مجلة الرسالة/العدد 374/من عجائب الفهم أيضاً!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 374/من عجائب الفهم أيضاً!

مجلة الرسالة - العدد 374
من عجائب الفهم أيضاً!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 02 - 09 - 1940


للأستاذ زكي طليمات

كتب (الناقد الأديب) مقاله الأول في العدد (368) فساق القول من أطرافه، ولم يعرج على المذاهب الفلسفية ألبتة، حتى بما يصح أن يدّعم به اتهاماته ويقوم دعواه، فلم يفطن إلى أن قصيدة الأستاذ العقاد عرض وتحليل لنظرية (كانت) في المعرفة، ولم يرد توطئة (مفرق الطريق) إلى فلسفة ما. ولكن ما أن تحدثنا في الفلسفة، ذلك في الرد على ذلك المقال الأول، وتحدثنا فيها بالقدر الذي لا يثقل على القارئ لننزل الأمور منازلها الصحيحة ونوجه القارئ إلى الحق، حتى أخذ (الناقد الأديب) بأسباب الفلسفة، وحديث الفلسفة متمعج لزج، وله أرض رخوة تنزلج القدم عليها، أو هي تسوخ فيها، فلا تقتلع إلا لتزداد بعد ذلك سوخاً، ما لم يضرب السائر في الدرب الأمين. فساق في مقاله الثاني في العدد (372) أقوالاً وأصدر أحكاماً يغلفها التعسف الواضح، والنقد المتعسف، كما هو معلوم من أسوء النقد، وهو مطية للخطأ.

زعم (الناقد الأديب) في مقاله الأول أن مسرحية (مفرق الطريق) إنما تقوم على الفكرة الفلسفية التي أنشأ عليها الأستاذ العقاد قصيدته (القمة الباردة)؛ فكان أن قررنا في الرد على هذا الزعم - وذلك في مقالنا السابق - أن الأمر غير ذلك، لأن قصيدة (القمة الباردة) تقديماً وشعراً، ما هي إلا عرض وتحليل لمذهب الفيلسوف (كانت) في مسألة المعرفة، والمعرفة هي الفحص عن الصلة بين الذات والموضوع، هذا في حين أن (مفرق الطريق) تعالج حالة نفسية غامضة، معالجة تمت بوسائلها إلى المذهب الباطني الذي أحكم أمره الفيلسوف (برجسون). وهو مذهب يعتمد على البصيرة والإحساس الدفين - لا الدقيق - والإدراك الصرف مع إهمال ظواهر العالم وطلب خفاياه وبواطنه، وأيدت ذلك بالبرهان القاطع، فماذا كان رد (الناقد الأديب) على ذلك الإيضاح؟

لم يدحض ما أيدناه بالبرهان، بل أنه لم يتصد له وجهاً لوجه بل راوغ وداور ليعبر عنه عبراً. فإذا هو يومئ إلى أن قصيدة العقاد في (القمة الباردة) ترجع إلى أصول من فلسفة (كانت)، يصنع ذلك في نفس الوقت الذي يصرح فيه بأن (مفرق الطريق) إنما تقوم على خليط فلسفي، خليط فيه من (كانت) ومن (برجسون) وفيه أيضاً من (إبسن) ومن أشياء أخرى

إذن (فالناقد الأدبي) يعترف مكرهاً بأن مفرق الطريق ليست من (كانت) وحده، أي ليست من العين الفلسفي الذي أغترف منه دون غيره الأستاذ العقاد في قصيدته (القمة الباردة) وهو يعترف بهذا ولكن يتواري في اعترافه وراء أقوال أخرى - هي من الدخان الذي يطلق لينشئ ستراً يمهد لنقلة عاجلة من وضع إلى آخر في غفلة من العين - فيزعم أن (مفرق الطريق) فيها أيضاً من (برجسون) وفيها من (أبسن) يزعم هذا هو لا يدري أن أقواله هذه تناقض ما قاله في مقاله الأول، وأنه ينزل مكرهاً على ما قررناه من أن (مفرق الطريق) تمت إلى فلسفة (برجسون) بل هو يتورط في خطأ جديد، أو يدس اسم (إبسن) في معرض حديثه عن الفلسفات مع (كانت) و (برجسون) في حين أن ليست (لإبسن) مدرسة فلسفية قائمة بمعالمها وحدودها، إذ أن كل ما لهذا المؤلف النرويجي العظيم أسلوبه الخاص في التفكير ومعالجة الشؤون الاجتماعية!

كيف تأنى إذن أن تكون مسرحية (مفرق الطريق) في زعم (الناقد الأديب) من (كانت) مقتبسة من قصيدة العقاد - وهو ما صرح به في مقاله الأول - ثم كيف تأتي أن تكون المسرحية نفسها من (كانت وبرجسون وأبسن) - وذلك في مقاله الثاني - ولما تلبس المسرحية لبوساً غير لبوسها الأول!!

ويمتد بنا التساؤل فنقول: كيف يتأتى أن يجتمع (كانت) و (برجسون) في صعيد واحد، ولكل من الفيلسوفين مذهبه الخاص، ولكل وسائله، وهي لدى كل منهما متغايرة متباينة؟؟ وما دمنا في صدد الفلسفة نرى لزاماً علينا أن ننبه (الناقد الأديب) إلى إقحامه اسم الأستاذ في رده، تهويل محض، لا يؤخذ به من فقه (برجسون). وأغلب الظن أن (الناقد الأديب) ركب هذا الحرج ليوهم بأن مذهب (برجسون) لا صلة له بالمذهب والتصوفي من حيث المنهج، وقد أعتمد في هذه النقطة على (بحوث الأستاذ لوروا الأخيرة عن برجسون). وفي هذه الدعوى انحراف عن الصحة، فقد ورد في الجزء الأول من بحوث الأستاذ لوروا أن البصيرة عند (برجسون) إنما هي انطواء النفس على ذاتها وتوحيد الروح كلها، تواقة إلى المعرفة التأملية. كذلك قرر لوروا (أنه لا يرى شيئاً أشبه بطريقة (برجسون) القائمة على البصيرة والتأمل من طريقة المتصوفة من غير اتحاد تام) وعلل ذلك بقوله: (إن مصدر الشبه كائن في توافق المقصد، وهو الرجوع إلى الأمر المباشر)

ولا يسعنا مع ذلك إلا أن نقرر أن هناك قصداً مرسوماً من جانب (الناقد الأديب) في أن يورد معارض من القول الذي يمت إلى حديث الفلسفة، فيه كثير من الخليط واللبس، أو الخلط المتعمد واللبس المقصود، إرادة صرف الأذهان عن جوهر الموضوع

إذن فنلخص الدعوى في مرحلتنا الأولى لنطالعها في مراحلها التالية:

حاول (الناقد الأديب) في مقاله الأول أن يتهم بشر فارس بأنه أقتبس الفكرة الفلسفية التي تقوم عليها مسرحية من قصيدة العقاد، فلما رددنا عليه اتهامه قام يناشد الفلسفة أن تمده فلم تواته الفلسفة بشيء. ولما أيقن أنه لم يوفق في إقامة دعوى الاقتباس، خرج علينا بتهويل جديد، مجمله أن ليس في مسرحية (مفرق الطريق) شيء يستحق النظر، وأن المذهب الرمزي في الأدب، وهو المذهب الذي تمت إليه المسرحية، ليس إلا ضباباً كثيفاً من (الإبهام والإبهام) يضفي على الكائنات مسحة من الروعة والهول، ولكن كلما أقترب منها الإنسان تضاءلت هذه الكائنات

أما أن هذه المسرحية ليس فيها ما يستحق النظر فأمر مرده إلى أحد شيئين: إما أن (الناقد الأديب) ينظر إلى المسرحية بعين واحدة ويسمعها بأذن واحدة فهو يصدف عن كل ممكن للحس فيها، وإما أن الفهم لم يواتيه بما يجب أن يواتيه لعله لا نعرفها

وأما أن الرمزية لا تروق الناقد الأديب؛ فهذا شيء يخصه، ولا شأن له بالجودة الذاتية للمسرحية

وختاماً نهمس في أذن الأستاذ (الناقد الأديب):

إلى متى يطول أمر هذا التستر فيما ينشره، ولماذا لا يذيل ما يكتبه باسمه الصريح، وقد نزلنا إليه سافرين غير مقنعين، وتبادلنا أنخاب الرأي في شئون تبعث الرغبة في نفس القارئ على أن يعرف حقيقة الطرف الثاني؟

لهذا نقول للأستاذ (الناقد الأديب)، إننا له في كل ما يريد على شريطة أن يكشف عن وجهه، وإلا فإننا لن ننزل إلى ميدان الرد عليه بعد ذلك.

زكي طليمات