انتقل إلى المحتوى

مجلة الرسالة/العدد 603/على هامش النقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 603/على هامش النقد

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 01 - 1945



في الوظيفة. . .

صور انتقادية. . . عبد الحميد جودة السحار

للأستاذ سيد قطب

حينما ينظر الإنسان إلى (دواوين الحكومة) بعين أخرى غير عين (الموظفين) ويقيسها بمقياس آخر غير عين المناصب والمراكز والألقاب. . . لا تقع عينه إلا على أمساخ ومهازل، ومخلوقات آدمية بائسة، محدودة الآفاق، صغيرة المطامع، حقيرة البواعث. ولا يشد إلا رواية تهريجية هازلة تنقصها كل أصول الفن وكل مقومات الإخراج، ولا يبقى لها من سمات الزاوية إلا عنصر (التمثيل)!.

بهذه العين الإنسانية نظر الأستاذ (عبد الحميد جودة السحار) إلى (الموظفين) وبهذه النظرة الآدمية رأى (الدواوين) وما في الدواوين، فكانت مجموعة (الصور الانتقادية) التي أخرجها بعنوان (في الوظيفة).

وليست تسميتها باسم (صور انتقادية) مجرد عنوان فهي (صور) في حقيقتها: صور سريعة على طريقة التصوير باللمسات الخاطفة. . . لمسة من هنا ولمسة من هناك، فإذا ملامح معينة وسحن محدودة ووجوه معروفة. ولا عليه بعد هذا ألا يعني بالدقائق والجزيئات: هذه سحنة منافق، وتلك سحنة جبان، هذه ملامح دساس، وتلك ملامح لص؛ هذا وجه مراء، وذلك وجه مدلس. . . أما سعة العين وشكل الأنف، وحجم الفم، فتلك تفصيلات لا تزيد شيئاً في دلالة السمات. . .

ومن ناحية أنها (صور) كانت قيمتها الفنية وقيمتها الإنسانية. وإلا فكل ما جاء فيها عن الدواوين وعما يجري داخل الدواوين، معروف ومشهور تلهج به الألسنة في كل مكان ويتندر به كل إنسان، ويشكو منه كل إنسان.

وإنك لتستطيع أن تقول ألف مرة: إن في الدواوين رشوة وسرقة ودسائس ووشايات؛ وإن الأعمال تسير فيها سير الأجهزة البطيئة والآلات الصماء؛ وإن الذي لا يجازي التيار فيها يجرفه ويحطمه، وإن كثيراً من الموظفين يدخل الديوان (إنساناً) فما يلبث أن يصبح (موظفاً). . . الخ.

ولكنك تكون واثقاً أن هذه الكلمات ستبقى كلمات، فلا تأخذ طريقها إلى النفس ولا تثير الانفعال ضدها والاشمئزاز منها إلا بمقدار. . . ألفاظ تنسى بعد حين كما ينسى كل ضخم من الكلمات.

أما حين تترجم هذه الكلمات إلى حوادث واقعية وصور آدمية كما صنع المؤلف. فعندئذ فقط تلبس ثوب الحياة، وتتخذ لها جسماً ملموساً يوقظ الحس ويثير الانفعال. وعندئذ ترجو لها حياة فنية لاشك فيها، وترجو لها موقظاً اجتماعياً، ربما كان!!.

ولحسن الحظ أن صاحب هذه الصورة الانتقادية موهوب في فن تصوير السريع؛ ومهما أخذت عليه، من عيوب في عمله الفني فإنك لن تخطيء الملامح التي يريدها، والسحنة التي يبغيها، وهذا وحده يكفي. .

إنه ذو عين لماحة تسجل الحركة الحسية، كما تسجل الحركة النفسية. ثم تغلف اللمحة الموسومة بروح السخرية، وتمزجها بعنصر الفكاهة. حتى ليخيل إليك أنه ينظر إلى الدنيا كما ينظر إلى ملهاة كبيرة. تأخذ عينه فيها لمحات التناقض، وتأخذ حسه فيها مواضع السخرية، وتأخذ نفسه فيها مواطن الدعابة!

ولعله أن يكون قد بالغ في إبراز مواضع السخرية، ومواطن التشويه المضحك في هذه الصور، ولعله أن يكون في الدواوين وجوه أخرى لم يلتفت إليها لأنها تغذي في نفسه هذه الحاسة.

ولكن الذي لا مراء فيه أنه وفق في تصوير (جو) الدواوين، وفي تشخيص (روح) الوظيفة. فهذا الجو هو جو الغش والخداع والتهافت والتهالك والرياء والجبن والنفاق والوقيعة. وهذه الروح هي روح البطء والتهاون والإهمال والتواكل والجمود والروتين والسأم والملالة. . . فإذا وجد على هامشه بقايا من الإنسانية السليمة، فهي محاربة منه، ومكروهة من أهله متهمة (بالقنزحة) لا تختلط به ولا تندمج فيه.

من (لمحات) هذه العين الخاطفة صورة محسوسة يراها سكان العاصمة الآن في كل آن. صورة الكتل البشرية التي تتزاحم على الترام. وهي على بساطتها صادقة كاملة فيها عنصرا الفكاهة وروح الدعابة: وهي جزء من صورة يسجل فيه ذهاب الجمال إلى الورشة:

(تكدست أكوام البشر في داخل الترام وعلى جانبيه، ومن خلفه ومن قدامه؛ واختلطت الأذرع والسيقان، حتى اصبح من المستحيل أن تقع العين على هيئة إنسان. فهذه ذراع، وهذا رأس، وهذا خصر. أما لمن هذا الرأس، ولمن هذه الذراع، وأين صاحب هذا الخصر أو هذه الساق، فهذا مالا يفطن إليه إنسان، وكثيراً ما يخيل للناظر إلى كتل البشرية المتراصة على سلم الترام، أن للجسم الواحد رأسين، أو للرأس الواحد جسمين، وأن أغلب الواقفين على سلم الترام ينافسون (البهلوان). فهذا واضح طرف قدميه على حافة السلم، وقابض على قائم الترام بإصبع، وهذا متعلق في عنق آخر متعلق بسروال ثالث. وهكذا).

ولمحة أخرى تبدأ حسية وتنتهي نفسية، ويتداخل فيها اللونان تداخل الأضواء والضلال، وهي تلي مباشرة صورة الترام:

(وبلغ الترام في أمان مصلحة حكومية، فتساقط الركاب عنه كما تتساقط الأوراق عن الشجر في يوم أشتد ريحه. وكانوا جميعاً من العمال، فساروا يتحدثون، فيحدثون صوتاً كدوي النحل. وراحوا يسيرون في نفس الطريق الذي قطعوه آلاف المرات قبل يومهم هذا، وكانوا يدبون كسلحفاة لا ينظرون أمامهم، ولا يلتفتون حولهم، بل ينطلقون كما ينطلقون كما تنطلق الدواب التي عرفت طريقها من كثرة ما دبت فيه، انطلقوا وما فكروا قط في يومهم، ولم يفكرون؟ فأيامهم جميعاً متشابهة ففي الثامنة صباحاً يدخلون، وفي الحادية عشرة يفطرون، وفي الثالثة ينصرفون، وكان الأمل الوحيد الذي يداعبهم في أثناء عملهم أن تتكرم عقارب الساعة الكبيرة المثبتة في الفناء الواسع الحجم المواجه للورش بالدوران السريع حتى تبلغ الثالثة لينصرفوا شاكرين. ولتستريح بعد ذلك ما شئت لها الراحة، فما أصبح دورانها يعنيهم بعد انفلاتهم من سجنهم، فقد كانوا ينظرون إلى ورشتهم نظرتهم إلى سجن بغيض.

وهكذا لا تخطيء سمة من سمات الصورة الحسية الفكهة؛ لا في الأولى؛ ولا سمة من سمات الصورة النفسية في الثانية. . . وإنك تلمح الآن هذه الجموع تنطلق في طريقها كالدواب. تلمح هذا القطيع يدب، لا يحدوه أمل، ولا تدفعه رغبة. ولكنها لقمة العيش تربطه إلى سجنه، وتكرار الطريق يقوده إلى مربضه في سأم بالغ وملال كئيب ثم يريد المصور أن يرسم بلمسة سريعة صورة من السرقة أو الاستغلال الذي يناله الرؤساء لأنفسهم بواسطة العمال، فيبرزها كاملة في هذه الفقرات:

(ولمح أحدهم صديقه فناداه وسلم عليه، وقال له وهو يحاوره:

(- لم جئت اليوم؟ هل انتهيت من العمل في بيت المهندس؟

(- لا لم أنته بعد. ولكن جئت لآخذ غراء ومسامير!

(- هل انتهيت نجارة غرفة النوم؟

(- لا. ولم؟

(- لأنه أمرني أن أطليها له!

(- هنيئاً لك؟

(- ستحتسب لك أيام الجمع!

(- أتحسدني على شيء سبقتني في الحصول عليه؟

(- لا أحسدك ولا تحسدني. وهل يدفع لنا شيئاً من جيبه؟ بارك الله في الحكومة!)

فيبلغ بهذا الحوار القصير أن يرسم صورة كاملة لاستغلال مال الحكومة ووقتها، وأدواتها. وليس هذا فحسب. بل يرسم معه صورة للفساد النفسي والخلقي الذي يبثه هذا الاستغلال في نفوس المرءوسين من العمال وغير العمال

حتى إذا شاء أن يسخر من طريقة العمل في الدواوين، ومن طريقة الإشراف والتفتيش، ومن الرؤساء والمفتشين. . . كل ذلك في آن واحد. أختار هذه الصورة السريعة الجامعة لكل ما يريد. والتي هي نموذج لسائر ما يجري في بقية الأعمال وبقية الدواوين إن لم تكن بنصه فبروحه، وإن لم يكن بصورته فبنوعه:

(وخلع العمال ملابسهم النظيفة، ولبسوا ملابس العمل الزرقاء، واتجهوا إلى أماكن عملهم، ووقفوا يتحدثون ولا يعملون، وراح الرقيب يقوم بمهمة الاستطلاع. والرقيب العامل من العمال يجدد انتخابه كل يوم، ويوكل إليه مراقبة الطرق والمنافذ، فإن لمح المهندس أو المدير مقبلاً، أعطى إشارة الخطر، فتدب في الورشة الحياة

(وفي حوالي العاشرة لمح الرقيب المهندس مقبلاً يتهادى في حلته الحريرية البيضاء، وقد ثبت وردة حمراء في صدره، وكان يرفع يده بين الفينة والفينة ليسوى رباط رقبته الجميل، أو ليرفع أطراف المنديل المتدلي من صدره. . . فصفر صفير الإنذار - وهو صفير طويل ممدود - فهمس من في الورشة: (ميمي. . . ميمي) - وهو ما اصطلحوا على إطلاقه على المهندس الأنيق - فأسرع كل إلى عمله، وأسرع أحدهم إلى الأزرار الكهربائية وضغطها، فدارت لآلات وارتفع عجيجها، وراحت المبارد ترتفع وتنخفض على قطع الحديد المثبتة في (المناجل) والمناشير تتحرك في توافق كأنما هي فرقة موسيقية تعزف لحناً. ودخل المهندس بقامته الفارعة. وملابسه الحريرية النظيفة يتبختر كغادة مدلة معجبة؛ وكان يتحاشى الاقتراب من الآلات أو العمال، حتى لا تتلوث ملابسه. فما تقول خطيبته التي سيقابلها عقب انتهاء العمل أن رأت بقعة زيت تشين لباسه، الذي تفنن في إعداده؟. وأجال بصره فيما حوله، فرأى حركة دائمة، فقرت عينه فاطمأن إلى أن العمل يسير على ما يروم. فانصرفت إلى مكتبه ليمضي به بقية يومه بين شرب القهوة، والمحادثات التليفونية، ومقابلة الأصحاب والأحباب

(ترك المهندس الورشة، فأسرع عمل إلى الأزرار الكهربائية وضغطها، فخرست تلك الآلات التي صدعتهم بصوتها بعض الوقت، وأستأنف العمال سمرهم، وراح بعضهم يبحثون عن مكان هادئ يستسلمون فيه للذيذ الرقاد)

وهكذا ترتسم تلك الصورة الحقيقية الهازلة لجو العمل في المصالح الحكومية الذي يشترك في خلقه الصغير من الموظفين والكبير!!

عشرات من هذه الصور الخاطفة تأخذها العين اللماحة، وتصورها الريشة السريعة. ولست أزعم أنها جميعاً في هذا المستوى البارع الذي ضربت منه الأمثال. فالمؤلف يظل موفقاً ما ظل يستخدم موهبته الأصلية: موهبة التصوير السريع باللمسات الخاطفة؛ وما ظل يدع الحادثة توحي بالمعنى، والحركة تدل على الانفعال. ولكنه يهبط وبجانبه التوفيق، حين يستخدم الوصف المجرد للتحليل النفسي؛ فليس هو موهوباً في التحليل. ولهذا تستحيل تلك الأداة في يده أداة معطلة لا تصور ملامح، ولا ترسم هيئات، ولا تبلغ في تشخيص النفسيات إلا أن تصفها وصفاً لا حياة فيه (ويضيق الفراغ هنا عن الاستشهاد)

ولحسن الحظ أنه لم يجنح إلى التحليل بالوصف إلا في قليل من هذه الصور. أما أغلبها فجنح فيه إلى التشخيص بالحادثة والتعبير بالحركة على النحو الذي ضربنا منه الأمثال نتلفت إلى ما بين أيدينا في المكتبة العربية من مؤلفات، لنقرن إليها هذا المؤلف الجديد، فلا نجد إلا (يوميات نائب في الأرياف) لتوفيق الحكيم

ولكنهما لا يلتقيان إلا في المادة التي يتناولها للتصوير: مادة الشخصيات الآدمية في العمل الحكومي، والجو الرسمي، وإلا في جانب من الروح التي يتناولان بها الموضوع: جانب الفكاهة الساخرة على وجه العموم

ثم يختلفان بعد ذلك في طريقة التناول وفي نوع الإخراج، وفي مستوى التفكير:

ففي (يوميات نائب) تبدو سمة العمل الفني الموحد الكبير الذي تضطرب في مجاله الشخصيات كلها وترتبط برباط واحد من الحبكة الفنية ومحور واحد من التنسيق. و (في الوظيفة) تبدو اللمحات السريعة واللمسات الخاطفة، وتتفرق الشخصيات في الصور المتعددة فلا يربطها إلا عنصر التصوير

وفي (يوميات نائب) إشاعات فكرية، ولمحات فلسفية وومضات شاعرية لا يحاولها مؤلف (في الوظيفة) لأنه موكل بالتصوير الخاطف لا بالتأمل العميق وباللمحة الحاضرة لا بالغايات البعيد

ولكن كليهما جدير بأن يوجد في كل مكتبة، وأن يقرأه كل محب للإصلاح الاجتماعي أو للعمل الفني على اختلاف في المنهج والمستوى والطريق.

سيد قطب