رأيتُ ومن يعش ما عشت يشهد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

رأيتُ ومن يعش ما عشت يشهد

رأيتُ ومن يعش ما عشت يشهد
المؤلف: زكي مبارك



رأيتُ ومن يعش ما عشت يشهد
 
خطوباً في عواقبها خطوبُ
رأيتُ النيل في هوج مخيف
 
تراع به المشاعر والقلوب
هديرٌ مزعج الصرخات ماض
 
إلى ما لا يرام ولا يطيب
يبيت الناس في جزع وخوف
 
سهارى ما تقر لهم جنوب
إذا سمعوا بوهم الوهم صوتا
 
تحيّر في قلوبهم الوجيب
فيا حابي أجبني أنت حابي
 
وأنت اليوم يا حابي شعوب
غدوت اليوم يا نهراً حبيباً
 
وما لك في مدائنا حبيب
يقول القائلون ولستُ منهم
 
بأنك فاتك الأنياب ذيب
تصول ولست في حاج لزاد
 
لئيم الطبع ليس له قريب
إلهاً كنت يا حابي قديماً
 
عظيم القدر ليس له ضريب
إلها ينثر الخيرات نثراً
 
تطيب به الفواكه والحبوب
فراعن جاهلون رأوك ربا
 
كريما لا يثاب وقد يثيب
لقد كذبوا على الأقدار جهلا
 
ألا إن الجهول هو الكذوب
ومن فرعون ما جدوى ثناه
 
على نهر محاسنه عيوب
يشح إذا رنا الوادي إليه
 
ويخنس لا يصيخ ولا يجيب
وحين يرى غنانا عن نداه
 
تضيق به الشوارع والدروب
أنهرٌ أنت أم خودٌ كعاب
 
وقاح الدل كاذبةٌ لعوب
لمن هذي الصواريخ المواضى
 
بصدر الجو مرماها عزيب
ولاة الأمر منطقهم عجيب
 
وهل في مصر يا قومي عجيب
أنهرٌ يأكل الخيرات أكلا
 
يقوم لمدحه ليلا خطيب
وقاضي الشرع يحضر في يديه
 
كتاب خطّه خطّ غريب
يرتل حجة لم يبق منها
 
سوى سطرين من قدم تذوب
خرافات سخيفات وعهد
 
من الأوهام مرتعه خصيب
بهذا العام يسقط كل حق
 
يقال له الخراج أو الضريب
طغى فالفلك تعثر في خطاها
 
وتمضى لا تعود ولا تؤوب
وكانت قبل هذا اليوم فلكا
 
تجوب من الغوارب ما تجوب
بكى عبد القوي غلت دموع
 
يجود بمثلها رجل أديب
مهندس مصر مكروبٌ حزين
 
تراجعه الحديث فلا يجيب
أسيت له يطوف بكل أرض
 
وفي ساقيه من تعب ندوب
تطيب له الخيام يبيت فيها
 
مبيتاً لا يريح ولا يطيب
طغى النهران في عام وفاضا
 
جيب يستجيب له حبيب
تراءت دجلة تطغى وتسعى
 
كما يسعى إلى الموت الطبيب
فثار النيل يسأل ما شجاها
 
وما عين لأدمعها تثوب
عراقيون في دارات ليلى
 
لهم من لطف أنفسهم ذنوب
وحسن الحسن في زمن المآسي
 
جمال نوره نور معيب
بنهر النيل تدهمنا الخطوب
 
وتشتجر الخفايا والغيوب
حريق في ضمير الماء يذكو
 
كما يذكو بأدمعنا اللهيب
حرائقُ من أمانات لطاف
 
وفي الكافور إن يحرق طيوب
غرائق نحن لا أهلا وسهلا
 
بعهد كل جدواه لؤوب
أفض يا نيل واسترفد صباحا
 
يؤمل حظه ذاك الغروب
أفض أغرق مزارعنا جميعا
 
فقد أعيت وأضناها اللغوب
ودع ما في بلادك من مآس
 
بهن الطفل من جزع يشيب
خلائق ضاحكون مع الليالي
 
ولو عقلوا لهدّهم النحيب
يغنّى الراد في مسي وصبح
 
غناء ذاك أم هذا نعيب
وصام الناس من جوع وصاموا
 
صيام الذئب تحبسه اللصوب
نناديهم فلا نلقى جوابا
 
نداء الحر ليس له مجيب
ثعالب في سياسيتهم موات
 
وموت الثعلبان له ضروب
تجلّى بعضهم أو جلنزوه
 
فأمسى وهو من جهل طروب
إذا فرحوا بنوم الدهر عنهم
 
فيوم ذهابهم يومٌ قريب
صباحُ العيد صبح غد سلامٌ
 
على عيد تصوم به القلوب
هو الطوفان يرمى الناس رمياً
 
فلا نومٌ هناك ولا هبوب
سلوا نوحا إذا شئتم سلوه
 
يجبكم ذلك الرجل الأريب
سفينته سفينتكم وأنتم
 
من الأمواج دمعكمو صبيب
تعالى النيل من ملك رحيم
 
غدا وشعاره الملك الغضوب
أقمتب أرض مصر أروض قلبي
 
على عيش هو الروض الجديب
أعيش بأرض مصر لأن داري
 
بها يا رب ما هذى الكروب
أفض يا نيل أغرقهم جميعاً
 
فما لي في ربوعهمو حبيب
وثبتُ عليهمو بالشعر إني
 
إذا ما شئت يرطبني الوثوب