مجلة الرسالة/العدد 194/إِحياء النحو

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 194/إِحياء النحو

مجلة الرسالة - العدد 194
إِحياء النحو
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 03 - 1937


للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

لا شك في أن نحونا العربي أصبح علماً جافاً يورث النظر فيه السأم والملل. ولا يسعني مع هذا أن أنكر تلك الجهود الموفقة التي بذلها الأستاذ الجليل علي الجارم في تسهيل النحو وتجميله في كتاب (النحو الواضح) فصارت به دروس النحو الأولى سهلة مقبولة لدى الناشئين، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وتقرن العلم بالعمل قرنا موفقاً، ولكن نحونا العالي لا يزال في الحالة السيئة التي وصل إليها من يوم أن أخذ من أحضان علم الأدب الذي نشأ النحو في ظله، وترعرع في أرضه الخصبة.

وكان الإمام علي بن عيسى الرماني أول من انتزع النحو من حضنه بين الأدب وعلومه؛ وقد ولد الرماني سنة 276 هـ وأخذ عن الزجاج، وابن السراج، وابن دريد، ثم برع في علم النحو حتى قال أبو حيان التوحيدي: لم ير مثله قط علما بالنحو، وغزارة بالكلام، وبصراً بالمقالات، واستخرجاً للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع تأله وتنزه. ودين وفصاحة، وعفاف ونظافة، وكان يمزج النحو بالمنطق، حتى قال الفارسي إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن معه نحن فليس معه منه شيء - قلت: النحو ما يقوله الفارسي، ومتى عهد الناس أن النحو يمزج بالمنطق، وهذه مؤلفات الخليل وسيبويه ومعاصريهما ومن بعدهما بدهر، لم يعهد فيها شيء من ذلك

على أن النحو لم يزل يبعد عن الأدب بعد الرماني شيئا فشيئا، حتى أصبح العالم بالنحو لا يدري شيئا من الأدب، ولا يستطيع أن يقوم لسانه أو قلمه إذا نطق أو كتب، وحتى أصبحت بعض الشواهد النحوية تروى مغلوطة وتمضي عليها أزمان طويلة فلا يتنبه إلى غلطها، ولا يعرف مع هذا قائلها، وليس هذا إلا من فصل النحو عن الأدب، والعناية بحفظ قواعده ونكاتها الفلسفية، وإهمال صبغته الأدبية التي كانت تراعي في عهد ازدهاره.

وإني أسوق من ذلك هذا الشاهد الذي يذكر في باب التوكيد

لكنه شاقهُ أن قيل ذا رجَبٌ ... يا ليت عِدَّةَ حولٍ كلِّهِ رَجَبُ

برفع كلمة (رجب) في آخر البيت، فهذا الشاهد لا يعرفون قائله إلى الآن، وهم مخطئون في رفع كلمة (رجب) في آخر البيت لأنها من قصيدة رويها على النصب لا على الرفع.

وقد جاء في كتاب الكامل للمبرد وشرحه رغبة الآمل للشيخ المرصفي (ص 214 ج 7) أن عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي كان يؤم بالناس في مسجد الأحزاب بالمدينة، فلما وليها الحسن بن زيد منعه أن يؤم الناس في هذا المسجد، فقال له: أصلح الله الأمير، لم منعتني مقامي ومقام آبائي وأجدادي من قبلي؟ قال: ما منعك منه إلا يوم الأربعاء، يريد قوله:

يا لَلرجال ليوم الأربعاءِ أمَا ... ينفكُّ يحدث لي بعد النُّهَى طَرَبَا

إذ لا يزالُ غزال فيه يفتنني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب مُنتْقِبَا

يُخَبِّرُ الناسَ أن الأجرِ همَّتُهُ ... وما أتى طالباً للأجر محتسبا

لو كان يطلب أجراً ما أتى ظُهُراً ... مُضَمَّخاً بفَتيت المسك مختضباً

لكنه شاقه أن قيلَ ذا رجب ... يا ليت عِدَّة حولٍ كلِّهِ رجَبَا

فإن فيه لمن يَبغي فواضِلهُ ... فضلا وللطالب المرتاد ما طلبا

كم حُرَّةٍ دُرَّةٍ قد كنْتُ آلفَهُا ... تسد من دونها الأبوابَ والحجبا

قد ساغ فيه لها مَشْىُ النهار كما ... ساغ الشرابُ لعطشان إذا شربا

يقال شهر عظيمُ الحقّ في سَنَةٍ ... يهوى له كلُّ مكروب إذا كربا

فاخرجنَ فيه ولا ترهَبْنَ ذا كذبٍ ... قد أبطل الله فيه قول من كذبا

وكانت ولاية الحسن بن زيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب المدينة سنة 160 هـ في عهد أبي جعفر المنصور ثاني ملوك العباسيين

فإحياء النحو عندي بأن تعاد له صبغته الأدبية التي كانت له وليس إحياؤه بتطويل الكلام في أن الفتحة ليست علامة إعراب كما قرأته في بعض الكتب الحديثة، فإن هذا مما يزيد فيه الطين بلة، ولا يؤدي بنا إلى الإصلاح المنشود له

عبد المتعال الصعيدي