مجلة الرسالة/العدد 27/وأخيراً النون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 27/وأخيراً النون

مجلة الرسالة - العدد 27
وأخيراً النون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 01 - 1934


للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي عضو مجمع اللغة العربي الملكي

كان بيني وبين بعض الفضلاء نزاع طويل حول كلمة (انسكلوبيدي) اليوانانية الأصل واختيار كلمة عربية تقوم مقامها

والانسكلوبيدي لفظ وضعه الإفرنج للدلالة على المعجم الذي يتضمن كل فن ومطلب من مطالب ثقافات الأمم، ومقومات حضارتها: ففيه كل شيء ما عدا اللغة، فان كلماتها تكفل ببيانها معجم آخر يختلف اسمه باختلاف اللغات.

ولما وضع العلامة البستاني معجمه العربي الجامع لكل فن ومطلب وضع له اسما عربيا مفردا، ثم بدا فغيره إلى اسم آخر مركب من كلمتين. وتتابعت الأسماء والأوضاع على هذا النمط.

(1) الكوثر؛ بطرس البستاني (سورية) سنة 1876م

(2) دائرة المعارف؛ بطرس البستاني (سورية) سنة 1876م

(3) لغات تأرخية وجغرافية؛ أحمد رفعت أفندي (الأستانة) سنة 1882م

(4) مصور دائرة المعارف؛ علي سيدي ومحمد عزت وعلي رشاد (الأستانة) سنة 1914م

(5) موسوعة؛ إبراهيم اليازجي (سورية)

(6) كنز العلوم واللغة؛ فريد وجدي (مصر) سنة 1907

(7) دائرة معارف القرن العشرين؛ فريد وجدي (مصر) سنة 1923

(8) محيط المعارف؛ أمر الله أفندي (الأستانة)

(9) معلمة؛ الأب انستاس الكرملي (بغداد)

(10) النون

واشتد الجدل في اختيار أفضل هذه الكلمات وأحقها بالقبول، ثم اتفقنا على إهمال ما كان مركباً منها كدائرة المعارف، أما المفردات فالكوثر لا تدل على المراد من (الانسكلوبيدي) كما لا يخفي، و (موسوعة) مختلف في أصلها وسلامة عروبتها، فلم يبق إلا كلمة (مَعْلمَة) التي تدل على معنى (وعاء العلم)

ثم عادت المناقشة فاشتدت حول قبول (المعلمة) وعدم قبولها، وحجة رافضيها إنها إنما تد على كتاب فيه علم ولا تدل على معنى الشمول والإحاطة كما هو المقصود من فرد هذا الاعتراض بان (المعلمة) تدل على معنى الكثرة لكونها مصوغة على وزن مَأسَدَة و (مسَبْعَة) ومَذَبَّة، و (مَقشأة) و (مَلَصَّه) أي أرض كثرت فيها الأسود والسباع والذباب والقِثَّاء واللصوص. وقال الأب أنستاس (المْعلمة) فيكون قد أراد إنها كتاب كثر فيه العلم.

فبقى بعض الأخوان مصراً على رفض (المعلمة) مستدلا بان كلمة (مسبعة) وأخواتها الدالة على الكثرة إنما هي صيغ خاصة وقعت للعرب في وصف الأرضيين والأماكن وحدها، حتى أن ابن سيده عقد لهذه الكلمات في مخصصه - جزء 3، ص 205 - بابا عَنْوَنَه بقوله (باب مفَعْلة من صفات الأرضين). فكيف يصح لنا أن نجعلها من صفات الكتب؟ فلم يبق إلا أن تكون صيغة - معلمة - كصيغة - مقلمة - بالقاف بمعنى وعاء الأقلام. وهذا يضعف من أمر اختيارها لتحل محل - انسكلوبيدي -

فقال بعض الأخوان: أن الياس بك القدسي (عضو مجمعنا العلمي العربي بدمشق) كان أشار بوضع كلمة (النون) في مقابل الانسكلوبيدي مستدلا بما جاء في معجم المستشرق المشهور (كازيمرسكى) مترجم القرآن إلى الافرنسية - من أن (النون) في اللغة العربية تكون بمعنى (الانسكلوبيدي) الأعجمية.

فعجبت من قوله، لأن (النون) أن كان المراد بها حرف الهجاء فلا علاقة لها بمعنى (الانسكلوبيدي) وأن كان المراد بها كلمة (النون) التي من معانيها السيف والحوت والدواة فأنها أيضا لا علاقة لها ظاهرة بالانسكلوبيدي

ولم يتيسر لي أن أراجع معجم (كازيمرسكى) العربي الفرنسي، حتى وقعت لي نسخة منه منذ أيام، فوجدته يقول ومن معاني (النون) خلاصة جميع العلوم ولم يذكر كازيمرسكى صراحة أن النون تطلق على الانسكلوبيدي، فعلمت أن الياس بك (رحمه الله) إنما استنتج كلمة الانسكلوبيدي من قول (كازيمرسكى) استنتاجا. فبقى عالقا في حفظه أنه من قول (كازيمرسكى) نفسه. وحق له هذا الاستنتاج لأن كلمة (النون) إذاكانت بمعنى خلاصة علوم البشر كانت جديرة بان تطلق على الكتاب الذي يضم بين دفتيه خلاصة علوم البشر.

وقد ازددت حرصاً على معرفة المصدر الذي اعتمد عليه كازيمرسكى فيما ذهب إليه. فلم أظفر بشيء في المعاجم اللغوية العربية، لكني رأيت (السيد الجرجاني) يقول في كتاب التعريفات ما نصه: (النون هو العلم الإجمالي. يريد به الدواة، فان الحروف التي هي صور العلم موجودة في مدادها إجمالا. وفي قوله تعالى (ن. والقلم) هو العلم الإجمالي في الحضرة الاحدية. والقلم حضرة التفصيل اه)

ففي هذا القول رموز لغة وتفسير وعقيدة وتصوف، ألف بينها لحام دقيق يمكن تفكيكه على هذه الصورة:

أن حرف (ن) في الآية أريد به إجمال أو خلاصة للعلم البشري وأن (القلم) الذي ذكر بعد (ن) هو الكفيل بتفصيل ذلك العلم الإجمالي. وأن حرف (ن) إنما جاءه معنى العلم الإجمالي من كونه حرفاً من حروف الهجاء. وحروف الهجاء يتركب منها جميع الكلام الذي يدل على علوم البشر التي إنما يصورها الكاتب بمداد الدواة. فعلوم البشر مدمجة في الدواة، والدواة رمز يذكر بمجموع علوم البشر وثقافاتهم في التمدن القديم، كما أن (المطبعة) رمز يذكر بمجموع علوم البشر وثقافاته في التمدن الحديث

ثم تراجع كتب اللغة والتفسير فنجد بعض المفسرين يفسر (ن) في آية (ن، والقلم وما يسطرون) - بحرف النون الهجائي، كما فسروا بقية الحروف الهجائية في مفتتح السور الأخرى. ونجد الحسن البصري يفسر (النون) بالدواة. فتفطن إلى أن الحسن رضى الله عنه لم يرد بالنون حرف النون الهجائي، وإنما أراد كلمة (النون)، ولكن الحسن البصري السلفي العظيم الذي عاش مع فصحاء العرب وبلغاء الصحابة رضوان الله عليهم - يفسر (النون) بالدواة من دون أن يكون له دليل يستند إليه نبحث فنجد أن الحبر ابن عباس رضى الله عنه يفسر النون في الآية بالحوت وهو سمكة البحر، كما هو أحد معانيها اللغوية. فنتفطن أيضا إلى أن تفسير (النون) بالدواة - وهو ما ذهب إليه الحسن البصري - إنما من جهة تفسير ابن عباس لها بالحوت

ويبقى في المقام إشكال: وهو ما هي علاقة الحوت بالدواة؟ نراجع المفسر النيسابورى فنجده يقول في صدد تفسير الآية: انه بروي عن بعض الثقات أن أصحاب السحر (ويريد بهم أصحاب الصناعات الخفية أو الدقيقة) يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس (أي الحبر) أو أشد سواداً منه يكتبون به أهـ

ولا يخفي أن الأخطبوط أو غيره من حيتان البحر يستخرج منه سائل كان الأقدمون يعالجونه ويَليقونه بما يجعله صالحاً للكتابة به

وهكذا نرى ابن عباس يفسر النون في الآية بالحوت، ولكن أي حوت؟ ذهب بعض المفسرين الذي يحبون الأغراب في كلام الله تعالى إلى أن المراد به (الحوت) أخو (الثور) اللذان كانا وما زالا يَنُوآن بحمل الارضين السبع!!

غير أن الحسن البصري رضى الله عنه ما كان من قصاص المساجد أن يذهبوا في تفسير الوحي الإلهي هذا المذهب في الأغراب والتهويل. إذ أن التسامح في ذلك بقصد التأثير في نفوس الدهماء من العامة إن سر عاجلا فانه يسوء آجلا.

وهذا ما حمل الحسن البصري على تفسير (النون) بالدواة تأييداً لابن عباس رضى الله عنه في تفسيره للنون بالحوت.

أما إطلاق (الحوت) وْإرادة الحبر منه فله شواهد كثيرة من اللغة العربية التي يتسع صدرها لأمثال هذا الإطلاق. بل ربما كان له شواهد أيضا في اللغات الأخرى، وها نحن اليوم نقول فيتيل (المدينة الفرنسية) ونريد ماءها المعدني الذي ينبع فيها - وكولونيا (المدينة الألمانية) ونريد ماءها المعطر الذي يصنع ويجلب منها - وجنيه (بلاد غينيا) ونريد الدينار المصري الذي استخرج ذهبه من معادنها - ويقول العرب (نون) أي الحوت، ويريدون الحبر الأسود الذي يستخرج سائله - وأنزل القرآن بلغة العرب وعلى مناحيهم في أساليب البلاغة، فافتتحت السورة بالقسم على براءة النبي ﷺ مما قاله المشركون فيه وتنبيه المخاطبين إلى عظيم فضل الله على البشر مذ هداهم إلى التسطير والكتابة، والى استخدام أدواتها من حبر وقلم. فكان ذلك سبباً لما بلغوا إليه من علم وحضارة وثقافة.

ولم أرد أن أحقق هنا معنى الآية الكريمة، ولا ما هو الأصح المعتمد في تفسيرها، فان ذلك مبين في تفسيري على (جزء تبارك) المهيأ للطبع - وإنما أردت أن أبين المصدر الذي استقى منه (كازيمرسكى) القول بان النون تدل على خلاصة علوم البشر حتى رأى الياس بك القدسي إنها تصلح لان تقوم مقام الانسكلوبيدي

ولا سيما أن في الإمكان تناول مشتقات مختلفة منها: فيقال مثلا (نّون تنويناً) (منّون) (منّونون) وتؤنث فيقال (النونة) الفرنسية (والنونة الألمانية) والنونة العربية وينسب إليها فيقال فلان صاحب نون ونوني دمشق

المغربي