مجلة الرسالة/العدد 229/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 229/القَصصُ

مجلة الرسالة - العدد 229
القَصصُ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 11 - 1937


من أساطير الإغريق

4 - خرافة جاسون

للأستاذ دريني خشبة

تتمة

أقلعت الآرجو وطفقت تطوي عباباً من بعده عباب، ولجة من ورائها لجة؛ وبدا الطريق كأنه يطول، والأفق كأنه يحلو لك، والسحب كأنما تتجمع من كل صوب لتنعقد فوق الآبقين بكنوز إيتيس وابنته وولي عهده. . .

ونمى الخبر المفزع إلى الملك فجن جنونه، وهب من فوره يعد أساطيله ليقتفي آثار جاسون، عسى أن يقبض عليه، ويعود بابنيه وأعز كنزه. . . وانطلق هو الآخر يطوي العباب، ويتواثب بأسطول فوق أعراف الموج، ووقف بين الملاحين يحضهم ويحرضهم، ويستحثهم ويشجعهم، حتى لاحت الآرجو لهم كالنكتة السوداء في حمرة الشفق، أو المطوّقة الورقاء في صحيفة الأفق، فضاعفوا الجهود وشدوا الأذرع، واستبقوا إليها من كل فج؛ وكانت سفينة الملك في المقدمة كالطائر الدليل يتبعه سائر السرب؛ ونظر الأرجونوت فأبصروا السفينة تنقذف فوق نواصي الموج نحوهم، فراحوا بدورهم يعملون المجاديف ويُهدْهِدُون الشراع للريح؛ وكلما اقتربت السفينة منهم خفقت قلوبهم وشاع فيها الذعر فجمد عليه ببرده. وكانت ميديا تنظر إلى مركب أبيها وترتعد فرائصها من الغَرَق. . . وفكرت في ألف حيلة وألف سحر، ولكن أفكارها ذهبت كلها أباديد، وبطل سحرها كله فهو لا ينفع ولا يفيد. . . واقتربت سفينة أبيها حتى صارت على رمية سهم. . . وأخذ أبوها المسكين يهتف بها وينادي، ويتوسل أن تعيد إليه ابنه. . . ابنه الأوحد. . . أبستروس. . . (ميديا! ابنتي! أنا أبوك! أتوسل إليك! ردي عليّ ولدي واذهبي أنى تشائين! إنه أملي في الحياة! إنه ولي عهدي وحافظ ذريتي! ميديا! أرسليه في زورق واذهبي أنت. . .!) ولكن الفتاة غَلّقتْ فؤادها وسدّت بالجحود سمعها! وا أسفاه! يا للقاسية! يا لبرودة القلب الذي لا يحس، والنفس التي لا ترحم؟ لقد أمرت ميديا بالفتى فأحضر إليها، ثم شحذت سِكّيناً وأغمدته في صدره، وتدفق الدم الحار. . . دم الشباب الفينان. . . يلطخ اليد الأثيمة المجرمة. . . اليد الشقية، يد ميديا التي طَوّعت لها نفسها المغلقة قتل أخيها، ثم تقطيعه إربْا. . .؟

ماذا خطر برأس الساحرة؟ أواه! لقد أخذت تمزق أخاها مِزَقاً مِزَقَا، وكلما اقتطعت منه شلْواً قذفت به في الماء، وأبوها المسكين المجنون يرى، فيضطر أن يتلبث عند الشلو لينتشله، ثم يتلبث عند الشلو الذي يليه. . . وهكذا دواليك، حتى انتشل آخر الأمر الرأس العزيز. . . الرأس الصغير الذي كان يبسم لأينع الآمال.، ويحلم بأجمل الأماني. . . رأس أبستروس. . . ولي العهد، والأمل المدّخر لأمة بأسرها. . .

لقد انتشر الظلام في عيني الملك. . . وغمر قلبه قنوط مر. . . وأمر الملاحين فطووا الشراع، وأخذوا يعودون أدراجهم إلى الوطن في بحر هادئ كله هم، وكله حزَن؛ وجلس إيتيس وبين يديه أشلاء ولده يغسلها بدموعه، ويخضبها بالدم الذي تذرفه عيناه

- (آه يا بني! أية فروة وأي كنز؟ ليتك خلصت لي بكل مُلكي! ميديا! غضبت عليك آلهة السماء يا عاقة! تبت يداك يا أغدر البنات! ألا ليت أمك لم تلدك. . .! أبستروس! رد عليّ أيها الحبيب. . .!) وهكذا ظل الملك المحزون يجتر أشجانه حتى عاد إلى الوطن!

ولكن جاسون ما خطبه؟! مسكين! لقد كان ينظر إلى ميديا وهو مأخوذ بما تصنع! ولقد حاول أن يمنعها من ارتكاب هذا الإثم. . . لكنها حدجته بنظرة آمرة كان يرقص فيها ألف جني، فسكت! وهل كان في وسعه أن يفعل شيئاً؟! أليس يذكر الحجر الواحد الصغير الأسود الذي أهلك جيشاً بأكمله؟ ورد عنه كيد ألف ألف مقاتل من المردة الجبابرة؟! بيد أنه عرف الآن ماذا كان يحجز بين قلبه وبين فم هذه المرأة الهائلة حين كانت تغمر خديه وجبينه بالقبل! لقد كان السر الرهيب المطوي في صحائف الغيب هو الذي يصون جاسون من مبادلتها حباً بحب وغراماً بغرام، وقبلاً حارة ملتهبة بمثلها!

وقد فكر جاسون في ملكه الضائع المغتصب، وفي أبيه الضعيف الطريد، وفي عمه الجبار العَتي، وفكر في قوة ميديا الخارقة، فآثر أن يبقي عليها عسى أن تنفعه. . . لهذا أظهر لها التودد، وتعمل في حضرتها البشاشة. . . حتى وصلت الآرجو إلى إيولكوس، حاضرة تساليا. . .

وحمل جاسون الفروة الثمينة، وقصد إلى عمه. . .

وذهل بلياس. . . وجعل يحملق في الكنز العظيم الذي أتاه به ابن أخيه. . . وجعل يلمسه بيديه كأنه لا يصدق. . . ولكن كيف لا يصدق وهذا بريق الذهب يكاد يذهب سناه ببصر عينيه جميعا؟!

- (ترى ماذا صنع هذا الفتى حتى وسعه أن يقهر ملك كولخيس على هذا الكنز العظيم؟ إن الملك كان أحرص عليه من نفسه التي بين جنبيه؟ ألا كم هلك أناس طمعوا في فروة فركسوس؟ عجلا فلكان! وأرض مارس! وجيل بأكمله ينبت من أنياب التنين. . .؟ والأفعوان الهولة الذي يحرس الفروة؟ أَظفر جاسون - هذا الفتى - بكل أولئك؟ جاسون ابن أخي؟ عجيب وحق الآلهة. . .؟ بل أسأله، فلابد من سر في هذا الأمر. . .) وسأله، وتبسم جاسون، وراح يلفق قصة طويلة قذف بها الرعب في جوانح عمه، وظل يتغنى بشجاعته، ويصف ما كان من ظفره بعجلي فلكان، وحرثه الأرض الجبوب، وغرسه أنياب التنين، ثم هذه الحرب الزبون التي شبها عليه المردة وما كان من إفنائه لجموعهم، وتلك الملحمة التي قتل فيها التنين الرهيب الذي وكلت إليه حراسة الفروة العظيمة. . . ثم إنه لم يشر بكلمة إلى ميديا

وأكرم عمه مثواه. . . وكلما طلب إليه جاسون أن يتنزل له عن العرش، مطله وراوغه، وزخرف له الأماني. . . حتى أيقن جاسون أن عمه يعبث به، بل يدبر له غيلة يخلص له العرش من بعدها، ولا يعكر عليه صفو الحياة أيٌّ من تلاميذ شيرون!!

ولقي جاسون أباه، فراعه أن يرى كومة من العظام نخرها الكبر، وجللها المشيب، وأوهاها الحزن، وأوهنها الألم المتصل، وناءت تحت كوارث الزمان. . . وبكى جاسون! ولكن أباه انتهره وقال له: (أي بني ليس لرجل مثلك شب على فضائل شيرون أن يبكي! إنما يبكي النساء والمستضعفون من الرجال. على أنه ماذا يبكيك؟ ألا إن كان يبكيك اقتلاع أبيك من العرش فلهذا عهدت بك إلى أستاذك العظيم، وأحسبه قد ذكر لك ما كان من وصاتي له حينما عهدت بك إليه يهذبك ويؤدبك. . . ولقد أصبحت رجلاً شيخاً هالكا، أما أنت فمن صباك في إبان، ومن عنفوانك في ريعان، وأنت بالعرش أحق مني وأولى، وهو بك مني ومن عمك أليق، ولن أغفر لك قعودك عنه، وليس في تساليا إلا شعب يحبك، ورعية تلهج بالثناء عليك، فشمر عن ساعدك، واطلب حقك بالقنا يا جاسون) وذهب الفتى وقد اضطرم بين جنبيه جحيم من النقمة على عمه، فلقي أول من لقي ميديا

- ماذا، فيم أنت مقطب هكذا يا حبيبي؟

- لا شيء. . . لا شيء مطلقاً!

- لا شيء؟ وكيف؟ ألا تفهم ميديا ما في نفسك؟ حدثني ولا تخْفِ عليّ!

- لا شيء وحقك يا ميديا

- أوَ مُصرٌّ أنت على كتمان دخيلتك عني؟ إذن لقد كان أبوك يعظك!

- أجل! وبهذه المناسبة أريد أن أقول لك كلمة. . .

- قل يا حبيبي! تكلم يا جاسون!

- إن لك إلماماً تاماً بغرائب السحر، وعلم التعاويذ والرُّقَي ولقد نفعني علمك في أحرج مواقفي. . . ولن أنسى مساعدتك يوم لقيت عِجْلَيْ فلكان، وحاربت المردة، وقتلت التنين. . . إنما فعلت كل أولئك بمعونتك، ولي رجاء إليك. . .

- رجاء؟ أي رجاء يا حبيبي؟ إنما أنت تأمر. . .

- شكراً! ألا تستطيعين يا ميديا أن تردي الشباب إلى أبي؟ إنه رجل شيخ محطم، وإن الأيام لتنحدر به إلى القبر، كما تنحدر صفوانة من شاهق. . . فهل عزيز على علمك أن ترديه إلى ما ولى من الصبى؟. . . خذي من عمري فَصِلي عمره إن استطعت! أتوسل إليك يا ميديا أن تفعلي!. . .)

- اطمئن يا حبيبي فليس أيسر مما طلبت، وسأرده إلى ميعة شبابه بقليل من العناء. . . وسأزيد في عمره ما أحببت. . . على ألا تنقص سنوك شيئاً بل تزيد إن شئت؟!

لقد كان البدر تماً، والليل الفضي الجميل أروع ما ينثر لجينه على الطبيعة النشوانة، وكل ما في البرِّية نائما ساكناً، والعشب الحلو كان نائماً كذلك. . . وكانت ميديا تخطر كالشبح الأبيض بين الآكام وملء الأدغال حتى أتت إلى ربوة تشرف على كل ما حولها فصعدت فوقها. . . وتلبثت قليلا تفحص الطبيعة الرائعة في الأرض والسماء بعينيها الجبارتين ثم بدأت تتلو تعاويذها وتقرأ رُقاها. . . وترسل للنجوم صلاة سحرية كان يحملها الليل الصامت إلى أرجاء السماء وإلى القمر الحالم الساهم. . . ثم سبحت سبحاً طويلاً باسم هيكاتيه ربة السفل والسحر، وباسم تللوس ربة هذه الأرض العجيبة النائمة التي تنبت البقل والعشب لِما تعمل ميديا. . . وصَلَّت كذلك لآلهة الغاب والأنهار والبحار والغدران، ولآلهة الرياح والضباب والسحاب، وصلت لجميع الآلهة، ولم تفتر تطلق التعاويذ وترسل الرقي. . .

ثم سكتت. . . وصمت حولها كل شيء. . . حتى الرياح كتمت أنفاسها. . . ثم تشققت السماء فكانت وردة كالدهان. . . ثم انفتح فيها باب كبير من ذهب، وبرزت منه عربة عجيبة يجرها أفعوانان هائلان، فلم يزالا يطويان الرحب حتى كانا عند قدمي ميديا. . . وتقدمت الساحرة وهي تبتسم فركبت في العربة، وانطلق الأفعوانان يجرانها في الهواء، ويرفان بها فوق الوديان والغيران، وفوق قلل الجبال وهضاب الأرض، وفوق الغاب الساكن المستسر، وفوق الأنهار والبحار. . . وفوق كل شيء. . . حتى انتهت إلى آخر أقطار الأرض حيث تنبت الأعشاب العجيبة التي تنفعها في سحرها. . . وهناك. . . مكثت الساحرة تسع ليال بعيدة عن العالم تجمع العشب وتنتقي البقل ذا الأسرار؛ ثم ركبت عربتها وانسابت في الهواء حتى أتت بيت جاسون، فنزلت بحملها العجيب وعرج الأفعوانان في السماء. . .

وفي الصباح، فوجئ جاسون بوجودها فذعر ذعراً يشوبه شيء من التفاؤل بعودة الشباب إلى أبيه كما وعدت. . . وأمرت أن يخلي بينها وبين إيسون حتى لا ترى عين إلى ما تصنع، ولا تنكشف أسرار سحرها لأحد ما من العالمين. . . ثم إنها أقامت مذبحين عظيمين أحدهما باسم هيكاتية ربة السفل والسحر، والآخر باسم هيب ربة الشباب، وذبحت لكل شاةً سوداء فاحمة السواد، ثم صبت على دمائهما صلاةً للربتين من خمر ولبن. . . وتوسلت بعد ذلك إلى بلوتو رب هيدز، وإلى زوجه بروز ربين، ألا يعجلا بقبض روح إيسون. . . ثم بدحت نحو الرجل فتمتمت بِرُقْية أسلمته إلى نوم عميق، وأضجعته على فراش مهدته له من الأعشاب العجيبة التي حملتها من أقصى الأرض، وطفقت بعد هذا تخطر وتدور حول الجثة، وشعرها المتهدل يداعبه النسيم، وصدرها المنكشف ناهد نحو السماء. . . حتى إذا أتمت دورات ثلاثاً وقفت، وشحذت سكيناً ماضياً، وجعلت تشعل أعواداً من عشبها وتنظمها حول المذبحين. . . ثم تناولت إدَاوَتَها التي حفظت بها أعشابها ذوات الأسرار، وحفظت بها أزهاراً فيها من الرحيق السحري ما هو آية، وجعلت فيها من حجارة الشرق ورمال البحر المحيط، ومن البَرَد الذي جمعته أثناء رحلتها في ضوء القمر، وجعلت فيها رأس بومة وجناحيها، وحَوَايا ذئب، وبقايا من صدفة سلحفاة، ومزقاً من كبد غزال، ورأس غراب ومِنْسَره، وما إلى أولئك من آثار الحيوانات المعمرة؛ ثم صبت على ذلك كله ماء وتمتمت بكلمات، وأشعلت ناراً فجعلت عليها الإداوة بما فيها، وتركتها تغلي وتفور، وهي فيما بين هذا وذاك تعوّذ وتهمهم، وتتمتم وتغمغم، ثم تُقلب ما في الإداوة بغصن زيتون أملود. . . فما كاد السائل يفور حتى نمت في الغصن أفنان من الورق الأخضر، وحبات من الزيتون يكاد زيتها يقطر منها، وكلما نثرت منه على الأرض شيئاً نما مكانه عشب حلو أخضر كأحسن ما ينمو العشب في إبان الربيع!

ثم شحذت سكينها مرة ثانية، ثم أهوت على حلقوم الشيخ فقطعته، وتركت دمه ينبجس من الجرح الكبير حتى سال أجمعه؛ ثم إنها صبت من الإداوة في الجرح وفي الفم، كأنما تجعل منه مكان ما سال من الدم. . . وما هي إلا لحظة حتى دبت الحياة الفتية في جوارح الرجل المهدم المحطم. . . فهذا شعره يَسْوَدُّ ويصير فاحماً غربيباً. . . وهذا وجهه الجعد ذو الأسارير يمتلئ باللحم والدم، وهذا ظهره المحني يستقيم ويمتلئ قوة وعنفواناً، وهذا دم الشباب يجري في عروقه كقبل أن يكتهل، وهاهو ذا يثب كالغلام الأمرد السمهري، ويشب على إخمصيه كأرشق ما يفعل الصبيان!! وهاهو ذا الوجه يكتسي جمال العصر الخالي. . . ثم هاهو ذا جاسون يقبل من بعيد فينظر إلى أبيه وكأنه في حلم. . . ويعانقه ويهنئه. . . ويشكر ميديا. . . ويبكي!!

- أرأيت يا حبيبي؟ أليست لك حاجة بعد؟

- وكيف يا ميديا؟ إني مفتقر أبداً إلى واسع علمك، ومبين سحرك!

- أمهمة أخرى؟

- أجل يا ميديا! ألا ترين إلى والدي مطروداً من عرشه، وإليَّ يقتلني الحزن من أجل ذلك؟ ألا تصنعين شيئاً ينفعنا في ذلك؟

- ولم لا نقتل عمك؟ ألا يستحق القتل بعد كل هذه الجرائم؟

- أنا ضعيف يا ميديا. . . وهو رجل جبار وله جند. . .

- إذن أنا أكفيك مؤونة ذلك. . .

وأخذ إيسون يجوب شوارع المدينة فيراه الناس، ويعجبون لهذا الشاب الذي تدفق في بردتيه، فيسجدون له وإن منعهم الجند وطاردوهم. . . وعلم بنات الملك بما رَدّت ميديا على عمهم من رونق الصبى، وما ألبسته من رواء الشباب. . . وكان أبوهم قد بلغ من الكبر، ورزح تحت أعباء الملك المغتصب، فوددن لو أتين له بميديا لتصنع معه ما صنعت مع إيسون. . . واتصلن بالساحرة، وأغرينها بالمال، فرحبت وقبلت مختارة أن ترد إلى أبيهن الصبى، حتى لا يغلبه على الملك إيسون ولا ولده جاسون. . . وأحضرت الإدواة بما وعت من عشب، ثم جيء لها بالشاة السوداء، ولكنها حين تمتمت بكلماتها السحرية، وكانت الإداوة تغلي بما فيها من سائل عجيب، قفزت الشاة فكانت في الإداوة، ثم قفزت منها فكانت حَمَلاً وديعاً جرى إلى السهول يرعى العشب. . . وطرب البنات حين شهدن آية السحر وإعجازه. . . ثم جيء بالملك وحراسه ليشهدوا. . . وأعطت ميديا كلا منهن سيفاً مسلولاً وتمتمت بكلمات فدارت الأرض برأس بلياس وصحبه وحراسه، فسقطوا وغطوا في سبات عميق. . . وأشارت ميديا إلى البنات أن يضربن بسيوفهن عنق أبيهن وصدره لتبدأ هي عملها. . . فتلكأن أول الأمر. . . ثم أطعن، وحركن أيديهن بالسيوف في ضعف وفرق فأحدثن به جروحاً أيقظته. . . فلما شهد بناته تأوه وتوجع وصرخ بهن: (ويلاه! بناتي يقتلنني!؟) وخافت ميديا أن يبطل سحرها فبدت في صورة إحدى بناته، واستلت سيفاً مرهف السنان وأغمدته في صدر الملك اللص. . . فمات إلى الأبد. . . وأغمض عينيه ليفتحهما في هيدز. . . وفي هيدز فقط. . .

وكانت ميديا قد هتفت بالآلهة فأرسلت إليها العربة التي يجرها الأفعوانان، وكانت قد فعلت فعلتها حين بدأ الفجر ينبلج، فركبتها ولاذت بالفرار قبل أن يكشف صنعها أحد!

سبحان مقلب القلوب!! إن كل هذا السحر لم ينفع ميديا! لقد كان قلب جاسون مغلقاً دونها برغم أنه بر بوعده فتزوج منها وأولدها أطفالاً أبرياء أطهاراً نقيين كالثلج!! لقد أحب جاسون الأميرة كروزا ملكة كورنث، وأحب هذه المرة حباً صريحاً لا يشوبه ذعر. . . ولا تعكره التعاويذ. . . ولا تتلفه رُقي السحر. . . وأعلنت الخطبة، فجن جنون ميديا. . . واسودت الدنيا في قلبها وعينيها. . . وهالها نكران جاسون لجميلها الذي ناله مثنى وثلاث ورباع. . . ولِمَ لا؟ أليست هي التي مهدت له سبيله إلى العرش؟ أليست هي قاتلة بلياس.

إذن فالويل له!!

ودست إلى أميرة كورنثا ثوباً لو اجتمعت الجن والإنس لم تقدر على مثله؛. . . فلما كانت ليلة الزفاف، لبسته كروزا، ولكنها ماتت لساعتها! أواه! لقد كان الثوب مسموما. . . وكان ما به من سم يكفي لقتل شعب بأسره. . .

ولم تكتف الساحرة بذلك، بل شحذت سكينها، وأعادت مأساة أبستروس، فقتلت جميع أبنائها من جاسون. . . وأشعلت النيران في القصر الملكي. . . وفرت إلى أثينا على العربة السحرية لتتزوج من ملكها إيجيوس، ولتلقى ثمت مصرعها

دريني خشبة