا قد استوعب جميع النواحي حين أراد أن يكتب مؤلفه. وتسلح بالمنهج الصحيح لعلم الاجتماع وهو منهج ذو شعبتين: الشعبة الأولى تتناول الظاهرة الاجتماعية من الناحية الوصفية فتبين تاريخها وتطورها وخصائصها وأشكالها، والشعبة الثانية تتناولها من الناحية التحليلية فتحاول على ضوء الدراسة الوصفية تحليل ما بها من حقائق، وتوازن هذه الحقائق بعضها ببعض إلى أن تصل إلى بيان دعائمها العامة، وبالتالي إلى كشف القوانين التي تخضع لها. فكشف القوانين هو غاية العالم، لقد التزم أستاذنا الدقة في تطبيق هذا المنهج في مؤلفه الذي بين أيدينا، فتكلم في الفصل الأول عن أهلية الشخص للمسؤولية فبين أنه ليس فقط الإنسان الحي العاقل الرشيد الذي لا يكون شخصا معنويا كما تقول بذلك قوانينا الحديثة؛ بل إن هناك مسؤولية لغير، فالمجتمع لا ينظر في تقدير الجزاء وأهلية الكائن نفسه، بل إلى الجريمة ومدى قوتها ومبلغ اعتدائها على نظمه الأساسية وأثرها في حياته العامة. وفي الفصل الثاني يتكلم عن الحالات المولدة المسؤولية، فبين أن المسؤولية لا يشترط فيها كما تقول القوانين الحديثة أن يرتكب الكائن جرما ماديا وأن يكون هذا الجرم المادي قد حدث عن قصد وإرادة. بل إن هناك مسؤولية تنشأ عن عمل نفسي بحت وأخرى عن عمل مادي بحت وثالثة عن عمل لم يقصده الكائن ولم يصدر عنه بالملابسة بل بالانتقال، ويخلص من هذا الفصل بحقيقتين: إحداهما أن المسؤولية الفعلية وما يترتب عليها من جزاء يتولدان عن حدوث ما يرى المجتمع أنه لا يصح حدوثه بقطع النظر عن الصورة التي حدث بها الجرم. والثانية أن المسؤولية الفعلية وما يترتب عليها من جزاء لا تقعان إلا على كائن يمت إلى الجريمة بصلة ما سواء قصدها وأحدثها، أو قصدها فقط ولم يحدثها، أو أحدثها ولم يقصدها أو انتقلت إليه من كائن يمت إليه بصلة ما. . . وفي الفصل الثالث يتكلم عن نظريات المسؤولية والجزاء ويناقشها، ولا يتسع المقام هنا لإعطاء صورة هذا النقاش ولكنا نحب أن نذكر أن أستاذنا قد فند القول بالنظريات الفلسفية والنظريات التاريخية وخلص من ذلك إلى الدعائم الصحيحة للمسؤولية والجزاء وهي التي تكلم عنها في الفصل الرابع ويلخصها في أن سبب المسؤولية هو حدوث ما يرى المجتمع أنه لا يصح حدوثه، وأن العقوبة تتجه نحو الجريمة نفسها والمجتمع في إصابته للمجرم إنما يتجه نحو الجريمة نفسها وان الوظيفة الاجتماعية للمسؤولية والجزاء هو أن تصان حياة المجتمع وتظل حدوده بمأمن من الاعتداء، ولكل مجتمع منهجه الخاص في تحقيق هذه الوظيفة.

هذه خلاصة - لا أزعم أنها وافية - لفصول الكتاب، ولا أدعي أنها تغني عن قرأته، وضح لنا منها أن المسئول ليس الشخص الذي تعرفه قوانيننا الحديثة بأنه الحي العاقل. . . الخ بل إن بعض المجتمعات قد أوقع مسئولية على الجماد والحيوان الميت. . . الخ ولا غضاضة في ذلك فلسنا هنا بصدد أحكام قيمية ولكنا بصدد تسجيل ظواهر ارتضاها العقل الجمعي في وقت من الأوقات. فنظم المسؤولية والجزاء - كغيرها من النظم الاجتماعية - ليست من صنع الأفراد ولكنها (تنبعث من تلقاء نفسها من العقل الجمعي واتجاهاته وتخلقها طبيعة الاجتماع وظروف الحياة، وتتطور وفق نواميس عمرانية ثابتة لا تستطيع الأفراد سبيلاً إلى تغييرها أو تعديل ما تقضي به، وإن القادة والمشرعين ليسوا من هذه الناحية إلا مسجلين لاتجاهات مجتمعاتهم ومترجمين عن رغباتها وما هيئت له فإن انحرفوا في هذا السبيل كان نصيبهم الإخفاق المبين).

بقي سؤال وهو: هل القول بالعقل الجمعي يتضمن القول بالجبرية المطلقة وبذلك يتعذر الإصلاح؟ كلا إن (مجال الإصلاح في هذا النظام أوسع منه في أي نظام آخر) ولا شك أن إصلاحا يقوم على فهم لميول المجتمع ورغباته ويسير به سيرا حثيثا إلى الرقي لهو أنفع وأجدى من إصلاح جل همه التقليد ثم الارتجال بدون دراسة لعقليات المجتمع ويكون مصيره الفشل. فعلماء الاجتماع لا يقفون بعلمهم موقفا عقيما لا يقصدون به سوى الدراسة واستخلاص القوانين، بل إنهم في دراستهم هذه إنما يدعون عون القادة والمشرعين والمصلحين إلى التعمق في معرفة عقلية المجتمع وميوله ومقدار استعداده لتقبل الإصلاح وإلا ذهبت جهودهم أدراج الرياح

وبعد، فان كتاب المسؤولية والجزاء خليق بأن يقرأ وبأن يكون هدى وتبصره لمن يريدون الإصلاح المنتج.

سعيد زايد

ليسانسية في الفلسفة والاجتماع