مفتاح دار السعادة 1

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة

ابن قيم الجوزية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين الى مرضاته سبيلا واوضح لهم طرق الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا واتخذهم عبيدا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا وكتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه لما رضوا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا والحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات من يكون ببيان سنن المرسلين كفيلا واختص هذه الامة بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امره ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلا يدعون من ضل الى الهدى ويصبرون منهم على الاذى ويبصرون بنور الله أهل العمى ويحيون بكتابه الموتى فهم احسن الناس هديا وأقومهم قيلا فكم من قتيل لابليس قد احيوه ومن ضال جاهل لا يعلم طريق رشده قد هدوه ومن مبتدع في دين الله بشهب الحق قد رموه جهادا في الله وابتغاء مرضاته وبيانا4 لحججه على العالمين وبيناته وطلبا للزلفى لديه ونيل رضوانه وجناته فحاربوا في الله من خرج عن دينه القويم وصراطه المستقيم الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلعوا اعنة الفتنة وخالفوا الكتاب واختلفوا في الكتاب واتفقوا على مفارقة الكتاب ونبذوه وراء ظهورهم وارتضوا غيره منه بديلا احمده وهو المحمود على كل ما قدره وقضاه واستعينه استعانة من يعلم انه لا رب له غيره ولا إله له سواه واستهديه سبل الذين انعم عليهم ممن اختاره لقبول الحق وارتضاه واشكره والشكر كفيل بالمزيد من عطاياه واستغفره من الذنوب التي تحول بين القلب وهداه وأعوذ بالله من شر نفسي وسيئات عملي استعاذة عبد فار الى ربه بذنوبه وخطاياه واعتصم به من الاهواء المردية والبدع المضلة فما خاب من اصبح به معتصما وبحماه نزيلا واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة اشهد بها مع الشاهدين واتحملها عن الجاحدين وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين واشهد ان

(1/1)


الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور واشهد ان محمدا عبده المصطفى ونبيه المرتضى ورسوله الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ارسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين وحجة على العباد اجمعين ارسله على حين فترة من الرسل فهدى به الى أقوم الطرق واوضح السبل وافترض على العباد طاعته وتعظيمه وتوفيره وتبجيله والقيام بحقوقة وسد اليه جميع الطرق

(1/2)


فلم يفتح لاحد الا من طريقه فشرح له صدره ورفع له ذكره وعلم به من الجهالة وبصر به من العمى وارشد به من الغي وفتح به اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا فلم يزل قائما بأمر الله لا يرده عنه راد داعيا الى الله لا يصده عنه صاد الى ان اشرقت برسالته الارض بعد ظلماتها وتالفت القلوب بعد شتاتها وسارت دعوته سير الشمس في الاقطار وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار فلما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على عباده المؤمنين استأثر به ونقله الى الرفيق الاعلى من كرامته والمحل الارفع الاسنى من أعلى جناته ففارق الامة وقد تركها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها الا من كان من الهالكين فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة دائمة بدوام السموات والارضين مقيمة عليهم أبدا لا تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا أما بعد فإن الله سبحانه لما اهبط آدم أبا البشر من الجنة لما له في ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن معرفتها والالسن عن صفتها فكان إهباطه منها عين كماله ليعود اليها على احسن احواله فأراد سبحانه ان يذيقه وولده من نصب الدنيا وغمومها وهمومها وأوصا بها ما يعظم به عندهم مقدار دخولهم اليها في الدار الاخرة فإن الضد يظهر حسنه الضد ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا قدرها وأيضا فإنه سبحانه اراد أمرهم ونهيهم وابتلاءهم واختبارهم وليست الجنة دار تكليف فاهبطهم الى الارض وعرضهم بذلك لافضل الثواب الذي لم يكن لينال بدون الامر والنهي وايضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ منهم انبياء ورسلا وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه فخلى بينهم وبين اعدائه وامتحنهم بهم فلما آثروه وبذلوا نفوسهم واموالهم في مرضاته ومحابه نالوا من محبته روضوانه والقرب منه ما لم يكن لينال بدون ذلك اصلا فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة والحب فيه والبغض فيه وموالاة اوليائه ومعاداة اعدائه عنده من افضل الدرجات ولم يكن ينال هذا الا على الوجه الذي قدره وقضاه من

(1/3)


إهباطه إلى الارض وجعل معيشته ومعيشة اولاده فيها وايضا فإنه سبحانه له الاسماء الحسنى فمن اسمائه الغفور الرحيم العفو الحليم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث الصبور ولا بد من ظهور آثار هذه الاسماء فاقتضت حكمته سبحانه ان ينزل آدم وذريته دارا يظهر عليهم فيها اثر اسمائه النى فيغفر فيها لمن يشاء ويرحم من يشاء ويخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وينتقم ممن يشاء ويعطى ويمنع ويبسط الى غير ذلك من ظهور اثر اسمائه وصفاته وأيضا فإنه سبحانه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويثيب ويعاقب ويهين ويكرم ويعز ويذل فاقتضى ملكه سبحانه ان انزل آدم وذريته دارا تجرى عليهم فيها احكام الملك ثم ينقلهم الى دار يتم عليهم فيها ذلك وايضا فإنه سبحانه أنزلهم الى دار يكون إيمانهم فيها بالغيب والايمان بالغيب هو الايمان النافع وأما الايمان بالشهادة فكل احد يؤمن يوم القيامة يوم لا ينفع نفسا إلا ايمانها في الدنيا فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الايمان بالغيب واللذة والكرامة الحاصلة بذلك لا تحصل بدونه بل كان الحاصل لهم في دار النعيم لذة وكرامة غير هذه وايضا فإن الله سبحانه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض والارض فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والكريم واللئيم فعلم سبحانه ان في ظهره من لا يصلح لمساكنته في داره فأنزله الى دار استخرج فيها الطيب والخبيث من صلبه ثم ميزهم سبحانه بدارين فجعل الطيبين اهل جواره ومساكنته في داره وجعل الخبيث اهل دار الشقاء دار الخبثاء قال الله تعالى ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون فلما علم سبحانه ان في ذريته من ليس بأهل لمجاورته انزلهم دارا استخرج منها اولئك والحقهم بالدار التي هم لها اهل حكمة بالغة ومشيئة نافذة ذلك تقدير العزيز العليم وايضا فإنه سبحانه لما قال للملائكة إني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك اجابهم بقوله إني اعلم ما لا تعلمون ثم اظهر سبحانه علمه لعباده ولملائكته بما جعله في الارض من خواص خلقه ورسله وأنبيائه وأوليائه ومن يتقرب اليه ويبذل نفسه في محبته ومرضاته مع مجاهدة شهوته وهواه فيترك محبوباته تقربا الي ويترك شهواته ابتغاء مرضاتي ويبذل دمه ونفسه في محبتي وأخصه بعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء الليل وأطراف النهار ويعبدني مع معارضات الهوى والشهوة والنفس والعدو إذ تعبدوني انتم من غير معارض يعارضكم ولا شهوة تعتريكم ولا عدو أسلطه عليكم بل عبادتكم لي بمنزلة النفس لاحدهم وأيضا فإني اريد ان اظهر ما خفى عليكم من شأن عدوي ومحاربته لي وتكبره عن أمري وسعيه في خلاف مرضاتي وهذا وهذا كانا كامنين مستترين في ابي البشر وأبي الجن فأنزلهم دارا اظهر فيها ما كان الله سبحانه منفردا بعلمه لا يعلمه سواه وظهرت حكمته وتم امره وبدا للملائكة من علمه ما لم يكونوا يعلمون وايضا فإنه سبحانه لما كان يحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الشاكرين وكانت محبته اعلى انواع الكرامات اقتضت حكمته ان أسكن آدم وبنيه دارا يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته فكان إنزالهم الى الارض من اعظم النعم عليهم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأيضا فإنه سبحانه أراد ان يتخذ من آدم ذرية يواليهم ويودهم ويحبهم ويحبونه فمحبتهم له هي غاية كمالهم ونهاية شرة ولم يمكن تحقيق هذه المرتبة السنية الا بموافقة رضاه وأتباع امره وترك إرادات النفس وشهواتها التي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا امرهم فيها ونهاهم فقاموا بأمره ونهيه فنالوا درجة محبتهم له فأنالهم درجة حبه إياهم وهذا من تمام حكمته وكمال رحمته وهو البر الرحيم وايضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه اطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل عبوديته افضل درجاتهم اعنى العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا وقد ثبت ان الله سبحانه ارسل جبريل الى النبي يخيره بين ان يكون ملكا نبيا او عبدا نبيا فنظر الى جبريل كالمستشير له فاشار اليه ان تواضع فقال بل ان اكون عبدا نبيا فذكره سبحانه باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الاسراء ومقام الدعوة ومقام التحدي فقال في مقام الاسراء سبحان الذي اسرى بعبده ليلا ولم يقل برسوله ولا نبيه إشارة الى انه قام هذا المقام الاعظم بكمال عبوديته لربه وقال في مقام الدعوة وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال في مقام التحدي وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وفي الصحيحين في حديث الشفاعة وتراجع الانبياء فيها وقول المسيح اذهبوا الى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فدل ذلك على انه نال ذلك المقام الاعظم بكمال عبوديته لله وكمال مغفرة الله له وإذا كانت العبودية عند الله بهذه المنزلة اقتضت حكمته ان اسكن آدم وذريته دارا ينالون فيها هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله وتقربهم اليه بمحابه وترك مألوفاتهم من اجله فكان ذلك من تمام نعمته عليهم وإحسانه اليهم وأيضا فإنه سبحانه أراد ان يعرف عباده الذين انعم عليهم تمام نعمته عليهم وقدرها ليكونوا اعظم محبةوأكثر شكرا واعظم التذاذا بما اعطاهم من النعيم فأراهم سبحانه فعله بأعدائه وما اعد لهم من العذاب وانواع الالام واشهدهم تخليصهم من ذلك


وتخصيصهم بأعلى انواع النعيم ليزداد سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فرحهم وتتم لذتهم وكان ذلك من إتمام الانعام عليهم ومحبتهم ولم يكن بد في ذلك من إنزالهم الى الارض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاء منهم رحمة منه وفضلا وخذلان من شاء منهم حكمة منه وعدلا وهو العليم الحكيم ولا ريب ان المؤمن إذا رأى عدوه ومحبوبه الذي هو أحب الاشياء اليه في أنواع العذاب والالام وهو يتقلب في انواع النعيم واللذة ازداد بذلك سرورا وعظمت لذته وكملت نعمته وأيضا فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته وهي الغاية منهم قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ومعلوم ان كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل في دار النعيم والبقاء إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء وأما دار البقاء فدار لذة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف وايضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مستلزم لداعي الشهوة والفتنة وداعي العقل والعلم فإنه سبحانه خلق فيه العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده ويظهر لعباده عزته في حكمته وجبروته ورحمته وبره ولطفه في سلطانه وملكه فاقتضت حكمته ورحمته ان أذاق أباهم وبيل مخالفته وعرفه ما يجنى عواقب إجابة الشهوة والهوى ليكون اعظم حذرا فيها واشد هروبا وهذا كحال رجل سائر على طريق قد كمنت الاعداء في جنباته وخلفه وأمامه وهو لا يشعر فإذا اصيب منها مرة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة عدوه وأعد له ما يدفعه ولولا انه ذاق ألم اغارة عدوه عليه وتبييته له لما سمحت نفسه بالاستعداد والحذر واخذ العدة فمن تمام نعمة الله على آدم وذريته ان اراهم ما فعل العدو بهم فاستعدوا له واخذوا اهبته فإن قيل كان من الممكن ان لا يسلط عليهم العدو قيل قد تقدم انه سبحانه خلق آدم وذريته على بنية وتركيب مستلزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم به ولو شاء لخلقهم كالملائكة الذين هم عقول بلا شهوات فلم يكن لعدوهم طريق اليهم ولكن لو خلقوا هكذا لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فإن بنى آدم قد ركبوا على العقل والشهوة وأيضا فإنه لما كانت محبة الله وحده هي غاية كمال العبد وسعادته التي لا كمال له ولا سعادة بدونها اصلا وكانت المحبة الصادقة إنما تتحقق بغيثار المحبوب على غيره من محبوبات النفوس واحتمال اعظم المشاق في طاعته ومرضاته فبهذا تتحقق المحبة ويعلم ثبوتها في القلب اقتضت حكمته سبحانه اخراجهم الى هذه الدار المحفوفة بالشهوات ومحاب النفوس التي بإيثار الحق عليها والاعراض عنها يتحقق حبهم له وإيثارهم إياه على غيره ولذلك يتحمل المشاق الشديدة وركوب الاخطار واحتمال الملامة والصبر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى سلطان المحبة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثمرتها على الجوارح فإن المحبة الثابتة اللازمة على كثرة الموانع والعوارض

(1/9)


والصوارف هي المحبة الحقيقية النافعة واما المحبة المشروطة بالعافية والنعيم واللذة وحصول مراد المحب من محبوبه فليست محبة صادقة ولا ثبات لها عند المعارضات والموانع فإن المعلق على الشرط عدم عند عدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بين من يعبد الله على السراء والرخاء والعافية فقط وبين من يعبده على السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء وايضا فإن الله سبحانه له الحمد المطلق الكامل الذي لا نهاية بعده وكان ظهور الاسباب التي يحمد عليها من مقتضى كونه محمودا وهي من لوازم حمده تعالى وهي نوعان فضل وعدل إذ هو سبحانه المحمود على هذا وعلى هذا فلا بد من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمياتها ليترتب عليها كمال الحمد الذي هو أهله فكما انه سبحانه محمود على إحسانه وبره وفضله وثوابه فهو محمود على عدله وانتقامه وعقابه إذ يصدر ذلك كله عن عزته وحكمته ولهذا نبه سبحانه على هذا كثيرا كما في سورة الشعراء حيث يذكر في آخر كل قصة من قصص الرسل وأممهم إن في ذلك لاية وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم فأخبر سبحانه ان ذلك صادر عن عزته المتضمنة كمال قدرته وحكمته المتضمنة كمال علمه ووضعه الاشياء مواضعها اللائقة بها ما وضع نعمته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه لاعدائهم الا في محلها اللائق بها لكمال عزته وحكمته ولهذا قال سبحانه عقيب إخباره عن قضائه بين اهل السعادة والشقاوة ومصير كل منهم الى ديارهم التي لا يليق بهم غيرها ولا تقتضى حكمته سواها وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وأيضا فإنه سبحانه اقتضت حكمته وحمده ان فاوت بين عباده اعظم تفاوت وابينه ليشكره منهم من ظهرت عليه نعمته وفضله ويعرف انه قد حبى بالانعام وخص دون غيره بالاكرام ولو تساووا جميعهم في النعمة والعافية لم يعرف صاحب النعمة قدرها ولم يبذل شكرها إذ لا يرى احدا إلا في مثل حاله ومن أقوى أسباب الشكر وأعظمها استخرجا له من العبد ان يرى غيره في ضد حاله الذي هو عليها من لاكمال والفلاح وفي الاثر المشهور ان الله سبحانه لما أرى آدم ذريته وتفاوت مراتبهم قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني احب ان اشكر فاقتضت محبته سبحانه لان يشكر خلق الاسباب التي يكن شكر الشاكرين عندها اعظم وأكمل وهذا هو عين الحكمة الصادرة عن صفة الحمد وايضا فإنه سبحانه لا شيء احب اليه من العبد من تذلله بين يديه وخضوعه وافتقاره وإنكساره وتضرعه اليه ومعلوم ان هذا المطلوب من العبد إنما يتم بأسبابه التي تتوقف عليها وحصول هذه الاسباب في دار النعيم المطلق والعافية الكاملة يمتنع إذ هو مستلزم للجمع بين الضدين وأيضا فإنه سبحانه له الخلق والامر والامر هو شرعه وأمره ودينه الذي بعث به رسله وانزل به كتبه وليست الجنة دار تكليف تجرى عليهم فيها أحكام التكليف ولوازمها وإنما هي دار نعيم ولذة واقتضت حكمته سبحانه استخراج آدم وذريته الى دار تجرى عليهم فيها احكام دينه وأمره ليظهر فيهم مقتضى الامر ولوازمه فإن الله


سبحانه كما ان افعاله وخلقه من لوازم كمال اسمائه الحسنى وصفاته العلى فكذلك امره وشرعه وما يترتب عليه من الثواب والعقاب وقد ارشد سبحانه الى هذا المعنى في غير موضع من كتابه فقال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى أي مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب وهذا يدل على ان هذا مناف لكمال حكمته وان ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذلك ولهذا اخرج الكلام مخرج الانكار على من زعم ذلك وهو يدل على ان حسنه مستقر في الفطر والعقول وقبح تركه سدا معطلا ايضا مستقر في الفطر فكيف ينسب الى الرب ما قبحه مستقر في فطركم وعقولكم وقال تعالى أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله الا هو رب العرش الكريم نزه نفسه سبحانه عن هذا الحسبان الباطل المضاد لموجب اسمائه وصفاته وانه لا يليق بجلاله نسبته اليه ونظائر هذا في القرآن كثيرة وايضا فإنه سبحانه يحب من عباده امورا يتوقف حصولها منهم على حصول الاسباب المقتضية لها ولا تحصل الا في دار الابتلاء والامتحان فإنه سبحانه يحب الصابرين ويحب الشاكرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ويحب التوابين ويحب المتطهرين ولا ريب ان حصول هذه المحبوبات بدون اسبابها ممتنع كامتناع حصول الملزوم بدون لازمه والله سبحانه أفرح بتوبة عبده حين يتوب اليه من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في ارض دوية مهلكة إذا وجدها كما ثبت في الصحيح عن النبي انه قال لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل من فيارض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال ارجع الى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله اشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث وذكر سر هذا الفرح بتوبة العبد والمقصود ان هذا الفرح المذكور إنما يكون بعد التوبة من الذنب فالتوبة والذنب لا زمان لهذا الفرح ولا يوجد الملزوم بدون لازمه وإذا كان هذا الفرح المذكور إنما يحصل بالتوبة المستلزمة للذنب فحصوله في دار النعيم التي لا ذنب فيها ولا مخالفة ممتنع ولما كان هذا الفرح احب الى الرب سبحانه من عدمه اقتضت محبته له خلق الاسباب المفضية اليه ليترتب عليها المسبب الذي هو محبوب له وأيضا فإن الله سبحانه جعل الجنة دار جزاء وثواب وقسم منازلها بين اهلها على قدر اعمالهم وعلى هذا خلقها سبحانه لما له في ذلك من الحكمة التي اقتضتها اسماؤه وصفاته فان الجنة درجات بعضها فوق بعض وبين الدرجتين كما بين السماء والارض كما في الصحيح عن النبي انه قال ان الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والارض وحكمة الرب سبحانه مقتضية لعمارة هذه الدرجات كلها وإنما تعمر ويقع التفاوت فيها بحسب الاعمال كما قال غير واحد من السلف ينجون من النار بعفو الله ومغفرته ويدخلون الجنة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعلى هذا حمل غير واحد ما جاء من إثبات دخول الجنة بالاعمال كقوله تعالى وتلك الجنة التي اورثتموها بما كنتم تعملون وقوله تعالى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون قالوا وأما نفي دخلوها بالاعمال كما في قوله لن يدخل الجنة احد بعمله قالوا ولا انت يا رسول الله قال ولا انا فالمراد به نفي اصل الدخول واحسن من هذا ان يقال الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نفى معها الدخول فالمقتضية هي باء السببية الدالة على ان الاعمال سبب للدخول مقتضية له كاقتضاء سائر الاسباب لمسبباتها والباء التي نفى بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم اشتريت هذا بهذا فأخبر النبي ان دخول الجنة ليس في مقابلة عمل احد وانه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة فليس عمل العبد وان تناهى موجبا بمجرده لدخول الجنة ولا عوضا لها فإن اعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فهي لا تقاوم نعمة الله التي انعم بها عليه في دار الدنيا ولا تعادلها بل لو حاسبه لوقعت اعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها فلو عذبه في هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له ولو رحمه لكانت رحمته خيرا له من عمله كما في السنن من حديث زيد بن ثابت وحذيفة وغيرهما مرفوعا الى النبي انه قال ان الله لو عذب أهل سمواته وأهل ارضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من اعمالهم والمقصود ان حكمته سبحانه اقتضت خلق الجنة درجات بعضها فوق بعض وعمارتها بآدم وذريته وإنزالهم فيها بحسب اعمالهم ولازم هذا إنزالهم الى دار العمل والمجاهدة وأيضا فإنه سبحانه خلق آدم وذريته ليستخلفهم في الارض كما اخبر سبحانه في كتابه بقوله اني جاعل في الارض خليفة وقوله وهو الذي جعلكم خلائف الارض وقال ويستخلفكم في الارض فأراد سبحانه ان ينقله وذريته من هذا الاستخلاف الى توريثه جنة الخلد وعلم سبحانه بسابق علمه انه لضعفه وقصور نظره قد يختار العاجل الخسيس على الاجل النفيس فإن النفس مولعة بحب العاجلة وإيثارها على الاخرة وهذا من لوازم كونه خلق من عجل وكونه خلق عجولا فعلم سبحانه ما في طبيعته من الضعف والخور فاقتضت حكمته ان ادخله الجنة ليعرف النعيم الذي اعد له عيانا فيكون اليه اشوق وعليه احرص وله اشد طلبا فإن محبة الشيء وطلبه والشوق اليه من لوازم تصوره فمن باشر طيب شيء ولذته وتذوق به لم يكد يصبر عنه وهذا لان النفس ذواقة تواقة فإذا ذاقت تاقت ولهذا إذا ذاق العبد طعم حلاوة الايمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فيه حبه ولم يؤثر عليه شيئا ابدا وفي الصحيح من حديث ابي هريرة رضى الله عنه المرفوع ان الله عز وجل يسأل الملائكة فيقول ما يسألني عبادي فيقولون يسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا يا رب فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد لها طلبا فاقتضت حكمته ان اراها أباهم وأسكنه إياها ثم قص على بنيه قصته فصاروا كأنهم مشاهدون لها حاضرون مع ابيهم فاستجاب من خلق لها وخلقت له وسارع اليها فلم يثنه عنها العاجلة بل يعد نفسه كانه فيها ثم سباه العدو فيراها وطنه الاول فهو دائم الحنين الى وطنه ولا يقر له قرار حتى يرى نفسه فيه كما قيل : نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابدا لاول منزل ولي من ابيات تلم بهذا المعنى : وحى على جنات عدن فإنها منازلك الاولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود الى اوطاننا ونسلم فسر هذه الوجوه انه سبحانه وتعالى سبق في حكمه وحكمته ان الغايات المطلوبة لا تنال الا باسبابها التي جعلها الله اسبابا مفضية اليها ومن تلك الغايات اعلى انواع النعيم وافضلها وأجلها فلا تنال الا باسباب نصبها مفضية اليها وإذا كانت الغايات التي هي دون ذلك لاتنال لا باسبابها مع ضعفها وانقطاعها كتحصيل المأكول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدنيا فكيف يتوهم حصول اعلى الغايات واشرف المقامات بلا سبب يفضى اليه ولم يكن تحصيل تلك الاسباب الا في دار المجاهدة والحرث فكان اسكان آدم وذريته هذه الدار التي ينالون فيها الاسباب الموصلة الى أعلى المقامات من إتمام انعامه عليهم وسرها ايضا انه سبحانه جعل الرسالة والنبوة والخلة والتكليم والولاية والعبودية من اشرف مقامات خلقه ونهايات كمالهم فأنزلهم دارا اخرج منهم الانبياء وبعث فيها الرسل واتخذ منهم من اتخذ خليلا وكلم موسى تكليما واتخذ منهم اولياء وشهداء وعبيدا وخاصة يحبهم ويحبونه وكان إنزالهم الى الارض من تمام الانعام والاحسان وايضا انه اظهر لخلقه من آثار اسمائه وجريان احكامها عليهم ما اقتضته حكمته ورحمته وعلمه وسرها ايضا انه تعرف الى خلقه بافعاله واسمائه وصفاته وما احدثه في اوليائه واعدائه من كرامته وانعامه على الاولياء واهانته واشقائه للاعداء ومن اجابته دعواتهم وقضائه حوائجهم وتفريج كرباتهم وكشف بلائهم وتصريفهم تحت أقداره كيف يشاء وتقليبهم في أنواع الخير والشر فكان في ذلك اعظم دليل لهم على انه ربهم ومليكهم وانه الله الذي لا إله الا هو وأنه العليم الحكيم السميع البصير وأنه الاله الحق وكل ما سواه باطل فتظاهرت ادلة ربوبيته وتوحيده في الارض وتنوعت وقامت من كل جانب فعرفه الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانا واذعانا وجحده المخذولون على خليقته واشركوا به ظلما وكفرانا فهلك من هلك عن بينة وحيي من حى بينة والله سميع عليم ومن تأمل آياته المشهودة والمسموعة في الارض ورأى آثارها علم تمام حكمته في اسكان آدم وذريته في هذه الدار الى أجل معلوم فالله سبحانه إنما خلق الجنة لآدم وذريته وجعل الملائكة فيها خدما لهم ولكن اقتضت حكمته ان خلق لهم دارا يتزودون منها الى الدار التي خلقت لهم وأنهم لاينالونها الا بالزاد كما قال تعالى في هذه الدار وتحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس إن ربكم لرؤوف رحيم فهذا شأن الانتقال في الدنيا من بلد الى بلد فكيف الانتقال من الدنيا الى دار القرار وقال تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى فباع المغبونون

(1/18)


منازلهم منها بأبخس الحظ وأنقص الثمن وباع الموفقون نفوسهم واموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة فربحت تجارتهم ونالوا الفوز العظيم قال الله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة فهو سبحانه ما اخرج آدم منها الا وهو يريد ان يعيده اليها اكمل اعادة كما قيل على لسان القدر يا آدم لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها فإني انا الغني عنها وعن كل شيء وانا الجواد الكريم وانا لا اتمتع فيها فإني اطعم ولا اطعم وانا الغني الحميد ولكن انزل الى دار البذر فإذا بذرت فاستوى الزرع على سوقه وصار حصيدا فحينئذ فتعال فاستوفه احوج ما انت اليه الحبة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف الى اضعاف كثيرة فإني اعلم بمصلحتك منك وانا العلي الحكيم فإن قيل ما ذكرتموه من هذه الوجوه وأمثالها إنما يتم إذا قيل إن الجنة التي اسكنها آدم وأهبط منها جنة الخلد التي اعدت للمتقين والمؤمنين يوم القيامة وحينئذ يظهر سر اهباطه واخراجه منها ولكن قد قالت طائفة منهم ابو مسلم ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما انها انما كانت جنة في الارض في موضع عال منها لا انها جنة المأوى التي اعدها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة وذكر منذر بن سعيد هذا القول في تفسيره عن جماعة فقال وأما قوله لادم اسكن انت وزوجك الجنة فقالت طائفة اسكن الله تعالى آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها الله له واسكنه اياها ليست جنة الخلد قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به لان الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الاخرة وفي اليوم الاخر تدخل ولم يأت بعد وقد وصفها الله تعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال ان يصف الله شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي التي وصفها به والقول بهذا دافع لما اخبر الله به قالوا وجدنا الله تبارك وتعالى وصف الجنة التي اعدت للمتقين بعد قيام القيامة بدار المقامة ولم يقم آدم فيها ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها ووصفها بأنها دار جزاء ولم يقل انها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة ووصفها بأنها ليس فيها حزن وان الداخلين اليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن فيها آدم ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الافات التي تكون في الدنيا وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم وقال فيمن يدخلها وما هم منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته وقال لايمسهم فيها نصب وقد ند آدم فيها هاربا فارا عند اصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه الذي نفاه الله عنها وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد اثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه امر فيها بمعصية ربه وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها ابليس الكذب وغره وقاسمه عليه ايضا بعد ان اسمعه اياه وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع الافات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الافات وسماها الله تعالى مقعد صدق وقد كذب ابليس فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه وعليون لم يكن فيه استحالة قط ولا تبديل ولا يكون باجماع المصلين والجنة في اعلى عليين والله تعالى انما قال اني جاعل في الارض خليفة ولم يقل اني جاعله في جنة الماوى فقالت الملائكة اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء والملائكة اتقى لله من ان تقول مالا تعلم وهم القائلون لاعلم لنا الا ما علمتنا وفي هذا دلالة على ان الله قد كان اعلمهم ان بني آدم سيفسدون في الارض والا فكيف كانوا يقولون مالا يعلمون والله تعالى يقول وقوله الحق لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون والملائة لا تقول ولا تعمل الا بما تؤمر به لا غير قال الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون والله تعالى أخبرنا ان ابليس قال لادم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن كان قد اسكن الله جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه نصيحته ويكذبه في قول فيقول وكيف تدلني على شيء انا فيه قد اعطيته واخترته بل كيف لم يحث التراب في وجهه ويسبه لان ابليس لئن كان يكون بهذا الكلام مغويا له انما كان يكون زاريا عليه لانه إنما وعده على معصية ربه بما كان فيه لا زائدا عليه ومثل هذا لا يخاطب به الا المجانين الذين لا يعقلون لان العوض الذي وعده به بمعصية ربه قد كان احرزه وهو الخلد والملك الذي لا يبلى ولم يخبر الله آدم إذ اسكنه الجنة انه فيها من الخالدين ولو كان فيها من الخالدين لما ركن الى قول ابليس ولا قبل نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غره بما اطمعه فيه من الخلد فقبل منه ولو اخبر الله آدم انه في دار الخلد ثم شك في خبر ربه لسماه كافرا ولما سماه عاصيا لان من شك في خبر الله فهو كافر ومن فعل غير ما امره الله به وهو معتقد للتصديق بخبر ربه فهو عاص وإنما سمى الله آدم عاصيا ولم يسمه كافرا قالوا فإن كان آدم اسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يدخلها الا طاهر مقدس فكيف توصل اليها إبليس الرجس النجس الملعون المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم وابليس فاسق قد فسق عن امر ربه وليست جنة الخلد دار الفاسقين ولا يدخلها فاسق البتة إنما هي دار المتقين وابليس غير تقي فبعد ان قيل له اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها انفسح له ان يرقى الى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط والابعاد له بالعتو والاستكبار هذا مضاد لقوله تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فإن كانت مخاطبته آدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليس تكبرا فليس تعقل العرب التي انزل القرآن بلسانها ما التكبر ولعل من ضعفت رويته وقصر بحثه ان يقول ان ابليس لم يصل اليها ولكن وسوسته وصلت فهذا قول يشبه قائله ويشاكل معتقده وقول الله تعالى حكم بيننا وبينه وقوله تعالى وقاسمهما يرد ما قال لان المقاسمة ليست وسوسة ولكنها مخاطبة ومشافهة ولا تكون الا من اثنين شاهدين غير غائبين ولا احدهما ومما يدل على ان وسوسته كانت مخاطبة قول الله تعالى فوسوس اليه الشيطان قال يا آدم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأخبر انه قال له ودل ذلك على انه انما وسوس اليه مخاطبة لا انه اوقع ذلك في نفسه بلا مقاولة فمن ادعى على الظاهر تاويلا ولم يقم عليه دليلا لم يجب قبول قوله وعلى ان الوسوسة قد تكون كلاما مسموعا او صوتا قال رؤية وسوس يدعو مخلصا رب الفلق وقال الاعشى : تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح كشرق زجل قالوا وفي قول ابليس لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله الم انهكما عن تلكما ما الشجرة ولم يقل عن هذه الشجرة كما قال له ابليس لان آدم لم يكن حينئذ في الجنة ولا مشاهدا للشجرة مع قوله عز وجل اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فقد اخبر سبحانه خبرا محكما غير مشتبه انه لا يصعد اليه الا كلم طيب وعمل صالح وهذا مما قدمنا ذكره انه لا يلج المقدس المطهر الا مقدس مطهر طيب ومعاذ الله ان تكون وسوسة ابليس مقدسة او طاهرة او خيرا بل هي شر كلها وظلمة وخبث ورجس تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكما ان اعمال الكافرين لا تلج القدس الطاهر ولا تصل اليه لانها خبيثة غير طيبة كذلك لا تصل ولم تصل وسوسة ابليس ولا ولجت القدس قال تعالى كلا ان كتاب الفجار لفي سجين وقد روى عن النبي ان آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فيها باجماع من المسلمين لان النوم وفاة وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الاحوال والنائم ميت او كالميت قالوا وقد روى عنه انه قال لام

(1/23)


حارثة لما قالت له يا رسول الله ان حارثة قتل معك فإن كان صار الى الجنة صبرت واحتسبت وان كان صار الى ما سوى ذلك رأيت ما افعل فقال لها رسول الله او جنة واحدة هي انما هي جنان كثيرة فاخبر ان لله جنات كثيرة فلعل آدم اسكنه الله جنة من جنانه ليست هي جنة الخلد قالوا وقد جاء في بعض الاخبار ان جنة آدم كانت بأرض الهند قالوا وهذا وأن كان لا يصححه رواة الاخبار ونقلة الاثار فالذي تقبله الالباب ويشهد له ظاهر الكتاب ان جنة آدم ليست جنة الخلد ولا دار البقاء وكيف يجوز ان يكون الله اسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين وهو قائل للملائكة اني جاعل في الارض خليفة وكيف اخبر الملائكة انه يريد ان يجعل في الارض خليفة ثم يسكنه دار الخلود ودار الخلود لا يدخلها الا من يخلد فيها كما سميت بدار الخلود فقد سماها الله بالاسماء التي تقدم ذكرنا لها تسمية مطلقة لا خصوص فيها فإذا قيل للجنة دار الخلد لم يجزان ينقص مسمى هذا الاسم بحال فهذا بعض ما احتج به القائلون بهذا المذهب وعلى هذا فاسكان آدم وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان وحينئذ كانت تلك الوجوه والفوائد التي ذكرتموها ممكنة الحصول في الجنة فالجواب ان يقال هذا فيه قولان للناس ونحن نذكر القولين واحتجاج الفريقين ونبين ثبوت الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين ونذكر أولا قول من قال انها جنة الخلد التي وعدها الله المتقين وما احتجوا به ومانقضوا به حجج من قال انها غيرها ثم نتبعها مقالة الاخرين وما احتجوا به وما أجابوا به عن حجج منازعيهم من غير انتصاب لنصرة احد القولين وابطال الاخر إذ ليس غرضنا ذلك وإنما الغرض ذكر بعض الحكم والمصالح المقتضية لاخراج آدم من الجنة واسكانه في الارض في دار الابتلاء والامتحان وكان الغرض بذلك الرد على من زعم ان حكمة الله سبحانه تأبى ادخال آدم الجنة وتعريضه للذنب الذي اخرج منها به وانه أي فائدة في ذلك والرد على ان من ابطل ان يكون له في ذلك حكمة وإنما هو صادر عن محض المشيئة التي لا حكمه الحكمة وراءها ولما كان المقصود حاصلا على كل تقدير سواء كانت جنة الخلد او غيرها بينا الكلام على التقديرين ورأينا ان الرد على هؤلاء بدبوس السلاق لا يحصل غرضا ولا يزيل مرضا فسلكنا هذا السبيل ليكون قولهم مردودا على كل قول من اقوال الامة وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة الا بالله فنقول اما ما ذكرتموه من كون الجنة التي اهبط منها آدم

(1/25)


ليست جنة الخلد وإنماهي جنة غيرها فهذا مما قد اختلف فيه الناس والاشهر عند الخاصة والعامة الذي لا يخطر بقلوبهم سواه انها جنة الخلد التي اعدت للمتقين وقد نص غير واحد من السلف على ذلك واحتج من نصر هذا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابي مالك الاشجعي عن ابي حازم عن ابي هريرة وابو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة قالا قال رسول الله يجمع الله عز وجل الناس حتى يزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم من الجنة الا خطيئة ابيكم آدم وذكر الحديث قالوا فهذا يدل على ان الجنة التي اخرج منها آدم هي بعينها التي يطلب منه ان يستفتحها لهم قالوا ويدل عليه ان الله سبحانه قال يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة الى قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين عقيب قوله اهبطوا فدل على انهم لم يكونوا اولا في الارض وأيضا فإنه سبحانه وصف الجنة التي اسكنها آدم بصفات لا تكون في الجنة الدنيوية فقال تعالى إن لك الا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لاتظمأ فيها ولا تضحى وهذا لا يكون في الدنيا اصلا ولو كان الرجل في اطيب منازلها فلا بد ان يعرض له الجوع والظمأ والتعرى والضحى للشمس وايضا فإنها لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن آدم كان يعلم ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها يبلى وايضا فإن قصة آدم في البقرة ظاهرة جدا في ان الجنة التي اخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم فهذا اهباط آدم وحواء وابليس من الجنة ولهذا اتى فيه بضمير الجمع وقيل انه خطاب لهم وللحية وهذا يحتاج الى نقل ثابت إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم وإبليس وقيل خطاب لآدم وحواء وأتى فيه بلفظ الجمع كقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين وقيل لادم وحواء وذريتهما وهذه الاقوال ضعيفة غير الاول لانها بين قول لا دليل عليه وبين ما يدل ظاهر الخطاب على خلافه فثبت ان ابليس داخل في هذا الخطاب وانه من المهبطين من الجنة ثم قال تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الاهباط الثاني لا بد ان يكون غير الاول وهو اهباطه من السماء الى الارض



وحينئذ فتكون الجنة التي اهبطوا منها الاول فوق السماء وهي جنة الخلد وقد ذهبت طائفة منهم الزمخشري الىان قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لادم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتاباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما ياتينكم مني هدى وقال ويدل على ذلك قوله فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون وما هو الا حكم يعم الناس كلهم ومعنى بعضكم لبعض عدو ما عليه الناس من التعادى والتباغض وتضليل بعضهم لبعض وهذا الذي اختاره اضعف الاقوال في الاية فإن العداوة التي ذكرها الله انما هي بين آدم وابليس وذرياتهما كما قال تعالى ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وأما آدم وزوجه فإن الله سبحانه اخبر في كتابه انه خلقها منه ليسكن اليها وقال سبحانه ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة فهو سبحانه جعل المودة بين الرجل وزوجه وجعل العداوة بين آدم وابليس وذرياتهما ويدل عليه ايضا عود الضمير اليهم بلفظ الجمع وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وابليس في قولهم فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما فهؤلاء ثلاثة آدم وحواء وإبليس فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام ولايعود على جميع المذكور مع انه وجه الكلام فإن قيل فما تصنعون بقوله في سورة طه : قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو وهذا خطاب لادم وحواء وقد اخبر بعداوة بعضهم بعضا قيل اما ان يكون الضمير في قوله اهبطا راجعا الى آدم وزوجه او يكون راجعا الى آدم وابليس ولم يذكر الزوجة لانها تبع له وعلى الثاني فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالاهباط وهما آدم وابليس وعلى الاول تكون الاية قد اشتملت على أمرين احدهما امره لادم وزوجه بالهبوط والثاني جعله العداوة بين آدم وزوجه وابليس ولا بد ان يكون ابليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى إن هذا عدو لك ولزوجك وقال لذريته ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها العداوة على ضمير الجمع دون التثنية وأما ذكر الاهباط فتارة ياتي بلفظ ضمير الجمع وتارة بلفظ التثنية وتارة يأتي بلفظ الافراد لابليس وحده كقوله تعالى في سورة الاعراف قال ما منعك ان لا تسجد اذ امرتك قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فهذا الاهباط لابليس وحده والضمير في قوله منها قيل انه عائد الى الجنة وقيل عائد الى السماء وحيث اتى بصيغة الجمع كان لادم وزوجه وابليس اذ مدار القصة عليهم وحيث اتى بلفظ التثنية فاما ان يكون لادم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الاكل من الشجرة واقدما على المعصية واما ان

(1/29)


يكون لادم وابليس اذ هما ابوا الثقلين فذكر حالهما وما آل اليه امرهما ليكون عظة وعبرة لاولادهما والقولان محكيان في ذلك وحيث اتى بلفظ الافراد فهو لابليس وحده وأيضا فالذي يوضح ان الضمير في قوله اهبطا منها جميعا لادم وابليس ان الله سبحانه لما ذكر المعصية افرد بها آدم دون زوجه فقال وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتابه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا وهذا يدل على ان المخاطب بالاهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا وهذا لان المقصود اخبار الله تعالى لعباده المكلفين من الجن والانس بما جرى على ابويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر لئلا يقتدوا بهما في ذلك فذكر ابو الثقلين ابلغ في حصول هذا المعنى من ذكر ابوي الانس فقط وقد اخبر سبحانه عن الزوجة انها اكلت مع آدم وأخبر انه اهبطه


وأخرجه من الجنة بتلك الاكلة فعلم ان هذا اقتضاه حكم الزوجية وانها صارت الى ما صار اليه آدم فكان تجريد العناية الى ذكر الابوين الذين هما اصل الذرية اولى من تجريدها الى ذكر ابي الانس وامهم والله اعلم وبالجملة فقوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ظاهر في الجمع فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله اهبطا قالوا وأما قولكم انه كيف وسوس له بعد اهباطه منها ومحال ان يصعد اليها بعد قوله تعالى اهبط فجوابه من وجوه احدهما انه اخرج منها ومنع من دخولها على وجه السكنى والكرامة واتخاذها دارا فمن اين لكم انه منع من دخولها على وجه الابتلاء والامتحان لادم وزوجه ويكون هذا دخولا عارضا كما يدخل شرط دار من امروا بابتلائه ومحنته وان لم يكونوا اهلا لسكنى تلك الدار الثاني انه كان يدنو من السماء فيكلمهما ولا يدخل عليهما دارهما الثالث انه لعله قام على الباب فناداهما وقاسمهما ولم يلج الجنة الرابع انه قد روى انه اراد الدخول عليهما فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به عليهما ولا يشعر الخزنة بذلك قالوا ومما يدل على انها جنة الخلد بعينها انها جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله اسكن انت وزوجك الجنة ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها الا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة وان كان في اصل الوضع عبارة عن البستان ذي الثمار والفواكه وهذا كالمدينة الطيبة والنجم للثريا ونظائرها فحيث ورد اللفظ معرفا بالالف واللام انصرف الى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما ان اريد به جنة غيرها فانها تجيء منكرة كقوله جنتين من اعناب او مقيدة بالاضافة كقوله ولولا اذ دخلت جنتك او مقيدة من السياق بما يدل على انها جنة في الارض كقوله انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة اذ اقسموا ليصرمنها مصبحين الايات فهذا السياق والتقييد يدل على انها بستان في الارض قالوا وأيضا فإنه قد اتفق اهل السنة

(1/31)


والجماعة على ان الجنة والنار مخلوقتان وقد تواترت الاحاديث عن النبي بذلك كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر عن النبي انه قال إن احدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى إن كان من اهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن اهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة وفي الصحيحين من حديث ابي سعيد الخدري عن النبي قال اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة مالي لا يدخلني الا ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار مالي لا يدخلني الا الجبارون والمتكبرون فقال للجنة انت رحمتي ارحم بك من أشاء وقال للنار انت عذابي اعذب بك من أشاء الحديث وفي السنن عن ابي هريرة ان رسول الله قال لما خلق الله الجنة والنار ارسل جبريل الى الجنة فقال اذهب فانظر اليها والى ما اعددت لاهلها قال

(1/32)


فذهب فنظر اليها وإلى ما اعد الله لاهلها الحديث وفي الصحيحين في حديث الاسراء ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا اربعة انهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا يا جبريل قال اما النهران الظاهران فالنيل والفرات وأما الباطنان فنهران في الجنة وفيه ايضا ثم ادخلت الجنة فإذا جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وفي صحيح البخاري عن انس عن النبي قال بينما انا أسير في الجنة إذا انا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي اعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك اذفر وفي صحيح مسلم في حديث صلاة الكسوف ان النبي جعل يتقدم ويتأخر في الصلاة ثم اقبل على اصحابه فقال انه عرضت لي الجنة والنار فقربت مني الجنة حتى لو تناولت منها قطفا لاخذته فلو اخذته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ارواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى تلك القناديل فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا فقالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا الحديث وفي الصحيح من حديث ابن عباس قال قال رسول الله لما اصيب اخوانكم باحد جعل الله ارواحهم في اجواف طير خضر ترد انهار الجنة وتأكل من ثمارها وتاوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ عنا اخواننا انا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يتكلوا عند الحرب فقال الله أنا ابلغهم عنكم فانزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله الاية وفي الموطأ من حديث كعب بن مالك ان رسول الله قال انما نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة حتى يرجعه الله الى جسده يوم يبعثه وفي البخاري ان إبراهيم ابن رسول الله لما توفي قال رسول

(1/33)


الله ان له مرضعا في الجنة وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين قال قال رسول الله اطلعت في الجنة فرأيت اكثر اهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت اكثر اهلها النساء والاثار في هذا الباب اكثر من ان تذكرا واما القول بان الجنة والنار لم تخلقا بعد فهو قول اهل البدع من ضلال المعتزلة ومن قال بقولهم وهم الذين يقولون ان الجنة التي اهبط منها آدم إنما كانت جنة بشرقي الارض وهذه الاحاديث وأمثالها ترد قولهم قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها منتفية في الجنة التي اسكنها آدم من اللغو والكذب والنصب والعرى وغير ذلك فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا احد من اهل الاسلام ولكن هذا إنما هو إذا دخلها المؤمنون

(1/34)


يوم القيامة كما يدل عليه سياق الكلام وهذا لا ينفى ان يكون فيها بين آدم وإبليس ما حكاه الله عز وجل من الامتحان والابتلاء ثم يصير الامر عند دخول المؤمنين اليها الى ما أخبر الله عز وجل به فلا تنافي بين الامرين قالوا وأما قولكم ان الجنة دار جزاء وثواب وليست دارتكليف وقد كلف الله سبحانه آدم فيها بالنهي عن الشجرة فجوابه من وجهين احدهما انه إنما يمتنع ان تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة فحينئذ ينقطع التكليف وأما امتناع وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه الثاني ان التكليف فيها لم يكن بالاعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليه في شجرة من جملة أشجارها وهذا لا يمتنع وقوعه في جنة الخلد كما ان كل احد محجور عليه ان يقرب أهل غيره فيها فإن اردتم بان الجنة ليست دار كيف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الاوقات فلا دليل لكم عليه وإن اردتم ان غالب التكاليف التي تكون في الدنيامنتفية فيها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم قالوا وهذا كما انه موجب الادلة وقول سلف الامة فلا يعرف بقولكم قائل من ائمة العلم ولا يعرج عليه ولا يلتفت اليه قال الاولون الجواب عما ذكرتم من وجهين مجمل ومفصل اما المجمل فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليل يتعين المصير اليه لا من قرآن ولا من سنة ولا أثر ثابت عن احد من اصحاب رسول الله ولا التابعين لا مسندا ولا مقطوعا ونحن نوجدكم من قال بقولنا هذا احد ائمة الاسلام سفيان بن عيينة قال في قوله عز وجل ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى قال يعني في الارض وهذا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال في معارفه بعد ان ذكر خلق الله لادم وزوجه ان الله سبحانه اخرجه من مشرق جنة عدن الى الارض التي منها اخذ وهذا ابى قد حكى الحسن عنه ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من قطف الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه له فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بني آدم

(1/35)


قالوا إن ابانا اشتهى قطفا من قطف الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا اليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم وهذا ابو صالح قد نقل عن ابن عباس في قوله اهبطوا منها قال هو كما يقال هبط فلان في ارض كذا وكذا وهذا وهب بن منبه يذكر آن آدم خلق في الارض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وانه كان بعدن وان سيحون وجيحون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة وهو الذي كان يسقيها وهذا منذر بن سعيد البلوطي اختاره في تفسيره ونصره بما حكيناه عنه وحكاه في غير التفسير عن ابي حنيفة فيما خالفه فيه فلم قال بقوله في هذه المسألة وهذا أبو مسلم الاصبهاني صاحب التفسير وغيره احد الفضلاء المشهورين قال بهذا وانتصر له واحتج عليه بما هو معروف

(1/36)


في كتابه وهذا ابو محمد عبد الحق بن عطية ذكر القولين في تفسيره في قصة آدم في البقرة وهذا ابو محمد بن حزم ذكر القولين في كتاب الملل والنحل له فقال وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهب الى ان الجنة والنار مخلوقتان الا انه كان يقول انها ليست هي التي كان فيها آدم وامراته وممن حكى القولين ايضا ابو عيسى الرماني في تفسيره واختار انها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو بن واصل وأكثر اصحابنا وهو قول ابي علي وشيخنا ابي بكر وعليه اهل التفسير وممن ذكر القولين ابو القاسم الراغب في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي اسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله له امتحانا ولم يكن جنة المأوى ثم قال ومن قال لم يكن جنة المأوى لانه لا تكليف في الجنة وآدم كان مكلفا قال وقد قيل في جوابه انها لا تكون دار التكليف في الاخرة ولا يمتنع ان تكون في وقت دار تكليف دون وقت كما ان الانسان يكون في وقت مكلفا دون وقت وممن ذكر الخلاف في المسألة ابو عبد الله بن الخطيب الرازي في تفسيره فذكر هذين القولين وقولا ثالثا وهو التوقف قال لامكان الجميع وعدم الوصول الى القطع كما سيأتي حكاية كلامه ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول وهو انها لم تكن جنة الخلد إنما كانت حيث شاء الله من الارض وقالوا كانت تطلع فيها الشمس والقمر وكان ابليس فيها ثم اخرج قال ولو كانت جنة الخلد لما اخرج منها وممن ذكر القولين ايضا أبو الحسن الماوردي فقال في تفسيره واختلف في الجنة التي اسكناها على قولين احدهما انها جنة الخلد الثاني انها جنة اعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها الله دار جزاء ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين احدهما انها في السماء لانه اهبطهما منها وهذا قول الحسن الثاني انها في الارض لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد ان

(1/37)


أمر ابليس بالسجود لادم والله اعلم بصواب ذلك هذا كلامه وقال ابن الخطيب في تفسيره اختلفوا في ان الجنة المذكورة في هذه الاية هل كانت في الارض او في السماء وبتقدير انها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد او جنة اخرى فقال ابو القاسم البلخي وابو مسلم الاصبهاني هذه الجنة في الارض وحملا الاهباط على الانتقال من بقعة الى بقعة كما في قوله تعالى اهبطوا مصرا القول الثاني وهو قول الجبائي ان تلك كانت في السماء السابعة قال والدليل عليه قوله اهبطوا ثم ان الاهباط الاول كان من السماء السابعة الى السماء الاولى والاهباط الثاني كان من السماء الى الارض والقول الثالث وهو قول جمهور اصحابنا ان هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليههو ان الالف واللام في لفظ الجنة لا يفيد العموم لان سكنى آدم جميع الجنان محال فلا بد من صرفها الى المعهود السابق والجنة المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب فوجب صرف اللفظ اليها قال والقول الرابع ان الكل ممكن والادلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع

(1/38)


قالوا ونحن لا نقلد هؤلاء ولا نعتمد على ما حكى عنهم والحجة الصحيحة حكم بين المتنازعين قالوا وقد ذكرنا على هذا القول ما فيه كفاية واما الجواب المفصل فنحن نتكلم على ما ذكرتم من الحجج لينكشف وجه الصواب فنقول وبالله التوفيق اما استدلالكم بحديث ابي هريرة وحذيفة حين يقول الناس لادم استفتح لنا الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فهذا الحديث لا يدل على ان الجنة التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم هي التي أخرج منها بعينها فإن الجنة اسم جنس فكل بستان يسمى جنة كما قال تعالى انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين وقال تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا او تكون لك جنة من نخيل وعنب وقال تعالى ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة وقال تعالى واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحففناهما بنخل الى قوله ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله فإن الجنة اسم جنس فهم لما طلبوا من آدم ان يستفتح لهم جنة الخلد اخبرهم بأنه لا يحسن منه ان يقدم على ذلك وقد اخرج نفسه وذريته من الجنة التي اسكنه الله اياها بذنبه وخطيئته هذا الذي دل عليه الحديث وأما كون الجنة التي اخرج منها هي بعينها التي طلبوا منه ان يستفتحها لهم فلا يدل الحديث عليه بشيء من وجوه الدلالات الثلاث ولو دل عليه لوجب المصير الى مدلول الحديث وامتنع القول بمخالفته وهل مدارنا الا على فهم مقتضى كلام الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه قالوا وأما استدلالكم بالهبوط وأنه نزول من علو الى سفل فجوابه من وجهين احدهما ان الهبوط قد استنقل في النقلة من ارض الى ارض كما يقال هبط فلان بلد كذا وكذا وقال تعالى اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وهذا كثير في نظم العرب ونثرها قال :  إن تهبطين بلاد قو  م يرتعون من الطلاح وقد روى ابو صالح عن ابن عباس رضى الله

(1/39)


عنهما قال هو كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا الثاني انا لا ننازعكم في ان الهبوط حقيقة ما ذكرتموه ولكن من اين يلزم ان تكون الجنة التي منها الهبوط فوق السموات فإذا كانت في أعلى الارض اما يصح ان يقال هبط منها كما يهبط الحجر من اعلى الجبل الى اسفله ونحوه وأما قوله تعالى ولكم في الارض مستقرومتاع الى حين فهذا يدل على ان الارض التي اهبطوا اليها لهم فيها مستقر ومتاع الى حين ولا يدل على انهم لم يكونوا في جنة عالية اعلى من الارض التي اهبطوا اليها تخالف الارض

(1/40)


في صفاتها واشجارها ونعيمها وطيبها فالله سبحانه فاوت بين بقاع الارض اعظم تفاوت وهذا مشهود بالحس فمن اين لكم ان تلك لم تكن جنة تميزت عن سائر بقاع الارض بما لا يكون الا فيها ثم اهبطوا منها الى الارض التي هي محل التعب والنصب والابتلاء والامتحان وهذا بعينه هوالجواب عن استدلالكم بقوله تعالى إن لك الا تجوع فيهاولاتعرى ألى آخر ما ذكرتموه مع ان هذا حكم معلق بشرط والشرط لم يحصل فإنه سبحانه إنما قال ذلك عقيب قوله ولا تقربا هذه الشجرة وقوله ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى هو صيغة وعد مرتبطة بما قبلها والمعنى ان اجتنبت الشجرة التي نهيتك عنها ولم تقربها كان لك هذا الوعد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فلما اكل من الشجرة زال استحقاقه لهذا الوعد قال واما قولكم انه لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى الى آخره فدعوى لا دليل عليها لانه لا دليل لكم على ان الله سبحانه كان قد اعلم آدم حين خلقه ان الدنيا منقضية فانية وان ملكها يبلى ويزول وعلى تقدير ان يكون آدم حينئذ قد أعلم ذلك فقول ابليس هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى لا يدل على انه اراد بالخلد مالا يتناهى فإن الخلد في لغة العرب هو اللبث الطويل كقولهم قيد مخلد وحبس مخلد وقد قال تعالى لثمود تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وكذلك قوله وملك لا يبلى يراد به الملك الطويل الثابت وأيضا فلا وجه للاعتذار عن قول ابليس مع تحقق كذبه ومقاسمته آدم وحواء على الكذب والله سبحانه قد أخبر انه قاسمهما ودلاهما بغرور وهذا يدل على انهما اغترا بقوله فغرهما بان اطمعهما في خلد الابد والملك الذي لا يبلى وبالجملة فالاستدلال بهذا على كون الجنة التي سكنها آدم هي جنة الخلد التي وعدها المتقون غير بين ثم نقول لو كانت الجنة هي جنة الخلد التي لا يزول ملكها لكانت جميع اشجارها شجر الخلد فلم يكن لتلك

(1/41)


الشجرة اختصاص من بين سائر الشجر بكونها شجرة الخلد وكان آدم يسخر من ابليس إذ قد علم ان الجنة دار الخلد فإن قلتم لعل آدم لم يعلم حينئذ ذلك فغره الخبيث وخدعه بان هذه الشجرة وحدها هي شجرة الخلد قلنا فاقنعوا منا بهذا الجواب بعينه عن قولكم لو كانت الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب ابليس في ذلك لان قوله كان خداعا وغرورا محضا على كل تقدير فانقلب دليلكم حجة عليكم وبالله التوفيق قالوا وأما قولكم ان قصة آدم في البقرة ظاهرة جدا في ان جنة آدم كانت فوق السماء فنحن نطالبكم بهذا الظهور ولا سبيل لكم الى اثباته قولكم انه كرر فيه ذكر الهبوط مرتين ولا بد ان يفيد الثاني غير ما أفاد الاول فيكون الهبوط الاول من الجنة والثاني من السماء فهذا فيه خلاف بين اهل التفسير فقالت طائفة هذا القول الذي ذكرتموه وقالت طائفة

(1/42)


منهم النقاش وغيره ان الهبوط الثاني إنما هو من الجنة الى السماء والهبوط الاول الى الارض وهو آخر الهبوطين في الوقوع وان كان اولهما في الذكر وقالت طائفة اتى به على جهة التغليظ والتأكيد كما تقول للرجل اخرج اخرج وهذه الاقوال ضعيفة فأما القول الاول فيظهر ضعفه من وجوه احدها انه مجرد دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبر يجب المصير اليه وما كان هذا سبيله لا يحمل القرآن عليه الثاني ان الله سبحانه قد اهبط ابليس لما امتنع من السجود لادم اهباطا كونيا قدريا لا سبيل له الى التخلف عنه فقال تعالى اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين وقال في موضع آخر فاخرج منها فانك رجيم وان عليك اللعنة الى يوم الدين وفي موضع آخر اخرج منها مذموما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم اجمعين وسواء كان الضمير في قوله منها راجعا الى السماء او الى الجنة فهذا صريح في اهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعلى هذا فلو كانت الجنة فوق السموات لكان قد صعد اليها بعد اهباط الله له وهذا وان كان ممكنا فهو في غاية البعد عن حكمة الله ولا يقتضيه خبره فلا ينبغي ان يصار اليه وأما الوجوه الاربعة التي ذكرتموها من صعوده للوسوسة فهي مع امر الله تعالى بالهبوط مطلقا وطرده ولعنه ودحوره لا دليل عليها لا من اللفظ ولا من الخبر الذي يجب المصير اليه وما هي الا احتمالات مجردة وتقديرات لا دليل عليها الثالث ان سياق قصة اهباط الله تعالى لابليس ظاهرة في أنه اهباط الى الارض من وجوه احدها انه سبحانه نبه على حكمة اهباطه بما قام به من التكبر المقتضى غاية ذله وطرده ومعاملته بنقيض قصده وهو اهباطه من فوق السموات الى قرار الارض ولا تقتضى الحكمة ان يكون فوق السماء مع كبره ومنافاة حاله لحال الملائكة الاكرمين الثاني انه قال فاخرج منها فإنك رجيم وان عليك لعنتي الى يوم الدين وكونه رجيما ملعونا ينفى ان يكون في السماء بين

(1/43)


المقربين المطهرين الثالث انه قال اخرج منها مذؤما مدحورا وملكوت السموات لا يعلوه المذموم المدحور ابدا وأما القول الثاني فهو القول الاول بعينه مع زيادة ما لا يدل عليه السياق بحال من تقديم ما هو مؤخر في الواقع وتأخير ما هو مقدم فيه فيرد بما رد به القول الذي قبله وأما القول الثالث وهو أنه للتأكيد فإن أريد التأكيد اللفظي المجرد فهذا لا يقع في القرآن وان اريد به انه مستلزم للتغليظ والتأكيد مع ما يشتمل عليه من الفائدة فصحيح فالصواب ان يقال اعيد الاهباط مرة ثانية لانه علق عليه حكما غير المعلق على الاهباط الاول فإنه علق على الاول عداوة بعضهم بعضا فقال اهبطوا بعضكم لبعض عدو وهذه جملة حالية وهي اسمية بالضمير وحده عند الاكثرين والمعنى اهبطوا متعادين وعلق على الهبوط الثاني حكمين آخرين احدهما هبوطهم جميعا والثاني

(1/44)


قوله  فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون فكأنه قيل اهبطوا بهذا الشرط مأخوذا عليكم هذا العهد وهو انه مهما جاءكم مني هدى فمن اتبعه منكم فلا خوف عليه ولا حزن يلحقه ففي الاهباط الاول إيذان بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة وفي الاهباط الثاني روح التسلية والاستبشاربحسن عاقبة هذا الهبوط لمن تبع هداي ومصيره الى الامن والسرور المضاد للخوف والحزن فكسرهم بالاهباط الاول وجبر من اتبع هداه بالاهباط الثاني على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته كما كسر آدم بالاخراج من الجنة وجبره بالكلمات التي تلقاها منه فتاب عليه وهداه ومن تدبر حكمته سبحانه ولطفه وبره بعباده وأهل طاعته في كسره لهم ثم جبره بعد الانكسار كما يكسر العبد بالذنب ويذله به ثم يجبره بتوبته عليه ومغفرته له وكما يكسره بأنواع المصائب والمحن ثم يجبره بالعافية والنعمة انفتح له باب عظيم من أبواب معرفته ومحبته وعلم انه ارحم بعباده من الوالدة بولدها وان ذلك الكسر هو نفس رحمته به وبره ولطفه وهو أعلم بمصلحة عبده منه ولكن العبد لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكاد يشعر بذلك ولا ينال رضا المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدنو منه والزلفى لديه الاعلى جسر من الذلة والمسكنة وعلى هذا قام امر المحبة فلا سبيل الى الوصول الى المحبوب الا بذلك كما قيل  تذلل لمن تهوى لتحظى بقربه  فكم عزة قد نالها العبد بالذل  إذا كان من تهوى عزيز او لم تكن  ذليلا له فاقرا السلام على الوصل وقال آخر :  اخضع وذل لمن تحب فليس في  شرع الهوى انف يشال ويقعد وقال آخر :  وما فرحت بالوصل نفس عزيزة  وما العز إلا ذلها وانكسارها قالوا وإذا علم ان إبليس اهبط من دار العز عقب امتناعه وإبائه من السجود لادم ثبت ان وسوسته له ولزوجه كانت في غير المحل الذي اهبط منه والله اعلم قالوا واما قولكم ان الجنة إنما جاءت معرفة باللام وهي تنصرف الى الجنة

(1/45)


التي لا يعهد بنو آدم سواها فلا ريب انها جاءت كذلك ولكن العهد وقع في خطاب الله تعالى آدم لسكناها بقوله اسكن انت وزوجك الجنة فهي كانت معهودة عند آدم ثم اخبرنا سبحانه عنهامعرفا لها بلام التعريف فانصرف العرف بها الىتلك الجنة المعهودة في الذهن وهي التي سكنها آدم ثم اخرج منها فمن اين في هذا ما يدل على محلها وموضعها بنفي او إثبات وأما مجيء جنة الخلد معرفة باللام فلانها الجنة التي اخبرت بها الرسل لاممهم ووعدها الرحمن عباده بالغيب فحيث ذكرت انصرف الذهن اليها دون غيرها لانها قد صارت معلومة في القلوب مستقرة فيها ولا ينصرف الذهن الى غيرها ولا يتوجه الخطاب الى سواها وقد جاءت الجنة في القرآن معرفة باللام والمراد بها بستان في بقعة من الارض كقوله تعالى إنا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين فهذا لا ينصرف الذهن فيها الى جنة الخلد ولا الى جنة آدم بحال قالوا وما قولكم انه قد اتفق اهل السنة والجماعة علىان الجنة والنار مخلوقتان وإنه لم ينازع في ذلك إلا بعض أهل البدع والضلال واستدلالكم على وجود الجنة الان فحق لاننازعكم فيه وعندنا من الادلة على وجودها اضعاف ما ذكرتم ولكن أي تلازم بين ان تكون جنة الخلد مخلوقة وبين ان تكون هي جنة آدم بعينها فكانكم تزعمون ان كل من قال ان جنة آدم هي جنة في الارض فلا بد له ان يقول ان الجنة والنار لم يخلقا بعد وهذا غلط منكم منشؤه من توهمكم ان كل من قال بأن الجنة لم تخلق بعد فإنه يقول ان جنة آدم هي في الارض كذلك بالعكس ان كل من قال ان جنة آدم في الارض فيقول ان الجنة لم تخلق فأما الاول فلا ريب فيه وأما الثاني فوهم لا تلازم بينهما لافي المذهب ولا في الدليل فأنتم نصبتم دليلكم مع طائفة نحن وانتم متفقون على انكار قولهم ورده وابطاله ولكن لا يلزم من هذا بطلان هذا القول الثالث وهذا واضح قالوا وأما قولكم ان جميع ما نفاه الله سبحانه عن الجنة من اللغو والعذاب

(1/46)


وسائر الافات التي وجد بعضها من ابليس عدو الله فهذا إنما يكون بعد القيامة إذا دخلها المؤمنون كما يدل عليه السياق فجوابه من وجهين احدهما ان ظاهر الخبر يقتضي نفيه مطلقا لقوله تعالى لا لغو فيها ولا تأثيم ولقوله تعالى لا تسمع فيها لاغية فهذا نفي عام لا يجوز تخصيصه الا بمخصص بين والله سبحانه قد حكم بانها دار الخلد حكما مطلقا فلا يدخلها الا خالد فيها فتخصيصكم هذه التسمية بما بعد القيامة خلاف الظاهر الثاني ان ما ذكرتم إنما يصار اليه إذا قام الدليل السالم عن المعارض المقاوم انها جنة الخلد بعينها وحينئذ يتعين المصير الى ما ذكرتم فأما إذا لم يقم دليل سالم على ذلك ولم تجمع الامة عليه فلا يسوغ مخالفة ما دلت عليه النصوص البينة بغير موجب والله اعلم قالوا ومما يدل على انها ليست جنة الخلد التي وعدها المتقون ان الله سبحانه لما خلق آدم اعلمه ان لعمره اجلا ينتهي اليه وأنه لم يخلقه للبقاء ويدل على هذا ما رواه الترمذي في جامعه قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن ابن ابي زياب عن سعيد بن ابي سعيد المقبري عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله يا رب فقال له ربه يرحمك الله يا آدم إذهب الى اولئك الملائكة إلى ملاء منهم جلوس فقل السلام

(1/47)


عليكم قالوا وعليك السلام ثم رجع الى ربه فقال ان هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر ايتهما شئت فقال اخترت يمين ربي كلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته قال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه فإذا رجل اضوؤهم او من اضوئهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود وقد كتبت له عمرا اربعين سنة قال يا رب زد في عمره قال ذاك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك قال ثم اسكن الجنة ما شاء الله ثم اهبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت اليس قد كتبت لي الف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسى فنسيت ذريته قال فمن يومئذ امر بالكتاب والشهود هذا حديث حسن غريب م هذا الوجه وروى من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي قالوا فهذا صريح في أن آدم لم يكن مخلوقا في دار الخلد التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله لها ولأهلها اجلا معلوما وفيها اسكن فإن قيل فإذا كان آدم قد علم ان له عمرا ينتهي اليه وأنه ليس من الخالدين فكيف لم يكذب ابليس ويعلم بطلان قوله حيث قال له هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى بل جوز ذلك واكل من الشجرة طمعا في الخلد فالجواب ما تقدم من الوجهين اما ان يكون المراد بالخلد المكث الطويل الى أبد الابد او يكون عدوه ابليس لماقاسمه وزوجه وغيرهما واطمعهما بدوامهما في الجنة نسى ما قدر له من عمره قالوا والمعول عليه في ذلك قوله تعالى للملائكة إني جاعل في الارض خليفة وهذا الخليفة هو آدم باتفاق الناس ولما عجبت الملائكة من ذلك وقالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك عرفهم سبحانه ان هذا الخليفة الذي هوجاعله في الارض ليس حاله كما توهمتم من الفساد بل اعلمه من علمي مالا تعلمونه فأظهر من فضله وشرفه بأن

(1/48)


علمه الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فلم يعرفوها و قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم وهذا يدل على ان هذا الخليفة الذي سبق به اخبار الرب تعالى لملائكته وأظهر تعالى فضله وشرفه وأعلمه بما لم تعلمه الملائكة وهو خليفة مجعول في الارض لا فوق السماء فإن قيل قوله تعالى اني جاعل في الارض خليفة إنما هو بمعنى سأجعله في الارض فهي مآله ومصيره وهذا لا ينافي ان يكون في جنة الخلد فوق السماء اولا ثم يصير الى الارض للخلافة التي جعلها الله له واسم الفاعل هنا بمعنى الاستقبال ولهذا انتصب عنه المفعول فالجواب ان الله سبحانه اعلم ملائكته بانه يخلقه لخلافة الارض لا لسكنى جنة الخلود وخبره الصدق وقوله الحق وقد علمت الملائكة

(1/49)


أنه هو آدم فلو كان قد اسكنه دار الخلود فوق السماء لم يظهر للملائكة وقوع المخبر ولم يحتاجوا الى ان يبين لهم فضله وشرفه وعلمه المتضمن رد قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فإنهم إنما سألوا هذا السؤال في حق الخليفة المجعول في الارض فاما من هو في دار الخلد فوق السماء فلم تتوهم الملائكة منه سفك الدماء والفساد في الارض ولا كان اظهار فضله وشرفه وعلمه وهو فوق السماء رادا لقولهم وجوابا لسؤالهم بل الذي يحصل به جوابهم وضد ما توهموه إظهار تلك الفضائل والعلوم منه وهو في محل خلافته التي خلق لها وتوهمت الملائكة انه لا يحصل منه هناك الا ضدها من الفساد وسفك الدماء وهذا واضح لمن تأمله وأما اسم الفاعل وهو فاعل وإن كان بمعنى الاستقبال فلأن هذا إخبار عما سيفعله الرب تعالى في المستقبل من جعله الخليفة في الارض وقد صدق وعده ووقع ما أخبر به وهذا ظاهر في أنه من أول الامر جعله خليفة في الارض وأما جعله في السماء اولا ثم جعله خليفة في الارض ثانيا وإن كان مما لا ينافي الاستخلاف المذكور فهو ممالا يقتضيه اللفظ بوجه بل يقتضى ظاهره خلافه فلا يصار اليه إلا بدليل يوجب المصير اليه وحوله ندندن قالوا وايضا فمن المعلوم الذي لا يخالف فيه مسلم ان الله سبحانه خلق آدم من تراب وهو تراب هذه الارض بلا ريب كما روى الترمذي في جامعه من حديث عوف عن قسامة بن زهير عن ابي موسى الاشعري رضى الله عنه قال قال رسول الله ان الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الارض فجاء منهم الاحمر والابيض والاسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقد رواه الامام احمد في مسنده من طرق عدة وقد أخبر سبحانه انه خلقه من تراب وأخبر انه خلقه من سلالة من طين واخبر انه خلقه من صلصال من حمأ مسنون والصلصال قيل فيه هو الطين اليابس الذي له صلصلة ما لم يطبخ فإذا طبخ فهو فخار وقيل

(1/50)


فيه هو المتغير الرائحة من قولهم صل إذا انتن والحمأ الطين الاسود المتغير والمسنون قيل المصبوب من سننت الماء إذا صببته وقيل المنتن المسن من قولهم سننت الحجر على الحجر إذا حككته فإذا سال بينهما شيء فهو سنين ولا يكون إلا منتنا وهذه كلها اطوار التراب الذي هو مبدؤه الاول كما اخبر عن خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وهذه احوال النطفة التي هي مبدأ الذرية ولم يخبر سبحانه انه رفعه من الارض الى فوق السموات لا قبل التخليق ولا بعده وإنما اخبر عن اسجاد الملائكة له وعن إدخاله الجنة وما جرى له مع إبليس بعد خلقه فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نسق واحد مرتبطا بعضها ببعض قالوا فأين الدليل الدال على إصعاد مادته واصعاده بعدخلقه الى فوق السموات هذا مما لا دليل لكم عليه اصلا ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به قالوا ومن المعلوم ان ما فوق

(1/51)


السموات ليس بمكان للطين الارضي المتغير الرائحة الذي قد انتن من تغيره وإنما محله هذا الارض التي هي محل المتغيرات والفاسدات وأما ما كان فوق الأملاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولافساد ولا استحاله قالوا وهذا امر لا يرتاب فيه العقلاء قالوا وقد قال تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ فأخبر سبحانه ان هذا العطاء في جنة الخلد غير مقطوع وما اعطيه آدم فقد انقطع فلم تكن تلك جنة الخلد قالوا وأيضا فلا نزاع في ان الله تعالى خلق آدم في الارض كما تقدم ولم يذكر في قصته انه نقله الى السماء ولو كان تعالى قد نقله الى السماء لكان هذا اولى بالذكر لانه من اعظم انواع النعم عليه واكبر اسباب تفضيله وتشريفه وابلغ في بيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته وابلغ في بيان المقصود من عاقبة المعصية وهو الاهباط من السماء التي نقل اليها كما ذكر ذلك في حق ابليس فحيث لم يجيء في القرآن ولا في السنة حرف واحد أنه نقله الى السماء ورفعه اليها بعد خلقه في الارض علم ان الجنة التي ادخلها لم تكن هي جنة الخلد التي فوق السموات قالوا وأيضا فإنه سبحانه قد اخبر في كتابه انه لم يخلق عباده عبثا ولا سدى وأنكر على من زعم ذلك فدل على ان هذا مناف لحكمته ولو كانتا جنة آدم هي جنة الخلد لكانوا قد خلقوا في دار لا يؤمرون فيها ولا ينهون وهذا باطل بقوله أيحسب الانسان ان يترك سدى قال الشافعي وغيره معطلا لا يؤمر ولا ينهى وقال أفحسبتم انا خلقناكم عبثا فهو تعالى لم يخلقهم عبثا ولا تركهم سدى وجنة الخلد لا تكليف فيها قالوا وأيضا فإنه خلقها جزاء للعاملين بقوله تعالى نعم اجر العالمين وجزاء للمتقين بقوله ولنعم دار المتقين ودار الثواب بقوله ثوابا من عند الله فلم يكن ليسكنها إلا من خلقها لهم من العاملين ومن المتقين ومن تبعهم من ذرياتهم وغيرهم من الحور والولدان وبالجملة فحكمته تعالى اقتضت انها لا

(1/52)


تنال الا بعد الابتلاء والامتحان والصبر والجهاد وأنواع الطاعات وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعل الا ما هومطابق لها قالوا فإذا جمع ما أخبر الله عز وجل به من انه خلقه من الارض وجعله خليفة في الارض وأن ابليس وسوس له في مكانه الذي اسكنه فيه بعد ان اهبط ابليس من السماء وأنه أخبر ملائكته انه جاعل في الارض خليفة وأن دار الجنة لا لغو فيها ولا تاثيم وان من دخلها لا يخرج منها ابدا وان من دخلها ينعم لا يبؤس وانه لا يخاف ولا يحزن وان الله سبحانه حرمها على الكافرين وعدو الله ابليس اكفر الكافرين فمحال ان يدخلها اصلا لا دخول عبور ولا دخول قرار وانها دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان الى غير ذلك مما ذكرناه من منافاة اوصاف جنة الخلد للجنة التي اسكنها آدم إذا جمع ذلك بعضه الى بعض ونظر فيه بعين الانصاف والتجرد عن نصرة المقالات تبين الصواب من ذلك والله المستعان

(1/53)


قال الاخرون بل الجنة التي اسكنها آدم عند سلف الامة وأئمتها وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد ومن قال انها كانت جنة في الارض بأرض الهند أو بأرض جدة او غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة او من اخوانهم المتكلمين المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من المتفسلفة والمعتزلة والكتاب يرد هذا القول وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فاخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين فقد أخبر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط وان بعضهم لبعض عدو ثم قال ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين وهذا بين انهم لم يكونوا في الارض وإنما اهبطوا الى الارض فإنهم لو كانوا في الارض وانتقلوا منها الى ارض اخرى كما انتقل قوم موسى من ارض الى ارض كان مستقرهم ومتاعهم الى حين في الارض قبل الهبوط كما هو بعده وهذا باطل قالوا وقد قال تعالى في سورة الاعراف لما قال إبليس أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين يبين اختصاص الجنة التي في السماء بهذا الحكم بخلاف جنة الارض فإن ابليس كان غير ممنوع من التكبر فيها والضمير في قوله منها عائد الى معلوم وان كان غير مذكور في اللفظ لان العلم به أغنى عن ذكره قالوا وهذا بخلاف قوله اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم فإنه لم يذكر هنا ما اهبطوا منه وإنما ذكر ما اهبطوا اليه بخلاف اهباط ابليس فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة والهبوط يكون من علوالى سفل وبنو اسرائيل كانوا بجبال السراة المشرفة على مصر الذي يهبطون اليه ومن هبط من جبل الى واد قيل له اهبط قالوا وايضا فبنو اسرائيل كانوا يسيرون

(1/54)


ويرحلون والذي يسير ويرحل إذا جاء بلدة يقال نزل فيها لان من عادته ان يركب في مسيره فإذا وصل نزل عن دوابه ويقال نزل العدو بأرض كذا ونزل القفل ونحوه ولفظ النزول كلفظ الهبوط فلا يستعمل نزل وهبط الا إذا كان من علو الى سفل وقال تعالى عقب قوله اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون فهذا دليل على انهم لم يكونوا قبل ذلك في مكان فيه يحيون وفيه يموتون ومنه يخرجون والقرآن صريح في انهم انما صاروا اليه بعدالاهباط قالوا ولو لم يكن في هذه الا قصة آدم وموسى لكانت كافية فإن موسى إنما لام آدم عليه السلام لما حصل له ولذريته من الخروج من الجنة من النكد والمشقة فلو كانت بستانا في الارض لكان غيره من بساتين الارض يعوض

(1/55)


عنه وموسى اعظم قدرا من ان يلومه على ان اخرج نفسه وذريته من بستان في الارض قالوا وكذلك قول آدم يوم القيامة لما يرغب اليه الناس ان يستفتح لهم باب الجنة فيقول وهل اخرجكم منها الا خطيئة ابيكم فإن ظهور هذا في كونها جنة الخلد وانه اعتذر لهم بانه لا يحسن منه ان يستفتحها وقد اخرج منها بخطيئته من اظهر الادلة قال الاولون اما قولكم ان من قال انها جنة في الارض فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة او من اخوانهم فقد اوجدناكم من قال بهذا وليس من احد من هؤلاء ومشاركة أهل الباطل للمحق في المسئلة لا يدل على بطلانها ولا تكون اضافتها لهم موجبة لبطلانها ما لم يختص بها فإن اردتم أنه لم يقل بذلك إلا هؤلاء فليس كذلك وإن اردتم ان هؤلاء من جملة القائمين بهذا لم يفدكم شيئا قالوا وأما قولكم وسلف الامة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول فنحن نطالبكم بنقل صحيح عن واحد من الصحابة ومن بعدهم من ائمة السلف فضلا عن اتفاقهم قالوا ولا يوجد عن صاحب ولا تابع ولا تابع تابع خبر يصح موصولا ولا شاذا ولا مشهورا ان النبي قال ان الله تعالى اسكن آدم جنة الخلد التي هي دار المتقين يوم المعاد قالوا وهذا القاضي منذر بن سعيد قد حكى عن غير واحد من السلف انها ليست جنة الخلد فقال ونحن نوجدكم ان ابا حنيفة فقيه العراق ومن قال بقوله قد قالوا ان جنة آدم التي خلقها الله ليست جنة الخلد وليسوا عند أحد من العالمين من الشاذين بل من رؤساء المخالفين وهذه الدواوين مشحونة من علومهم وقد ذكرنا قول ابن عيينة وقد ذكر ابن مزين في تفسيره قال سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة فقال السكوت عن هذا افضل قالوا فلو كان عند ابن نافع ان الحنة التي اسكنها آدم هي جنة الخلد لم يشك انها مخلوقة ولم يتوقف في ذلك وقال ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن في قوله تعالى وقلنا اهبطوا منها قال ابن عباس رضى الله عنهما في رواية ابي صالح هو كما يقال هبط فلان ارض كذا وكذا ولم

(1/56)


يذكر في كتابه غيره فأين اجماع سلف الامة وأئمتها قالوا واما احتجاجكم بقوله تعالى ولكم في الارض مستقر عقيب قوله اهبطوا فهذا لا يدل على انهم كانوا في جنة الخلد فان احد الاقوال في المسئلة انها كانت جنة في السماء غير جنة الخلد كما حكاه الماوردي في تفسره وقد تقدم وأيضا فإن قوله ولكم في الارض مستقر يدل على ان لهم مستقرا الى حين في الارض المنقطعة عن الجنة ولا بد فإن الجنة ايضا لها ارض قال تعالى عن اهل الجنة وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين فدل على ان قوله ولكم في الارض مستقر المراد به الارض الخالية من

(1/57)


تلك الجنة لا كل ما يسمى ارضا وكان مستقرهم الاول في ارض الجنة ثم صار في ارض الابتلاء والامتحان ثم يصير مستقر المؤمنين يوم الجزاء ارض الجنة ايضا فلا تدل الاية على ان جنة آدم هي جنة الخلد قالوا وهذا هو الجواب بعينه عن استدلالكم بقوله تعالى قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون فان المراد به الارض التي اهبطوا اليها وجعلت مسكنا لهم بدل الجنة وهذا تفسير المستقر المذكور في البقرة مع تضمنه ذكر الاخراج منها قالوا وأما قوله تعالى لابليس اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها وقولكم ان هذا انما هو في الجنة التي في السماء والا فجنة الارض لم يمنع ابليس من التكبر فيها فهو دليل لنا في المسئلة فإن جنة الخلد لا سبيل لابليس الى دخولها والتكبر فيها اصلا وقد اخبر تعالى انه وسوس لادم وزوجه وكذبهما وغرهما وخانهما وتكبر عليهما وحسدهما وهما حينئذ في الجنة فدل على انها لم تكن جنة الخلد ومحال ان يصعد اليها بعد اهباطه واخراجه منها قالوا والضمير في قوله اهبطوا منها إما ان يكون عائدا الى السماء كما هو احد القولين وعلىهذا فيكون سبحانه قد اهبطه من السماء عقب امتناعه من السجود وأخبر انه ليس له ان يتكبر ثم تكبر وكذب وخان في الجنة فدل على انها ليست في السماء او يكون عائدا الى الجنة على القول الاخر ولا يلزم من هذا القول ان تكون الجنة التي كاد فيها آدم وغره قاسمه كاذبا في تلك التي اهبط منها بل القرآن يدل على انها غيرها كما ذكرناه فعلى التقديرين لا تدل الاية على ان الجنة التي جرى لادم مع ابليس ما جرى فيها هي جنة الخلد قالوا وأما قولكم ان بني اسرائيل كانوا بجبال السراة المشرفة على الارض التي يهبطون وهم كانوا يسيرون ويرحلون فلذلك قيل لهم اهبطوا فهذا حق لا ننازعكم فيه وهو بعينه جواب لنا فإن الهبوط يدل على ان تلك الجنة كانت اعلا من الارض التي اهبطوا اليها واما كونها جنة الخلد فلا قالوا والفرق بين قوله اهبطوامصرا

(1/58)


وقوله اهبطوا منها فإن الاول لنهاية الهبوط وغايته وهبطوا منها متضمن لمبدئه وأوله لا تأثير له فيما نحن فيه فإن هبط من كذا الى كذا يتضمن معنى الانتقال من مكان عال الى مكان سافل فأي تأثير لابتداء الغاية ونهايتها في تعيين محل الهبوط بأنه جنة الخلد قالوا وأما قصة موسى ولومه لآدم على إخراجهمن الجنة فلا يدل على أنها جنة الخلد وقولكم لا يظن بموسى أنه يلوم آدم على إخراجه نفسه وذريته من بستان في الارض تشنيع لا يفيد شيئا افترى كان ذلك بستانا مثل آحاد هذه البساتين المقطوعة المهوعة التي هي عرضة الافات والتعب والنصب والظمأ والحرث والسقي والتلقيح وسائر وجوه النصب الذي يلحق هذه البساتين ولا ريب ان موسى عليه الصلاة والسلام أعلم واجل من ان يلوم آدم على

(1/59)


خروجه وإخراج بنيه من بستان هذا شأنه ولكن من قال بهذا وإنما كانت جنة لا يلحقها آفة ولا تنقطع ثمارها ولا تغور انهارها ولا يجوع ساكنها ولا يظمأ ولا يضحى للشمس ولا يعرى ولا يمسه فيها التعب والنصب والشقاء ومثل هذه الجنة يحسن لوم الانسان على التسبب في خروجه منها قالوا واما اعتذار آدم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة لأهل الموقف بأن خطيئته هي التي اخرجته من الجنة فلا يحسن ان يستفتحها لهم فهذا لا يستلزم ان تكون هي بعينها التي اخرج منها بل إذا كانت غيرها كان أبلغ في الاعتذار فإنه إذا كان الخروج من غير جنة الخلد حصل بسبب الخطيئة فكيف يليق استفتاح جنة الخلد والشفاعة فيها ثم خرج من غيرها بخطيئة فهذا موقف نظر الفريقين ونهاية أقدام الطائفتين فمن كان له فضل علم في هذه المسئلة فليجد به فهذا وقت الحاجة اليه ومن علم منتهى خطوته ومقدار بضاعته فليكل الامر الى عالمه ولا يرضى لنفسه بالتنقيص والازراء عليه وليكن من اهل التلول الذين هم نظارة الحرب إذا لم يكن من أهل الكر والفر والطعن والضرب فقد تلاقت الفحول وتطاعنت الاقران وضاق بهم المجال في حلبة هذا الميدان إذا تلاقى الفحول في لجب فكيف حال الغصيص في الوسط هذه معاقد حجج الطائفتين مجتازة ببابك واليك تساق وهذه بضائع تجار العلماء ينادي عليها في سوق الكساد لا في سوق النفاق فمن لم يكن له به شيء من اسباب البيان والتبصرة فلا يعدم من قد استفرغ وسعه وبذل جهده منه التصويب والمعذرة ولا يرضى لنفسه بشر الخطتين وابخس الحظين جهل الحق وأسبابه ومعاداة اهله وطلابه وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم فارحل بهمتك من بين الاموات وعليك بمعلم إبراهيم فقد ذكرنا في هذه المسئلة من النقول والادلة والنكت البديعة ما لعله لا يوجد في شيء من كتب المصنفين ولا يعرف قدره الا من كان من الفضلاء المنصفين ومن الله سبحانه الاستمداد وعليه التوكل واليه الاستناد فإنه لا يخيب

(1/60)


من توكل عليه ولا يضيع من لاذ به وفوض امره اليه وهو حسبنا ونعم الوكيل فصل ولما اهبطه سبحانه من الجنة وعرضه وذريته لانواع المحن والبلاء اعطاهم افضل مما منعهم وهوعهده الذي عهد اليه وإلى بنيه وأخبر انه من تمسك به منهم صار الى رضوانه ودار كرامته قال تعالى عقب اخراجه منها قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفي الاية الاخرى قال اهبطا منها جميعا فاما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا نحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فلما كسره سبحانه باهباطه من الجنة جبره وذريته بهذا العهد الذي عهده اليهم فقال تعالى فاما يأتينكم مني هدى وهذه هي ان الشرطية المؤكدة بما الدالة على استغراق الزمان والمعنى أي وقت وأي حين اتاكم من يهدى وجعل جواب هذا الشرط جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى كما تقول إن زرتني فمن بشرني بقدومك فهو حر وجواب الشرط يكون جملة تامة أما خبرا محضا كقولك ان زرتني اكرمتك او خبرا مقرونا بالشرط كهذا اومؤكدا بالقسم او بأن واللام كقوله تعالى وإن اطعتموهم انكم لمشركون واما طلبا كقول النبي اذا سالت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وقوله وإذا لقيتموهم فاصبروا وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأكثر ما يأتي هذا النوع مع إذا التي تفيد تحقيق وقوع الشرط لسر وهو افادته تحقيقالطلب عند تحقيق الشرط فمتى تحقق الشرط فالطلب متحقق فأتى بإذا الدالة على تحقيق الشرط فعلم تحقيق الطلب عندها وقد يأتي مع ان قليلا كقوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم واما جملة انشائية كقوله لعبده الكافر ان اسلمت فانت حر ولامرأته ان فعلت كذا فانت طالق فهذا انشاء للعتق والطلاق عند

(1/61)


وجود الشرط على رأي او انشاء له حال التعليق ويتأخر نفوذه الى حين وجود الشرط على رأي آخر وعلى التقديرين فجواب الشرط جملة انشائية والمقصود ان جواب الشرط في الاية المذكورة جملة شرطية وهي قوله فمن اتبع هداي فلاخوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الشرط يقتضى ارتباط الجملة الاولى بالثانية ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالمسبب فيكون الشرط الذي هو ملزوم علة ومقتضيا للجزاء الذي هو لازم فإن كان بينهما تلازم من الطرفين كان وجود كل منهما بدون دخول الاخر ممتنعا كدخول الجنة بالاسلام وارتفاع الخوف والحزن والضلال والشقاء مع متابعة الهوى وهذه هي عامة شروط القرآن والسنة فإنها اسباب وعلل والحكم ينتفى بانتفاء علته وإن كان التلازم بينهما من احد الطرفين كان الشرط ملزوما خاصا والجزاء لازما عاما فمتى تحقق الشرط الملزوم الخاص تحقق الجزاء اللازم العام ولا يلزم العكس كما يقال ان كان هذا انسانا فهو حيوان وإن كان البيع صحيحا فالملك ثابت وهذا غالب ما يأتي في قياس الدلالة حيث يكون الشرط دليلا على الجزاء فيلزم من وجوده وجود الجزاء لان الجزاء لازمه ووجود الملزوم يستلزم وجود اللازم ولا يلزم من عدمه عدم الجزاء وان

(1/62)


وقع هذا الشرط بين علة ومعلول فإن كان الحكم معللا بعلل صح ذلك وجاز ان يكون الجزاء اعم من الشرط كقولك إن كان هذا مرتدا فهو حلال الدم فإن حل الدم اعم من حله بالردة إلا ان يقال ان حكم العلة المعينة ينتفى بانتفائها وإن ثبت الحكم بعلة اخرى فهو حكم آخر واما حكم العلة المعينة فمحال ان ينفى مع زوالها وحينئذ فيعود التلازم من الطرفين ويلزم من وجود كل واحد من الشرط والجزاء وجود الاخر ومن عدمه عدمه وتمام تحقيق هذا في مسئلة تعليل الحكم الواحد بعلتين وللناس فيه نزاع مشهور وفصل الخطاب فيها ان الحكم الواحد ان كان واحدا بالنوع كحل الدم وثبوت الملك ونقض الطهارة جاز تعليله بالعلل المختلفة وإن كان واحدا بالعين كحل الدم بالردة وثبوت الملك بالبيع اوالميراث ونحو ذلك لم يجز تعليله بعلتين مختلفتين وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذه المسألة والله اعلم ومن تأمل ادلة الطائفتين وجد كل ما احتج به من رأى تعليل الحكم بعلل مختلفة إنما يدل على تعليل الواحد بالنوع بها وكل من نفى تعليل الحكم بعلتين إنما يتم دليله على نفي تعليل الواحد بالعين بهما فالقولان عند التحقيق يرجعان الى شيء واحد والمقصود ان الله سبحانه جعل اتباع هداه وعهده الذي عهده الى آدم سببا ومقتضيا لعدم الخوف والحزن والضلال والشقاء وهذا الجزاء ثابت بثبوت الشرط منتف بانتفائه كما تقدم بيانه ونفى الخوف والحزن عن متبع الهدى نفي لجميع انواع الشرور فإن المكروه الذي ينزل بالعبد متى علم بحصوله فهو خائف منه ان يقع به وإذا وقع به فهو حزين على ما أصابه منه فهو دائما في خوف وحزن وكل خائف حزين فكل حزين خائف وكل من الخوف والحزن يكون على فعل المحبوب وحصول المكروه فالاقسام اربعة خوف من فوت المحبوب وحصول المكروه وهذا جماع الشر كله فنفى الله سبحانه ذلك عن متبع هداه الذي أنزله على السنة رسله وأتى في نفي الخوف بالاسم الدال على نفي الثبوت واللزوم فإن أهل الجنة لا بد

(1/63)


لهم من الخوف في الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة حيث يقول آدم وغيره من الانبياء نفسي نفسي فأخبر سبحانه انهم وإن خافوا فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم الخوف الذي خافوا منه وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدال على نفي التجدد والحدوث أي لا يلحقهم حزن ولا يحدث لهم إذا لم يذكروا ما سلف منهم بل هم في سرور دائم لا يعرض لهم حزن على ما فات وأما الخوف فلما كان تعلقه بالمستقبل دون الماضي نفي لحوقه لهم جملة أي الذي خافوا منه لا ينالهم ولا يلم بهم والله اعلم فالحزين إنما يحزن في المستقبل على ما مضى والخائف إنما يخاف في الحال مما يستقبل فلا خوف عليهم أي لا يلحقهم ما خافوا منه ولا يعرض لهم حزن على ما فات وقال في الاية الاخرى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى فنفى عن متبع هداه امرين الضلال والشقاء قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما

(1/64)


تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ان لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الاخرة ثم قرأ فأما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى والاية نفت مسمى الضلال والشقاء عن متبع الهدى مطلقا فاقتضت الاية انه لا يضل في الدنيا ولا يشقى ولا يضل في الاخرة ولا يشقى فيها فإن المراتب اربعة هدى وشقاوة في الدنيا وهدى وشقاوة في الاخرة لكن ذكر ابن عباس رضى الله عنهما في كل دار اظهر مرتبتيها فذكر الضلال في الدنيا إذ هو اظهر لنا وأقرب من ذكر الضلال في الاخرة وايضا فضلال الدنيا اضل ضلال في الاخرة وشقاء الاخرة مستلزم للضلال فيها فنبه بكل مرتبة على الأخرى فنبه بنفي ضلال الدنيا على نفي ضلال الاخرة فإن العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه قال الله تعالى في الاية الأخرى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وقال في الاية الاخرى ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى وأضل سبيلا فأخبر ان من كان في هذه الدار ضالا فهو في الاخرة اضل واما نفي شقاء الدنيا فقد يقال انه لما انتفى عنه الضلال فيها وحصل له الهدى والهدى فيه من برد اليقين وطمأنينة القلب وذاق طعم الايمان فوجد حلاوته وفرحة القلب به وسروره والتنعيم به ومصير القلب حيا بالايمان مستنيرا به قويا به قد نال به غذاؤه ورواءه وشفاءه وحياته ونوره وقوته ولذته ونعيمه ما هو من اجل انواع النعيم واطيب الطيبات واعظم اللذات قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فهذا خبر اصدق الصادقين ومخبره عند اهله عين اليقين بل هو حق اليقين ولا بد لكل من عمل صالحا ان يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله ولكن يغلط الجفاة الاجلاف في مسمى الحياة حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب

(1/65)


والملابس والمناكح او لذة الرياسة والمال وقهر الاعداء والتفنن بأنواع الشهوات ولا ريب ان هذه لذة مشتركة بين البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الانسان فمن لم تكن عنده لذة الا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والانعام فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد ولكن اين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الابناء والنساء والاوطان والاموال والاخوان والمساكن ورضى بتركها كلها والخروج منها رأسا وعرض نفسه لانواع المكاره والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته واخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى ان احدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول فزت ورب الكعبة ويستطيل الاخر حياته حتى يلقى قوته من يده ويقول انها لحياة طويلة ان صبرت حتى أكلها ثم يتقدم الى الموت فرحا

(1/66)


مسرورا ويقول الاخر مع فقره لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا عليه بالسيوف ويقول الاخر انه ليمر بالقلب اوقات يرقص فيها طربا وقال بعض العارفين انه لتمر بي اوقات اقول فيها إن كان اهل الجنة في مثل هذا انهم لفي عيش طيب ومن تأمل قول النبي لما نهاهم عن الوصال فقالوا انك تواصل فقال اني لست كهيئتكم إني اظل عند ربي يطعمني ويسقيني علم ان هذا طعام الارواح وشرابها وما يفيض عليها من أنواع البهجة واللذة والسرور والنعيم الذي رسول الله في الذروة العليا منه وغيره إذا تعلق بغباره رأى ملك الدنيا ونعيمها بالنسبة اليه هباء منثورا بل باطلا وغرورا وغلط من قال انه كان يأكل ويشرب طعاما وشرابا يغتذى به بدنه لوجوه احدها انه قال اظل عند ربي يطعمني ويسقيني ولو كان اكلا وشربا لم يكن وصالا ولا صوما الثاني ان النبي اخبرهم انهم ليسوا كهيئته في الوصال فإنهم إذا واصلوا تضرروا بذلك واماهو فإنه إذا واصل لا يتضرر بالوصال فلو كان يأكل ويشرب لكان الجواب وأنا ايضا لا اواصل بل آكل وأشرب كما تأكلون وتشربون فلما قررهم على قولهم انك تواصل ولم ينكره عليهم دل على انه كان مواصلا وانه لم يكن يأكل اكلا وشربا يفطر الصائم الثالث انه لو كان اكلا وشربا يفطر الصائم لم يصح الجواب بالفارق بينهم وبينه فإنه حينئذ يكون هو وهم مشتركون في عدم الوصال فكيف يصح الجواب بقوله لست كهيئتكم وهذا امر يعلمه غالب الناس ان القلب متى حصل له ما يفرحه ويسره من نيل مطلوبه ووصال حبيبه او ما يغمه ويسؤوه ويحزنه شغل عن الطعام والشراب حتى ان كثيرا من العشاق تمر به الايام لا يأكل شيئا ولا تطلب نفسه اكلا وقد افصح القائل في هذا المعنى لها احاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في اعقابها حادى إذ اشتكت من كلال السير او عدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد والمقصود ان الهدى مستلزم لسعادة الدنيا

(1/67)


وطيب الحياة والنعيم العاجل وهو أمر يشهد به الحس والوجد واما سعادة الاخرة فغيب يعلم بالايمان فذكرها ابن عباس رضى الله عنهما لكونها اهم وهي الغاية المطلوبة وضلال الدنيا اظهر وبالنجاة منه ينجو من كل شر وهو اضل ضلال الاخرة وشقائها فلذلك ذكره وحده والله اعلم فصل وهذان الضلالان اعني الضلال والشقاء يذكرهما سبحانه كثيرا في كلامه ويخبر انهما حظ اعدائه ويذكر ضدهما وهما الهدى والفلاح كثيرا ويخبر انهما حظ اوليائه اما الاول فكقوله تعالى ان المجرمين في ضلال وسعر فالضلال الضلال والسعر هو الشقاء والعذاب وقال تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين وأما الثاني فكقوله تعالى في أول البقرة وقد ذكر المؤمنين وصفاتهم اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون وكذلك في أول لقمان وقال في الانعام الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون ولما كانت سورة ام القرآن اعظم سورة في القرآن وافرضها قراءة على الامة واجمعها لكل ما يحتاج اليه العبد واعمها نفعا ذكر فيها الامرين فأمرنا ان نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم فذكر الهداية والنعمة وهما الهدى والفلاح ثم قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فذكر المغضوب عليهم وهم اهل الشقاء والضالين وهم اهل الضلال وكل من الطائفتين له الضلال والشقاء لكن ذكر الوصفين معا لتكن الدلالة على كل منهما بصريح لفظه وايضا فإنه ذكر ماهو اظهر الوصفين في كل طائفة فإن الغضب على اليهود أظهر لعنادهم الحق بعدمعرفته والضلال في النصارى اظهر لغلبة الجهل فيهم وقد صح عن النبي انه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون فصل وقوله تعالى فاما ياتينكم مني هدى هو خطاب لمن اهبطه من الجنة

(1/68)


بقوله اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ثم قال فاما يأتينكم مني هدى وكلا الخطابين لابوي الثقلين وهو دليل على ان الجن مامورون منهيون داخلون تحت شرائع الانبياء وهذا مما لا خلاف فيه بين الامة وان نبينا بعث اليهم كما بعث الى الانس كما لا خلاف بينها ان مسيئهم مستحق للعقاب وانما اختلف علماء الاسلام في المسلم منهم هل يدخل الجنة فالجمهور على ان محسنهم في الجنة كما ان مسيئهم في النار وقيل بل ثوابهم سلامتهم من الجحيم واما الجنة فلا يدخلها احد من اولاد إبليس وإنماهي لبني آدم وصالحي ذريته خاصة وحكى هذا القول عن ابي حنيفة رحمه الله تعالى واحتج الاولون بوجوه احدها هذه الاية فانه سبحانه اخبر ان من اتبع هداه فلا يخاف ولا يحزن ولا يضل ولا يشقى وهذا مستلزم

(1/69)


لكمال النعيم ولا يقال ان الاية إنما تدل على نفي العذاب فقط ولا خلاف ان مؤمنيهم لا يعاقبون لانا نقول لولم تدل الاية الا على امر عدمي فقط لم يكن مدحا لمؤمني الانس ولما كان فيها الا مجرد امرعدمي وهو عدم الخوف والحزن ومعلوم ان سياق الاية ومقصودها إنما اريد به ان من اتبع هدى الله الذي انزله حصل له غاية النعيم واندفععنه غاية الشقاء وعبر عن هذا المعنى المطلوب بنفي الامور المذكورة لاقتضاء الحال لذلك فإنه لما اهبط آدم من الجنة حصل له من الخوف والحزن والشقاء ما حصل فاخبره سبحانه انه معطيه وذريته عهدا من اتبعه منهم انتفى عنه الخوف والحزن والضلال والشقاء ومعلوم انه لا ينتفى ذلك كله إلا بدخول دار النعيم ولكن المقام بذكر التصريح بنفي غاية المكروهات اولى الثاني قوله تعالى وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضى ولوا الى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إناسمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي الى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا اجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب اليم فأخبرنا سبحانه عن نذيرهم اخبارا بقوله ان من اجاب داعيه غفر له وأجاره من العذاب ولو كانت المغفرة لهم إنما ينالون بها مجرد النجاة من العذاب كان ذلك حاصلا بقوله ويجركم من عذاب اليم بل تمام المغفرة دخول الجنة والنجاة من النار فكل من غفر الله له فلا بد من دخوله الجنة الثالث قوله تعالى في الحور العين لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فهذا يدل على ان مؤمني الجن والانس يدخلون الجنة وأنه لم يسبق من احد منهم طمث لاحد من الحور فدل على ان مؤمنيهم يتأنى منهم طمث الحور العين بعد الدخول كما يتأتى من الانس ولو كانوا ممن لا يدخل الجنة لما حسن الاخبار عنهم بذلك الرابع قوله تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين وبشر الذين آمنوا

(1/70)


وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرةرزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون والجن منهم مؤمن ومنهم كافر كما قال صالحوهم وانا منا المسلمون ومنا القاسطون فكما دخل كافرهم في الاية الثانية وجب ان يدخل مؤمنهم في الاولى الخامس قوله عن صالحيهم فمن اسلم فأولئك تحروا رشدا والرشد هو الهدى والفلاح وهو الذي يهدى اليه القرآن ومن لم يدخل الجنة لم ينل غاية الرشد بل لم يحصل له من الرشد الا مجردالعلم السادس قوله تعالى سابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومؤمنهم ممن آمن بالله ورسله فيدخل في المبشرين ويستحق البشارة السابع قوله تعالى والله يدعو الى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم عم

(1/71)


سبحانه بالدعوة وخص بالهداية المفضية اليها فمن هداه اليها فهو من دعاه اليها فمن اهتدى من الجن فهو من المدعوين اليها الثامن قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال اولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا اجلنا الذي اجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والانس الم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على انفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على انفسهم انهم كانوا كافرين ذلك ان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم واهلها غافلون ولكل درجات مما عملوا وهذا عام في الجن والانس فاخبرهم تعالى ان لكلهم درجات من عمله فاقتضى ان يكون لمحسنهم درجات من عمله كما لمحسن الانس التاسع قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ان لا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون وقولوه تعالى أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ووجه التمسك بالاية من جوه ثلاثة احدها عموم الاسم الموصول فيها الثاني ترتيبه الجزاء المذكورعلى المسألة ليدل علىانه مستحق بها وهو قول ربنا الله مع الاستقامة والحكم يعم بعموم علته فإذا كان دخول الجنة مرتبا على الاقرار بالله وربوبيته مع الاستقامة على امره فمن اتى ذلك استحق الجزاء الثالث انه قال فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوايعملون فدل على ان كل من لا خوف عليه ولا حزن فهو من اهل الجنة وقد تقدم في اول الايات قوله تعالى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وانه متناول للفريقين ودلت هذه الاية على ان من لا خوف عليه ولا حزن فهو من اهل الجنة العاشر انه إذا دخل مسيئهم النار بعدل

(1/72)


الله فدخول محسنهم الجنة بفضله ورحمته اولى فإن رحمته سبقت غضبه والفضل اغلب من العدل ولهذا لا يدخل النار الا من عمل اعمال اهل النار واما الجنة فيدخلها من لم يعمل خيرا قط بل ينشيء لها أقواما يسكنهم إياها من غير عمل عملوه ويرفع فيها درجات العبد من غير سعي منه بل بما يصل اليه من دعاء المؤمنين وصلاتهم وصدقتهم وأعمال البر التي يهدونها اليه بخلاف اهل النار فإنه لا يعذب فيها بغير عمل اصلا وقد ثبت بنص القرآن واجماع الامة ان مسيء الجن في النار بعدل الله وبما كانوا يكسبون فمحسنهم في الجنة بفضل الله بما كانوا يعملون لكن قيل انهم يكونون في ربض الجنة يراهم اهل الجنة ولا يرونهم كما كانوا في الدنيا يرون بني آدم من حيث لا يرونهم ومثل هذا لايعلم الا بتوقيف تنقطع الحجة عنده فإن ثبتت حجة يجب اتباعها وإلا فهو مما يحكى ليعلم وصحته موقوفة على الدليل والله أعلم فصل ومتابعة هدى الله التي رتب عليها هذه الامور هي تصديق خبره من

(1/73)


غير اعتراض شبهة تقدح في تصديقه وامتثال امره من غير اعتراض شهوة تمنع امتثاله وعلى هذين الاصلين مدار الايمان وهما تصديق الخبر وطاعة الامر ويتبعهما امران آخران وهما نفي شبهات الباطل الواردة عليه المانعة من كمال التصديق وان لا يخمش بها وجه تصديقه ودفع شهوات الغي الواردة عليه المانعة من كمال الامتثال فهنا اربعة امور احدها تصديق الخبر الثاني بذل الاجتهاد في رد الشبهات التي توحيها شياطين الجن والانس في معارضته الثالث طاعة الامر والرابع مجاهدة النفس في دفع الشهوات التي تحول بين العبد وبين كمال الطاعة وهذان الامران اعني الشبهات والشهوات اصل فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده كما ان الاصلين الاولين وهما تصديق الخبر وطاعة الامر اصل سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده وذلك ان العبد له قوتان قوة الادراك والنظر وما يتبعها من العلم والمعرفة والكلام وقوة الارادة والحب وما يتبعه من النية والعزم والعمل فالشبهة تؤثر فسادا في القوة العلمية النظرية ما لم يداوها بدفعها والشهوة تؤثر فسادا في القوة الارادية العملية ما لم يداوها باخراجها قال الله تعالى في حق نبيه يذكر مامن به عليه من نزاهته وطهارته مما يلحق غيره من ذلك والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فما ضل دليل على كمال علمه ومعرفته وانه على الحق المبين وما غوى دليل على كمال رشده وأنه أبر العالمين فهو الكامل في علمه وفي عمله وقد وصف بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتباعهم على سنتهم فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي رواه الترمذي وغيره فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وقد قال تعالى كالذين من قبلكم كانوا اشد منكم قوة وأكثر اموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا اولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرةوأولئك هم الخاسرون فذكر تعالى الاصلين وهما دار الاولين والاخرين احدهما

(1/74)


الاستمتاع بالخلاف وهو النصيب من الدنيا والاستمتاع به متضمن لنيل الشهوات المانعة من متابعة الامر بخلاف المؤمن فإنه وان نال من الدنيا وشهواتها فإنه لا يستمتع بنصيبه كله ولا يذهب طيباته في حياته الدنيا بل ينال منها ما ينال منها ليتقوى به على التزود لمعاده والثاني الخوض بالشبهات الباطلة وهو قوله وخضتم كالذي خاضوا وهذا شأن النفوس الباطلة التي لم تخلق للآخرة لاتزال ساعية في نيل شهواتها فإذا نالتها فإنما هي في خوض بالباطل الذي لا يجدي عليها إلا الضرر العاجل والاجل ومن تمام حكمة الله تعالى انه يبتلى هذه النفوس بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها فلا تتفرغ للخوض بالباطل الا قليلا ولو تفرغت هذه النفوس الباطولية

(1/75)


لكانت ائمة تدعوا الىالنار وهذا حال من تفرغ منها كما هومشاهد بالعيان وسواء كان المعنى وخضتم كالحزب الذي خاضوا او كالفريق الذي خاضوا فإن الذي يكون للواحد والجمع ونظيره قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين لكن لا يجرى على جمع تصحيح فلا يجيء المسلمون الذي جاؤوا وإنا يجيء غالبا في اسم الجمع كالحزب والفريق او حيث لا يذكر الموصوف وان كان جمعا كقول الشاعر وإن الذي جاءت تقبح دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد او حيث يراد الجنس دون الواحد والعدد كقوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به ثم قال اولئك هم المتقون ونظيره الاية التي نحن منها وهي قوله وخضتم كالذي خاضوا او كان المعنى علىالقول الاخر وخضتم خوضا كالخوض الذي خاضوا فيكون صفة لمصدر محذوف كقولك اضرب كالذي ضرب واحسن كالذي احسن ونظائره وعلى هذا فيكون العائد منصوبا محذوفا وحذفه في مثل ذلك قياس مطرد على القولين فقد ذمه سبحانه على الخوض بالباطل واتباع الشهوات واخبر ان من كانت هذه حالته فقد حبط عمله في الدنيا والاخرة وهو من الخاسرين ونظير هذا قول اهل النار لاهل الجنة وقد سألوهم كيف دخلوها قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين فذكروا الاصلين الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدين وايثار الشهوات وما يستلزمه من ترك الصلوات واطعام ذوي الحاجات فهذان الاصلان هماما هما والله ولي التوفيق فصل والقلب السليم الذي ينجو من عذاب الله هو القلب الذي قد سلم

(1/76)


من هذا وهذا فهو القلب الذي قد سلم لربه وسلم لامره ولم تبق فيه منازعة لامره ولا معارضة لخبره فهو سليم مما سوى الله وأمره لا يريد الا الله ولا يفعل إلا ما أمره الله فالله وحده غايته وامره وشرعه وسيلته وطريقته لا تعترضه شبهة تحول بينه وبين تصديق خبره لكن لا تمر عليه إلا وهي مجتازة تعلم انه لا قرار لها فيه ولا شهوة تحول بينه وبين متابعة رضاه ومتى كان القلب كذلك فهو سليم من الشرك وسليم من البدع وسليم من الغي وسليم من الباطل وكل الاقوال التي قيلت في تفسيره فذلك يتضمنها وحقيقته انه القلب الذي قد سلم لعبودية ربه حياء وخوفا وطمعا ورجاء ففنى بحبه عن حب ما سواه وبخوفه عن خوف ما سواه وبرجائه عن رجاء ما سواه وسلم لامره ولرسوله تصديقا وطاعة كما تقدم واستسلم لقضائه وقدره فلم يتهمه ولم ينازعه ولم يتسخط لاقداره فاسلم لربه انقيادا وخضوعا وذلا وعبودية وسلم جميع احواله واقواله واعماله واذواقه ومواجيده ظاهرا وباطنا من مشاكة رسوله وعرض ما جاء من سواها عليها فما وافقها قبله وما خالفها رده وما لم يتبين له فيه موافقة ولا مخالفة وقف امره وأرجأه الى ان يتبين له وسالم أولياءه وحزبه المفلحين الذابين عن دينه وسنة نبيه القائمين بها وعادى اعداءه المخالفين لكتابه وسنة نبيه الخارجين عنهما الداعين الى خلافهما فصل وهذه المتابعة هي التلاوة التي اثنى الله على اهلها في قوله

(1/77)


تعالى ان الذين يتلون كتاب الله وفي قوله إن الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك يؤمنون به والمعنى يتبعون كتاب الله حق اتباعه وقال تعالى اتل ما اوحى اليك من الكتاب واقم الصلاة وقال إنما امرت ان اعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت ان اكون من المسلمين وان اتلوا القرآن فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة وهي تلاوة اللفظ والمعنى فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع يقال اتل اثر فلان وتلوت اثره وقفوته وقصصته بمعنى تبعت خلفه ومنه قوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها ويقال جاء القوم يتلو بعضهم بعضا أي يتبع وسمى تالي الكلام تاليا لانه يتبع بعض الحروف بعضا لا يخرجها جملة واحدة بل يتبع بعضها بعضا مرتبة كلما انقضى حرف او كلمة اتبعه بحرف آخر وكلمة اخرى وهذه التلاوة وسيلة وطريقة والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه تصديقا بخبره وائتمارا بأمره وانتهاء بنهيه وائماما به حيث ما قادك انقدت معه فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه وتلاوة المعنى اشرف من مجرد تلاوة اللفظ وأهلها هم اهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والاخرة فإنهم اهل تلاوة ومتابعة حقا فصل ثم قال تعالى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده اخبر عن حال من اعرض عنه ولم يتبعه فقال ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا أي عن الذكر الذي انزلته فالذكر هنا مصدر مضاف الى الفاعل كقيامي وقراءتي لا الى المفعول وليس المعنى ومن اعرض

(1/78)


عن ان يذكرني بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره واحسن من هذا الوجه ان يقال الذكر هنا مضاف إضافة الاسماء لا إضافة المصادر الى معمولاتها والمعنى ومن اعرض عن كتابي ولم يتبعه فإن القرآن يسمى ذكرا قال تعالى وهذا ذكر مبارك انزلناه وقال تعالى ذلك نتلوه عليك من الايات والذكر الحكيم وقال تعالى وما هو الا ذكر للعالمين وقال تعالى إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز وقال تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن وعلى هذا فاضافته كاضافة الاسماء الجوامد التي لا يقصد بها اضافة العامل الىمعموله ونظيره في اضافة اسم الفاعل غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب فإن هذه الاضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت اللازم وكذلك جرت اوصافا على اعرف المعارف وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو اليه المصير فصل وقوله تعالى فإن له معيشة ضنكا فسرها غير واحد من السلف بعذاب

(1/79)


القبر وجعلوا هذه الاية احد الادلة الدالة على عذاب القبر ولهذا قال ونحشره يوم القيامة اعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى أي تترك في العذاب كماتركت العمل بآياتنا فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوارونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا فهذا في البرزخ ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب فهذا في القيامة الكبرى ونظيره قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون فقول الملائكة اليوم تجزون عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت ونظيره قوله تعالى ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق فهذه الاذاقة هي في البرزخ واولها حين الوفاة فإنه معطوف علىقوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه كنظائره وكلاهما واقع وقت الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضى الله عنه في قوله تعالى يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة قال نزلت في عذاب القبر والاحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر والمقصود ان الله سبحانه اخبر ان من اعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى فإن له معيشة ضنكا وتكفل لمن حفظ

(1/80)


عهده ان يحييه حياة طيبة ويجزيه اجره في الاخرة فقال تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فاخبر سبحانه عن فلاح ما تمسك بعهده علماوعملا في العاجلة بالحياة الطيبة وفي الاخرة باحسن الجزاء وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب بالاخرة وقال سبحانه ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون فأخبر سبحانه ان من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب اعراضه وعشوه عن ذكره الذي انزله على رسوله فكان عقوبة هذا الاعراض ان قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه وهو يحسب انه مهتد حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينه وعاين هلاكه وافلاسه قال يا ليت بيني وبينك بعدالمشرقين فبئس القرين وكل من اعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد ان يقول هذا يوم القيامة فإن قيل فهل لهذا عذر في ضلالة إذا كان يحسب انه على هدى كما قال تعالى ويحسبون انهم مهتدون قيل لا عذر لهذا وامثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الاعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول ولو ظن انه مهتد فإنه مفرط باعراضه عن اتباع داعي الهدى فإذا ضل فإنما اتى من تفريطه واعراضه وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول اليها فذاك له حكم آخر والوعيد في القرآن إنما يتناول الاول واما الثاني فإن الله لا يعذب احدا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى في اهل النار وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين وقال تعالى ان تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين او تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين او تقول حين ترى العذاب لو ان لي كرة فأكون من

(1/81)


المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين وهذا كثير في القرآن فصل وقوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا اختلف فيه هل هو من عمى البصيرة او من عمى البصر والذين قالوا هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله اسمع بهم وابصر يوم ياتوننا وقوله لقدكنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد وقوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين وقوله لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية

(1/82)


في الاخرة كقوله تعالى وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقوله يوم يدعون الى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا ام انتم لا تبصرون وقوله رأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها والذين رجحوا انه منعمى البصر قالوا السياق لا يدل الا عليه لقوله قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا وهو لم يكن بصيرا في كفره قط بل قد تبين له حينئذ انه كان في الدنيا في عمى عن الحق فكيف يقول وقد كنت بصيرا وكيف يجاب بقوله كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى بل هذا الجواب فيه تنبيه على انه من عمى البصر وانه جوزي من جنس عمله فإنه لما اعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله وعميت عنه بصيرته أعمى الله بصره يوم القيامة وتركه في العذاب كما ترك الذكر في الدنيا فجازاه على عمى بصيرته عمى في الاخرة وعلى تركه ذكره تركه في العذاب وقال تعالى ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم اولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما وقد قيل في هذه الاية ايضا انهم عمي وبكم وصم عن الهدى كما قيل في قوله ونحشره يوم القيامة اعمى قالوا لانهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون ومن نصرانه العمى والبكم والصمم المضاد للبصر والسمع والنطق قال بعضهم هو عمى وصمم وبكم مقيد لا مطلق فهم عمى عن رؤية ما يسرهم وسماعه ولهذا قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال لا يرون شيئا يسرهم وقال آخرون هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك فإذا قاموا من قبورهم الى الموقف قاموا كذلك ثم انهم يسمعون ويبصرون فيما بعد وهذامروى عن الحسن وقال آخرون هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها سلبو الاسماع والابصار والنطق حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى اخسئوا فيها ولاتكلمون فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون ولا يسمع منهم الا الزفير

(1/83)


والشهيق وهذا منقول عن مقاتل والذين قالوا المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم انهم لا حجة لهم ولم يريدوا ان لهم حجة هم عمى عنها بل هم عمىعن الهدى كما كانوا في الدنيا فان العبد يموت على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الاخر وانه عمى البصر فإن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا ويقر بما كان يجحده في الدنيا فليس هو اعمى عن الحق يومئذ وفصل الخطاب ان الحشر هو الضم والجمع ويراد به تارة الحشر الىموقف القيامةكقوله النبي انكم محشورون الى الله حفاة عراة غرلا وكقوله تعالى وإذا الوحوش حشرت وكقوله تعالى وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر فحشر المتقين جمعهم وضمهم الى الجنة وحشر الكافرين جمعهم وضمهم الى النار قال تعالى يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا وقال تعالى احشروا الذين ظلموا أزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم فهذا الحشر هو بعدحشرهم الىالموقف وهو حشرهم وضمهم الى النار لانه قد اخبر عنهم انهم قالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ثم قال تعالى احشروا الذين ظلموا وازواجهم وهذا الحشر الثاني وعلى هذا فهم ما بين الحشر الاول من القبور الىالموقف والحشر الثاني من الموقف الى النار فعند الحشر الاول يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون وعند الحشر الثاني يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته فالقرآن يصدق بعضه بعضا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فصل والمقصود ان الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج

(1/84)


آدم وذريته من الجنة اعاضهم افضل منها وهو ما اعطاهم من عهده الذي جعله سببا موصلا لهم اليه وطريقا واضحا بين الدلالة عليه من تمسك به فاز واهتدى ومن اعرض عنه شقى وغوى ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل اليه ابدا إلا من باب العلم والارادة فالارادة باب الوصول اليه والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحه عليه وكمال كل انسان إنما يتم بهذين النوعين همة ترقيه وعلم يبصره ويهديه فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين او من احداهما اما ان لا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها او يكون عالما بها ولا تنهض همته اليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا قد أسام نفسه مع الانعام راعيا مع الهمل واستطاب لقيعات الراحة والبطالة واستلان فراش العجز والكسل لا كمن رفع له علم فشمر اليه وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه قد ابت غلبات شوقه الا لهجرة الى الله ورسوله ومقتت نفسه الرفقاء الا ابن سبيل يرافقه في سبيله ولما كان كمال الارادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها ان تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت وعزمات همته مسافرة الى حضرة الحي الذي لا يموت ولا سبيل له إلى هذا المطلب الاسني والحظ الاوفى الا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا وأقامه على هذا الطريق هاديا وجعله واسطة بينه وبين الانام وداعيا لهم بإذنه الى دار السلام وأبى سبحانه ان يفتح لاحد منهم الاعلى يديه او يقبل من احد منهم سعيا الا ان يكون مبتدأ منه ومنتهيا اليه

(1/85)


فالطرق كلها الا طريقة مسدودة والقلوب باسرها الا قلوب اتباعه المنقادة اليه عن الله محبوسة مصدودة فحق على من كان في سعادة نفسه ساعيا وكان قلبه حيا عن الله واعيا ان يجعل على هذين الاصلين مدار اقواله واعماله وان يصيرهما اخبيته التي اليها مفزعة في حياته وطاء له فلا جرم كان وضع هذا الكتاب مؤسسا على هاتين القاعدتين ومقصوده التعريف بشرف هذين الاصلين وسميته مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية اهل العلم والارادة إذ كان هذا من بعض النزل والتحف التي فتح الله بها على حين انقطاعي اليه عند بيته والقائي نفسي ببابه مسكينا ذليلا وتعرض لنفحاته في بيته وحوله بكرة واصيلا فما خاب من انزل به حوائجه وعلق به آماله واصبح ببابه مقيما وبحماه نزيلا ولما كان العلم امام الارادة ومقدما عليها ومفصلا لها ومرشدا لها قدمنا الكلام عليه على الكلام على المحبة ثم نتبعه ان شاء الله بعد الفراغ منه كتابا في الكلام على المحبة واقسامها واحكامها وفوائدها وثمراتها واسبابها وموانعها وما يقويها وما يضعفها والاستدلال بسائر طرق الادلة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذوق والوجد على تعلقها بالاله الحق الذي لا إله غيره بل لا ينبغي ان تكون إلا له ومن اجله والرد على من انكر ذلك وتبيين فساد قوله عقلا ونقلا وفطرة وقياسا وذوقا ووجدا فهذا مضمون هذه التحفة وهذه عرائس معانيها الان تجلى عليك وخود ابكارها البديعة الجمال ترفل في حللها وهي تزف اليك فاما شمس منازلها بسعد الاسعد وأما خود تزف الى ضرير مقعد فاختر لنفسك احدى الخطتين وانزلها فيما شئت من المنزلتين ولا بد لكل نعمة من حاسد ولكل حق من جاحد ومعاند هذا وإنما اودع من المعاني والنفائس رهن عند متأمله ومطالعه له غنمه وعلى مؤلفه غرمه وله ثمرته ومنفعته ولصاحبه كله ومشقته مع تعرضه لطعن الطاعنين والاعتراض المناقشين وهذه بضاعته المزجاة وعقله المدود يعرض على عقول العالمين وإلقائه نفسه

(1/86)


وعرضه بين مخالب الحاسدين وانياب البغاة المعتدين فلك ايها القارئ صفوه ولمؤلفه كدره وهو الذي تجشم غراسه وتعبه ولك ثمره وها هو قد استهدف لسهام الراشقين واستعذر الى الله من الزلل والخطأ ثم الى عباده المؤمنين اللهم فعياذا بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطالت في الجهل وآذى عبادك ذراعه فهو لجهله يرى الاحسان اساءة والسنة بدعة والعرف نكرا ولظلمه يجزى بالحسنة سيئة كاملة وبالسيئة الواحدة عشرا قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما الى ما يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر الا ما وافق إرادته او حالف هواه يستطيل على اولياء الرسول وحزبه باصغريه ويجالس اهل الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه قد ارتوى من ماء آجن ونضلع واستشرف الى مراتب

(1/87)


ورثة الانبياء وتطلع يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ويبرز عليهم في الجهالة فيظن انه من السابقين وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل وإذا انزل الورثة منازلهم منها فمنزلته منها اقصى وابعد منزل نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء ابعد منزل وعياذا بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته فهو دائما يبدى في الملامة ويعيد ويكرر على العذل فلا يفيد ولا يستفيد بل عياذا بك من عدو في صورة ناصح وولى في مسلاخ بعيد كاشح يجعل عداوته واذاه حذرا وإشفاقا وتنفيره وتخذيله اسعافا وإرفاقا وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح والميزان بهم يخف ولا يرجح فما احرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزا من الالتفات ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره الى الاحياء بين الاموات وما احسن ما قال القائل : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله واجسامهم قبل القبور قبور وارواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور اللهم فلك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة الا بك وانت حسبنا ونعم الوكيل فلنشرع الان في المقصود بحول الله وقوته فنقول الاصل الاول في العلم وفضله وشرفه وبيان عموم الحاجة اليه وتوقف كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده عليه قال الله تعال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم قائما

(1/88)


بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم استشهد سبحانه باولى العلم على اجل مشهود عليه وهوتوحيده فقال شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط وهذا يدل على فضل العلم واهله من وجوه احدها استشهادهم دون غيرهم من البشر والثاني اقتران شهادتهم بشهادته والثالث اقترانها بشهادة ملائكته والرابع ان في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فان الله لا يستشهد من خلقه الا العدول ومنه الاثر المعروف عن النبي يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال محمد بن احمد بن يعقوب بن شيبة رأيت رجلا قدم رجلا الى اسماعيل بن إسحاق القاضي

(1/89)


فادعى عليه دعوى فسأل المدعى عليه فانكر فقال للمدعى الك بينة قال نعم فلان وفلان قال اما فلان فمن شهودي واما فلان فليس من شهودي قال فيعرفه القاضي قال نعم قال بماذا قال اعرفه بكتب الحديث قال فكيف تعرفه في كتبه الحديث قال ما علمت الا خيرا قال فان النبي قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فمن عدله رسول الله اولى ممن عدلته انت فقال قم فهاته فقد قبلت شهادته وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا الحديث في موضعه الخامس انه وصفهم بكونهم اولى العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وانهم اهله واصحابه ليس بمستعار لهم السادس انه سبحانه استشهد بنفسه وهو اجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلا وشرفا السابع انه استشهد بهم على اجل مشهود به واعظمه واكبره وهو شهادة ان لا إله إلا الله والعظيم القدر انما يستشهد على الامر العظيم اكابر الخلق وساداتهم الثامن انه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة آدلته وآياته وبراهنيه الدالة على توحيده التاسع انه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة لصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على السنتهم وانطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقا وتعليما وهم الشاهدون بها له إقرارا واعترافا وتصديقا وإيمانا العاشر انه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة فإذا ادوها فقد ادوا الحق المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الاقرار به وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم واقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره وهذا فضل عظيم لا يدرى قدره الا الله وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الاجر مثل اجره ايضا فهذه عشرة اوجه في هذه الاية الحادي عشر في تفضيل العلم وأهله انه سبحانه

(1/90)


نفي التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين اصحاب الجنة واصحاب النار فقال تعالى قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون كما قال تعالى لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم الوجه الثاني عشر انه سبحانه جعل اهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى فما ثم الا عالم او اعمى وقد وصف سبحانه اهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع من كتابه الوجه الثالث عشر انه سبحانه اخبر عن اولى العلم بانهم يرون ان ما انزل اليه من ربه حقا وجعل هذا ثناء عليهم واستشهادا بهم فقال تعالى ويرى الذين اوتو العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق الوجه الرابع عشر انه سبحانه امر بسؤالهم والرجوع الى أقوالهم وجعل ذلك كالشهادة منهم فقال وما ارسلنا قبلك إلا رجالا نوحي اليهم فاسئلوا اهل الذكر إن

(1/91)


كنتم لا تعلمون واهل الذكر هم اهل العلم بما انزل على الانبياء الوجه الخامس عشر انه سبحانه شهد لاهل العلم شهادة في ضمنها الاستشهاد بهم على صحة ما انزل الله على رسوله فقال تعالى افغير الله ابتغى حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين الوجه السادس عشر انه سبحانه سلى نبيه بايمان اهل العلم به وامره ان لا يعبأ بالجاهلين شيئا فقال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وهذا شرف عظيم لهل العلم وتحته ان اهله العالمون قد عرفوه وآمنوا به وصدقوا فسواء آمن به غيرهم اولا الوجه السابع عشر انه سبحانه مدح اهل العلم واثنى عليهم وشرفهم بان جعل كتابه آيات بينات في صدورهم وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم فقال تعالى وكذلك انزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم ما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وسواء كان المعنى ان القرآن مستقر في صدور الذين اوتوا العلم ثابت فيها محفوظ وهو في نفسه آيات بينات فيكون اخبر عنه بخبرين احدهما انه آيات بينات الثاني انه محفوظ مستقر ثابت في صدور الذين اوتوا العلم او كان المعنى أنه آيات بينات في صدورهم أي كونه آيات بينات معلوم لهم ثابت في صدورهم والقولان متلازمان ليسا بمختلفين وعلى التقديرين فهو مدح لهم وثناء عليهم في ضمنه الاستشهاد بهم فتأمله الوجه الثامن عشر أنه سبحانه أمر نبيه أن يسأله مزيد العلم فقال تعالى فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل رب زدني علما

(1/92)


وكفى بهذا شرفا للعلم ان امر نبيه ان يسأله المزيد منه الوجه التاسع عشر أنه سبحانه اخبر عن رفعة درجات اهل العلم والايمان خاصة فقال تعالى يا ايها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بماتعملون خبير وقد أخبر سبحانه في كتابه برفع الدرجات في اربعة مواضع احدها هذا والثاني قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم والثالث قوله تعالى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات اولئك لهم الدرجات العلى والرابع قوله تعالى وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا

(1/93)


عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة فهذه اربعة مواضع في ثلاثة منها الرفعة بالدرجات لاهل الايمان الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والرابع الرفعة بالجهاد فعادت رفعة الدرجات كلها إلى العلم والجهاد اللذين بهما قوام الدين الوجه العشرون انه سبحانه استشهد بأهل العلم والايمان يوم القيامة على بطلان قول الكفار فقال تعالى ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين اوتو العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون الوجه الحادي والعشرون انه سبحانه اخبر انهم اهل خشيته بل خصهم من بين الناس بذلك فقال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور وهذا حصر لخشيته في أولى العلم وقال تعالى جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه وقد اخبر ان اهل خشيته هم العلماء فدل على ان هذا الجزاء المذكور للعلماء بمجموع النصين وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا الوجه الثاني والعشرون انه سبحانه اخبر عن امثاله التي يضربها لعباده يدلهم على صحة ما أخبر به ان اهل العلم هم المنتفعون بها المختصون بعلمها فقال تعالى وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وفي القرآن بضعة واربعون مثلا وكان بعض السلف إذا مر بمثل لا يفهمه يبكي ويقول لست من العالمين الوجه الثالث والعشرون انه سبحانه ذكر مناظرة إبراهيم لابيه وقومه وغلبته لهم بالحجة وأخبر عن تفضيله بذلك ورفعه درجته بعلم الحجة فقال تعالى عقيب مناظرته لابيه وقومه في سورة الانعام وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم قال زيد بن أسلم رضى الله عنه نرفع درجات من نشاء بعلم الحجة الوجه الرابع والعشرون انه سبحانه أخبر انه خلق الخلق ووضع بيته الحرام والشهر

(1/94)


الحرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير فقال تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فدل على ان علم العباد بربهم وصفاته وعبادته وحده هو الغاية المطلوبة من الخلق والامر الوجه الخامس والعشرون ان الله سبحانه امر اهل العلم بالفرح بما آتاهم وأخبر انه خير مما يجمع الناس فقال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وفسر فضل الله بالايمان ورحمته بالقرآن والايمان والقرآن هما العلم النافع والعمل الصالح والهدى ودين الحق وهما افضل علم وافضل عمل الوجه السادس والعشرون انه سبحانه شهد لمن آتاه العلم بانه قد آتاه خيرا كثيرا فقال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا قال

(1/95)


ابن قتيبة والجمهور الحكمة إصابة الحق والعمل به وهي العلم النافع والعمل الصالح الوجه السابع والعشرون انه سبحانه عدد نعمه وفضله على رسوله وجعل من اجلها ان آتاه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم فقال تعالى وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه الثامن والعشرون انه سبحانه ذكر عباده المؤمنين بهذه النعمة وأمرهم بشكرها وأن يذكروه على إسدائها اليهم فقال تعالى كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون الوجه التاسع والعشرون انه سبحانه لما اخبر ملائكته بأنه يريد ان يجعل في الارض خليفة قالوا له اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم مالا تعلمون وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ما علتمنا كلمتناانك انت العليم الحكيم الى آخر قصة آدم وأمر الملائكة بالسجود لآدم فأبى ابليس فلعنه وأخرجه من السماء وبيان فضل العلم من هذه القصة من وجوه احدها انه سبحانه رد على الملائكة لما سألوه كيف يجعل في الارض من هم اطوع له منه فقال اني اعلم مالا تعلمون فأجاب سؤالهم بأنه يعلم من بواطن الامور وحقائقها مالا يعلمونه وهو العليم الحكيم فظهر من هذا الخليفة من خيار خلقه ورسله وأنبيائه وصالحي عباده والشهداء والصديقين والعلماء وطبقات اهل العلم والايمان من هو خير من الملائكة وظهر من ابليس من هو شر العالمين فأخرج سبحانه هذا وهذا والملائكة لم يكن لها علم لا بهذا ولا بهذا ولا بما في خلق آدم واسكانه الارض من الحكم الباهرة الثاني انه سبحانه لما اراد اظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم فعلمه الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء إن

(1/96)


كنتم صادقين جاء في التفسير انهم قالوا لن يخلق ربنا خلقا هو اكرم عليه منا فظنوا انهم خير وافضل من الخليفة الذي يجعله الله في الارض فلما امتحنهم بعلم ما علمه لهذا الخليفة اقروا بالعجز وجهل ما لم يعلموه فقالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم فحينئذ اظهر لهم فضل آدم بما خصه به من العلم فقال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما انبأهم بأسمائهم أقروا له بالفضل الثالث انه سبحانه لما ان عرفهم فضل آدم بالعلم وعجزهم عن معرفة ما علمه قال لهم الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فعرفهم سبحانه نفسه بالعلم وانه احاط علما بظاهرهم وباطنهم وبغيب السموات والارض فتعرف اليهم بصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بالعلم وعجزهم عما آتاه آدم من العلم وكفى بهذا شرفا للعلم الرابع انه سبحانه جعل في آدم

(1/97)


من صفات الكمال ما كان به افضل من غيره من المخلوقات وأراد سبحانه ان يظهر لملائكته فضله وشرفه فأظهر لهم احسن ما فيه وهو علمه فدل على ان العلم اشرف ما في الانسان وان فضله وشرفه إنما هو بالعلم ونظير هذا ما فعله بنبيه يوسف عليه السلام لما أراد اظهار فضله وشرفه على اهل زمانه كلهم اظهر للملك واهل مصر من علمه بتأويل رؤياه ما عجز عنه علماء التعبير فحينئذ قدمه ومكنه وسلم اليه خزائن الارض وكان قبل ذلك قد حبسه على ما رآه من حسن وجهه وجمال صورته ولما ظهر له حسن صورة علمه وجمال معرفته اطلقه من الحبس ومكنه في الارض فدل على ان صورة العلم عند بني آدم ابهى واحسن من الصورة الحسية ولو كانت اجمل صورة وهذا وجه مستقل في تفضيل العلم مضاف الى ما تقدم فتم به ثلاثون وجها الوجه الحادي والثلاثون انه سبحانه ذم اهل الجهل في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى ولكن اكثرهم يجهلون وقال ولكن اكثرهم لا يعلمون وقال تعالى ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجهال بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم وقال ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون اخبر ان الجهال شر الدواب عنده على اختلاف اصنافها من الحمير والسباع والكلاب والحشرات وسائر الدواب فالجهال شر منهم وليس علي دين الرسل اضر من الجهال بل اعداؤهم على الحقيقة وقال تعالى لنبيه وقد اعاذه فلاتكونن من الجاهلين وقال كليمه موسى عليه الصلاة والسلام اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين وقال لأول رسله نوح عليه السلام إني أعظك أن تكون من الجاهلين فهذه حال الجاهلين عنده والاول حال اهل العلم عنده واخبر سبحانه عن عقوبته لاعدائه انه منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وأمر نبيه بالاعراض عنهم

(1/98)


فقال وأعرض عن الجاهلين واثنى على عباده بالاعراض عنهم ومتاركتهم كما في قوله وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين وقال تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وكل هذا يدل على قبح الجهل عنده وبغضه للجهل وأهله وهو كذلك عند الناس فإن كل احد يتبرا منه وإن كان فيهالوجه الثاني والثلاثون ان العلم حياة ونور والجهل موت وظلمة والشر كله سببه عدم الحياة والنور والخير كله سببه النور والحياة فإن النور يكشف عن حقائق الاشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة لصفات الكمال الموجبة لتسديد الاقوال والاعمال فكلما تصرف من الحياة فهو خير كله كالحياء الذي سببه كمال حياة القلب وتصوره حقيقة القبح ونفرته منه وضده الوقاحة

(1/99)


والفحش وسببه موت القلب وعدم نفرته من القبيح وكالحياء الذي هو المطر الذي به حياة كل شيء قال تعالى او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كان ميتا بالجهل قلبه فأحياه بالعلم وجعل له من الايمان نورا يمشى به في الناس وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم اهل الكتاب ان لا يقدرون على شيء من فضل الله وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقال تعالى والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون وقال تعالى وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي الى صراط مستقيم فأخبر انه روح تحصل به الحياة ونور يحصل به الاضاءة والاشراف فجمع بين الاصلين الحياة والنور وقال تعالى قد جاءكم من الله نوروكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى صراط مستقيم وقال تعالى فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا والله بما تعمل ون خبير وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نورا مبينا وقال تعالى قد انزل الله اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور وقال تعالى الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شيء عليم فضرب سبحانه مثلا لنوره الذي قذفه في

(1/100)


قلب المؤمن كما قال ابي بن كعب رضى الله عنه مثل نوره في قلب عبده المؤمن وهو نور القرآن والايمان الذي اعطاه إياه كما قال في آخر الآية نور على نور يعنى نور الايمان على نور القرآن كما قال بعض السلف يكاد المؤمن ينطق بالحكمة وان لم يسمع فيها بالاثر فإذا سمع فيها بالاثر كان نورا على نور وقد جمع الله سبحانه بين ذكر هذين النورين وهما الكتاب والايمان في غير موضع من كتابه كقوله ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وقوله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ففضل الله الايمان ورحمته القرآن وقوله تعالى او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقد تقدمت هذه الايات وقال في آية النور نور على نور

(1/101)


وهو نور الايمان على نور القرآن وفي حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه عن النبي ان الله ضرب مثلا صراطا مستقيما وعلى كتفي الصراط داران لهما ابواب مفتحة على الابواب ستور وداع يدعو على الصراط وداع يدعو فوقه والله يدعو الى دار السلام ويهدي من يشاء الى صراط مستقيم والابواب التي على كتفي الصراط حدود الله فلا يقع احد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه رواه الترمذي وهذا لفظه والامام احمد ولفظه والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن فذكر الاصلين وهما داعي القرآن وداعي الايمان وقال حذيفة حدثنا رسول الله ان الامانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من الايمان ثم علموا من القرآن وفي الصحيحين من حديث ابي موسى الاشعري رضى الله عنه عن النبي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرولا ريح لها فجعل الناس اربعة اقسام اهل الايمان والقرآن وهم خيار الناس الثاني اهل الايمان الذين لا يقرءون القرآن وهم دونهم فهؤلاء هم السعداء والاشقياء قسمان احدهما من اوتى قرآنا بلا إيمان فهو منافق والثاني من لا اوتى قرآنا ولا إيمانا والمقصود ان القرآن والايمان هما نور يجعله الله في قلب من يشاء من عباده وأنهما اصل كل خير في الدنيا والاخرة وعلمهما اجل العلوم وافضلها بل لا علم في الحقيقة ينفع صاحبه الا علمهما والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم الوجه الثالث والثلاثون ان الله سبحانه جعل صيد الكلب الجاهل ميتة يحرم اكلها وأباح صيد الكلب المعلم وهذا ايضا من شرف العلم انه لا يباح إلا صيد الكلب العالم واما الكلب الجاهل فلا يحل اكل صيده فدل على شرف العلم

(1/102)


وفضله قال الله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل احل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ان الله سريع الحساب ولولا مزية العلم والتعليم وشرفهما كان صيد الكلب المعلم والجاهل سواء الوجه الرابع والثلاثون ان الله سبحانه اخبرنا عن صفيه وكليمه الذي كتب له التوارة بيده وكلمه منه اليه انه رحل الى رجل عالم يتعلم منه ويزداد علما الى علمه فقال وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين او امضى حقبا حرصا منه على لقاء هذا العالم وعلى التعلم منه فلما لقيه سلك معه مسلك المتعلم مع معلمه وقال له هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته وانه لا يتبعه إلا باذنه وقال على ان تعلمن مما علمت

(1/103)


رشدا فلم يجيء ممتحنا ولا متعلما وإنما جاء متعلما مستزيدا علما إلى علمه وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم فإن نبي الله وكليمه سافر ورحل حتى لقى النصب من سفره في تعلم ثلاث مسائل من رجل عالم ولما سمع به لم يقر له قرار حتى لقيه وطلب منه متابعته وتعليمه وفي قصتهما عبر وآيات وحكم ليس هذا موضع ذكرها الوجه الخامس والثلاثون قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ندب تعالى المؤمنين الى التفقه في الدين وهو تعلمه وانذار قومهم إذا رجعوا اليهم وهو التعليم وقد اختلف في الاية فقيل المعنى ان المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل ينبغي ان ينفر من كل فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة ثم ترجع تعلم القاعدين فيكون النفير على هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو دليل على قبول خبر الواحد وعلى هذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحد فما زاد قالوا فهو دليل على قبول خير الواحد وعلى هذا حملها الشافعي وجماعة وقالت طائفة اخرى المعنى وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم بل ينبغي ان تنفر طائفة للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما انزل من الدين والحلال والحرام وعلى هذا فيكون قوله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة التي نفرت منها طائفة وهذا قول الاكثرين وعلى هذا فالنفير نفير جهاد على اصله فإنه حيث استعمل إنما يفهم منه الجهاد قال الله تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وأنفسكم وقال النبي لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وهذا هو المعروف من هذه اللفظة وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدين وتعلمه وتعليمه فإن ذلك يعدل الجهاد بل ربما يكون افضل منه كما سيأتي تقريره في الوجه الثامن والمائة ان شاء الله تعالى الوجه

(1/104)


السادس والثلاثون قوله تعالى والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر قال الشافعي رضى الله عنه لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم وبيان ذلك ان المراتب اربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله احداها معرفة الحق الثانية عمله به الثالثة تعليمه من لا يحسنه الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه فذكر تعالى المراتب الاربعة في هذه السورة واقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر ان كل احد في خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة اخرى وتواصوا بالحق وصى به بعضهم بعضا تعليما وارشادا فهذه مرتبة ثالثة وتواصوا بالصبر صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة وهذانهاية الكمال فإن الكمال ان يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره وكماله باصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القوة العلمية بالايمان

(1/105)


وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات وتكميله غيره بتعليمه اياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من اجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا الى كل خير الوجه السابع والثلاثون انه سبحانه ذكر فضله ومنته على انبيائه ورسله واوليائه وعباده بما آتاهم من العلم فذكر نعمته على خاتم انبيائه ورسله بقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وقد تقدمت هذه الاية وقال في يوسف ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك تجزى المحسنين وقال في كليمه موسى ولما بلغ اشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ولما كان الذي آتاه موسى من ذلك أمرا عظيما خصه به على غيره ولا يثبت له إلا الأقوياء أولو العزم هيأه له بعد أن بلغ أشده واستوى يعني تم كلمت قوته وقال في حق المسيح يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلىوالدتك إذ ايدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وقال في حقه ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل فجعل تعليمه مما بشر به امه واقر عينها به وقال في حق داود وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وقال في حق الخضر صاحب موسى وفتاه فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما فذكر من نعمه عليه تعليمه وما آتاه من رحمته وقال تعالى يذكر نعمته على داود وسليمان وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فذكر النبيين الكريمين وأثنى عليهما بالحكم والعلم وخص بفهم القضية احدهما وقد ذكرت الحكمين الداوودي والسليماني ووجههما ومن صار من الائمةالى هذا ومن صار الى هذا وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه وموافقته للقياس وقواعد الشرع في كتاب الاجتهاد والتقليد وقال

(1/106)


تعالى قل من انزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا انتم ولا آباؤكم قل الله يعني الذي انزله جعل سبحانه تعليمهم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم دليلا على صحة النبوة والرسالة إذ لا ينال هذا العلم إلا من جهة الرسل فكيف يقولون ما أنزل الله على بشر من شيء وهذا من فضل العلم وشرفه وأنه دليل على صحة النبوة والرسالة والله الموفق للرشاد وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال تعالى هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم

(1/107)


ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم يعني وبعث في آخرين منهم لما يلحقوا بهم وقد اختلف في هذا اللحاق المنفي فقيل هو اللحاق في الزمان أي يتأخر زمانهم عنهم وقيل هو اللحاق في الفضل والسبق وعلى التقديرين فامتن عليهم سبحانه بان علمهم بعد الجهل وهداهم بعد الضلالة ويالها من منة عظيمة فاتت المنن وجلت ان يقدر العباد لها على ثمن الوجه الثامن والثلاثون ان اول سورة انزلها الله في كتابه سورة القلم فذكر فيها ما من به على الانسان من تعليمه ما لم يعلم فذكر فيها فضله بتعليمه وتفضيله الإنسان بما علمه اياه وذلك يدل على شرف التعليم والعلم فقال تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فافتتح السورة بالامر بالقراءة الناشئة عن العلم وذكر خلقه خصوصا وعموما فقال الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم وخص الانسان من بين المخلوقات لما اودعه من عجائبه وآياته الدالة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال رحمته وانه لا إله غيره ولا رب سواه وذكر هنا مبدا خلقه من علق لكون العلقة مبدأ الاطوار التي انتقلت اليها النطفة فهي مبدأ تعلق التخليق ثم اعاد الأمر بالقراءة مخبرا عن نفسه بأنه الاكرم وهو الافعل من الكرم وهو كثرة الخير ولا احد أولى بذلك منه سبحانه فإن الخير كله بيديه والخير كله منه والنعم كلها هو موليها والكمال كله والمجد كله له فهو الاكرم حقا ثم ذكر تعليمه عموما وخصوصا فقال الذي علم بالقلم فهذا يدخل فيه تعليم الملائكة والناس ثم ذكر تعليم الانسان خصوصا فقال علم الإنسان ما لم يعلم فاشتملت هذه الكلمات على انه معطى الموجودات كلها بجميع اقسامها فان الوجود له مراتب اربعة احداها مرتبتها الخارجية المدلول عليها بقوله خلق المرتبة الثانية الذهنية المدلول عليها بقوله علم الانسان ما لم يعلم المرتبة الثالثة والرابعة

(1/108)


اللفظية والخطية فالخطية مصرح بها في قوله الذي علم بالقلم واللفظية من لوازم التعليم بالقلم فإن الكتابة فرع النطق والنطق فرع التصور فاشتملت هذه الكلمات على مراتب الوجود كلها وانه سبحانه هو معطيها بخلقه وتعليمه فهو الخالق المعلم وكل شيء في الخارج فبخلقه وجد وكل علم في الذهن فبتعليمه حصل وكل لفظ في اللسان او خط في البنان فباقداره وخلقه وتعليمه وهذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إله إلا هو الرحمن الرحيم والمقصود انه سبحانه تعرف إلى عباده بما علمهم إياه بحكمته من الخط واللفظ والمعنى فكان العلم احد الادلة الدالة عليه بل من اعظمها وأظهرها وكفى بهذا شرفا وفضلا له الوجه التاسع والثلاثون انه سبحانه سمى الحجة العلمية سلطانا قال ابن عباس رضى الله عنه كل سلطان في القرآن فهو حجة وهذا كقوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الارض ان عندكم من سلطان بهذا اتقولون على الله

(1/109)


مالا تعلمون يعني ما عندكم من حجة بما قلتم ان هو الا قول على الله بلا علم وقال تعالى ان هي الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان يعني ما أنزل بها حجة ولا برهانا بل هي من تلقاء انفسكم وآبائكم وقال تعالى ام لكم سلطان مبين فائتوا بكتابكم إن كنتم صادقين يعني حجة واضحة فائتوا بها إن كنتم صادقين في دعواكم إلا موضعا واحدا اختلف فيه وهو قوله ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية فقيل المراد به القدرة والملك أي ذهب عني مالي وملكي فلا مال لي ولا سلطان وقيل هو على بابه أي انقطعت حجتي وبطلت فلا حجة لي والمقصود ان الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا لانها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين بل سلطان العلم اعظم من سلطان اليد ولهذا ينقاد الناس للحجة مالا ينقادون لليد فان الحجة تنقاد لها القلوب واما اليد فإنما ينقاد لها البدن فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وان اظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها بل سلطان الجاه ان لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والاسود ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة ومن لم يكن له اقتدار في علمه فهو اما لضعف حجته وسلطانه واما لقهر سلطان اليد والسيف له والا فالحجة ناصرة نفسها ظاهرة على الباطل قاهرة له الوجه الاربعون ان الله تعالى وصف اهل النار بالجهل واخبر انه سد عيهم طرق العلم فقال تعالى حكاية عنهم وقالوا لو كنا نسمع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير فأخبروا انهم كانوا لا يسمعون ولا يعقلون والسمع والعقل هما اصل العلم وبهما ينال وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فاخبر سبحانه انهم

(1/110)


لم يحصل لهم علم من جهة من جهات العلم الثلاث وهي العقل والسمع والبصر كما قال في موضع آخر صم بكم عمي فهم لا يعقلون وقال تعالى افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها او آذان يسمعون بها فانها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى وجعلنالهم سمعا وابصارا وافئدة فما اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فقد وصف اهل الشقاء كما ترى بعدم العلم وشبههم بالانعام تارة وتارة بالحمار الذي يحمل الاسفار وتارة جعلهم اضل من الانعام وتارة جعلهم شر الدواب عنده وتارة جعلهم امواتا غير احياء وتارة اخبر انهم في ظلمات الجهل والضلال وتارة اخبر ان على قلوبهم اكنة وفي آذانهم وقرا وعلى ابصارهم غشاوة وهذا كله يدل على قبح الجهل وذم اهله وبغضه لهم كما انه يحب

(1/111)


اهل العلم ويمدحهم ويثنى عليهم كما تقدم والله المستعان الوجه الحادي والاربعون ما في الصحيحين من حديث معاوية رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وهذا يدل على ان من لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرا كما ان من اراد به خير افقهه في دينه ومن فقهه في دينه فقد اراد به خيرا إذا اريد بالفقه العلم المستلزم للعمل واما ان اريد به مجرد العلم فلا يدل على ان من فقه في الدين فقد اريد به خيرا فإن الفقه حينئذ يكون شرطا لارادة الخير وعلى الاول يكون موجبا والله اعلم الوجه الثاني والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث ابي موسى رضى الله عنه قال قال رسول الله ان مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث اصاب ارضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا واصاب طائفة منها اخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك راسا ولم يقبل هدى الله الذي ارسلت به شبه العلم والهدى الذي جاء به بالغيث لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والاغذية والادوية وسائر مصالح العباد فإنها بالعلم والمطر وشبه القلوب بالاراضي التي قع عليها المطر لانها المحل الذي يمسك الماء فينبت سائر انواع النبات النافع كما ان القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته ثم قسم الناس الى ثلاثة اقسام بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط احكامه واستخراج حكمه وفوائده احدها اهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه واستنبطوا وجوه الاحكام والحكم والفوائد منه فهؤلاء بمنزلة الارض التي قبلت الماء وهذا بمنزلة الحفظ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط فإنه بمنزلة انبات الكلأ والعشب

(1/112)


بالماء فهذا مثل الحفاظ الفقهاء اهل الرواية والدراية القسم الثاني اهل الحفظ الذين رزقوا حفظه ونقله وضبطه ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه فهم بمنزلة من يقرا القرآن ويحفظه ويراعي حروفه واعرابه ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله كما قال على ابن ابي طالب رضى الله عنه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله اعظم تفاوت فرب شخص يفهم من النص حكما او حكمين ويفهم منه الآخر مائة او مائتين فهؤلاء بمنزلة الارض التي امسكت الماء للناس فانتفعوا به هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع فهؤلاء القسمان هم السعداء والاولون ارفع درجة واعلى قدرا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم القسم الثالث الذين لا نصيب لهم منه لا حفظا ولا فهما ولا رواية ولا دراية بل هم بمنزلة

(1/113)


الارض التي هي قيعان لا تنبت ولا تمسك الماء وهؤلاء هم الاشقياء والقسمان الاولان اشتركا في العلم والتعليم كل بحسب ما قبله ووصل اليه فهذا يعلم الفاظ القرآن ويحفظها وهذا يعلم معانيه واحكامه وعلومه والقسم الثالث لا علم ولا تعليم فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله راسا ولم يقبلوه وهؤلاء شر من الانعام وهم وقود النار فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه وشقاء من ليس من اهله وذكر اقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم وتقسم سعيدهم الى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد وفيه دلالة على ان حاجة العباد الى العلم كحاجتهم الى المطر بل اعظم وانهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الارض التي فقدت الغيث قال الامام احمد الناس محتاجون الى العلم اكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لان الطعام والشراب يحتاج اليه في اليوم مرة او مرتين والعلم يحتاج اليه بعدد الانفاس وقد قال تعالى انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل شبه سبحانه العلم الذي أنزله على رسوله بالماء الذي انزله من السماء لما يحصل لكل واحد منهما من الحياة ومصالح العباد في معاشهم ومعادهم ثم شبه القلوب بالاودية فقلب كبير يسع علما كثيرا كواد عظيم يسع ماء كثيرا وقلب صغيرا إنما يسع علما قليلا كواد صغير إنما يسع ماء قليلا فقال فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا هذا مثل ضربة الله تعالى للعلم حين تخالط القلوب بشاشته فإنه يستخرج منها زبد الشبهات البالطة فيطفو على وجه القلب كما يستخرج السيل من الوادي زبدا يعلو فقوق الماء وأخبر سبحانه انه راب يطفو ويعلو على الماء لايستقر في ارض الوادي كذلك الشبهات الباطلة إذا أخرجها العلم ربت فوق القلوب وطفت فلا تستقر فيه بل تجفى وترمى فيستقر في القلب ما ينفع صاحبه والناس من

(1/114)


الهدى ودين الحق كما يستقر في الوادي الماء الصافي ويذهب الزبد جفاء وما يعقل عن الله امثاله إلا العالمون ثم ضرب سبحانه لذلك مثلا آخر فقال ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله يعني أن مما يوقد عليه بنو آدم من الذهب والفضة والنحاس والحديد يخرج منه خبثه وهو الزبد الذي تلقيه النار وتخرجه من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها فإنه يقذف ويلقى به ويستقر الجوهر الخالص وحده وضرب سبحانه مثلا بالماء لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة ومثلا بالنار لما فيها من الاضاءة والاشراف والاحراق فآيات القرآن تحيي القلوب كما تحيا الارض بالماء وتحرق خبثها وشبهاتها وشهواتها وسخائمها كما تحرق النار ما يلقى فيها وتميز جيدها من زبدها كما تميز النار الخبث من الذهب والفضة والنحاس ونحوه منه فهذا بعض ما في هذا المثل العظيم من العبر والعلم قال الله تعالى وتلك

(1/115)


الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون الوجه الثالث والاربعون ما في الصحيحين ايضا من حديث سهل بن سعد رضى الله عنه ان رسول الله قال لعلي رضى الله عنه لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وهذا يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة اهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعالم كان ذلك خيرا له من حمر النعم وهي خيارها واشرفها عند أهلها فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس الوجه الرابع والاربعون ما روى مسلم في صحيحيه من حديث ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل اجور من تبعه لا ينقص ذلك من اجورهم شيئا ومن دعا الى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا اخبر ان المتسبب الى الهدى بدعوته له مثل اجر من اهتدى به والمتسبب الى الضلالة بدعوته عليه مثل إثم من ضل به لان هذا بذل قدرته في هداية الناس وهذا بذل قدرته في ضلالتهم فنزل كل واحد منهما بمنزلة الفاعل التام وهذه قاعدة الشريعة كما هو مذكور في غير هذا الموضع قال تعالى ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم الا ساء ما يزرون وقال تعالى وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم وهذا يدل على ان من دعا الامة إلى غير سنة رسول الله فهوعدوه حقا لانه قطع وصول اجر من اهتدى بسنته اليه وهذا من اعظم معاداته نعوذ بالله من الخذلان الوجه الخامس والاربعون ما خرجا في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فاخبر انه لا ينبغي لاحد ان يحسد احدا يعني حسد غبطة ويتمنىمثل حاله من غير ان يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في واحدةمن هاتين الخصلتين وهي الاحسان الى الناس بعلمه او بماله وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمنى

(1/116)


مثل حاله لقلة منفعة الناس به الوجه السادس والاربعون قال الترمذي حدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا سلمة بن رجاء حدثنا الوليد بن حميد حدثنا القاسم عن ابي امامة الباهلي قال ذكر لرسول الله رجلان احدهما عالم والآخر عابد فقال رسول الله فصل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم قال رسول الله ان الله وملائكته واهل السموات والارض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير قال الترمذي هذا حديث حسن غريب سمعت أبا عمار الحسين ابن حريث الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول عالم عامل معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات وهذا مروى عن الصحابة قال ابن عباس علماء هذه الامة رجلان فرجل اعطاه الله علما

(1/117)


فبذله للناس ولم يأخذ عليه صفدا ولم يشتر به ثمنا اولئك يصلى عليهم طير السماء وحيتان البحر ودواب الارض والكرام الكاتبون ورجل آتاه الله علما فضن به عن عباده واخذ به صفدا واشترى به ثمنا فذلك ياتي يوم القيامة يلجم بلجام من نار ذكره ابن عبد البر مرفوعا وفي رفعه نظر وقوله ان الله وملائكته واهل السموات والارض يصلون على معلم الناس الخير لما كان تعليمه للناس الخير سببا لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم جازاه الله من جنس عمله بان جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته واهل الارض ما يكون سببا لنجاته وسعادته وفلاحه وايضا فإن معلم الناس الخير لما كان مظهرا لدين الرب واحكامه ومعرفا لهم بأسمائه وصفاته جعل الله من صلاته وصلاة أهل سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويها به وتشريفا له وإظهارا للثناء عليه بين اهل السماءوالارض الوجه السابع والاربعون ما رواه ابو داود والترمذي من حديث ابي الدرداء رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا الى الجنة وإن الملائكة لتضع اجنحتها رضا لطالب العلم وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ان العلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر وقد رواه الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد عن عثمان ابن ايمن عن ابي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول من غدا لعلم يتعلمه فتح الله له به طريقا الى الجنة وفرشت له الملائكة اكنافها وصلت عليه ملائكة السماء وحيتان البحر وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب والعلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن اخذ بالعلم اخذ بحظ وافر وموت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة نسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم وهذا حديث حسن

(1/118)


والطريق التي يسلكها الى الجنة جزاء على سلوكه في الدنيا طريق العلم الموصلة الى رضا ربه ووضع الملائكة اجنحتها له تواضعا له وتوقيرا وإكراما لما يحمله من ميراث النبوة ويطلبه وهو يدل على المحبة والتعظيم فمن محبة الملائكة له وتعظيمه تضع اجنحتها له لأنه طالب لما به حياة العالم ونجاته ففيه شبه من الملائكةوبينه وبينهم تناسب فان الملائكة انصح خلق الله وانفعهم لبني آدم وعلى ايديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى ومن نفعهم لبني آدم ونصحهم انهم يستغفرون لمسيئهم ويثنون على مؤمنيهم ويعينونهم على اعدائهم من الشياطين ويحرصون على مصالح العبد اضعاف حرصه على مصلحة نفسه بل يريدون له من خير الدنيا والاخرة ما لا يريده العبد ولا يخطر بباله كما قال بعض التابعين وجدنا الملائكة انصح خلق الله لعباده ووجدنا الشياطين اغش الخلق للعباد وقال تعالى الذين يحملون

(1/119)


العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم إنك انت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم فأي نصح للعباد مثل هذا الا نصح الانبياء فإذا طلب العبد العلم فقد سعى في اعظم ما ينصح به عباد الله فلذلك تحبه الملائكة وتعظمه حتى تضع اجنحتها له رضا ومحبة وتعظيما وقال ابو حاتم الرازي سمعت ابن ابي اويس يقول سمعت مالك بن انس يقول معنى قول رسول الله تضع اجنحتها يعني تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الايدي وقال احمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة له حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري قال سمعت احمد بن شعيب يقول كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بحديث النبي ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم وفي المجلس معنا رجل من المعتزلة فجعل يستهزئ بالحديث فقال والله لاطرقن غدا نعلي بمسامير فأطأ بها أجنحة الملائكة ففعل ومشى في النعلين فجفت رجلاه جميعا ووقعت فيهما الاكلة وقال الطبراني سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال كنا نمشي في بعض ازقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فاسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن منهم في دينه فقال ارفعوا ارجلكم عن اجنحة الملائكة لاتكسروها كالمستهزيء فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط وفي السنن والمسانيد من حديث صفوان ابن عسال بعسال قال قلت يا رسول الله إني جئت أطلب العلم قال مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظله بأجنحتها فيركب بعضهم بعضا حتى تبلغ السماء الدنيامن حبهم لما يطلب وذكر حديث المسح على الخفين قال ابوعبد الله الحاكم اسناده صحيح وقال ابن عبد البر هو حديث صحيح حسن ثابت محفوظ مرفوع ومثله لا يقال بالرأي ففي هذا الحديث حف الملائكة له بأجنحتها الى

(1/120)


السماء وفي الاول وضعها اجنحتها له فالوضع تواضع وتوقير وتبجيل والحف بالاجنحة حفظ وحماية وصيانة فتضمن الحديثان تعظيم الملائكة له وحبها اياه وحياطته وحفظه فلو لم يكن لطالب العلم إلا هذا الحظ الجزيل لكفى به شرفا وفضلا وقوله ان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الارض حتى الحيتان في الماء فإنه لما كان العالم سببا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات وكان سعيه مفصورا على هذا وكانت نجاة العباد على يديه جوزي من جنس عمله وجعل من في السموات والأرض ساعيا في نجاته من اسباب الهلكات باستغفارهم له وإذا كانت الملائكة تستغفر للؤمنين فكيف لا تستغفر لخاصتهم وخلاصتهم وقد قيل ان من في السموات ومن في الارض المستغفرين

(1/121)


للعالم عام في الحيوانات ناطقها وبهيمها طيرها وغيره ويؤكد هذا قوله حتى الحيتان في الماء وحتى النملة في جحرها فقيل سبب هذا الاستغفار ان العالم يعلم الخلق مراعاة هذه الحيوانات ويعرفهم ما يحل منها وما يحرم ويعرفهم كيفية تناولها واستخدامها وركوبها والانتفاع بها وكيفية ذبحها على احسن الوجوه وارفقها بالحيوان والعالم اشفق الناس على الحيوان واقومهم ببيان ما خلق له وبالجملة فالرحمة والاحسان التي خلق بهما ولهما الحيوان وكتب لهما حظهما منه إنما يعرف بالعلم فالعالم معرف لذلك فاستحق ان تستغفر له البهائم والله أعلم وقوله وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب تشبيه مطابق لحال القمر والكواكب فان القمر يضيء الافاق ويمتد نوره في اقطار العالم وهذه حال العالم وأما الكوكب فنوره لا يجاوز نفسه او ما قرب منه وهذه حال العابد الذي يضيء نور عبادته عليه دون غيره وان جاوز نور عبادته غيره فإنما يجاوزه غير بعيد كما يجاوز ضوء الكوكب له مجاوزة يسيرة ومن هذا الاثر المروي إذا كان يوم القيامة يقول الله للعابد ادخل الجنة فإنما كانت منفعتك لنفسك ويقال للعالم اشفع تشفع فإنما كانت منفعتك للناس وروى ابن جريج عن عطاءعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا كان يوم القيامة يؤتى بالعابد والفقيه فيقال للعابد ادخل الجنة ويقال للفقيه اشفع تشفع وفي التشبيه المذكور لطيفه اخرى وهو ان الجهل كالليل في ظلمته وجنسه والعلماء والعباد بمنزلة القمر والكواكب الطالعة في تلك الظلمة وفضل نور العالم فيها علىنور العابد كفضل نور القمر على الكواكب وايضا فالدين قوامه وزينته واضاءته بعلمائه وعباده فإذا ذهب علماؤه وعباده ذهب الدين كما ان السماء اضاءتها وزينتها بقمرها وكواكبها فإذا خسف قمرها وانتشرت كواكبها اتاها ماتوعد وفضل علماء الدين على العباد كفضل ما بين القمر والكواكب فإن قيل كيف وقع تشبيه العالم بالقمر دون الشمس وهي اعظم نورا قيل

(1/122)


فيه فائدتان احداهما ان نور القمر لما كان مستفادا من غيره كان تشبيه العالم الذي نوره مستفاد من شمس الرسالة بالقمر اولى من تشبيهه بالشمس الثانية ان الشمس لا يختلف حالها في نورها ولا يلحقها محاق ولا تفاوت في الاضاءة واما القمر فإنه يقل نوره ويكثر ويمتليء وينقص كما ان العلماء في العلم على مراتبهم من كثرته وقلته فيفضل كل منهم في علمه بحسب كثرته وقلته وظهوره وخفائه كما يكون القمر كذلك فعالم كالبدر ليلة تمه وآخر دونه بليلة وثانية وثالثة وما بعدها إلى آخر مراتبه وهم درجات عند الله فإن قيل تشبيه العلماء بالنجوم أمر معلوم كقوله اصحابي كالنجوم ولهذا هي في تعبير الرؤيا عبارة عن العلماء فكيف وقع تشبيههم هنا بالقمر قيل اما تشبيه العلماء بالنجوم فإن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك العلماء والنجوم زينة للسماء

(1/123)


فكذلك العلماء زينة للآرض وهي رجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي الوارد الى الرسل من الله على ايدي ملائكته وكذلك العلماء رجوم لشياطين الانس والجن الذي يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا فالعلماء رجوم لهذا الصنف من الشياطين ولولاهم لطمست معالم الدين بتلبيس المضلين ولكن الله سبحانه اقامهم حراسا وحفظه لدينه ورجوما لاعدائه واعداء رسله فهذا وجه تشبيههم بالنجوم وأما تشبههم بالقمر فذلك كان في مقام تفضيلهم على اهل العبادة المجردة وموازنة ما بينهما من الفضل والمعنى انهم يفضلون العباد الذين ليسوا بعلماء كما يفضل القمر سائر الكواكب فكل من التشبهين لائق بموضعه والحمد لله وقوله ان العلماء ورثة الانبياء هذا من اعظم المناقب لاهل العلم فإن الانبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه الى ورثته اذهم الذين يقومون مقامه من بعده ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما ارسلوا به الا العلماء كانوا احق الناس بميراثهم وفي هذا تنبيه على انهم اقرب الناس اليهم فإن الميراث إنا يكون لاقرب الناس الى الموروث وهذا كما انه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء وفيه ايضا ارشاد وامر للأمة بطاعهم واحترامهم وتعزيزهم وتوفيرهم وإجلالهم فإنهم ورثة من هذه بعض حقوقهم على الأمة وخلفاؤهم فيهم وفيه تنبيه على ان محبتهم من الدين وبغضهم مناف للدين كما هو ثابت لموروثهم وكذلك معاداتهم ومحاربتهم معاداة ومحاربة لله كما هو في موروثهم قال على كرم الله وجهه ورضى عنه محبة العلماء دين يدان به وقال فيما يروى عن ربه عز وجل من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وورثة الانبياء سادات اولياء لله عز وجل وفيه تنبيه للعلماء على سلوك هدى الانبياء وطريقتهم في التبليغ من الصبر والاحتمال ومقابلة إساءة الناس اليهم بالاحسان

(1/124)


والرفق بهم واستجلابهم الى الله باحسن الطرق وبذل ما يمكن من النصيحة لهم فإنه بذلك يحصل له نصيبهم من هذا الميراث العظيم قدره الجليل خطره وفيه ايضا تنبيه لاهل العلم علىتربية الامة كما يربى الوالد ولده فيبربونهم بالتدريج والترقي من صغار العلم إلى كباره وتحميلهم منه ما يطيقون كما يفعل الاب بولده الطفل في ايصال الغذاء اليه فإن ارواح البشر بالنسبة الى الانبياء والرسل كالاطفال بالنسبة الى آبائهم بل دون هذه النسبة بكثير ولهذا كل روح لم تربها الرسل لم تفلح ولم تصلح لصالحه كما قيل ومن لا يربيه الرسول ويسقه لبانا له قد در من ثدي قدسه فذاك لقيط ماله نسبة الولا ولا يتعدى طور ابناء جنسه وقوله ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم هذا من كمال الانبياء وعظم

(1/125)


نصحهم للأمم وتمام نعمة الله عليهم وعلى اممهم ان ازاح جميع العلل وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس ان الانبياء من وجنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها فحماهم الله سبحانه وتعالى من ذلك اتم الحماية ثم لما كان الغالب على الناس ان احدهم يريد الدنيا لولده من بعده ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده سد هذه الذريعة عن انبيائه ورسله وقطع هذا الوهم الذي عساه ان يخالط كثيرا من النفوس التي تقول فلعله ان لم يطلب الدنيا لنفسه فهو يحصلها لولده فقال نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة فلم تورث الانبياء دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم واما قوله تعالى وورث سليمان داود فهو ميراث العلم والنبوة لا غير وهذا باتفاق اهل العلم من المفسرين وغيرهم وهذا لان داود عليه السلام كان له اولاد كثيرة سوى سليمان فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصا به وايضا فإن كلام الله يصان عن الاخبار بمثل هذا فإنه بمنزلة ان يقال مات فلان وورثه ابنه ومن المعلوم ان كل احد يرثه ابنه وليس في الاخبار بمثل هذا فائدة وايضا فإن ما قبل الاية وما بعدها يبين ان المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قال تعالى ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داوود وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لابيه من اعلى المواهب وهو العلم والنبوة ان هذا لهو الفضل المبين وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة الى الله وإلا فلا يظن بني كريم انه يخاف عصبته ان يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولدا يمنعهم ميراثه ويكون احق به منهم وقد نزه الله انبياءه ورسله عن هذا وأمثاله فبعدا لمن حرف كتاب الله ورد على

(1/126)


رسوله كلامه ونسب الانبياء الى ما هم برآء منزهون عنه والحمد لله على توفيقه وهدايته ويذكر عن ابي هريرة رضى الله عنه انه مر بالسوق فوجدهم في تجاراتهم وبيوعاتهم فقال انتم ههنا فيما انتم فيه وميراث رسول الله يقسم في مسجده فقاموا سراعا الى المسجد فلم يجدوا فيه الا القرآن والذكر ومجالس العلم فقالوا اين ما قلت يا أبا هريرة فقال هذا ميراث محمد يقسم بين ورثته وليس بمواريثكم ودنياكم او كما قال وقوله فمن اخذه اخذ بحظ وافر اعظم الحظوظ واجداها مانفع العبد ودام نفعه له وليس هذا الا حظه من العلم والدين فهو الحظ الدائم النافع الذي إذا انقطعت الحظوظ لاربابها فهو موصول له ابد الابدين وذلك لانه موصول بالحي الذي لا يموت فلذلك لاينقطع ولا يفوت وسائر الحظوظ تعدم وتتلاشى بتلاشي متعلقاتها كما قال تعالى وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءمنثورا فإن الغاية لما كانت منقطعة زائلة تبعتها اعمالهم فانقطعت

(1/127)


عنهم احوج ما يكون العامل الى عمله وهذه هي المصيبة التي لا تجبر عياذا بالله واستعانة به وافتقارا وتوكلا عليه ولا حول ولا قوة الا بالله وقوله موت العالم مصيبة لاتجبر وثلمة لا تسد ونجم طمس وموت قبيلة ايسر من موت عالم لما كان صلاح الوجود بالعلماء ولولاهم كان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها الا خلف غيره له وايضا فإن العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد والممالك فموتهم فساد لنظام العالم ولهذا لا يزال الله يغرس في هذا الدين منهم خالفا عن سالف يحفظ بهم دينه وكتابه وعباده وتأمل إذا كان في الوجود رجل قد فاق العالم في الغنى والكرم وحاجتهم الى ما عنده شديدة وهو محسن اليهم بكل ممكن ثم مات وانقطعت عنهم تلك المادة فموت العالم اعظم مصيبة من موت مثل هذا بكثير ومثل هذا يموت بموته أمم وخلائق كما قيل : تعلم ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر يموت بموته بشر كثير وقال آخر فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما والوجه الثامن والاربعون ما روى الترمذي من حديث الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح عن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله فقيه اشد على الشيطان من الف عابد قال الترمذي غريب لانعرفه الا من هذا الوجه من حديث الوليد بن مسلم قلت قد رواه ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي اليقطيني حدثنا عمر بن سعيد بن سنان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابي هريرة عن النبي قال الخطيب والاول هو المحفوظ عن روح مجاهد عن ابن عباس وما أرى الوهم وقع في هذا الحديث إلا من ابي جعفر لان عمر بن سنان عنده عن هشام بن عمار عن الوليد عن روح عن الزهري عن سعيد حديث في السماء بيت يقال له البيت المعمور حيال الكعبة وحديث ابن عباس كانا في كتاب ابن سنان عن هشام يتلو احدهما الاخر فكتب ابو جعفر

(1/128)


اسناد حديث ابي هريرة رضى الله عنه ثم عارضه لسهو اوزاغ نظره فنزل الى متن حديث ابن عباس فركب متن هذا على اسناد هذا وكل واحد منهما ثقة مأمون برئ من تعمد الغلط وقد رواه ابو احمد بن عدي عن محمد بن سعيد بن مهران حدثنا شيبان ابو الربيع السمان عن ابي الزناد عن الاعرج عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله لكل شيء دعامة ودعامة الاسلام الفقه في الدين والفقيه اشد على الشيطان من ألف عابد ولهذا الحديث علة وهو انه روى من كلام ابي هريرة وهو اشبه رواه همام بن يحيى حدثنا يزيد بن عياض حدثنا صفوان بن سليم عن سليمان عن يسار عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ما عبد الله بشيء افضل من فقه في الدين قال وقال ابو هريرة لان افقه ساعة احب الي من ان احيي ليلة اصليها حتى اصبح والفقيه اشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه وقد روى باسناد فيه من لا يحتج به من حديث عاصم بن ابي النجودعن زر بن حبيش عن عمر بن الخطاب يرفعه ان الفقيه اشد على الشيطان من الف ورع وألف مجتهد والف متعبد وقال المزني روى عن ابن عباس انه قال ان الشياطين قالوا لابليس يا سيدنا مالنا نراك تفرح بموت العالم مالا تفرح بموت العابد والعالم لا نصيب منه والعابد نصيب منه قال انطلقوا فانطلقوا الى عابد فاتوه في عبادته فقالوا إنا نريد ان نسألك فانصرف فقال ابليس هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة فقال لا أدري فقال اترونه كفر في ساعة ثم جاؤوا الى عالم في حلقته يضحك اصحابه ويحدثهم فقالوا إنا نريد ان نسألك فقال سل فقال هل يقدر ربك ان يجعل الدنيا في جوف بيضة قال نعم قالوا كيف قال يقول كن فيكون فقال أترون ذلك لا يعدو نفسه وهذا يفسد على عالما كثيرا وقد رويت هذه الحكاية على وجه آخر وإنهم سألوا العابد فقالوا هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه فقال لاادري فقال اترونه لم تنفعه عبادته مع جهله وسألوا عن ذلك فقال هذه المسألة

(1/129)


محال لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقا فكونه مخلوقا وهو مثل نفسه مستحيل فإذا كان مخلوقا لم يكن مثله بل كان عبدا من عبيده وخلقا من خلقه فقال أترون ذلك اترون هذا يهدم في ساعة ما ابنيه في سنين اوكما قال وروى عن عبد الله بن عمرو فضل العالم على العابد سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاما وذلك ان الشيطان يضع البدعة فيبصرها العالم وينهى عنها والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ولا يعرفها وهذا معناه صحيح فإن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه ويهدم ما يبنيه فكل ما أراد إحياء بدعة وإماتة سنة حال العالم بينه وبين ذلك فلا شيء اشد عليه من بقاء العالم بين ظهراني الامة ولا شيء احب اليه من زواله من بين اظهرهم ليتمكن من إفساد الدين وإغواء الامة وأما العابد فغايته ان يجاهده ليسلم منه في خاصة نفسه وهيهات له ذلك الوجه التاسع والاربعون ما روى الترمذي من حديث ابي هريرة رضى الله عنه قال سمعت رسول الله يقول الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم قال الترمذي هذا حديث حسن ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله لاتساوي لديه جناح بعوضة كانت وما فيها في غاية البعد منه وهذا هو حقيقة اللعنة وهو سبحانه إنما خلقها مزرعة للآخرة ومعبرا اليها يتزود منها عبادة اليه فلم يكن يقرب منها إلا ما كان متضمنا

(1/130)


لاقامة ذكره ومفضيا الى محابه وهوالعلم الذي به يعرف الله ويعبد ويذكر ويثنى عليه ويمجد ولهذا خلقها وخلق اهلها كما قال تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وقال الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فتضمنت هاتان الايتان انه سبحانه إنما خلق السموات والارض وما بينهما ليعرف باسمائه وصفاته وليعبد فهذا المطلوب وما كان طريقا اليه من العلم والتعلم فهو المستثنى من اللعنة واللعنة واقعة على ما عداه إذ هو بعيد عن الله وعن محابه وعن دينه وهذا هو متعلق العقاب في الاخرة فإنه كما كان متعلق اللعنة التي تضمن الذم والبغض فهو متعلق العقاب والله سبحانه إنما يحب من عباده ذكره وعبادته ومعرفته ومحبته ولوازم ذلك وما افضى اليه وما عداه فهو مبغوض له مذموم عنده الوجه الخمسون ما رواه الترمذي من حديث ابي جعفر الرازي عن الربيع بن انس قال قال رسول الله من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع قال الترمذي هذا حديث حسن غريب رواه بعضهم فلم يرفعه وإنما جعل طلب العلم من سبيل الله لان به قوام الاسلام كما ان قوامه بالجهاد فقوام الدين بالعلم والجهاد ولهذا كان الجهاد نوعين جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير والثاني الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل وهو جهاد الائمة وهو افضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة اعدائه قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلاتطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين وهو جهاد المنافقين ايضا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوامعهم في الظاهر وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم ومع هذا فقد قال تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومعلوم ان جهاد المنافقين بالحجة والقرآن والمقصود ان

(1/131)


سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به الى الله ولهذا قال معاذ رضى الله عنه عليكم بطلب العلم فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد ولهذا قرن سبحانه بين الكتاب المنزل والحديد الناصر كما قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب واميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز فذكر الكتاب والحديد إذ بهما قوام الدين كما قيل : فما هو إلا الوحي اوحدمرهف تميل ظباه اخدعا كل ما يل فهذا شفاء الداء من كل عاقل وهذا دواء الداء من كل جاهل ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيل الله فسر الصحابة رضى الله عنهم

(1/132)


قوله  اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم بالامراء والعلماء فإنهم المجاهدون في سبيل الله هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بالسنتم بألسنتهم فطلب العلم وتعليمه من اعظم سبيل الله عز وجل قال كعب الاحبار طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل وجاء عن بعض الصحابة رضى الله عنهم إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد وقال سفيان بن عيينة من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل وقال ابو الدرداء من رأى الغدو والرواح الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه الوجه الحادي والخمسون ما رواه الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا ابو اسامة عن الاعمش عن ابي صالح عن ابي هريرة قال قال رسول الله من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن قال بعضهم ولم يقل في هذا الحديث صحيح لانه يقال دلس الاعمش في هذا الحديث لانه رواه بعضهم فقال حدثت عن ابي صالح والحديث رواه مسلم في صحيحه من اوجه عن الاعمش عن ابي صالح قال الحاكم في المستدرك هو صحيح على شرط البخاري ومسلم رواه عن الاعمش جماعة منهم زايدة وأبو معاوية وابن نمير وقد تقدم حديث ابي الدرداء في ذلك والحديث محفوظ وله اصل وقد تظاهر الشرع والقدر على ان الجزاء من جنس العمل فكما سلك طريقا يطلب فيه حياة قلبه ونجاته من الهلاك سلك الله به طريقا يحصل له ذلك وقد روى من حديث عائشة رواه ابن عدي من حديث محمد بن عبد الملك الانصاري عن الزهري عن عروة عنها مرفوعا ولفظه اوحى الله الى انه من سلك مسلكا يطلب العلم سهلت له طريقا الى الجنة الوجه الثاني الخمسون ان النبي دعا لمن سمع كلامه ووعاه وبلغه بالنضرة وهي البهجة ونضارة الوجه وتحسينه ففي الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي قال نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه الى من هو افقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم اخلاص العمل لله ومناصحة ائمة

(1/133)


المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وروى هذا الاصل عن النبي ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وجبير بن مطعم وانس بن مالك وزيد بن ثابت والنعمان بن بشير قال الترمذي حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح وحديث زيد بن ثابت حديث حسن وأخرج الحاكم في صحيحه حديث جبير بن مطعم والنعمان بن بشير وقال في حديث جبير على شرط البخاري ومسلم ولو لم يكن في فضل العلم الا هذا وحده لكفى به شرفا فإن النبي دعا لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه وهذه هي مراتب العلم اولها وثانيها سماعه وعقله فإذا سمعه وعاه بقلبه أي عقله واستقر في قلبه كما يستقر الشيء الذي يوعى في وعائه ولا يخرج منه

(1/134)


وكذلك عقله هو بمنزلة عقل البعير والدابة ونحوها حتى لا تشرد وتذهب ولهذا كان الوعي والعقل قدرا زائدا على مجرد إدراك المعلوم المرتبة الثالثة تعامده وحفظه حتى لاينساه فيذهب المرتبة الرابعة تبليغه وبثه في الامة ليحصل به ثمرته ومقصوده وهو بثه في الامة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الارض الذي لا ينفق منه وهو معرض لذهابه فإن العلم ما لم ينفق منه ويعلم فإنه يوشك ان يذهب فإذا انفق منه نما وزكا على الانفاق فمن قام بهذه المراتب الاربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن فإن النضرة هي البهجة والحسن الذي يكساه الوجه من آثار الايمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارة على الوجه ولهذا يجمع له سبحانه بين البهجة والسرور والنضرة كما في قوله تعالى فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا فالنضرة في وجوههم والسرور في قلوبهم فالنعيم وطيب القلب يظهر نضارة في الوجه كما قال تعالى تعرف في وجوههم نضرة النعيم والمقصود ان هذه النضرة في وجه من سمع سنة رسول الله ووعاها وحفظها وبلغها فهي اثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه وقوله رب حامل فقه الى من هو افقه منه تنبيه على فائدة التبليغ وان المبلغ قد يكون افهم من المبلغ فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلغ او يكون المعنى ان المبلغ قد يكون افقه من المبلغ فإذا سمع تلك المقالة حملها على احسن وجوهها واستنبط فقهها وعلم المراد منها وقوله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إلى آخره اي لايحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة فإنها تنفى الغل والغش وهو فساد القلب وسخايمه فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه ويخرجه ويزيله جملة لانه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبق فيه موضع للغل والغش كما قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين فلما اخلص لربه صرف عنه

(1/135)


دواعي السوء والفحشاء فانصرف عنه السوء والفحشاء ولهذا لما علم ابليس انه لا سبيل له على اهل الاخلاص استثناهم من شرطته التي اشترطها للغواية والاهلاك فقال فبعزتك لاغوينهم اجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فالاخلاص هو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والايمان خاتم الامان وقوله ومناصحة ائمة المسلمين هذا ايضا مناف للغل والغش فإن النصيحة لا تجامع الغل إذ هي ضده فمن نصح الائمة والامة فقد برئ من الغل وقوله ولزوم جماعتهم هذا ايضا مما يطهر القلب من الغل والغش فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لها ويسوؤه ما يسؤوهم ويسره ما يسرهم وهذا بخلاف من انجاز عنهم واشتغل بالطعن

(1/136)


عليهم والعيب والذم لهم كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم فإن قلوبهم ممتلئة نحلا وغشا ولهذا تجد الرافضة ابعد الناس من الاخلاص اغشهم للائمة والامة واشدهم بعدا عن جماعة المسلمين فهؤلاء اشد الناس غلا وغشا بشهادة الرسول والامة عليهم وشهادتهم على انفسهم بذلك فانهم لايكونون قط الا اعوانا وظهرا على اهل الاسلام فاي عدو قام للمسلمين كانوا اعوان ذلك العدو وبطانته وهذا امر قد شاهدته الامة منهم ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يصم الاذان ويشجي القلوب وقوله فإن دعوتهم تحيط من ورائهم هذا من احسن الكلام وأوجزه وافخمه معنى شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم المانع من دخول عدوهم عليهم فتلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام وهم داخلونها لما كانت سورا وسياجا عليهم اخبر ان من لزم جماعة المسلمين احاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الاسلام كما احاطت بهم فالدعوة تجمع شمل الامة وتلم شعثها وتحيط بها فمن دخل في جماعتها احاطت به وشملته الوجه الثالث والخمسون ان النبي امر بتبليغ العلم عنه ففي الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمرو قال قال رسول الله بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقال ليبلغ الشاهد منكم الغائب روى ذلك ابو بكرة ووابصة بن معبد وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس واسماء بنت يزيد بن السكن وحجير وابو قريع وسرى بنت نبهان ومعاوية بن حيدة القشيري وعم ابي حرة وغيرهم فأمر بالتبلغ عنه لما في ذلك من حصول الهدى بالتبلغ وله اجر من بلغ عنه واجر من قبل ذلك البلاغ وكلما كثر التبلغ عنه تضاعف له الثواب فله من الاجر بعدد كل مبلغ وكل مهتد بذلك البلاغ سوى ماله من اجر عمله المختص به فكل من هدى واهتدى بتبليغه فله اجره لانه هو الداعي اليه ولو لم يكن في تبليغ العلم عنه الا حصول ما يحبه لكفى به فضلا وعلامة المحب الصادق ان يسعى في حصول محبوب محبوبه

(1/137)


ويبذل جهده وطاقته فيها ومعلوم انه لا شيء احب الى رسول الله من ايصاله الهدى الى جميع الامة فالمبلغ عنه ساع في حصول محابه فهو اقرب الناس منه واحبهم اليه وهو نائبه وخليفته في امته وكفى بهذا فضلا وشرفا للعلم واهله الوجه الرابع والخمسون ان النبي قدم بالفضائل العلمية في أعلا الولايات الدينية واشرفها وقدم بالعلم بالافضل على غيره فروى مسلم في صحيحه من حديث ابي مسعود البدري عن النبي يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فاقدمهم إسلاما او سنا وذكر الحديث فقدم في الامامة تفضيله العلم علىتقدم الاسلام والهجرة ولما كان

(1/138)


العلم بالقرآن افضل من العلم بالسنة لشرف معلومه على معلوم السنة قدم العلم به ثم قدم العلم بالسنة على تقدم الهجرة وفيه من زيادة العمل ماهو متميز به لكن إنما راعى التقديم بالعلم ثم بالعمل وراعى التقديم بالعلم بالافضل على غيره وهذا يدل على شرف العلم وفضله وإن اهله هم اهل التقدم الى المراتب الدينية الوجه الخامس والخمسون ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه عن النبي انه قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وتعلم القرآن وتعليمه يتناول تعلم حروفه وتعليمها وتعلم معانيه وتعليمها وهو اشرف قسمي علمه وتعليمه فإن المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة اليه فنعلم المعنى وتعليمه تعلم الغاية وتعليمها وتعلم اللفظ المجرد وتعليمه تعلم الوسائل وتعليمها وبينهما كما بين الغايات والوسائل الوجه السادس والخمسون ما رواه الترمذي وغيره في نسخة عمرو ابن الحارث عن دراج عن ابي الهيثم عن ابي سعيد عن النبي قال لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وهذه نسخةمعروفة رواها الناس وساق احمد في المسند أكثرها او كثيرا منها ولهذا الحديث شواهد فجعل النبي النهمة في العلم وعدم الشبع منه من لوازم الايمان واوصاف المؤمنين واخبر ان هذا لا يزال دأب المؤمن حتى دخوله الجنة ولهذا كان أئمة الاسلام إذا قيل لاحدهم الى متى تطلب العلم فيقول الى الممات قال نعيم ابن حماد سمعت عبد الله بن المبارك رضى الله عنه يقول وقد عابه قوم في كثرة طلبه للحديث فقالوا له الى متى تسمع قال إلى الممات وقال الحسين بن منصور الخصاص قلت لاحمد بن حنبل رضى الله عنه الى متى يكتب الرجل الحديث قال الى الموت وقال عبد الله بن محمد البغوي سمعت احمد بن حنبل رضى الله عنه يقول إنما اطلب العلم الى ان ادخل القبر وقال محمد بن إسماعيل الصائغ كنت اصوغ مع ابي ببغداد فمر بنا احمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه فأخذ ابي

(1/139)


بمجامع ثوبه فقال يا ابا عبد الله الا تستحي إلى متى تعدو مع هؤلاء قال إلى الموت وقال عبد الله بن بشر الطالقاني ارجو ان يأتيني أمر ابي والمحبرة بين يدي ولم يفارقني العلم والمحبرة وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث فقلت له ما اشد حرصك على الحديث فقال او ما احب ان اكون في قطار آل رسول الله وقيل لبعض العلماء متى يحسن بالمرء ان يتعلم قال ما حسنت به الحياة وسئل الحسن عن الرجل له ثمانون سنة ايحسن ان يطلب العلم قال إن كان يحسن به ان يعيش الوجه السابع والخمسون ما رواه الترمذي ايضا من حديث إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن ابي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو احق بها قال الترمذي هذا

(1/140)


حديث غريب لانعرفه الا من هذا الوجه وإبراهيم ابن الفضل المديني المخزومي يضعف في الحديث من قبل حفظه وهذا ايضا شاهد لما تقدم وله شواهد والحكمة هي العلم فإذا فقده المؤمن فهو بمنزلة من فقد ضالة نفيسة من نفائسه فإذا وجدها قر قلبه وفرحت نفسه بوجدانها كذلك المؤمن إذا وجد ضالة قلبه وروحه التي هو دائما في طلبها ونشدانها والتفتيش عليها وهذا من احسن الامثلة فإن قلب المؤمن يطلب العلم حيث وجده اعظم من طلب صاحب الضالة لها الوجه الثامن والخمسون قال الترمذي حدثنا ابو كريب حدثنا خلف بن ايوب عن عوف عن ابن سيرين عن ابي هريرة رضى الله عنه عن النبي خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين قال الترمذي هذا حديث غريب ولا يعرف هذا الحديث من حديث عوف الا من حديث هذا الشيخ خلف بن أيوب العامري ولم أر احدا يروى عنه غير ابي كريب محمد بن العلاء ولا أدري كيف هو وهذه شهادة بان من اجتمع فيه حسن السمت والفقه في الدين فهو مؤمن واحرى بهذا الحديث ان يكون حقا وإن كان اسناده فيه جهالة فان حسن السمت والفقه في الدين من اخص علامات الايمان ولن يجمعهما الله في منافق فان النفاق ينافيهما وينافيانه الوجه التاسع والخمسون قال الترمذي حدثنا مسلم ابن حاتم الانصاري حدثنا ابوحاتم البصري حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري عن ابيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال قال انس بن مالك رضى الله عنه قال رسول الله يا بني ان قدرت ان تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لاحد فافعل ثم قال يا بني وذلك من سنتي ومن احيا سنتي فقد احبني ومن احبني كان معي في الجنة وفي الحديث قصة طويلة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ومحمد بن عبد الله الانصاري صدوق وابوه ثقة وعلي بن زيد صدوق الا انه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره سمعت محمد بن بشارة يقول قال ابو الوليد قال شعبة حدثنا على بن زيد وكان رفاعا قال الترمذي ولا يعرف لسعيد من السميب عن انس رواية

(1/141)


الا هذا الحديث بطوله وقد روى عباد المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن انس ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب وذاكرت به محمد بن اسمعيل فلم يعرفه ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن انس هذا الحديث ولا غيره ومات انس سنة ثلاث وتسعين وسعيد بن المسيب سنة خمس وتسعين بعده بسنتين قلت ولهذا الحديث شواهد منها ما رواه الدارمي عبد الله حدثنا محمد بن عيينة عن مروان بن معاوية الفزاري عن كثير ابن عبد الله عن ابيه عن جده ان النبي قال لبلال بن الحارث اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال ما اعلم يا رسول الله قال انه من احيا سنة من سنني قد اميتت بعدي كان له من الاجر مثل من عمل بها من غير ان ينقص من اجورهم شيء ومن ابتدع

(1/142)


بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من اوزار الناس شيئا رواه الترمذي عنه وقال حديث حسن قال ومحمد بن عيينة مصيصي شامي وكثير ابن عبد الله هو ابن عمرو بن عوف المزني وفي حديثه ثلاثة اقوال لاهل الحديث منهم من يصححه ومنهم من يحسنه وهما للترمذي ومنهم من يضعفه ولا يراه حجة كالامام احمد وغيره ولكن هذا الاصل ثابت من وجوه كحديث من دعا الى هدى كان له من الاجر مثل احور من اتبعه وهو صحيح من وجوه وحديث من دل على خير فله مثل اجر فاعله وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره فهذا الاصل محفوظ عن النبي فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات فلا يضر ذكره الوجه الستون ان النبي اوصى بطلبه العلم خيرا وما ذاك الا لفضل مطلوبهم وشرفه قال الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا ابو داود الحفري عن سفيان عن ابي هرون قال كنا نأتي ابا سعيد فيقول مرحبا بوصية رسول الله ان النبي قال ان الناس لكم تبع وان رجالا يأتونكم من اقطار الارض يتفقهون في الدين فإذا اتوكم فاستوصوا بهم خيرا حدثنا قتيبة حدثنا روح بن قيس عن ابي هرون العبدي عن ابي سعيد الخدري عن النبي قال يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فإذا جاؤكم فاستوصوا بهم خيرا فكان ابو سعيد إذا رآنا قال مرحبا بوصية رسول الله قال الترمذي هذا حديث لانعرفه الا من حديث ابي هرون العبدي عن ابي سعيد قال ابو بكر العطار قال علي ابن المديني قال يحيى بن سعيد كان شعبة يضعف ابا هرون العبدي قال يحيى وما زال ابن عوف يروى عن ابي هرون حتى مات وأبو هرون اسمه عمارة بن جوين الوجه الحادي والستون ما رواه الترمذي من حديث ابي داود عن عبد الله بن سنحبرة عن سنحبرة عن النبي قال من طلب العلم كان كفارة لما مضى هذا الاصل لم اجد فيه الا هذا الحديث وليس بشيء فان ابا داود هو نفيع الاعمى غير ثقة ولكن قد تقدم ان العالم يستغفر له من في السموات ومن في الارض وقد رويت آثار

(1/143)


عديدة عن جماعة من الصحابة في هذا المعنى منها ما رواه الثوري عن عبد الكريم عن مجاهد عن ابن عباس ان ملكا موكلا بطالب العلم حتى يرده من حيث ابداه مغفورا له ومنها ما رواه قطر بن خليفة عن ابي الطفيل عن علي ما انتعل عبد قط ولا تخفف ولا لبس ثوبا ليغدو في طلب العلم إلا غفرت ذنوبه حيث يخطو عند باب بيته وقد رواه ابن عدي مرفوعا وقال ليس يرويه عن قطر غير اسمعيل ابن يحيى التميمي قلت وقد رواه اسمعيل بن يحيى هذا عن الثوري حدثنا محمد بن ايوب الجوزجاني عن مجالد عن الشعبي عن الاسود عن عائشة مرفوعا من انتعل ليتعلم خيرا غفر له قبل ان

(1/144)


يخطو وقد رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن قطر عن ابي الطفيل عن علي وهذه الاسانيد وان لم تكن بمفردها حجة فطلب العلم من افضل الحسنات والحسنات يذهبن السيئات فجدير ان يكون طلب العلم ابتغاء وجه الله يكفر ماضي من السيئات فقد دلت النصوص ان اتباع السيئة الحسنة تمحوها فكيف بما هو من افضل الحسنات واجل الطاعات فالعمدة على ذلك لاعلى حديث ابي داود والله اعلم وقد روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ان الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة فإذا سمع العلم خاف ورجع وتاب فانصرف الى منزله وليس عليه ذنب فلاتفارقوا مجالس العلماء الوجه الثاني والستون ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال خرج رسول الله فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقهون ومجلس يدعون الله تعالى ويسألونه فقال كلا المجلسين إلى خير اماهؤلاء فيدعون الله وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل هؤلاء افضل بالتعليم ارسلت ثم قعد معهم الوجه الثالث والستون ان الله تبارك وتعالى يباهي ملائكته بالقوم الذين يتذاكرون العلم ويذكرون الله ويحمدونه علىما من عليهم به منه قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار حدثنا ابو نعامة عن ابي عثمان عن ابي سعيد قال خرج معاوية الى المسجد فقال م يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله عز وجل قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ذلك قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم وما كان احد بمنزلتي من رسول الله اقل حديثا عنه مني ان رسول الله ص عليه وآله وسلم خرج على حلقة من اصحابه قال ما يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للاسلام ومن علينا بك قال الله ما اجلسكم إلا ذلك قالوا الله ما اجلسنا إلا ذلك قال أما إني لم استحلفكم تهمة لكم انه اتاني جبريل فأخبرني ان الله تعالى يباهي بكم الملائكة قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه

(1/145)


وابو نعامة السعدي اسمه عمرو بن عيسى وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر اوصافه وآلائه ويثنون عليه بذلك ويذكرون حسن الإسلام ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومن عليهم برسوله وهذا اشرف علم على الاطلاق ولا يعني به الا الراسخون في العلم فإنه يتضمن معرفة الله وصفاته وافعاله ودينه ورسوله ومحبة ذلك وتعظيمه والفرح به وأحرى بأصحاب هذا العلم ان يباهي الله بهم الملائكة وقد بشر النبي الرجل الذي كان يحب سورة الاخلاص وقال احبها لانها صفة الرحمن عز وجل فقال حبك اياها ادخلك الجنة وفي لفظ آخر اخبروه ان الله يحبه فدل على ان من احب صفات الله احبه الله وأدخله الجنة والجهمية اشد الناس نفرة وتنفيرا عن صفاته ونعوت كماله يعاقبون ويذمون من

(1/146)


يذكرها ويقرؤها ويجمعها ويعتني بها ولهذا لهم المقت والذم عند الامة وعلى لسان كل عالم من علماء الاسلام والله تعالى اشد بغضا ومقتا لهم جزاء وفاقا الوجه الرابع والستون ان افضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة فالله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس وكيف لا يكون افضل الخلق عند الله من جعلهم وسائط بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته وتعريف اسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه ومراضيه ومساخطه وثوابه وعقابه وخصهم بوحيه واختصهم بتفضيله وارتضاهم لرسالته إلى عباده وجعلهم ازكى العالمين نفوسا واشرفهم اخلاقا واكملهم علوما واعمالا واحسنهم خلقة واعظمهم محبة وقبولا في قلوب الناس وبرأهم من كل وصم وعيب وكل خلق دنيء وجعل اشرف مراتب الناس بعدهم مرتبة خلافتهم ونيابتهم في اممهم فانهم يخلفونهم على منهاجهم وطريقهم من نصيحتهم للأمة وارشادهم الضال وتعليمهم الجاهل ونصرهم المظلوم واخذهم على يد الظالم وامرهم بالمعروف وفعله ونهيهم عن المنكر وتركه والدعوة الى الله بالحكمة للمستجيبين والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين والجدال بالتي هي احسن للمعاندين المعارضين فهذه حال اتباع المرسلين وورثه النبيين قال تعالى قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسواء كان المعنى أنا ومن اتبعني على بصيرة وانا ادعو الى الله او المعنى ادعو الى الله على بصيرة والقولان متلازمان فإنه لا يكون من اتباعه حقا إلا من دعا الى الله على بصيرة كما كان متبوعه يفعل فهؤلاء خلفاء الرسل حقا وورثتهم دون الناس وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به علما وعملا وهداية وارشادا وصبرا وجهادا وهؤلاء هم الصديقون وهم افضل اتباع الانبياء ورأسهم وإمامهم الصديق الاكبر ابو بكر رضى الله عنه قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما

(1/147)


فذكر مراتب السعداء وهي اربعة وبدأ باعلاهم مرتبة ثم الذين يلونهم إلى آخر المراتب وهؤلاء الاربعة هم اهل الجنة الذين هم اهلها جعلنا الله منهم بمنه وكرمه الوجه الخامس والستون ان الانسان إنما يميز على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلا منه واقوى بطشا وأكثر جماعا واولادا واطول اعمارا وإنما ميز على الدواب والحيوانات بعلمه وبيانه فإذا عدم العلم بقى معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شرا منهم كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون فهؤلاء هم الجهال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أي ليس عندهم محل قابل للخير ولو كان محلهم قابلا للخير لاسمعهم أي

(1/148)


لافهمهم والسمع ههنا سمع فهم والا فسمع الصوت حاصل لهم وبه قامت حجة الله عليهم قال تعالى ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون وسواء كان المعنى ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب إلا اصواتا مجردة او كان المعنى ومثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق بها فلا تسمع الا صوت الدعاء والنداء فالقولان متلازمان بل هما واحد وإن كان التقدير الثاني اقرب إلى اللفظ وأبلغ في المعنى فعلى التقديرين لم يحصل لهم من الدعوة إلا الصوت الحاصل للأنعام فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الانسانية التي يميز بها صاحبها عن سائر الحيوان والسمع يراد به ادراك الصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به القبول والاجابة والثلاثة في القرآن فمن الاول قوله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير وهذا اصرح ما يكون في إثبات صفة السمع ذكر الماضي والمضارع واسم الفاعل سمع ويسمع وهو سميع وله السمع كما قالت عائشة رضى الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وأنا في جانب البيت وأنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها والثاني سمع الفهم كقوله ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم أي لافهمهم ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون لما في قلوبهم من الكبر والاعراض عن قبول الحق ففيهم آفتان إحداهما انهم لا يفهمون الحق لجهلهم ولو فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم وهذا غاية النقص والعيب والثالث سمع القبول والاجابة كقوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم أي قابلون مستجيبون ومنه قوله سماعون للكذب أي قابلون له مستجيبون لاهله ومنه قول المصلى سمع الله لمن حمده

(1/149)


أي اجاب الله حمد من حمده ودعاء من دعاه وقول النبي إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم أي يجيبكم والمقصود ان الانسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيرا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الانسان الجاهل الوجه السادس والستون إن العلم حاكم علىما سواه ولا يحكم عليه شيء فكل شيء اختلف في وجوده وعدمه وصحته وفساده ومنفعته ومضرته ورجحانه ونقصانه وكماله ونقصه ومدحه وذمه ومرتبته في الخير وجودته ورداءته وقربه وبعده وإفضائه إلىمطلوب كذا وعدم إفضائه وحصول المقصود به وعدم حصوله إلى سائر جهات المعلومات فإن العلم حاكم على ذلك كله فإذا حكم العلم انقطع النزاع ووجب الاتباع وهو الحاكم على الممالك والسياسات والاموال

(1/150)


والاقلام فملك لا يتأيد بعلم لا يقوم وسيف بلا علم مخراق لاعب وقلم بلا علم حرمة حركةعابث والعلم مسلط حاكم على ذلك كله ولا يحكم شيء من ذلك على العلم وقد اختلف في تفضيل مداد العلماء على دم الشهداء وعكسه وذكر لكل قول وجوه من التراجيح والادلة ونفس هذا النزاع دليل على تفضيل العلم ومرتبته فإن الحاكم في هذه المسئلة هو العلم فيه واليه وعنده يقع التحاكم والتخاصم والمفضل منهما من حكم له بالفضل فإن قيل فكيف يقبل حكمه لنفسه قيل وهذا ايضا دليل على تفضيله وعلو مرتبته وشرفه فإن الحاكم إنما لم يسغ ان يحكم لنفسه لاجل مظنة التهمة والعلم تلحقه تهمة في حكمه لنفسه فإنه إذا حكم حكم بما تشهد العقول والنظر بصحته وتتلقاه بالقبول ويستحيل حكمه لتهمة فإنه إذا حكم بها انعزل عن مرتبته وانحط عن درجته فهو الشاهد المزكي العدل والحاكم الذي لا يجور ولا يعزل فإن قيل فماذا حكمه في هذه المسئلة التي ذكرتموها قيل هذه المسئلة كثر فيها الجدال واتسع المجال وأدلى كل منهما بحجته واستعلى بمرتبته والذي يفصل النزاع ويعيد المسالة إلىمواقع الاجماع الكلام في أنواع مراتب الكمال وذكر الافضل منهما والنظر في أي هذين الامرين اولى به واقرب اليه فهذه الاصول الثلاثة تبين الصواب ويقع بها فصل الخطاب فاما مراتب الكمال فاربع النبوة والصديقية والشهادة والولاية وقد ذكرها الله سبحانه في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما وذكر تعالى هؤلاء الاربع في سورة الحديد فذكر تعالى الايمان به وبرسوله ثم ندب المؤمنين الى ان تخشع قلوبهم لكتابه ووحيه ثم ذكر مراتب الخلائق شقيهم وسعيدهم فقال إن المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم اجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداءعند ربهم لهم اجرهم ونورهم والذين

(1/151)


كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم وذكر المنافقين قبل ذلك فاستوعبت هذه الاية اقسام العباد شقيهم وسعيدهم والمقصود انه ذكر فيها المراتب الاربعة الرسالة والصديقية والشهادة والولاية فأعلا هذه المراتب النبوة والرسالة ويليها الصديقية فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم اعلا الدرجات بعد النبوة فإن جرى قلم العالم بالصديقية وسال مداده بها كان افضل من دم الشهيد الذي لم يحلقه في رتبة الصديقية وان سال دم الشهيد بالصديقية وقطر عليها كان افضل من مداد العالم الذي قصر عنها فافضلهما صديقهما فان استويا في الصديقية استويا في المرتبة والله اعلم والصديقية هي كمال الايمان بما جاء به الرسول علما وتصديقا وقياما فهي راجعة إلى نفس العلم فكل من كان اعلم بما جاء به الرسول واكمل تصديقا له كان اتم صديقية فالصديقية شجرة اصولها العلم وفروعها التصديق وثمرتها العمل فهذه كلمات

(1/152)


جامعة في مسئلة العالم والشهيد وايهما افضل الوجه السابع والستون ان النصوص النبوية قد تواترت بان افضل الاعمال إيمان بالله فهو رأس الامر والاعمال بعده على مراتبها ومنازلها والايمان له ركنان احدهما معرفة ما جاء به الرسول والعلم به والثاني تصديقه بالقول والعمل والتصديق بدون العلم والمعرفة محال فإنه فرع العلم بالشيء المصدق به فإذا العلم من الايمان بمنزلة الروح من الجسد ولاتقوم شجرة الايمان الا على ساق العلم والمعرفة فالعلم إذا اجل المطالب واسنى المواهب الوجه الثامن والستون ان صفات الكمال كلها ترجع إلى العلم والقدرة والارادة والارادة فرع العلم فإنهاتستلزم الشعور بالمراد فهي مفتقرة إلى العلم في ذاتها وحقيقتها والقدرة لا تؤثر إلا بواسطة الارادة والعلم لايفتقر في تعلقه بالمعلوم إلى واحدة منهما وأما القدرة وإلارادة فكل منها يفتقر في تعلقه بالمراد والمقدور إلى العلم وذلك يدل على فضيلته وشرف منزلته الوجه التاسع والستون ان العلم اعم الصفات تعلقا بمتعلقه واوسعها فإنه يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل والجائز والموجود والمعدوم فذات الرب سبحانه وصفاته واسماؤه معلومة له ويعلم العباد من ذلك ما علمهم العليم الخبير وأما القدرة والارادة فكل منهما خاص التعلق اما القدرة فإنما تتعلق بالممكن خاصة لابالمستحيل ولا بالواجب فهي اخص من العلم من هذا الوجه وأعم من الارادة فإن الارادة لاتتعلق الا ببعض الممكنات وهو ما أريد وجوده فالعلم اوسع وأعم وأشمل في ذاته ومتعلقه الوجه السبعون ان الله سبحانه اخبر عن اهل العلم بأنه جعلهم ائمة يهدون بأمره وياتم بهم من بعدهم فقال تعالى وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا يآياتنا يوقنون وقال في موضع آخر والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين إماما أي ائمة يقتدى بنا من بعدنا فأخبر سبحانه ان بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين وهي ارفع

(1/153)


مراتب الصديقين واليقين هو كمال العلم وغايته فبتكميل مرتبة العلم تحصل إمامة الدين وهي ولاية آلتها العلم يختص الله بها من يشاء من عباده الوجه الحادي والسبعون ان حاجة العباد إلى العلم ضرورية فوق حاجة الجسم إلى الغذاء لان الجسم يحتاج إلى الغذاء في اليوم مرة او مرتين وحاجة الانسان إلى العلم بعدد الانفاس لان كل نفس من انفاسه فهو محتاج فيه إلى ان يكون مصاحبا لايمان او حكمة فإن فارقه الايمان او حكمة في نفس من انفاسه فقد عطب وقرب هلاكه وليس إلى حصول ذلك سبيل إلا بالعلم فالحاجة إليه فوق الحاجة إلى الطعام والشراب وقد ذكر الامام احمد هذا المعنى بعينه فقال الناس احوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لان الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة او مرتين والعلم يحتاج اليه كل وقت الوجه الثاني والسبعون إن صاحب العلم اقل تعبا وعملا وأكثر اجرا واعتبر هذا بالشاهد فإن الصناع والإجراء يعانون

(1/154)


الاعمال الشاقة بأنفسهم والاستاذ المعلم يجلس بأمرهم وينهاهم ويريهم كيفية العمل ويأخذ اضعاف ما يأخذونه وقد اشار النبي إلى هذا المعنى حيث قال افضل الاعمال إيمان بالله ثم الجهاد فالجهاد فيه بذل النفس وغاية المشقة والايمان علم القلب وعمله وتصديقه وهو افضل الاعمال مع ان مشقة الجهاد فوق مشقته باضعاف مضاعفة وهذا لان العلم يعرف مقادير الاعمال ومراتبها وفاضلها من مفضولها وراجحها من مرجوحها فصاحبه لا يختار لنفسه الا افضل الاعمال والعامل بلا علم يظن ان الفضيلة في كثرة المشقة فهو يتحمل المشاق وإن كان ما يعانيه مفضولا ورب عمل فاضل والمفضول اكثر مشقة منه واعتبر هذا بحال الصديق فإنه افضل الامة ومعلوم ان فيهم من هو اكثر عملا وحجا وصوما وصلاة وقراءة منه قال ابو بكر بن عياش ما سبقكم ابو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه وهذا موضوع المثل المشهور من لي بمثل سيرك المدلل تمشى رويدا وتجي في الاول الوجه الثالث والسبعون ان العلم إمام العمل وقائد له والعمل تابع له ومؤتم به فكل عمل لا يكون خلف العلم مقتديا به فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه كما قال بعض السلف من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح وألاعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له فالعمل الموافق للعلم هو المقبول والمخالف له هو المردود فالعلم هو الميزان وهو المحك قال تعالى هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهو العزيز الغفور قال الفضيل بن عياض هو اخلص العمل واصوبه قالوا يا ابا علي ما اخلصه واصوبه قال ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا فالخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة وقد قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الاعمال سواه

(1/155)


وهو ان يكون موافقا لسنة رسول الله مرادا به وجه الله ولا يتمكن العامل من الاتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم فإنه إن لم يعلم ما جاء به الرسول لم يمكنه قصده وإن لم يعرف معبوده لم يمكنه إرادته وحده فلولا العلم لما كان عمله مقبولا فالعلم هو الدليل على الاخلاص وهو الدليل على المتابعة وقد قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين واحسن ما قيل في تفسير الاية إنه إنما يتقبل الله عمل من اتقاه في ذلك العمل وتقواه فيه ان يكون لوجهه علىموافقة امره وهذا إنما يحصل بالعلم وإذا كان هذا منزلة العلم وموقعه علم انه اشرف شيء واجله وافضله والله أعلم الوجه الرابع والسبعون ان العامل بلا علم كالسائر بلا دليل ومعلوم ان عطب مثل هذا اقرب من سلامته

(1/156)


وان قدر سلامته اتفاقا نادرا فهو غير محمود بل مذموم عند العقلاء وكان شيخ الاسلام ابن تيمية يقول من فارق الدليل ضل السبيل ولا دليل إلا بما جاء به الرسول قال الحسن العامل على غير علم كالسالك على غير طريق والعامل على غير علم ما يفسد اكثر مما يصلح فاطلبوا اللم طلبا لا تضروا بالعبادة واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بالعلم فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حى خرجوا بأسيافهم على امة محمد ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا والفرق بين هذا وبين ما قبله ان العلم مرتبته في الوجه الاول مرتبة المطاع المتبوع المقتدى به المتبع حكمه المطاع امره ومرتبته فيه فيهذا الوجه مرتبة الدليل المرشد الى المطلوب الموصل إلى الغاية الوجه الخامس والسبعون ان النبي ثبت في الصحيحين عنه انه كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم وفي بعض السنن انه كان يكبر تكبيرة الاحرام في صلاة الليل ثم يدعو بهذا الدعاء والهداية هي العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره فالمهتدي هو العامل بالحق المريد له وهي اعظم نعمة لله على العبد ولهذا امرنا سبحانه ان نسأله هداية الصراط المستقيم كل يوم وليلة في صلواتنا الخمس فإن العبد محتاج الى معرفة الحق الذي يرضى الله في كل حركة غاهرة وباطنة فإذا عرفها فهو محتاج إلىمن يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه ثم إلى من يقدره على فعله ومعلوم ان ما يجهله العبد اضعاف اضعاف ما يعلمه وإن كل ما يعلم انه حق لا تطاوعه نفسه على غرادته ولو اراده لعجز عن كثير منه فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي وبالحال والمستقبل أما الماضي فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه وهل وقع على السداد فيشكر الله عليه ويستديمه ام خرج فيه عن الحق فيتوب إلى الله تعالى منه ويتسغفره

(1/157)


ويعزم على ان لا يعود وأما الهداية في الحال فهي مطلوبة منه فإنه ابن وقته فيحتاج ان يعلم حكم ما هو متلبس به من الافعال هل هو صواب ام خطأ وأما المستقبل فحاجته في الهداية اظهر ليكون سيره على الطريق وإذا كان هذا شأن الهداية علم ان العبد اشد شيء اضطرارا اليها وان ما يورده بعض الناس من السؤال الفاسد وهي انا إذا كنا مهتدين فأي حاجة بنا ان نسأل الله ان يهدينا وهل هذا الا تحصيل الحاصل افسد سؤال وابعده عن الصواب وهو دليل على ان صاحبه لم يحصل معنى الهداية ولا احاط علما بحقيقتها ومسماها فلذلك تكلف من تكلف الجواب عنه بان المعنى ثبتنا على الهداية وادمها لنا ومن احاط علما بحقية الهداية وحاجة العبد اليها علم ان الذي لم يحصل له منها اضعاف ما حصل له انه كل وقت محتاج إلىهدايةمتجددة لاسيما والله تعالىخالق افعال القلوب والجوارح فهو كل وقت محتاج ان يخلق الله له هداية

(1/158)


خاصة ثم ان لم يصرف عنه الموانع والصوارف التي تمنع موجب الهداية وتصرفها لم ينتفع بالهداية ولم يتم مقصودها له فإن الحكم لا يكفي فيه وجود مقتضيه بل لا بد مع ذلك من عدم مانعه ومنافيه ومعلوم ان وساوس العبد وخواطره وشهوات الغي في قلبه كل منها مانع وصول اثر الهداية اليه فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدى تاما فحاجاته إلى هداية الله له مقرونة بانفاسه وهي اعظم حاجة للعبد وذكر النبي في الدعاء العظيم القدر من اوصاف الله وربوبيته ما يناسب المطلوب فان فطر السموات والارض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها فذكر كونه فاطر السموات والارض والمطلوب تعليم الحق والتوفيق له فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة وان من هو بكل شيء عليم جدير ان يطلب منه عبده ان يعلمه ويرشده ويهديه وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه وسعة كرمه ان يعطى عبده شيئا من ماله والتوسل إلى الغفور بسعة مغفرته ان يغفر لعبده ويعفوه ان يعفو عنه وبرحمته ان يرحمه ونظائر ذلك وذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل وهذا والله اعلم لان المطلوب هدى يحيا به القلب وهؤلاء الثلاثة الاملاك قد جعل الله تعالى على ايديهم اسباب حياة العباد اما جبريل فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الانبياء وهو سبب حياة الدنيا والاخرة واما ميكائيل فهو موكل بالقطر الذي به سبب حياة كل شيء واما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور فيحيى الله الموتى بنفخته فإذا هم قيام لرب العالمين والهداية لها اربع مراتب وهي مذكورة في القرآن المرتبة الاولى الهداية العامة وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والادمي لمصالحه التي بها قام امره قال الله تعالى سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى فذكر امورا اربعة الخلق والتسوية والتقدير والهداية فسوى خلقه واتقنه وأحكمه ثم قدر له اسباب مصالحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته وهداه اليها والهداية تعليم فذكر انه

(1/159)


الذي خلق وعلم كما ذكر نظير ذلك في أول سورة انزلها على رسوله وقد تقدم ذلك وقال تعالى حكاية عن عدوه فرعون انه قال لموسى فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى وهذه المرتبة اسبق مراتب الهداية وأعمها المرتبة الثانية هداية البيان والدلالة التي أقام بها حجته على عباده وهذه لا تستلزم الاهتداء التام قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى يعني بينا لهم ودللناهم وعرفناهم فآثروا الضلالة والعمى وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وهذه المرتبة اخص من الاولى وأعم من الثانية وهي هدى التوفيق والالهام قال الله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فعم بالدعوة خلقه وخص بالهداية من شاء منهم قال تعالى

(1/160)


إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء مع قوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فاثبت هداية الدعوة والبيان ونفي هداية التوفيق والامام وقال النبي في نشهد الحاجة من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وقال تعالى إن تحرص على هداهم فإن الله لايهدي من يضل أي من يضله الله لايهتدي أبدا وهذه الهداية الثالثة هي الهداية الموجبة المستلزمة للاهتداء واما الثانية فشرط لاموجب فلا يستحيل تخلف الهدى عنها بخلاف الثالثة فإن تخلف الهدى عنها مستحيل المرتبة الرابعة الهداية في الاخرة إلى طريق الجنة والنار قال تعالى احشرواالذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم واما قول اهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فيحتمل ان يكونوا ارادوا الهداية إلى طريق الجنة وأن يكونوا ارادوا الهداية في الدنيا التي اوصلتهم إلى دار النعيم ولو قيل إن كلا الأمرين مراد لهم وانهم حمدوا الله على هدايته لهم في الدنيا وهدايتهم إلى طريق الجنة كان احسن وابلغ وقد ضرب الله تعالى لمن لم يحصل له العلم بالحق واتباعه مثلا مطابقا لحاله فقال تعالى قل اندعو من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له اصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين الوجه السادس والسبعون ان فضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته وتارةمن شدة الحاجة اليه وعدم الاستغناء عن وتارةمن ظهور النقص والشر بفقده وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده لكونه محبوبا ملائما فادراكه يعقب غاية اللذة وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وشرف علته الغائية وافضاله إلى اجل المطالب وهذه الوجوه ونحوها تنشأ وتظهر من متعلقة فإذا كان في نفسه كمالا وشرفا بقطع النظر عن متعلقاته جمع جهات الشرف والفضل في نفسه

(1/161)


ومتعلقاته ومعلوم ان هذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم فإنه أعم شيء نفعا واكثره وادومه والحاجة اليه فوق الحاجة إلى الغذاء بل فوق الحاجة إلى التنفس إذ غاية مايتصور من فقدهما فقد حياة الجسم وأما فقد العلم ففيه فقد حياة القلب والروح فلا غنى للعبد عنه طرفة عين ولهذا إذا فقد من الشخص كان شرا من الحمير بل كان شرا من الدواب عند الله ولا شيء انقص منه حينئذ وأما حصول اللذة والبهجة بوجوده فلأنه كمال في نفسه وهو ملائم غاية الملاءمة للنفوس فان الجهل مرض ونقص وهو في غاية الايذاء والايلام للنفس ومن لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفقد حسه ونفسه وما لجرح ميت إيلام فحصوله للنفس إدراك منها لغاية محبوبها واتصال به وذلك غاية لذتها وفرحتها وهذا بحسب المعلوم في نفسه ومحبة النفس له ولذتها بقربه والعلوم والمعلومات

(1/162)


متفاوته في ذلك اعظم التفاوت وابينه فليس علم النفوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبته والتقرب اليه كعلمها بالطبيعة واحوالها وعوارضه وصحتها وفسادها وحركاتها وهذا بتبين بالوجه السابع والسبعين وهو ان شرف العلم تابع لشرف معلومه لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلىمعرفته وعظم النفع بها ولا ريب ان اجل معلوم وأعظمه واكبره فهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين وقيوم السموات والارضين الملك الحق المبين الموصوف بالكمال كله المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تمثيل وتشبيه في كماله ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته وافعاله اجل العلوم وافضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات وكما ان العلم به اجل العلوم واشرفها فهو اصلها كلها كما ان كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به اصل كل علم كما انه سبحانه رب كل شيء ومليكه وموجده ولا ريب ان كمال العلم بالسبب التام وكونه سببا يستلزم العلم بمسببه كما ان العلم بالعلة التامة ومعرفة كونها علة يستلزم العلم بمعلوله وكل موجود سوى الله فهو مستند في وجوده اليه استناد المصنوع إلى صانعه والمفعول الى فاعله فالعلم بذاته سبحانه وصفاته وافعاله يستلزم العلم بما سواه فهو في ذاته رب كل شيء ومليكه والعلم به اصل كل علم ومنشؤه فمن عرف الله عرف ما سواه ومن جهل ربه فهو لما سواه اجهل قال تعالى ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم انفسهم فتأمل هذه الاية تجد تحتها معنى شريفا عظيما وهو ان من نسى ربه انساه ذاته ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه بل نسى ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار معطلا مهملا بمنزلة الانعام السائبة بل ربما كانت الانعام اخبر بمصالحها منه لبقائها هداها الذي اعطاها إياه خالقها وأما هذا فخرج عن فطرته التي خلق عليها فنسى ربه

(1/163)


فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكوبه وتسعد به في معاشها ومعادها قال الله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه امره وقلبه فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه بل هو مشتت القلب مضيعه مفرط الامر حيران لايهتدي سبيلا والمقصود ان العلم بالله اصل كل علم وهو اصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به فالعلم به سعادة العبد والجهل به اصل شقاوته يزيده ايضاحا الوجه الثامن والسبعون انه لا شيء اطيب للعبد ولا الذ ولا اهنأ ولا انعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته وهذا هو الكمال الذي لاكمال للعبد بدونه وله خلق الخلق ولاجله نزل الوحي وارسلت الرسل وقامت السموات والارض ووجدت الجنة والنار ولاجله شرعت الشرائع

(1/164)


ووضع البيت الحرام ووجب حجه على الناس إقامة لذكره الذي هو من توابع محبته والرضا به وعنه ولاجل هذا امر بالجهاد وضرب اعناق من اباه وآثر غيره عليه وجعل له في الاخرة دار الهوان خالدا مخلدا وعلى هذا الامر العظيم اسست الملة ونصبت القبلة وهو قطب رحى الخلق والامر الذي مدارهما عليه ولاسبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به واعرف الخلق بالله اشدهم حبا له فكل من عرف الله احبه ومن عرف الدنيا واهلها زهد فيهم فالعلم يفتح هذا الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الوجه التاسع والسبعون ان اللذة بالمحبوب تضعف وتقوى بحسب قوة الحب وضعفه فكلما كان الحب اقوى كانت اللذة اعظم ولهذا تعظم لذة الظمآن بشرب الماء البارد بحسب شدة طلبه للماء وكذلك الجائع وكذلك من احب شيئا كانت لذته على قدر حبه إياه والحب تابع للعلم بالمحبوب ومعرفة جماله الظاهر والباطن فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوة حبه وإرادته وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله فإذا العلم هو اقرب الطرق إلى اعظم اللذات وسيأتي تقرير هذا فيما بعد ان شاء الله تعالى الوجه الثمانون ان كل ما سوى الله يفتقر الى العلم لاقوام له بدونه فإن الوجود وجودان وجود الخلق ووجود الامر والخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته فكل ماضمه الوجود من خلقه وامره صادر عن علمه وحكمته فما قامت السموات والارض وما بينهما الا بالعلم ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولاعبد الله وحده وحمد واثنى عليه ومجد إلا بالعلم ولاعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم ولاعرف فضل الاسلام على غيره الا بالعلم واختلف هنا في مسئلة وهي ان العلم صفة فعلية او انفعالية فقالت طائفة هو صفة فعليه لانه شرط او جزء وسبب في وجود المفعول فإن الفعل الاختياري يستدعي حياة الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته ولا يتصور وجوده بدون هذه الصفات وقالت طائفة هو

(1/165)


انفعالي فإنه تابع للمعلوم متعلق به على ما هو عليه فإن العالم يدرك المعلوم على ما هو به فادراكه تابع له فكيف يكون متقدما عليه والصواب ان العلم قسمان علم فعلى وهو علم الفاعل المختار بما يريد ان يفعله فإنه موقوف على ارادته الموقوفة على تصوره المراد وعلمه به فهذا علم قبل الفعل متقدم عليه مؤثر فيه وعلم انفعالي وهو العلم التابع للمعلوم الذي لا تأثير له فيه كعلمنا بوجود الانبياء والامم والملوك وسائر الموجودات فإن هذا العلم لا يؤثر في المعلوم ولا هو شرط فيه فكل من الطائفتين نظرت جزئيا وحكمت كليا وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس وكلا القسمين من العلم صفة كمال وعدمه من اعظم النقص يوضحه الوجه الحادي والثمانون ان فضيلة الشيء تعرف بضده فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها نتبين الاشياء ولا ريب ان الجهل اصل كل فساد وكل ضرر يلحق العبد في دنياه واخراه فهو نتيجة

(1/166)


الجهل والا فمع العلم التام بان هذا الطعام مثلا مسموم من اكله قطع امعاءه في وقت معين لا يقدم على اكله وان قدر انه قدم عليه لغلبة جوع او استعجال وفاة فهو لعلمه بموافقة اكله لمقصوده الذي هو احب اليه من العذاب بالجوع او بغيره وهنا اختلف في مسئلة عظيمة وهي ان العلم هل يستلزم الاهتداء ولا يتخلف عنه الهدى إلا لعدم العلم اونقصه والا فمع المعرفة الجازمة لا يتصور الضلال وانه لا يستلزم الهدى فقد يكون الرجل عالما وهو ضال على عمد هذا مما اختلف فيه المتكلمون وارباب السلوك وغيرهم فقالت فرقة من عرف الحق معرفة لا يشك فيها استحال ان لا يهتدي وحيث ضل فلنقصان علمه واحتجوا من النصوص بقوله تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل اليك وما انزل من قبلك فشهد تعالى لكل راسخ في العلم بالايمان وبقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وبقوله تعالى ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق وبقوله تعالى شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة واولو العلم وبقوله تعالى افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمى قسم الناس قسمين احدهما العلماء بان ما انزل اليه من ربه هوالحق والثاني العمى فدل على انه لا واسطة بينهما وبقوله تعالى في وصف الكفار صم بكم عمي فهم لا يعقلون وبقوله وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون وبقوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة وهذه مدارك العلم الثلاث قد فسدت عليهم وكذلك قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقوله واضله الله على علم قال سعيد بن جبير على علمه تعالى فيه قال الزجاج أي على ما سبق في علمه تعالى انه ضال قبل ان يخلقه وختم على سمعه أي طبع عليه فلم يسمع الهدى وعلى قلبه فلم يعقل الهدى وعلى بصره غشاوة فلا يبصر اسباب الهدى وهذا في

(1/167)


القرآن كثير مما يبين فيه منافاة الضلال للعلم ومنه قوله تعالى ومنهم من يستمع اليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا اللذين اوتو العلم ماذا قال آنفا اولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلو كانوا علموا ما قال الرسل لم يسألوا اهل العلم ماذا قال ولما كان مطبوعا على قلوبهم وقال تعالى والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات وقال تعالى قل آمنوا به أولا تؤمنوا أن الذين اوتو العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا فهذه شهادة من الله تعالى لاولى العلم بالايمان به وبكلامه وقال تعالى عن اهل النار وقالوا لو كنا نسمع اونعقل ما كنا في اصحاب السعير فدل على ان اهل الضلال لاسمع لهم ولا عقل وقال تعالى وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون اخبر تعالى أنه لا

(1/168)


يعقل امثاله الا العالمون والكفار لا يدخلون في مسمى العالمين فهم لا يعقلونها وقال تعالى بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم فمن يهدي من اضل الله وقال تعالى وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله او تأتينا آية وقال تعالى قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ولو كان الضلال بجامع العلم لكان الذين لا يعلمون احسن حالا من الذين يعلمون والنص بخلافه والقرآن مملوء بسلب العلم والمعرفة عن الكفار فتارة يصفهم بانهم لايعلمون وتارة بأنهم لا يعقلون وتارة بانهم لا يشعرون وتارة بانهم لا يفقهون وتارة بأنهم لا يسمعون والمراد بالسمع المنفي سمع الفهم وهو سمع القلب لا إدراك الصوت وتارة بأنهم لا يبصرون فدل ذلك كله على ان الكفر مستلزم للجهل مناف للعلم لا يجامعه ولهذا يصف سحبانه الكفار بانهم جاهلون كقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقوله تعالى وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لانبتغي الجاهلين وقوله تعالى خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين وقال النبي لما بلغ قومه من اذاه ذلك المبلغ اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون وفي الصحيحين عنه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فدل على ان الفقه مستلزم لارادة الله الخير في العبد ولا يقال الحديث دل على ان من اراد الله به خيرا فقهه في الدين ولا يدل على ان كل من فقهه في الدين فقد اراد به خيرا وبينهما فرق ودليلكم انما يتم بالتقدير الثاني والحديث لا يقتضيه لانا نقول النبي جعل الفقه في الدين دليلا وعلامة على ارادة الله بصاحبه خيرا والدليل يستلزم المدلول ولا يتخلف عنه فإن المدلول لازمه ووجود الملزوم بدون لازمه محال وفي الترمذي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يجتمعان في منافق حسن سمت وفقه في الدين فجعل الفقه في الدين منافيا للنفاق بل لم يكن السلف يطلقون

(1/169)


اسم الفقه الاعلى العلم الذي يصحبه العمل كما سئل سعد بن إبراهيم عن افقه اهل المدينة قال اتقاهم وسال فرقد السنجي الحسن البصري عن شيء فاجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن ثكلتك امك فريقد وهل رأيت بعينيك فقيها إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الاخرة البصيربدينه المداوم على عبادة ربه الذي لا يهمز من فوقه ولا يسخر بمن دونه ولا يبتغى على علم علمه الله تعالى اجرا وقال بعض السلف ان الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم مكر الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ماسواه وقال ابن مسعود رضى الله عنه كفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا قالوا فهذا القرآن والسنة واطلاق السلف من الصحابة والتابعين يدل على ان العلم والمعرفة مستلزم للهداية وان عدم الهداية دليل على الجهل وعدم العلم قالوا ويدل عليه ان الانسان ما دام عقله معه لا يؤثر هلاك

(1/170)


نفسه على نجاتها وعذابها العظيم الدائم على نعيمها المقيم والحسن شاهد بذلك ولهذا وصف الله سبحانه اهل معصيته بالجهل في قوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما قال سفيان الثوري كل من عمل ذنبا من خلق الله فهو جاهل كان جاهلا اوعالما ان كان عالما فمن اجهل منه وان كان لا يعلم فمثل ذلك وقوله ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما قال قبل الموت وقال ابن عباس رضى الله عنهما ذنب المؤمن جهل منه قال فتادة اجمع اصحاب رسول الله ان كل شيء عصى الله فيه فهو جهالة وقال السدى كل من عصى الله فهو جاهل قالوا ويدل على صحة هذا ان مع كمال العلم لاتصدر المعصية من العبد فإنه لو رأى صبيا يتطلع عليه من كوة لم تتحرك جوارحه لمواقعة الفاحشة فكيف يقع منه حال كمال العلم بنظر الله اليه ورؤيته له وعقابه على الذنب وتحريمه له وسوء عاقبته فلا بد من غفلة القلب على هذا العلم وغيبته عنه فحينئذ يكون وقومه في المعصية صادرا عن جهل وغفلة ونسيان مضاد للعلم والذنب محفوف بجهلين جهل بحقيقة الاسباب الصارفة عنه وجهل بحقيقة المفسدة المترتبة عليه وكل واحد من الجهلين تحته جهالات كثيرة فما عصى الله إلا بالجهل وما اطيع الا بالعلم فهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة وقالت الطائفة الاخرى العلم لا يستلزم الهداية وكثيرا ما يكون الضلال عن عمد وعلم لا يشك صاحبه فيه بل يؤثر الضلال والكفر وهو عالم بقبحه ومفسدته قالوا وهذا شيخ الضلال وداعي الكفر وإمام الفجرة إبليس عدو الله قد علم امر الله له بالسجود لادم ولم يشك فيه فخالفه وعاند الامر وباء بلعنة الله وعذابه الدائم مع علمه بذلك ومعرفته به واقسم له بعزته انه يغوى خلقه اجمعين الاعباده منهم المخلصين فكان غير شاك في الله وفي وحدانيته وفي البعث الآخر وفي الجنة والنار ومع ذلك اختار الخلود في

(1/171)


النار واحتمال لعنة الله وغضبه وطرده من سمائه وجنته عن علم بذلك ومعرفة لم يحصل لكثير من الناس ولهذا قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون وهذا اعتراف منه بالبعث وقرار به وقد علم قسم ربه ليملأن جهنم منه ومن اتباعه فكان كفره كفر عناد محض لا كفر جهل وقال تعالى إخبارا عن قوم ثمود وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى يعني بينا لهم وعرفناهم فعرفوا الحق وتيقنوه وآثروا العمى عليه فكان كفر هؤلاء عن جهل وقال تعالىحاكيا عن موسى إنه قال لفرعون لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا أي هالكا على قراءة من فتح التاء وهي قراءة الجمهور وضمها الكسائي وحده وقراءة الجمهور احسن واوضح وافخم معنى وبها تقوم الدلالة ويتم الالزام بتحقق كفر فرعون وعناده ويشهد

(1/172)


لها قوله تعالى إخبارا عنه وعن قومه فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقابة المفسدين فاخبر سبحانه ان تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين وهو اقوى العلم ظلما منهم وعلوا لا جهلا وقال تعالى لرسوله قد نعلم انه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون يعني انهم قد عرفوا صدقك وانك غير كاذب فيما تقول ولكن عاندوا وجحدوا بالمعرفة قاله ابن عباس رضى الله عنهما والمفسرون قال قتادة يعلمون انك رسول ولكن يجحدون قال تعالى وجحدوا بها واستقينتها انفسهم ظلماوعلوا وقال تعالى يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وانتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وانتم تعلمون يعني تكفرون بالقرآن وبمن جاء به وانتم تشهدون بصحته وبانه الحق فكفركم كفر عناد وجحود عن علم وشهود لاعن جهل وخفاء وقال تعالى عن السحرة من اليهود ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق أي علموا من اخذ السحر وقبله لا نصيب له في الاخرة ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترونه ويقبلونه ويتلعمونه وقال تعالى الذين آتياناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم ذكر هذه المعرفة عن اهل الكتاب في القبلة كما في سورة البقرة وفي التوحيد كقوله في الانعام ائنكم لتشهدون انالله آلهة اخرى قل لا اشهد قل إنما هو إله واحد وانني بريء مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وفي الكتاب انه منزل من عند الله لقوله تعالى والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق وقال تعالى كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين قال ابن عباس رضى الله عنهما هم قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي بعد ان كانوا قبل مبعثه مؤمنين به وشهدوا له بالنبوة وإنما كفروا بغيا وحسدا قال

(1/173)


الزجاج اعلم الله عز وجل انه لاجهة لهدايتهم لانهم قد استحقوا ان يضلوا بكفرهم لانهم كفروا بعد البينات ومعنى كيف يهديهم أي انه لا يهديهم لان القوم عرفوا الحق وشهدوا به وتيقنوه وكفروا عمدا فمن اين تأتيهم الهداية فإن الذي ترتجى هدايته من كان ضالا ولا يدرى انه ضال بل يظن انه على هدى فإذا عرف الهدى اهتدى وأما من عرف الحق وتيقنه وشهد به قلبه ثم اختار الكفر والضلال عليه فكيف يهدي الله مثل هذا وقال تعالى عن اليهود فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ثم قال بئسما اشتروا به انفسهم ان يكفروا بما انزل الله بغيا ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يكن كفرهم شكا ولا اشتباها ولكن بغيا منهم حيث صارت النبوة في ولد اسماعيل ثم قال بعد ذلك ولما جاءهم رسول

(1/174)


من عند الله مصدق لمامعهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون فلما شبههم في فعلهم هذا بمن لا يعلم دل على انهم بنذوه عن علم كفعل من لا يعلم تقول إذا خاطبت من عصاك عمدا كانك لم تعلم ما فعلت او كانك لم تعلم بنهي إياك ومنه على احد القولين قوله تعالى فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون قال السدى يعنى محمدا واختاره الزجاج فقال يعرفون أن امر محمد حق ثم ينكرون ذلك وأول الاية يشهد لهذا القول وقال تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعهالشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب قالوا فهل بعد هذه الاية بيان فإن هذا آتاه الله آياته فانسلخ منها وآثر الضلال والغي وقصته معروفة حتى قيل إنه كان اوتى الاسم الاعظم ومع هذا فلم ينفعه علمه وكان من الغاوين فلو استلزم العلم والمعرفة الهداية لاستلزمه في حق هذا وقال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وهذا يدل على ان قولهم يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إما بهت منهم وجحود وإما نفي لايات الاقتراح والعنت ولا يجب الاتيان بها وقد وصف سبحانه ثمود بانها كفرت عن علم وبصيرة بالحق ولهذا قال وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها يعني بينة مضيئة وهذا كقوله تعالى وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة وحقيقة اللفظ انها تجعل من رآها مبصرا فهي توجب له البصر فتبصره أي تجعله ذا بصر فهي موضحة مبينة يقال بصر به إذا رآه كقوله تعالى فبصرت به عن جنب وقوله بصرت بما لم يبصروا به واما ابصره فله معنيان احدهما جعله باصرا بالشيء أي ذا بصر به كاية النهار وآية ثمود والثاني بمعنى رآه كقولك ابصرت زيدا وفي حديث ابي

(1/175)


شريح العدوى احدثك قولا قال به رسول الله يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وابصرته عيناي حين تكلم به ومنه قوله تعالى فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوق يبصرون قيل المعنى ابصرهم وما يقضى عليهم من الاسر والقتل والعذاب في الاخرة فسوف يبصرونك وما يقضى لك من النصر والتأييد وحسن العاقبة والمراد تقريب المبصر من المخاطب حتى كانه نصب عينيه ورأىناظريه والمقصود ان الاية اوجبت لهم البصيرة فآثروا الضلال والكفر عن علم ويقين ولهذا والله اعلم ذكر قصتهم من بين قصص سائر الامم في سورة والشمس وضحاها لانه ذكر فيها انقسام النفوس الى الزكية الراشدة المهتدية والى الفاجرة الضالة الغاوية وذكر فيها الاصلين القدر والشرع فقال فالهمها فجورها

(1/176)


وتقواها  فهذا قدره وقضاؤه ثم قال  قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها  فهذا امره ودينه وثمود هداهم فاستحبوا العمى على الهدى فذكر قصتهم ليبين سوء عاقبة منمن آثر الفجور على التقوى والتدسية على التزكية والله اعلم بما أراد قالوا ويكفى في هذا اخباره تعالى عن الكفار انهم يقولون بعد ما عاينوا العذاب ووردوا القيامة وراوا ما اخبرت به الرسل يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه وإنهم لكاذبون فأبي علم ابين من علم من ورد القيامة ورأى ما فيها وذاق عذاب الاخرة ثم ورد إلى الدنيا لاختار الضلال على الهدى ولم ينفعه ما قد عاينه ورآه وقال تعالى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا الا ان يشاء الله ولكن اكثرهم يجهلون فهل بعد نزول الملائكة عيانا وتكليم الموتى لهم وشهادتهم للرسول بالصدق وحشر كل شيء في الدنيا عليهم من بيان وإيضاح للحق وهدى ومع هذا فلا يؤمنون ولا ينقادون للحق ولا يصدقون الرسول ومن نظر في سيرة رسول الله مع قومه ومع اليهود علم انهم كانوا جازمين بصدقه لا يشكون انه صادق في قوله انه رسول الله ولكن اختاروا الضلال والكفر علىالايمان قال المسور بن مخرمة رضى الله عنه لابي جهل وكان خاله أي خال هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل ان يقول مقالته التي قالها قال ابو جهل لعنه الله تعالى يا ابن اخي والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يدعى الامين ما جربنا عليه كذبا قط فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب على الله قال يا خال فلم لا تتبعونه قال يا ابن اخي تنازعنا نحن بنو هاشم الشرف فاطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فلم تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى ندرك هذه وهذا امية بن ابي الصلت كان ينتظره يوما بيوم وعلمه عنده قبل مبعثه وقصته مع ابي سفيان لما سافرا معا معروفة

(1/177)


واخباره برسول الله ثم لما تيقنه وعرف صدقه قال لا اومن بنبي من غير ثقيف ابدا وهذا هرقل تيقن انه رسول الله ولم يشك فيه وآثر الضلال والكفر استبقاء لملكه ولما سأله اليهود عن التسع آيات البيانات فاخبرهم بها قبلوا يده وقالوا نشهد انك نبي قال فما يمنعكم ان تتبعوني قالوا إن داود عليه السلام دعا ان لا يزال في ذريته نبي وإنا نخشى أن اتبعناك ان تقتلنا يهود فهؤلاء قد تحققوا نبوته وشهدوا له بها ومع هذا فآثروا الكفر والضلال ولم يصيروا مسلمين بهذه الشهادة فقيل لا يصير الكافر مسلما بمجرد شهادة ان محمدا رسول الله حتى يشهد لله بالوحدانية وقيل يصير بذلك مسلما وقيل إن كان كفره بتكذيب الرسول كاليهود صار مسلما بذلك وإن كان كفره بالشرك مع ذلك لم يصر مسلما إلا بالشهادة بالتوحيد

(1/178)


كالنصارى والمشركين وهذه الاقوال الثلاثة في مذهب الامام احمد وغيره وعلى هذا فانما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الاسلام لان مجرد الاقرار والاخبار بصحة رسالته لا يوجب الاسلام إلا ان يلزم طاعته ومتابعته وإلا فلو قال انا اعلم انه نبي ولكن لا اتبعه ولا ادين بدينه كان من اكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وائمة السنة ان الايمان لا يكفي في قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقياده لدينه والتزامه طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم ان الايمان هو مجرد معرفة القلب واقراره وفيما تقدم كفاية في إبطال هذه المقالة ومن قال ان الايمان هو مجرد اعتقاد صدق الرسول فيما جاء به وإن لم يلتزم متابعته وعاداه وابغضه وقاتله لزمه ان يكون هؤلاء كلهم مؤمنين وهذا إلزام لامحيد عنه ولهذا اضطرب هؤلاء في الجواب عن ذلك لما ورد عليهم وأجابوا بما يستحي العاقل من قوله كقول بعضهم إن إبليس كان مستهزئا ولم يكن يقر بوجود الله ولا بأن الله ربه وخالقه ولم يكن يعرف ذلك وكذلك فرعون وقومه لم يكونوا يعرفون صحة نبوة موسى ولا يعتقدون وجود الصانع وهذه فضائح نعوذ بالله من الوقوع في أمثالها ونصرة المقالات وتقليد اربابها تحمل على أكثر من هذا ونعوذ بالله من الخذلان قالوا وقد بين القرآن ان الكفر اقسام احدها كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الاسلاف وهو كفر أكثر الاتباع والعوام الثاني كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ككفر من تقدم ذكره وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار او رياسة سلطانية او من له ماكل واموال في قومه فيخاف هذا على رياسته وهذا على ماله ومأكله فيؤثر الكفر على الايمان عمدا الثالث كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول ولا يحبه ولا يبغضه ولا يواليه ولا يعاديه بل هو معرض عن متابعته

(1/179)


ومعاداته وهذان القسمان أكثر المتكلمين ينكرونهما ولا يثبتون من الكفر إلا الاول ويجعلون الثاني والثالث كفرا لدلالاته على الاول لا لأنه في ذاته كفر فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل ومن تأمل القرآن والسنةوسير الانبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم جزم بخطأ اهل الكلام فيما قالوه وعلم ان عامة كفر الامم عن تيقن وعلم ومعرفة بصدق انبيائهم وصحة دعواهم وما جاؤا به وهذا القرآن مملوء من الاخبار عن المشركين عباد الاصنام انهم كانوا يقرون بالله وانه هو وحده ربهم وخالقهم وأن الارض وما فيها له وحده وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم وانه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وأنه هو الذي سخر الشمس والقمر وانزل المطر واخرج النبات والقرآن منادعليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم اليه رسله

(1/180)


فكيف يقال ان القوم لم يكونوا مقرين قط بان لهم ربا وخالقا وهذا بهتان عظيم فالكفر امر وراء مجرد الجهل بل الكفر الاغلظ هو ما انكره هؤلاء وزعموا انه ليس بكفر قالوا والقلب عليه واجبان لا يصيره مؤمنا الا بهما جميعا واجب المعرفة والعلم وواجب الحب والانقياد والاستسلام فكما لا يكون مؤمنا إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمنا إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان اعظم كفرا وابعد عن الايمان من الكافر جهلا فإن الجاهل إذا عرف وعلم فهو قريب إلى الانقياد والاتباع وأما المعاند فلا دواء فيه قال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين قالوا فحب الله ورسوله بل كون الله ورسوله احب الى العبد من سواهما لا يكون العبد مسلما الا به ولا ريب ان الحب امر وراء العلم فما كل من عرف الرسول احبه كما تقدم قالوا وهذا لحاسد يحمله بغض المحسود علىمعاداته والسعي في اذاه بكل ممكن مع علمه بفضله وعلمه وانه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله ولهذا قيل الحاسد عدو للنعم والمكارم فالحاسد لم يحمله علىمعاداة المحسود جهله بفضله وكماله وإنما حمله على ذلك إفساد قصده وإرادته كما هي حال الرسل وورثتهم مع الرؤساء الذين سلبهم الرسل ووارثوهم رئاستهم الباطلة فعادوهم وصدوا النفوس عن متابعتهم ظنا ان الرياسة تبقى لهم وينفردون بها وسنة الله في هؤلاء ان يسلبهم رياسة الدنيا والاخرة ويصغرهم في عيون الخلق مقابلة لهم بنقيض قصدهم وما ربك بظلام للعبيد فهذا موارد احتجاج الفريقين وموقف اقدام الطائفتين فاجلس ايها المنصف منهما مجلس الحكومة وتوخ بعلمك وعدلك فصل هذه الخصومة فقد ادلى كل منهما بحجج لا تعارض ولاتمانع وجاء ببينات لا ترد ولا تدافع فهل عندك شيء غير هذا يحصل به فصل الخطاب وينكشف به لطالب الحق وجه

(1/181)


الصواب فيرضى الطائفتين ويزول به الاختلاف من البين وإلا فخل المطي وحاديها واعط النفوس باريها دع الهوى لأناس يعرفون به قد كابدوا الحب حتى لان اصعبه ومن عرف قدره وعرف لذي الفضل فضله فقد قرع باب التوفيق والله الفتاح العليم فنقول وبالله التوفيق كلا الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم ولا عدلت عن سنن الحق وإنما الاختلاف والتباين بينهما من عدم التوارد على محل واحد ومن اطلاق الفاظ مجملة بتفصيل معانيها يزول الاختلاف ويظهر ان كل طائفة موافقة الاخرى على نفس قولها وبيان هذا ان المقتضى قسمان

(1/182)


مقتض لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه لقصوره في نفسه بل يستلزمه استلزام العلة التامة لمعلولها ومقتض غير تام يتخلف عنه مقتضاه لقصوره في نفسه عن التمام او لفوات شرط اقتضائه او قيام مانع منع تأثيره فان اريد بكون العلم مقتضيا للاهتداء والاقتضاء التام الذي لا يتخلف عنه اثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل فالصواب قول الطائفة الثانية وإنه لا يلزم من العلم حصول الاهتداء المطلوب وإن اريد بكونه موجبا انه صالح للاهتداء مقتض له وقد يتخلف عنه مقتضاه لقصوره او فوات شرط او قيام مانع فالصواب قول الطائفة الاولى وتفصيل هذه الجملة ان العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد ولذاته وسروره قد يتخلف عنه عمله بمقتضاه لاسباب عديدة السبب الاول ضعف معرفته بذلك السبب الثاني عدم الاهلية وقد تكون معرفته به تامة لكن يكون مشروطا بزكاة المحل وقبوله للتزكية فإذا كان المحل غير زكي ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي لا تخالطها الماء فإنه يمتنع النبات منها لعدم اهليتها وقبولها فإذا كان القلب قاسيا حجريا لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه كما لا تنبت الارض الصلبة ولو اصابها كل مطر وبذر فيها كل بذر كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الاليم وقال تعالى ولو اننا نزلنا اليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ماكانوا ليؤمنوا إلا ان يشاء الله وقال تعالى قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغنى الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون وهذا في القرآن كثير فإذا كان القلب قاسيا غليظا جافيا لا يعمل فيه العلم شيئاوكذلك إذا كان مريضا مهينا مائيا لا صلابة فيه ولا قوة ولا عزيمة لم يؤثر فيه العلم السبب الثالث قيام مانع وهو إما حسد أو كبر وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر وهو داء الاولين والاخرين الا من عصم الله وبه تخلف الايمان عن

(1/183)


اليهود الذين شاهدوا رسول الله وعرفوا صحة نبوته ومن جرى مجراهم وهو الذيمنع عبد الله بن ابي من الايمان وبه تخلف الايمان عن ابي جهل وسائر المشركين فانهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وان الحق معه لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر وبه تخلف الايمان عن امية واضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد السبب الرابع مانع الرياسة والملك وان لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق لكن لا يمكنه ان يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته فيضن بملكه ورياسته كحال هرقل واضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوته وصدقه واقروا بها باطنا واحبوا الدخول في دينه لكن خافوا على ملكهم وهذا داء ارباب الملك والولاية والرياسة وقل من نجا منه الا من عصم الله وهو داء فرعون وقومه ولهذا قالوا انؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون انفوا ان يؤمنوا ويتبعوا

(1/184)


موسى وهرون وينقادوا لهما وبنو إسرائيل عبيد لهم ولهذا قيل ان فرعون لما اراد متابعة موسى وتصديقه شاور هامان وزيره فقال بينا انت اله تعبد تصير عبدا تعبد غيرك فأبى العبودية واختار الرياسة والالهية المحال السبب الخامس مانع الشهوة والمال وهو الذي منع كثيرا من اهل الكتاب من الايمان خوفا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير اليهم من قومهم وقد كانت كفار قريش يصدون الرجل عن الايمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها فكانوا يقولون لمن يحب الزنا ان محمدا يحرم الزنا ويحرم الخمر وبه صدوا الاعشى الشاعر عن الاسلام وقد فاوضت غير واحد من اهل الكتاب في الاسلام وصحته فكان آخر ما كلمني به احدهم انا لا أترك الخمر واشربها امنا فإذا اسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها وقال آخر منهم بعد ان عرف ما قلت له لي اقارب ارباب اموال وإني ان اسلمت لم يصل الي منها شيء وانا اؤمل ان ارثهم او كما قال ولا ريب ان هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار فتتفق قوة داعي الشهوة والمال وضعف داعي الايمان فيجيب داعي الشهوة والمال ويقول لا أرغب بنفسي عن آبائي وسلفي السبب السادس محبة الاهل والاقارب والعشيرة يرى انه اذا اتبع الحق وخالفهم ابعدوه وطردوه عنهم واخرجوه من بين اظهرهم وهذا سبب بقاء خلف كثير على الكفر بين قومهم واهاليهم وعشائرهم السبب السابع محبة الدار والوطن وان لم يكن له بها عشيرة ولا اقارب لكن يرى ان في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه الى دار الغربة والنوى فيضن بوطنه السبب الثامن تخيل ان في الاسلام ومتابعة الرسول إزراء وطعنا منه على آبائه وأجداده وذما لهم وهذا هو الذي منع ابا طالب وامثاله عن الاسلام استعظموا آباءهم واجدادهم ان يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وان يختاروا خلاف ما اختار اولئك لانفسهم ورأوا انهم ان اسلموا سفهوا احلام اولئك وضللوا عقولهم ورموهم باقبح القبائح وهو الكفر والشرك ولهذا قال اعداء الله لابي طالب

(1/185)


عند الموت ترغب عن ملة عبد المطلب فكان آخر ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب فلم يدعه اعداء الله الا من هذا الباب لعلمهم بتعظيمه اباه عبد المطلب وانه انما حاز الفخر والشرف به فكيف يأتي امرا يلزم منه غاية تنقيصه وذمه ولهذا قال لولا ان تكون مسبة على بني عبد المطلب لا قررت بها عينك او كما قال وهذا شعره يصرح فيه بأنه قد علم وتحقق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدقه كقوله : ولقد علمت بان دين محمد من خير اديان البرية دينا لولا الملامة او حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا

(1/186)


وفي قصيدته اللامية فو الله لولا ان تكون مسبة تجر على اشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حاله من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا ان ابتنالا مكذب لدينا ولايعني بقول إلا باطل والمسبة التي زعم انها تجر على اشياخه شهادته عليهم بالكفر والضلال وتسفيه الاحلام وتضليل العقول فهذا هو الذي منعه من الاسلام بعدتيقنه السبب التاسع متابعة من يعاديه من الناس للرسول وسبقه الى الدخول في دينه وتخصصه وقربه منه وهذا القدر منع كثيرا من اتباع الهدى يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ولا يحب ارضا يمشي عليها ويقصد مخالفته ومناقضته فيراه قد اتبع الحق فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق واهله وان كان لا عداوة بينه وبينهم وهذا كما جرى لليهود مع الانصار فانهم كانوا اعدائهم وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي وانهم يتبعونه ويقاتلونهم معه فلما بدرهم اليه الانصار واسلموا حملهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم السبب العاشر مانع الالف والعادة والمنشأ فإن العادة قد تقوى حتى تغلب حكم الطبيعة ولهذا قيل هي طبيعة ثانية فيربى الرجل على المقالة وينشأ عليها صغيرا فيتربى قلبه ونفسه عليها كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد ولا يعقل نفسه الا عليها ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه وان يسكن موضعها فيعسر عليه الانتقال ويصعب عليه الزوال وهذا السبب وإن كان اضعف الاسباب معنى فهو اغلبها على الامم وأرباب المقالات والنحل ليس مع اكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى ان يشذ الاعادة ومربي تربى عليه طفلا لا يعرف غيرها ولا يحسن به فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة الى طبيعة ثانية فصلوات الله وسلامه على انبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وافضلهم محمد كيف غيروا عوائد الامم الباطلة ونقلوهم الى الايمان حتى استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم

(1/187)


الفاسدة ولا يعلم مشقة هذا على النفوس الا من زاول نقل رجل واحد عن دينه ومقالته الى الحق فجزى الله المرسلين افضل ما جزى به احدا من العالمين إذا عرف ان المقتضى نوعان فالهدى المقتضى وحده لا يوجب الاهتداء والهدى التام يوجب الإهتداء فالاول هدى البيان الدلالة والتعليم ولهذا يقال هدى فما اهتدى والثاني هدى البيان والدلالة مع إعطاء التوفيق وخلق الارادة فهذا الهدى الذي يسلتزم الاهتداء ولا يتخلف عنه موجبه فمتى وجد السبب وانتفت الموانع لزم وجود حكمه وههنا دقيقة بها ينفصل النزاع وهي انه هل ينعطف من قيام المانع وعدم الشرط

(1/188)


على المقتضى امر يضعفه في نفسه ويسلبه اقتصاءه وقوته او الاقتضاء بحاله وإما غلب المانع فكان التاثير له ومثال ذلك في مسئلتنا انه بوجود هذه الموانع المذكورة او بعضها هل يضعف العلم حتى لا يصير مؤثرا البتة او العلم بحاله ولكن المانع بقوته غلب فكان الحكم له هذا سر المسألة وفقهها فأما الاول فلا شك فيه ولكن الشان في القسم الثاني وهو بقاء العلم بحاله والتحقيق ان الموانع تحجبه وتعميه وربما قلبت حقيقته من القلب والقرآن قد دل على هذا قال تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون اني رسول الله اليكم فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين فعاقبهم سبحانه بازاغة قلوبهم عن الحق لما زاغوا عنه ابتداء ونظيره قوله تعالى ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولهذا قيل من عرض عليه حق فرده فلم يقبله عوقب بفساد قلبه وعقله ورأيه ومن هنا قيل لا رأي لصاحب هوى فان هواه يحمله على رد الحق فيفسد الله عليه رأيه وعقله قال تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الانبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف اخبر سبحانه ان كفرهم بالحق بعد ان علموه كان سببا لطبع الله على قلوبهم بل طبع الله عليها بكفرهم حتى صارت غلفا والغلف جمع اغلف وهو القلب الذي قد غشيه غلاف كالسيف الذي في غلافه وكل شيء في غلافه فهو اغلف وجمعه غلف يقال سيف اغلف وقوس غلفاء ورجل اغلف واقلف اذا لم يختن والمعنى قلوبنا عليها غشاوة وغطاء فلا تفقه ما تقول يا محمد ولم تع شيئا من قال ان المعنى انها غلف للعلم والحكمة أي اوعية لها فلا يحتاج الى قولك ولا تقبله استغناء بما عندهم لوجوه احدها ان غلف جمع اغلف كقلف واقلف وحمر واحمر وجرد واجرد وغلب واغلب ونظائره والاغلف من القلوب هو الداخل في الغلاف هذا هو المعروف من اللغة الثاني انه ليس من الاستعمال السائغ المشهور ان يقال قلب فلان

(1/189)


غلاف لكذا وهذا لا يكاد يوجد في شيء من نثر كلامهم ولانظمه ولا نظير له في القرآن فيحمل عليه ولا هو من التشبيه البديع المستحسن فلا يجوز حمل الاية عليه الثالث ان نظير قول هؤلاء قول الاخرين من الكفار قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه والاكنة هناه هي الغلف التي قلوب هؤلاء فيها والاكنة كالاوعية والاغطية التي تغطى المتاع ومنه الكناية لغلاف السهام الرابع ان سياق الاية لا يحسن مع المعنى الذي ذكروه ولا يحسن مقابلته بقوله بل طبع الله عليها بكفرهم وإنما يحسن مع هذا المعنى ان يسلب عنهم العلم والحكمة التي ادعوها كما قيل لهم لما ادعوا ذلك وما اوتيتم من العلم إلا قليلا وأما هنا فلما ادعوا ان قلوبهم في اغطية واغشية لاتفقه قوله قوبلوا بان عرفهم ان كفرهم ونقضهم ميثاقهم وقتلهم الانبياء كان سببا

(1/190)


لان طبع على قلوبهم ولا ريب ان القلب اذا طبع عليه اظلمت صورة العلم فيه وانطمست وربما ذهب اثرها حتى يصير السبب الذي يهتدي به المهتدون سببا لضلال هذا كما قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون فاخبر تعالى ان القرآن سبب لضلال هذا الصنف من الناس وهوهداه الذي هدى به رسوله وعباده المؤمنين ولهذا اخبر سبحانه إنه إنما يهتدي به من اتبع رضوان الله قال تعالى وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون ولا شيء اعظم فسادا لمحل العلم من صيرورته بحيث يضل بما يهتدي به فنسبته الى الهدى والعلم نسبة الفم الذي قد استحكمت فيه المرارة الى الماء العذب كما قيل : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا واذا فسد القلب فسد إدراكه وإذا فسد الفم فسد إدراكه وكذلك اذا فسدت العين واهل المعرفة من الصيارفة يقولون ان من خاف في نقده نسى النقد وسلبه فاشتبه عليه الخالص بالزغل ومن كلام بعض السلف يهتف العلم بالعمل فان اجابه حل والا ارتحل وقال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به فترك العمل بالعلم من اقوى الاسباب في ذهابه ونسيانه وايضا فإن العلم يراد للعمل فإنه يمنزلة الدليل للسائر فإذا لم يسر خلف الدليل لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم شيئا لان من علم ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم كما ان من ملك ذهبا وفضة وجاع وعرى ولم يشتر منها ما يأكل ويلبس فهو بمنزلة الفقير العادم كما قيل : ومن ترك الانفاق عند احتياجه مخافة فقر فالذي فعل الفقر والعرب تسمى الفحش والبذاء جهلا اما لكونه ثمرة الجهل فيسمى باسم سببه وموجبه وأما لان الجهل يقال في جانب

(1/191)


العلم والعمل قال الشاعر : الا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الحاهلينا ومن هذا قول موسى لقومه وقد قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين فجعل الاستهزاء بالمؤمنين جهلا ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف انه قال وإلا تصرف عني كيدهن اصب اليهن وأكن من الجاهلين ومن هذا قوله تعالى خذ العفو وأمر

بالعرف واعرض عن الجاهلين  ليس المراد أعراضه عمن لا علم عنده فلا يعلمه ولا يرشده وإنما المراد اعراضه عن جهل من جهل عليه فلا يقابله ولا يعاتبه قال مقاتل وعروة والضحاك وغيرهم صن نفسك عن مقابلتهم على سفههم وهذا كثير في كلامهم ومنه الحديث إذا كان صوم احدكم فلا يصخب ولا يجهل ومن هذاتسمية المعصية جهلا قال قتادة اجمع اصحاب محمد ان كل من عصى الله فهو جاهل وليس المراد انه جاهل بالتحريم إذ لو كان جاهلال لم يكن عاصيا فلا يترتب الحد في الدنيا والعقوبة في الاخرة على جاهل بالتحريم بل نفس الذنب يسمى جهلا وإن علم مرتكبه بتحريمه إما انه لا يصدر الا عن ضعف العلم ونقصانه وذلك جهل فسمى باسم سببه وإما تنزيلا لفاعله منزلة الجاهل به الثاني انهم لما ردوا الحق ورغبوا عنه عوقبوا بالطبع والرين وسلب العقل والفهم كما قال تعالى عن المنافقين  ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون  الثالث ان العلم الذي ينتفع به ويستلزم النجاة والفلاح لم يكن حاصلا لهم فسلب عنهم حقيقته والشيء قد ينتفى لنفي ثمرته والمراد منه قال تعالى في ساكن النار فإن له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيا نفى الحياة لانتفاء فائدتها والمراد منها ويقولون لا مال إلا ما انفق ولا علم إلا ما نفع ولهذا نفى عنه سبحانه عن الكفار الاسماع والابصار والعقول لما لم ينتفعوا بها وقال تعالى  وجعلنا لهم سمعا وابصارا وأفئدة فما اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله  وقال تعالى  ولقد ذرانا

(1/192)


لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولما لم يحصل لهم الهدى المطلوب بهذه الحواس كانوا يمنزلة فاقديها قال تعالى صم بكم عمى فهم لا يعقلون فالقلب يوصف بالبصر والعمى والسمع والصمم والنطق والبكم بل هذه له اصلا وللعين والاذن واللسان تبعا فإذا عدمها القلب فصاحبه اعمى مفتوح العين اصم ولا آفة باذنه ابكم وإن كان فصيح اللسان قال تعالى فإنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فلا تنافي بين قيام الحجة بالعلم وبين سلبه ونفيه بالطبع والختم والقفل على قلوب من لا يعمل بموجب الحجة وينقاد لها قال تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا فأخبر سبحانه انه منعهم فقه كلامه وهو الادراك الذي ينتفع به من فقهه ولم يكن ذلك مانعا لهم من الادراك الذي تقوم به الحجة عليهم فانهم لو لم يفهموه جملة ما ولوا على أدبارهم نفورا عند ذكر توحيد الله فلما ولوا عند ذكر التوحيد دل على انهم كانوا يفهمون الخطاب وان الذي غشى قلوبهم كالذي غشى آذانهم ومعلوم انهم لم يعدموا لاسمع جملة ويصيروا كالاصم ولذلك

(1/193)


ينفى سبحانه عنهم السمع تارة ويثبته اخرى قال الله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ومعلوم انهم قد سمعوا القرآن وأمر الرسول باسماعهم إياه وقال تعالى وقالوا لو كنا نسمع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير فهذا السمع المنفي عنهم سمع الفهم والفقه والمعنى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم سمعا ينتفعون به وهو فقهه المعنى وعقله والا فقد سمعوه سمعا تقوم به عليهم الحجة ولكن لما سمعوه مع شدة بغضه وكراهته ونفرتهم عنه لم يفهموه ولم يعقلوه والرجل إذا اشتدت كراهته للكلام ونفرته عنه لم يفهم ما يراد به فينزل منزلة من لم يسمعه قال تعالى ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون نفى عنه استطاعة السمع مع صحة حواسهم وسلامتها وإنما لفرط بغضهم ونفرتهم عنه وعن كلامه صاروا بمنزلة من لا يستطيع ان يسمعه ولا يراه وهذا استعمال معروف للخاصة والعامة يقولون لا اطيق انظر الى فلان ولا استطيع ان اسمع كلامه من بغضه ونفرته عنه وبعض الجبرية يحتج بهذه الاية وشبهها على مذهبهم ولا دلالة فيها إذ ليس المراد سلبهم السمع والبصر الذي تقوم به الحجة قطعا وإنما المراد سلب السمع الذي يترتب عليه فائدته وثمرته والقدر حق ولكن الواجب تنزيل القرآن منازله ووضع الايات مواضعها واتباع الحق حيث كان ومثل هذا إذا لم يحصل له فهم الخطاب لا يعذر بذلك لان الافة منه وهو بمنزلة من سد اذنيه عند الخطاب فلم يسمعه فلا يكون ذلك عذرا له ومن هذا قولهم قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب يعنون انهم في ترك القبول منه ومحبة الاسماع لما جاء به وإيثار الاعراض عنه وشدة النفار عنه بمنزلة من لا يعقله ولا يسمعه ولا يبصر المخاطب لهم به فهذا هو الذي يقولون لا خلود في النار ولو كنا نسمع او نعقل ما كنا في اصحاب السعير ولهذا جعل ذلك مقدورا لهم وذنبا اكتسبوه فقال تعالى فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير والله تعالى

(1/194)


ينفي تارة عن هؤلاء العقل والسمع والبصر فانها مدارك العلم واسباب حصوله وتارة ينفى عنهم السمع والعقل وتارة ينفى عنهم السمع والبصر وتارة ينفى عنهم العقل والبصر وتارة ينفى عنهم وحده فنفى الثلاثة نفي لمدارك العلم بطريق المطابقة ونفى بعضها نفي له بالمطابقة والاخر باللزوم فان القلب إذا فسد فسد السمع والبصر بل اصل فسادهما من فساده وإذا فسد السمع والبصر فسد القلب فإذا اعرض عن سمع الحق وابغض قائله بحيث لا يحب رؤيته امتنع وصول الهدى الى القلب ففسد وإذا فسد السمع والعقل تبعهما فساد البصر فكل مدرك من هذه يصح بصحة الاخر ويفسد بفساده فلهذا يجيء في القرآن نفي ذلك صريحا ولزوما وبهذا التفصيل يعلم اتفاق الادلةمن الجانين وفي استدلال الطائفة الثانية بقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم ونظائرها نظر فان الله تعالى حيث قال الذين آتيناهم الكتاب لم يكونوا إلا ممدوحين مؤمنين وإذا اراد ذمهم والأخبار عنهم بالعناد وايثار الضلال اتى بلفظ

(1/195)


الذين اوتوا الكتاب مبنيا للمفعول فالاول كقوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين اولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا الايات وكقوله تعالى افغير الله ابتغى حكما وهو الذي انزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون انه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين فهذا في سياق مدحهم والاستشهاد بهم ليس في سياق ذمهم والاخبار بعنادهم وجحودهم كما استشهدهم في قوله تعالى قل كفى بالله شهيدا ببني وبينكم ومن عنده علم الكتاب وفي قوله فاسلألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته اولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون واختلف في الضمير في يتلونه حق تلاوته فقيل هو ضمير الكتاب الذي اوتوه قال ابن مسعود يحلون حلاله ويحرمون حرامه ويقرؤنه كما انزل ولا يحرفونه عن مواضعه قالوا وانزلت في مؤمني اهل الكتاب وقيل هذا وصف للمسلمين والضمير في يتلونه للكتاب الذي هو القرآن وهذا بعيد إذا عرف ان القرآن يأباه ولا يرد على ما ذكرنا قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون بل هذا حجة لنا ايضا لما ذكرنا فإنه أخبر في الاول عن معرفتهم برسوله ودينه وقبلته كما يعرفون ابناءهم استشهادا بهم على من كفر وثناء عليهم ولهذا ذكر المفسرون انهم عبد الله بن سلام واصحابه وخص في آخر الاية بالذم طائفة منهم فدل على ان الاولين غير مذمومين وكونهم دخلوا في جملة الاولين بلفظ المضمر لا يوجب ان يقال آتيناهم الكتاب عند الاطلاق فانهم دخلوا في هذا اللفظ ضمنا وتبعا فلا يلزم تناوله لهم قصدا واختيارا وقال تعالى في سورة الانعام قل ائنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى قل لا اشهد قل إنما هو اله واحدة وإنني برئ مما تشركون الذين آتيناهم الكتاب

(1/196)


يعرفونه كما يعرفون ابناءهم قيل الرسول وصدقه وقيل المذكور هو التوحيد والقولان متلازما اذ ذلك في معرض الاستشهاد والاحتجاج على المشركين لافي معرض ذم الذين آتاهم الكتاب فإن السورة مكية والحجاج كان فيها مع اهل الشرك والسياق يدل على الاحتجاج لاذم المذكورين من اهل الكتاب واما الثاني فكقوله وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعلمون ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ماتبعوا قبلتك فهذا شهادته سبحانه للذين اوتوا الكتاب والاول شهادته للذين آتاهم الكتاب بأنهم يؤمنون وقال تعالى يا ايها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل ان نطمس وجوها فنردها على ادبارها وقال تعالى وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم وهذا خطاب لمن لم يسلم منهم وإلا فلم يؤمر

(1/197)


ان يقول هذا لمن اسلم منهم وصدق به ولهذا لا يذكر سبحانه الذين اوتوا نصيبا من الكتاب الا بالذم ايضا كقوله الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الاية وقال تعالى الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ان تضلوا السبيل وقال الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون فالاقسام اربعة الذين آتيناهم الكتاب وهذا لا يذكره سبحانه إلا في معرض المدح والذين اوتوا نصيبا من الكتاب لا يكون قط الا في معرض الذم والذين اوتوا الكتاب اعم منه فانه قد يتناولهما ولكن لا يفرد به الممدوحون قط ويا أهل الكتاب يعم الجنس كله ويتناول الممدوح منه والمذموم كقوله من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الاخر الآية وقال في الذم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين وهذا الفصل ينتفع به جدا في أكبر مسائل اصول الاسلام وهي مسئلة الايمان واختلاف اهل القبلة فيه وقد ذكرنا فيه نكتا حسانا يتضح بها الحق في المسألة والله اعلم الوجه الثاني والثمانون ان الله سبحانه فاوت بين النوع الانساني اعظم تفاوت يكون بين المخلوقين فلا يعرف اثنان من نوع واحد بينهما من التفاوت ما بين خير البشر وشرهم والله سبحانه خلق الملائكة عقولا بلا شهوات وخلق الحيوانات ذوات شهوات بلا عقول وخلق الانسان مركبا من عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته كان خيرا من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله كان شرا من الحيوانات وفاوت سبحانه بينهم في العلم فجعل عالمهم معلم الملائكة كما قال تعالى يا آدم انبئهم باسمائهم وتلك مرتبة لا مرتبة فوقها وجعل جاهلهم بحيث لا يرضى الشيطان به ولا يصلح له كما قال الشيطان لجاهلهم الذي اطاعه في الكفر إني بريء منك وقال لجهلتهم الذين عصوا رسوله إني بريء منكم فلله ما أشد

(1/198)


هذا التفاوت بين شخصين احدهما تسجد له الملائكة ويعلمها مما الله علمه والاخر لا يرضى الشيطان به وليا وهذا التفاوت العظيم إنما حصل بالعلم وثمرته ولو لم يكن في العلم الا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم الملائكة وصحبة الملأ الاعلى لكفى به فضلا وشرفا فكيف وعز الدنيا والآخرة منوط به ومشروط بحصوله الوجه الثالث والثمانون ان اشرف ما في الانسان محل العلم منه وهو قلبه وسمعه وبصره ولما كان القلب هو محل العلم والسمع رسوله الذي ياتيه به والعين طليعته كان ملكا على سائر الاعضاء يأمرها فتاتمر لامره ويصرفها فتنقاد له طائعة بما خص به من العلم دونها فلذلك كان ملكها والمطاع فيها وهكذا العالم في الناس كالقلب في الاعضاء ولما كان صلاح الاعضاء بصلاح ملكها ومطاعها وفسادها بفساده كانت هذه حال الناس مع علمائهم

(1/199)


وملوكهم كما قال بعض السلف صنفان إذا صلحا صلح سائر الناس واذا فسدا فسد سائر الناس العلماء والامراء قال عبد الله بن المبارك : وهل افسد الدين الا الملو ك واحبار سوء ورهبانها ولما كان للسمع والبصر من الادراك ما ليس لغيرهما من الاعضاء كانا في أشرف جزء من الانسان وهو وجهه وكانا من افضل ما في الانسان من الاجزاء والاعضاء والمنافع واختلف في الافضل منهما فقالت طائفة منهم ابو المعالي وغيره السمع افضل قالوا لان به تنال سعادة الدنيا والاخرة فانها انما تحصل بمتابعة الرسل وقبول رسالاتهم وبالسمع عرف ذلك فان من لا سمع له لا يعلم ما جاؤا به وايضا فان السمع يدرك به اجل شيء وافضله وهو كلام الله تعالى الذي فضله على الكلام كفضل الله على خلقه وايضا فان العلوم انما تنال بالتفاهم والتخاطب ولا يحصل ذلك الا بالسمع وايضا فان مدركه اعم من مدرك البصر فانه يدرك الكليات والجزئيات والشاهد والغائب والموجود والمعدوم والبصر لا يدرك الا بعض المشاهدات والسمع يسمع كل علم فاين احدهما من الاخر ولو فرضنا شخصين احدهما يسمع كلام الرسول ولا يرى شخصه والاخر بصير يراه ولا يسمع كلامه لصممه هل كانا سواء وايضا ففاقد البصر انما يفقد ادراك بعض الامور الجزئية المشاهدة ويمكنه معرفتها بالصفة ولو تقريبا واما فاقد السمع فالذي فاته من العلم لا يمكن حصوله بحاسة البصر ولو قريبا وايضا فان ذم الله تعالى للكفار بعدم السمع في القرآن اكثر من ذمه لهم بعدم البصر بل انما يذمهم بعدم البصر تبعا لعدم العقل والسمع وايضا فان الذي يورده السمع على القلب من العلوم لا يلحقه فيه كلال ولا سآمة ولا تعب مع كثرته وعظمه والذي يورده البصر عليه يلحقه فيه الكلال والضعف والنقص وربما خشى صاحبه على ذهابه مع قلته ونزارته بالنسبة الى السمع وقالت طائفة منهم ابن قتيبة بل البصر افضل فان اعلا النعيم وافضله واعظمه لذة هو النظر الى الله في الدار الاخرة وهذا انما

(1/200)


ينال بالبصر وهذه وحدها كافية في تفضيله قالوا وهو مقدمة القلب وطليعته ورائده فمنزلته منه اقرب من منزلة السمع ولهذا كثيرا ما يقرن بينهما في الذكر بقوله فاعتبروا يا أولي الابصار فالاعتبار بالقلب والبصر بالعين وقال تعالى ونقلب افئدتهم وابصارهم كما لم يؤمنوا به اول مرة ولم يقل واسماعهم وقال تعالى فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى قلوب يومئذ واجفة ابصارها خاشعة وقال تعالى يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور وقال في حق رسوله ما كذب الفؤاد ما رأى ثم قال ما زاغ البصر وما طغى هذا يدل على شدة الوصلة والارتباط بين القلب والبصر ولهذا يقرأ الانسان ما في قلب

(1/201)


الاخر من عينه وهذا كثير في كلام الناس نظمه ونثره وهو اكثر من ان نذكره هنا ولما كان القلب اشرف الاعضاء كان اشدها ارتباطا به واشرف من غيره قالوا ولهذا يأتمنه القلب مالا يأتمن السمع عليه بل إذا ارتاب من جهة عرض ما يأتيه به على البصر ليزكيه ام يرده فالبصر حاكم عليه مؤتمن عليه قالوا ومن هذا الحديث الذي رواه احمد في مسنده مرفوعا ليس المخبر كالمعاين قالوا ولهذا اخبر الله سبحانه موسى ان قومه افتتنوا من بعده وعبدوا العجل فلم يلحقه في ذلك ما لحقه عند رؤية ذلك ومعاينته من القاء الالواح وكسرها لفوت المعاينة على الخبر قالوا وهذا إبراهيم خليل الله يسأل ربه ان يريه كيف يحيى الموتى وقد علم ذلك بخبر الله له ولكن طلب افضل المنازل وهي طمأنينة القلب قالوا ولليقين ثلاث مراتب اولها للسمع وثانيها للعين وهي المسماة بعين اليقين وهي افضل من المرتبة الاولى واكمل قالوا وايضا فالبصر يؤدى الى القلب ويؤدي عنه فان العين مرآة القلب يظهر فيها ما يحبه من المحبة والبغض والموالاة والمعاداة والسرور والحزن وغيرها وأما الاذن فلا تؤدى عن القلب شيئا البتة وإنما مرتبتها الايصال اليه حسب فالعين اشد تعلقا به والصواب ان كلا منهما له خاصية فضل بها الاخر فالمدرك بالسمع اعم واشمل والمدرك بالبصر اتم واكمل فالسمع له العموم والشمول والبصر له الظهور والتمام وكمال الادراك واما نعيم اهل الجنة فشيئآن احدهما النظر الى الله والثاني سماع خطابه وكلامه كما رواه عبد الله بن احمد في المسند وغيره كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن اذا سمعوه من الرحمن عز وجل ومعلوم ان سلامه عليهم وخطابه لهم ومحاضرته اياهم كما في الترمذي وغيره لا يشبهها شيء قط ولا يكون اطيب عندهم منها ولهذا يذكر سبحانه في وعيد اعدائه انه لايكلمهم كما يذكر احتجابه عنهم ولا يرونه فكلامه اعلا نعيم اهل الجنة والله اعلم الوجه الرابع والثمانون ان الله سبحانه في القرآن يعدد

(1/202)


على عباده من نعمه عليهم ان اعطاهم آلات العلم فيذكر الفؤاد والسمع والابصار ومرة يذكر اللسان الذي يترجم به عن القلب فقال تعالى في سورة النعم وهي سورة النحل التي ذكر فيها اصول النعم وفروعها ومتمماتها ومكملاتها فعددنعمه فيها على عباده وتعرف بها اليهم واقتضاهم شكرها واخبر انه يتمها عليهم ليعرفوها ويذكروها ويشكروها فاولها في اصول النعم وآخرها في مكملاتها قال تعالى والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون فذكر سبحانه نعمته عليهم بان اخرجهم لا علم لهم ثم اعطاهم الاسماع والابصار والافئدة التي نالوا بها من العلم مانالوه وانه فعل بهم ذلك

(1/203)


ليشكروه وقال تعالى وجعلنا لهم سمعا وابصارا وافئدة فما اغنى عنهم سمعهم ولا ابصارهم ولا افئدتهم من شيء وقال تعالى الم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فذكر هنا العينين التي يبصر بهما فيعلم المشاهدات وذكر هداية النجدين وهما طريقا الخير والشر وفي ذلك حديث مرفوع ومرسل وهو قول اكثر المفسرين وتدل عليه الاية الاخرى انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا والهداية تكون بالقلب والسمع فقد دخل السمع في ذلك لزوما وذكر اللسان والشفتين اللتين هما آلة التعليم فذكر الات العلم والتعليم وجعلها من آياته الدالة عليه وعلى قدرته ووحدانيته ونعمه التي تعرف بها الى عباده ولما كانت هذه الاعضاء الثلاثة التي هي اشرف الاعضاء وملوكها والمنصرفة فيها والحاكمة عليها خصها سبحانه وتعالى بالذكر في السؤال عنها فقال إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا فسعادة الانسان بصحة هذه الاعضاء الثلاثة وشقاوته بفسادها قال ابن عباس يسأل الله العباد فيما استعملوا هذه الثلاثة السمع والبصر والفؤاد والله تعالى اعطى العبد السمع ليسمع به اوامر ربه ونواهيه وعهوده والقلب ليعقلها ويفقهها والبصر ليرى آياته فيستدل بها على وحدانيته وربوبيته فالمقصود باعطائه هذه الالات العلم وثمرته ومقتضاه الوجه الخامس والثامنون ان انواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة سعادة خارجية عن ذات الانسان بل هي مستعارة له من غيره يزول باسترداد العارية وهي سعادة المال والحياة فبينا المرء بها سعيدا ملحوظا بالعناية مرموقا بالابصار إذا اصبح في اليوم الواحد اذل من وتد بقاع يشج رأسه بالفهرواجي فالسعادة والفرح بهذه كفرح الاقرع بحمة ابن عمه والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته فاذا جاوز بصرك كسوته فليس وراء عبادان قرية ويحكى عن بعض العلماء انه ركب مع تجار في مركب فانكسرت بهم السفينة فاصبحوا بعدعز الغنى في ذل الفقر ووصل العالم الى البلد

(1/204)


فاكرم وقصد بانواع التحف والكرامات فلما ارادوا الرجوع الى بلادهم قالوا له هل لك الى قومك كتاب او حاجة فقال نعم تقولون لهم اذا اتخدتم مالا لا يغرق اذا انكسرت السفينة فاتخذوا العلم تجارة واجتمع رجل ذو هيئة حسنة ولباس جميل ورواء برجل عالم فجس المخاضة فلم ير شيئا فقالوا كيف رايته فقال رأيت دارا حسنة مزخرفة ولكن ليس بها ساكن السعادة الثانية سعادة في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه وتناسب اعضائه وحسن تركيبه وصفاء لونه وقوة اعضائه فهذه الصق به من الاولى ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته فان الإنسان انسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه كما قيل :

(1/205)


يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته  فأنت بالروح لا بالجسم إنسان فنسبة هذه الى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه الى بدنه فان البدن ايضا عارية للروح وآلة لها ومركب من مراكبها فسعادتها بصحته وجماله وحسنة سعادة خارجة عن ذاتها وحقيقتها السعادة الثالثة هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية روحية قلبية وهي سعادة العلم النافع ثمرته فانها هي الباقية على تقلب الاحوال والمصاحبة للعبد في جميع اسفاره وفي دوره الثلاثة اعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وبها يترقى معارج الفضل ودرجات الكمال اما الاولى فانها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه والثانية تعرضه للزوال والتبدل بنكس الخلق والرد الى الضعف فلا سعادة في الحقيقة الا في هذه الثالثة التي كلما طال الامد ازدادات قوة وعلوا وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن اذا انقطعت السعادتان الاوليتان وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها الا العلم بها فعادت السعادة كلها الى العلم وما تقضيه والله يوفق من يشاء لا مانع لما اعطى ولا معطى لما منع وانما رغب اكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها وانها لاتنال الا على جد من التعب فانها لاتحصل الا بالجد المحض بخلاف الاوليين فانهما حظ قد يحوزه غير طالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من ميراث او هبة او غير ذلك واما سعادة العلم فلا يورثك اياها الا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية وقد احسن القائل في ذلك :  فقل لمرجي معالي الامور  بغير اجتهاد رجوت المحالا  وقال الآخر  لولا المشقة ساد للناس كلهم  الجود يفقر والإقدام قتال  ومن طمحت همته الى الامور العالية فواجب عليه ان يشد على محبة اطرق الدينية وهي السعادة وان كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي وانها متى اكرهت النفس عليها وسيقت طائعة وكارهة اليها

(1/206)


وصبرت على لاوائها وشدتها افضت منها الى رياض مونقة ومقاعد صدق ومقام كريم تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة الى لذات الملوك فحينئذ حال صاحبها كما قيل : وكنت ارى ان قدتناهى بي الهوى الى غاية ما بعدها لي مذهب

فلما تلاقينا وعاينت حسنها  تيقنت اني انما كنت العب   فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادة لا يعبر اليها الا على جسر المشقة فلا تقطعمسافتها الا في سفينة الجد والاجتهاد قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن ابي كثير لاينال العلم براحة الجسم وقد قيل من طلب الراحة ترك الراحة  فيا وصل الحبيب اما اليه  بغير مشقة ابدا طريق  ولولا جهل الاكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف ولكن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عنها بحجاب من الجهل ليختص الله لها من يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم الوجه السادس والثمانون ان الله تعالى خلق الموجودات وجعل لكل شيء منها كمالا يختص به هو غاية شرفه فإذا عدم كماله انتقل الى الرتبة التي دونه واستعمل فيها فكان استعماله فيها كمال امثاله فاذا عدم تلك ايضا نقل الى ما دونها ولا تعطل وهكذا ابدا حتى اذا عدم كل فضيلة صار كالشوك وكالحطب الذي لا يصلح الا للوقود فالفرس اذا كانت فيه فروسيته التامة اعد لمراكب الملوك واكرم أكرام مثله فإذا نزل عنها قليلا اعد لمن دون الملك فإن ازداد تقصيره فيها اعد لاحاد الاجناد فان تقاصر عنها جملة استعمل استعمال الحمار اما حول المدار واما لنقل الزبل ونحوه فان عدم ذلك استعمل استعمال الاغنام للذبح والاعدام كما يقال في المثل ان فرسين التقيا احدهما تحت ملك والاخر تحت الروايا فقال فرس الملك اما انت صاحبي وكنت انا وانت في مكان واحد فما الذي نزل بك الى هذه المرتبة فقال ما ذاك الا انك هملجت قليلا ونعكست انا وهكذا السيف اذا نباعما هيء له ولم يصلح له ضرب منه فاس او منشار ونحوه وهكذا الدور العظام الحسان اذا خرجت وتهدمت

(1/207)


اتخذت حظائر للغنم او الابل وغيرها وهكذا الادمي اذا كان صالحا لاصطفاء الله له برسالته ونبوته اتخذه رسولا ونبيا كما قال تعالى الله اعلم حيث يجعل رسالته فاذا كان جوهره قاصرا عن هذه الدرجة صالحا لخلافة النبوة وميراثها رشحه لذلك وبلغه اياه فإذا كان قاصرا عن ذلك قابلا لدرجة الولاية رشح لها وان كان ممن يصلح للعمل والعبادة دون المعرفة والعلم جعل من اهله حتى ينتهي الى درجة عموم المؤمنين فان نقص عن هذه الدرجة ولم تكن نفسه قابلة لشيء من الخير اصلا استعمل حطبا ووقودا للنار وفي اثر اسرائيلي ان موسى سأل ربه عن شان من يعذبهم من خلقه فقال يا موسى ازرع زرعا فزرعه فاوحى اليه ان احصده ثم اوحى اليه ان أنسفه وذره ففعل وخلص الحب وحده والعيدان والعصف وحده فاوحى اليه اني لاجعل في النار من العباد من لا خير فيه بمنزلة العيدان والشوك التي لا يصلح الا للنار وهكذا الانسان يترقى في درجات الكمال درجة بعد

(1/208)


درجة حتى يبلغ نهاية ما يناله امثاله منها فكم بين حاله في اول كونه نطفة وبين حاله والرب يسلم عليه في داره وينظر الى وجهه بكرة وعشيا والنبي في اول امره لما جاءه الملك فقال له اقرأ فقال ما أنا بقارئ وفي آخره امره بقول الله له اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي وبقوله له خاصة وانزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما وحكى ان جماعة من النصارى تحدثوا فيما بينهم فقال قائل منهم ما أقل عقول المسلمين يزعمون ان نبيهم كان راعي الغنم فكيف يصلح راعي الغنم للنبوة فقال له آخر من بينهم اما هم فوالله اعقل منا فان الله بحكمته يسترعي النبي الحيوان البهيم فاذا احسن رعايته والقيام عليه نقله منه الى رعاية الحيوان الناطق حكمة من الله وتدريجا لعبده ولكن نحن جئنا الى مولود خرج من امرأة يأكل ويشرب ويبول ويبكي فقلنا هذا الهنا الذي خلق السموات والارض فامسك القوم عنه فكيف يحسن بذي همة قد ازاح الله عنه علله وعرفه السعادة والشقاوة ان يرضى بان يكون حيوانا وقد أمكنه ان يصير انسانا وبان يكون إنسانا وقد امكنه ان يكون ملكا وبأن يكون ملكا وقد امكنه ان يكون ملكا في مقعد صدق عند مليك مقتدر فتقوم الملائكة في خدمته وتدخل عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار وهذا الكمال إنما ينال بالعلم ورعايته والقيام بموجبه فعاد الامر الى العلم وثمرته والله تعالى الموفق واعظم النقص واشد الحسرة نقص القادر علىالتمام وحسرته على تقويته كما قال بعض السلف اذا كثرت طرق الخير كان الخارج منها اشد حسرة وصدق القائل : ولم ار في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام فثبت انه لا شيء اقبح بالانسان من ان يكون غافلا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة والاعمال الصالحة فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع الذين يكدرون الماء ويغلون الاسعار ان عاش عاش غير حميد وان مات مات غير فقيد فقدهم راحة

(1/209)


للبلاد والعباد ولا تبكي عليهم السماء ولا تستوحش لهم الغبراء الوجه السابع والثمانون ان القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه اذا استحكما فيه كان هلاكه وموته وهما مرض الشهوات ومرض الشبهات هذان اصل داء الخلق الا من عافاه الله وقد ذكر الله تعالى هذين المرضين في كتابه اما مرض الشبهات وهو اصعبهما واقتلهما للقلب ففي قوله في حق المنافقين في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقوله وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا وقال تعالى ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم فهذه ثلاثة مواضع المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة واما مرض

(1/210)


الشهوة ففي قوله يانساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض أي لا تلن في الكلام فيطمع الذي في قلبه فجور وزناء قالوا والمرأة ينبغي لها اذا خاطبت الاجانب ان تغلظ كلامها وتقويه ولا تلينه وتكسره فان ذلك ابعد من الريبة والطمع فيها وللقلب امراض اخر من الرياء والكبر والعجب والحسد والفخر والخيلاء وحب الرياسة والعلو في الارض وهذا مرض مركب من مرض الشبهة والشهوة فإنه لا بد فيه من تخيل فاسد وارادة باطلة كالعجب والفخر والخيلاء والكبر المركب من تخيل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومحمدتهم فلا يخرج مرضه عن شهوة او شبهة او مركب منهما وهذه الامراض كلها متولدة عن الجهل ودواؤها العلم كما قال النبي في حديث صاحب الشجة الذي افتوه بالغسل فمات قتلوه قتلهم الله الا سألوا اذ لم يعلموا انما شفاء العي السؤال فجعل العي وهو عي القلب عن العلم واللسان عن النطق به مرضا وشفاؤه سؤال العلماء فأمراض القلوب اصعب من امراض الابدان لان غاية مرض البدن ان يفضي بصاحبه الى الموت وأما مرض القلب فيفضي بصاحبه الى الشقاء الابدي ولا شفاء لهذا المرض الا بالعلم ولهذا سمى الله تعالى كتابه شفاء لامراض الصدور وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم منه وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولهذا السبب نسبة العلماء الى القلوب كنسبة الاطباء الى الابدان وما يقال للعلماء اطباء القلوب فهو لقدر ما جامع بينهما والا فالامر اعظم فان كثيرا من الامم يستغنون عن الاطباء ولا يوجد الاطباء الا في اليسير من البلاد وقد يعيش الرجل عمره او برهة منه لا يحتاج الى طبيب واما العلماء بالله وامره فهم حياة الموجود وروحه ولا يستغنى عنهم طرفة عين فحاجة القلب الى العلم ليست كالحاجة الى التنفس في الهواء بل اعظم وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء للسمك اذا فقده مات فنسبة العلم الى القلب كنسبة ضوء العين اليها

(1/211)


وكنسبة سمع الاذن وكنسبة كلام اللسان اليه فإذا عدمه كان كالعين العمياء والاذن الصماء واللسان الاخرس ولهذا يصف سبحانه اهل الجهل بالعمى والصم والبكم وذلك صفة قلوبهم حيث فقدت العلم النافع فبقيت على عماها وصممها وبكمها قال تعالى ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا والمراد عمى القلب في الدنيا وقال تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم لانهم هكذا كانوا في الدنيا والعبد يبعث على ما مات عليه واختلف في هذا العمى في الاخرة فقيل هوعمى البصيرة بدليل اخباره تعالى عن رؤية الكفار ما في القيامة ورؤية الملائكة ورؤية النار وقيل هو عمي البصر ورجح هذا بان الاطلاق ينصرف اليه وبقوله قال رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا وهذا عمي العين فان الكافر لم يكن بصيرا بحجته واجاب هؤلاء عن رؤية الكفار

(1/212)


في القيامة بأن الله يخرجهم من قبورهم الى موقف القيامة بصراء ويحشرون من الموقف الى النار عميا قاله الفراء وغيره الوجه الثامن والثمانون ان الله سبحانه بحكمته سلط على العبد عدوا عالما بطرق هلاكه واسباب الشر الذي يلقيه فيه متفننا فيها خبيرا بها حريصا عليها لايفتر يقظة ولا مناما ولا بد له من واحدة من ست ينالها منه احدها وهي غاية مراده منه ان يحول بينه وبين العلم والايمان فيلقيه في الكفر فإذا ظفر بذلك فرغ منه واستراح فان فاتته هذه وهدى للاسلام حرص على تلو الكفر وهي البدعة وهي احب اليه من المعصية فان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يرى انه على هدى وفي بعض الاثار يقول ابليس اهلكت بني آدم بالذنوب واهلكوني بالاستغفار وبلا اله الا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الاهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لانهم يحسبون انهم يحسنون صنعا فاذا ظفر منه بهذه صيره من رعاته وامرائه فان اعجزته شغله بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليرتج عليه الذي بينهما وهي الخامسة فان اعجزه ذلك صار الى السادسة وهي تسليط حزبه عليه يؤذونه ويشتمونه ويبهتونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عن العلم والارادة وسائر اعماله فكيف يمكن ان يحترز منه من لا علم له بهذه الامور ولا بعدوه ولا بما يحصنه منه فانه لا ينجو من عدوه الا من عرفه وعرف طريقه التي يأتيه منها وجيشه الذي يستعين به عليه وعرفت داخله ومخارجه وكيفية محاربته وبأي شيء يحاربه وبماذا يداوى جراحته وبأي شيء يستمد القوة لقتاله ودفعه وهذا كله لا يحصل الا بالعلم فالجاهل في غفلة وعمى عن هذا الامر العظيم والخطب الجسيم ولهذا جاء ذكر العدو وشأنه وجنوده ومكايده في القرآن كثيرا جدا لحاجة النفوس الىمعرفة عدوها وطرق محاربته ومجاهدته فلولا ان العلم يكشف عن هذا لما نجا من نجا منه فالعلم هو الذي تحصل به النجاة الوجه التاسع والثمانون ان اعظم الاسباب التي يحرم بها العبد خير

(1/213)


الدنيا والاخرة ولذة النعيم في الدارين ويدخل عليه عدو منها هو الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للارادة والعزيمة هذان اصل بلاء العبد وحرمانه منازل السعداء وهما من عدم العلم اما الغفلة فمضادة للعلم منافية له وقد ذم سبحانه اهلها ونهى عن الكون منهم وعن طاعتهم والقبول منهم قال تعالى ولاتكن من الغافلين وقال تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا وقال تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل واولئك هم الغافلون وقال النبي في وصيته لنساء المؤمنين لا تغفلن فتنسين الرحمة وسئل بعض العلماء عن عشق الصور فقال قلوب غفلت عن ذكر الله فابتلاها الله بعبودية غيره فالقلب الغافل مأوى

(1/214)


الشيطان فانه وسواس خناس قد التقم قلب الغافل يقرأ عليه انواع الوساوس والخيالات الباطلة فاذا تذكر وذكر الله انجمع وانضم وخنس وتضاءل لذكر الله فهو دائما بين الوسوسة والخنس وقال عروة بن رويم ان المسيح سأل ربه ان يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له فاذا رأسه راس الحية واضع راسه على ثمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا لم يذكر وضع رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه وقد روى في هذا المعنى حديث مرفوع فهو دائما يترقب غفلة العبد فيبذر في قلبه بذر الاماني والشهوات والخيالات الباطلة فيثمر كل حنظل وكل شوك وكل بلاء ولا يزال يمده بسقيه حتى يغطى القلب ويعميه واما الكسل فيتولد عنه الاضاعة والتفريط والحرمان واشد الندامة وهو مناف لاراده والعزيمة التي هي ثمرة العلم فان من علم ان كماله ونعيمه في شيء طلبه بجهده وعزم عليه بقلبه كله فإن كل احد يسعى في تكميل نفسه ولذته ولكن اكثرهم اخطأ الطريق لعدم علمه بما ينبغي ان يطلبه فالارادة مسبوقة بالعلم والتصور فتخلفها في الغالب إنما يكون لتخلف العلم والادراك وإلا فمع العلم التام بان سعادة العبد في هذا المطلب ونجاته وفوزه كيف يلحقه كسل في النهوض اليه ولهذا استعاذ النبي من الكسل ففي الصحيح عنه انه كان يقول اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال فاستعاذ من ثمانية اشياء كل شيئين منها قرينان والفرق بينهما ان المكروه الوارد على القلب اما ان يكون على ما مضى او لما يستقبل فالاول هو الحزن والثاني الهم وان شئت قلت الحزن على المكروه الذي فات ولا يتوقع دفعه والهم على المكروه المنتظر الذي يتوقع دفعه وتأمله والعجز والكسل قرينان فان تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره عنه اما ان يكون مصدره عدم القدرة فهو العجز او يكون قارا عليه لكن تخلف لعدم إرادته فهو الكسل وصاحبه يلام عيه مالا يلام على العجز وقد يكون العجز ثمرة الكسل فيلام

(1/215)


عليه ايضا فكثيرا ما يكسل المرء عن الشيء الذي هو قادر عليه وتضعف عنه ارادته فيفضي به الى العجز عنه وهذا هو العجز الذي يلوم الله عليه في قول النبي ان الله يلوم على العجز وإلا فالعجز الذي لم تخلق له قدرة على دفعه ولا يدخل معجوزه تحت القدرة لا يلام عليه قال بعض الحكماء في وصيته إياك والكسل والضجر فان الكسل لا ينهض لمكرمة والضجر إذا نهض اليها لا يصبر عليها والضجر متولدعن الكسل والعجز فلم يفرده في الحديث بلفظ ثم ذكر الجبن والبخل فان الاحسان المتوقع من العبد اما بماله واما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس ان البخل مستلزم الجبن من غير عكس لان من بخل بماله فهو بنفسه ابخل والشجاعة تستلزم الكرم من غير عكس لان من جاد بنفسه فهو بماله اسمح واجود وهذا الذي

(1/216)


قالوه ليس بلازم اكثره فان الشجاعة والكرم واضدادها اخلاق وغرائز قد تجمع في الرجل وقد يعطى بعضها دون بعض وقد شاهد الناس من اهل الاقدام والشجاعة والبأس من هو ابخل الناس وهذا كثيرا ما يوجد في امة الترك يكون اشجع من ليث وابخل من كلب فالرجل قد يسمح بنفسه ويضن بماله ولهذا يقاتل عليه حتى يقتل فيبدأ بنفسه دونه فمن الناس من يسمح بنفسه وماله ومنهم من يبخل بنفسه ومنهم من يسمح بماله ويبخل بنفسه وعكسه والاقسام الاربعة موجودة في الناس ثم ذكر ضلع الدين وغلبة الرجال فان القهر الذي ينال العبد نوعان احدهما قهر بحق وهو ضلع الدين والثاني قهر بباطل وهو غلبة الرجال فصلوات الله وسلامه على من اوتي جوامع الكلم واقتبست كنوز العلم والحكمة من الفاظة والمقصود ان الغفلة والكسل اللذين هما اصل الحرمان سببهما عدم العلم فعاد النقص كله الى عدم العلم والعزيمة والكمال كله الى العلم والعزيمة والناس في هذا على اربعة اضرب الضرب الاول من رزق علما واعين على ذلك بقوة العزيمة على العمل وهذا الضرب خلاصة الخلق وهم الموصوفون في القرآن بقوله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله اولى الايدي والابصار وبقوله افمن كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها فبالحياة تنال العزيمة وبالنور ينال العلم وأئمة هذا الضرب هم اولو العزم من الرسل الضرب الثاني من حرم هذا وهذا وهم الموصوفون بقوله إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون وبقوله ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضلوا سبيلا وبقوله انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء وقوله وما انت بمسمع من في القبور وهذا الصنف شر البرية يضيقون الديار ويغلون الاسعار وعند انفسهم انهم يعلمون ولكن ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون ويتكلمون

(1/217)


ولكن بالجهل يتكلمون ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت ويعبدون ولكن يعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق ويتفكرون ويبيتون ولكن مالا يرضى من القول يبيتون ويدعون ولكن مع الله الها آخر يدعون ويذكرون ولكن إذا ذكروا لا يذكرون ويصلون ولكنهم من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون ويكتبون ولكن يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يسكبون ويقولون إنما نحن مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون فهذا الضرب ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة وجلهم إذا فكرت فهم حمير او كلاب او ذئاب وصدق البحتري في قوله :

(1/218)


لم يبق من جل هذا الناس باقية  ينالها الوهم الا هذه الصور وقال الاخر  لا تخدعنك اللحاء والصور  تسعة اعشار من ترى بقر في شجر السدر منهم مثل  لها رواء وما لها ثمر واحسن من هذا كله قوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة عالمهم كما قيل فيه :  زوامل للأسفار لا علم عندهم  يجيدها الا كعلم الاباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا  باوساقه او راح ما في الغرائر واحسن من هذا وابلغ واوجز وافصح قوله تعالى كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين الضرب الثالث من فتح له باب العلم وأغلق عنه باب العزم والعمل فهذا في رتبة الجاهل او شر منه وفي الحديث المرفوع اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ثبته ابو نعيم وغيره فهذا جهله كان خيرا له واخف لعذابه من كمله فما زاده العلم إلا وبالا وعذابا وهذا لا مطمع في صلاحه فإن التائه عن الطريق يرجى له العود اليها إذا ابصرها فإذا عرفها وحاد عنها عمدا فمتى ترجى هدايته قال تعالى كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا ان الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين الضرب الرابع من رزق حظا من العزيمة والارادة ولكن قل نصيبه من العلم والمعرفة فهذا اذا وفق له الاقتداء بداع من دعاة الله ورسوله كان من الذين قال الله فيهم  ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما  رزقنا الله من فضله ولا احرمنا بسوء اعمالنا انه غفور رحيم الوجه التسعون ان كل صفة مدح الله بها العبد في القرآن فهي ثمرة العلم ونتيجته وكل ذم ذمه فهو ثمرة الجهل ونتيجته فمدحه بالايمان وهو راس العلم ولبه ومدحه بالعمل الصالح الذي هو ثمرة العلم النافع ومدحه بالشكر والصبر والمسارعة في

(1/219)


الخيرات والحب له والخوف منه والرجاء والانابة والحلم والوقار واللب والعقل والعفة والكرم والايثار على النفس والنصيحة لعباده والرحمة بهم والرأفة وخفض الجناح والعفو عن مسيئهم والصفح عن جانبهم وبذل الاحسان لكافتهم ودفع السيئة بالحسنة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر في مواطن الصبر والرضا بالقضاء واللين للأولياء والشدة على الاعداء والصدق في الوعد والوفاء بالعهد والاعراض عن الجاهلين والقبول من الناصحين واليقين والتوكل والطمأنينة والسكينة والتواصل والتعاطف والعدل في الاقوال والافعال والاخلاق والقوة في امره والبصيرة في دينه والقيام بأداء حقه واستخراجه من المانعين له والدعوة اليه وإلى مرضاته وجنته والتحذير عن سبل اهل الضلال وتبيين طرق الغي وحال سالكيها والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والحض على طعام المسكين وبر الوالدين وصلة الارحام وبذل السلام لكافة المؤمنين الى سائر الاخلاق المحمودة والافعال المرضية التي اقسم الله سبحانه على عظمها فقال تعالى ن والقلم وما يسطرون ما انت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم قالت عائشة رضى الله عنها وقد سئلت عن خلق رسول الله فقالت كان خلقه القرآن فاكتفى بذلك السائل وقال فهمت ان اقوم ولا أسال عن شيء بعدها فهذه الاخلاق ونحوها هي ثمرة شجرة العلم واما شجرة الجهل فتثمر كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والفحش والبذاء والشح والبخل ولهذا قيل في حد البخل جهل مقرون بسوء الظن ومن ثمرته الغش للخلق والكبر عليهم والفخر والخيلاء والعجب والرياء والسمعة والنفاق والكذب واخلاف الوعد والغلظة على الناس والانتقام ومقابلة الحسنة بالسيئة والامر بالمنكر والنهي عن المعروف وترك القبول من الناصحين وحب غير الله ورجائه والتوكل عليه وإيثار رضاه على رضا الله وتقديم امره على امر

(1/220)


الله والتماوت عند حق الله والوثوق بما عند حق نفسه والغضب لها والانتصار لها فإذا انتهكت حقوق نفسه لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم بأكثر من حقه وإذا انتهكت محارم الله لم ينبض له عرق غضبا لله فلا قوة في امره ولا بصيرة في دينه ومن ثمرتها الدعوة الى سبيل الشيطان وإلى سلوك طرق البغي واتباع الهوى وايثار الشهوات على الطاعات وقيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ووأد البنات وعقوق الامهات وقطيعة الارحام وإساءة الجوار وركوب مركب الخزي والعار وبالحملة فالخير بمجموعه ثمر يجتنى من شجرة العلم والشر بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل فلو ظهرت صورة العلم للأبصار لزاد حسنها على صورة الشمس والقمر ولو ظهرت صورة الجهل لكان منظرها اقبح منظر بل كل خير في العالم فهو من آثار العلم الذي جاءت به الرسل ومسبب عنه وكذلك كل خير يكون الى قيام الساعة وبعدها في القيامة وكل شر وفساد حصل في العالم ويحصل الى قيام الساعة وبعدها في القيامة فسببه مخالفة ما جاءت به الرسل في العلم والعمل ولو لم يكن للعلم اب ومرب وسائس ووزير الا العقل الذي به عمارة الدارين وهو الذي ارشد الى طاعة الرسل وسلم

(1/221)


القلب والجوارح ونفسه اليهم وانقاد لحكمه وعزل نفسه وسلم الامر الى اهله لكفى به شرفا وفضلا وقد مدح الله سبحانه العقل وأهله في كتابه في مواضع كثيرة منه وذم من لا عقل له وأخبر انهم اهل النار الذين لا سمع لهم ولا عقل فهو آلة كل علم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه والمرآة التي يعرف بها الحسن من القبيح وقد قيل العقل ملك والبدن روحه وحواسه وحركاته كلها رعية له فإذا ضعف عن القيام عليها وتعهدها وصل الخلل اليها كلها ولهذا قيل من لم يكن عقله اغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه وروى انه لما هبط آدم من الجنة اتاه جبريل فقال ان الله احضرك العقل والدين والحياء لتختار واحدا منها فقال اخذت العقل فقال الدين والحياء امرنا ان لا نفارق العقل حيث كان فانحاز اليه والعقل عقلان عقل غريزة وهو اب العلم ومربيه ومتمره وعقل مكتسب مستفاد وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته فإذا اجتمعا في العبد فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واستقام له امره واقبلت عليه جيوش السعادة من كل جانب وإذا فقد احدهما فالحيوان البهيم احسن حالا منه واذا انفرد انتقص الرجل بنقصان احدهما ومن الناس من يرجح صاحب العقل الغريزي ومنهم من يرجح صاحب العقل المكتسب والتحقيق ان صاحب العقل الغريزي الذي لا علم ولا تجربة عنده آفته التي يؤتى منه الاحجام وترك انتهاز الفرصة لان عقله يعقله عن انتهاز الفرصة لعدم علمه بها وصاحب العقل المكتسب يؤتى من الاقدام فان علمه بالفرص وطرقها يلقيه على المبادرة اليها وعقله الغريزي لا يطيق رده عنه فهو غالبا يؤتى من إقدامه والاول من احجامه فإذا رزق العقل الغريزي عقلا ايمانيا مستفادا من مشكاة النبوة لا عقلا معيشيا نفاقيا يظن اربابه انهم على شيء الا انهم هم الكاذبون فانهم يرون العقل ان يرضوا الناس على طبقاتهم ويسالموهم ويستجلبوا مودتهم ومحبتهم وهذا مع انه لا سبيل اليه فهو ايثار للراحة والدعة

(1/222)


ومؤنة الاذى في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه وهو وان كان اسلم عاجلة فهو الهلك في الاجلة فإنه ما ذاق طعم الايمان من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما اوصل الى رضا الله ورسوله والله الموفق المعين وفي حديث مرفوع ذكره ابن عبدالبر وغيره اوحى الله الى نبي من انبياء بني اسرائيل قل لفلان العابد اما زهدك في الدنيا فقد تعجلت به الراحة واما انقطاعك الي فقد اكتسبت به العز فما عملت فيما لي عليك قال وما لك على قال هل واليت في وليا او عاديت في عدوا وذكر ايضا انه اوحى الله الى جبريل ان اخسف بقرية كذا وكذا قال يا رب ان فيهم فلانا العابد قال به فابدأ انه لم يتمعر وجهه في يوما قط الوجه الحادي والتسعون حديث ابن عمر عن النبي اذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة قال

(1/223)


حلق الذكر فإن لله سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فاذا اتوا عليهم صفوا بهم قال عطاء مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام كيف يشترى ويبيع ويصوم ويصلي ويتصدق وينكح ويطلق ويحج ذكره الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه وقد تقدم بيانه الوجه الثاني والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن ابن عمر يرفعه مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة وفي رفعه نظر الوجه الثالث والتسعون ما رواه ايضا من حديث عبدالرحمن بن عوف يرفعه يسير الفقه خير من كثير من العبادة ولا يثبت رفعه الوجه الرابع والتسعون ما رواه ايضا من حديث انس يرفعه فقيه افضل عند الله من ألف عابد وهو في الترمذي من حديث روح ابن جناح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا وفي ثبوتهما مرفوعين نظر والظاهر ان هذا من كلام الصحابة فمن دونهم الوجه الخامس والتسعون ما رواه ايضا عن ابن عمر يرفعه افضل العبادة الفقه الوجه السادس والتسعون ما رواه ايضا من حديث نافع عن ابن عمر يرفعه ما عبد الله بشيء افضل من فقه في دين الوجه السابع والتسعون ما رواه عن علي انه قال العالم اعظم اجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله الوجه الثامن والتسعون ما رواه المخلص عن صاعد حدثنا القاسم بن الفضل بن بزيع حدثنا حجاج بن نصير حدثنا هلال بن عبدالرحمن الجعفي عن عطاء بن أبي ميمونة عن ابي هريرة وأبي ذرأنهما قالا باب من العلم يتعلمه احب الينا من الف ركعة تطوعا وباب من العلم نعلمه عمل به او لم يعمل احب الينا من مائة ركعة تطوعا وقالا سمعنا رسول الله يقول إذا جاء الموت طالب العالم وهو على هذه الحال مات شهيدا ورواه ابن ابي داود عن شاذان عن حجاج به قلت وشاهده ما مر من حديث الترمذي عن انس يرفعه من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع الوجه التاسع والتسعون ما رواه الخطيب ايضا عن ابي هريرة قال لان اعلم بابا من العلم في أمر او نهي احب الي من سبعين غزوة في سبيل الله وهذا ان صح فمعناه احب الي من سبعين

(1/224)


غزوة بلا علم لان العمل بلا علم فساده اكثر من صلاحه او يريد علما يتعلمه ويعلمه فيكون له اجر من عمل به الى يوم القيامة وهذا لا يحصل في الغزو المجرد الوجه المائة ما رواه الخطيب ايضا عن ابي الدرداء انه قال مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة الوجه الحادي والمائة ما رواه عن الحسن قال لان العلم بابا من العلم فاعلمه مسلما احب الي من ان يكون لي الدنيا في سبيل الله الوجه الثاني والمائة قال مكحول ما عبد الله بأفضل من الفقه الوجه الثالث والمائة قال سعيد بن المسيب ليست عبادة الله بالصوم والصلاة ولكن بالفقه في دينه وهذا الكلام يراد به امران احدهما انها ليست بالصوم والصلاة الخاليين عن العلم ولكن بالفقه الذي يعلم به كيف الصوم والصلاة والثاني انها ليست الصوم والصلاة

(1/225)


فقط بل الفقه في دينه من اعظم عباداته الوجه الرابع والمائة قال اسحاق بن عبد الله بن ابي فروة اقرب الناس من درجة النبوة العلماء واهل الجهاد والعلماء دلوا الناس على ما جاءت به الرسل وقد تقدم الكلام في تفضيل العالم على الشهيد وعكسه الوجه الخامس والمائة قال سفيان بن عيينة ارفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الرسل والعلماء الوجه السادس والمائة قال محمد بن شهاب الزهري ما عبدالله بمثل الفقه وهذا الكلام ونحوه يراد به انه ما يعبد الله بمثل ان يتعبد بالفقه في الدين فيكون نفس التفقه عبادة كما قال معاذ بن جبل عليكم بالعلم فان طلبه لله عبادة وسيأتي ان شاء الله ذكر كلامه بتمامه وقد يراد به انه ما عبد الله بعبادة افضل من عبادة يصحبها الفقه في الدين لعلم الفقيه في دينه بمراتب العبادات ومفسداتها وواجبا وسننها وما يكملها وما ينقصها وكلا المعنيين صحيح الوجه السابع والمائة قال سهل بن عبدالله التستري من أراد النظر الى مجالس الانبياء فلينظر الى مجالس العلماء وهذا لان العلماء خلفاء الرسل في أممهم ووارثوهم في علمهم فمجالسهم مجالس خلافة النبوة الوجه الثامن والمائة ان كثيرا من الائمة صرحوا بأن افضل الاعمال بعد الفرائض طلب العلم فقال الشافعي ليس شيء بعد الفرائض افضل من طلب العلم وهذا الذي ذكر اصحابه عنه انه مذهبه وكذلك قال سفيان الثوري وحكاه الحنفية عن ابي حنيفة واما الامام احمد فحكى عنه ثلاث روايات احداهن انه العلم فإنه قيل له أي شيء احب اليك اجلس بالليل انسخ او اصلي تطوعا قال نسخك تعلم به امور دينك فهو احب الي وذكر الخلال عنه في كتاب العلم نصوصا كثيرة في تفضيل العلم ومن كلامه فيه الناس الى العلم احوج منهم الى الطعام والشراب وقد تقدم الرواية الثانية ان افضل الاعمال بعدالفرائض صلاة التطوع واحتج لهذه الرواية بقوله واعلموا ان خير اعمالكم الصلاة وبقوله في حديث ابي ذر وقد سأله عن

(1/226)


الصلاة فقال خيرموضوع وبأنه اوصى من سأله موافقته في الجنة بكثرة السجود وهو الصلاة وكذلك قوله في الحديث الاخر عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة وبالاحاديث الدالة على تفضيل الصلاة والرواية الثالثة انه الجهاد فإنه قال لا اعدل بالجهاد شيئا من ذا يطيقه ولا ريب ان اكثر الاحاديث في الصلاة والجهاد وأما مالك فقال ابن القاسم سمعت مالكا يقول ان اقواما ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم فخرجوا على امة محمد بأسيافهم ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك قال مالك وكتب ابو موسى الاشعري الى عمر بن الخطاب انه قرا القرآن عندنا عددكذا وكذا فكتب اليه عمر ان افرض لهم من بيت المال فلما كان في العام

(1/227)


الثاني كتب اليه انه قد قرا القرآن عندنا عدد كثير لأكثر من ذلك فكتب اليه عمر ان امحهم من الديوان فاني اخاف من ان يسرع الناس في القرآن ان يتفقهوا في الدين فيتأولوه على غير تأويله وقال ابن وهب كنت بين يدي مالك بن انس فوضعت الواحي وقمت الى الصلاة فقال ما الذي قمت اليه بأفضل من الذي تركته قال شيخنا وهذه الامور الثلاثة التي فضل كل واحد من الائمة بعضها وهي الصلاة والعلم والجهاد هي التي قال فيها عمر بن الخطاب رضى الله عنه لولا ثلاث في الدنيا لما احببت البقاء فيها لولا ان احمل او اجهز جيشا في سبيل الله ولولا مكابدة هذا الليل ولولا مجالسة اقوام ينتقون اطايب الكلام كما ينتقى اطايب التمر لما احببت البقاء فالاول الجهاد والثاني قيام الليل والثالث مذاكرة العلم فاجتمعت في الصحابة بكمالهم وتفرقت فيمن بعدهم الوجه التاسع والمائة ما ذكره ابو نعيم وغيره عن بعض اصحاب رسول الله انه قال فضل العلم خير من نفل العمل وخير دينكم الورع وقد روى هذا مرفوعا من حديث عائشة رضى الله عنها وفي رفعه نظر وهذا الكلام هو فصل الخطاب في هذه المسئلة فإنه إذا كان كل من العلم والعمل فرضا فلا بد منهما كالصوم والصلاة فإذا كانا فضلين وهما النفلان المتطوع بهما ففضل العلم ونفله خير من فضل العبادة ونفلها لان العلم يعم نفعه صاحبه والناس معه والعبادة يختص نفعها بصاحبها ولان العلم تبقى فائدته وعلمه بعد موته والعبادة تنقطع عنه ولما مر من الوجوه السابقة الوجه العاشر بعدالمائة ما رواه الخطيب وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يحسنه صدقة وبذله لاهله قربة به يعرف الله ويعبد وبه يؤحد وبه يعرف الحلال من الحرام وتوصل الارحام وهو الانيس في الوحده والصاحب في الخلوة والدليل على السراء والمعين على الضراء والوزير عند الاخلاء والقريب عند

(1/228)


الغرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله به اقواما فيجعلهم في الخير قادة وسادة يقتدى بهم ادلة في الخير تقتص آثارهم وترمق افعالهم وترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتهم تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهو امه وسباع البر وانعامه والسماء ونجومها والعلم حياة القلوب من العمى ونور للأبصار من الظلم وقوة للآبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل الابرار والدرجات العلى التفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام وهو إمام للعمل والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الاشقياء هذا الاثر معروف عن معاذ وروراه ابو نعيم في المعجم من حديث معاذ مرفوعا الى النبي ولا يثبت وحسبه ان يصل الى معاذ الوجه الحادي

(1/229)


عشر بعدالمائة ما رواه يونس بن عبدالاعلى عن ابن ابي فديك حدثني عمرو بن كثير عن ابي العلاء عن الحسن عن رسول الله قال من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الاسلام فبينه وبين الانبياء في الجنة درجة النبوة وقد روى من حديث علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي وهذا وإن كان لا يثبت اسناده فلا يبعد معناه من الصحة فإن افضل الدرجات النبوة وبعدها الصديقية وبعدها الشهادة وبعدها الصلاح وهذه الدرجات الاربع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا فمن طلب العلم ليحيى به الاسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوة الوجه الثاني عشر بعدالمائة قال الحسن في قوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة هي العلم والعبادة وفي الاخرة حسنة هي الجنة وهذا من احسن التفسير فإن اجل حسنات الدنيا العلم النافع والعمل الصالح الوجه الثالث عشر بعدالمائة قال ابن مسعودعليكم بالعلم قبل ان يرفع ورفعه هلاك العلماء فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء ان يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم وإن احدا لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم الوجه الرابع عشر بعد المائة قال ابن عباس وابو هريرة وبعدهما احمد بن حنبل تذاكر العلم بعض ليلة احب الينا من احيائها الوجه الخامس عشر بعدالمائة قال عمر رضى الله عنه ايها الناس عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداء يحبه فمن طلب باب من العلم رداه الله بردائه فإن اذنب ذنبا استعتبه لئلا يسلبه رداءه ذلك حتى يموت به قلت ومعنى استعتاب الله عبدة ان يطلب منه ان يعتبه أي يزيل عتبه عليه بالتوبة والاستغفار والانابة فإذا اناب اليه رفع عنه عتبة فيكون قد اعتب ربه أي ازال عتبه عليه والرب تعالى قد استعتبه أي طلب منه ان يعتبه ومن هذا قول ابن مسعود وقد وقعت

(1/230)


زلزلة بالكوفة ان ربكم يستعتبكم فاعتبوه وهذا هو الاستعتاب الذين تقاه سبحانه في الاخرة في قوله فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون أي لا نطلب منهم إزالة عتبنا عليهم فإن إزالته إنما تكون بالتوبة وهي لا تنفع في الاخرة وهذا غير استعتاب العبد ربه كما في قوله تعالى فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وان يستعتبوا فماهم من المعتبين فهذا معناه ان يطلبوا إزالة عتبنا عليهم والعفو فماهم من المعتبين أي ماهم ممن يزال العتب عليهم وهذا الاستعتاب ينفع في الدنيا دون الاخرة الوجه السادس عشر بعدالمائة قال عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه ووجه قول عمر ان هذا العالم يهدم على إبليس كل ما يبنيه بعلمه وإرشاده واما العابد فنفعه مقصور على نفسه الوجه السابع عشر بعدالمائة قول بعض السلف إذا اتى على يوم

(1/231)


لا ازداد فيه علما يقربني الى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم وقد رفع هذا الى رسول الله ورفعه اليه باطل وحسبه ان يصل الى واحد من الصحابة او التابعين وفي مثله قال القائل إذا مربي يوم ولم استفد هدى ولم اكتسب علما فما ذلك من عمري الوجه الثامن عشر بعدالمائة قال بعض السلف الايمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد رفع هذا ايضا ورفعه باطل الوجه التاسع عشر بعدالمائة إنه في بعض الاثار بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة وقد رفع هذا ايضا وفي رفعه نظر الوجه العشرون بعدالمائة ما رواه حرب في مسائله مرفوعا الى النبي يجمع الله تعالى العلماء يوم القيامة ثم يقول يا معشر العلماء إني لم اضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم اضع علمى فيكم لاعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم وهذا وإن كان غريبا فله شواهد حسان الوجه الحادي والعشرون بعدالمائة قول ابن المبارك وقد سئل من الناس قال العلماء قيل فمن الملوك قال الزهاد قيل فمن السفلة قال الذي يأكل بدينه الوجه الثاني العشرون بعدالمائة ان من ادرك العلم لم يضره ما فاته بعد ادراكه اذ هو افضل الحظوظ والعطايا ومن فاته العلم لم ينفعه ما حصل له من الحظوظ بل يكون وبالاعليه وسببا لهلاكه وفي هذا قال بعض السلف أي شيء ادرك من فاته العلم واي شيء فاته من ادرك العلم الوجه الثالث والعشرون بعدالمائة قال بعض العارفين اليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قالوا فكذلك القلب إذا منع عنه العلم والحكمة ثلاثة ايام يموت وصدق فان العلم طعام القلب وشرابه ودواؤه وحياته موقوفة على ذلك فإذا فقد القلب العلم فهو موت لو كان لا يشعر بموته كما ان السكران الذي قد زال عقله والخائف الذي قد انتهى خوفه الى غايته والمحب والمفكر قد يبطل احساسهم بألم الجراحات في تلك الحال فإذا صحوا وعادوا الى حال الاعتدال ادركوا آلامها هكذا العبد إذا حط

(1/232)


عنه الموت احمال الدنيا وشواغلها اختص بهلاكه وخسرانه فحتام لا تصحوا وقد قرب المدى وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر فإذا كشف الغطاء وبرح الخفاء وبليت السرائر وبدت الضمائر وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور فحينئذ يكون الجهل ظلمة على الجاهلين والعلم حسرة على الباطلين الوجه الرابع والعشرون بعدالمائة قال ابو الدرداء من رأى ان الغدو الى العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله وشاهد هذا قول معاذ وقد تقدم الوجه الخامس والعشرون بعدالمائة قول ابي الدرداء ايضا لان اتعلم مسئلة احب الي من قيام ليلة الوجه السادس والعشرون

(1/233)


بعدالمائة قوله ايضا العالم والمتعلم شريكان في الاجر وسائر الناس همج لا خير فيهم الوجه السابع والعشرون بعدالمائة ما رواه ابو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث ابي هريرة انه سمع رسول الله يقول من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا او ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر الى ما ليس له الوجه الثامن والعشرون بعدالمائة ما رواه ايضا في صحيحه من حديث الثلاثة الذين انتهوا الى رسول الله وهو جالس في حلقه فأعرض احدهم واستحى الاخر فجلس خلفهم وجلس الثالث في فرجة في الحلقة فقال النبي اما احدهم فأوى الى الله فآواه الله وأما الاخر فاستيحا فاستحيا الله منه وأما الاخر فاعرض فاعرض الله عنه فلولم يكن لطالب العلم الا ان الله يؤويه اليه ولا يعرض عنه لكفى به فضلا الوجه التاسع والعشرون بعد المائة ما رواه كميل بن زياد النخعي قال اخذ علي بن ابي طالب رضى الله عنه بيدي فاخرجني ناحية الجبانة فلما اصحر جعل يتنفس ثم قال يا كميل بن زياد القلوب اوعية فخيرها اوعاها احفظ عني ما اقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئؤوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال العلم يكزكوا على الانفاق وفي رواية على العمل والمال تنقصه النفقة العلم حاكم والمال محكوم عليه ومحبة العلم دين يدان بها العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد وفاته وصنيعة المال تزول بزواله مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة هاه هاه إن ههنا علما واشار بيده الى صدره لو اصبت له حملة بل اصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر حجج الله على كتابه وبنعمه على عباده او منقادا لاهل الحق لا بصير له في احبائه ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لاذاو لا

(1/234)


ذاك او منهوما للذات سلس القياد للشهوات او مغرى بجمع الاموال والادخار ليسا من دعاة الدين اقرب شبها بهم الانعام السائمة لذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بك لن تخلو الارض من قائم لله بحجته لكيلا تبطل حجج الله وبنياته اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قيلا بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشابههم هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وانسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى اولئك خلفاء الله في ارضه ودعاته الى دينه هاه هاه شوقا الى رؤيتهم واستغفر الله لي ولك اذا شئت فقم ذكره ابو نعيم في الحلية وغيره قال ابو بكر الخطيب هذا حديث حسن من احسن الاحاديث معنى واشرفها لفظا وتقسيم امير

(1/235)


المؤمنين للناس في اوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد لان الانسان لا يخلو من احد الاقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل اما ان يكون عالما او متعلما او مغفلا للعلم وطلبه اليس بعالم ولا طالب له فالعالم الرباني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد وقد دخل في الوصف له بانه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لاهله ويمنع وصفه بما خالفها ومعنى الرباني في اللغة الرفيع الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه وعلى ذلك حملوا قوله تعالى لولا ينهاهم الربانيون وقوله كونوا ربانيين قال ابن عباس حكماء فقهاء وقال ابو رزين فقهاء علماء وقال ابو عمر الزاهد سالت ثعلبا عن هذا الحرف وهو الرباني فقال سألت ابن الاعرابي فقال إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني قال ابن الانباري عن النحويين ان الربانيين منسوبون الى الرب وان الالف والنون زيدتا للمبالغة في النسب كما تقول لحياني وجبهاني إذا كان عظيم اللحية والجبهة واما المتعلم على سبيل النجاة فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه والرغبة بنفسه عن احمالها واطراحها والانفة من مجانسة البهائم ثم قال وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس من لم يكن من اهل العلم واما القسم الثالث فهم المهملون لانفسهم الراضون بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الاسقط والهبوط الاسفل التي لا منزلة بعدها في الجهل ولا دونها في السقوط وما احسن ما شبههم بالهمج الرعاع وبه يشبه دناة الناس واراذلهم والرعاع المتبدد المتفرق وللناعق الصائح وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق اذا صاح بها ومنه قوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بمالا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون ونحن نشير الى بعض ما في هذا الحديث من الفوائد فقوله رضى

(1/236)


الله عنه القلوب اوعية يشبه القلب بالوعاء والاناء والوادي لانه وعاء للخير والشر وفي بعض الاثار ان لله في ارضه آنية وهي القلوب فخيرها ارقها واصلبها واصفاها فهي اواني مملوءة من الخير واواني مملوة من الشر كما قال بعض السلف قلوب الابرار تغلى بالبر وقلوب الفجار تغلى بالفجور وفي مثل هذا قيل في المثل وكل إناء بالذي فيه ينضح وقال تعالى انزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها شبه العلم بالماء النازل من السماء والقلوب في سعتها وضيقها بالاودية فقلب كبير واسع يسع علما كثيرا كواد كبير واسع يسع ماءا كثيرا وقلب صغير ضيق يسع علما قليلا كواد صغير ضيق يسع ماءا قليلا ولهذا قال النبي لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم قلب المؤمن فانهم كانوايسمون شجر العنب الكرم لكثرة منافعه وخيره والكرم كثيرة الخير والمنافع فأخبرهم ان قلب

(1/237)


المؤمن اولى بهذه التسمية لكثرة ما فيه من الخير والمنافع وقوله فخيرها اوعاها يراد به اسرعها وعيا واثبتها وعيا ويراد به ايضا احسنها وعيا فيكون حسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته والوعاء من مادة الوعي فإنه آلة ما يوعى فيه كالغطاء والفراش والبساط ونحوها ويوصف بذلك القلب والاذن كقوله تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية قال قتادة اذن سمعت وعقلت عن الله ما سمعت وقال الفراء لتحفظها كل اذن فتكون عظة لمن يأتي بعد فالوعي توصف به الاذن كما يوصف به القلب يقال قلب واع وأذن واعية لما بين الاذن والقلب من الارتباط فالعلم يدخل من الاذن الى القلب فهي بابه والرسول الموصل اليه العلم كما ان اللسان رسوله المؤدى عنه ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم ان الاذن احقها ان توصف بالوعي وانها إذا وعت وعي القلب وفي حديث جابر في المثل الذي ضربته الملائكة للنبي ولأمته وقول الملك له اسمع سمعت اذنك وعقل قلبك فلما كان القلب وعاءا والاذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع وعقل القلب والعقل هو ضبط ما وصل الى القلب وإمساكه حتى لايتفلت منه ومنه عقل البعير والدابة والعقال لما يعقل به وعقل الانسان يسمى عقلا لانه يعقله عن اتباع الغي والهلاك ولهذا يسمى حجرا لانه يمنع صاحبه كما يمنع الحجر ما حواه فعقل الشيء اخص من علمه ومعرفته لان صاحبه يعقل ما علمه فلا يدعه يذهب كما تعقل الدابة التي يخاف شرودها وللادراك مراتب بعضها اقوى من بعض فاولها الشعور ثم الفهم ثم المعرفة ثم العلم ثم العقل ومرادنا بالعقل المصدر لا القوة الغريزية التي ركبها الله في الانسان فخير القلوب ما كان واعيا للخير ضابطا له وليس كالقلب القاسي الذي لايقبله فهذا قلب حجري ولا كالمائع الاخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط فتفهيم الاول كالرسم في الحجر وتفهيم الثاني

(1/238)


كالرسم على الماء بل خير القلوب ما كان لينا صلبا يقبل بلينه ما ينطبع فيه ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه وقوله الناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة همج رعاع هذا تقسيم خاص للناس وهو الواقع فإن العبد إما ان يكون قد حصل كماله من العلم والعمل اولا فالاول العالم الرباني والثاني اما ان تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال ساعية في إدراكه اولا والثاني هو المتعلم على سبيل النجاة الثالث وهو الهمج الرعاج فالاول هو الواصل والثاني هو الطالب والثالث هو المحروم والعالم الرباني قال ابن عباس رضى الله عنهما هو المعلم اخذه من التربية أي يربى الناس بالعلم ويربيهم به كما يربى الطفل ابوه وقال سعيد بن جبير هو الفقيه العليم الحكيم قال سيبويه زادوا الفا ونونا في الرباني إذا ارادوا تخصيصا بعلم الرب تبارك وتعالى كما قالوا أشعر اني ولحياني ومعني قول سيبويه رحمه الله ان هذا العالم لما نسب الى علم الرب تعالى الذي بعث به رسوله

(1/239)


وتخصص به نسب اليه دون سائر من علم علما قال الواحدي فالرباني على قوله منسوب الى الرب على معنى التخصيص بعلم الرب أي يعلم الشريعة وصفات الرب تبارك وتعالى وقال المبرد الرباني الذي يرب العلم ويرب الناس به أي يعلمهم ويصلحهم وعلى قوله فالرباني من رب يرب ربا أي يربيه فهو منسوب الى التربية ويربى علمه ليكمل ويتم بقيامه عليه وتعاهده إياه كما يربى صاحب المال ماله يربي الناس به كما يربى الاطفال اولياؤهم وليس هذا من قوله وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فالربيون هنا الجماعات باجماع المفسرين قيل إنه من الربة بكسر الراء وهي الجماعة قال الجوهري الربي واحد الربيين وهم الالوف من الناس قال تعالى وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون عاملا بعمله معلما له فهذا قسم والقسم الثاني متعلم على سبيل نجاة أي قاصدا بعلمه النجاة وهو المخلص في تعلمه المتعلم ما ينفعه العامل بما علمه فلا يكون المتعلم على سبيل نجاة الا بهذه الامور الثلاثة فإنه إن تعلم ما يضره ولاينفعه لم يكن على سبيل نجاة وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة فكذلك وإن تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة ولهذا وصفه بكونه على السبيل اي على الطريق التي تنجيه وليس حرف على وما عمل فيه متعلقا بمتعلم إلا على وجه التضمين أي مفتش متطلع على سبيل نجاته فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن تعلمه ليمارى به السفهاء او يجارى به العلماء او يصرف وجوه الناس اليه فإن هذا من اهل النار كما جاء في الحديث وثبته ابو نعيم ايضا قوله من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة قال وثبت ايضا قوله اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله من الخذلان القسم الثالث المحروم المعرض فلا عالم ولا متعلم

(1/240)


بل همج رعاع والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم واصله من الهمج جمع همجة وهو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب واعينها فشبه همج الناس به والهمج ايضا مصدر قال الراجز : قد هلكت جارتنا من الهمج وان تجع تأكل عتودا او ثلج والهمج هنا مصدر ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة وقولهم همج هامج مثل ليل لايل والرعاع من النساء الحمقى الذين لايعتد بهم وقوله اتباع كل ناعق أي من صاح بهم ودعاهم تبعوه سواء دعاهم الى هدى او الى ضلال فانهم لا علم لهم بالذي يدعون اليه احق هو ام باطل فهم مستجيبون لدعوته وهؤلاء من اضر الخلق على الاديان فإنهم الاكثرون عددا الاقلون

(1/241)


عند الله قدرا وهم حطب كل فتنة بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يهتز لها اولو الدين ويتولاها الهمج الرعاع وسمى داعيهم ناعقا تشبيها لهم بالانعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه اين ذهب قال تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاءا ونداءا صم بكم عمي فهم لا يعقلون وهذا الذي وصفهم به امير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق والباطل بل الكل عندهم سواء وقوله رضى الله عنه يميلون مع كل ريح وفي رواية مع كل صائح شبه عقولهم الضعيفة بالغصن الضعيف وشبه الاهوية والاراء بالرياح والغصن يميل مع الري حيث مالت وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكل داع ولو كانت عقولا كاملة كانت كالشجرةالكبيرة التي لاتتلاعب بها الرياح وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبي للمؤمنين بالخامة من الزرع تفيئه الريح مرة وتقيمه اخرى والمنافق كشجرة الارز التي لا تقطع حتى تستحصد فإن هذا المثل ضرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والاوجاع والاوجال وغيرها فلا يزال بين عافية وبلاء ومحنة ومنحة وصحة وسقم وأمن وخوف وغير ذلك فيقع مرة ويقوم اخرى ويميل تارة ويعتدل اخرى فيكفر عنه بالبلاء ويمحص به ويخلص من كدره والكافر كله خبث ولا يصلح الا للوقود فليس في إصابته في الدنيا بانواع البلاء من الحكمة والرحمة ما في اصابة المؤمن فهذه حال المؤمن في الابتلاء واما مع الاهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع فكما قيل : تزول الجبال الراسيات وقلبه على العهد لا يلوى ولا يتغير وقوله رضى الله عنه لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا الى ركن وثيق بين السبب الذي جعلهم بتلك المثابة وهو انه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق والباطل كما قال تعالى يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به وقال تعالى او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في

(1/242)


الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقوله تعالى يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور الاية وقوله ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري اين يذهب فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت يسمعه ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاة الباطل فإن الحق متى استقر في القلب قوى به وامتنع مما يضره ويهلكه ولهذا سمى الله الحجة العلمية سلطانا وتقدم قدم ذلك فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه فاذا

(1/243)


استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وهذان الاصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة وقد وصف بهما سبحانه المعلم الاول جبريل صلوات الله وسلامه عليه فقال إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى وقال تعالى في سورة التكوير إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين فوصفه بالعلم والقوة وفيه معنى احسن من هذا وهو الاشبه بمراد على رضى الله عنه وهو ان هؤلاء ليسوا من اهل البصائر الذين استضاؤا بنور العلم ولا لجئوا الى عالم مستبصر فقلدوه ولا متبعين لمستبصر فإن الرجل اما ان يكون بصيرا او اعمى متمسكا ببصير يقوده او اعمى يسير بلا قائد وقوله رضى الله عنه العلم خير من المال العلم يحرسك وانت تحرس المال يعني ان العلم يحفظ صاحبه ويحميه من مواردالهلكة ومواقع العطب فإن الانسان لا يلقى نفسه في هلكة إذا كان عقله معه ولا يعرضها لمتلف إلا إذا كان جاهلا بذلك لا علم له به فهو كمن يأكل طعاما مسموما فالعالم بالسم وضرره يحرسه علمه ويمتنع به من اكله والجاهل به يقتله جهله فهذا مثل حراسة العلم للعالم وكذا الطبيب الحاذق يمتنع بعلمه عن كثير ما يجلب له الامراض والاسقام وكذا العالم بمخاوف طريق سلوكه ومعاطبها يأخذ حذره منها فيحرسه علمه من الهلاك وهكذا العالم بالله وبامره وبعدوه ومكائده ومداخله على العبد يحرسه علمه من وساوس الشيطان وخطراته والقاء الشك والريب والكفر في قلبه فهو بعلمه يمتنع من قبول ذلك فعلمه يحرسه من الشيطان فكلما جاء ليأخذه صاح به حرس العلم والايمان فيرجع خاسئا خائبا واعظم ما يحرسه من هذا العدو المبين العلم والايمان فهذا السبب الذي من العبد والله من وراء حفظه وحراسته وكلاءته فمتى وكله الى نفسه طرفة عين تخطفه عدوه قال بعض العارفين اجمع العارفون على ان التوفيق ان لا يكلك الله الى نفسك واجمعوا على ان الخذلان ان يخلى بينك وبين نفسك وقوله العلم يزكوا على الانفاق والمال تنقصه النفقة

(1/244)


العالم كلما بذل علمه للناس وانفق منه تفجرت بنابيعه فازداد كثرة وقوة وظهورا فيكتسب بتعليمه حفظ ما علمه ويحصل له به علم ما لم يكن عنده وربما تكون المسئلة في نفسه غير مكشوفة ولا خارجة من حيز الاشكال فإذا تكلم بها وعلمها اتضحت له واضاءت وانفتح له منها علوم اخر وايضا فإن الجزاء من جنس العمل فكما علم الخلق من جهالتهم جزاه الله بان كلمة من جهالته كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي انه قال في حديث طويل وان الله قال لي انفق انفق عليك وهذا يتناول نفقة العلم اما بلفظه وإما بتنبيهه وإشارته وفحواه ولزكاء العلم ونحوه طريقان احدهما تعليمه والثاني العمل به فإن العمل به ايضا ينميه ويكثره ويفتح لصاحبه ابوابه وخباياه وقوله والمال تنقصه النفقة لا ينافي قول النبي ما نقصت صدقة من مال فإن المال إذا تصدقت منه وانفقت ذهب ذلك القدر

(1/245)


وخلفه غيره وأما العلم فكالقبس من النار لو اقتبس منها العالم لم يذهب منها شيء بل يزيد العلم بالاقتباس منه فهو كالعين التي كلما اخذ منها قوى ينبوعها وجاش معينها وفضل العلم على المال يعلم من وجوه احدها ان العلم ميراث الانبياء والمال ميراث الملوك والاغنياء والثاني ان العلم يحرس صاحبه وصاحب المال يحرس ماله والثالث ان المال تذهبه النفقات والعلم يزكوا على النفقة الرابع ان صاحب المال إذا مات فارقه ماله والعلم يدخل معه قبره الخامس ان العلم حاكم على المال والمال لا يحكم على العلم السادس ان المال يحصل للمؤمن والكافر والبر والفاجر والعلم النافع لا يحصل الا للمؤمن ز السابع ان العالم يحتاج اليه الملوك فمن دونهم وصاحب المال إنما يحتاج اليه اهل العدم والفاقة الثامن ان النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله وذلك من كمالها وشرفها والمال يزكيها ولا يكمله ولا يزيدها صفة كمال بل النفس تنقص وتشح وتبخل بجمعه والحرص عليه فحرصها على العلم عين كمالها وحرصها على المال عين نقصها التاسع ان المال يدعوها الى الطغيان والفخر والخيلاء والعلم يدعوها إلى التوضع والقيام بالعبودية فالمال يدعوها الى صفات الملوك والعلم يدعوها الى صفات العبيد العاشر ان العلم جاذب موصل لها الى سعادتها التي خلقت لها والمال حجاب بينها وبينها الحادي عشر ان غني العلم اجل من غني المال فإن غني المال غنى بامر خارجي عن حقيقة الانسان لو ذهب في ليلة اصبح فقيرا معدما وغني العلم لا يخشى عليه الفقر بل هو في زايدة ابدا فهو الغني العالي حقيقة كما قيل غنيت بلا مال عن الناس كلهم وان الغني العالي عن الشيء لا به الثاني عشر ان المال يستعبد محبه وصاحبه فيجعله عبدا له كما قال النبي تعس عبد الدينار والدرهم الحديث والعلم يستعبده لربه وخالقه فهو لا يدعوه إلا الى عبودية الله وحده الثالث عشر ان احب العلم وطلبه اصل كل طاعة وحب الدنيا والمال وطلبه اصل كل

(1/246)


سيئة الرابع عشر ان قيمة الغني ماله وقيمة العالم علمه فهذا متقوم بماله فإذا عدم ماله عدمت قيمته وبقي بلا قيمة والعالم لاتزول قيمته بل هي فيضاعف وزيادة دائما الخامس عشر ان جوهر المال من جنس جوهر البدن وجوهر العلم من جنس جوهر الروح كما قال يونس بن حبيب علمك من روحك ومالك من بدنك والفرق بين الامرين كالفرق بين الروح والبدن السادس عشر ان العالم لو عرض عليه بحظه من العلم الدنيا بما فيها لم يرضها عوضا من علمه والغني العاقل إذا رأى شرف العلم وفضله وابتهاجه بالعلم وكماله به يود لو ان له علمه بغناه اجمع السابع عشر انه ما اطاع الله احد قط الا بالعلم وعامة من يعصيه إنما يعصيه بالمال الثامن عشر ان العالم يدعو الناس الى الله بعلمه وحاله وجامع المال يدعوهم الى الدنيا بحاله وماله التاسع عشر ان غنى المال قد يكون سبب هلاك صاحبه كثيرا فإنه معشوق النفوس فإذا رأت من يستأثر بمعشوقها عليها سعت في هلاكه كما هو الواقع وأما غنى

(1/247)


العلم فسبب حياة الرجل وحياة غيره به والناس إذا راوا من يستأثر عليهم به ويطلبه احبوه وخدموه واكرموه العشرون إن اللذة الحاصلة من غنى إما لذة وهمية وإما لذة بهيمية فإن صاحبه التذ بنفس جمعه وتحصيله فتلك لذة وهمية خيالية وان التذ بانفاقه في شهواته فهي لذة بهيمية واما لذة العلم فلذة عقلية روحانية وهي تشبه لذة الملائكة وبهجتها وفرق ما بين اللذتين الحادي والعشرون ان عقلاء الامم مطبقون على ذم الشره في جمع المال الحريص عليه وتنقصه والازراء به ومطبقون على تعظيم الشره في جمع العلم وتحصيله ومدحه ومحبته ورؤيته بعين الكمال الثاني والعشرون انهم مطبقون على تعظيم الزاهد في المال المعرض عن جمعه الذي لا يلتفت اليه ولا يجعل قلبه عبدا له ومطبقون على ذم الزاهد في العلم الذي لا يلتفت اليه ولا يحرص عليه الثالث والعشرون ان المال يمدح صاحبه بتخليه منه وإخراجه والعلم إنما يمدح يتخليه به واتصافه به الرابع والعشرون ان غنى المال مقرون بالخوف والحزن فهو حزين قبل حصوله خائف بعد حصوله وكلما كان اكثر كان الخوف اقوى وغني العلم مقرون بالامن والفرح والسرور الخامس والعشرون ان الغنى بماله لا بد ان يفارقه غناه ويتعذب ويتألم بمفارقته والغنى بالعلم لا يزول ولا يتعذب صاحبه لا يتألم فلذة الغنى بالماللذة زائلة منقطعة يعقبها الالم ولذة الغنى بالعلم لذة باقية مستمرة لا يلحقها الم السادس والعشرون ان استلذاذ النفس وكمالها بالغني استكمال بعارية مؤداة فتجملها بالمال تجمل بثوب مستعار لا بد ان يرجع الى مالكه يوما ما واما تجملها بالعلم وكمالها به فتجمل بصفة ثابتة لها راسخة فيها لا تفارقها السابع والعشرون ان الغني بالمال هو عين فقر النفس والغنى بالعلم هو عين فقر النفس والغنى بالعلم هو غناها بالحقيقي فغناها بعلمها هو الغني غناها بمالها هو الفقر الثامن والعشرون ان من قدم وأكرم لماله إذا زال ماله زال تقديمه وإكرامه ومن قدم وأكرم

(1/248)


لعلمه لا يزداد الا تقديما وإكراما التاسع والعشرون ان تقديم الرجل لماله هو عين ذمه فانه نداء عليه بنقصه وانه لولا ماله لكان مستحقا للتأخر والاهانة واما تقديمه وإكرامه لعلمه فإنه عين كماله إذ هو تقديم له بنفسه وبصفته القائمة به لا بأمر خارج عن ذاته الوجه الثلاثون ان طالب الكمال بغنى المال كالجامع بين الضدين فهو طالب مالا سبيل له اليه وبيان ذلك ان القدرة صفة كمال وصفة الكمال محبوبة بالذات والاستغناء عن الغير ايضا صفة كمال محبوبة بالذات فإذا مال الرجل بطبعه الى السخاوة والجود وفعل المكرمات فهذا كمال مطلوب للعقلاء محبوب للنفوس وإذا التفت الى ان ذلك يقتضى خروج المال من يده وذلك يوجب نقصه واحتياجه الى الغير وزوال قدرته نفرت نفسه عن السخاء والكرم والجود واصطناع المعروف وظن ان كماله في إمساك المال وهذه البلية امر ثابت لعامة الخلق لا ينكفون عنها فلأجل ميل الطبع الى حصول المدح والثناء والتعظيم بحب الجود والسخاء

(1/249)


والمكارم ولأجل فوت القدرة الحاصلة بسبب اخراجه والحاجة المنافية لكمال الغنى يحب ابقاء ماله ويكره السخاء والكرم والجود فيبقى قلبه واقفا بين هذين الداعيين يتجاذبانه ويعتور ان عليه فيبقى القلب في مقام المعارضة بينهما فمن الناس من يترجح عنده جانب البذل والجود والكرم فيؤثره على الجانب الاخر ومنهم من يترجح عنده جانب الامساك وبقاء القدرة والغني فيؤثره فهذان نظران للعقلاء ومنهم من يبلغ به الجهل والحماقة الى حيث يريد الجمع بين الوجهين فيعد الناس بالجود والسخاء والمكارم طمعا منه في فوزه بالمدح والثناء على ذلك وعند حضور الوقت لا يفي بما قال فيستحق الذم ويبذل بلسانه ويمسك بقلبه ويده فيقع في أنواع القبائح والفضائح وإذا تأملت احوال اهل الدنيا من الاغنياء رأيتهم تحت اسر هذه البلية وهم غالبا يبكون ويشكون وأما غنى العلم فلا يعرض له شيء من ذلك بل كلما بذله ازداد ببذلة فرحا سرورا وابتهاجا وإن فاتته لذة اهل الغنى وتمتعهم باموالهم فهم ايضا قد فاتتهم لذة اهل العلم وتمتعهم بعلومهم وابتهاجهم بها فمع صاحب العلم من اسباب اللذة ما هو اعظم واقوى وادوم من لذة الغنى وتعبه في تحصيله وجمعه وضبطه اقل من تعب جامع المال فجمعه والمه دون المه كما قال تعالى للمؤمنين تسلية لهم بما ينالهم من الالم والتعب في طاعته ومرضاته ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون وكان الله عليما حكيما الحادي والثلاثون ان اللذة الحاصلة من المال والغنى إنما هي حال تجدده فقط واما حال دوامه فإما ان تذهب تلك اللذة وإما ان تنقص ويدل عليه ان الطبع يبقى طالبا لغنى آخر حريصا عليه فهو يحاول تحصيل الزيادة دائما فهو في فقر مستمر غير منقض ولو ملك خزائن الارض ففقره وطلبه وحرصه باق عليه فإنه احد المنهومين اللذين لا يشبعان فهو لا يفارقه الم الحرص والطلب وهذا بخلاف غنى العلم والإيمان فان لذته في

(1/250)


حال بقائه مثلها في حال تجدده بل ازيد وصاحبها وان كان لا يزال طالبا للمزيد حريصا عليه فطلبه وحرصه مستصحب للذة الحاصل ولذة المرجو المطلوب ولذة الطلب وابتهاجه فرجه به الثاني والثلاثون ان غني المال يستدعي الانعام على الناس والاحسان اليهم فصاحبه اما ان يسد على نفسه هذا الباب واما ان يفتحه عليه فان سده على نفسه اشتهر عند الناس بالبعد من الخير والنفع فأبغضوه وذموه واحتقروه وكل من كان بغيضا عند الناس حقيرا لديهم كان وصول الافات والمضرات اليه اسرع من النار في الحطب اليابس ومن السيل في منحدره وإذا عرف من الخلق انهم يمقتونه ويبغضونه ولا يقيمون له وزنا تألم قلبه غاية التألم واحضر الهموم والغموم والاحزان وان فتح باب الاحسان والعطاء فإنه لايمكنه ايصال الخير والاحسان الى كل احد فلا بد من إيصاله الى البعض وإمساكه عن البعض وهذا

(1/251)


يفتح عليه باب العداوة والمذمة من المحروم والمرحوم اما المحروم فيقول كيف جاد على غيري وبخل علي واما المرحوم فإنه يلتذ ويفرح بما حصل له من الخير والنفع فيبقى طامعا مستشرفا لنظيره على الدوام وهذا قد يتعذر غالبا فيفضى ذلك الى العداوة الشديدة والمذمة ولهذا قيل اتق شر من احسنت اليه وهذه الافات لا تعرض في غنى العلم فإن صاحبه يمكنه بذله للعالم كلهم واشتراكهم فيه والقدر المبذول منه باق لاخذه لا يزول بل يتجربه فهو كالغني إذا اعطى الفقير رأس مال يتجربه حتى يصير غنيا مثله الوجه الثالث والثلاثون ان جمع المال مقرون بثلاثة انواع من الافات والمحن نوع قبله ونوع عند حصوله ونوع بعدمفارقته فأما النوع الاول فهو المشاق والانكاد والالام التي لا يحصل الا بها واما النوع الثاني فمشقة حفظه وحرساته حراسته وتعلق القلب به فلا يصبح الا مهموما ولا يمسي الا مغموما فهو بمنزلة عاشق مفرط المحبة قد ظفر بمعشوقتهوالعيون من كل جانب ترمقه والالسن والقلوب ترشقه فأي عيش ولذة لمن هذه حاله وقد علم ان اعداءه وحساده لا يفترون عن سعيهم في التفريق بينه وبين معشوقه وإن لم يظفروا هم به دونه ولكن مقصودهم ان يزيلوا اختصاصه به دونهم فإن فازوا به والا استووا في الحرمان فزال الاختصاص المؤلم للنفوس ولو قدروا على مثل ذلك مع العالم لفعلوه ولكنهم لما علموا انه لا سبيل الى سلب علمه عمدوا الى جحده وانكاره ليزيلوا من القلوب محبته وتقديمه والثناء عليه فإن بهر علمه وامتنع عن مكابرة الجحود والانكار رموه بالعظائم ونسبوه الى كل قبيح ليزيلوا من القلوب محبته ويسكنوا موضعها النفرة عنه وبغضه وهذا شغل السحرة بعينه فهؤلاء سحرة بالسنتهم فإن عجزوا له عن شيء من القبائح الظاهرة رموه بالتلبيس والتدليس والدوكرة والرياء وحب الترفع وطلب الجاه وهذا القدر من معاداة اهل الجهل والظلم للعلماء مثل الحر والبرد لا بد منه فلا ينبغي لمن له مسكة عقل ان يتأذى به إذ

(1/252)


لا سبيل له الى دفعه بحال فليوطن نفسه عليه كما يوطنها على برد الشتاء وحر الصيف والنوع الثالث من آفات الغنى ما يحصل للعبد بعد مفارقته من تعلق قلبه به وكونه قد حيل بينه وبينه والمطالبة بحقوقه والمحاسبة على مقبوضه ومصروفه من اين اكتسبه وفيما ذا انفقه وغنى العلم والايمان مع سلامته من هذه الافات فهو كفيل بكل لذة وفرحة وسرور ولكن لا ينال الا على جسر من التعب والصبر والمشقة الرابع والثلاثون ان لذة الغني بالمال مقرونة بخلطة الناس ولو لم يكن الا خدمه وازواجه وسراريه واتابعه إذ لو انفرد الغني بماله وحده من غير ان يتعلق بخادم او زوجه او احد من الناس لم يكمل انتفاعه بماله ولا التذاذه به وإذا كان كمال لذته بغناه موقوفا على اتصاله بالغير فذلك منشأ الافات والالام ولو لم يكن الا اختلاف الناس وطبائعهم وارادتهم فقبيح هذا حسن ذاك ومصلحة ذاك مفسدة

(1/253)


هذا ومنفعة هذا مضرة ذاك وبالعكس فهو مبتلى بهم فلا بد من وقوع النفرة والتباغض والتعادي بينهم وبينه فان ارضاءهم كلهم محال وهو جمع بين الضدين وارضاء بعضهم واسخاط غيره سبب الشر والمعاداة وكلما طالت المخالطة ازدادت اسباب الشر والعداوة وقويت وبهذا السبب كان الشر الحاصل من الاقارب والعشراء اضعاف الشر الحاصل من الاجانب والبعداء وهذه المخالطة انما حصلت من جانب الغني بالمال اما إذا لم يكن فيه فضيلة لهم فانهم يتجنبون مخالطته ومعاشرته فيستريح من اذى الخلطة والعشرة وهذه الافات معدودة في الغنى بالعلم الخامس والثلاثون ان المال لا يراد لذاته وعينه فإنه لا يحصل بذاته شيء من المنافع اصلا فإنه لا يشبع ولا يروى ولا يدفء ولا يمتع وإنما يراد لهذه الاشياء فإنه لما كان طريقا اليها اريد ارادة الوسائل ومعلوم ان الغايات اشرف من الوسائل فهذه الغايات اذا اشرف منه وهي مع شرفها بالنسبة اليه ناقصة دنيئة وقد ذهب كثير من العقلاء الى انها لا حقيقة لها وانما هي دمع الالم فقط فإن لبس الثياب مثلا إنما فائدته دفع التألم بالحر والبرد والريح وليس فيها لذة زائدة على ذلك وكذلك الاكل إنما فائدته دفع الم الجوع ولهذا لو لم يجد الم الجوع لم يستطب الاكل وكذلك الشرب مع العطش والراحة مع التعب ومعلوم ان في مزاولة ذلك وتحصيله الما وضررا ولكن ضرره وألمه اقل من ضرر ما يدفع به وألمه فيحتمل الانسان اخف الضررين دفعا لاعظمهما وحكى عن بعض العقلاء انه قيل له وقد تناول قدحا كريها من الدواء كيف حالك معه قال اصبحت في دار بليات ادافع آفات بآفات وفي الحقيقة فلذات الدنيا من المآكل والمشارب واللبس والمسكن والمنكح من هذا الجنس واللذة التي يباشرها الحس ويتحرك لها الجسد وهي الغاية المطلوبة له من لذة المنكح والمأكل شهوتي البطن والفرج ليس لهما ثالث البتة الا ما كان وسيلة اليهما وطريقا الى تحصيلهما وهذه اللذة منغصة من وجوه عديدة منها ان تصور

(1/254)


زوالها وانقضائها وفنائها يوجب تنغصها ومنها انها ممزوجة بالافات ومعجونة بالالام محتاطة بالمخاوف وفي الغالب لاتفي الامها بطيبها كما قيل : قايست بين جمالها وفعالها فإذا الملاحة بالقباحة لاتفي ومنها ان الاراذل من الناس وسقطهم يشاركون فيها كبراءهم وعقلاءهم بل يزيدون عليهم فيها اعظم زيادة وافحشها فنسبتهم فيها الى الافاضل كنسبة الحيوانات البهيمةاليهم فمشاركة الاراذل وأهل الخسة والدناءة فيها زيادتهم على العقلاء فيها مما يوجب النفرة والاعراض عنها وكثير من الناس حصل له الزهد في المحبوب والمعشوق منها بهذه الطريق هذا كثير في أشعار الناس ونثرهم كما قيل

(1/255)


سأترك حبها من غير بغض  ولكن لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام  رفعت يدي ونفسي تشتيه وتجتنب الاسود ورودماء  إذا كان الكلاب يلغن فيه  وقيل لزاهد ما الذي زهدك في الدنيا فقال خسة شركائها وقلة وفائها وكثرة جفائها وقيل لاخر في ذلك فقال ما مددت يدي الى شيء منها إلا وجدت غيري قد سبقني اليه فاتركه له ومنها ان الالتذاذ بموقعها إنما هو بقدر الحاجة اليها والتألم بمطالبة النفس لتناولها وكلما كانت شهوة الظفر بالشيء اقوى كانت اللذة الحاصلة بوجوده اكمل فلما لم تحصل تلك الشهوة لم تحصل تلك اللذة فمقدار اللذة الحاصلة في الحال مساو لمقدار الحاجة والالم والمضرة في الماضي وحينئذ يتقابل اللذة الحاصلة والالم المتقدم فيتساقطان فتصير اللذة كانها لم توجد ويصير بمنزلة من شق بطن رجل ثم خاطه وداواه بالمراهم او بمنزلة من ضربه عشرة اسواط واعطاه عشرة دراهم ولا تخرج لذات الدنيا غالبا عن ذلك ومثل هذا لا يعد لذة ولا سعادة ولا كمالا بل هو بمنزلة قضاء الحاجة من البول والغائط فإن الانسان يتضرر بثقله فإذا قضى حاجته استراح منه فاما ان يعد ذلك سعادة وبهجة ولذة مطلوبة فلا ومنها ان هاتين اللذتين اللتين هما اثر اللذات عند الناس ولا سبيل الى نيلهما الا بما يقترن بهما قبلهما وبعدهما من مباشرة القاذورات والتالم الحاصل عقبيهما مثل لذة الاكل فإن العاقل لو نظر الى طعامه حال مخالطته ريقه وعجنه به لنفرت نفسه منه ولو سقت تلك اللقمة من فيه لنفر طبعه من اعادتها اليه ثم ان لذته به إنما تحصل في مجرى نحو الاربع الاصابع فإذا فصل عن ذلك المجرى زال تلذذه به فإذا استقر في معدته وخالطه الشراب وما في المعدة من الاجزاء الفضلية فإنه حينئذ يصير في غاية الخسة فإن زاد على مقدار الحاجة اورث الادواء المختلفة علىتنوعها ولولا ان بقاءه موقوف على تناوله لكان تركه والحالة هذه اليق به كما قال بعضهم :  لولا قضاءه جرى نزهت انملتي  عن

(1/256)


ان تلم بمأكول ومشروب وأما لذة الوقاع قدرها ابين من ان نذكر آفاته ويدل عليه ان اعضاء هذه اللذة هي عورة الانسان التي يستحيا من رؤيتها وذكرها وسترها امر فطر الله عليه عباده ولا تتم لذة المواقعة الا بالاطلاع عليها وإبرازها والتلطخ بالرطوبات المستقذرة المتولدة منها ثم إن تمامها إنما يحصل بانفصال النطفة وهي اللذة المقصودة من الوقاع وزمنها يشبه الان الذي لا ينقسم فصعوبة تلك المزاولة والمحاولة والمطاولة والمراوضة والتعب لاجل لذة لحظة كمد الطرف فأين مقايسة بين هذه اللذة وبين التعب في طريق تحصيلها وهذا يدل على ان هذه

(1/257)


اللذة ليست من جنس الخيرات والسعادات والكمال الذي خلق له العبد ولا كمال له بدونه بل ثم امروراء ذلك كله قد هيء له العبد وهو لا يفعلن له لغفلته عنه وإعراضه عن التفتيش على طريقه حتى يصل اليه يسوم نفسه مع الانعام السائمة : قد هيؤك لأمر لو فطنت له فاربأ نفسك ان ترعى مع الهمل وموقع هذه اللذات من النفس كموقع لذة البراز من رجل احتبس في موضع لا يمكنه القيام الى الخلاء وصارمضطرا اليه فإنه يجد مشقة شديدة وبلاء عظيما فإذا تمكن منالذهاب الى الخلاء وقدر على دفع ذلك الخبيث المؤذي وجد لذة عظيمة عند دفعه وإرساله ولا لذة هناك الا راحته من حمل ما يؤذيه حمله فعلم ان هذه اللذات إما ان تكون دفع آلام وإما ان تكون لذات ضعيفة خسيسة مقترنة بآفات ترى مضرتها عليه وهذا كما يعقب لذة الوقاع من ضعف القلب وخفقان الفؤاد وضعف القوى البدنية والقلبية وضعف الارواح واستيلاء العفونة على كل البدن واسرع الضعف والخور اليه واستيلاء الاخلاط عليه لضعف القوة عن دفعها وقهرها ومما يدل على ان هذه اللذات ليست خيرات وسعادات وكمالا ان العقلاء من جميع الامم مطبقون على ذم من كانت هي نهمته وشغله ومصرف همته وإرادته والإزراء به وتحقير شأنه والحاقه بالبهائم ولايقيمون له وزنا ولو كانت خيرات وكمالا لكان من صرف اليها همته اكمل الناس ومما يدل على ذلك ان القلب الذي قد وجه قصده وإرادته الى هذه اللذات لا يزال مستغرقا في الهموم والغموم والاحزان وما يناله من اللذات في جنب هذه الالام كقطرة في مجركما قيل سروره وزن حبة وحزنه قنطار فإن القلب يجرى مجرى مرآة منصوبة على جدار وذلك الجدار ممر لانواع المشتهيات والملذوذات والمكروهات وكلما مر به شيء من ذلك ظهر فيه أثره فإن كان محبوبا مشتهيا مال طبعه اليه فإن لم يقدر على تحصيله تألم وتعذب بفقده وإن قدر على تحصيله تالم في طريق الحصول بالتعب والمشقة ومنازعة الغير له ويتألم حال حصوله خوفا من فراقه

(1/258)


وبعد فراقه خوفا على ذهابه وإن كان مكروها له ولم يقدر على دفعه تألم بوجوده وإن قدر على دفعه اشتغل بدفعه ففاتته مصلحة راجحة الحصول فيتالم لفواتها فعلم ان هذا القلب ابدا مستغرق في بحار الهموم والغموم والاحزان وإن نفسه تضحك عليه وترضيه بوزن ذرة من لذته فيغيب بها عن شهوده القناطير من المه وعذابه فإذا حيل بينه وبين تلك اللذة ولم يبق له اليها سبيل تجرد ذلك الالم واحاط به واستولى عليه من كل جهاته فقل ما شئت في حال عبد قد غيب عنه سعده وحظوظه وافراحه واحضر شقوته وهمومه وغمومه واحزانه وبين العبد وبين هذه الحال ان ينكشف الغطاء ويرفع الستر وينجلى الغبار ويحصل

(1/259)


ما في الصدور فإذا كانت هذه غاية اللذات الحيوانية التي هي غاية جمع الاموال وطلبها فما الظن بقدر الوسيلة وأما غنى العلم والايمان فدائم اللذة متصل الفرحة مقتض لانواع المسرة والبهجة لايزول فيحزن ولا يفارق فيؤلم بل اصحابه كما قال الله تعالى فيهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون السادس والثلاثون ان غنى المال يبغض الموت ولقاء الله فإنه لحبه لماله يكره مفارقته ويحب بقاءه ليتمتع به كما شهد به الواقع وأما العلم فإنه يحبب للعبد لقاء ربه ويزهده في هذه الحياة النكدة الفانية السابع والثلاثون ان الاغنياء يموت ذكرهم بموتهم والعلماء يموتون ويبقى ذكرهم كما قال امير المؤمنين في هذا الحديث مات خزان الاموال وهم احياء والعلماء باقون ما بقي الدهر فخزان الاموال احياء كاموات والعلماء بعدموتهم اموات كأيحاء الثامن والثلاثون ان نسبة العلم الى الروح كنسبة الروح الى البدن فالروح ميتة حياتها بالعلم كما ان الجسد ميت حياته بالروح فالغني بالمال غايته ان يزيد في حياة البدن واما العلم فهو حياة القلوب والارواح كما تقدم تقريره التاسع والثلاثون ان القلب ملك البدن والعلم زينته وعدته وماله وبه قوام ملكه والملك لا بد له من عدد وعدة ومال وزينة فالعلم هو مركبه وعدته وجماله واما المال فغايته ان يكون زينة وجمالا للبدن إذا انفقه في ذلك فإذا خزنه ولم ينفقه لم يكن زينة ولا جمالا بل نقصا ووبالا ومن المعلوم ان زينة الملك به وما به قوام ملكه اجل وافضل من زينة رعيته وجمالهم فقوام القلب بالعلم كما ان قوام الجسم بالغذاء الوجه الاربعون ان القدر المقصود من المال هو ما يكفي العبد ويقيمه ويدفع ضرورته حتى يتمكن من قضاء جهازه ومن التزوج لسفره الى ربه عزوجل فإذا زادعلى ذلك شغله وقطعه عن السفر وعن قضاء جهازه وتعبية زاده فكان ضرره عليه أكثر من مصلحته وكلما ازاداد غناه به ازداد تثبطا وتخلفا عن التجهز لما امامه وأما العلم النافع فكلما

(1/260)


ازداد منه ازداد في تعبية الزاد وقضاء الجهاز واعداد عدة المسير والله الموفق وبه الاستعانة ولا حول ولا قوة الا به فعدة هذا السفر هو العلم والعمل وعدة الاقامة جمع الاموال والادخار ومن اراد شيئا هيأ له عدته قال تعالى ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين قوله محبة العلم او العالم دين يدان بها لان العلم ميراث الانبياء والعلماء ورثتهم فمحبة العلم واهله محبة لميراث الانبياء وورثتهم وبغض العلم وأهله بغض لميراث الانبياء وورثتهم فمحبة العلم من علامات السعادة وبغض العلم من علامات الشقاوة وهذا كله إنما هو في علم الرسل الذي جاؤا به وورثوه للامة لا في كل ما يسمى علما وايضا فإن محبة العلم تحمل على تعلمه واتباعه وذلك هو الدين وبغضه ينهى عن تعلمه واتباعه

(1/261)


وذلك هو الشقاء والضلال وايضا فإن الله سبحانه عليم يحب كل عليم وإنما يضع علمه عند من يحبه فمن احب العلم واهله فقد احب ما احب الله وذلك مما يدان به قوله العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد مماته يكسبه ذاك أي يجعله كسبا له ويورثه إياه ويقال كسبه ذلك عزا وطاعة واكسبه لغتان ومنه حديث خديجة رضى الله عنها إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم روى بفتح التاء وضمها ومعناه تكسب المال والغنى هذا هو اصواب وقالت ائفة من رواه بضمها فذلك من اكسبه مالا وعزا ومن رواه بفتحها فمعناه تكسب انت المال المعدوم بمعرفتك وحذقك بالتجارة ومعاذ الله من هذا الفهم وخديجة اجل قدرا من تكلمها بهذا في هذا المقام العظيم ان تقول لرسول الله ابشر فوالله لا يخزيك الله إنك تكسب الدرهم والدينار وتحسن التجارة ومثل هذه التحريفات انما تذكر لئلا يغتربها في تفسير كلام الله ورسولهوالمقصود ان قوله العلم يكسب العالم الطاعة في حياته أي يجعله مطاعا لان الحاجة الى العلم عامة لكل احد للملوك فمن دونهم فكل احد محتاج إلى طاعة العالم فإنه يامر بطاعة الله ورسوله فيجب على الخلق طاعته قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم وفسر اولى الامر بالعلماء قال ابن عباس هم الفقهاء والعلماء اهل الدين الذين يعلمون الناس دينهم اوجب الله تعالى طاعتهم وهذا قول مجاهد والحسن والضحاك احدى الروايتين عن الامام احمد وفسروا بالامراء وهو قول ابن زيد احدى الروايتين عن ابن عباس وأحمد والاية تتناولها جميعا فطاعة ولاة الامر واجبة إذا امروا بطاعة الله ورسوله وطاعة العلماء كذلك فالعالم بما جاء به الرسول العامل به اطوع في اهل الارض من كل احد فإذا مات احيا الله ذكره ونشر له في العالمين احسن الثناء فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس والجاهل في حياته حي وهو ميت بين الناس كما قيل وفي الجهل

(1/262)


قبل الموت موت لأهله واجسامهم قبل القبور قبور وارواحهم فيوحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور وقال الاخر قد مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس اموات وقال آخر وما دام ذكر العبد بالفضل باقيا فذلك حى وهو في الترب هالك ومن تأمل احوال ائمة الاسلام كأئمة الحديث والفقه كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كانهم احياء بينهم لم يفقدوا منهم الا صورهم والا فذكرهم وحديثهم والثناء عليهم غير منقطع وهذه هي الحياة حقا حتى عد ذلك حياة ثانية كما قال المتنبي ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش اشغال قوله وصنيعة المال تزول بزواله يعني ان كل صنيعة صنعت للرجل من اجل ماله من إكرام ومحبة وخدمة وقضاء حوائج وتقديم واحترام وتولية وغير ذلك فإنها إنما هي مراعاة لما له فإذا زال ماله وفارقه زالت تلك الضائع كلها حتى إنه ربما لا يسلم عليه من كان يدأب في خدمته ويسعى في مصالحه وقد اكثر الناس من هذا المعنى في اشعارهم وكلامهم وفي مثل قولهم من ودك لأمر ملك عند انقضائه قال بعض العرب ومن هذا ما قيل إذا اكرمك الناس لمال او سلطان فلا يعجبنك ذلك فإن زوال الكرامة يزوالهما ولكن ليعجبك ان اكرموك لعلم او دين وهذا امر لا ينكر في الناس حتى انهم ليكرمون الرجل لثيابه فإذا نزعها لم ير منهم تلك الكرامة وهو هو قال مالك بلغني ان أبا هريرة دعى الى وليمة فأتى فحجب فرجع فلبس غير تلك الثياب فادخل فلما وضع الطعام ادخل كمه في الطعام فعوتب في ذلك فقال إن هذه الثباب هي التي ادخلت فهي تأكل حكاه ابن مزين الطليطلي في كتابه وهذا بخلاف صنيعة العلم فانها لا تزول ابدا بل كل مآلها في زيادة مالم يسلب ذلك العالم علمه وضيعه العلم والدين اعظم من صنيعة المال لانها تكون بالقلب واللسان والجوارح فهي صادرة عن حب وإكرام لاجل ما أودعه الله تعالى أياه من علمه وفضله به على غيره وايضا فصنيعة العلم تابعة لنفس

(1/263)


العالم وذاته وصنيعة المال تابعة لماله المنفصل عنه وايضا فصنيعة المال صنيعة معاوضة وصنيعه العلم والدين صنيعة حب وتقرب وديانة وايضا فصنيعه المال تكون مع البر والفاجر والمؤمن والكافر واما صنيعة العلم والدين فلا تكون الا مع اهل ذلك وقد يراد من هذا ايضا معنى آخر وهو ان من اصطنعت عنده صنيعة بمالك إذا زال ذلك المال وفارقه عدمت صنيعتك عنده واما من اصطنعت اليه صنيعة علم وهدى فإن تلك ا لصنيعة لا تفارقه ابدا بل ترى في كل وقت كأنك اسديتها اليه حينئذ قوله مات خزان الاموال وهم احياء تقدم بيانه وكذا قوله والعلماء باقون ما بقي الدهر وقوله اعيانهم مفقودة وامثالهم في القلوب موجودة المراد بامثالهم صورهم العلمية ووجودهم المثالي أي وان فقدت ذواتهم فصورهم وامثالهم في القلوب لا تفارقها وهذا هو الوجود الذهني العلمي لان محبة الناس لهم واقتداءهم بهم وانتفاعهم بعلومهم

(1/264)


يوجب ان لا يزالوا نصب عيونهم وقبلة قلوبهم فهم موجودون معهم وحاضرون عندهم وان غابت عنهم اعيانهم كما قيل ومن عجب اني احن اليهم واسال عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين اضلعي وقال آخر ومن عجب ان يشكو البعد عاشق وهل غاب عن قلب المحب حبيب خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب قوله آه إن ها هنا علما واشار الى صدره يدل على جواز اخبار الرجل بما عنده من العلم والخير ليقتبس منه ولينتفع به ومنه قول يوسف الصديق عليه السلام اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم فمن اخبر عن نفسه بمثل ذلك ليكثر به ما يحبه الله ورسوله من الخير فهو محمود وهذا غير من اخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم وهذا يجازيه الله بمقت الناس له وصغره في عيونهم والاول يكثره في قلوبهم وعيونهم وإنما الاعمال بالنيات وكذلك إذا اثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر او ليستوفى بذلك حقا له يحتاج فيه الى التعريف بحاله او ليقطع عنه اطماع السفلة فيه اوعند خطبته الى من لا يعرف حاله و الاحسن في هذا ان يوكل من يعرف به وبحاله فإن لسان ثناء المرء على نفسه قصير وهو في الغالب مذموم لما يقترن به من الفخر والتعاظم ثم ذكر اصناف حملة العلم الذين لايصلحون لحمله وهم اربعة احدهم من ليس هو بمأمون عليه وهو الذي اوتى ذكاء وحفظا ولكن مع ذلك لم يؤت زكاء فهو يتخذ العلم الذي هو آلة الدين آلة الدنيا يستجلبها به ويتوسل بالعلم اليها ويجعل البضاعة التي هي متجر الاخرة متجر الدنيا وهذا غير امين على ما حمله من العلم ولا يجعله الله إماما فيه قط فإن الامين هو الذي لاغرض له ولا إرادة لنفسه الا اتباع الحق وموافقته فلا يدعو الى إقامة رياسته ولا دنياه وهذا الذي قد اتخذ بضاعة الاخرة ومتجرها متجرا للدنيا قد خان الله وخان عباده وخان دينه فلهذا قال غير مأمون عليه وقوله يستظهر بحجج الله على كتابه

(1/265)


وبنعمه على عباده هذه صفة هذا الخائن إذا انعم الله عليه استظهر بتلك النعمة على الناس وإذا تعلم علما استظهر به على كتاب الله ومعنى استظهاره بالعلم على كتاب الله تحكيمه عليه وتقديمه وإقامته دونه وهذه حال كثير ممن يحصل له علم فإنه يستغنى به ويستظهر به ويحكمه ويجعل كتاب الله تبعا له يقال استظهر فلان على كذا بكذا أي ظهر عليه به وتقدم وجعله وراء ظهره وليست هذه حال العلماء فإن العالم حقا يستظهر بكتاب الله على كل ما سواه فيقدمه ويحكمه ويجعله عيارا على غيره مهيمنا عليه كما جعله الله تعالى كذلك فالمستظهر به موفق سعيد والمستظهر عليه مخذول شقي فمن استظهر على الشيء فقد جعله خلف ظهره مقدما عليه ما استظهر به وهذا حال من اشتغل بغير كتاب الله عنه واكتفى بغيره منه وقدم غيره واخره والصنف الثاني من حملة العلم المنقاد الذي لم يثلج له صدره ولم يطمئن به قلبه بل هو ضعيف البصيرة فيه لكنه منقاد لأهله وهذه حال اتباع الحق من مقلديهم وهؤلاء وإن كانوا على سبيل نجاة فليسوا من دعاة الدين وإنما هم من مكثري وسواد الجيش لا من امرائه وفرسانه والمنقاد منفعل من قاده يقوده وهو مطاوع الثلاثي واصله منقيد كمكتسب ثم اعلت الياء الفا لحركتها بعد فتحة فصارمن قادت تقول قدته فانقاد أي لم يمتنع والاحناء جميع حنو بوزن علم وهي الجوانب والنواحي والعرب تقول ازجر احناء طيرك أي امسك نواحي خفتك وطيشك يمينا وشمالا واماما وخلفا قال لبيد فقلت ازدجر احناء طيرك واعلمن بانك ان قدمت رجلك عاثر والطير هنا الخفة والطيش وقوله ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة هذا لضعف علمه وقلة بصيرته إذا وردت على قلبه ادنى شبهة قدحت فيه الشك والريب بخلاف الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد امواج البحر ما ازالت يقينه ولا قدحت فيه شكا لانه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة والشبهة وارد يرد

(1/266)


على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فان تداركها والا تتابعت على قلبه امثالها حتى يصير شاكا مرتابا والقلب يتوارده جيشان من الباطل جيش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل فأيما قلب صغا اليها وركن اليها تشربها وامتلأ بها فينضح لسانه وجوارحه بموجبها فإن اشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والايرادات فيظن الجاهل ان ذلك لسعة علمه وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه وقال لي شيخ الاسلام رضى الله عنه وقد جعلت اورد عليه غيرادا بعد إيراد لات جعل قلبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح الا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فاذا اشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرا للشبهات او كما قال فما اعلم اني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك وإنا سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها فانها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل وأكثر الناس اصحاب حسن ظاهر فينظر الناظر فيما البسته من اللباس فيعتقد صحتها واما صاحب العلم واليقين

(1/267)


فانه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره الى باطنها وماتحت لباسها فينكشف له حقيقتها ومثال هذا الدرهم الزائف فإنه يغتر به الجاهل بالنقد نظرا الى ما عليه من لباس الفضة والناقد البصير يجاوز نظره الى ما وراء ذلك فيطلع على زيفه فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف والمعنى كالنحاس الذي تحته وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم الا الله وإذا تأمل العاقل الفطن هذا القدر وتدبره رأى اكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ ويردها بعينها بلفظ آخر وقد رايت انا من هذا في كتب الناس ما شاء الله وكم رد من الحق بتشنيعه بلباس من اللفظ قبيح وفي مثل هذا قال ائمة السنة منهم الامام احمد وغيره لا نزيل عن الله صفة من صفاته لاجل شناعة شنعت فهؤلاء الجهمية يسمون إثبات صفات الكمال لله من حياته وعلمه وكلامه وسمعه وبصره وسائر ما وصف به نفسه تشبيها وتجسيما ومن اثبت ذلك مشبها فلا ينفر من هذا المعنى الحق لاجل هذه التسمية الباطلة الا العقول الصغيرة القاصرة خفافيش البصائر وكل اهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم احسن ما يقدرون عليه من الالفاظ ومقالة مخالفيهم اقبح ما يقدرون عليه من الالفاظ ومن رزقه الله بصيرة فهو يكشف به حقيقة ما تحت تلك الالفاظ من الحق والباطل ولا تغتر باللفظ كما قيل في هذا المعنى تقول هذا جنى النحل تمدحه وان نشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحا وذما وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فإذا اردت الاطلاع على كنه المعنى هل هو حق او باطل فجرده من لباس العبارة وجرد قلبك عن النفرة والميل ثم اعط النظر حقه ناظرا بعين الانصاف ولا تكن ممن ينظر في مقالة اصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تاما بكل قلبه ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشزر والملاحظة فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ والناظر بعين المحبة عكسه وما سلم من هذا الا من اراد الله كرامته وارتضاه لقبول

(1/268)


الحق وقد قيل : وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما ان عين السخط تبدي المساويا وقال آخر نظروا بعين عداوة لو انها عين الرضا الاستحسنوا ما استقبحوا فإذا كان هذا في نظر العين الذي يدرك الحسوسات ولا يتمكن من المكابرة فيها فما الظن بنظر القلب الذي يدرك المعاني التي هي عرضة المكابرة والله المستعان على معرفة الحق وقبوله ورد الباطل وعدم الاغترار به وقوله بأول عارض من شبهة هذا دليل ضعف عقله ومعرفته اذ تؤثر فيه البداآت ويستفز باوائل الامور بخلاف الثابت التام العاقل فإنه لا تستفزه البداآت ولا تزعجه وتقلقله فان الباطل له دهشة وروعة في اوله فإذا ثبت له القلب رد على عقبيه والله يحب من عنده العلم والاناة فلا يعجل بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد عليه ولا يعجل بأمر من قبل استحكامه فالعلجة والطيش من الشيطان فمن ثبت عند صدمة البداآت استقبل امره بعلم وجزم ومن لم يثبت لها استقبله بعجله وطيش وعاقبته الندامة وعاقبة الاول حمدامره ولكن للأول آفة متى قرنت بالحزم والعزم نجا منها وهي الفوت فإنه لا يخاف من التثبيت الا الفوت فإذا اقترن به العزم والحزم تم امره ولهذا في الدعاء الذي وراه الامام احمد والنسائي عن النبي اللهم اني اسالك الثبات في الامر والعزيمة على الرشد وهاتان الكلمتان هما جماع الفلاح وما اتى العبد الا من تضييعهما او تضييع احدهما فما اتى احد الا من باب العجلة والطيش واستفزاز البداآت له أو من باب التهاون والتمات وتضييع الفرصة بعد مواتاتها فإذا حصل الثبات اولا والعزيمة ثانيا افلح كل الفلاح والله ولي التوفيق الصنف الثالث رجل نهمته في نيل لذته فهو منقاد لداعي الشهوة اين كان ولا ينال درجة وراثة النبوة مع ذلك ولا ولا ينال العلم الا بهجر اللذات وتطليق الراحة قال مسلم في صحيحه قال يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجسم وقال إبراهيم الحربي اجمع عقلاء كل امة ان النعيم لا يدرك بالنعم ومن آثر

(1/269)


الراحة فاتته الراحة فما لصاحب اللذات وما لدرجة وراثة الانبياء فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد فان العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وله وجهة واحدة فإذا وجهت وجهته الى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم ابدا فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في كل إدراكه رجى له ان يكون من جملة اعلة ولذة العلم لذة عقلية روحانية من جنس لذة الملائكة ولذة شهوات الاكل والشراب والنكاح لذة حيوانية يشارك الانسان فيها الحيوان ولذة الشروالظلم والفساد والعلوى في الارض شيطانية يشارك صاحبها فيها ابليس وجنوده وسائر اللذات تبطل بمقارفة الروح البدن الا لذة العلم والايمان فإنها تكمل بعد المفارقة لان البدن وشواغله كان ينقصها ويقللها ويحجبها فإذا انطوت الروح عن البدن التذت لذة كاملة بما حصلته من العلم النافع والعمل الصالح فمن طلب اللذة العظمى وآثر النعيم والمقيم فهو في العلم والايمان اللذين بهما كمال سعادة الانسان وايضا فإن تلك اللذات سريعة الزوال وإذا انقضت اعقبت هما وغما وألا يحتاج صاحبها ان يداويه بمثلها دفعا للألمه وربما كان معاودته لها مؤلما له كريها اليه لكن يحمله عليه مدواة ذلك الغم والهم فأين هذا من لذة العلم ولذة الايمان بالله ومحبته والاقبال عليه والتنعم بذكره فهذه هي اللذة الحقيقية

(1/270)


الصنف الرابع من حرصه وهمته في جمع الاموال وتثميرها وادخارها فقد صارت لذته في ذلك وفتى بها عما سواه فلا يرى شيئا اطيب له مما هو فيه فمن اين هذا ودرجة العلم فهؤلاء الاصناف الاربعة ليسوا من دعاة الدين ولا من ائمة العلم ولا من طلبته الصادقين في طلبه ومن تعلق منهم بشيء منه فهو من المتسلقين عليه المتشبهين بحملته وأهله المدعين لوصاله المبتونين من حباله وفتنة هؤلاء فتنة لكل مفتون فان الناس يتشبهون بهم لما يظنون عندهم من العلم ويقولون لسنا خيرا منهم ولا نرغب بأنفسنا عنهم فهم حجة لكل مفتون ولهذا قال فيهم بعض الصحابة الكرام احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون وقوله اقرب شبها بهم الانعام السائمة وهذا التشبيه مأخوذ من قوله تعالى ان هم كالأنعام بل هم اضل سبيلا فما اقصر سبحانه على تشبيههم بالانعام حتى جعلهم اضل سبيلا منهم والسائمة الراعية وشبه امير المؤمنين هؤلاء بها لان همتهم في سعي الدنيا وحطامها والله تعالى يشبه اهل الجهل والغي تارة بالانعام وتارة بالحمر وهذا تشبيه لمن تعلم علما ولم يعقله ولم يعمل به فهو كالحمار الذي يحمل اسفارا وتارة بالكلب وهذا لمن انسلخ عن العلم واخلد الى الشهوات والهوى وقوله كذلك يموت العلم بموت حامليه هذا من قول النبي في حديث عبد الله بن عمر وعائشة رضى الله عنهم وغيرهما ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا رواه البخاري في صحيحه فذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماء قال ابن مسعود يوم مات عمر رضى الله عنه اني لاحسب تسعة اعشار العلم اليوم قد ذهب وقد تقدم قول عمر رضى الله عنه موت الف عابد اهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه وقوله اللهم بلى لن تخلو الارض من مجتهد قائم لله بحجج الله ويدل عليه الحديث الصحيح عن النبي لا

(1/271)


تزال طائفة من امتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك ويدل عليه ايضا مارواه الترمذي عن قتيبة حدثنا حماد بن يحيى الابح عن ثابت عن انس قال قال رسول الله مثل امتي مثل المطر لا يدرى اوله خير ام آخره قال هذا حديث حسن غريب ويروى عن عبدالرحمن بن مهدي انه كان يثبت حماد بن يحيى الابح وكان يقول هو من شيوخنا وفي الباب عن عمار وعبد الله بن عمرو فلو لم يكن في اواخر الامة قائم بحجج الله مجتهد لم يكونوا موصوفين بهذه الخيرية وايضا فإن هذه الامة اكمل الامم وخير امة اخرجت للناس ونبيها خاتم النبيين لا نبي بعده فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلقه عالم لئلا تطمس معالم الدين وتخفى اعلامه وكان بنو اسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي فكانت تسوسهم الانبياء والعلماء لهذه الامة كالانبياء في بني اسرائيل وأيضا ففي الحيدث الاخر يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين

(1/272)


وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين وهذا يدل على انه لا يزال محمولا في القرون قرنا بعد قرن وفي صحيح ابي حاتم من حديث الخولاني قال قال رسول الله لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته وغرس الله هم اهل العلم والعمل فلو خلت الارض من عالم خلت من غرس الله ولهذا القول حجج كثيرة لها موضع آخر وزاد الكذابون في حديث على إما ظاهرا مشهورا وإما خفيا مستورا وظنوا ان ذلك دليل لهم على القول بالمنتظر وكلن هذه الزيادة من وضع بعض كذا بيهم والحديث مشهور عن علي لم يقل احد عنه هذه المقالة الا كذاب وحجج اله لا تقوم بخفي مستور لا يقع العالم له على خبر ولا ينتفعون به في شيء اصلا فلا جاهل يتعلم منه ولا ضال يهتدي به ولا خائف يأمن به ولا ذليل يتعزز به فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص ولا يسمع منه كلمة ولا يعلم له مكان ولا سيما على أصول القائلين به فإن الذي دعاهم الى ذلك انهم قالوا لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله فيالله العجب أي لطف حصل بهذا المعدوم لا المعصوم وأي حجة اثبتم للخلق على ربهم باصلكم الباطل فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط الى لقائه والاهتداء به فهل في تكليف مالا يطاق ابلغ من هذا وهل في العذر والحجة ابلغ من هذا فالذي فررتم منه وقعتم في شر منه وكنتم في ذلك كما قيل : المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار ولكن ابي الله الا ان يفضح من تنقص بالصحابة الاخيار وبسادة هذه الامة وان يرى الناس عورته ويغريه بكشفها ونعوذ بالله من الخذلان ولقد احسن القائل : ما آن للسرداب ان يلد الذي حملتموه بزعمكم ما آنا فعلى عقولكم العفاء فانكم ثلثتم العنقاء والغيلانا ولقد بطلت حجج استودعها مثل هذا الغائب وضاعت اعظم ضياع فانتم ابطلتم حجج الله من حيث زعمتم حفظها وهذا تصريح من امير المؤمنين رضى الله عنه بان حامل حجج الله في الارض بحيث يؤديها عن الله

(1/273)


ويبلغها الى عباده مثله رضى الله عنه ومثل إخوانه من الخلفاء الراشدين ومن اتبعهم الى يوم القيامة وقوله لكيلا تبطل حجج الله وبيناته أي لكيلا تذهب من بين يدي الناس وتبطل من صدورهم والا فالبطلان محال عليها لانها ملزوم ما يستحيل عليه البطلان فإن قيل فما الفرق بين الحجج والبينات قيل الفرق بينهما ان الحجج هي الادلة العلمية التي يعقلها القلب وتسمع بالاذن قال تعالى في مناظرة إبراهيم لقومه وتبيين بطلان ما هم عليه بالدليل العلمي وتلك حجتنا آتيناهم إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء قال ابن زيد بعلم الحجة وقال تعالى فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعني وقال

(1/274)


تعالى والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم والحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل قال تعالى لئلا يكون للناس علكيم حجة الا الذين ظلموا منهم فانهم يحتجون عليكم بحجة باطلة فلا تخشوهم واخشوني وقال تعالى واذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم الا ان قالوا ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين والحجة المضافة الى الله هي الحق وقد تكون الحجة بمعنى المخاصمة ومنه قوله تعالى فلذلك فادع واستقم كما امرت ولا تتبع اهواءهم وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا اعمالنا ولكم اعمالكم لا حجة بيننا وبينكم أي قد وضح الحق واستبان وظهر فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة فان الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة مخاصمة المنكر ومجادلته عناء لا غنى فيه هذا معنى هذه الاية وقد يقع في وهم كثير من الجهال ان الشريعة لا احتجاج فيها وان المرسل بها صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يحتج على خصومه ولا يجادلهم ويظن جهال المنطقيين وفروخ اليونان ان الشريعة خطاب للجمهور ولا احتجاج يها فيوان الانبياء دعوا الجمهور بطريق الخطابة والحجج للخواص وهم اهل البرهان يعنون نفوسهم ومن سلك طريقتهم وكل هذا من جهلهم بالشريعة والقرآن فإن القرآن مملوء من الحجج والادلة والبراهين في مسائل التوحيد واثبات الصانع والمعاد وإرسال الرسل وحدوث العالم فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك الا وهو في القرآن بافصح عبارة واوضح بيان وأتم معنى وابعده عن الايرادات والاسئلة وقد اعترف بهذا حذاق المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين قال ابو حامد في اول الاحياء فإن قلت فلم لم تورد في اقسام العلم الكلام والفلسفة وتبين انهما مذمومان او ممدوحان فاعلم ان حاصل ما يشتمل عليه الكلام من الادلة التي ينتفع بها فالقرآن

(1/275)


والاخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع كما سيأتي بيانه واما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل بنقل المقالات التي اكثرها ترهات وهذا يانات تزدريها الطباع وتمجها الاسماع وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الاول ولكن تغير الان حكمه إذا حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة لفقت لها شبها ورتبت لها كلاما مؤلفا فصار ذلك المحظور بحكم الضرورة مأذونا فيه وقال الرازي في كتابه اقسام اللذات لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفى عليلا ورايت اقرب الطرق طريقة القرآن اقرا في الاثبات اليه يصعدالكلم الطيب الرحمن على العرش استوى واقرا في النفي ليس كمثله شيء ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وهذا الذي اشار اليه بحسب مافتح له من

(1/276)


دلالة القرآن بطريق الخبر وإلا فدلالته البرهانية العقلية التي يشير اليها ويرشد اليها فتكون دليلا سمعيا عقليا امر تميز به القرآن وصار العالم به من الراسخين في العلم وهو العلم الذي يطمئن اليه القلب وتسكن عنده النفس ويزكو به العقل وتستنير به البصيرة وتقوى به الحجة ولا سبيل لاحد من العالمين الى قطع من حاج به بل من خاصم به فلجت حجته وكسر شبهة خصمه وبه فتحت القلوب واستجيب لله ولرسوله ولكن اهل هذا العلم لاتكاد الاعصار تسمح منهم الا بالواحد بعد الواحد فدلالة القرآن سمعية عقلية قطعية يقينية لا تعترضها الشبهات ولا تتداولها الاحتمالات ولا ينصرف القلب عنها بعد فهمها ابدا وقال بعض المتكلمين افنيت عمري في الكلام اطلب الدليل وانا لاأزداد الا بعدا عن الدليل فرجعت الى القرآن اتدبره واتفكر فيه واذا انا بالدليل حقا معي وانا لا أشعر به فقلت والله ما مثلي الا كما قال القائل : ومن العجائب والعجائب جمة قرب الحبيب وما اليه وصول كالعيش في البيداء يقتلها الظما ولاماء فوق ظهورها محمول قال فلما رجعت الى القرآن إذا هو الحكم والدليل ورأيت فيه من ادلة الله وحججه وبراهينه وبيناته ما لو جمع كل حق قاله المتكلمون في كتبهم لكانت سورة من سور القرآن وافية بمضمونه مع حسن البيان وفصاحة اللفظ وتطبيق المفصل وحسن الاحتراز والتنبيه على مواقع الشبه والارشاد الى جوابها وإذا هو كما قيل بل فوق ما قيل : كفى وشفى ما في الفؤاد فلم يدع لذي ارب في القول جدا ولا هزلا وجعلت جيوش الكلام بعد ذلك تفد الى كما كانت وتتزاحم في صدري ولا ياذن لها القلب بالدخول فيه ولا تلقى منه إقبالا ولا قبولا فترجع على ادبارها والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع انواع الادلة والاقيسة الصحيحة وأمر الله تعالى رسوله فيه بإقامة الحجة والمجادلة فقال تعالى وجادلهم بالتي هي احسن وقال ولا تجادلوا اهل الكتاب إلا بالتي هي احسن وهذه

(1/277)


مناظرات القرآن مع الكفار موجودة فيه وهذه مناظرات رسول الله واصحابه لخصومهم وإقامة الحجج عليهم لا ينكر ذلك الا جاهل مفرط في الجهل والمقصود الفرق بين الحجج والبينات فنقول الحجج الادلة العلمية والبيانات جمع بينة وهي صفة في الاصل يقال آية بينة وحجة بينة والبينة اسم لكل ما يبين الحق من علامة منصوبة او أمارة او دليل علمي قال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبيانات وانزلنا معهم الكتاب والميزان فالبينات الايات التي اقامها الله دلالة على صدقهم من المعجزات والكتاب هو الدعوة وقال تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومقام إبراهيم آية جزئية مرئية بالابصار

(1/278)


وهو من آيات الله الموجودة في العالم ومنه قول موسى لفرعون وقومه قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني اسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها ان كنت من الصادقين فالقى عصاه وكان القاء العصا وانقلابها حية هو البينة وقال قوم هود يا هود ما جئتنا ببينة يريدون آية الاقتراح والا فهو قد جاءهم بما يعرفون به انه رسول الله اليهم فطلب الاية بعد ذلك تعنت واقتراح لا يكون لهم عذر في عدم الاجابة اليه وهذه هي الايات التي قال الله تعالى فيها وما منعنا ان نرسل بالايات الا ان كذب بها الاولون فعدم اجابته سبحانه اليها إذ طلبها الكفار رحمة منه واحسان فانه جرت سنته التي لا تبديل لها انهم اذا طلبوا الاية واقترحوها واجيبوا ولم يؤمنوا عولجوا بعذاب الاستئصال فلما علم سبحانه ان هؤلاء لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية لم يجبهم الى ما طلبوا فلم يعمهم بعذاب لما اخرج من بنيهم واصلابهم من عبادة المؤمنين وان اكثرهم آمن بعد ذلك بغير الايات التي اقترحوها فكان عدم إنزال الايات المطلوبة من تمام حكمة الرب ورحمته واحسانه بخلاف الحجج فانها لم تزل متتابعة يتلو بعضها بعضا وهي كل يوم في مزيد وتوفي رسول الله وهي اكثر ما كانت وهي باقية الى يوم القيامة وقوله اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا يعني هذا الصنف من الناس اقل الخلق عددا وهذا سبب غربتهم فانهم قليلون في الناس والناس على خلاف طريقهم فلهم نبأ وللناس نبأ قال النبي بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء فالمؤمنون قليل في الناس والعلماء قليل في المؤمنين وهؤلاء قليل في العلماء وإياك ان تغتر بما يغتر به الجاهلون فانهم يقولون لو كان هؤلاء على حق لم يكونوا اقل الناس عددا والناس على خلافهم فاعلم ان هؤلاء هم الناس ومن خالفهم فمشبهون بالناس وليسوا بناس فما الناس الا اهل الحق وإن كانوا اقلهم عددا قال ابن مسعود لا يكن احدكم إمعة يقول انا مع الناس ليوطن احدكم

(1/279)


نفسه على ان يؤمن ولو كفر الناس وقد ذم سبحانه الاكثرين في غير موضع كقوله وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله وقال وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال وقليل من عبادي الشكور وقال وان كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقال بعض العارفين انفرادك في طريق طلبك دليل على صدق الطلب مت بداء الهوى والا فخاطر واطرق الحي والعيون نواظر لا تخف وحشة الطريق اذا سر ت وكن في خفارة الحق سائر وقوله بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها الى نظرائهم ويزرعوها في قلوب اشباههم وهذا لان الله سبحانه ضمن حفظ حجه وبيناته واخبر رسول الله انه

(1/280)


لا تزال طائفة من امته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم الى قيام الساعة فلا يزال غرس الله الذين غرسهم في دينه يغرسون العلم في قلوب من اهلهم الله لذلك وارتضاهم فيكونوا ورثة لهم كما كانوا هم ورثة لمن قبلهم فلا تنقطع حجج الله والقائم بها من الاض وفي الاثر المشهور لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم بطاعته وكان من دعاء بعض من تقدم اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك ولهذا ما اقام الله لهذا الدين من يحفظه ثم قبضه اليه الا وقد زرع ما علمه من العلم والحكمة اما في قلوب امثاله واما في كتب ينتفع بها الناس بعده وبهذا وبغيره فضل العلماء العباد فإن العالم إذا زرع علمه عند غيره ثم مات جرى عليه اجره وبقي له ذكره وهو عمر ثان وحياة اخرى وذلك احق ما تنافس فيه المتنافسون ورغب فيه الراغبون وقوله هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعره المترفون وانسوا مما استوحش منه الجاهلون الهجوم على الرجل الدخول عليه بلا استئذان ولما كانت طريق الاخرة وعرة على أكثر الخلق لمخالفتها لشهواتهم ومباينتها لارادتهم ومألوفاتهم قل سالكوها وزاهدهم فيها قلة علمهم اوعدمه بحقيقة الامر وعاقبة العباد ومصيرهم وما هيئوا له وهيء لهم فقل علمهم بذلك واستلانوا مركب الشهوة والهوى على مركب الاخلاص والتقوى وتوعرت عليهم الطريق وبعدت عليهم الشقة وصعب عليهم مرتقي عقابها وهبوط اوديتها وسلوك شعابها فاخلدوا الى الدعة والراحة وآثروا العاجل على الاجل وقالوا عيشنا اليوم نقد وموعودنا نسيئة فنظروا الى عاجل الدنيا واغمضوا العيون عن آجلها ووقفوا مع ظاهرها ولم يتأملوا باطنها وذاقوا حلاوة مباديها وغاب عنهم مرارة عواقبها ودر لهم ثديها فطاب لهم الارتضاع واشتغلوا به عن التفكر في الفطام ومرارة الانقطاع وقال مغترهم بالله وجاحدهم لعظمته وربوبيته متمثلا في ذلك خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به وأما القائمون لله بحجته

(1/281)


خلفاء نبيه في امته فانهم لكمال علمهم وقوته نفد بهم الى حقيقة الامر وهجم بهم عليه فعاينوا ببصائرهم ما عشيت عنه بصائر الجاهلين فاطمأنت قلوبهم به وعملوا على الوصول اليه لما باشرها من روح اليقين رفع لهم علم السعادة فشمروا اليه واسمعهم منادي الايمان النداء فاستبقوا اليه واستيقنت انفسهم ما وعدهم به ربهم فزهدوا فيما سواه ورغبوا فيما لديه علموا ان الدنيا دار ممر لا دار مقر ومنزل عبور لا مقعد حبور وانها خيال طيف او سحابة صيف وان من فيها كراكب قال تحت ظل شجرة ثم راح عنها وتركها وتيقنوا انها احلام نوم او كظل زائل : ان اللبيب بمثلها لا يخدع

(1/282)


وان وصفها صدق في وصفها اذ يقول ارى اشقياء الناس لا يسأمونها على انهم فيها عراة وجوع اراها وان كانت تحب فإنها سحابة صيف عن قليل تقشع فرحلت عن قلوبهم مدبرة كما ترحلت عن اهلها موليه واقبلت الآخرة الى قلوبهم مسرعة كما اسرعت الى الخلق مقبلة فامتطوا ظهور العزائم وهجروا لذة المنام وما ليل المحب بنائم علموا طول الطريق وقلة المقام في منزل التزود فسارعوا في الجهاز وجد بهم السير الى منازل الاحباب فقطعوا المراحل وطووا المفاوز وهذا كله من ثمرات اليقين فان القلب إذا استيقن ما امامه من كرامة الله وما اعد لاوليائه بحيث كأنه ينظر اليه من وراء حجاب الدنيا ويعلم انه إذا زال الحجاب رأى ذلك عيانا زالت عنه الوحشة التي يجدها المتخلفون ولان له ما استوعره المترفون وهذه المرتبة هي اول مراتب اليقين وهي علمه وتيقنه وهي الكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين اليقين ونسبتها الى العين كنسبة الاول الى القلب ثم تليها المرتبة الثالثة وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الادراك التام فالاولى كعلمك بان في هذا الوادي ماء والثاني كرؤيته والثالثة كالشرب منه ومن هذا ما يروى في حديث حارثة وقول النبي كيف اصبحت يا حارثة قال اصبحت مؤمنا حقا قال إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها فاسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكاني انظر الى عرش ربي بارزا وكاني انظر الى اهل الجنة بتزاورون فيها والى اهل النار يتعاوون فيها فقال عبد نور الله قلبه فهذا هو هجوم العلم بصاحبه على حقيقة الامر ومن وصل الى هذا استلان ما يستوعره المترفون وأنس مما يشتوحش منه الجاهلون ومن لم يثبت قدم إيمانه على هذه الدرجة فهو إيمان ضعيف وعلامة هذا انشراح الصدر لمنازل الايمان وانفساحه وطمأنينة القلب لأمر الله والانابة الى ذكر الله ومحبته والفرح بلقائه والتجافي

(1/283)


عن دار الغرور كما في الاثر المشهور إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قيل وما علامة ذلك قال التجافي عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله وهذه هي الحال التي كانت تحصل للصحابة عند النبي إذا ذكرهم الجنة والنار كما في الترمذي وغيره من حديث الجريري عن ابي عثمان النهدي عن حنظلة الاسدي وكان من كتاب النبي انه مر بأبي بكر رضى الله عنه وهو يبكي فقال مالك يا حنظلة فقال نافق حنظلة يا ابا بكر نكون عند رسول الله يذكرنا بالجنة والنار كانا رأى عين فإذا رجعنا إلى الازواج والضيعة نسينا كثيرا قال فوالله إنا لكذلك انطلق بنا الى رسول الله فانطلقنا فلما رآه رسول الله قال مالك يا حنظلة قال نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا

(1/284)


رأى عين فإذا رجعنا عافسنا الازواج والضيعة ونسينا كثيرا قال فقال رسول الله لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ساعة وساعة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي الترمذي ايضا نحوه من حديث ابي هريرة والمقصود ان الذي يهجم بالقلب على حقيقة الايمان ويلين له ما يستوعره غيره ويؤنسه بما يستوحش منه سواء العلم التام والحب الخالص والحب تبع للعلم يقوى بقوته ويضعف بضعفه والمحب لا يستوعر طريقا توصله الى محبوبه ولا يستوحش فيها وقوله صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلى وفي رواية بالمحل الاعلى الروح في هذا الجسد بدار غربة ولها وطن غيره فلا تستقر الا في وطنها وهي جوهر علوي مخلوق من مادة علوية وقد اضطرت الى مساكنة هذا البدن الكثيف فهي دائما تطلب وطنها في المحل الاعلى وتحن اليه حنين الطير الى اوكارها وكل روح ففيها ذلك ولكن لفرط اشتغالها بالبدن وبالمحسوسات المالوفة اخلدت الى الارض ونسيت معلمها ووطنها الذي لا راحة لها في غيره فإنه لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه والدنيا سجنه حقا فلهذا تجدالمؤمن بدنه في الدنيا وروحه في المحل الاعلى وفي الحديث المرفوع إذا نام العبد وهو ساجد باهي الله به الملائكة فيقول انظروا الى عبدي بدنه في الارض وروحه عندي رواه تمام وغيره وهذا معني قول بعض السلف القلوب جوالة فقلب حول الحشر وقلب يطوف مع الملائكة حول العرش فأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيسها في أعماق البدن واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خلقت له وهيئت له وعن وطنها ومحلها ومحل انسها ومنزل كرامتها ولكن سكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الالم والعذاب فإذا صحت من سكرها وافاقت من غمرتها اقبلت عليها جيوش الحسرات من كل جانب فحينئذ تتقطع حسرات على ما فاتها من كرامة الله وقربه والانس به والوصول الى وطنها الذي لا راحة لها الا فيه كما

(1/285)


قيل : صحبتك اذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي الومها ولو تنقلت الروح في المواطن كلها والمنازل لم تستقر ولم تطمئن الا في وطنها ومحلها الذي خلقت له كما قيل : نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابدا لاول منزل وإذا كانت الروح تحن ابدا الى وطنها من الارض مع قيام غيره مقامه في السكنى وكثيرا ما يكون غير وطنها احسن واطيب منه وهي دائما تحن اليه مع انه لا ضرر عليها ولا عذاب في مفارقته الى مثله فكيف بحنينها الى الوطن الذي في فراقها له عذابها وآلامها وحسرتها التي لاتنقضي فالعبد

(1/286)


المؤمن في هذه الدار سبي من الجنة الى دار التعب والعناء ثم ضرب عليه الرق فيها فكيف يلام على حنينه الى داره التي سبى منها وفرق بينه وبين من يحب وجمع بينه وبين عدوه فروحه دائما معلقة بذلك الوطن وبدنه في الدنيا ولى من ابيات في ذلك وحي على جنات عن فانها منازلك الاولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود الى اوطاننا ونسلم وكلما اراد منه العدو نسيان وطنه وضرب الذكر عنه صفحا وايلافه وطنا غيره ابت ذلك روحه وقلبه كما قيل : يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل ولهذا كان المؤمن غريبا في هذه الدار اين حل منها فهو في دار غربة كما قال النبي كن في الدنيا كانك غريب او عابر سبيل ولكنها غربة تنقضى ويصير الى وطنه ومنزله وانما الغربة التي لا يرجى انقطاعها فهي غربة في دار الهوان ومفارقة وطنه الذي كان قد هيء واعد له وامر بالتجهيز اليه والقدوم عليه فابى الا اغترابه عنه ومفارقته له فتلك غربة لا يرجى ايابها ولا يجبر مصابها ولا تبادر الى انكار كون البدن في الدنيا والروح في الملأ الاعلى فللروح شأن والبدن شأن والنبي كان بين اظهر اصحابه وهو عند ربه يطعمه ويسقيه فبدنه بينهم وروحه وقلبه عند ربه وقال ابو الدرداء اذا نام العبدعرج بروحه الى تحت العرش فان كان طاهرا اذن لها بالسجود وان لم يكن طاهرا لم يؤذن لها بالسجود فهذه والله أعلم هي العلة التي امر الجنب لاجلها ان يتوضأ إذا أراد النوم وهذا الصعود إنما كان لتجرد الروح عن البدن بالنوم فإذا تجردت بسبب آخر حصل لها من الترقي والصعود بحسب ذلك التجرد وقد يقوى الحب بالمحب حتى لا يشاهد منه بين الناس الا جسمه وروحه في موضع آخر عند محبوبه وفي هذا من شاعار الناس وحكاياتهم ما هو معروف وقوله اولئك خلفاء الله في ارضه ودعائه الى دينه هذا حجة احد القولين في انه يجوز ان يقال فلان خليفة الله في ارضه واحتج اصحابه ايضا بقوله تعالى للملائكة إني جاعل في

(1/287)


الارض خليفة واحتجوا بقوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الارض وهذا خطاب لنوع الانسان وبقوله تعالى امن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض وبقول موسى لقومه عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون ويقول النبي ان الله ممكن لكم في الارض ومستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء واحتجوا بقول الراعي يخاطب ابا بكر رضي الله عنه : خليفة الرحمن انام معشر حنفاء نسجد بكرة واصيلا

(1/288)


عرب نرى لله في اموالنا  حق الزكاة منزلا تنزيلا  ومنعت طائفة هذا الاطلاق وقالت لا يقال لاحد انه خليفة الله فإن الخليفة انما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره والله تعالى شاهد غير غائب قريب غير بعيد راء وسامع فمحال ان يخلفه غيره بل هو سبحانه الذي يخلف عبده المؤمن فيكون خليفته كما قال النبي في حديث الدجال ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه دونكم وان يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مؤمن والحديث في الصحيح وفي صحيح مسلم ايضا من حديث عبد الله بن عمرو ان رسول الله كان يقول اذا سافر اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل والحضر الحديث وفي الصحيح ان النبي قال اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في اهله فالله تعالى هو خليفة العبد لان العبد يموت فيحتاج الى من يخلفه في اهله قالوا ولهذا انكر الصديق رضى الله عنه على من قال له يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك قالوا وأما قوله تعالى اني جاعل في الارض خليفة فلا خلاف ان المراد به آدم وذريته وجمهور اهل التفسير من السلف والخلف على انه جعله خليفة عمن كان قبله في الارض قيل عن الجن الذين كانوا سكانها وقيل عن الملائكة الذين سكنوها بعدالجن وقصتهم مذكورة في التفاسير وأما قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف في الارض فليس المراد به خلائف عن الله وانما المراد به انه جعلكم يخلف بعضكم بعضا فكلما هلك قرن خلفه قرن إلى آخر الدهر ثم قيل ان هذا خطاب لامة محمد خاصة أي جعلكم خلائف من الامم الماضية فهلكوا وورثتم انتم الارض من بعدهم ولا ريب ان هذا الخطاب للامة والمراد نوع الانسان الذي جعل الله اباهم خليفة عمن قبله وجعل ذريته يخلف بعضهم بعضا الى قيام الساعة ولهذا جعل هذا آية من آياته كقوله تعالى امن يجيب المضطر أذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض واما قول موسى لقومه ويستخلفكم في الارض فليس ذلك استخلافا

(1/289)


عنه وانما هو استخلاف عن فرعون وقومه اهلكهم وجعل قوم موسى خلفاء من بعدهم وكذا قول النبي ان الله مستخلفكم في الارض أي من الامم التي تهلك وتكونون انتم خلفاء من بعدهم قالوا واما قول الراعي فقول شاعر قال قصيدة في غيبة الصديق لا يدري ابلغت ابا بكر ام لا ولو بلغته فلا يعلم انه اقره على هذه اللفظة ام لا قلت ان اريد بالاضافة الى الله انه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة منها وان اريد بالاضافة ان الله استخلفه عن غيره ممن كان قله قبلهفهذا لا يمتنع فيه الاضافة وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن غيره وبهذا يخرج الجواب عن قول امير المؤمنين اولئك خلفاء الله في ارضه فان قيل هذا لامدح فيه لان هذا

(1/290)


الاستخلاف عام في الامة وخلافة الله التي ذكرها امير المؤمنين خاصة بخواص الخلق فالجواب ان الاختصاص المذكور افاد اختصاص الاضافة فالاضافة هنا للتشريف والتخصيص كما يضاف اليه عباده كقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا ونظائرهما ومعلوم ان كل الخلق عباد له فخلفاء الارض كالعباد في قوله والله بصير بالعباد وما الله يريد ظلما للعباد وخلفاء الله في قوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ونظائره وحقيقة اللفظة ان الخليفة هو الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده يقال خلف فلان فلانا واصلها خليف بغير هاء لانها فعيل بمعنى فاعل كالعليم والقدير فدخلت التاء للمبالغة في الوصف كراوية وعلامة ولهذا جمع جمع فعيل فقيل خلفاء كشريف وشرفاء وكريم وكرماء ومن راعي لفظه بعد دخول التاء عليه جمعة معه على فعائل فقال خلائف كعقيلة وعقائل وظريفة وظرائف وكلاهما ورد به القرآن هذا قول جماعة من النحاة والصواب ان التاء إنما دخلت فيها للعدل عن الوصف الى الاسم فإن الكلمة صفة في الاصل ثم اجريت مجرى الاسماء فالحقت التاء لذلك كما قالوا نطيحة بالتاء فإذا اجروها صفة قالوا شاة نطيح كماي يقولون كف خضيب والا فلا معنى للمبالغة في خليفة حتى تلحقها تاء المبالغة والله اعلم وقوله ودعته الى دينه الدعاة جمع داع كقاض قضاة ورام ورماة وإضافتهم الى اليه للاختصاص أي الدعاة المخصوصون به الذين يدعون الى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته وهؤلاءهم خواص خلق الله وافضلهم عند الله منزلة وأعلاهم قدرا يدل على ذلك الوجه الثلاثون بعد المائة وهو قوله تعالى ومن احسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين قال الحسن هو المؤمن اجاب الله في دعوته ودعا الناس الى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحا في إجابته فهذا حبيب الله هذا ولي الله فمقام الدعوة الى الله افضل مقامات العبد قال تعالى وانه لما قام عبدالله

(1/291)


يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال تعالى ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق فالمتسجيب القابل الذكي الذي لا يعاندالحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الامر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي احسن هذا هو الصحيح في معنى هذه الاية لا ما يزعم اسير منطق اليونان ان الحكمة قياس البرهان وهي دعوة الخواص والموعظة الحسنة قياس الخطابة وهي دعوة العوام والمجادلة بالتي هي احسن القياس الجدلي وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلم المقدمات وهذا باطل وهو مبني على اصول

(1/292)


الفلسفة وهو مناف لاصول المسلمين وقواعدالدين من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وقال تعالى قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني قال الفراء وجماعة ومن اتبعني معطوف على الضمير في ادعو يعني ومن اتبعني يدعو الى الله كما ادعو وهذا قول الكلبي قال حق على كل من اتبعه ان يدعو الى ما دعا اليه ويذكر بالقرآن والموعظة ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة قال ابن الانباري ويجوز ان يتم الكلام عند قوله الى الله ثم يبتديء بقوله على بصيرة انا ومن اتبعني فيكون الكلام على قوله جملتين اخبر في اولاهما انه يدعو الى الله وفي الثانية بانه من اتباعه على بصيرة والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من اتباعه حقا حتى يدعو الى ما دعا اليه وقول الفراء احسن واقرب الى الفصاحة والبلاغة واذا كانت الدعوة الى الله اشرف مقامات العبد واجلها وافضلها فهي لا تحصل الا بالعلم الذي يدعو به واليه بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم الى حد يصل اليه السعي ويكفي هذا في شرف العلم ان صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء الوجه الحادي والثلاثون بعدالمائة انه لو لم يكن من فوائد العلم الا انه يثمر اليقين الذي هو اعظم حياة القلب وبه طمأنينه وقوته ونشاطه وسائر لوازم الحياة ولهذا مدح الله سبحانه اهله في كتابه واثنى عليهم بقوله وبالاخرة هم يوقنون وقوله تعالى كذلك نفصل الايات لقوم يوقنون وقوله في حق خليله إبراهيم وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين وذم من لا يقين عنده فقال إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وفي الحديث المرفوع من حديث سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعوديرفعه لا ترضين احدا بسخط الله ولا تحمدن احدا على فضله ولا تذمن احدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يردة عنك كراهية كاره وان الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة والفرح في

(1/293)


الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط فإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورا وانتفى عنه كل ريب وشك وعوفي من امراضه القاتلة وامتلأ شكرا لله وذكرا له ومحبة وخوفا فحبي عن بينة واليقين والمحبة هما ركنا الايمان وعليهما ينبني وبهما قوامه وهما يمدان سائر الاعمال القلبية والبدنية وعنهما تصدر وبضعفهما يكون ضعف الاعمال وبقوتهما قوتها وجميع منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تفتح بهما وهما يثمران كل عمل صالح وعلم نافع وهدى مستقيم قال شيخ العارفين الجيد اليقين هو استقرار العلم الذي لاينقلب ولا يتحول ولا يتغير في القلب وقال سهل حرام على قلب ان يشم رائحة اليقين وفيه سكون الى غير الله وقيل من علاماته الالتفات الى الله في كل زلة والرجوع اليه في كل امر والاستعانة به في كل حال وارادة وجهه بكل حركة ويكون

(1/294)


وقال السرى اليقين السكون عند جولان الموارد في صدرك ليتقنك ان حركتك فيها لاتنفعك ولا ترد عنك مقضيا قلت هذا إذا لم تكن الحركة مأمورا بها فإذا كانت مأمورا بها فاليقين في بذل الجهد فيها واستفراغ الوسع وقيل إذا استكمل العبد حقيقة اليقين صار البلاء عنده نعمة والمحنة منحة فالعلم اول درجات اليقين ولهذا قيل العلم يستعملك واليقين يحملك فاليقين افضل مواهب الرب لعبده ولا تثبت قدم الرضاء الا على درجة اليقين قال تعالى اما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال ابن مسعود هو و العبد تصيبه المصيبة فيعلم انها من الله فيرضى ويسلم فلهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم الا بيقينه قال في الصحاح اليقين العلم وزوال الشك يقال منه يقنت الامر يقنا واستيقنت وايقنت وتيقنت كله بمعنى واحد وأنا على يقين منه وإنما صارت الياء واوا فيموقن للضمة قبلها وإذا صغرتها رددته لى الاصل فقلت مييقن وربما عبروا عن الظن بالقين وبالظن عن اليقين قال : تحسب هواس وأيقن اني بها مفتد من واحد لا أغامره يقول تشمم الاسد ناقتي يظن انني افتدى بها منه وأستحيي نفسي فأتركها له ولا اقتحم المهالك لمقاتلته قلت هذاموضع اختلف فيه اهل اللغة والتفسير هل يستعمل اليقين في موضع الظن والظن في موضع اليقين فرأى ذلك طائفة منهم الجوهري وغيره واحتجوا بسوى ما ذكر بقوله تعالى الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وأنهم اليه راجعون ولو شكوا في ذلك لم يكونوا موقنين فضلا عن ان يمدحوا بهذا المدح وبقوله قال الذين يظنون انهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله وبقوله تعالى ورأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها وبقول الشاعر فقلت لهم ظنوا بالفي مقاتل سراتهم في الفارسي المسرد أي استيقنوا بهذا العدد وأبي ذلك طائفة وقالوا لا يكون اليقين الا للعلم واما الظن فمنهم من وافق على انه يكون الظن في موضع اليقين

(1/295)


واجابوا عما احتج به من جوز ذلك بان قالوا هذه المواضع التي زعمتم ان الظن وقع فيها موقع اليقين كلها على بابها فإنا لم نجد ذلك الا في علم بمغيب ولم تجدهم يقولون لمن راى الشيء اظنه ولمن ذاقه اظنه وإنما يقال لغائب قدعرف بالسمع والعلم فإذا صار الى المشاهدة امتنع الى اطلاق الظن عليه قالوا وبين العيان والخبر مرتبة متوسطة باعتبارها اوقع على العلم بالغائب الظن لفقد الحال التي تحصل المدركة بالمشاهدة وعلى هذاخرجت سائر الادلة التي ذكرتموها ولا يرد على هذا قوله ورأى المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها لان الظن انما وقع على مواقعتها وهي غيب حال الرؤية فإذا واقعوها لم يكن ذلك ظنا بل حق يقين قالوا وأما قول الشاعر وايقن انني بها مفتد فعلى بابه لانه ظن ان الاسد لتيقنه شجاعته

(1/296)


وجراءته موقن بان الرجل يدع له ناقته يفتدى بها من نفسه قالوا وعلى هذا يخرج معنى الحديث نحن احق بالشك من إبراهيم وفيه اجوبة لكن بين العيان والخير رتبة طلب إبراهيم زوالها بقوله ولكن ليطمئن قلبي فعبرعن تلك الرتبة بالشك والله اعلم الوجه الثاني والثلاثون بعد المائة ما رواه ابو يعلى الموصلي في مسنده من حديث انس بن مالك يرفعه الى النبي قال طلب العلم فريضة على كل مسلم وهذا وان كان في سنده حفص بن سليمان وقد ضعف فمعناه صحيح فأن الايمان فرض على كل واحد وهو ماهية مركبة من علم وعمل فلا يتصور وجود الايمان الا بالعلم والعمل ثم شرائع الاسلام واجبة على كل مسلم ولا يمكن اداؤها الا بعدمعرفتها والعلم بها والله تعالى اخرج عباده من بطون امهاتهم لا يعلمون شيئا فطلب العلم فريضة على كل مسلم وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم الا بالعلم وهل ينال العلم الا بطلبه ثم إن العلم بالمفروض تعلمه ضربان ضرب منه فرض عين لا يسع مسلما جهله وهو انواع النوع الاول علم اصول الايمان الخمسة الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فإن من لم يؤمن بهذه الخمسة لم يدخل في باب الايمان ولايستحق اسم المؤمن قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وقال ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا ولما سأل جبريل رسول الله عن الايمان فقال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر قال صدقت فالايمان بهذه الاصول فرع معرفتها والعلم بها النوع الثاني علم شرائع الاسلام واللازم منها علم ما يخص العبد من فعلها كعلم الوضوء والصلاة والصيام والحج والزكاة وتوابعها وشروطها ومبطلاتها النوع الثالث علم المحرمات الخمسة التي اتفقت عليها الرسل والشرائع والكتب الالهية وهي المذكورة في قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق

(1/297)


وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله مالا تعلمون فهذه محرمات على كل واحد في كل حال على لسان كل رسول لا تباح قط ولهذا اتى فيها بانما المفيدة للحصر مطلقا وغيرها محرم في وقت مباح في غيره كالميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه فهذه ليست محرمة على الاطلاق والدوام فلم تدخل تحت التحريم المحصور المطلق النوع الرابع علم احكام المعاشرة والمعاملة التي تحصل بينه وبين الناس خصوصا وعموما والواجب في هذا النوع يختلف باختلاف احوال الناس ومنازلهم فليس الواجب على الامام مع رعيته كالواجب على الرجل مع اهله وجيرته وليس الواجب على من نصب نفسه لانواع التجارات من تعلم احكام البياعات كالواجب على من لا يبيع ولا يشتري الا ما تدعو الحاجة اليه وتفصيل هذه الجملة لا ينضبط بحد لاختلاف الناس في اسباب العلم الواجب وذلك يرجع

(1/298)


الى ثلاثة اصول اعتقاد وفعل وترك فالواجب في الاعتقاد مطابقته للحق في نفسه والواجب في العمل معرفته وموافقة حركات العبد الظاهرة والباطنة الاختيارية للشرع امرا وإباحة والواجب في الترك معرفة موافقة الكف والسكون لمرضات الله وان المطلوب منه إبقاء هذا الفعل على عدمه المستصحب فلا يتحرك في طلبه او كف النفس عن فعله على الطريقتين وقد دخل في هذه الجملة علم حركات القلوب والابدان وأما فرض الكفاية فلا اعلم فيه ضابطا صحيحا فان كل احد يدخل في ذلك ما يظنه فرضا فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة وبعضهم يزيد على ذلك علم اصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها وبعضهم يزيدعلى ذلك علم المنطق وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد وكل هذا هوس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله فيا سبحان الله هل فرض الله على كل مسلم ان يكون طبيبا حجاما حاسبا مهندسا او حائكا او فلاحا او نجارا او خياطا فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض ثم على قول هذا القائل يكون الله قد فرض على كل احد جملة هذه الصنائع والعلوم فإنه ليس واحد منها فرضا على معين والآخر على معين آخر بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم فيجب على كل احد ان يكون حاسبا حائكا خياطا نجارا فلاحا طبيبا مهندسا فان قال المجموع فرض على المجموع لم يكن قولك إن كل واحد منها فرض كفاية صحيحا لان فرض الكفاية يجب على العموم واما المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته ان يكون كالمساحة والهندسة ونحوها فكيف وباطله اضعاف حقه وفساده وتناقض اصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها الذهن ان يزيغ في فكره ولا يؤمن بهذا الا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه لعقل الصريح واخبر بعض من كان قد قرأه وعني به انه لم يزل متعجبا من فساد اصوله وقواعده ومبانيها لصريح المعقول وتضمنها

(1/299)


لدعاوي محضة غير مدلول عليها وتفريقه بين متساوين وجمعه بين مختلفين فيحكم على الشيء بحكم وعلىنظيره بضد ذلك الحكم او يحكم على الشيء بحكم ثم يحكم علىمضاده او مناقضه به قال الى ان سالت بعض رؤسائه وشيوخ اهله عن شيء من ذلك فانكر فيه ثم قال هذا علم قد صقلته الاذهان ومرت عليه من عهد القرون الاوائل او كما قال فينبغي ان نتسلمه من اهله وكان هذا من افضل ما رأيت في المنطق قال الى ان وقفت على رد متكلمي الاسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه فوقفت على مصنف لابي سعيد السيرافي النحوي في ذلك وعلى رد كثير من اهل الكلام والعربية عليهم كالقاضي ابي بكر بين الطيب والقاضي عبدالجبار والجبائي وابنه وابي المعالي وابي القاسم الانصاري

(1/300)


وخلق لا يحصون كثرة ورايت استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الاشكال ومخالفتها ما كان ينقدح لي كثير منه ورايت آخر من تجرد للرد عليهم شيخ الاسلام قدس الله روحه فإنه اتى في كتابيه الكبير والصغير بالعجب العجاب وكشف اسرارهم وهتك استارهم فقلت في ذلك : واعجبا لمنطق اليونان كم فيه من إفك ومن بهتان مخبط لجيد الاذهان ومفسد لفطرة الانسان مضطرب الاصول والمباني على شفا هار بناه الباني احوج ما كان اليه العاني يخونه في السر والاعلان يمشي به اللسان في الميدان مشي مقيد على صفوان متصل العثار والتواني كأنه السراب بالقيعان بدا لعين الظميء الحيراني فأمه بالظن والحسبان يرجو شفاء غلة الظمآن فلم يجد ثم سوى الحرمان فعاد بالخيبة والخسران يقرع سن نادم حيران قد ضاع منه العمر في الاماني وعاين الخفة في الميزان وما كان من هوس النفوس بهذه المنزلة فهو بان يكون جهلا اولى منه بان يكون علما تعلمه فرض كفاية او فرض عين وهذا الشافعي واحمد وسائر ائمة الاسلام وتصانيفهم وسائر ائمة العربية وتصانيفهم وائمة التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها هل راعوا فيها حدود المنطق واوضاعه وهل صح لهم علمهم بدونه ام لا بل هم كانوا اجل قدرا واعظم عقولا من ان يشغلو افكارهم بهذيان المنطقيين وما دخل المنطق على علم الا افسده وغير اوضاعه روشوش قواعده ومن الناس من يقول ان علوم العربية من التصريف والنحو واللغة والمعاني والبيان ونحوها تعلمها فرض كفاية لتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها ومن الناس من يقول تعلم اصول الفقه فرض كفاية لانه العلم الذي يعرف به الدليل ومرتبته وكفية الاستدلال وهذه الاقوال وان كانت اقرب الى الصواب من القول الاول فليس وجوبها عاما على كل احد ولا في كل وقت وإنما يجيب وجوب الوسائل في بعض الازمان وعلى بعض الاشخاص بخلاف الفرض الذي يعم وجوبه كل احد وهو علم الايمان وشرائع الاسلام فهذا هو الواجب واما ما عداه

(1/301)


فإن توقفت معرفته عليه فهو من باب مالا يتم الواجب الا به ويكون الواجب منه القدر الموصل اليه دون المسائل التي هي فضلة لا يفتقر معرفة الخطاب وفهمه اليها فلا يطلق القول بان علم العربية واجب على الاطلاق اذ الكثير منه ومن مسائله وبحوثه لا يتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها وكذلك اصول الفقه القدر الذي يتوقف فهم الخطاب عليه منه يجب معرفته دون المسائل المقررة والابحاث التي هي فضلة فكيف يقال ان تعلمها واجب وبالجملة فالمطلوب الواجب من العبد من العلوم والاعمال إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجبا وجوب الوسائل ومعلوم ان ذلك التوقف يختلف باختلاف الاشخاص والازمان والالسنة والاذهان فليس لذلك حد مقدر والله اعلم الوجه الثالث والثلاثون بعدالمائة ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابي هريرة يرفعه الى النبي قال سأل موسى ربه عن ست خصال كان يظن انها له خالصة والسابعة لم يكن موسى يحبها قال يا رب أي عبادك اتقى قال الذي يذكر ولا ينسى قال فأي عبادك اهدى قال الذي تتبع الهدى قال فأي عبادك احكم قال الذي يحكم للناس ما يحكم لنفسه قال أي عبادك اعلم قال عالم لا يشبع من العلم يجمع علم الناس الى علمه قال فأي عبادك اعز قال الذي اذا قدر عفا قال فأي عبادك اغني قال الذي يرضى بما اوتى قال فاي عبادك افقر قال صاحب منقوص فأخبر في هذا الحديث ان اعلم عباده الذي لا يشبع من العلم فهو يجمع علم الناس الى علمه لنهمته في العلم وحرصه عليه ولا ريب ان كون العبد اعظم عباد الله من اعظم اوصاف كماله وهذا هو الذي حمل موسى على الرحلة الى عالم الارض ليعلمه مما علمه الله هذا وهو كليم الرحمن وأكرم الخلق على الله في زمانه وأعلم الخلق فحمله حرصه ونهمته في العلم على الرحلة الى العالم الذي وصف له فلولا ان العلم اشرف ما بذلت فيه المهج وانفقت فيه الانفاس لاشتغل موسى عن الرحلة الى الخضر بما هو بصدده من امر الامة وعن مقاساة النصب والتعب في

(1/302)


رحلته وتلطفه للخضر في قوله هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا فلم ير اتباعه حتى استاذنه في ذلك واخبره انه جاء متعلما مستفيدا فهذا النبي الكريم كان عالما بقدر العلم واهله صلوات الله وسلامه عليه الوجه الرابع والثلاثون بعد المائة ان الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته وإيثار مرضاته المستلزمة لمعرفته ونصب للعباد علما لا كمال لهم الا به وهو ان تكون حركاتهم كلها موافقة على وفق مرضاته ومحبته ولذلك ارسل رسله وانزل كتبه وشرع شرائعه فكمال العبد الذي لا كمال له الا به ان تكون حركاته موافقه لما يحبه الله منه ويرضاه له ولهذا جعل اتباع رسوله دليلا على محبته قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم فالمحب الصادق يرى خيانة منه لمحبوبه ان يتحرك بحركة اختيارية في غير مرضاته وإذا فعل فعلا مما ابيح له بموجب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوب من الذنب ولا يزال هذا الأمر يقوى عنده حتى تنقلب

(1/303)


مباحاته كلها طاعات فيحتسب نومه وفطره وراحته كما يحتسب قومته وصومه واجتهاده وهو دائما بين سراء يشكر الله عليها وضراء يصبر عليها فهو سائر إلى الله دائما في نومه ويقظنه قال بعض العلماء الاكياس عاداتهم عبادات الحمقي والحمقى عباداتهم عادات وقال بعض السلف حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون به سهر الحمقى وصومهم فالمحب الصادقان نطق نطق لله وبالله وان سكت سكت لله وان تحرك فبأمر الله وان سكن فسكونه استعانة على مرضات الله فهو لله وبالله ومع الله ومعلوم ان صاحب هذا المقام احوج خلق الله الى العلم فإنه لا تتميز له الحركة المحبوبة لله من غيرها ولا السكون المحبوب له من غيره الا بالعلم فليست حاجته الى العلم كحاجة من طلب العلم لذاته ولانه في نفسه صفة كمال بل حاجته اليه كحاجته الى ما به قوام نفسه وذاته ولهذا اشتدت وصاة شيوخ العارفين لمريديهم بالعلم وطلبه وانه من لم يطلب العلم لم يفلح حتى كانوا يعدون من لا علم له من السفلة قال ذو النون وقد سئل من السفلة فقال من لا يعرف الطريق الى الله تعالى ولا يتعرفه وقال ابو يزيد لو نظرتم الى الرجل وقد اعطى من الكرامات حتى يتربع في الهواء فلات تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الامر والنهي وحفظ الحدود ومعرفة الشريعة وقال ابو حمزة البزاز من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق الا متابعة الرسول في أقواله وأفعاله واحواله وقال محمد بن الفضل الصوفي الزاهد ذهاب الاسلام على يدي اربعة اصناف من الناس صنف لا يعملون بما يعلمون وصنف يعملون بما لا يعلمون وصنف لا يعملون ولا يعلمون وصنف يمنعون الناس من التعلم قلت الصنف الاول من له علم بلا عمل فهو اضر شيء على العامة فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة والصنف الثاني العابد الجاهل فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله احذروا فتنة العالم الفاجر

(1/304)


والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فان الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم فإذا كان العلماء فجرة والعباد جهلة عمت المصيبة بهما وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة والصنف الثالث الذين لا علم لهم ولا عملوإنما هم كالانعام السائمة والصنف الرابع نواب ابليس في الارض وهم الذي يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين فهؤلاء اضر عليهم من شياطين الجن فانهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه فهؤلاء الاربعة اصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف رحمة الله عليه وهؤلاء كلهم على شفا جرف هار وعلى سبيل الهلكة وما يلقى العالم الداعي الى الله ورسوله ما يلقاه من الاذى والمحاربة الا على ايديهم والله يستعمل من يشاء في سخطه كما يستعمل من يحب في مرضاته إنه بعباده خبير بصير ولا ينكشف سر هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم فعاد الخير بحذافيره الى العلم وموجبه والشر

(1/305)


بحذافيره الى الجهل وموجبه الوجه الخامس والثلاثون بعد المائة ان الله سبحانه جعل العلماء وكلاء وامناء على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه والقيام به والذب عنه وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة قال تعالى ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين وقد قيل ان هؤلاء القوم هم الانبياء وقيل اصحاب رسول الله وقيل كل مؤمن هذه امهات الاقوال بعد اقوال متفرعة عن هذه كقول من قال هم الانصار او المهاجرون والانصار او قوم من ابناء فارس وقال آخرون هم الملائكة قال ابن جرير واولى هذه الاقوال بالصواب انهم الانبياء الثمانية عشر الذين سماهم في الايات قبل هذه الاية قال وذلك ان الخبر في الايات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر فما يليها بان يكون خبرا عنهم اولى واحق بان يكون خبرا عن غيرهم فالتأويل فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا وكذبوا بها وجحدوا حقيقتها فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وانبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها قلت السورة مكية والاشارة بقوله هؤلاء الى من كفر به من قومه اصلا ومن عداهم تبعا فيدخل فيها كل من كفر بما جاء به من هذه الامة والقوم الموكلون بها هم الانبياء اصلا والمؤمنون بهم تبعا فيدخل كل من قام بحفظها والذنب عنها والدعوة اليها ولا ريب ان هذا للأنبياء اصلا وللمؤمنين بهم تبعا واحق من دخل فيها من اتباع الرسول خلفاؤه في امته وورثته فهم الموكلون بها وهذا ينظم في الاقوال التي قيلت في الاية واما قول من قال انهم الملائكة فضعيف جدا لا يدل عليه السياق وتاباه لفظه قوما إذ الغالب في القرآن بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة وأما قول إبراهيم لهم قوم منكرون فإنما قاله لما ظنهم من الانس

(1/306)


وايضا فلايقتضيه فخامة المعنى ومقصوده ولهذا لو اظهر ذلك وقيل فإن يكفر بها كفار قومك فقد وكلنا بها الملائكة فإنهم لا يكفرون بها لم نجد منه من التسلية وتحقير شأن الكفرة بها وبيان عدم تأهلهم لها والانعام عليهم وإيثار غيرهم من اهل الايمان الذين سبقت لهم الحسنى عليهم لكونهم احق بها وأهلها والله أعلم حيث يضع هداه ويختص به من يشاء وايضا فإن تحت هذه الاية إشارة وبشارة يحفظها وأنه لا ضيعة عليها وان هؤلاء وإن ضيعوها ولم يقبلوها فإن لها قوما غيرهم يقبلونها ويحفظونها ويرعونها ويذبون عنها فكفر هؤلاء بها لا يضيعها ولا يذهبها ولا يضرها شيئا فإن لها اهلا ومستحقا سواهم فتأمل شرف هذا المعنى وجلالته وما تضمنه من تحريض عباده المؤمنين على المبادرة اليها والمسارعة الى

(1/307)


قبولها وما تحته من تنبيههم على محبته لهم وإيثاره إياهم بهذه النعمة على اعدائه الكافرين وما تحته من احتقارهم وازدرائهم وعدم المبالاة والاحتفال بهم وإنكم وان تؤمنوا بها فعبادي المؤمنون بها الموكلون بها سواكم كثير كما قال تعالى قل آمنوا به اولا تؤمنوا إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا يوقولن سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وإذا كان للملك عبيد قدعصوره وخالفوا امره ولم يلتفتوا الى عهده وله عبيد آخرون سامعون له مطيعون قابلون مستجيبون لامره فنظر اليهم وقال ان يكفر هؤلاء نعمى ويعصوا امري ويضيعو عهدي فإن لي عبيدا سواهم وهم انتم تطيعون امري وتحفظون عهدي وتودون حقي فإن عبيده المطيعين يجدون في انفسهم من الفرح والسرور والنشاط وقوة العزيمة ما يكون موجبا لهم المزيد من القيام بحق العبودية والمزيد من كرامة سيدهم ومالكهم وهذا امر يشهد به الحس والعيان واما توكيلهم بها فهو يتضمن توفيقهم للايمان بها والقيام بحقوقها ومراعاتها والذب عنها والنصيحة لها كما يوكل الرجل غيره بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه وبها الاولى متعلقة بوكلنا وبها الثانية متعلقة بكافرين والباء في بكافرين لتأكيد النفي فإن قلت فهل يصح ان يقال لاحد هؤلاء المؤكلين انه وكيل الله بهذا المعنى كما يقال ولي الله قلت لا يلزم من إطلاق فعل التوكل المقيد بأمر ما إن يصاغ منه اسم فاعل مطلق كما انه لا يلزم من اطلاق فعل الاستخلاف المقيد ان قال خليفة الله لقوله ويستخلفكم في الارض وقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم فلا يوجب هذا الاستخلاف ان يقال لكل منهم انه خليفة الله لانه استخلاف مقيد ولما قيل للصديق يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك ولكن يسوغ ان يقال هو وكيل بذلك كما قال تعالى فقد وكلنا بها قوما والمقصود ان هذا التوكيل

(1/308)


خاص بمن قام بها علما وعملا وجهادا لاعدائها وذبا عنها ونفيا لتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وايضا فهو توكيل رحمة وإحسان وتوفيق واختصاص لا توكيل حاجة كما يوكل الرجل من يتصرف عنه في غيبته لحاجة اليه ولهذا قال بعض السلف فقد وكلنا بها قوما يقول رزقناها قوما فلهذا لا يقال لمن رزقها ورحم بها انه وكيل لله وهذا بخلاف اشتقاق ولي الله من الموالاة فانها المحبة والقرب فكما يقال عبدالله وحبيبه يقال وليه والله تعالى يوالي عبده إحسانا اليه وجبرا له ورحمه بخلاف المخلوق فإنه يوالي المخلوق لتعززه به وتكثره بموالاته لذل العبد وحاجته واما العزيز الغني فلا يوالي احدا من ذل ولا حاجة قال تعالى وقل الحمد لله الذي

(1/309)


لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا فلم ينف الولي نفيا عاما مطلقا بل نفى ان يكون له ولي من الذل واثبت في موضع آخر ان له اولياء بقوله الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقوله الله ولي الذين آمنوا فهذا موالاة رحمة وإحسان وجبر والموالاة المنفية موالاة حاجة وذل يوضح هذا الوجه السادس والثلاثون بعدالمائة وهو ما روى عن النبي من وجوه متعددة انه قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين فهذا الحمل المشار اليه في هذا الحديث هو التوكل المذكور في الاية فأخبر ان العلم الذي جاء به يحمله عدول امته من كل خلف حتى لا يضيع ويذهب وهذا يتضمن تعديله لحمله العلم الذي بعث به وهو المشار اليه في قوله هذا العلم فكل من حمل العلم المشار اليه لا بد وان يكون عدلا ولهذا اشتهر عندالامة عدالة نقلته وحملته اشتهارا لا يقبل شكا ولا امتراء ولا ريب ان من عدله رسول الله لا يسمع فيه جرح فالائمة الذين اشتهروا عند الامة بنقل العلم النبوي وميراثه كلهم عدول بتعديل رسول الله ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض وهذا بخلاف من اشتهر عندالامة جرحه والقدح فيه كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين فانهم ليسوا عندالامة من حملة العلم فما حمل علم رسول الله الا عدل ولكن قد يغلط في مسمى العدالة فيظن ان المراد بالعدل من لا ذنب له وليس كذلك بل هو عدل مؤتمن على الدين وإن كان منه ما يتوب الى الله منه فإن هذا لا ينافي العدالة كما لا ينافي الايمان والولاية فصل وهذا الحديث له طرق عديدة منها ما رواه ابن عدي عن موسى

(1/310)


ابن اسماعيل بن موسى بن جعفر عن ابيه عن جده جعفر بن محمد عن ابيه عن علي عن النبي ومنها ما رواه العوام بن حوشب عن شهر بن حوشب عن معاذ عن النبي ص ذكره الخطيب وغيره ومنها ما رواه ابن عدي من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن ابي حبيب عن سالم عن ابن عمر عن النبي ومنها ما رواه محمد بن جرير الطبري من حديث ابن ابي كريمة عنم عاذ ابن رفاعة السلامي عن ابي عثمان النهدي عن اسامة بن زيد عن النبي ومنها ما رواه حماد بن يزيد عن بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري قال قال رسول الله قال الدارقطني حدثنا احمد بن الحسن بن زيد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا مثنى ابن بكر ومبشر وغيرهما من اهل العلم كلهم يقولون حدثنا معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن

(1/311)


عن النبي يعني ان المحفوظ من هذا الطريق مرسل لان إبراهيم هذا لا صحبة له وقال الخلال في كتاب العلل قرأت على زهير بن صالح بن احمد حدثنا مهنا قال سالت احمد عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال قال رسول الله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فقلت لاحمد كأنه موضوع قال لا هو صحيح فقلت ممن سمعته انت فقال من غير واحد قلت من هم قال حدثني به مسكين الا انه يقول عن معاذ عن القاسم بن عبدالرحمن قال احمد ومعاذ بن رفاعة لا بأس به ومنها ما رواه ابو صالح حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي يقول يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ومنها مارواه ابو احمد بن عدي من حديث زريق بن عبدالله الالهاني عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابي امامة الباهلي قال قال رسول الله رواه عنه بقية ومنها ما رواه بن عدي ايضا من طريق مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابي حازم عن ابي هريرة قال قال رسول الله ومنها ما رواه تمام في فوائده من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن ابي قبيل عن عبد الله بن عمرو وابي هريرة رواه عنه خالد بن عمرو ومنها ما رواه القاضي اسماعيل من حديث علي بن مسلم البلوي عن ابي صالح الاشعري عن أبي هريرة عن النبي الوجه السابع والثلاثون بعدالمائة ان بقاء الدين والدنيا في بقاء العلم وبذهاب العلم تذهب الدنيا والدين فقوام الدين والدنيا انما هو بالعلم قال الاوزاعي قال ابن شهاب الزهري الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذل كله وقال ابن وهب اخبرني يزيد عن ابن شهاب قال بلغنا عن رجال من اهل العلم انهم كانوا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضا سريعا فنعش العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب العلم ذهاب ذلك كله الوجه الثامن والثلاثون

(1/312)


بعدالمائة ان العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة مالا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما فالعلم يزيد الشريف شرفا ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن ابي الطفيل ان نافع بن عبدالحارث اتى عمر بن الخطاب بعسفان وكان عمر استعمله على اهل مكة فقال له عمر من استخلفت على اهل الوادي قال استخلفت عليهم ابن ابزي فقال من ابن ابزي فقال رجل من موالينا فقال عمر استخلفت عليهم مولى فقال إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض فقال عمر اما أن نبيكم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب اقواما ويضع به آخرين قال ابو العالية كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش ففطن لهم ابن عباس فقال كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفا ويجلس المملوك على الاسرة

(1/313)


وقال إبراهيم الحربي كان عطاء ابن ابي رباح عبيدا اسود لامرأة من مكة وكان انفه كأنه بالاقة قال وجاء سليمان بن عبدالملك امير المؤمنين الى عطاء هو وابناه فجلسوا اليه وهو يصلي فلما صلى انفتل اليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه اليهم ثم قال سليمان لابنيه قوما فقاما فقال يا بني تنيا في طلب العلم فإني لا انسى ذلنا بين يدي هذا العبد الاسود قال الحربي وكان محمد بن عبد الرحمن الا وقص عنقه داخل في بدنه وكان منكباه خارجين كأنهما زجان فقالت امه يا بني لا تكون في مجلس قوم الا كنت المضحوك منه المسخور به فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك فولى قضاء مكة عشرين سنة قال وكان الخصم إذا جلس اليه بين يديه يرعد حتى يقوم قال ومرت به امرأة وهو يقول اللهم اعتق رقبتي من النار فقالت له يا ابن اخي واي رقبة لك وقال يحيى ابن اكثم قال الرشيدي ما انبل المراتب قلت ما انت فيه يا امير المؤمنين قال فتعرف اجل مني قلت لا قال لكني اعرفه رجل في حلقه يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله قال قلت يا أمير المؤمنين اهذا خير منك وانت ابن عم رسول الله وولي عهد المؤمنين قال نعم ويلك هذا خير مني لان اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت ابدا ونحن نموت ونفني والعلماء باقون ما بقي الدهر وقال خيثمة بن سليمان سمعت ابي الخناجر يقول كنا في مجلس ابن هارون والناس قد اجتمعوا إليه فمر امير المؤمنين فوقف علينا في المجلس وفي المجلس الوف فالتفت الى اصحابه وقال هذا الملك وفي تاريخ بغداد للخطيب حدثني ابو النجيب عبد الغفار ابن عبدالواحد قال سمعت الحسن بن علي المقري يقول سمعت أبا الحسن بن فارس يقول سمعت الاستاذ ابن العميد يقول ما كنت اظن ان في الدنيا حلاوة الذ من الرياسة والوزارة التي انا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمان ابن ايوب بن احمد الطبراني وابي بكر الجعابي بحضرتي فكان الطبراني يغلب بكثرة حفظه وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وزكا اهل

(1/314)


بغداد حتى ارتفعت اصواتهم ولا يكاد احدهما يغلب صاحبه فقال الجعابي عندي حديث ليس في الدنيا الا عندي فقال هاته فقال حدثنا ابو خليف حدثنا سليمان بن ايوب وحدث بالحديث فقال الطبراني انبأنا سليمان بن ايوب ومني سمع ابو خليفة فاسمع مني حتى يعلو اسنادك فإنك تروي عن ابي خليفة عني فخجل الجعابي وغلبه الطبراني قال ابن العميد فوددت في مكاني ان الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فرح الطبراني لاجل الحديث او كما قال وقال المزني سمعت الشافعي يقول من تعلم القرآن عظمت قيمته ومن نظر في الفقه نبل مقداره ومن تعلم اللغة رق طبعه ومن تعلم الحساب جزل رأيه ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه وقد روى هذا الكلام عن الشافعي من وجوه متعددة وقال سفيان الثوري من ارادالدنيا والاخرة فعليه بطلب العلم وقال عبد

(1/315)


الله بن داود سمعت سفيان الثوري يقول ان هذا الحديث عز فمن اراد به الدنيا وجدها ومن اراد به الاخرة وجدها وقال النضر بن شميل من اراد ان يشرف في الدنيا والاخرة فليتعلم العلم وكفى بالمرء سعادة ان يوثق به في دين الله ويكون بين الله وبين عباده وقال حمزة بن سعيد المصري لما حدث ابو مسلم اللخمي اول يوم حدث قال لابنه كم فضل عندنا من اثمان غلاتنا قال ثلاثمائة دينار قال فرقها على اصحاب الحديث والفقراء شكرا ان أباك اليوم شهد علي رسول الله فقبلت شهادته وفي كتاب الجليس والانيس لأبي الفرج المعافي بن زكرياء الجريري حدثنا محمد بن الحسين بن دريد حدثنا ابو حاتم عن العتبي عن ابيه قال ابتنى معاوية بالابطح مجلسا فجلس عليه ومعه ابنه قرظة فإذا هو بجماعة على رحال لهم وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى : من يساجلني يساجل ما جدا يملأ الدلو الى عقد الكرب قال من هذا قالوا عبدالله بن جعفر قال خلوا له الطريق ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يتغنى : بينما يذكرنني ابصرتني عند قيد الميل يسعى بي الاغر قلن تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر قال من هذا قالوا عمر بن ابي ربيعة قال خلوا له الطريق فليذهب قال ثم اذا هوبجماعة وإذا فيهم رجل يسئل فيقال له رميت قبل ان احلق وحلقت قبل ان ارمي في اشياء اشكلت عليهم من مناسك الحج فقال من هذا قالوا عبدالله بن عمر فالتفت الى ابنه قرظة وقال هذا وابيك الشرف هذا والله شرف الدنيا والاخرة وقال سفيان بن عيينة ارفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده وهم الانبياء والعلماء وقال سهل التستري من أراد ان ينظر الى مجالس الانبياء فلينظر الى مجالس العلماء يجيء الرجل فيقول يا فلان ايش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول طلقت امرأته ويجيء آخر فيقول حلفت بكذا وكذا فيقول ليس يحنث بهذا القول وليس هذا الا لنبي او عالم فاعرفوا لهم ذلك الوجه التاسع والثلاثون بعدالمائة

(1/316)


ان النفوس الجاهلة التي لاعلم عندها قد البست ثوب الذل والازراء عليها والتنقص بها اسرع منه الى غيرها وهذا امر معلوم عند الخاص والعام قال الاعمش اني لارى الشيخ لا يروى شيئا من الحديث فاشتهى ان الطمه وقال معاوية سمعت الاعمش يقول من لم يطلب الحديث اشتهى ان أضعفه بنعليوقال هشام بن علي سمعت الاعمش يقول إذا رايت الشيخ لم يقرا القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له فإنه من شيوخ القمراء قال ابو صالح قلت لابي جعفر ما شيوخ القمراء قال شيوخ دهريون يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن احدهم ان يتوضأ للصلاة وقال المزني كان الشافعي إذا رأى شيخا سأله عن الحديث والفقه فإن كان عنده شيء وإلا قال له لا جزاك الله خيرا عن نفسك ولا عن الاسلام قد

(1/317)


ضيعت نفسك وضيعت الاسلام وكان بعض خلفاء بني العباس يلعب بالشطرنج فاستاذن عليه عمه فاذن له وغطى الرقعة فلما جلس قال له يا عم هل قرأت القرآن قال قال هل كتبت شيئا من السنة قال لا قال فهل نظرت في الفقه واختلاف الناس قال لا قال فهل نظرت في العربية وايام الناس قال لا قال فقال الخليفة اكشف الرقعة ثم اتم اللعب وزال احتشامه وحياؤه منه وقال له ملاعبه يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه قال اسكت فما معنا احد وهذا لان الانسان انما تميز عن سائ الحيوانات بما خص به من العلم والعقل والفهم فإذا عدم ذلك لم يبق فيه الا القدر المشترك بينه وبين سائر الحيوانات وهي الحيوانية البهيمية ومثل هذا لا يستحي منه الناس ولا يمنعون بحضرته وشهوده مما يستحيا منه من اولى الفضل والعلم الوجه الاربعون بعدالمائة ان كل صاحب بضاعة سوى العلم إذا علم ان غير بضاعته خير منها زهد في بضاعته ورغب في الاخرى وود انها له عوض بضاعته الا صاحب بضاعة العلم فإنه ليس يحب ان له يحظه منها حظ اصلا وكان سفيان الثوري إذا رأى الشيخ لم يكتب الحديث قال لاجزاك الله عن الاسلام خيرا قال ابو جعفر الطحاوي كنت عند احمد بن ابي عمران فمر بنا رجل من بني الدنيا فنظرت اليه وشغلت به عما كنت فيه من المذاكرة فقال لي كأني بك قد فكرت فيما اعطى هذا الرجل من الدنيا قلت له نعم قال هل ادلك على خلة هل لك ان يحول الله اليك ما عنده من المال ويحول اليه ما عندك من العلم فتعيش انت غنيا جاهلا ويعيش هو عالما فقيرا فقلت ما اختار ان يحول الله ما عندي من العلم الى ما عنده فالعلم غنى بلا مال وعز بلا عشيرة وسلطان بلا رجال وفي ذلك قيل : العلم كنز وذخر لا نفاد له نعم القرين إذا ما صاحب صحبا قد يجمع المرء مالا ثم يحرمه عما قليل فيلقى الذل والحربا وجامع العلم مغبوط به ابدا ولا يحاذر منه الفوت والسلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلن به درا ولا ذهبا

(1/318)


الوجه الحادي والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اخبر انه يجزى المحسنين اجرهم باحسن ما كانواي يعملون واخبر سبحانه انه يجزى على الاحسان بالعلم وهذا يدل على انه من احسن الجزاء اما المقام الاول ففي قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم اسوا الذي عملوا ويجزيهم اجرهم باحسن الذي كانوايعملون وهذا يتناول الجزاءين الدنيوي والاخروي واما المقام الثاني ففي قوله تعالى ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين قال الحسن من احسن عبادة الله في شيبته لقاه الله الحكمة عند كبر سنه وذلك قوله ولما بلغ اشده آتيناه

(1/319)


حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ومن هذا قال بعض العلماء تقول الحكمة من التمسني فلم يجدني فليعمل باحسن ما يعلم وليترك اقبح ما يعلم فإذا فعل ذلك فإنا معه وإن لم يعرفني الوجه الثاني والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه جعل العلم للقلوب كالمطر للارض فكما انه لا حياة للارض الا بالمطر فكذلك لا حياة للقلب الا بالعلم وفي الموطأ قال لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان الله تعالى يحيى القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيى الارض بوابل المطر ولهذا فإن الأرضإنا تحتاج الى المطر في بعض الاوقات فإذا تتابع عليها احتاجت الى انقطاعه واما العلم فيحتاج اليه بعدد الانفاس ولاتزيده كثرته الا صلاحا ونفعا الوجه الثالث والاربعون بعد المائة ان كثيرا من الاخلاق التي لا تحمد في الشخص بل يذم عليها تحمد في طلب العلم كالملق وترك الاستحياء والذل والتردد الى ابواب العلماء ونحوها قال ابن قتيبة جاء في الحديث ليس الملق من اخلاق المؤمنين الا في طلب العلم وهذا اثر عن بعض السلف وقال ابن عباس ذللت طالبا فعززت مطلوبا وقال وجدت عامة علم رسول الله عند هذا الحي من الانصار إن كنت لاقيل عند باب احدهم ولو شئت اذن لي ولكن ابتغى بذلك طيب نفسه وقال ابو اسحاق قال على كلمات لو رحلتم المطي فيهن لافنيتموهن قبل ان تدركوا مثلهن لايرجون عبد الا ربه ولا يخافن الا ذنبه ولا يستحيي من لاي علم ان يتعلم ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم ان يقول لا أعلم واعلموا ان منزلة الصبر من الايمان كمنزلة الراس من الجسد فإذا ذهب الراس ذهب الجسد وإذا ذهب البصر ذهب الايمان ومن كلام بعض العلماء لاينال العلم مستحي ولا متكبر هذا يمنعه حياؤه من التعلم وهذا يمنعه كبره وإنما حمدت هذه الاخلاق في طلب العلم لانها طريق الى تحصيله فكانت من كمال الرجل ومفضية الى كماله ومن كلام الحسن من استتر عن طلب العلم بالحياء لبس للجهل سرباله فاقطعوا سرابيل بالحياء فانه

(1/320)


من رؤية وجهه رق علمه وقال الخليل منزلة الجهل بين الحياء والانفة ومن كلام على رضى الله تعالى عنه قرنت الهيبة بالخيبة والحياء بالحرمان وقال إبراهيم لمنصور سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل وذلة تنافي المروءة الا في العلم فإنه عين كماله ومروءته وعزه كما قال بعض اهل العلم خير خصال الرجل السؤال عن العلم وقيل إذا جلست الى عالم فسل تفقها لاتعنتا وقال رية بن العجاج اتيت النسابة البكري فقال من انت قلت انا ابن العجاج قال قصرت وعرفت لعلك كقوم ان سكت لم يسلوني وان تكلمت لم يعوا عني قلت ارجو ان لا اكون كذلك قال ما اعداء المروءة قلت تخبرني قال بنوعم السوء ان رأوا حسنا ستروه وإن رأوا سيئا اذاعوه ثم قال إن للعلم آفة ونكدا وهجنة فآفته

(1/321)


نسيانه ونكده الكذب فيه وهجنته نشره عندغير اهله وانشد ابن الاعرابي : ما اقرب الاشياء حين يسوقها قدروا بعدها إذا لم تقدر فسل الفقيه تكن فقيها مثله من يسع في علم بذل يمهر فتدبر العلم الذي تفتى به لا خير في علم بغير تدبر ولقد يجد المرء وهو مقصر ويخيب جدالمرء غير مقصر ذهب الرجال المقتدي بفعالهم والمنكرون لكل امر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضا ليدفع معور عن معور وللعلم ست مراتب اولها حسن السؤال الثانية حسن الانصات والاستماع الثالثة حسن الفهم الرابعة الحفظ الخامسة التعليم السادسة وهي ثمرته وهي العمل به ومراعاة حدوده فمن الناس من يحرمه لعدم حسن سؤاله أما لانه لا يسال بحال او يسال عن شيء وغيره اهم اليه منه كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها ويدع مالا غنى له عن معرفته وهذه حال كثير من الجهال المتعلمين ومن الناس من يحرمه لسوء انصاته فيكون الكلام والممارات آثر عنده وأحب اليه من الانصاب وهذه آفة كامنة في اكثر النفوس الطالبة للعلم وهي تمنعهم علما كثيرا ولو كان حسن الفهم ذكر ابن عبدالبر عن بعض السلف انه قال من كان حسن الفهم رديء الاستماع لم يقم خيره بشره وذكر عبدالله بن احمد في كتاب العلل له قال كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس فكان يخزن علمه عنه وكان عبيد الله بن عبدالله بن عتبة يلطف له في السؤال فيعزه بالعلم عزا وقال ابن جريج لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به وقال بعض السلف إذا جالست العالم فكن على ان تسمع احرص منك على ان تقول وقد قال الله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد فتأمل ما تحت هذه الالفاظ من كنوز العلم وكيف تفتح مراعاتها للعبد ابواب العلم والهدى وكيف ينغلق باب العلم عنه من اهمالها وعدم مراعاتها فإنه سبحانه أمر عباده ان يتدبروا آياته المتلوة المسموعة والمرئية المشهودة بما تكون تذكرة لمن كان له قلب فإن من عدم

(1/322)


القلب الواعي عن الله لم ينتفع بكل آية تمر عليه ولو مرت به كل آية ومرور الايات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورها على من لا بصر له فإذا كان له قلب كان بمنزلة البصير إذا مرت به المرئيات فإنه يراها ولكن صاحب القلب لا ينتفع بقلبه الا بأمرين احدهما ان يحضره ويشهده لما يلقى اليه فإن كان غائبا عنه مسافرا في الاماني والشهوات والخيالات لا ينتفع به فإذا احضره اشهده لم ينتفع الا بان يلقى سمعه ويصغى بكليته الى مايوعظ به ويرشد اليه وها هنا ثلاثة

(1/323)


امور احدها سلامة القلب وصحته وقبوله الثاني احضاره وجمعه ومنعه من الشرود والتفرق الثالث القاء السمع وأصغاؤه والاقبال على الذكر فذكر الله تعالى الامور الثلاثة في هذه الاية قال ابن عطية القلب هنا عبارة عن العقل إذ هو محله والمعنى لمن كان له قلب واع ينتفع به قال وقال الشبلي قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين وقوله او القى السمع وهو شهيد معناه صرف سمعه الى هذه الانباء الواعظة واثبته في سمعه فذلك القاء له عليها ومنه قوله والقيت عليك محبة مني أي اثبتها عليك وقوله وهو شهيد قال بعض المتأولين معناه وهو شاهد مقبل على الامر غير معرض عنه ولا مفكر في غير ما يسمع قال وقال قتادة هي إشارة إلى اهل الكتاب فكأنه قال ان هذه العبر لتذكرة لمن له فهم فتدبر الأمر او لمن سمعها من اهل الكتاب فشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني اسرائيل قال فشهيد على التأويل الاول من المشاهدة وعلى التاويل الثاني من الشهادة وقال الزجاج معنى من كان له قلب من شرف قلبه الى التفهم الا ترى ان قوله صم بكم عمي انهم لم يستمعوا استماع مستفهم مسترشد فجعلوا بمنزلة من لم يسمع كما قال الشاعر اصم عما ساءه سميع ومعنى او القى السمع استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع والعرب تقول الق الى سمعك أي استمع مني وهو شهيد أي قلبه فيما يسمع وجاء في التفسير انه يعني به اهل الكتاب الذين عندهم صفة النبي فالمعنى او القى السمع وهو شهيد اشاهد ان صفة النبي في كتابه وهذا هو الذي حكاه ابن عطية عن قتادة وذكر ان شهيدا فيه بمعنى شاهد أي مخبر وقال صاحب الكشاف لمن كان له قلب واع لان من لا يعي قلبه فكانه لا قلب له والقاء السمع والاصغاء وهو شهيد أي حاضر بفطنته لان من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب او هو مؤمن شاهد على صحته وانه وحي من الله وهو بعض الشهداء في قوله لتكونوا شهداء على الناس وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من اهل الكتاب لوجود نعته عنده فلم

(1/324)


يختلف في ان المراد بالقلب القلب الواعي وان المراد بالقاء السمع إصغاؤه وإقباله على المذكر وتفريغ سمعه له واختلف في الشهيد على اربعة اقوال احدها انه من المشاهدة وهي الحضور وهذا اصح الاقوال ولا يليق بالاية غيره الثاني انه شهيد من الشهادة وفيه على هذه ثلاثة اقوال احدها انه شاهد على صحة ما معه من الايقان الثاني انه شاهد من الشهداء على الناس يوم القيامة الثالث انه شهادة من الله عنده على صحة نبوة رسول الله بما علمه من الكتب المنزلة والصواب القول الاول فإن قوله وهو شهيد جملة حالية والواو فيها واو الحال أي القى السمع في هذه الحال وهذا يقتضى ان يكون حال القائه السمع شهيدا

(1/325)


وهذا هو من المشاهدة والحضور ولو كان المراد به الشهادة في الاخرة او الدنيا لما كان لتقييدها بالقاء السمع معنى اذ يصير الكلام ان في ذلك لاية لمن كان له قلب او القي السمع حال كونه شاهدا بما معه في التوراة او حال كونه شاهدا يوم القيامة ولا ريب ان هذا ليس هو المراد بالاية وايضا فالاية عامة في كل من له قلب والقى السمع فكيف يدعى تخصيصها بمؤمني اهل الكتاب الذين عندهم شهادة من كتبهم على صفة النبي وأيضا فالسورة مكية والخطاب فيها لا يجوز ان يختص بأهل الكتاب ولا سيما مثل هذا الخطاب الذي علق فيه حصول مضمون الاية ومقصودها بالقلب الواعي وإلقاء السمع فكيف يقال هي في اهل الكتاب فإن قيل المختص بهم قوله وهو شهيد فهذا افسد وافسد لان قوله وهو شهيد يرجع الضمير فيه الى جملة من تقدم وهو من له قلب او القى السمع فكيف يدعى عوده الى شيء غايته ان يكون بعض المذكور اولا ولا دلالة في اللفظ عليه وأيضا فإن المشهود به محذوف ولا دلالة في اللفظ عليه فلو كان المراد به وهو شاهد بكذا لذكر المشهود به إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه وهذا بخلاف ما إذا جعل من الشهود وهو الحضور فإنه لايقتضى مفعولا مشهودا به ليتم الكلام بذكره وحده وايضا فإن الاية تضمنت تقسيما وترديدا بين قسمين احدهما من كان له قلب والثاني من القى السمع وحضر بقلبه ولم يغب فهو حاضر القلب شاهده لا غائبه وهذا والله اعلم سر الاتيان باو دون الواو لأن المنتفع بالايات من الناس نوعان احدهما ذو القلب الواعي الزكي الذي يكتفي بهدايته بأدنى تنبيه ولا يحتاج الى ان يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مواضع شتاته بل قلبه واع زكي قابل للهدى غير معرض عنه فهذا لا يحتاج الا الى وصول الهدى اليه فقط لكمال استعداه وصحة فطرته فإذا جاءه الهدى سارع قلبه الى قبوله كانه كان مكتوبا فيه فهو قد أدركه مجملا ثم جاء الهدى بتفصيل ما شهد قلبه بصحته مجملا وهذه حال أكمل الخلق استجابة لدعوة الرسل كما

(1/326)


هي حال الصديق الاكبر رضي الله عنه والنوع الثاني من ليس له هذا الاستعداد والقبول فإذا ورد عليه الهدى اصغى اليه بسمعه واحضر قلبه وجمع فكرته عليه وعلم صحته وحسنه بنظره واستدلاله وهذه طريقة اكثر المستجيبين ولهم نوع ضرب الامثال وإقامة الحجج وذكر المعارضات والاجوبة عنها والاولون هم الذين يدعون بالحكمة وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة فهؤلاء نوعا المستجيبين واما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعون بالمجادلة بالتي هي احسن فان استجابوا وإلا فالمجادلة فهؤلاء لا بد لهم من جدال او جلاد ومن تأمل دعوة القرآن وجدها شاملة لهؤلاء الاقسام متناولة لها كلها كما قال تعالى ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن فهؤلاء المدعوون بالكلام واما اهل الجلاد فهم الذين امر الله قتالهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله واما من فسر الاية

(1/327)


بأن المراد بمن كان له قلب هو المستغنى بفطرته عن علم المنطق وهو المؤيد بقوة قدسية ينال بها الحد الاوسط بسرعة فهو لكمال فطرته مستغن عن مراعات اوضاع المنطق والمراد بمن القى السمع وهو شهيد من ليست له هذه القوة فهو محتاج الى تعلم المنطق ليوجب له مراعاته وإصغاؤه اليه ان لا يزيغ في فكره وفسر قوله ادع الى سبيل ربك بالحكمة انها القياس البرهاني والموعظة الحسنة القياس الخطابي وجادلهم بالتي هي احسن القياس الجدلي فهذا ليس من تفاسير الصحابة ولا التابعين ولا احد من ائمة التفسير بل ولا من تفاسير المسلمين وهو تحريف لكلام الله تعالى وحمل له على اصطلاح المنطقية المبخوسة الحظ من العقل والايمان وهذا من جنس تفاسير القرامطة والباطنية وغلاة الاسماعيلية لما يفسرونه من القرآن وينزلونه على مذاهبهم الباطلة والقرآن بريء من ذلك كله منزه عن هذه الاباطيل والهذيانات وقد ذكرنا بطلان ما فسر به المنطقيون هذه الاية التي نحن فيها والاية الاخرى في موضع آخر من وجوه متعددة وبينا بطلانه عقلا وشرعا ولغة وعرفا وأنه يتعالى كلام الله عن حمله على ذلك وبالله التوفيق والمقصود بيان حرمان العلم من هذه الوجوه الستة احدها ترك السؤال الثاني سوء الانصات وعدم القاء السمع الثالث سوء الفهم الرابع عدم الحفظ الخامس عدم نشره وتلعيمه فإن من خزن علمه ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه جزاء من جنس عمله وهذا أمر يشهد به الحس والوجود السادس عدم العمل به فإن العمل به يوجب تذكره وتدبره ومراعاته والنظر فيه فإذا اهمل العمل به نسيه قال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به وقال بعض السلف ايضا العلم يهتف بالعمل فإن اجابه حل والا ارتحل فالعمل به من اعظم اسباب حفظه وثباته وترك العمل به أضاعه له فما استدر العلم ولا استجلب بمثل العمل قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم

(1/328)


نورا تمشون به وأما قوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان طلبية وهي الامر بالتقوى وخبرية وهي قوله تعالى ويعلمكم الله أي والله يعلمكم ما تتقون وليست جوابا للأمر بالتقوى ولو أريد بها الجزاء لأتى بها مجزومة مجردة عن الواو فكان يقول واتقوا الله يعلمكم او إن تتقوه يعلمكم كما قال إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فتدبره الوجه الرابع والاربعون بعد المائة ان الله سبحانه نفى التسوية بين العالم وغيره كما نفى التسوية بين الخبيث والطيب وبين الاعمى والبصير وبين النور والظلمة وبين الظل والحرور وبين اصحاب الجنة واصحاب النار وبين الابكم العاجز الذي لا يقدر على شيء ومن يامر بالعدل وهو على صراط مستقيم وبين المؤمنين والكفار وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمفسدين في الارض وبين المتقين

(1/329)


والفجار فهذه عشرة مواضع في القرآن نفى فيها التسوية بين هؤلاء الاصناف وهذا يدل على ان منزلة العالم من الجاهل كمنزلة النور من الظلمة والظل من الحرور والطيب من الخبيث ومنزلة كل واحد من هذه الاصناف مع مقابلة وهذا كاف في شرف العلم وأهله بل إذا تأملت هذه الاصناف كلها ووجدت نفي التسوية بينها راجعا الى العلم وموجبه فيه وقع التفضيل وانتفت المساواة الوجه الخامس والاربعون بعدالمائة ان سليمان لما توعد الهدهد بأن يعذبه عذابا شديدا او يذبحه إنما نجا منه بالعلم واقدم عليه في خطابه له بقوله احطت بما لم تحط به خبرا وهذا الخطاب إنما جرأه عليه العلم وإلا فالهدهد مع ضعفه لا يتمكن من خطابه لسليمان مع قوته بمثل هذا الخطاب لولا سلطان العلم ومن هذا الحكاية المشهورة ان بعض اهل العلم سئل عن مسالة فقال لا اعلمها فقال احد تلامذته انا اعلم هذه المسألة فغضب الاستاذ وهم به فقال له ايها الاستاد لست اعلم من سليمان بن داود ولو بلغت في العلم ما بلغت ولست انا اجهل من الهدهد وقد قال لسليمان احطت بما لم تحط به فلم يعتب عليه ولم يعنفه الوجه السادس والاربعون بعدالمائة إن من نال شيئا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم وتامل ما حصل لادم من تميزه على الملائكة واعترافهم له بتعليم الله له الاسماء كلها ثم ما حصل له من تدارك المصيبة والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خير له منها بعلم الكلمات التي تلقاها من ربه وما حصل ليوسف من التمكين في الارض والعزة والعظمة بعلمه بتعبير تلك الرؤيا ثم علمه بوجوه استخراج اخيه من إخوته بما يقرون به ويحكمون هم به حتى ال الامر الى ما آل اليه من العز والعاقبة الحميدة وكمال الحال التي توصل اليها بالعلم كما اشار اليها سبحانه في قوله كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ اخاه في دين الملك إلا ان يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم جاء في تفسيرها نرفع درجات من نشاء بالعلم كما رفعنا درجة

(1/330)


يوسف على اخوته بالعلم وقال في إبراهيم وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء فهذه رفعة بعلم الحجة والاول رفعة بعلم السياسة وكذلك ما حصل للخضر بسبب علمه من تلمذة كليم الرحمن له وتلطفه معه في السؤال حتى قال هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا وكذلك ما حصل لسليمان من علم منطق الطير حتى وصل الى ملك سبأ وقهر ملكتهم واحتوى على سرير ملكها ودخولها تحت طاعته ولذلك قال يايها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وكذلك ما حصل لداود من علمه نسج الدروع من الوقاية من سلاح الاعداء وعدد سبحانه هذه النعمة بهذا العلم على عباده فقال وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون وكذلك ما حصل للمسيح من علم الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ما رفعه الله

(1/331)


به اليه وفضله وكرمه وكذلك ما حصل لسيد ولد آدم من العلم الذي ذكره الله به نعمة عليه فقال وانزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما الوجه السابع والاربعون بعدالمائة ان الله سبحانه اثنى على إبراهيم خليله بقوله تعالى إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه فهذه اربع انواع من الثناء افتتحها بأنه امة والامة هو القدوة الذي يؤتم به قال ابن مسعود والامة المعلم للخير وهي فعلة من الائتمام كقدوة وهو الذي يقتدي به والفرق بين الامة والامام من وجهين احدهما ان الامام كل ما يؤتم به سواء كان بقصده وشعوره اولا ومنه سمى الطريق إماما كقوله تعالى وإن كان اصحاب الايكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين أي بطريق واضح لا يخفى على السالك ولا يسمى الطريق امة الثاني ان الامة فيه زيادة معنى وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقي فيها فردا وحده فهو الجامع لخصال تفرقت في غيره فكأنه باين غيره باجتماعها فيه وتفرقها او عدمها في غيره ولفظ الامة يشعر بهذا المعنى لما فيه من الميم المضعفة الدالة على الضم بمخرجها وتكريرها وكذلك ضم اوله فإن الضمة من الواو ومخرجها ينضم عند النطق بها وأتى بالتاء الدالة على الوحدة كالغرفة واللقمة ومنه الحديث إن زيد بن عمرو بن نفيل يبعث يوم القيامة أمة وحده فالضم والاجتماع لازم لمعنى الامة ومنه سميت الامة التي هي آحاد الامم لانهم الناس المجتمعون على دين واحد او في عصر واحد الثاني قوله قانتا لله قال ابن مسعود القانت المطيع والقنوت يفسر باشياء كلها ترجع الى دوام الطاعة الثالث قوله حنيفا والحنيف المقبل على الله ويلزم هذا المعنى ميله عما سواه فالميل لازم معنى الحنيف لا انه موضوعه لغة الرابع قوله شاكرا لانعمه والشكر للنعم مبني على ثلاثة اركان الاقرار بالنعمة وإضافتها الى المنعم بها وصرفها في مرضاته

(1/332)


والعمل فيها بما يجب فلا يكون العبد شاعرا إلا بهذه الاشياء الثلاثة والمقصود انه مدح خليله باربع صفات كلها ترجع الى العلم والعمل بموجبه وتعليمه ونشره فعاد الكمال كله الى العلم والعمل بموجبه ودعوة الخلق اليه الوجه الثامن والاربعون بعدالمائة قوله سبحانه عن المسيح انه قال اني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت قال سفيان بن عيينة جعلني مباركا اينما كنت قال معلما للخير وهذا يدل على ان تعليم الرجل الخير هو البركة التي جعلها الله فيه فإن البركة حصول الخير ونماؤه ودوامه وهذا في الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الانبياء وتعليمه ولهذا سمى سبحانه كتابه مباركا كما قال تعالى وهذا ذكر مبارك انزلناه وقال كتاب انزلناه اليك مبارك ووصف رسوله بأنه مبارك كما في قول المسيح وجعلني مباركا اينما كنت فبركة كتابه ورسوله هي سبب ما يحصل بهما من العلم والهدى والدعوة الى الله الوجه التاسع والاربعون

(1/333)


بعد المائة ما في الصحيح عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي انه قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له رواه مسلم في الصحيح وهذا من اعظم الادلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته فإن ثوابه يصل الى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به فكأنه حي لم ينقطع عمله مع ماله من حياة الذكر والثناء فجريان اجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب اعمالهم حياة ثانية وخص النبي هذه الاشياء الثلاثة بوصول الثواب الى الميت لانه سبب لحصولها والعبد إذا باشر السبب الذي يتعلق به الامر والنهي يترتب عليه مسببه وإن كان خارجا عن سعيه وكسبه فلما كان هو السبب في حصول هذا الولد الصالح والصدقة الجارية والعلم النافع جرى عليه ثوابه واجره لتسببه فيه فالعبد إنما يثاب على ما باشره او على ما تولد منه وقد ذكر تعالى هذين الاصلين في كتابه في سورة براءة فقال ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع اجر المسحنين فهذه الامور كلها متولدات عن افعالهم غير مقدوره لهم وإنما المقدور لهم اسبابها التي باشروها ثم قال ولا ينتفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله احسن ما كانوا يعملون فالنفقة وقطع الوادي افعال مقدورة لهم وقال في القسم الاول كتب لهم به عمل صالح إلا ان المتولد حاصل عن شيئين افعالهم وغيرها فليست افعالهم سببا مستقلا في حصول المتولد بل هي جزء من اجزاء السبب فيكتب لهم من ذلك ما كان مقابلا لافعالهم وايضا فإن الظمأ والنصب وغيظ العدو ليس من أفعالهم فلا يكتب لهم نفسه ولكن لما تولد عن افعالهم كتب لهم به عمل صالح واما القسم الاخر وهو الافعال المقدورة نفسها كالانفاق وقطع الوادي فهو عمل صالح فيكتب لهم نفسه إذ هو مقدور لهم حاصل بارادتهم وقدرتهم فعاد الثواب الى

(1/334)


الافعال المقدورة والمتولد عنها وبالله التوفيق الوجه الخمسون بعدالمائة ما ذكره ابن عبدالبر عن عبدالله بن داود قال إذا كان يوم القيامة عزل الله تبارك وتعالى العلماء عن الحساب فيقول ادخلوا الجنة على ما كان فيكم إني لم اجعل علمي فيكم الا لخير اردته بكم قال ابن عبدالبر وزاد غيره في هذا الخبر أن الله يحبس العلماء يوم القيامة في زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس ويدخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار ثم يدعو العلماء فيقول يا معشر العلماء أني لم اضع حكمتي فيكم وانا اريد ان اعذبكم قد علمت انكم تخلطون من المعاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم وغفرتها لكم وإنما كنت اعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي ادخلوا الجنة بغير حساب ثم قال لا معطي لما منع ولا مانع لما اعطى قال وروى نحو هذا

(1/335)


المعنى باسناد متصل مرفوع وقد روى حرب الكرماني في مسائله نحوه مرفوعا وقال إبراهيم بلغني انه إذا كان يوم القيامةتوضع حسنات الرجل في كفه وسئياته في الكفة الأخرىفتشيل حسناته فإذا يئس فظن انها النار جاء شيء مثل السحاب حتى يقع من حسناته فتشيل سيئاته قال فيقال له اتعرف هذا من عملك فيقول لا فيقال هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك فإن قيل فقواعدالشرع تقتضي ان يسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم وانه يغفر له مالا يغفر للعالم فإن حجة الله عليه اقوم منها على الجاهل وعلمه بقبح المعصية وبغض الله لها وعقوبته عليها اعظم من علم الجاهل ونعمة الله عليه بما اودعه من العلم اعظم من نعمته على الجاهل وقد دلت الشريعة وحكم الله على ان من حبي بالانعام وخص بالفضل والاكرام ثم اسام نفسه مع ميل الشهوات فارتعها في مراتع الهلكات وتجرأ على انتهاك الحرمات واستخف بالتبعات والسيئات انه يقابل من الانتقام والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته وعلى هذا جاء قوله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ولهذا كان حد الحر ضعف حدالعبد في الزنا والقذف وشرب الخمر لكمال النعمة على الحر ومما يدل على هذا الحديث المشهور الذي اثبته ابو نعيم وغيره عن النبي انه قال اشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه قال بعض السلف يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب وقال بعضهم ايضا إن الله يعافي الجهال مالا يعا4في لللعماء الجواب ان هذا الذي ذكرتموه حق لا ريب فيه ولكن من قواعدالشرع والحكمة ايضا ان من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الاسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل ادنى خبث ومن هذا قول النبي لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على اهل بدر

(1/336)


فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وهذا هو المانع له من قتل من حس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم فأخبر انه شهد بدرا فدل على ان مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتب اثره عليه ماله من المشهد العظيم فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ماله من الحسنات ولما حض النبي على الصدقة فأخرج عثمان رضى الله عنه تلك الصدقة العظيمة قال ماضر عثمان ما عمل بعدها وقال لطلحة لما تطاطأ للنبي حتى صعد على ظهره الى الصخرة اوجب طلحة وهذا موسى كلم الرحمن عز وجل القى الالواح التي فيها كلام الله الذي كتبه له القاها على الارض حتى تكسرت ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة الاسراء في النبي وقال شاب بعث بعدي يدخل الجنة من امته اكثر مما يدخلها من امتي واخذ بلحية

(1/337)


هارون وجره اليه وهو نبي الله وكل هذا لم ينقص من قدرة شيئا عند ربه وربه تعالى يكرمه ويحبه فإن الامر الذي قام به موسى والعدو الذي برز له والصبر الذي صبره والاذى الذي اوذيه في الله امر لا تؤثر فيه امثال هذه الامور ولا تغير في وجهه ولا تخفض منزلته وهذا امر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم ان من له الوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها حتى انه ليختلج داعي عقوبته على إساءته وداعي شكره على إحسانه فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة كما قيل : وإذا الجيب اتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع وقال آخر : فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فافعاله اللاتي سررن كثير والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته فايهما غلب كان التأثير له فيفعل باهل الحسنات الكثيرة والذين آثروا محابه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم احيانا من العفو والمسامحة مالا يفعله مع غيرهم وايضا فان العالم إذا زل فإنه يحسن اسراع الفيئة وتدارك الفارط ومداواة الجرح فهو كالطبيب الحاذق البصير بالمرض وأسبابه وعلاجه فإن زواله علىيده اسرع من زواله على يد الجاهل وأيضا فإن معه من معرفته بأمر الله وتصديقه بوعده ووعيده وخشيته منه ازرائه على نفسه بارتكابه وإيمانه بأن الله حرمه وان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به الى غير ذلك من الامور المحبوبة للرب ما يغمر الذنب ويضعف اقتضائه ويزيل اثره بخلاف الجاهل بذلك او اكثره فإنه ليس معه الا ظلمة الخطيئة وقبحها واثارها المردية فلا يستوى هذا وهذا وهذا فصل الخطاب في هذا الموضع وبه يتبين ان الامرين حق وانه لا منافاة بينهما وان كل واحد من العالم والجاهل إنما زاد قبح الذنب منه عى الاخر بسبب جهله وتجرد خطيئته عما يقاومها ويضعف تاثيرها ويزيل اثرها فعاد القبح في الموضعين الى الجهل وما يستلزمه وقلته وضعفه الى العلم وما يستلزمه وهذا دليل ظاهر على شرف العلم وفضله وبالله التوفيق الوجه الحادي

(1/338)


والخمسون بعدالمائة ان العالم مشتغل بالعلم والتعليم لا يزال في عبادة فنفس تعلمه وتعليمه عبادة قال ابن مسعود لايزال الفقيه يصلى قالوا وكيف يصلى قال ذكر الله على قلبه ولسانه ذكره ابن عبدالبر وفي حديث معاذ مرفوعا وموقوفا تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح وقدتقدم والصواب انه موقوف وذكر ابن عبدالبر عن معاذ مرفوعا لان تغدو فتتعلم بابا من ابواب العلم خير لك من ان تصلي مائة ركعة وهذا لا يثبت رفعه وقال ابن وهب كنت عند مالك بن انس فحانت صلاة الظهر او العصر وانا اقرأ عليه وانظر في العلم بين يديه فجمعت كتبي وقمت لاركع فقال لي مالك ما هذا فقلت اقوم الى الصلاة فقال ان هذا لعجب ما الذي قمت اليه افضل من الذي كنت فيه إذا صحت فيه النية وقال الربيع سمعت الشافعي يقول طلب العلم افضل من الصلاة النافلة وقال سفيان الثوري

(1/339)


ما من عمل افضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية وقال رجل للمعافي بن عمران ايما احب الليل اقوم اصلي اليك كله او اكتب الحديث فقال حديث تكتبه احب الي من قيامك من اول الليل إلى آخره وقال ايضا كتابة حديث واحد احب الي من قيام ليلة وقال ابن عباس تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من إحيائها وفي مسائل اسحاق بن منصور قلت لاحمد بن حنبل قوله تذاكر العلم بعض ليلة احب الي من إحيائها أي علم اراد قال هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قلت في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم قال اسحاق وقال لي اسحاق بن راهويه هو كما قال احمد وقال ابو هريرة لان اجلس ساعة فاتفقه في ديني احب الي من احياء ليلة الى الصباح وذكر ابن عبدالبر من حديث ابي هريرة يرفعه لكل شيء عماد وعماد هذا الدين الفقه وما عبد الله بشيء افضل من فقه في الدين الحديث وقد تقدم وقال محمد بن علي الباقر عالم ينتفع بعلمه افضل من الف عابد وقال ايضا رواية الحديث وبثه في الناس افضل من عبادة الف عابد ولما كان طلب العلم والبحث عنه وكتابته والتفتيش عليه من عمل القلب والجوارح كان من افضل الاعمال ومنزلته من عمل الجوارح كمنزله اعمال القلب من الاخلاص والتوكل والمحنة والانابة والخشية والرضا ونحوها من الاعمال الظاهرة فإن قيل فالعلم إنما هو وسيلة الى العمل ومراد له والعمل هو الغاية ومعلوم ان الغاية اشرف من الوسيلةفكيف تفضل الوسائل على غاياتها قيل كل من العلم والعمل ينقسم قسمين منه ما يكون وسيلة ومنه ما يكون غاية فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها فإن العلم بالله واسمائه وصفاته هو اشرف العلوم على الاطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته قال الله تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما فقد اخبر سبحانه انه خلق السموات والأرض ونزل الامر بينهن ليعلم عباده انه بكل

(1/340)


شيء عليم وعلى كل شيء قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة وقال تعالى فاعلم انه لا اله الا الله فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله الا هو مطلوب لذاته وان كان لا يكتفى به وحده بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له فهما امران مطلوبان لانفسهما ان يعرف الرب تعالى باسمائه وصفاته وأفعاله واحكامه وان يعبد بموجبها ومقتضاها فكما ان عبادته مطلوبة مرادة لذاتها فكذلك العلم به ومرفته وايضا فإن العلم من افضل انواع العبادات كما تقدم تقريره فهو متضمن للغاية الوسيلة وقولكم ان العمل غاية اما ان تريدوا به العمل الذي يدخل فيه عمل القلب والجوارح او العمل المختص بالجوارح فقط فإن اريد الاول فهو حق وهو يدل على ان العلم غاية مطلوبة لانه من اعمال القلب كما تقدم وان اريد به الثاني وهو عمل الجوارح فقط فليس بصحيح فإن اعمال القلوب مقصودة

(1/341)


ومراده لذاتها بل في الحقيقة اعمال الجوارح وسيلة مرادة لغيرها فإن الثواب والعقاب والمدح والذم وتوابعها هو للقلب اصلا وللجوارح تبعا وكذلك الاعمال المقصودة بها اولا صلاح القلب واستقامته وعبوديته لربه ومليكه وجعلت اعمال الجوارح تابعة لهذا المقصود مرادة وان كان كثير منها مرادا لاجل المصلحة المترتبة عليه فمن اجلها صلاح القلب وزكاه وطهارته واستقامته فعلم ان الاعمال منها غاية ومنها وسيلة وان العلم كذلك وايضا فالعلم الذي هو وسيلة الى العمل فقط إذا تجرد عن العمل لم ينتفع به صاحبه فالعمل اشرف منه وأما العلم المقصود الذي تنشأ ثمرته المطلوبة منه من نفسه فهذا لا يقال ان العمل المجرد اشرف منه فكيف يكون مجرد العبادة البدنية افضل من العلم بالله واسمائه وصفاته وأحكامه في خلقه وامره ومن العلم بأعمال القلوب وآفات النفوس والطرق التي تفسد الاعمال وتمنع وصولها من القلب الى الله والمسافات التي بين الاعمال والقلب وبين القلب والرب تعالى وبما تقطع تلك المسافات الى غير ذلك من علم الايمان وما يقويه وما يضعفه فكيف يقال ان مجرد التعبد الظاهر بالجوارح افضل من هذا العلم بل من قام بالامرين فهو اكمل وإذا كان في احدهما فضل ففضل هذا العلم خير من فضل العبادة فاذ كان في العبد فضلة عن الواجب كان صرفها الى العلم الموروث عن الانبياء افضل من صرفها الى مجرد العبادة فهذا فصل الخطاب في هذه المسئلة والله اعلم الوجه الثاني والخمسون بعدالمائة ما رواه الامام احمد والترمذي من حديث ابي كبشة الانماري قال قال رسول الله انما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا باحسن المنازل عند الله ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو ان لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الاجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله ولا يتقي فيه ربه ولا يصل في

(1/342)


رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأسوا المنازل عند الله ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو ان لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء حديث صحيح صححه الترمذي والحاكم وغيرهما فقسم النبي اهل الدنيا أربعة اقسام خيرهم من اوتي علما ومالا فهو محسن الى الناس وإلى نفسه بعلمه وماله ويليه في المرتبة من اوتي علما ولم يؤت مالا وان كان اجرهما سواء فذلك إنما كان بالنية والا فالمنفق المتصدق فوقه بدرجة الانفاق والصدقة والعالم الذي لا مال له إنما ساواه في الاجر بالنية الجازمة المقترن بها مقدورهما وهو القول المجرد الثالث من اوتي مالا ولم يؤت علما فهذا اسوأ الناس منزلة عند الله لان ماله طريق الى هلاكه فلو عدمه لكان خيرا له فإنه اعطى ما يتزود به الى الجنة فجعله زادا له الى النار الرابع من لم يؤت مالا

(1/343)


ولا علما ومن نيته انه لو كان له مال لعمل فيه بمعصية الله فهذا يلي الغني الجاهل في المرتبة ويساويه في الوزر بنيته الجازمة المقترن بها مقدورها وهو القول الذي لم يقدر على غيره فقسم السعداء قسمين وجعل العلم والعمل بموجبه سبب سعادتهما وقسم الاشقياء قسمين وجعل الجهل وما يترتب عليه سبب شقاوتهما فعادت السعادة بجملتها الى العلم وموجبه والشقاوة بجملتها الى الجهل وثمرته الوجه الثالث والخمسون بعد المائة ما ثبت عن بعض السلف انه قال تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة وسال رجل أم الدرداء بعد موته عن عبادته فقالت كان نهاره اجمعه في بادية التفكر وقال الحسن تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقال الفضل التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك وقيل لابراهيم إنك تطيل الفكرة فقال الفكرة مخ العقل وكان سفيان كثيرا ما يتمثل : إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة وقال الحسن في قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق قال أمنعهم التفكر فيها وقال بعض العارفين لو طالعت قلوب المتقين بفكرها الى ما قدر في حجب الغيب من خير الاخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم فيها عين وقال الحسن طول الوحدة أتم للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الجنة وقال وهب ما طالت فكرة احد قط الا علم وما علم امرؤ قط الا عمل وقال عمر بن عبدالعزيز الفكرة في نعم الله من افضل العبادة وقال عبد الله بن المبارك لبعض اصحابه وقد رآه مفكرا اين بلغت قال الصراط وقال بشر لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه وقال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب وقال ابو سليمان الفكر في الدنيا حجاب عن الاخرة وعقوبة لاهل الولاية والفكرة في الاخرة تورث الحكمة وتجلي القلوب وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو الى العمل به وقال الحسن ان اهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر والفكر على الذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة ومن كلام

(1/344)


الشافعي استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكرة وهذا لان الفكرة عمل القلب والعبادة عمل الجوارج والقلب اشرف من الجوارح فكان عمله اشرف من عمل الجوارح وايضا فالتفكر يوقع صاحبه من الايمان على مالا يوقعه عليه العمل المجرد فان التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الامور وظهورها له وتميز مراتبها في الخير والشر ومعرفة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها ومعرفة اسبابها الموصلة اليها وما يقاوم تلك الاسباب ويدفع موجبها والتمييز بين ما ينبغي السعي في تصحيله وبين ما ينبغي السعي في دفع اسبابه والفرق بين الوهم والخيال المانع لاكثر النفوس من انتهاز الفرص بعد امكانها وبين السبب المانع حقيقة فيشتغل به دون الاول فما قطع

(1/345)


العبد عن كماله وفلاحه وسعادته العاجلة والاجلة قاطع اعظم من الوهم الغالب على النفس والخيال الذي هو مركبها بل بحرها الذي لا تنفك سابحة فيه وإنما يقطع هذا العارض بفكرة صحيحة وعزم صادق يميز به بين الوهم والحقيقة وكذلك إذا فكر في عواقب الامور وتجاوز فكره مباديها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة فتجاوز فكره لذته وفرح النفس به الى سوء عاقبته وما يترتب عليه من الالم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه وكذلك إذا ورد على قلبه وارد الراحة والدعة والكسل والتقاعد عن مشقة الطاعات وتعبها حتى عبر بفكره الى ما يترب عليها من اللذات والخيرات والافراح التي تغمر تلك الالام التي في مباديها بالنسبة الى كمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذلك اشتد طلبه لها وسهل عليه معاناتها استقبلها بنشاط وقوة وعزيمة وكذلك إذا فكر في منتهى ما يستعبده من المال والجاه والصور ونظر الى غاية ذلك بعين فكره استحى من عقله ونفسه ان يكون عبدا لذلك كما قيل : لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه وكذلك إذا فكر في آخر الاطعمة المفتخرة التي تفانت عليها نفوس اشباه الانعام وما يصير امرها اليه عند خروجها ارتفعت همته عن صرفها الى الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الذي اليه يتوجه وله يرضى ويغضب ويسعى ويكدح ويوالي ويعادي كما جاء في المسند عن النبي انه قال إن الله جعل طعام ابن آدم مثل الدنيا وإن قزحه ملحه فإنه يعلم الى ما يصير او كما قال فإذا وقع فكره على عاقبة ذلك وآخر امره وكانت نفسه حرة ابيه ربأبها ان يجعلها عبدا لما آخره انتن شيء واخبثه وافحشه فصل إذا عرف هذا فالفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما

(1/346)


معرفة ثالثة ومثال ذلك إذا احضر في قلبه العاجلة وعيشها وتعيمها وما يقترن به من الافات وانقطاعه وزواله ثم احضر في قلبه الاخرة ونعيمها ولذته ودوامه وفضله علىنعيم الدنيا وجزم بهذين العلمين اثمر له ذلك علما ثالثا وهو ان الاخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولىعند كل عاقل بايثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة ثم له في معرفة الاخرة حالتان احداهما ان يكون قد سمع ذلك من غيره من غير ان يباشر قلبه برد اليقين به ولم يفض قلبه الى مكافحة حقيقة الاخرة وهذا حال أكثر الناس فيتجاذبه داعيان احدهما داعي العاجلة وايثارها وهو أقوى الداعيين عنده لانه مشاهد له محسوس وداعي الاخرة وهو اضعف الداعيين عنده لانه داع عن سماع

(1/347)


لم يباشر قلبه اليقين به ولا كافحه حقيقته العلمية فإذا ترك العاجلة للاخرة تريه نفسه بانه قد ترك معلوما لمظنون اومتحققا لموهوم فلسان الحال ينادي عليه لا ادع ذرة منقودة لدرة موعودة وهذه الافة هي التي منعت النفوس من الاستعداد للاخرة وان يسعى لها سعيها وهي من ضعف العلم بها وتيقنها وإلا فمع الجزم التام الذي لا يخالج القلب فيه شك لا يقع التهاون بها وعدم الرغبة فيها ولهذا لو قدم لرجل طعام في غاية الطيب واللذة وهو شديد الحاجة اليه ثم قيل له إنه مسموم فإنه لا يقدم عليه لعلمه بأن سوء ما تجنى عاقبة تناوله تربو في المضرة على لذة اكله فما بال الايمان بالاخرة لا يكون في قلبه بهذه المنزلة ماذاك الا لضعف شجرة العلم والايمان بها في القلب وعدم استقرارها فيه وكذلك اذا كان سائرا في طريق فقيل له إن بها قطاعا ولصوصا يقتلون من وجدوه ويأخذون متاعه فانه لا يسلكها الا على احد وجهين اما ان لا يصدق المخبر وإما ان يثق من نفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عليهم والاف فمع تصديقه للخبر تصديقا لا يتمارى فيه وعلمه من نفسه بضعفه وعجزه عن مقاومتهم فإنه لا يسلكها ولو حصل له هذان العلمان فيما يرتكبه من ايثار الدنيا وشهواتها لم يقدم على ذلك فعلم ان إيثاره للعاجلة وترك استعداده للاخرة لا يكون قط مع كمال تصديقه وإيمانهابدا الحالة الثانية ان يتيقن ويجزم جزما لا شك فيه بأن له دارا غير هذه الدار ومعادا له خلق وان هذه الدار طريق الى ذلك المعاد ومنزل من منازل السائرين اليه ويعلم مع ذلك انها باقية ونعيمها وعذابها لا يزول ولا نسبة لهذا النعيم والعذاب العاجل اليه إلا كما يدخل الرجل اصبعه في اليم ثم ينزعها فالذي تعلق بها منه هو كالدنيا بالنسبة الى الاخرة فيثمر له هذا العلم ايثار الاخرة وطلبها والاستعداد التام لها وان يسعى لها سعيها وهذا يسعى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء

(1/348)


وتتفرق في آخر ويسمى تفكرا لانه استعمال الفكرة في ذلك واحضاره عنده ويسمى تذكرا لانه احضار للعلم الذي يجب مراعاته بعد ذهوله وغيبته عنه ومنه قوله تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ويسمى نظرا لانه التفات بالقلب الى المنظور فيه ويسمى تأملا لانه مراجعة للنظر كرة بعدكرة حتى يتجلى له وينكشف لقلبه ويسمى اعتبارا وهو افتعال من العبور لانه يعبر منه الى غيره فيعبر من ذلك الذي قد فكر فيه الى معرفة ثالثة وهي المقصود من الاعتبار ولهذا يسمى عبرة وهي على بناء الحالات كالجلسة والركبة والقتلة ايذانا بأن هذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر منه الى المقصود به وقال الله تعالى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى وقال إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار ويسمى تدبرا لانه نظر في ادبار الامور وهي اواخرها وعواقبها ومنه تدبر القول وقال

(1/349)


تعالى افلم يدبروا القول افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وتدبر الكلام ان ينظر في اوله وآخره ثم يعيد نظره مره بعد مرة ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين وسمى استبصارا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الامر وانكشافه وتجليه للبصيرة وكل من التذكر والتفكر له فائدة غير فائدة الاخر فالتذكر يفيد تكرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فيه ويثبت ولا ينمحي فيذهب اثره من القلب جملة والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه ولهذا قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر علىالتذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة فالتفكر والتذكر بذار العلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كما قال بعض السلف ملاقاة الرجال تلقيح لالبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل فالخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر فإنه لا بد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفكر وحال يحدث للقلب من ذلك العلم فإن كل من عمل شيئا من المحبوب او المكروه لا بد ان يبقى لقلبه حالة وينصبغ بصبغة من علمه وتلك الحال توجب له إرادة وتلك الارادة توجب وقوع العمل فها هنا خمسة امور الفكر وثمرته العلم وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب وثمرة ذلك الارادة وثمرتها العلم فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه وانه من افضل اعمال القلب وانفعها له حتى قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة الى حياة اليقظة ومن المكاره الى المحاب ومن الرغبة والحرص الى الزهد والقناعة ومن سجن الدنيا الى فضاء الاخرة ومن ضيق الجهل الى سعة العلم ورحبه ومن مرض الشهوة والاخلاد الى هذه الدار الى شفاء الانابة الى الله والتجافي عن دار الغرور ومن مصيبة العمى والصمم والبكم الى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه ومن امراض

(1/350)


الشبهات الى برد اليقين وثلج الصدور وبالجملة فأصل كل طاعة إنما هي الفكر وكذلك اصل كل معصية إنما يحدث من جانب الفكرة فإن الشيطان يصادف ارض القلب خالية فارغة فيبذر فيها حب الافكار الردية فيتولد منه الارادات والعزوم فيتولد منها العمل فإذا صادف ارض القلب مشغولة ببذر الافكار النافعة فيما خلق له وفيما امر به وفيم هيء له واعد له من النعيم المقيم او العذاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وهذا كما قيل : اتاني هواها قبل ان اعرف الهوى فصادف قلبا فارغا فتمكنا فان قيل فقد ذكرتم الفكر ومنفعته وعظم تأثيره في الخير والشر فما متعلقه الذي

(1/351)


ينبغي ان يوقع عليه ويجرى فيه فانه لا يتم المقصود منه الا بذكر متعلقه الذي يقع الفكر فيه والا ففكر بغير متفكر فيه محال قيل مجرى الفكر ومتعلقه اربعة امور احدها غاية محبوبة مرادة الحصول الثاني طريق موصلة الى تلك الغاية الثالث مضرة مطلوبة الاعدام مكروهة الحصول الرابع الطريق المفضي اليها الموقع عليها فلا تتجاوز افكار العقلاء هذه الامور الاربعة وأي فكر تخطاها فهو من الافكار الردية والخيالات والاماني الباطلة كما يتخيل الفقير المعدم نفسه من اغنى البشر وهو يأخذ ويعطي وينعم ويحرم وكما يتخيل العاجز نفسه من اقوى الملوك وهو يتصرف في البلاد والرعية ونظير ذلك من افكار القلوب الباطولية التي من جنس افكار السكران والمحشوش والضعيف العقل فالافكار الردية هي قوت الانفس الخسيسة التي هي في غاية الدناءة فإنها قد قنعت بالخيال ورضيت بالمحال ثم لا تزال هذه الافكار تقوى بها وتتزايد حتى توجب لها آثارا ردية ووساوس وأمراضا بطيئة الزوال وإذا كان الفكر النافع لا يخرج عن الاقسام الاربعة التي ذكرناها فله ايضا محلان ومنزلان احدهما هذه الدار والاخر دار القرار فأبناء الدنيا الذين ليس لهم في الاخرة من خلاق عمروا بيوت افكارهم بتلك الاقسام الاربعة في هذه الدار فأثمرت لهم افكارهم فيها ما اثمرت ولكن إذا حقت الحقائق وبطلت الدنيا وقامت الاخرة تبين الرابح من المغبون وخسر هنالك المبطلون وأبناء الاخرة الذين خلقوا لها عمروا بيوت افكارهم على تلك الاقسام الاربعة فيها ونحن نفصل ذلك بعون الله وفضله فنقول كل طالب لشيء فهو محب له مؤثر لقربه ساع في طريق تحصيله متوصل اليه بجهده وهذا يوجب له تعلق افكاره بجمال محبوبه وكماله وصفاته التي يحب لاجلها وتعلقها بما يناله به من الخير والفرح والسرور ففكره في حال محبوبه دائر بين الجمال والاجمال والحسن والاحسان فكلما قويت محبته ازداد هذا الفكر وقوى وتضاعف حتى يستغرق اجزاء القلب فلا يبقى فيه

(1/352)


فضل لغيره بل يصير بين الناس بقالبه وقلبه كله في حضرة محبوبه فإن كان هذا المحبوب هو المحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له ولا يحب غيره إلا تبعا لمحبته فهو اسعد المحبين به وقد وضع الحب موضعه وتهيأت نفسه لكمالها الذي خلقت له والذي لا كمال لها بدونه بوجه وان كانت تلك المحبة لغيره من المحبوبات الباطلة المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازات القلوب بها على حالها فقد وضع المحبة في غير موضعها وظلم نفسه اعظم ظلم واقبحه وتهيأت بذلك نفسه لغاية شقائها والمها وإذا عرف هذا عرف ان تعلق المحبة بغير الاله الحق هو عين شقاء العبد وخسرانه فافكفاره المتعلقة بها كلها باطلة وهي مضرة عليه في حياته وبعدموته والمحب الذي قد ملك المحبوب افكار قلبه لا يخرج فكره عن تعلقه بمحبوبه او بنفسه ثم فكره في محبوبه لا يخرج عن حالتين

(1/353)


احداهما فكرته في جماله واوصافه والثانية فكرته في افعاله واحسانه وبره ولطفه الدالة على كمال صفاته وان تعلق فكره بنفسه لم يخرج ايضا عن حالتين اما ان نفكر في اوصافه المسخوطة التي يبغضها محبوبه ويمقته عليها ويسقطه من عينه فهو دائما يتوقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها والثانية ان يفكر في الصفات والاخلاق والافعال التي تقربه منه وتحببه اليه حتى يتصف بها فالفكرتان الاولتان توجب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها والفكرتان الاخرتان توجب محبة محبوبه له واقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه وايثاره على غيره فالمحبة التامة مستلزمة لهذه الافكار الاربعة فالفكرة الاولى والثانية تتعلق بعلم التوحيد وصفات الاله المعبود سبحانه وأفعاله والثالثة والرابعة تتعلق بالطريق الموصلة اليها وقواطعها وآفاتها وما يمنع من السير فيها اليه فتفكره في صفات نفسه يميز له المحبوب لربه منها من المكروه له وهذه الفكرة توجب ثلاثة امور احدها ان هذا الوصف هل هو مكروه مبغوض لله ام لا الثاني هل العبد متصف به ام لا والثالث إذا كان متصفا به فما طريق دفعه والعافية منه وان لم يكن متصفا به فما طريق حفظ الصحة بوقائه على العافية والاحتراز منه وكذلك الفكرة في الصفة المحبوبة تستدعي ثلاثة امور احدها ان هذه الصفة هل هي محبوبة لله مرضية له ام لا الثاني هل العبد متصف بها ام لا الثالث انه إذا كان متصفا بها فما طريق حفظها ودوامها وان لم يكن متصفا بها فما طريق اجتلائها والتخلق بها ثم فكرته في الافعال على هذين الوجهين ايضا سواء ومجاري هذه الافكار ومواقعها كثيرة جدا لاتكاد تنضبط وانا يحصرها ستة اجناس الطاعات الظاهرة والباطنة والمعاصي الظاهرة والباطنة والصفات والاخلاق الحميدة والاخلاق والصفات الذميمة فهذه مجاري الفكرة في صفات نفسه وافعالها واما الفكرة في صفات المعبود وأفعاله واحكامه فتوجب له التمييز بين الايمان والكفروالتوحيد والشرك والاقرار

(1/354)


والتعطيل وتنزيه الرب عما لا يليق به ووصفه بما هو اهله من الجلال والاكرام ومجاري هذه الفكرة تدبر كلامه وما تعرف به سبحانه الى عباده على السنة رسله من اسمائه وصفاته وأفعاله وما نزه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه وتدبر ايامه وافعاله في اوليائه واعدائه التي قصها على عباده واشهدهم اياها ليستدلوا بها على انه الههم الحق المبين الذي لا تنبغي العبادة الا له ويستدلوا بها على انه على كل شيء قدير وانه بكل شيء عليم وانه شديد العقاب وانه غفور رحيم وانه العزيز الحكيم وانه الفعال لما يريد وانه الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وان أفعاله كلها دائرة بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة لا يخرج شيء منها عن ذلك وهذه الثمرة لا سبيل الى تحصيلها إلا بتدبر كلامه والنظر في آثار أفعاله وإلى هذين الاصلين ندب عباده في القرآن فقال في

(1/355)


الاصل الاول افلا يتدبرون القرآن افلم يدبروا القول كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا آياته إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون كتاب فصلت اياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال في الاصل الثاني قل انظروا ماذا في السموات والارض ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ان في السموات والارض لايات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ماء فاحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون او لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ومن آياته ان خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون الى قوله ومن آياته ان تقوم السماء والارض بامره ونوع سبحانه الايات في هذه السور فجعل خلق السموات والارض واختلاف لغات الامم والوانهم آيات للعالمين كلهم لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته وجعل خلق الازواج التي تسكن اليها الرجال والقاء المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون فإن سكون الرجل الى امرأته وما يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم امر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة فمتى نظر بهذه العين الى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك دلة فكره على انه الاله الحق المبين الذي أقرت الفطر بربوبيته والاهيته وحكمته ورحمته وجعل المنام بالليل والنهار للتصرف في المعاش وابتغاء فضله آيات لقوم يسمعون وهو سمع الفهم وتدبر هذه الايات وارتباطها بما جعلت آية له مما اخبرت به الرسل من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم كما احياهم

(1/356)


سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرف في معاشهم فهذه الاية إنما ينتفع بها من سمع ما جاءت به الرسل واصغى اليه واستدل بهذه الاية عليه وجعل إراءتهم البرق وأنزل الماء من السماء وإحياء الارض به آيات لقوم يعقلون فإن هذه امور مرتبة بالابصار مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه وهو عقله استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته إمكان ما اخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما احيا هذه الارض بعدموتها وهذه امور لاتدرك إلا ببصر القلب وهو العقل فإن الحس دل على الاية والعقل دل على ما جعلت له آية فذكر سبحانه الاية المشهودة بالبصر والمدلول عليه المشهود بالعقل فقال ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الارض بعدموتها أن في ذلك لايات لقوم يعقلون فتبارك

(1/357)


الذي جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء لما في الصدور وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامع لجميع منازل السائرين واحوال العاملين ومقامات العارفين وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والانابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الاحوال التي بها حياة القلب وكماله وكذلك يزجر عن جميع الصفات والافعال المذمومة والتي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاجا إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى الى حصول الايمان وذوق حلاوة القرآن وهذه كانت عادة السلف يردد احدهم الاية الى الصباح وقد ثبت عن النبي انه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك انت العزيز الحكيم فقراءة القرآن بالتفكر هي اصل صلاح القلب ولهذا قال ابن مسعود لاتهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب لا يكن هم احدكم آخر السورة وروى ابو ايوب عن ابي جمرة قال قلت لابن عباس اني سريع القراءة إني اقرا القرآن في ثلاث قال لان اقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها احب الي من ان اقرأ القرآن كما تقرأ والتفكر في القرآن نوعان تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه وتفكر في معاني ما دعا عباده الى التفكر فيه فالاول تفكر في الدليل القرآني والثاني تفكر في الدليل العياني الاول ففكر في آياته المسموعة والثاني تفكر في آياته المشهودة ولهذا انزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه ويعمل به لا لمجرد تلاوته مع الاعراض عنه قال الحسن البصري انزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا فصل وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده الى الفكر فيه

(1/358)


اوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته واحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تعرف الى عباده وندبهم الى التفكر في آياته ونذكر لذلك امثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه يستدل بها على غيرها فمن ذلك خلق الانسان وقدندب سبحانه الى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه كقوله تعالى فلينظر الانسان مم خلق وقوله تعالى وفي انفسكم افلا تبصرون وقال تعالى يايها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء الى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعدعلم

(1/359)


شيئا  وقال تعالى  ايحسب الانسان ان يترك سدى الم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والانثى اليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى  وقال تعالى  الم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين الى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون  وقال  او لم ير الانسان انا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين  وقال  ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين  وهذا كثير في القرآن يدعو العبد الى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذ نفسه وخلقه من اعظم الدلائل على خالقه وفاطره واقرب شيء الى الانسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الاعمار في الوقوف على بعضه وهو غافل عنه معرض عن التفكر فيه ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره قال الله تعالى  قتل الانسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم اماته فاقبره ثم إذا شاء انشره  فلم يكرر سبحانه على اسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لامر وراء ذلك كله هو المقصود بالخطاب واليه جرى ذلك الحديث فانظر الان الى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وانتنت كيف استخرجها رب الارباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واختلاف مجاريها الى ان ساقها الى مستقرها ومجمعها وكيف جمع سبحانه بين الذكر والانثى والقى المحبة بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة الى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه وساقهما من

(1/360)


اعماق العروق والاعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا لا يناله هواء يفسده ولا برد بحمده ولا عارض يصل اليه ولا آفة تتسلط عليه ثم قلب تلك ا لنطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب الى سواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ثم جعله عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانظر كيف قسم تلك الاجزاء المتشابهة المتساوية الى الاعصاب والعظام والعروق والاوتار واليابس واللين وبين ذلك ثم كيف ربط بعضها ببعض اقوى رباط وأشده وابعده عن الانحلال وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها فاحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والانف وسائر

(1/361)


المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤسهما بالاصابع ثم قسم الاصابع بالانامل وركب الاعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والامعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه ثم انظر الحكمة البالغة في تركيب العظام قواما للبدن وعمادا له وكيف قدرها ربه وخالقها بتقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنها الصغير والكبير والطويل والقصير والمنحنى والمستدير والدقيق والعريض والمصمت والمجوف وكيف ركب بعضها في بعض فمنها ما تركيبه تركيب الذكر في الانثى ومنها ما تركيبه تركيب اتصال فقط وكيف اختلفت اشكالها باختلاف منافعها كالاضراس فإنها لما كانت آلة للطحن جعلت عريضة ولما كانت الاسنان آلة للقطع جعلت مستدقة محددة ولما كان الانسان محتاجا الى الحركة بجملة بدنه وببعض اعضائه للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظما واحدا بل عظاما متعددة وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه وكيف شد اسر تلك المفاصل والاعضاء وربط بعضها ببعض بأوتار ورباطات انبتها من احد طرفي العظم والصق احد طرفي العظم بالطرف الاخر كالرباط له ثم جعل في احد طرفي العظم زوائد خارجة عنه وفي الآخر نقرا غائصة فيه موافقة لشكل تلك الزوائد ليدخل فيها وينطبق عليها فإذا أراد العبد ان يحرك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه وتأمل كيفية خلق الراس وكثرة ما فيه من العظام حتى قيل إنها خمسة وخمسون عظما مختلفة الاشكال والمقادير والمنافع وكيف ركبه سبحانه وتعالى على البدن وجعله عاليا علو الراكب على مركوبه ولما كان عاليا على البدن جعل فيه الحواس الخمس وآلات الادراك كلها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس وجعل حاسة البصر في مقدمه ليكون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن وركب كل عين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص ومقدار مخصوص ومنفعة مخصوصة لو فقدت طبقة من تلك الطبقات

(1/362)


السبع او زالت عن هيئتها وموضعها لتعطلت العين عن الابصار ثم اركز سبحانه داخل تلك الطبقات السبع خلقا عجيبا وهو إنسان العين بقدر العدسة يبصر به ما بين المشرق والمغرب والارض والسماء وجعلهمن العين بمنزلة القلب من الاعضاء فهوملكها وتلك الطبقات والاجفان والاهداب خدم له وحجاب وحراس فتبارك الله احسن الخالقين فانظر كيف حسن شكل العينين وهيئتها ومقدارهما ثم جملهما بالاجفان غطاء لهما وسترا وحفظا وزينة فهما يتلقيان عن العين الاذى والقذا والغبار ويكنانهما من البارد المؤذي والحار المؤذي ثم غرس في اطراف تلك الاجفان الاهداب جمالا وزينة ولمنافع اخر وراء الجمال والزينة ثم اودعهما ذلك النور الباصر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والارض ثم يخرق السماء مجاوزا لرؤية ما فوقها من الكواكب وقد

(1/363)


اودع سبحانه هذا السر العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السموات مع اتساع اكنافها وتباعد اقطارها وشق له السمع وخلق الاذن احسن خلقه وابلغها في حصول المقصود منها فجعلها مجوفة كالصدفة لتجمع الصوت فتؤديه الى الصماخ وليحس بدبيب الحيوان فيها فيبادر الى اخراجه وجعل فيها غضونا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهواء والصوت الداخل فتكسر حدته ثم تؤديه الى الصماخ ومن حكمة ذلك ان يطول به الطريق على الحيوان فلا يصل الى الصماخ حتى يستيقظ او ينتبه لامساكه وفيه ايضا حكم غير ذلك ثم اقتضت حكمة الرب الخالق سبحانه ان جعل ماء الاذن مرا في غاية المرارة فلا يجاوزه الحيوان ولا يقطعه داخلا الى باطن الاذن بل إذا وصل اليه اعمل الحيلة في رجوعه وجعل ماء العينين ملحا ليحفظها فإنها شحمة قابلة للفساد فكانت ملوحة مائها صيانة لها وحفظا وجعل ماء الفم عذبا حلوا ليدرك به طعوم الاشياء على ما هي عليه إذ لو كان على غير هذه الصفة لاحالها الى طبيعته كما ان من عرض لفمه المرارة استمر طعم الاشياء التي ليست بمرة كما قيل ومن يك ذا فم مر مريض يجدمرا به الماء الزلالا ونصب سبحانه قصبة الانف في الوجه فأحسن شكله وهيأته ووضعه وفتح فيه المنخرين وحجز بينهما بحاجز واودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها انواع الروائح الطيبة والخبيثة والنافعة والضارة وليستنشق به الهواء فيوصله الى القلب فيتروح به ويتغذى به ثم لم يجعل في داخله من الاعوجاجات والغضون ما جعل في الاذن لئلا يمسك الرائحة فيضعفها ويقطع مجراها وجعله سبحانه مصبا تنحدر اليه فضلات الدماغ فتجتمع فيه ثم تخرج منه واقتضت حكمته ان جعل اعلاه ادق من اسفله لان اسفله إذا كان واسعا اجتمعت فيه تلك الفضلات فخرجت بسهولة ولانه يأخذ من الهواء ملأه ثم يتصاعد في مجراه قليلا حتى يصل الى القلب وصولا لا يضره ولا يزعجه ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمة منه ورحمة فإنه لما كان قصبة ومجرى

(1/364)


ساترا لما يتحدر فيه من فضلات الراس ومجرى النفس الصاعد منه جعل في وسطه حاجزا لئلا يفسد بما يجرى فيه فيمنع نشقه للنفس بل إما ان تعتمد الفضلات نازلة من احد المنفذين في الغالب فيبقى الاخر للتنفس وإما ان يجرى فيهما فينقسم فلا ينسد الانف جملة بل يبقى فيه مدخل للتنفس وايضا فإنه لما كان عضوا واحدا وحاسة واحدة ولم يكن عضوين وحاستين كالاذنين والعينين اللتين اقتضت الحكمة تعددهما فإنه ربما اصيبت احداهما اوعرضت لها آفة تمنعها من كمالها فتكون الاخرى سالمة فلا تتعطل

(1/365)


منفعة هذا الحس جملة وكان وجود انفين في الوجه شيئا ظاهرا فنصب فيه انفا واحدا وجعل فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجرى مجرى تعدد العينين والاذنين في المنفعة وهو واحد فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين وشق سبحانه للعبد الفم في احسن موضع واليقه به واودع فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام وآلات الطحن والقطع ما يبهر العقول عجائبه فأودعه اللسان الذي هو احد آياته الدالة عليه وجعله ترجمانا لملك الاعضاء مبينا مؤديا عنه كما جعل الاذن رسولا مؤديا مبلغا اليه فهي رسوله وبريده الذي يؤدي اليه الاخبار واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد واقتضت حكمته سبحانه ان جعل هذا الرسول مصونا محفوظا مستورا غير بارز مكشوف كالاذن والعين والانف لان تلك الاعضاء لما كانت تؤدي من الخارج اليه جعلت بارزة ظاهرة ولما كان اللسان مؤديا منه الى الخارج جعل له سترا مصونا لعدم الفائدة في إبرازه لانه لا يأخذ من الخارج الى القلب وأيضا فلأنه لما كان اشرف الاعضاء بعدالقلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره ضرب عليه سرادق تستره وتصونه وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر وايضا فإنه من الطف الاعضاء والينها واشدها رطوبة وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به فلو كان بارزا صارعرضة للحرارة واليبوسة والنشاف المانع له من التصرف ولغير ذلك من الحكم والفوائد ثم زين سبحانه الفم بما فيه من الاسنان التي هن جمال له وزينة وبها قوام العبد وغذاؤه وجعل بعضها ارحاء للطحن وبعضها آلة للقطع فاحكم اصولها وحدد رؤسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرؤس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم بياضا وصفاء وحسنا واحاط سبحانه على ذلك حائطين واودعهما من المنافع والحكم ما اودعهما وهما الشفتان فحسن لونهما وشكلهما ووضعهما وهيأتهماوجعلهما غطاء للفم وطبقا له وجعلهما إتماما لمخارج حروف الكلام ونهاية له كما جعل اقصى الحلق بداية له واللسان وما جاوره وسطا

(1/366)


ولهذا كان اكثر العمل فيها له إذ هو الواسطة واقتضت حكمته ان جعل الشفتين لحما صرفا لا عظم فيه ولا عصب ليتمكن بهما من مص الشراب ويسهل عليه فتحهما وطبقهما وخص الفك الاسفل بالتحريك لان تحريك الاخف احسن ولانه يشتمل على الاعضاء الشريفة فلم يخاطر بها في الحركة وخلق سبحانه الحناجر مختلفة الاشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والصلابة واللين والطول والقصر فاختلفت بذلك الاصوات اعظم اختلاف ولا يكاد يشتبه صوتان إلا نادرا ولهذا كان الصحيح قبول شهادة الاعمى لتمييزه بين الاشخاص بأصواتهم كما يميز البصير بينهم بصورهم والاشتباه العارض بين الاصوات كالاشتباه العارض بين الصور وزين سبحانه الرأس بالشعر وجعله لباسا له لاحتياجه اليه وزين الوجه بما

(1/367)


انبت فيه من الشعور المختلفة الاشكال والمقادير فزينه بالحاجبين وجعلهما وقاية لما يتحدر من بشرة الراس الى العينين وقوسهما وأحسن خطهما وزين أجفاف العينين بالاهداب وزين الوجه ايضا باللحية وجعلها كمالا ووقارا ومهابة لرجل زين الشفتين بما انبت فوقهما من الشارب وتحتهما من العنفقة وكذلك خلقه سبحانه لليدين اللتين هما آلة العبد وسلاحه ورأس مال معاشه فطولهما يحيث يصلان الى ما شاء من بدنه وعرض الكف ليتمكن به من القبض والبسط وقسم فيه الاصابع الخمس وقسم كل اصبع بثلاث انامل والابهام باثنتين ووضع الاصابع الاربعة في جانب والابهام في جانب لتدور الابهام على الجميع فجاءت على احسن وضع صلحت به للقبض والبسط ومباشرة الاعمال ولو اجتمع الاولون والاخرون على ان يستنبطوا بدقيق افكارهم وضعا آخر للاصابع سوى ما وضعت عليه لم يجدوا اليه سبيلا فتبارك من لو شاء لسواها وجعلها طبقا واحدا كالصفيحة فلم يتمكن العبد بذلك من مصالحة وانواع تصرفاته ودقيق الصنائع والخط وغير ذلك فإن بسط اصابعه كانت طبقا يضع عليه ما يريد وان ضمها وقبضها كانت دبوسا وآلة للضرب وان جعلها بين الضم والبسط كانت مغرفة له يتناول بها وتمسك فيها ما يتناوله وركب الاظفار على رؤسها زينة لها وعمادا ووقاية وليلتقط بها الاشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الاصابع وجعلها سلاحا لغيره من الحيوان والطير وآلة لمعاشه وليحك الانسان بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذي هو أقل الاشياء وأحقرها لو عدمه الانسان ثم ظهرت به حكة لاشتدت حاجته اليه ولم يقم مقامه شيء في حك بدنه ثم هدى اليد الى موضع الحك حتى تمتد اليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة الى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك الا بعد تعب ومشقة ثم انظر الى الحكمة البالغة في جعل عظام اسفل البدن غليظة قوية لانها اساس له وعظام اعاليه دونها في الثخانة والصلابة لانها محمولة ثم انظر كيف جعل الرقبة مركبا للرأس

(1/368)


وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات ثم طبق بعضها على بعض وركب كل خرزة تركيبا محكما متقنا حتى صارت كأنها خرزة واحدة ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر ثم ركب الظهر من أعلاه الى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة مركبة بعضها في بعض هي مجمع اضلاعه والتي تمسكها ان تنحل وتنفصل ثم وصل تلك العظام بعضها ببعض فوصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتفين بعظام العضدين والعضدين بالذراعين والذراعين بالكف والاصابع وانظر كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والراس كسوة من اللحم تناسبها والعظام الدقيقة كسوة تناسبها كالاصابع والمتوسطة كذلك كعظام الذراعين والعضدين فهو مركب على ثلاثمائة وستين عظما مائتان وثمانية وأربعون مفاصل وباقيها صغار حشيت خلال المفاصل فلو زادت عظما واحدا لكان مضرة على الانسان

(1/369)


يحتاج الى قلعة ولو نقصت عظما واحدا كان نقصانا يحتاج الى جبره فالطبيب ينظر في هذه العظام وكيفية تركيبها ليعرف وجه العلاج في جبرها والعارف ينظر فيها ليستدل بها على عظمة باريها وخالقها وحكمته وعلمه ولطفه وكم بين النظرين ثم انه سبحانه ربط تلك الاعضاء والاجزاء بالرباطات فشد بها اسرها وجعلها كالاوتاد تمسكها وتحفظها حتى بلغ عددها الى خمسمائة وتسعة وعشرين رباطا وهي مختلفة في الغلظ والدقة والطول والقصر والاستقامة والانحناء بحسب اختلاف مواضعها ومحالها فجعل منها اربعة وعشرين رباطا آلة لتحريك العين وفتحها وضمها وإبصارها لو نقضت منهن رباطا واحدا اختل امر العين وهكذا لكل عضو من الاعضاء رباطات هن له كالالات التي بها يتحرك ويتصرف ويفعل كل ذلك صنع الرب الحكيم وتقدير العزيز العليم في قطرة ماء مهين فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين ومن عجائب خلقه انه جعل في الراس ثلاث خزائن نافذا بعضها الى بعض خزانة في مقدمه وخزانة في وسطه وخزانة في آخره واودع تلك الخزائن من أسراره ما اودعها من الذكر والفكر والتعقل ومن عجائب خلقه ما فيه من الامور الباطنة التي لا تشاهد كالقلب والكبد والطحال والرئة والامعاء والمثانة وسائر ما في بطنه من الالات العجيبة والقوى المتعددة المختلفة المنافع فأما القلب فهو الملك المستعمل لجميع آلات البدن والمستخدم لها فهو محفوف بها محشود مخدوم مستقر في الوسط وهو اشرف اعضاء البدن وبه قوام الحياة وهو منبع الروح الحيواني والحرارة الغريزية وهو معدن العقل والعلم والحلم والشجاعة والكرم والصبر والاحتمال والحب والارادة والرضا والغضب وسائر صفات الكمال فجميع الاعضاء الظاهرة والباطنة وقواها انما هي جند من اجناد القلب فإن العين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات فإن رأت شيئا أدته اليه ولشدة الارتباط الذي بينها وبينه إذا استقر فيه شيء ظهر فيها فهي مرآته المترجمة للناظر ما فيه كما ان اللسان ترجمانه

(1/370)


المؤدي للسمع ما فيه ولهذا كثيرا ما يقرن سبحانه في كتابه بين هذه الثلاث كقوله أن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا وقوله وجعلنا لهم سمعا وابصارا وأفئدة وقوله صم بكم عمي وقد تقدم ذلك وكذلك يقرن بين القلب والبصر كقوله ونقلب افئدتهم وابصارهم وقوله في حق رسوله محمد ما كذب الفؤاد وما رأى ثم قال ما زاغ البصر وما طغى وكذلك الاذن هي رسوله المؤدى اليه وكذلك اللسان ترجمانه وبالجملة فسائر الاعضاء خدمه وجنوده وقال النبي الا ان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب وقال ابو هريرة القلب ملك والاعضاء جنوده فان طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده وجعلت الرئة له كالمروحة تروح عليه دائما لانه اشد الاعضاء

(1/371)


حرارة بل هو منبع الحرارة واما الدماغ وهو المخ فإنه جعل باردا واختلف في حكمة ذاك فقالت طائفة إنما كان الدماغ بارد التبريد الحرارة التي في القلب ليردها عن الافراط الى الاعتدال وردت طائفة هذا وقالت لو كان كذلك لم يكن الدماغ بعيدا عن القلب بل كان ينبغي ان يحيط به كالرئة او يكون قريبا منه في الصدر ليكسر حرارته قالت الفرقة الاولى بعدالدماغ من القلب لا يمنع ما ذكرناه من الحكمة لانه لو قرب منه لغلبته حرارة القلب بقوتها فجعل البعد بينهما بحيث لا يتفاسدان وتعتدل كيفية كل واحد منهما بكيفية الاخر وهذا بخلاف الرئة فإنها آلة للترويح على القلب لم تجعل لتعديل حرارته وتوسطت فرقة أخرى وقالت بل المخ حار لكنه فاتر الحرارة وفيه تبريد بالخاصية فإنه مبدأ للذهن ولهذا كان الذهن يحتاج الى موضع ساكن قار صاف عن الاقذار والكدر خال من الجلبة والزجل ولذلك يكون جودة الفكر والتذكر واستخراج الصواب عند سكون البدن وفتور حركاته وقلة شواغله ومزعجاته ولذلك لم يصلح لها القلب وكان الدماغ معتدلا في ذلك صالحا له ولذلك تجود هذه الافعال في الليل وفي المواضع الخالية وتفسد عند التهاب نار الغضب والشهوة وعند الهم الشديد ومع التعب والحركات القوية البدنية والنفسانية وهذا بحث متصل بقاعدة اخرى وهي ان الحواس والعقل هل مبدؤها القلب والدماغ فقالت طائفة مبدؤها كلها القلب وهي مرتبطة به وبينه وبين الحواس منافذ وطرق قالوا وكل واحد من هذه الاعضاء التي هي آلات الحواس له اتصال بالقلب بأعصاب وغير ذلك وهذه الاعصاب تخرج من القلب الى ان تأتي الى كل واحد من هذه الاجسام التي فيها هذه الحواس قالوا فالعين إذا ابصرت شيئا أدته بالالة التي فيها الى القلب لان هذه الالة متصلة منها الى القلب والسمع إذا احس صوتا اداه الى القلب وكذلك كل حاسة ثم اوردوا على انفسهم سؤالا فقالوا ان قيل كيف يجوز ان يكون عضو واحد على ضروب من الامتزاج يمده عدة حواس مختلفة

(1/372)


وأجسام هذه الحواس مختلفة وقوة كل حاسة مخالفة لقوة الحاسة الاخرى واجابوا عن ذلك بأن جميع العروق التي في البدن كلها متصلة بالقلب إما بنفسها وإما بواسطة فما من عرق ولا عضو الاوله اتصال بالقلب اتصالا قريبا او بعيدا قالوا وينبعث منه في تلك العروق والمجاري الى كل عضو ما بناسبه ويشاكله فينبعث منه الى العينين ما يكون منه حس البصر وإلى الاذنين ما يدرك به المسموعات وإلى اللحم ما يكون منه حس اللمس وإلى الانف ما يكون به حس الشم وإلى اللسان ما يكون به حس الذوق وإلى كل ذي قوة ما يمد قوته ويحفظها فهو المعد لهذه الاعضاء والحواس والقوى ولهذا كان الراي الصحيح انه اول الاعضاء تكوينا قالوا ولا ريب ان مبدأ القوة العاقلة منه وإن كان قد خالف في ذلك آخرون وقالوا بل العقل

(1/373)


في الرأس فالصواب ان مبدأه ومنشأه من القلب وفروعه وثمرته في الراس والقرآن قد دل على هذا بقوله افلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وقال ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين الحيوانات بل المراد ما فيه من العقل واللب ونازعهم في ذلك طائفة اخرى وقالوا مبدأ هذه الحواس إنما هو الدماغ وانكروا ان يكون بين القلب والعين والاذن والانف اعصاب او عروف وقالوا هذا كذب على الخلقة والصواب التوسط بين الفريقين وهو ان القلب تنبعث منه قوة الى هذه الحواس وهي قوة معنوية لا تحتاج في وصولها اليه الى مجار مخصوصة واعصاب تكون حاملة لها فإن وصول القوى الى هذه الحواس والاعضاء لا يتوقف الاعلى قبولها واستعداها وامداد القلب لا على مجار وأعصاب وبهذا يزول الالتباس في هذا المقام الذي طال فيه الكلام وكثر فيه النزاع والخصام والله اعلم وبه التوفيق للصواب والمقصود التنبيه على أقل القليل من وجوه الحكمة التي في خلق الانسان والامر اضعاف اضعاف ما يخطر بالبال او يجرى فيه المقال وإنما فائدة ذكر هذه الشذرة التي هي كل شيء بالنسبة الى ما وراءها التنبيه وإذا نظر العبد الى غذائه فقط في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب كيف جعلت له آلة يتناول بها ثم باب يدخل منه ثم آلة تقطعه صغارا ثم طاحون يطحنه ثم اعين بماء يعجنه ثم جعل له مجرى وطريقا الى جانب النفس ينزل هذا ويصعد هذا فلا يلتقيان مع غاية القرب ثم جعل له حوايا وطرقا توصله الى المعدة فهي خزانته وموضع اجتماعه ولها بابان باب اعلى يدخل منه الطعام وباب اسفل يخرج منه تفله والباب الاعلى اوسع من الاسفل إذ الاعلى مدخل للحاصل والاسفل مصرف للضار منه والاسفل منطبق دائما ليستقر الطعام في موضعه فإذا انتهى الهضم فإن ذلك الباب ينفتح الى انقضاء الدفع ويسمى البواب لذلك والاعلى يسمى فم المعدة والطعام ينزل الى المعدة متكيمسا فإذا

(1/374)


استقر فيها انماع وذاب ويحيط بالمعدة من داخلها وخارجها حرارة نارية بل ربما تزيد على حرارة النار ينضج بها الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار المحيطة به ولذلك يذيب ما هو مستحجر كالحصا وغيره حتى يتركه مائعا فإذا أذابته علا صفوه الى فوق ورس كدره الى اسفل ومن المعدة عروق متصلة بسائر البدن يبعث فيها معلوم كل عضو وقوامه بحسب استعداه وقبوله فيبعث اشرف ما في ذلك والطفه واخفه الى الارواح فيبعث الى البصر بصرا والى السمع سمعا والى الشم شما والى كل حاسة بحسبها فهذا الطف ما يتولد عن الغذاء ثم ينبعث منه الى الدماغ ما يناسبه في اللطافة والاعتدال ثم ينبعث من الباقي الى الاعضاء في تلك المجاري بحسبها وينبعث منه الى العظام والشعر والاظفار ما يغذيها ويحفظها فيكون الغذاء داخلا الى المعدة من طرق ومجار وخارجا منها الى الاعضاء من طرق ومجار هذا وارد اليها وهذا صادر عنها حكمة بالغة ونعمة سابغة ولما كان الغذاء إذا استحال في المعدة استحال دما ومرة سوداء ومرة صفراء وبلغما اقتضت حكمته سبحانه وتعالى ان جعل لكل واحد من هذه الاخلاط مصرفا ينصب اليه ويجتمع فيه ولا ينبعث الى الاعضاء الشريفة الا أكمله فوضع المرارة مصبا للمرة الصفراء ووضع الطحال مقرا للمرة السوداء والكبد تمتص اشرف ما في ذلك وهو الدم ثم تبعثه الى جميع البدن من عرق واحد ينقسم على مجار كثيرة يوصل الى كل واحد من الشعور والاعصاب والعظام والعروق ما يكون به قوامه ثم إذا نظرت الى ما فيه من القوى الباطنة والظاهرة المختلفة في انفسها ومنافعها رايت العجب العجاب كقوة سمعه وبصره وشمه وزوقه ولمسه وحبه وبغضه ورضاه وغضبه وغير ذلك من القوى المتعلقة بالادراك والارادة وكذلك القوى المتصرفة في غذائه كالقوة المنضجة له وكالقوة الماسكة له والدافعة له الى الاعضاء والقوة الهاضمة له بعد اخذ الاعضاء حاجتها منه الى غير ذلك من عجائب خلقته الظاهرة والباطنة

(1/375)


فصل فارجع الان الى النطفة وتأمل حالها اولا وما صارت اليه ثانيا وأنه لو اجتمع الانس والجن على ان يخلقوا لها سمعا او بصرا او عقلا او قدرة او علما او روحا بل عظما واحدا من اصغر عظامها بل عرقا من ادق عروقها بل شعرة واحدة لعجزوا عن ذلك بل ذلك كله آثار صنع الله الذي اتقن كل شيء في قطرة من ماء مهين فمن هذا صنعه في قطرة ماء فكيف صنعه في ملكوت السموات وعلوها وسعتها واستدارتها وعظم خلقها وحسن بنائها وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها ومقاديرها واشكالها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة بل هي احكم خلقا واتقن صنعا واجمع العجائب من بدن الانسان بل لا نسبة لجميع ما في الارض الى عجائب السموات قال الله تعالى أأنتم اشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس الى قوله لايات لقوم يعقلون فبدأ بذكر خلق السموات وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وهذا كثير في القرآن فالارض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالاضافة الى السموات كقطرة في بحر ولهذا قل ان تجيء سورة في القرآن الا وفيها ذكرها إما إخبارا عن عظمها وسعتها وإما اقساما بها وإما دعاء الى النظر فيها وإما ارشادا للعباد ان يستدلوا بها على عظ

(1/376)


بانيها ورافعها وإما استدلالا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيمة وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله الا هو وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام اجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته وكذلك ما فيها من الكواكب والشمس والقمر والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها فكم من قسم في القرآن بها كقوله والسماء ذات البروج والسماء والطارق والسماء وما بناها والسماء ذات الرجع والشمس وضحاها والنجم إذا هوى والنجم الثاقب فلا اقسم بالخنس وهي الكواكب التي تكون خنسا عند طلوعها جوار في مجراها ومسيرها كنسا عند غروبها فاقسم بها في أحوالها الثلاثة ولم يقسم فيكتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الايات والعجائب الدالة عليه وكلما كان اعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به اكثر من غيره ولهذا يعظم هذا القسم كقوله فلا اقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وأظهر القولين انه قسم بمواقع هذه النجوم التي في السماء فإن اسم النجوم عند الاطلاق إنما ينصرف اليها وأيضا فإنه لم تجر عادته سبحانه باستعمال النجوم في آيات القرآن ولا في موضع واحد من كتابه حتى تحمل عليه هذه الاية وجرت عادته باستعمال النجوم في الكواكب في جميع القرآن وأيضا فإن نظير الاقسام بمواقعها هنا إقسامه بهوى النجم في قوله والنجم إذاهوى وايضا فإن هذا قول جمهور اهل التفسير وايضا فإنه سبحانه يقسم بالقرآن نفسه لا بوصوله إلى عباده هذه طريقة القرآن قال الله تعالى ص والقرآن ذي الذكر يس والقرآن الحكيم ق والقرآن المجيد حم والكتاب المبين ونظائره والمقصود انه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاتهبما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته وقد اثنى سبحانه في كتابه على المتفكرين في خلق

(1/377)


السموات والارض وذم المعرضين عن ذلك فقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وتأمل خلق هذا السقف الاعظم مع صلابته وشدته ووثاقته من دخان وهو بخار الماء قال الله تعالى وبنينا فوقكم سبعا شدادا وقال تعالى أأنتم اشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها وقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا فانظر الى هذا البناء العظيم الشديد الواسع الذي رفع سمكه اعظم ارتفاع وزينه باحسن زينة وأودعه العجائب والايات وكيف ابتدأ خلقه من بخار ارتفع من الماء وهو الدخان فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد لقد تعرف الى خلقه بأنواع التعرفات ونصب لهم الدلالات واوضح لهم الايات البينات ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي بينة وان الله يسمع عليم فارجع البصر الى السماء وانظر فيها وفي كواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها

(1/378)


في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ولا تغير في سيرها بلت جري في منازل قد رتبت لها بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص الى ان يطويها فاطرها وبديعها وانظر الى كثرت كواكبها واختلاف الوانها ومقاديرها فبعضها يميل الى الحمرة وبعضها الى البيضا وبعضها الى اللون الرصاصي ثم انظر الى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه ولولا طلوعها وغروبهالما عرف الليل والنهار ولا المواقيت ولاطبق الظلام على العالم او الضياء ولم يتميز وقت المعاش من وقت السبات والراحة وكيف قدر لها السميع العليم سفرينمتباعدين احدهما سفرها صاعدة الى اوجها والثاني سفرها هابطة الى حضيضها تنتقل في منازل هذا السفر منزلة منزلة حتى تبلغ غايتها منه فاحدث ذلك السفر بقدرة الرب القادر اختلاف الفصول من الصيف والشتاء والخريف والربيع فإذا انخفض سيرها عن وسط السماء برد الهواء وظهر الشتاء وإذا استوت في وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت بين المسافتين اعتدل الزمان وقامت مصالح العباد والحيوان والنبات بهذه الفصول الاربعةواختلفت بسببها الاقوات واحوال النبات والوانه ومنافع الحيوان والاغذية وغيرها وانظر الى القمر وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئا فشيئا كل ليلة حتى ينتهي الى ابداره وكماله وتمامه ثم يأخذ في النقصان حتى يعود الى حالته الاولى ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم فتميزت به الاشهر والسنين وقام حساب العالم مع ما في ذلك من الحكم والايات والعبر التي لا يحصيها الا الله وبالجملة فما من كوكب من الكواكب الا وللرب تبارك وتعالى في خلقه حكم كثيرة ثم في مقداره ثم في شكله ولونه ثم في موضعه من السماء وقربه من وسطها وبعده وقربه من الكوكب الذي يليه وبعده منه وإذا اردت معرفة ذلك على سبيل الاجمال فقسه باعضاء بدنك واختلافها وتفاوت

(1/379)


اما بين المتجاورات منها وبعد ما بين المتباعدات وأشكالها ومقاديرها وتفاوت منافعا وما خلقت له وأين نسبة ذلك الى عظم السموات وكواكبها وآياتها وقد اتفق أرباب الهيئة على ان الشمس بقدر الارض مائة مرة ونيفا وستين مرة والكواكب التي نراها كثير منها اصغرها بقدر الارض وبهذا يعرف ارتفاعها وبعدها وفي حديث ابي هريرة الذي رواه الترمذي ان بين الارض والسماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين كذلك وانت ترى الكوكب كانه لا يسير وهو من اول جزء من طلوعه الى تمام طلوعه يكون فلكه قد طلع بقدر مسافة الارض مائة مرة او اكثر وذلك بعد لحظة واحدة لان الكوكب إذا كان بقدر الارض مائة مرة مثلا ثم سار في اللحظة من موضع الىموضع فقد قطع بقدر مسافة الارض مائة مرة وزيادة في لحظة من اللحظات وهكذا يسير على الدوام والعبد غافل عنه وعن آياته وقال بعضهم إذا تلفظت بقولك لا نعم فبين اللفظتين تكون الشمس قد قطعت من الفلك مسيرة خمسمائة عام ثم انه سبحانه امسك السموات مع عظمها وعظم ما فيها وثبتها من غير علاقة من فوقها ولا عمد من تحتها الله الذي خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي ان تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين فصل والنظر في هذه الايات وامثالها نوعان نظر اليها بالبصر الظاهر

(1/380)


فيرى مثلا زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها وهذا نظر يشارك الانسان فيه غيره من الحيوانات وليس هو المقصود بالأمر الثاني ان يتجاوز هذا الى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له ابواب السماء فيجول في اقطارها وملكوتها وبين ملائكتها ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته ويرى السموات السبع والارضين السبع بالنسبة اليه كحلقه ملقاة بأرض فلاة ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير والامر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا يعلمها الا ربها ومليكها فينزل الامر باحياء قوم وإماتة آخرين وإعزاز قوم وإذلال آخرين واسعاد قوم وشقاوة آخرين وإنشاء ملك وسلب ملك وتحويل نعمة من محل الى محل وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها من جبر كسر وإغناء فقير وشفاء مريض وتفريج كرب ومغفرة ذنب وكشف ضر ونصر مظلوم وهداية حيران وتعليم جاهل ورد آبق وأمان خائف وإجارة مستجير ومدد لضعيف وإغاثة الملهوف وإعانة لعاجز وانتقام من ظالم وكف العدوان فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل والحكمة والرحمة تنفذ في أقطار العوالم لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها ولا يتبرم بالحاح الملحين ولا تنقص ذرة من خزائنه لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته خاشعا لعظمته عان لعزته فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها الى يوم المزيد فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه وهذا من اعظم آيات الله وعجائب صنعه فياله من سفر ما أبركه واروحه واعظم ثمرته وربحه واجل منفعته واحسن عاقبته سفر هو حياة الارواح ومفتاح السعادة وغنيمته العقول والالباب لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب

(1/381)


فصل وإذا نظرت الى الارض وكيف خلقت رأيتها من اعظم آيات فاطرها وبديعها خلقها سبحانه فراشا ومهادا وذللها لعباده وجعل فيه ارزاقهم واقواتهم ومعايشهم وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم وارساها بالجبال فجعلها اوتادا تحفظها لئلا تميد بهم ووسع اكنافها ودحاها فمدها وبسطها وطحاها فوسعها من جوانبها وجعلها كفاتا للاحياء تضمهم على ظهرها ما داموا احياء وكفاتا للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا فظهرها وطن للاحياء وبطنها وطن للاموات وقد اكثر تعالى من ذكر الارض في كتابه ودعا عباده الى النظر اليها والتفكر في خلقها فقال تعالى والارض فرشناها فنعم الماهدون الله الذي جعل لكم الارض قرارا الذي جعل لكم الارض فراشا افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت وإلى ارض كيف سطحت ان في السموات والارض لايات للؤمنين وهذا كثير في القرآن فانظر اليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا انزلنا عليها الماء اهتزت فتحركت وربت فارتفعت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر بهيج للناظرين كريم للمتناولين فأخرجت الاقوات على اختلافها وتباين مقاديرها واشكالها والوانها ومنافعها والفواكه والثمار وانواع الادوية ومراعي الدواب والطير ثم انظر قطعها المتجاورات وكيف ينزل عليها ماء واحدا فتنبت الازواج المختلفة المتباينة في اللون والشكل والرائحة والطعم والمنفعة واللقاح واحد والام واحدة كما قال تعالى وفي الارض قطع متجاورات وجنات من اعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لايات لقوم يعقلون فكيف كانت هذه الاجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الام وكيف كان حملها من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو ولولا ان هذا من اعظم آياته لما نبه عليه عباده وهداهم الى التفكير فيه قال الله تعالى وترى الارض هامدة فإذا

(1/382)


انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بان الله هو الحق وانه يحيي الموتى وانه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فجعل النظر في هذه الاية وما قبلها من خلق الجنين دليلا على هذه النتائج الخمس مستلزما للعلم بها ثم انظر كيف احكم جوانب الارض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها وكيف رفعها وجعلها اصلب اجزاء الارض لئلا تضمحل علىتطاول السنين وترادف الامطار والرياح بل اتقن صنعها واحكم وضعها واودعها من المنافع والمعادن والعيون ما اودعها ثم هدى الناس الى استخراج تلك المعادن منها والهمهم كيف يصنعون منها النقود والحليوالزينة واللباس والسلاح وآلة المعاش على اختلافها ولولا هدايته سبحانه لهم الى ذلك لما كان لهم علم شيء منه ولا قدرة عليه ومن آياته الباهرة هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والارض يدرك بحس اللمس عند هبوبه يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجرى بين السماء والارض والطير مختلفة فيه سابحة بأجنحتها في أمواجه كما تسبح حيوانات البحر في الماء وتضطرب جوانبه

(1/383)


وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب امواج البحر فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب يلقحه بحمل الماء كما يلقح الذكر الانثى بالحمل وتسمى رياح الرحمة المبشرات والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح العذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيما وأودعه عذابا اليما وجعله نقمة على من يشاء من عباده فيجعله صرصرا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه وهي مختلفة في مهابها فمنها صبا ودبور وجنوب وشمال وفي منفعتها وتاثيرها اعظم اختلاف فريح لينة رطبة تغذى النبات وابدان الحيوان واخرى تجففه واخرى تهلكه وتعطبه وأخرى تشده وتصلبه وأخرى توهنه وتضعفه ولهذا يخبر سبحانه عن رياح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما يحدث منها فريح تثير السحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذى النبات ولما كانت الرياح مختلفة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرحمة متعددة وأما ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لاهلاك ما ترسل باهلاكه فلاتقوم لها ريح اخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء يدمر كل ما اتى عليه وتأمل حكمة القرآن وجلالته وفصاحته كيف طرد هذا في البر وأما في البحر فجاءت ريح الرحمة فيه بلفظ الواحد كقوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان فإن السفن إنما تسير بالريح الواحدة التي تأتي من وجه واحد فإذا اختلفت الرياح على السفن وتقابلت لم يتم سيرها فالمقصود منها في البحر خلاف المقصود منها في البر إذ المقصود في البحر ان تكون واحدة طيبة لا يعارضها شيء فأفردت هنا وجمعت في البر ثم انه سبحانه اعطى

(1/384)


هذا المخلوق اللطيف الذي يحركه اضعف المخلوقات ويخرقه من الشدة والقوة والباس ما يقلق به الاجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عن اماكنها ويفتتها ويحملها على متنه فانظر اليه مع لطافته وخفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ به ثم وضع عليه الجسم الثقيل كالرجل وغيره وتحامل عليه ليغمسه في الماء لم يطق ويضع الحديد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فيه فامتنع هذا اللطيف من قهر الماء له ولم يمتنع منه القوي الشديد وبهذه الحكمة امسك الله سبحانه السفن على وجه الماء مع ثقلها وثقل ما تحويه وكذلك كل مجوف حل فيه الهواء فإنه لا يرسب فيه لان الهواء يمتنع من الغوس في الماء فتتعلق به السفينة المشحونة الموقرة فتأمل كيف استجار هذا الجسم الثقيل العظيم بهذا اللطيف الخفيف وتعلق به حتى امن من الغرق وهذا كالذي يهوى في قليب فيتعلق بذيل رجل قوي شديد يمتنع عن السقوط في القليب فينجو بتعلقه به فسبحان من علق هذا

(1/385)


المركب العظيم الثقيل بهذا الهواء اللطيف من غير علاقة ولاعقدة تشاهد ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والارض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسيفا ثم يؤلف بينه ويضم بعضه الى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها الى الارض المحتاجة اليه فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عيها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه اقلع عنها وفارقها فهي روايا الارض محمولة على ظهور الرياح وفي الترمذي وغيره ان النبي لما رأى السحاب قال هذه روايا الارض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يذكرونه فالسحاب حامل رزق العباد وغيرهم التي عليها ميرتهم وكان الحسن إذا رأى السحاب قال في هذا والله رزقكم ولكنكم تحرموه بخطاياكم وذنوبكم وفي الصحيح عن النبي قال بينا رجل بفلاة من الارض إذ سمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فمر الرجل مع السحابة حتى اتت على حديقة فلما توسطتها افرغت فيها ماءها فإذا برجل معه مسحاة يسحي الماء بها فقال ما اسمك يا عبد الله قال فلان للاسم الذي سمعه في السحابة وبالجملة فإذا تأملت السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى ان يأذن له ربه وخالقه في ارسال ما معه من الماء فيرسله وينزله منه مقطعا بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته فيرش السحاب الماء على الارض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قطرة منها باخرى ولا يتقدم متأخرها ولا يتأخر متقدمها ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الارض قطرة قطرة قد عينت كل قطرة منها لجزء من الارض لا تتعداه إلى غيره فلو اجتمع الخلق كلهم على ان يخلقوا منها قطرة واحدة او يحصوا عدد القطر

(1/386)


في لحظة واحدة لعجزوا عنه فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقا للعباد والدواب والطير والذر والنمل يسوقه رزقا للحيوان الفلاني في الارض الفلانية بجانب الجبل الفلاني فيصل اليه على شدة من الحاجة والعطش في وقت كذا وكذا ثم كيف اودعه في الارض ثم اخرج به انواع الاغذية والادوية والاقوات فهذا النبات يغذي وهذا يصلح الغذاء وهذا ينفذه وهذا يضعف وهذا اسم قاتل وهذا شفاء من السم وهذا يمرض وهذا دواء من المرض وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من اعماق العروق وهذا إذا حصل فيها ولد الصفراء واستحال اليها وهذا يدفع البلغم والسوداء وهذا يستحيل

(1/387)


اليهما وهذا يهيج الدم وهذا يسكنه وهذا ينوم وهذا يمنع النوم وهذا يفرح وهذا يجلب الغنم الى غير ذلك من عجائب النبات التي لا تكاد تخلو ورقة منه ولاعرق ولا ثمرة من منافع تعجز عقول البشر عن الاحاطة بها وتفصيلها وانظر الى مجاري الماء في تلك العروق الرقيقة الضئيلة الضعيفة التي لا يكاد البصر يدركها إلا بعد تحديقه كيف يقوى قسره واجتذابه من مقره ومركزه الى فوق ثم ينصرف في تلك المجاري بحسب قبولها وسعتها وضيقها ثم تتفرق وتتشعب وتدق الى غاية لا ينالها البصر ثم انظر الى تكون حمل الشجرة ونقلته من حال الى حال كتنقل احوال الجنين المغيب عن الابصار ترى العجب العجاب فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين بينا تراها حطبا قائما عاريا لا كسوة عليها إذ كاسها ربها وخالقها من الزهر احسن كسوة ثم سلبها تلك السكوة وكساها من الورق كسوة هي اثبت من الاولى ثم اطلع فيها حملها ضعيفا ضئيلا بعد ان اخرج ورقها صيانة وثوبا لتلك الثمرة الضعيفة لتستجب به من الحر والبرد والافات ثم ساق الى تلك الثمار رزقها وغذاها في تلك العروق والمجاري فتغذت به كما يتغذى الطفل بلبان امه ثم رباها ونماها شيئا فشيئا حتى استوت وكملت وتناهى ادراكها فأخرج ذلك الجني اللذيذ اللين من تلك الحطبة الصماء هذا وكم لله من آية في كل ما يقع الحس عليه ويبصره العباد وما لايبصرونه تفنى الاعمار دون الاحاطة بها وجميع تفاصيلها فصل ومن آياته سبحانه تعالى الليل والنهار وهما من اعجب آياته

(1/388)


وبدائع مصنوعاته ولهذا يعيد ذكرهما في القرآن ويبديه كقوله تعالى ومن آياته الليل والنهار وقوله وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وقوله عز وجل وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون وقوله عز وجل الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا وهذا كثير في القرآن فانظر الى هاتين الايتين وما تضمنتاه من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته كيف جعل الليل سكنا ولباسا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات وتأوى الحيوانات الى بيوتها والطير الى اوكارها وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب حتى إذا اخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت الى معايشها وتصرفها جاء فالق الاصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من اوكارها فياله من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الاكبر وتكرره ودوام مشاهدة النفوس له بحيث صار عادةومألفا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة الثانية وإحياء الحلق بعد موتهم ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة ولا قصور في حكمته ولا في علمه ويوجب تخلف ذلك ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهذا ايضا من اياته الباهرة ان يعمى عن هذه الايات الواضحة البينة من شاء من خلقه فلا يهتدي بها ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء الى حلقه وهويستغيث من العطش وينكر وجود الماء وبهذا وأمثاله يعرف الله عز وجل ويشكر ويحمد ويتضرع اليه ويسأل فصل ومن آياته وعجائب مصنوعاته البحار المكتنفة لاقطار الارض التي هي

(1/389)


خلجان من البحر المحيط الاعظم بجميع الارض حتى ان المكشوف من الارض والجبال والمدن بالنسبة الى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقية الارض مغمورة بالماء ولولا امساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الارض وعلاها كلها هذا طبع الماء وهذا حار عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الارض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وإن يغمره ولم يجدوا ما يحيلون عليه ذلك إلا الاعتراف بالعناية الازلية والحكمة الالهية التي اقتضت ذلك العيش الحيوان الارضي في الارض وهذا حق ولكنه يوجب الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله ولا محيص عنه وفي مسند الامام احمد عن النبي انه قال ما من يوم الا والبحر يستأذن ربه ان يغرق بني آدم وهذا احدالاقوال في قوله عز وجل والبحر المسجور انه المحبوس حكاه ابن عطية وغيره قالوا ومنه ساجور الكلب وهي القلادة من عود او حديد التي تمسكه وكذلك لولا ان الله يحبس البحر ويمسكه لفاض على الارض فالارض في البحر كبيت في جملة الارض واذا تأملت عجائب البحر وما فيه من الحيوانات على اختلاف اجناسها وأشكالها ومقاديرها ومنافعها ومضارها وألوانها حتى ان فيها حيوانا امثال الجبال لا يقوم له شيء وحتى ان فيه من الحيوانات ما يرى ظهورها فيظن انها جزيرة فينزل الركاب عليها فتحس بالنار إذا اوقدت فتتحرك فيعلم انه حيوان وما من صنف من اصناف حيوان البر إلا وفي البحر امثاله حتى الانسان والفرس والبعير واصنافها وفيه اجناس لا يعهد لها نظير في البر اصلا هذا مع ما فيه من الجواهر واللؤلؤ والمرجان فترى اللؤلؤة كيف اودعت في كن كالبيت لها وهي الصدفة تكنها وتحفظها ومنه اللؤلؤ المكنون وهو الذي في صدفه لم تمسه الايدي وتأمل كيف نبت المرجان في قعره في الصخرة الصماء تحت الماء على هيئة الشجر هذا مع ما فيه من العنبر واصناف النفائش

(1/390)


التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر الى عجائب السفن وسيرها في البحر تشقه وتمخره بلا قائد يقودها ولا سائق يسوقها وإنما قائدها وسائقها الرياح التي يسخرها الله لاجرائها فإذا حبس عنها القائد والسائق ظلت راكدة على وجه الماء قال الله تعالى ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لايات لكل صبار شكور وقال الله تعالى الله الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون فما اعظمها من آية وابينها من دلالة ولهذا يكرر سبحانه ذكرها في كتابه كثيرا وبالجملة فعجائب البحر وآياته اعظم وأكثر من ان يحصيها الا الله سبحانه وقال الله تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها اذن واعية فصل ومن آياته سبحانه خلق الحيوان على اختلاف صفاته واجناسه

(1/391)


واشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي على رجليه ومنه الماشي على اربع ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب ومنه ما سلاحه الاسنان ومنه ما سلاحه الصياصي وهي القرون يدافع بها عن نفسه من يروم اخذه ومنه ما اعطى منها قوة يدفع بها عن نفسه لم يحتج الى سلاح كالاسد فإن سلاحه قوته ومنه ما سلاحه في ذرقه وهو نوع من الطير إذا دنا منه من يريد اخذه ذرق عليه فأهلكه ونحن نذكر هنا فصولا منثورة من هذا الباب مختصرة وإن تضمنت بعض التكرار وترك الترتيب في هذا المقام الذي هو من اهم فصول الكتاب بل هو لب هذا القسم الاول ولهذا يكرر في القرآن ذكر آياته ويعيدها ويبديها ويأمر عباده بالنظر فيها مرة بعد أخرى فهو من اجل مقاصد القرآن قال الله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والارض وقال تعالى إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب وقال تعالى افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الارض كيف سطحت وقال الله تعالى اولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وقال تعالى ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فاتى تؤفكون فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يفقهون وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات

(1/392)


كل شيء فأخرجنا منه خضرا فنخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره إذا اثمر وينعه فأمر سبحانه بالنظر اليه وقت خروجه وإثماره ووقت نضجه وإدراكه يقال اينعت الثمار إذا نضجت وطابت لان في خروجه من بين الحطب والورق آية باهرة وقدرة بالغة ثم في خروجه من حدالعفوصة واليبوسة والمرارة والحموضة الى ذلك اللون المشرق الناصع والطعم الحلو اللذيذ الشهي لايات لقوم يؤمنون وقال بعض السلف حق على الناس ان يخرجوا وقت إدراك الثمار وينعها فينظروا اليها ثم تلي انظروا الى ثمره إذا اثمر وينعه ولو اردنا نستوعب ما في آيات الله المشهورة من العجائب والدلالات الشاهدة لله بان الله الذي لا إله إلا هو الذي ليس كمثله شيء وإنه الذي لا أعظم منه ولا أكمل منه ولا ابر ولا ألطف لعجزنا نحن والاولون والاخرون عن معرفة أدنى عشر معشار ذلك ولكن مالا يدرك جميعه لا ينبغي ترك التنبيه على بعض ما يستدل به على ذلك وهذا حين الشروع في الفصول فصل تامل العبرة في موضع هذا العالم وتاليف أجزائه ونظمها على احسن

(1/393)


نظام وأدلة على كمال قدرة خالقه وكمال علمه وكمال حكمته وكمال لطفه فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج اليه فالسماء سقفه المرفوع عليه والارض مهاد وبساط وفراش ومستقر للساكن والشمس والقمر سرجان يزهران فيه والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمنتقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادنمخزونة فيه كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأ لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة لمصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والامتعة والالات ومنها الحرس الذي وكل بحرس الانسان يحرسه وهو نائم وقاعد مما هو مستعد لاهلاكه وأذاه فلولا ما سلط عليه من ضده لم يقر للانسان قرار بينهم وجعل الانسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه المتصرف بفعله وأمره ففي هذا اعظم دلالة واوضحها على ان العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم قدره احسن تقدير ونظمه احسن نظام وان الخالق له يستحيل ان يكون اثنين بل الاله واحد لا إله إلا هو تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وإنه لو كان في السموات والارض إله غير الله لفسد امرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما وإذا كان البدن يستحيل ان يكون المدبر له روحان متكافئان متساويان ولو كان كذلك لفسد وهلك مع إمكان ان يكون تحت قهر ثالث هذا من المحال في اوائل العقول وبداية الفطر فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ما اتخذ الله من ولدوما كان معه من اله إذا لذهب

(1/394)


كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون فهذان برهانان يعجز الاولون والاخرون ان يقدحوا فيهما بقدح صحيح او ياتوا بأحسن منهما ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهما ولولا خشية الاطالة لذكرنا تقديرهما وبيان ما تضمناه من السر العجيب والبرهان الباهر وسنفرد إن شاء الله كتاب مستقلا لادلة التوحيد فصل فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من اعظم الايات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها بحيث لا تصعد علوا كالنار ولا تهبط نازلة كالاجسام الثقيلة ولا عمد تحتها وعلاقة فوقها بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والارض ان تزولا ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو احسن الالوان واشدها موافقة للبصر وتقوية له حتى ان من اصابه شيء اضر ببصره يؤمر بادمان النظر الى الخضرة وما قرب منها الى السواد وقال الاطباء ان من كل بصره فإنه من دوائه ان يديم الاطلاع الى اجانة خضراء مملؤءة ماء فتأمل كيف جعل اديم السماء بهذا اللون ليمسك الابصار المتقلبة فيه ولا ينكأ فيها بطول مباشرتها له هذا بعض فوائد هذا اللون والحكمة فيه اضعاف ذلك فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لاقامة دولتي

(1/395)


الليل والنهار ولولا طلوعهما لبطل امر العالم وكيف كان الناس يسعون في معائشهم ويتصرفون في امورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور ثم تأمل الحكمة في غروبهما فإنه لولا غروبهما لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع فرط الحاجة الى السبات وجموم الحواس وانبعاث القوى الباطنة وظهور سلطانها في النوم المعين على هضم الطعام وتنفيذ الغذاء الى الاعضاء ثم لولا الغروب لكانت الارض تحمي بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان ونبات فصارت تطلع وقتا بمنزلة السراج يرفع لاهل البيت ليقضوا حوائجهم ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدؤا وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحر هذا مع برد هذا مع تضادهما متعاونين متظاهرين بهما تمام مصالح العالم وقد اشار تعالى الى هذا المعنى ونبه عباده عليه بقوله عز وجل قل ارأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار

(1/396)


سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون  خص سبحانه النهار بذكر البصر لانه محله وفيه سلطان البصر وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لان سلطان السمع يكون بالليل وتسمع فيه الحيوانات مالا تسمع في النهار لانه وقت هدوء الاصوات وخمود الحركات وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر والنهار بالعكس فيه قوة سلطان البصر وضعف سلطان السمع فقوله افلا تسمعون راجع إلى قوله قل ارايتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من اله غير الله يأتيكم بضياء به وقوله أفلا تبصرون راجع الى قوله قل أرايتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الى يوم القيامة وقال تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ان يذكر او أراد شكورا فذكر تعالى خلق الليل والنهار وإنهما خلفة أي يخلف احدهما الاخر لا يجتمع معه ولو اجتمع معه لفاتت المصلحة بتعاقبهما واختلافهما وهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار كون كل واحد منهما يخلف الاخر لا يجامعه ولا يحاذيه بل يغشى احدهما صاحبه فيطلبه حثيثا حتىيزيله عن سلطانه ثم يجيء الاخر عقيبه فيطلبه حثيثا حتى يهزمه ويزيله عن سلطانه فهما دائما يتطالبان ولا يدرك احدهما صاحبه

فصل ثم تأمل بعد ذلك احوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لاقامة

(1/397)


هذه الازمنة والفصول وما فيها من المصالح والحكم إذ لو كان الزمان كله فصلا واحدا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه فلو كان صيفا كله لفاتت منافع مصالح الشتاء ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف وكذلك لو كان ربيعا كله او خريفا كله ففي الشتاء تغور الحرارة في الاجواف وبطون الارض والجبال فتتولد مواد الثمار وغيرها وتبرد الظواهر ويستكثف فيه الهواء فيحصل السحاب والمطر والثلج والبرد الذي به حياة الارض وأهلها واشتداد أبدان الحيوان وقوتها وتزايد القوى الطبيعية واستخلاف ما حللته حرارة الصيف من الابدان وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيظهر النبات ويتنور الشجر بالزهر ويتحرك الحيوان للتناسل وفي الصيف يحتد الهواء ويسخن جدا فتنضج الثمار وتنحل فضلات الابدان والاخلاط التي انعقدت في الشتاء وتغور البرودة وتهرب الى الاجواف ولهذا تبرد العيون والابار ولا تهضم المعدة الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء من الاطعمة الغليظة لانها كانت تهضمها بالحرارة التي سكنت في البطون فلما جاء الصيف خرجت الحرارة الى ظاهر الجسد وغارت البرودة فيه فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان وصفا الهواء وبرد فانكسر ذلك السموم وجعله الله بحكمته برزخا بين سموم الصيف وبرد الشتاء لئلا يتنقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد الى البرد الشديد فيجد اذاه ويعظم ضرره فإذا انتقل اليه بتدريج وترتب لم يصعب عليه فإنه عند كل جزء يستعد لقبول ما هو اشد منه حتى تأتي جمرة البرد بعد استعداد وقبول حكمة بالغة وآية باهرة وكذلك الربيع برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا الى حر هذا بتدريج وترتيب فتبارك الله رب العالمين واحسن الخالقين فصل ثم تأمل حال الشمس والقمر وما اودعاه من النور والاضاءة وكيف

(1/398)


جعل لهما بروجا ومنازل ينزلانها مرحلة بعد مرحلة لاقامة دولة السنة وتمام مصالح حساب العالم الذي لا غناء لهم في مصالحهم عنه فبذلك يعلم حساب الاعمار والاجال المؤجلة للديون والاجارات والمعاملات والعدد وغير ذلك فلولا حلوك الشمس والقمر في تلك المنازل وتنقلهما فيها منزلة بعدمنزلة لم يعلم شيء من ذلك وقد نبه تعالى على هذا في غير موضع من كتابه كقوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك الا بالحق يفصل الايات لقوم يعلمون وقال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب فصل ثم تأمل الحكمة في طلوع الشمس على العالم كيف قدره العزيز العليم سبحانه فإنها لو كانت تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها الى كثير من الجهات لان ظل احد جوانب كرة الارض يحجبها عن الجانب الاخر وكان يكون الليل دائما سرمدا على من لم تطلع عليهم والنهار سرمدا على من هي طالعة عليهم فيفسد هؤلاء وهؤلاء فاقتضت الحكمة الالهية والعناية الربانية ان قدر طلوعها من اول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من الافق الغربي ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي الى الغرب فتشرق على ما استتر عنها في اول النهار فيختلف عندهم الليل والنهار فتنتظم مصالحهم فصل ثم تأمل الحكمة في مقادير الليل والنهار تجدها على غاية

(1/399)


المصلحة والحكمة وان مقدار اليوم والليلة لو زاد على ما قدر عليه او نقص لفاتت المصلحة واختلفت الحكمة بذلك بل جعل مكيالها اربعة وعشرين ساعة وجعلا يتقارضان الزيادة والنقصان بينهما فما يزيد في احدهما من الاخر يعود الاخر فيسترده منه قال الله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وفيه قولان احدهما ان المعنى يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك وضياء هذا في مكان ظلمة الاخر فيدخل كل واحد منهما في موضع صاحبه وعلى هذا فهي عامة في كل ليل ونهار والقول الثاني انه يزيد في احدهما ما ينقصه من الاخر فما ينقص منه يلج في الاخر لا يذهب جملة وعلى هذا فالاية خاصة ببعض ساعات كل من الليل والنهار في غير زمن الاعتدال فهي خاصة في الزمان وفي مقدار ما يلج في احدهما من الاخر وهو في الاقاليم المعتدلة غاية ما تنتهي الزيادة خمس عشرة ساعة فيصير الاخر تسع ساعات فإذا زاد على ذلك انحرف ذلك الاقليم في الحرارة او البرودة الى ان ينتهي الى حد لايسكنه الانسان ولا يتكون فيه النبات وكل موضع لا تقع عليه الشمس لا يعيش فيه حيوان ولا نبات لفرط برده ويبسه وكل موضع لاتفارقه كذلك لفرط حره ويبسه والمواضع التي يعيش فيها الحيوان والنبات هي التي تطلع عليها الشمس وتغيب وأعدلها المواضع التي تتعاقب عليها الفصول الاربعة ويكون فيها اعتدالان خريفين وربيعين فصل ثم تأمل إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل والحكمة في ذلك

(1/400)


فإن الله تعالى اقتضت حكمته خلق الظلمة لهدو الحيوان وبرد الهواء على الابدان والنبات فتعادل حرارة الشمس فيقوم النبات والحيوان فلما كان ذلك مقتضى حكمته شاب الليل بشيء من الانوار ولم يجعله ظلمة داجية حندسا لا ضوء فيه اصلا فكان لا يتمكن الحيوان فيه من شيء من الحركة ولا لأعمال ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل الى حركة ومسير وعمل لايتهيأ له بالنهار لضيق النهار او لشدة الحر او لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان جعل في الليل من اضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه اعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك من اعمال اهل الحروث والزروع فجعل ضوء القمر بالليل معونة للحيوان على هذه الحركات وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض مع نقص ضوئه عن الشمس لئلا يستوى الليل والنهار فتفوت حكمة الاختلاف بينهما والتفاوت الذي قدره العزيز العليم فتأمل الحكمة البالغة والتقدير العجيب الذي اقتضى ان اعان الحيوان على دولة الظلام بجند من النور يستعين به على هذه الدولة المظلمة ولم يجعل الدولة كلها ظلمة صرفا بل ظلمة مشوبة بنور رحمة منه وإحسانا فسبحان من اتقن ما صنع واحسن كل شيء خلقه فصل ثم تأمل حكمته تبارك وتعالى في هذه النجوم وكثرتها وعجيب خلقها وأنها زينة للسماء وأدلة يهتدي بها في طرق البر والبحر وما جعل فيها من الضوء والنور بحيث

(1/401)


يمكننا رؤيتها مع البعد المفرط ولولا ذلك لم يحصل لنا الاهتداء والدلالة ومعرفة المواقيت ثم تأمل تسخيرها منقادة بامر ربها تبارك وتعالى جارية على سنن واحد اقتضتحكمته وعلمه ان لا تخرج عنه فجعل منها البروج والمنازل والثوابت والسيارة والكبار والصغار والمتوسط والابيض الازهر والابيض الاحمر ومنها ما يخفى على الناظر فلا يدركه وجعل منطقة البروج قسمين مرتفعة ومنخفضة وقدر سيرها تقديرا واحدا ونزل الشمس والقمر والسيارات منها منازلها فمنها ما يقطعها في شهر واحد وهو القمر ومنها ما يقطعها في عام ومنها ما يقطعها في عدة اعوام كل ذلك موجب الحكمة والعناية وجعل ذلك اسباب لما يحدثه سبحانه في هذا العالم فيستدل بها الناس على تلك الحوادث التي تقارنها كمعرفتهم بما يكون مع طلوع الثريا إذا طلعت وغروبها إذا سقطت من الحوادث التي تقارنها وكذلك غيرها من المنازل والسيارات ثم تأمل جعله سبحانه بنات نعش وما قرب منها ظاهرة لا تغيب لقربها من المركز ولما في ذلك من الحكمة الالهية وانها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر فهم ينظرون اليها وإلى الجدي والفرقدين كل وقت ارادوا فيهتدون بها حيث شاؤا فصل ثم تأمل اختلاف سير الكواكب وما فيه من العجائب كيف تجد بعضها لا

(1/402)


يسير إلا مع رفقته لا يفرد عنهم سيره ابدا بل لا يسيرون الا جميعا وبعضها يسير سيرا مطلقا غير مقيد برفيق ولا صاحب بل إذا اتفق له مصاحبته في منزل وافقه فيه ليلة وفارقه الليلة الاخرى فبينا تراه ورفيقه وقرينه إذ رايتهما مفترقين متابعدين كأنهما لم يتصاحبا قط وهذه السيارة لها في سيرها سيران مختلفان غاية الاختلاف سير عام يسير بها فلكها وسير خاص تسير هي في فلكها كما شبهوا ذلك بنملة تدب على رحى ذات الشمال والرحى تأخذ ذات اليمين فللنملة في ذلك حركتان مختلفتان الى جهتين متاينتين احداهما بنفسها والاخرى مكرهة عليها تبعا للرحى تجذبها الى غير جهة مقصدها وبذلك يجعل التقديم فيها كل منزلة الى جهة الشرق ثم يسير فلكها وبمنزلتها الى جهة الغرب فسل الزنادقة والمعطلة أي طبيعة اقتضت هذا واي فلك اوجبه وهلا كانت كلها راتبه او منتقلة او على مقدار واحد وشكل واحد وحركة واحدة وجريان واحد وهل هذا الا صنع من بهرت العقول حكمته وشهدت مصنوعاته ومتبدعاته بانه الخالق البارئ المصور الذي ليس كمثله شيء احسن كل شيء خلقه واتقن كل ما صنعه وانه العليم الحكيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى وان هذه احدى آياته الدالة عليه وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها اليه وأنه خلق مسخر مربوب مدبر ان ربكم الله الذي خلق السموات

(1/403)


والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين فإن قلت فما الحكمة في كون بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا قيل إنها لوكانت كلها راتبة لبطلت الدلالة والحكم التي نشأت من تنقلها في منازلها ومسيرها في بروجها ولو كانت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف بها ولا رسم يقاس عليها لانه إنما يقاس مسير المتنقلة منها بالراتب كما يقاس مسير السائرين على الارض بالمنازل التي يمرون عليها فلو كانت كلها بحال واحدة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم والفوائد والدلالات التي في اختلافها ولتشبث المعطل بذلك وقال لو كان فاعلها ومبدعها مختارا لم تكن على وجه واحد وأمر واحد وقدر واحد فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من ادل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته فصل ثم تامل هذا الفلك الدوار بشمسه وقمره ونجومه وبروجه وكيف يدور

(1/404)


على هذا العالم هذا الدوران الدائم الى آخر الاجل على هذا الترتيب والنظام وما في طي ذلك من اختلاف الليل والنهار والفصول والحر والبرد وما في ضمن ذلك من مصالح ما على الارض من اصناف الحيوان والنبات وهل يخفى على ذي بصيرة ان هذا ابداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم ولهذا خاطب الرسل امتهم مخاطبة من لا شك عنده في الله وإنما دعوهم الى عبادته وحده لا ألى الاقرار به فقالت لهم أفي الله شك فاطر السموات والارض فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته اظهر من كل شيء على الاطلاق فهو اظهر للبصائر من الشمس للابصار وابين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجدوده فما ينكره الا مكابر بلسانه وقلبه وعقله وفطرته وكلها تكذبه قال تعالى الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون وفي الارض قطع متجاورات الاية وقال تعالى ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات للمؤمنين وفي خلقكم واما يبث من دابة إلى قوله وآياته يؤمنون وقال تعالى خلق السموات بغير عمد ترونها والقى في الارض رواسي ان تميد بكم وبث فيها من كل دابة الى قوله في ضلال مبين وقال تعالى خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون الى قوله افمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وتأمل كيف وحد سبحانه الاية من قوله هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب الى آخرها وختمها باصحاب الفكرة فاما

(1/405)


توحيد الاية فلأن موضع الدلالة واحد وهو الماء الذي انزله من السماء فاخرج به كلما ذكره من الارض وهو على اختلاف انواعه لقاحه واحد وأمه واحدة فهذا نوع واحد من آياته وأما تخصيصه ذلك بأهل الفكر فلأن هذه المخلوقات التي ذكرها من الماء موضع فكر وهو نظر القلب وتامله لا موضع نظر مجرد بالعين فلا ينتفع الناظر بمجرد رؤية العين حتى ينتقل منه الى نظر القلب في حكمة ذلك وبديع صنعه والاستدلال به على خالقه وباريه وذلك هو الفكر بعينه واما قوله تعالى في الاية التي بعدها ان في ذلك لايات لقوم يعقلون فجمع الايات لانها تضمنت الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وهي آيات متعددة مختلفة في انفسها وخلقها وكيفياتها فإن إظلام الجو لغروب الشمس ومجيء الليل الذي يلبس العالم كالثوب ويسكنون تحته آية باهرة ثم ورد جيش الضياء يقدمه بشير الصباح فينهزم عسكر الظلام وينتشر الحيوان وينكشط ذلك اللباس بجملته آية اخرى ثم في الشمس التي هي آية النهار آية أخرى وفي القمر الذي هو آية الليل آية اخرى وفي النجوم آيات أخر كما قدمناه هذا مع ما يتبعها من الايات المقارنة لها من الرياح واختلافها وسائر ما يحدثه الله بسببها آيات أخر فالموضع موضع جمع وخص هذه الايات بأهل العقل لانها اعظم مما قبلها وأدل وأكبر والاولى كالباب لهذه فمن استدل بهذه الايات واعطاها حقها من الدلالة استحق من الوصف ما يستحقه صاحب الفكر وهو العقل ولأن منزله المنزلة العقل بعد منزلة الفكر فلما دلهم بالاية الاولى على الفكر نقلهم بالاية الثانية التي هي اعظم منها الى العقل الذي هو فوق الفكر فتأمله فأما قوله في الاية الثالثة إن في ذلك لاية لقوم يذكرون فوحد الاية وخصها بأهل التذكر فأما توحيدها فكتوحيد الاولى سواء فإن ما ذرأ في الارض على اختلافه من الجواهر والنبات والمعادن والحيوان كله في محل واحد فهو نوع من انواع آياته وإن تعددت أصنافه وانواعه واما تخصيصه اياها بأهل

(1/406)


التذكر فطريقة القرآن في ذلك ان يجعل آياته للتبصر والتذكر كما قال تعالى في سورة ق والارض مددناها والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب فالتبصرة التعقل والتذكرة التذكر والفكر باب ذلك ومدخله فإذا فكر تبصر وإذا تبصر تذكر فجاء التذكير في الاية لترتيبه على العقل المرتب على الفكر فقدم الفكر إذ هو الباب والمدخل ووسط العقل إذ هو ثمرة الفكر ونتيجته وأخر التذكر إذ هو المطلوب من الفكر والعقل فتأمل ذلك حق التأمل فإن قلت فما الفرق بين التذكر والتفكر فإذا تبين الفرق ظهرت الفائدة قلت التفكر والتذكر اصل الهدى والفلاح وهما قطبا السعادة ولهذا وسعنا الكلام في التفكر في هذا الوجه لعظم المنفعة وشدة الحاجة اليه قال الحسن ما زال اهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها اسماع وابصار فاعلم ان التفكر طلب القلب ما ليس بحاصل من العلوم من امر هو حاصل

(1/407)


منها هذا حقيقته فإنه لو لم يكن ثم مراد يكون موردا للفكر استحال الفكر لان الفكر بغير متعلق متفكر فيه محال وتلك المواد هي الامور الحاصلة ولو كان المطلوب بها حاصلا عنده لم يتفكر فيه فإذا عرف هذا فالمتفكر ينتقل من المقدمات والمبادي التي عنده الى المطلوب الذي يريده فإذا ظفر به وتحصل له تذكر به وابصر مواقع الفعل والترك وما ينبغي ايثاره وما ينبغي اجتنابه فالتذكر هو مقصود التفكر وثمرته فإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصلا عنده فهو لا يزال يكرر بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره ما دام عاقلا لان العلم والارادة لا يقفان على حد بل هو دائما سائر بن العلم والارادة وإذا عرفت معنى كون آيات الرب تبارك وتعالى تبصرة وذكرى يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته فان المضاد للعلم اما عمى القلب وزواله بالتبصر وإما غفلته وزواله بالتذكر والمقصود تنبيه القلب من رقدته بالاشارة الى شيء من بعض آيات الله ولو ذهبنا نتتبع ذلك لنفذ الزمان ولم نحط بتفصيل واحدة من آياته على التمام ولكن مالا يدرك جملة لا يترك جملة واحسن ما انفقت فيه الانفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه والانتقال منها الى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته فلذلك عقدنا هذه الكتاب على هذين الاصلين إذ هما افضل ما يكتسبه العبد في هذه الدار فصل فسل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر قد احكمت

(1/408)


آلاته وأحكم تركيبه وقدرت ادواته احسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللا في مادته ولا في صورته وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل انواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام اترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان وما الذي يفتيك به وما الذي يرشدك اليه ولكن من حكمة العزيز الحكيم ان خلق قلوبا عميا لا بصائر لها فلا ترى هذه الايات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية كما خلق اعينا لا أبصار لها والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره وهي لا تراها فما ذنبها ان انكرتها وجحدتها فهي تقول في ضوء النهار هذا ليل ولكن اصحاب الاعين لا يعرفون شيئا ولقد احسن القائل وهبني قلت هذا الصبح ليل ايعمى العالمون عن الضياء فصل ثم تأمل الممسك للسموات والارض الحافظ لهما ان تزولا او تقعا او يتعطل بعض ما فيهما افترى من الممسك لذلك ومن القيم بأمره ومن المقيم له فلو تعطل بعض آلات هذا الدولاب العظيم والحديقة العظيمة من كان يصلحه وماذا كان عند الخلق كلهم من الحيلة في رده كما كان فلو امسك عنهم قيم السموات والارض الشمس فجعل عليهم الليل سرمدا من الذي كان يطلعها عليهم ويأتيهم بالنهار ولو حبسها في الافق ولم يسيرها فمن ذا الذي كان يسيرها وياتيهم بالليل ولو ان السماء والارض زالتا فمن ذا الذي كان يمسكها من بعده فصل ثم تأمل هذه الحكمة البالغة في الحر والبرد وقيام الحيوان

(1/409)


والنبات عليهما وفكر في دخول احدهما على الاخر بالتدريح والمهلة حتى يبلغ نهايته ولو دخل عليه مفاجاة الأضر ذلك بالابدان وأهلكها وبالنبات كما لو خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة الى مكان مفرط في البرودة ولولا العناية والحكمةوالرحمة والاحسان لما كان ذلك فإن قلت هذا التدريج والمهلة إنما كان لابطاء سير الشمس في ارتفاعها وانخفاضها قيل لك فما السبب في ذلك الانخفاض والارتفاع فإن قلت السبب في ذلك بعدالمسافة من مشارقها ومغاربها قيل لك فما السبب في بعد المسافة ولا تزال المسالة متوجهة عليك كما عينت سببا حتى تفضي بك الى احد امرين إما مكابرة ظاهرة ودعوى ان ذلك اتفاق من غير مدبر ولا صانع وإما الاعتراف برب العالمين والاقرار بقيوم السموات والارضين والدخول في زمرة اولى العقل من العالمين ولن تجد بين القسمين واسطة ابدا فلا تتعب ذهنك بهذيانات الملحدين فانها عند من عرفها من هوس الشياطين وخيالات المبطلين وإذا طلع فجر الهدى واشرقت النبوة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين والله متم نوره ولو كره الكافرون فصل ثم تأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه من الكمون والظهور فانها لو كانت ظاهرة ابدا كالماء والهواء كانت تحرق العالم وتنتشر ويعظم الضرر بها والمفسدة ولو كانت كامنة لا تظهر ابدا لفاتت المصالح المترتبة على وجودها فاقتضت حكمة العزيز العليم ان جعلها مخزونة في الاجسام يخرجها ويبقيها الرجل عند حاجته اليها فيمسكها ويحبسها بمادة يجعلها فيها من الحطب ونحوه فلا يزال حابسها ما احتاج الى بقائها فإذا استغنى عنها وترك حبسها بالمادة خبت باذن ربها وفاطرها فسقطت المؤنة والمضرة ببقائها فسبحان من سخرها وانشأها على تقدير محكم عجيب اجتمع فيه الاستمتاع والانتفاع

(1/410)


والسلامة من الضرر قال تعالى أفرايتم النار التي تورون الى قوله فسبح باسم ربك العظيم فسبحان ربنا العظيم لقد تعرف الينا بآياته وشفانا ببيناته واغنانا بها عن دلالات العالمين فاخبر سبحانه انه جعلها تذكرة بنار الاخرة فنستجير منها ونهرب اليه منها ومتاعا للمقوين وهم المسافرون النازلون بالقواء والقواء هي الارض الخالية وهم احوج الى الانتفاع بالنار للاضاءة والطبخ والخبز والتدفي والانس وغير ذلك فصل ثم تأمل حكمته تعالى في كونه خص بها الانسان دون غيره من الحيوانات فلا حاجة بالحيوان اليها بخلاف الانسان فإنه لو فقدها لعظم الداخل عليه في معاشه ومصالحه وغيره من الحيوانات لا يستعملها ولايتمتع بها وننبه من مصالح النار على خلة صغيرة القدر عظيمة النفع وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به من حوائجهم ما شاؤا من ليلهم ولو هذه الخلة لكان الناس نصف اعمارهم بمنزلة اصحاب القبور فمن كان يستطيع كتابة او خياطة او صناعة او تصرفا في ظلمة الليل الداجي وكيف كانت تكون حال من عرض له وجع في وقت من الليل فاحتاج الى ضياء او دواء او استخراج دم او غير ذلك ثم انظر الى ذلك النور المحمول في ذبالة المصباح على صغر جوهره كيف يضيء ما حولك كله فترى به القريب والبعيد ثم انظر الى انه لو اقتبس منه كل من يفرض او يقدر من خلق الله كيف لا يفنى ولا ينفذ ولا يضعف وأما منافع النار في انضاج الاطعمة والادوية وتجفيف مالا ينتفع الا بجفافه وتحليل مالا ينتفع الا بتلحيله وعقد مالا ينتفع الا بعقده وتركيبه فأكثر من ان يحصى ثم تأمل ما اعطيته النار من الحركة الصاعدة بطبعها الى العلو فلولا المادة تمسكها لذهبت صاعدة كما ان الجسم الثقيل لولا الممسك يمسكه لذهب نازلا فمن اعطى هذا القوة التي يطلب بها الهبوط الى مستقره واعطى هذه القوة التي تطلب بها الصعود الى مستقرها وهل ذلك الا بتقدير العزيز العليم

(1/411)


فصل ثم تامل هذا الهواء وما فيه من المصالح فإنه حياة هذه الابدان والممسك لها من داخل بما تستنشق منه ومن خارج بما تباشر به من روحه فتتغذى به ظاهرا وباطنا وفيه تطرد هذه الاصوات فتحملها وتؤديها للقريب والبعيد كالبريد والرسول الذي شأنه حمل الاخبار والرسائل وهو الحامل لهذه الروائح على اختلافها ينقلها من موضع الى موضع فتأتي العبد الرائحة من حيث تهب الريح وكذلك تأتيه الاصوات وهو ايضا الحامل للحر والبرد اللذين بهما صلاح الحيوان والنبات وتأمل منفعة الريح وما يجري له في البر والبحر وما هيئت له من الرحمة

(1/412)


والعذاب وتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى امطر فسخرت له المثيرة اولا فتثيره بين السماء والارض ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه ثم يجتمع بعضها الى بعض فيصير طبقا واحدا ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الانثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه الى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك ثم سخرت له بعد اعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيما وكذلك الرياح التي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر ومن منافعها انها تبرد الماء وتضرم النار التي يراد اضرامها وتجفف الاشياء التي يحتاج الى جفافها وبالجملة فحياة ما على الارض من نبات وحيوان بالرياح فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت المطاعم وأنتن العالم وفسد الا ترى اذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس واسقم الحيوان وامرض الاصحاء وانهك المرضى وافسد الثمار وعفن الزرع واحدث الوباء في الجو فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته كما قال النبي في الرياح إنها من روح الله تأتي بالرحمة وتنبه للطيفة في هذا الهواء وهي ان الصوت اثر يحدث عند اصطكاك الاجرام وليس نفس الاصطكاك كما قال ذلك من قاله ولكنه موجب الاصطكاك وقرع الجسم للجسم او قلعة عنه فسببه قرع او قلع فيحدث الصوت فيحمله الهواء ويؤديه الى ما مع الناس فينتفعون به في حوائجهم ومعاملاتهم بالليل والنهار وتحدث الاصوات العظيمة من حركاتهم فلو كان اثر هذه الحركات والاصوات يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه ولعظم الضرر به واشتدت مؤنته واحتاج الناس الى محوه من

(1/413)


الهواء والاستبدال به اعظم من حاجتهم الى استبدال الكتاب المملوء كتابة فان ما يلقى من الكلام في الهواء اضعاف ما يوضع في القرطاس فاقتضت حكمة العزيز الحكيم ان جعل هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام بقدر ما يبلغ الحاجة ثم يمحي باذن ربه فيعود جديدا نقيا لا شيء فيه فيحمل ما حمل كل وقت فصل ثم تأمل خلق الارض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة لتكون مهادا ومستقرا للحيوان والنبات والامتعة ويتمكن الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوهم والتمكن من اعمالهم ولو كان رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قرارا ولا هدوا ولا ثبت لهم عليها بناء ولا امكنهم عليها صناعة

(1/414)


ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة وكيف كانوا يتهنون بالعيش والارض ترتج من تحته واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف تصيرهم الى ترك منازلهم والهرب عنها وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله والقى في الارض رواسي ان تميد بكم وقوله تعالى الله الذي جعل لكم الارض قرارا وقوله الله الذي جعل لكم الارض مهدا وفي القراءة الاخرى مهادا وفي جامع الترمذي وغيره من حديث انس بن مالك عن النبي قال لما خلق الله الارض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال فقالوا يا رب هل من خلقك شيء اشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا يا رب فهل من خلقك شيء اشد من النار قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شيء اشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله ثم تأمل الحكمة البالغة في ليونة الارض مع يبسها فانها لو افرطت في اللين كالطين لم يستقر عليها بناء ولا حيوان ولا تمكنا من الانتفاع بها ولو افرطت في اليبس كالحجر لم يمكن حرثها ولا زرعها ولا شقها وفلحها ولا حفر عيونها ولا البناء عليها فنقصت عن يبس الحجارة وزادت على ليونة الطين فجاءت بتقدير فاطرها على احسن ما جاء عليه مهاد للحيوان من الاعتدال بين اللين واليبوسة فتهيأ عليها جميع المصالح فصل ثم تأمل تأمل الحكمة البالغة في ان جعل مهب الشمال عليها ارفع

(1/415)


من مهب الجنوب وحكمة ذلك ان تتحدر المياه على وجه الارض فتسقيها وترويها ثم تفيض فتصب في البحر فكما ان الباني إذا رفع سطحا رفع احد جانبيه وخفض الاخر ليكون مصبا للماء ولو جعله مستويا لقام عليه الماء فافسده كذلك جعل مهب الشمال في كل بلد ارفع من مهب الجنوب ولولا ذلك لبقي الماء واقفا على وجه الارض فمنع الناس من العمل والانتفاع وقطع الطرق والمسالك واضر بالخلق افيحسن عند من له مسكة من عقل ان يقول هذا كله اتفاق من غير تدبير العزيز الحكيم الذي اتقن كل شيء فصل ثم تأمل الحكمة العجيبة في الجبال الذي يحسبها الجاهل الغافل فضلة في الارض لا حاجة اليها وفيها من المنافع مالا يحصيه الا خالقها وناصبها وفي حديث إسلام ضمام بن ثعلبة قوله للنبي بالذي نصب الجبال واودع فيها المنافع آلله امرك بكذا وكذا قال اللهم نعم فمن منافعها ان الثلج يسقط عليها فيبقى في قللها حاصلا لشراب الناس الى حين نقاذه وجعل

(1/416)


فيها ليذوب اولا فأولا فتجيء منه السيول الغزيرة وتسيل منه الانهار والاودية فينبت في المروج والوهاد والربا ضروب النبات والفواكه والادوية التي لا يكون مثلها في السهل والرمل فلولا الجبال لسقط الثلج على وجه الارض فانحل جملة وساح دفعة فعدم وقت الحاجة اليه وكان في انحلاله جملة السيول التي تهلك ما مرت عليه فيضر بالناس ضررا لا يمكن تلافيه ولا دفعه لاذيته من منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي منزلة الحصون والقلاع وهي ايضا اكنان للناس والحيوان ومن منافعها ما ينحت من احجارها للأبينة على اختلاف اصنافها والارحية وغيرها ومن منافعها ما يوجد فيها من المعادن على اختلاف اصنافها من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزبرجد والزمرد واضعاف ذلك من انواع المعادن الذي يعجز البشر عن معرفتها على التفصيل حتى ان فيها ما يكون الشيء اليسير منه تزيد قيمته ومنفعته على قيمة الذهب باضعاف مضاعفة وفيها من المنافع مالا يعلمه الا فاطرها ومبدعها سبحانه ومن منافعها ايضا انها ترد الرياح العاصفة وتكسر حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها ولهذا فالساكنون تحتها في امان من الرياح العظام المؤذية ومن منافعها ايضا انها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال ولولاها خربت السيول في مجاريها ما مرت به فتكون لهم بمنزلة السد والسكن ومن منافعها انها أعلام يستدل بها في الطرقات فهي منزلة الادلة المنصوبة المرشدة الى الطرق ولهذا سماها الله أعلاما فقال ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام فالجواري هي السفن والاعلام الجبال واحدها علم قالت الخنساء وأن صخرا لتأتم الهداة به كانه علم في راسه نار فسمى الجبل علما من العلامة والظهور ومن منافعها ايضا ما ينبت فيها من العقاقير والادوية التي لا تكون في السهول والرمال كما ان ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله في الجبال وفي كل

(1/417)


من هذا وهذا منافع وحكم لا يحيط به الا الخلاق العليم ومن منافعها انها تكون حصونا من الاعداء يتحرز فيها عباد الله من اعدائهم كما يتحصنون بالقلاع بل تكون أبلغ وأحصن من كثير من القلاع والمدن ومن منافعها ما ذكره الله تعالى في كتابه ان جعلها للأرض اوتادا تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن واعظم بها من منفعة وحكمة هذا وإذا تأملت خلقتها العجيبة البديعة على هذا الوضع وجدتها في غاية المطابقة للحكمة فانها لو طالت واستدفت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها ولو بسطت على وجه الارض لضيقت عليهم المزارع والمساكن ولملأت السهل ولما حصل لهم بها الانتفاع من التحصن والمغارات والاكنان ولما سترت عنهم الرياح ولما حجبت السيول

(1/418)


ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها الانتفاع التام فكان اولى الاشكال والاوضاع بها واليقها واوقعها على وفق المصلحة هذا الشكل الذي نصبت عليه ولقد دعانا الله سبحانه في كتابه الى النظر فيها وفي كيفية خلقها فقال أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت فخلقها ومنافعها من اكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته هذا مع انها تسبح بحمده وتخشع له وتسجد وتشقق وتهبط من خشيته وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الامانة إذ عرضها عليها واشفقت من حملها ومنها الجبل الذي كلم الله عليه موسى كليمه ونجيه ومنها الجبل الذي تجلى له ربه فساخ وتدكدك ومنها الجبل الذي حبب الله رسوله واصحابه اليه واحبه رسول الله وأصحابه ومنها الجبلان اللذان جعلهما الله سورا على نبيه وجعل الصفا في ذيل احدهما والمروة في ذيل الاخر وشرع لعباده السعي بينهما وجعله من مناسكهم وتعبداتهم ومنها جبل الرحمة المنصوب عليه ميدان عرفات فلله كم به من ذنب مغفور وعثرة مقالة وزلة معفو عنها وحاجة مقضية وكربة مفروجة وبلية مرفوعة ونعمة متجددة وسعادة مكتسبة وشقاوة ممحوة كيف وهو الجبل المخصوص بذلك الجمع الاعظم والوفد الاكرم الذين جاؤا من كل فج عميق وقوفا لربهم مستكينين لعظمته خاشعين لعزته شعثا غبرا حاسرين عن رؤسهم يستقبلوله عثراتهم ويسألونه حاجاتهم فيدنو منهم ثم يباهي بهم الملائكة فلله ذاك الجبل وما ينزل عليه من الرحمة والتجاوز عن الذنوب العظام ومنها جبل حراء الذي كان رسول الله يخلو فيه بربه حتى اكرمه الله برسالته وهو في غارة فهو الجبل الذي فاض منه النور على اقطار العالم فإنه ليفخر على الجبال وحق له ذلك فسبحان من اختص برحمته وتكريمه من شاء من الجبال والرجال فجعل منها جبالا هي مغناطيس القلوب كأنها مركبة منه فهي تهوى اليها كلما ذكرتها

(1/419)


http://www.almeshkat.net/books/open.php?cat=26&book=493