مجلة الرسالة/العدد 1002/الأدب والفنّ في أسبوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 1002/الأدب والفنّ في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 1002
الأدب والفنّ في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 09 - 1952


للأستاذ أنور الجندي

تطهير التاريخ

(. . نعتقد أن تطهير التاريخ قد بدأ فعلا، وأن الكتب التي تصدر في هذه الأيام، وخاصة التي بذل في تحريرها جهد، وسمت عن إرضاء رغبات القراء أو أهوائهم، تصحح وقائع التاريخ في العصر الأخير فعلا. .).

هذا بعض ما جاء في خطاب (عبد المحسن حسني) تعليقا على ما كتبنا في هذا المكان، في العدد الألف، ولكن الواقع أننا لا نريد تحرير التاريخ في العصر الأخير أو في السنوات الأخيرة وحدها. . وإننا نحن إزاء تاريخ كامل مضطرب، منذ الاحتلال الإنجليزي إلى اليوم، هذا التاريخ الذي حالت الكثير من الأوضاع والظروف دون تحرره!

ليس تاريخ الملوك والسلاطين والخديويين فحسب، وإنما تاريخ الزعماء ورجال الأحزاب والسياسة، وجانب كبير من تاريخ الأدباء والمفكرين.

لم تكن الموازين على طبيعتها العادلة المضبوطة، التي تضع كل إنسان في موضعه، وكانت أنباء كل شيء تنشر على غير حقيقتها، إما مزيدة أو مضيعة، كانت الأهواء من وراء كل حقيقة تلونها بلونها، وكانت الوصولية والهوى والغرض، تصبغ كل شيء بطابعها الأسود القاتم، وقد رفعت السياسة أسماء كانت أهلا لأن تهوى، وحرمت أسماء من أكرم الأسماء نصيبها من التقدير لأنها تجنبت الانزلاق إلى مهاوي السياسة والوصولية والحزبية!

إننا نريد أن نطهر التاريخ، فننصف تلك الشخصيات التي ظلمها التاريخ، حين أعطى لسعد أكثر مما أعطى لمحمد فريد، وحين رفع أسم فلان وفلان وفلان لأنهم كانوا موصولي الأواصر بإنسان يملك سلطان الإعزاز والإذلال.

إن هناك حقائق كبيرة تكمن وراء الكثير من الأحداث، لم تكتب ولم تفسر، وإن في تاريخ ثورة 1919 وعوامل اندلاعها، وقيادتها، ونتائجها، أشياء كثيرة لم تكتب بعد، وفي تاريخ إنشاء الأحزاب حقائق أيضاً لم تكتب، وفي الخلاف بين الحزب الوطني، الذي حمل لواء الجهاد وبين الوفد المصري الذي أنشأ بعج الحرب خلاف، وفيما بيم مصطفى كامل ومحم عبد خلاف، كل هذه قضايا لم تكتب على وجهها الصحيح.

وفي تاريخ الخديوي إسماعيل، وتوفيق، وعباس، وفؤاد وفاروق أشياء وأشياء. . لم تكتب، وهي في ذاتها بعيدة الأثر في تطور التاريخ الحديث.

كل هذا هو ما نريد أن يكتب، بروح الإخلاص والحرية والنزاهة

التطهير في محيط الأدباء

ويتصل بهذا، الحديث عن التطهير في محيط الأدباء ولا شك أن الأدباء هم أناس من الناس، وأن بعض الأقلام قد تلوثت وقد غرقت في المداد الأسود، وهي بهذا ليست جديرة بأن تحمل رسالة التطهير أو العمل الإيجابي أو البناء في العهد الجديد.

الكتاب الذين جعلوا القلم حرفة للإثراء، والنفاق، على حساب الأمانة التي حملهم الله إياها، والذين عقوا الفطرة، وجانبوا المهمة الكبرى والرسالة العظمى، فمحوا الظلم، ووصفوه على أنه عدل، وساروا في ركاب الظالمين، هؤلاء يجب أن نطهر منهم دولة الأدب والقلم.

الشمس في منتصف الليل

كتب إلى الأستاذ محمود تيمور من الإسكندرية يقول أنه مشغول الآن بإعداد كتابه الجديد (الشمس في منتصف الليل) وهو موضوع رحلته التي رحلها في الصيف الماضي إلى بلاد النرويج والسويد والمناطق الشمالية في القارة الأوربية، وقد فهمت من خطابه أنه يعني بذلك الرد على ما قلناه في مقالنا السالف من أن الصيف ليس فصل إنتاج، وأن الأدباء يقضون هذا الموسم في حالة استجمام.

والواقع الذي نعرفه أن عميد القصة المصرية، قد جرد نفسه لفنه تجريدا وأنه لا يشرك بعمله الأدبي شيئا، ولذلك فهو ما يلبث بين آن وآخر أن يطالعنا بعمل أدبي جديد.

مؤتمر اليونسكو

كتب الدكتور طه حسين في الأهرام يقول أنه لا يحول بينه وبين العودة في هذا الوقت، إلا انتظاره موعد انعقاد مؤتمر اليونسكو، الذي دعت إليه هذه الهيئة العالمية منذ مايو الماضي، وانتدبت الدكتور طه حسين إليه باسمه لا بوصفه.

وقد كان الدكتور طه ضيق الصدر في خلال الفترة التي أعقبت إقالة الوزارة الوفدية في يناير الماضي، وكان يستحث الأيام لقرب موسم الصيف، حتى يهجر مصر هجرته المحببة التي لا ينسى فيها مصر، والتي تكون دائما موعدا بينه وبين الإنتاج الأدبي. . وقد حدثني عميد الأدب، أنه يصرف هذا الوقت الذي يقذيه في أوربا عاكفا على القراءة والإملاء، وأنه ما أن يقصد إلى فرنسا، ويذهب إلى باريس، حتى يسرع فيستقر في إحدى الجبال التي يحب الحياة فيها، وهناك حيث لا (تليفون) ولا اتصالات ولا زوار تقطع حبل الأفكار ونطغى على الإلهام، وتفسد الوحي.

وقد كنت أعلم أنه يعد في موسمه هذا. . الجزء الثاني من كتاب (الفتنة الكبرى) التي كان للجزء الأول منه دوي أي دوي. . وكان الدكتور طه حسين قد أعد تقريرا مسهبا في خلال شهر مايو الماضي، أرسله إلى مؤتمر اليونسكو، وهو الموضوع الخاص الذي سيتحدث فيه، وقد ناقش فكرة المذاهب الأدبية المختلفة في (أدب الاعترافات)، وخلاصة رأى الدكتور في هذا الموضوع: أن الأديب إذا ما وضع يده على الورق ليكتب فإنما هو يحس أن من ورائه قارئا، ولا يمكن مطلقا أن يكتب شيئا ليدخره لنفسه، وعلى هذا الأساس وما دام هو يحس أن ما يكتبه سيذاع على الناس، فهو يتجمل، ويحاول أن يلبس الوقائع والاعتراف الثوب الذي يجعلها مقبولة لدى القراء، وهذا (القبول) يختلف باختلاف الكتاب، فمنهم من يحب أن يواجه الجماهير على طريقة جريئة مكشوفة أمثال جان جاك روسو، ومنهم من يحب أن يكون مقذعا كأندريه جيد. . وهكذا.

وقد أكد لي الدكتور طه وهو يروي لي وجهة نظره في هذا الموضوع أن أيا من الكتاب: روسو، جيد، أوسكار، وايلد، إنما كان ينظر إلى القارئ وهو يكتب فصول اعترافاته.

أدب القصور

ظهر في خلال هذه الفترة الأدب البغيض الذي كان قد اختفى منذ عهد طويل، ذلك هو أدب القصور.

كان الأدب قد تحرر من سلطان الأمراء والملوك والخلفاء، وجرى طليقا، على نحو من الوطنية والقوة والصراحة.

ولكن النفاق عاد فاستشرى، فأصبح اسم الملك السابق، جري في كل قصيدة وفي كل مناسبة، وبدون مناسبة على صورة لم ينلها عمر بن الخطاب، ولا خالد بن الوليد، ولا نابليون.

وكانت مناسبات الأيام السوداء في الميلاد والجلوس وغيرها، تحفل الصحف والمجلات والإذاعة بتلك القصائد المصنوعة التي لا تصدر من القلب ولا من العاطفة الخالصة، ولا من الإيمان العميق.

وكانت هذه أدوات الزلفى، وقماقم الراغبين في الوصول إلى غاية أو غرض، ونشرت دواوين، وكتب ومؤلفات، وحمل أصحابها أرقى الألقاب،. . . ومات هذا الأدب كله، وانطوى، وأصبح صفحة سوداء في تاريخ الذين وضعوه. . وإن جاءوا بعد ذلك ليقولوا قصائد أخرى، في مدح العهد الجديد. . . وبعد فنقولها كلمة صريحة: إن الشعراء الذين لوثوا أقلامهم في آثام العهد الماضي، وكذلك الكتاب. . يجب عليهم أن يتواروا. . . .

لا صدارة الآن إلا للأقلام النقية التي لم تلوث، تلك التي احتفظت بطهارتها ونقائها في وسط العواصف والأنواء.

أنور الجندي