كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل
من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
| ► ويكي مصدر:إسلام | ◄ |
{{{{{1}}}}}
[عدل] مقدمة المؤلف (رحمه الله)
الحمد الله العلي العظيم السميع البصير الحكيم الكريم اللطيف الخبير، ذي النعم السوابغ والفضل الواسع والحجج البوالغ، تعالى ربنا عن صفات المحددين؛ وتقدس عن شبه المخلوقين؛ وتنزه عن ما قالة المعطلين؛ علا ربنا فكان فوق سبع سمواتة عاليا؛ ثم على عرشه استوى؛ يعلم السر واخفى؛ ويسمع الكلام والنجوى؛ لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ ولا في لجج البحار؛ ولا في الهواء.
والحمد لله الذي أنزل القرآن بعلمه؛ وأنشأ خلق الآنسان من تراب بيده؛ ثم كونة بكلمتة واصطفى رسوله إبراهيم
بخلته؛ ونادى كليمه موسى صلوات الله عليه فقربه نجيا؛ وكلمه تكليما؛ وأمر نبيه نوحا
بصنعة الفك على عينه؛ وخبرنا أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه؛ كما أعلمنا أن كل شيء هالك إلا وجهه؛ وحذر عباده نفسه التي لا تشبه أنفس المخلوقين.
(أحمده) على ما منّ عليّ من الإيمان بجميع صفات ربي
التي وصف بها نفسه في الحكم تنزيله وعلى لسان نبيه
حمد شاكر لنعمائه التي لا يحصها أحد سواه.
(وأشكره) شكرا مصدقا بحسن آلاءه، التي لا يقف على كثرتها غيره جل وعلا وأؤمن به إيمان معترف بوحدانيته راغب في جزيل ثوابه وعظيم ذخره بفضل كرمه وجوده، راهب وجل خائف من أليم عقابه من كثرة ذنوبه وخطإياه وحوباته.
(وأشهد) أن لا إله إلا الله؛ إلها واحدا فردا صمدا قاهرا رؤوفا رحيما؛ لم يتخذ صاحبة ولا ولدا؛ ولا شريكا له في ملكه؛ العدل في قضائة؛ الحكيم في فعاله؛ القائم بين خلقه بالقسط؛ الممتنّ على المؤمنين بفضله؛ بذل لهم الإحسان؛ وزين في قلوبهم الإيمان؛ وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان؛ وأنزل على نبيه الفرقان؛ علم القرآن؛ فتمت نعماء ربنا جل وعلا وعظمت آلاؤه على المطيعين له؛ فربنا (جل ثناؤه) المعبود موجودا والمحمود ممجدا.
(وأشهد) أن محمدا
رسوله المصطفى ونبيه المرتضى، اختاره الله لرسالته ومستودع أمانته، فجعله خاتم النبيين وخير خلق رب العالمين؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الذين كله ولو كره المشركون؛ بعثه بالكتاب المسطور؛ في اللوح المحفوظ؛ فبلغ عن الله
حقائق الرسالة؛ وأنقذ به أمته من الردى والضلالة؛ قام بأمر الله تعالى بما استرعاه ربه من حقه واستحفظه من تنزيله؛ حتى قبضه الله إلى كرامته ومنزله أهل ولايته؛ الذين رضي أعمالهم حميدا، رضيا سعيدا، كما سبق له من السعادة في اللوح المحفوظ، والإمام المبين، قبل أن ينشئ الله نسمته؛ فعليه صلوات الله وسلامه حيا محمودا؛ وميتا مفقودا؛ وأفضل صلاة وأنماها؛ وأزكاها وأطيبها؛ وأبقى الله في العالمين محبته؛ وفي المقربين مودته، وجعل في أعلى عليين درجته؛ صلى الله عليه وعلى آله الطيبين.
[عدل] سبب تأليفه كتاب التوحيد
أما بعد: فقد أتى علينا برهة من الدهر وأنا كاره الاشتغال بتصنيف ما يشوبه شيء من حسن الكلام من الكتب؛ وكان أكثر شغلنا بتصنيف كتب الفقه التي هي خلو من الكلام في الأقدار الماضية التي قد كفر بها كثير من منتحلي الإسلام وفي صفات الله
التي نفاها ولم يؤمن بها المعطلون؛ وغير ذلك من الكتب التي ليست كتب الفقه؛ وكنت أحسب أن ما يجري بيني وبين المناظرين من أهل الأهواء؛ في جنس الكلام في مجالسنا؛ ويظهر لأصحابي الذين يحضرون المجالس والمناظرة من إظهار حقنا على باطل مخالفينا كاف عن تصنيف الكتب على صحة مذهبنا وبطلان مذاهب القوم وغنية عن الإكثار في ذلك؛ فلما حدث في أمرنا ما حدث مما كان الله (قد قضاه وقدر كونه مما لا محيص لأحد ولا موئل عما قضى الله) كونه في اللوح المحفوظ قد سطره من حتم قضائه. فمنعنا عن الظهور ونشر العلم وتعليم مقتبس العلم ما كان الله قد أودعنا من هذه الصناعة، كنت أسمع من بعض أحداث طلاب العلم والحديث ممن لعله كان يحضر بعض مجالس أهل الزيغ والضلالة؛ من المعطلة؛ والقدرية المعتزلة؛ ما تخوفت أن يميل بعضهم عن الحق والصواب من القول؛ إلى البهت والضلال في هذين الجنسين من العلم؛ (فاحتسبت في تصنيف كتاب يجمع هذين) الجنسين من العلم بإثبات القول بالقضاء السابق؛ والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد؛ والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق جلا وعلا؛ مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ وبما صح وثبت عن نبينا
بالأسانيد الثابتة الصحيحة؛ بنقل أهل العدالة موصولا إليه
؛ ليعلم الناطر في كتابنا هذا ممن وفقة الله لإدراك الحق والصواب؛ ومنّ عليه بالتوفيق لما يحب ويرضى صحة مذهب أهل الآثار في هذين الجنسين من العلم؛ وبطلان مذاهب أهل الأهواء والبدع؛ الذين هم في ربيهم وضلالتهم يعمهون. وبالله ثقتي؛ وإياه أسترشد؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قد بدأت كتاب القدر فأمليته؛ وهذا:
[عدل] كتاب التوحيد
[عدل] إثبات النفس لله
من الكتاب
فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه؛ وعز أن يكون عدما لا نفس له؛ قال الله جل ذكره لنبيه محمد
: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) فأعلمنا ربنا أن له نفسا كتب عليها الرحمة: أي ليرحم بها من عمل سوءً بجهالة ثم تاب من بعده؛ على ما دل سياق هذه الآية؛ وهو قوله: (أنه من عمل منكم سوءً بجهالة ثم تاب من بعدة وأصلح فإنه غفور رحيم)؛ والله (جل ذكره) لكليمه موسى: (ثم جئت على قدر ياموسى واصطنعتك لنفسي)؛ الله أن له نفسا اصطنع لها كليمه موسى
؛ وقال جلا وعلا: (ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) فثبت الله (أيضا) في هذه الآية أن له نفسا؛ وقال روح الله عيسى بن مريم مخاطبا ربه: (تعلم في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب)؛ فروح الله عيسى بن مريم يعلم أن لمعبوده نفسا.
[عدل] باب ذكر البيان من خبر النبي
في إثبات النفس لله
على مثل موافقة التنزيل الذي بين الدفتين مسطور وفي المحاريب والمساجد والبيوت والسكك مقروء
1 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال: ثنا أبو معاوية؛ قال: ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله
(يقول الله: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم).
2 - حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج؛ قال: ثنا ابن نمير؛ قال: ثنا الأعمش بهذا السند مثله.
3 - حدثنا بشر بن خالد العسكري؛ قال: ثنا محمد - يعني بن جعفر - عن شعبة عن سليمان وهو الأعمش قال: سمعت ذكوان يحدث عن أبي هريرة عن النبي
قال: (قال الله: عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني؛ إن ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وأطيب).
4 - حدثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر؛ قالا: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال رسول الله
قال الله
: (ابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي؛ فإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملأ من الملائكة أو قال في ملأ خير منهم). فقال عبد الرحمن: ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي.
5 - حدثنا عبد الجبار بن العلا العطار، قال: ثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة عن كريب، عن ابن عباس: (أن النبي
حين خرج إلى صلاة الصبح وجويرية جالسة في المسجد فرجع حين تعالى النهار قال: لم تزالي جالسة بعدي؟ قالت: نعم، قال: قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهن لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ومداد كلماته، ورضى نفسه وزنة عرشه).
قال أبو بكر: (خبر شعبة عن محمد بن عبد الرحمن من هذا الباب خرجته في كتاب الدعاء).
6 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرني أنس بن عياض، عن الحرث وهو ابن أبي ذباب، عن عطاء بن مينا، عن أبي هريرة أن رسول الله
قال: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده: أن رحمتي نالت غضبي).
(قال لنا يونس قال لنا أنس: نالت).
7 - حدثنا يحيي بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا خالد - يعني ابن الحرث - عن محمد بن عجلان.
وحدثنا محمد بن العلا أبو كريب، قال: حدثنا أبو خالد عن ابن عجلان، عن أبي هريرة قال: (قال رسول الله
: (لما خلق الله الخلق كتب بيدة على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي).
قال أبو بكر: فالله جلا وعلا أثبت في آي من كتابه أن له نفسا، وكذلك قد بين على لسان نبيه
أن له نفسا، كما أثبت النفس في كتابه، وكفرت الجهمية بهذه الآي، وهذه السنن، وزعم بعض جهلتهم أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه، وزعم أن نفسه غيره، كما أن خلقه غيره وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلا عن أن يتكلم به. قد أعلم الله في محكم تنزيله أنه كتب على نفسه الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله تعالى كتب على غيره الرحمة؟ وحذر الله العباد نفسه. أفيحل لمسلم أن يقول: إن الله حذر العباد غيره؟ أو يتأول قوله لكليمه موسى: (واصطنعتك لنفسي) فيقول معناه: واصطنعتك لغيرى من الخلوق، أو يقول: أراد روح الله يقوله: (ولا أعلم ما في نفسك) أراد ولا أعلم ما في غيرك؟ هذا لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلا معطل كافر.
8 - حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا أبو النعمان قال: ثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثني محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي
قال: (التقى آدم وموسى (عليهما السلام) فقال له موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال آدم لموسى عليهما السلام: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فهل وجدته كتبه لي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، قال: فحج آدم موسى (عليهما السلام)، ثلاث مرات)، يريد: كرر هذا القول ثلاث مرات.
9 - حدثنا أبو موسى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن ابن أسماء، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله
فيما يروى عن ربه
: (إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي فلا تظالموا، كل بني آدم يخطئ بالليل والنهار ثم فاغفر له ولا أبالي، وقال: يا بني آدم كلكم كان ضالا إلا من هديت، وكلكم كان جائعا إلا من أطعمت)، فذكر الحديث.
10 - حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو مسهر عبد الأعلى، بن مسهر، قال: ثنا سعيد ابن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن رسول الله
عن الله
: (أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).
[عدل] باب ذكر إثبات العلم لله جل وعلا
تباركت أسماؤه وجل ثناؤه، بالوحي المنزل على النبي المصطفى
الذي يقرأ في المحاريب والكتاتيب من العلم الذي هو من علم العام، لا بنقل الأخبار التي هي من نقل علم الخاص، ضد قول الجهمية المعطلة الذين لا يؤمنون بكتاب الله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، تشبها باليهود ينكرون أن لله علما، يزعمون أنهم يقولون إن الله هو العالم، وينكرون أن لله علما مضافا إليه من صفات الذات. قال الله جل وعلا في محكم تنزيله: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه) وقال
: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله). فأعلمنا الله أنه أنزل القرآن بعلمه، وخبّرنا جل ثناؤه أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه فأضاف الله جل وعلا إلى نفسه العلم الذي خبرنا أنه أنزل القرآن بعلمه، وإن من أنثى لا تحمل ولا تضع لا بعلمه.
فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علما مضافا إليه من صفات الذات تعالى الله عما يقول الطاعنون في علم الله علوا كبيرا، فيقال لهم: خبرونا عمن هو عالم بالأشياء كلها، أله علم أم لا؟ فإن قال: الله يعلم السر والنجوى وأخفى وهو بكل شيء عليم، قيل له: فمن هو عالم بالسر والنجوى وهو بكل شيء عليم، أله علم أم لا علم له؟ فلا جواب لهم لهذا السؤال إلا الهرب، (فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين).
[عدل] باب ذكر إثبات وجه الله
الذي وصفه بالجلال والإكرام في قوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، ونفى عنه الهلاك إذا أهلك الله ما قد قضى عليه الهلاك مما قد خلقه الله للفناء لا للبقاء (جل ربنا) عن أن يهلك شيء منه مما هو من صفات ذاته، قال الله جل وعلا: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وقال: (كل شيء هالك إلا وجهه) وقال لنبيه
: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).
وقال: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
فأثبت الله لنفسه وجها بالجلال والإكرام، وحكم لوجهه بالبقاء، ونفى الهلاك عنه. فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز أن يكون عدما كما قاله المبطلون، لأن ما لا صفة له عدم؛ تعالى الله عما يقول الجهميون الذين ينكرون صفات خالقنا الذي وصف بها نفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه محمد
. قال الله (جل ذكره) في سورة الروم: (فآت ذا القربى حقه) إلى قوله (ذلك خير للذين يريدون وجه الله) وقال: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله)، وقال: (إنما نطعمكم لوجه الله) وقال: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى).
[عدل] باب ذكر البيان من أخبار النبي المصطفى
في إثبات الوجه لله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه موافقة لما تلونا من التنزيل الذي هو بالقلوب محفوظ وبين الدفتين مكتوب وفي المحاريب والكتاتيب مقروء
11 - (1): حدثنا عبد الجبار بن العلى العطار وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالا: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال: لم نزلت هذه الآية على رسول الله
: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال النبي
: (أعوذ بوجهك)، قال: (أو من تحت أرجلكم) قال النبي
: (أعوذ بوجهك الكريم)، قال: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض)، قال: (هاتان أهون وأيسر). هذا لفظ حديث المخزومي ومعنى حديثهما واحد.
12 - (2): حدثنا عبد الجبار بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم الدورقي والحسين بن الحسين وأبو عمار الحسين بن حريث وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالوا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عامر بن سعد عن أبيه، قال مرضت بمكة عام الفتح، فذكروا الحديث بتمامه.
وقالوا في الخبر قال: (قلت يا رسول الله أخلف عن هجرتي؟ فقال: إنك لن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله إلا ازددت به رفعة ودرجة)، قال أبو بكر: قد أمليت طرق هذا الخبر في أبواب الوصايا.
13 - (3): حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا حماد - يعني بن زيد - عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: (كنا جلوسا في المسجد فدخل عمار بن فصلى صلاة أخفها، فمر بنا فقيل له: يا أبا اليقظان: خففت الصلاة فقال: أوخفيفة رأيتموها؟ قلنا: نعم، قال: أما إني قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله
ثم مضى فاتّبعه رجل من القوم قال عطاء يرونه أبي اتبعه ولكنه كره أن يقول اتبعته، فسأله عن الدعاء ثم رجع فأخبرهم بالدعاء: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أجمعين أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم وأسالك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق والعدل في الغضب والرضا، وأسالك القصد في الفقر والغنى وأسالك نعيما لا يبيد، وأسالك قرة عين لا تنقطع، وأسالك الرضا بعد القضاء، وأسالك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسالك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين).
قال أبو بكر: ألا يعقل ذوو الحجا - يا طلاب العلم - أن النبي
لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه، ففي مسألة النبي
ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله
وجها، يتلذذ بالنظر إليه مَن منّ الله جل وعلا عليه وتفضل بالنظر إلى وجهه.
وللنظر إلى وجهه يوم المعاد باب سيأتي في موضعه، منّ الله بهذه الكرامة على من يشاء من عباده المؤمنين.
قد أمليت أخبار النبي
: (من صام يوما في سبيل الله ابتغاء وجه الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا) بعضه في كتاب الجهاد، فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الموضع.
14 - (4): وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نهيك، عن ابن عباس عن رسول الله
قال: (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن ساءلكم بوجه الله فأعطوه).
حدثناه نصر بن علي الجهضمي، وإسماعيل بن بشر بن منصور السليمي، قالا: ثنا خالد بن الحرث، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة ...
15 - (5): ثنا أحمد بن داود الواسطي، قال: ثنا وهب - يعني ابن جرير - قال: ثنا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
عن النبي
قال: (مثل المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله، مثل القائم المصلي حتى يرجع المجاهد).
قال أبو بكر: قد أمليت هذا الباب في فضائل الجهاد.
16 - (6): حدثنا بشر بن خالد العسكري، قال: ثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان - وهو الأعمش -، قال: سمعت أبا وائل، قال: قال عبد الله: (قسم رسول الله
قسما فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي
فذكرت ذلك له فاحمر وجهه، قال شعبة: وأظنه قال وغضب حتى وددت أني لم أخبره، قال شعبة: أحسبه قال: يرحمنا الله وموسى، شك شعبة في (يرحمنا الله وموسى) قد أوذي بأكثر من هذا فصبر).
قال أبو بكر: قد أمليت طرق هذا الحديث في باب صبر الإمام على أذى الرعية.
17 - (7): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا أبو المغيره، قال: ثنا أبو بكر - يعني ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني -، قال: حدثني ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت: أن النبي
علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباح: (لبيك اللهم لبيك وسعديك، والخير في يديك، ومنك وإليك)، الحديث بتمامه، وفي هذا الحديث (اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة) الحديث بطوله أمليته في كتاب الدعاء.
قال أبو بكر: وهذا الخبر أيضا داخل في إثبات اليد لله
، سيأتي أبواب إثبات اليد في موضعه من هذا الكتاب.
18 - (8): حدثنا محمد بن الحسن (بن) تسنيم، قال: ثنا محمد - يعني ابن بكر البرساني -، قال: ثنا أبو العوام - يعني عمران القطان -، عن عاصم عن أبي وائل: أن شبث بن ربعي صلى إلى جنب حذيفة، فبزق بين يديه فقال حذيفة إن رسول الله
نهى عن ذا، ثم قال: (إن المسلم إذا دخل في صلاته أقبل الله إليه بوجهه فيناجيه، فلا ينصرف حتى ينصرف عنه أو يحدث حدثا).
19 - (9): حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا يحيى قال: ثنا الأعمش قال: ثنا شقيق قال: كنا عند حذيفة، فقام شبث بن ربعي فصلى فبصق بين يديه، فقال له حذيفة: يا شبث: لا تبصق بين يديك، ولا عن يمينك (فإن عن يمينك) كاتب الحسنات، ولكن عن يسارك، أو من ورائك، فإن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فيناجيه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث سوءً".
قال أبو بكر: لم أجد في كتابي "حتى ينصرف" وأظن الوراق أسقطه، خرجت هذا الباب في (كتاب الصلاة).
- (10): حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، سليمان بن داود، قال: ثنا أبان - يعني بن يزيد -، عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري، أن رسول الله
قال: (إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا
بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن)، فذكر الحديث بطوله، وقال في الحديث: (وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده).
قال أبو بكر: قد أمليت خبر أبي توبة الربيع بن نافع عن معاوية بن سلام بهذا الخبر بطوله في كتاب الصلاة.
فعيسى روح الله قد حث نبي الله يحيى بن زكريا أن يعلم بني إسرائيل ما أمره الله بإعلامه، وفيما أمر الله يحيى بن زكريا بإعلامه بني إسرائيل: أن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده إذا قام إلى الصلاة، ففي هذا ما بان وثبت وصح أن بني إسرائيل كانوا موقنين بأن لخالقهم وجها يقبل به إلى وجه المصلى له.
ونبينا
قد أعلم أمته ما أمر الله
به يحيى بن زكريا عليهما السلام أن يأمر به بني إسرائيل لتعلم وتستيقن أمته أن لله وجها يقبل به على وجه المصلي له، كما أوحى إليه فيما أنزل عليه من الفرقان. (فأينما تولوا.. ) أي بصلاتكم (فثم وجه الله).
20 - (11): حدثنا عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني قال: حدثنا محمد - يعني ابن عبيد - قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، عن ناعم مولى أم سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: حججنا معه حتى إذا كنا ببعض طريق مكة رأيته تيمم - وطرح شيء له فجلس تحتها، ثم قال: رأيت رسول الله
تحت هذه الشجرة، إذ أقبل رجل من هذا الشعب فسلم على رسول الله
ثم قال: يا رسول (الله): إني أريد الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال: هل من أبويك أحد حي؟ قال: نعم يا رسول الله كلاهما، قال: ارجع فابرر والديك قال: فولى راجعا من حيث جاء).
21 - (12): حدثنا علي بن الحسين الدرهمي، قال: ثنا أبو عبد الصمد العمي يعني: عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه: (أن رسول الله
قال: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتمها وما فيهما، وما بين أن القوم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم في جنة عدن إلا رداء الكبرياء على وجهه).
22 - (13): حدثنا عبد الله بن محمد الزهري قال: ثنا سفيان عن الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت خبابا يقول: (هاجرنا مع رسول الله
نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من حسناته شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك بردة، فإذا جعلناها على رأسه بدت رجلاه، وإذا جعلناها على رجليه بدا رأسه، وأمرنا النبي
أن نجعل على رجليه شيئا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها).
قال أبو بكر: خرجت طرق هذا الخبر في كتاب الجنائز في باب الاستدلال بأن الكفن من جميع المال.
23 - (14): حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا همام، عن قتادة، عن موروق، عن أبي الأحواص، عن عبد الله عن النبي
قال: (إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها).
قال أبو بكر: قد أمليت طرق هذا الخبر في غير هذا الكتاب، في خبر فضيل بن مرزوق، عن عطية عن أبي سعيد عن النبي
في الدعاء عند الخروج إلى الصلاة، فيه: (وأقبل الله عليه بوجهه).
24 - (15): حدثنا محمد بن يحيى بن ضريس، قال: ثنا بن فضيل عن فضيل بن مرزوق؛
حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا سليم بن حيان، عن فضيل بن مرزوق، فذكر الحديث بتمامه.
قال: محمد بن خلف في حديثه، قال رسول الله
، وقال ابن يحيى بن ضريس رفعه إلى النبي
.
25 - (16): وفي خبر زيد بن أبي أنيسة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن علي بن حسين، قال: قال: حدثتنا أم سلمة: أن نبي الله
قال: (من أدى زكاة ماله، طيب النفس بها، يريد بها وجه الله والدار الآخرة).
حدثناه زكريا بن يحيى بن أبان، قال: ثنا عمرو بن خالد، وعلي بن معبد، قالا: ثنا عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، قد أمليته بتمامه في كتاب الزكاة.
26 - (17): وفي خبر عامر بن سعيد بن أبي وقاص عن أبيه، فقال النبي
: (إنك لن تخلف بعدي، فتعمل عملا صالحا تبتغي به وجه الله (إلا) ازددت درجة ورفعة).
وقال أيضا في الخبر: (إنك لن تنفق نفقةً تريد بها وجه الله إلا أجرت عليها).
قال أبو بكر: أمليت هذا الخبر في كتاب الوصايا.
27 - (18): حدثنا محمد بن رافع قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا شريك عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: إذا لبست المرأة ثيابها ثم خرجت قيل: أين تذهبين؟ فتقول: أعود مريضا، أو أصلي على جنازة، أو أصلي في مسجد، فقيل: وما تريدين؟ بذلك؟ فتقول وجه الله، والذي لا إله غيره: ما التمست المرأة وجه الله بمثل أن تقر في بيتها وتعبد ربها.
قال أبو بكر: هذا باب طويل، لو استخرج في هذا الكتاب أخبار النبي
التي فيها ذكر وجه ربنا جل وعلا لطال الكتاب، وقد خرجنا كل صفة من هذه الأخبار في مواضعها في كتب مصنفة.
[عدل] باب ذكر صورة ربنا جل وعلا
وصفة سبحات وجهه
، تعالى ربنا أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعز ألا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجها، ذواه بالجلال والإكرام، ونفى عنه الهلاك.
28 - (1): حدثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن العلا - وهو ابن المسيب -، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله
: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النار، لو كشف طباقها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ومسيء النهار ليتوب بالليل، وحتى تطلع الشمس من مغربها).
29 - (2): حدثنا سلم بن جنادة القرشي، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله
بخمس كلمات: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل بالنهار، وعمل النهار بالليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقة).
30 - (3): حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن يحيى قالا: ثنا أبو عاصم عن سفيان، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله
بأربع: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره). وقال محمد بن يحيى: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل).
31 - (4): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا محمد بن عبيد وأبو نعيم، قالا: ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله
بأربع قال ابن يحيى: بمثله وزاد فيه) ثم قرأ أبو عبيدة: (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين).
حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني قال: ثنا أسد - بن موسى السنة قال: ثنا المسعودي بهذا الإسناد مثله، سواء، وقال: ويرفعه.
(5): حدثنا محمد بن يحيى، ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا جرير عن الأعمش، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى عن النبي
مثل حديث أبي عاصم وقال: (يد الله مبسوطة).
32 - (6): حدثنا محمد بن عثمان العجلي، قال: ثنا عبيدالله بن موسى، قال ثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (قام فينا رسول الله
بأربع: فقال: إن الله إلا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره).
33 - (7): حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا أسد قال: ثنا أبو غسان - محمد بن مطرف، عن أبي حازم عن عبيدالله بن مقسم أنه ذكر: (أن دون الرب يوم القيامة سبعين ألف حجاب، حجاب من ظلمة لا ينفذها شيء وحجاب من نور لا ينفذها شيء، وحجاب من ماء لا يسمع حسيس ذلك الماء شيء إلا خلع قلبه إلا من يربط الله على قلبه).
34 - (8): حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا أسد، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر عن مجاهد، قال: (بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا من نور وحجاب من ظلمة، وحجاب من نور، وحجاب من ظلمة).
قال أبو بكر: لم أخرج في هذا الكتاب من المقطعات، لأن هذا من الجنس الذي نقول: إن علم هذا لا يدرك إلا بكتاب الله وسنة نبيه المصطفى
. لست أحتج في شيء من صفات خالقي
إلا بما هومسطور في الكتاب أو منقول عن النبي
بالأسانيد الصحيحة الثابتة.
أقول وبالله توفيقي، وإياه أسترشد: قد بين الله
في محكم تنزيله الذي هو مثبت بين الدفتين: أن له وجها، وصفه بالجلال والإكرام والبقاء فقال جل وعلا: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ونفى ربنا جلا وعلا عن وجهه الهلاك في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} وزعم بعض جهلة الجهمية: أن الله
إنما وصف في هذه الآية (نفسه) التي أضاف إليها الجلال، بقوله: {تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام}، وزعمت أن الرب هو: ذو الجلال والإكرام، لا الوجه.
قال أبو بكر: قولي وبالله توفيقي: هذه دعوى، يدعيها جاهل بلغة العرب، لأن الله
قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}.
فذكر الوجه مضموما في هذا الموضع، مرفوعا، وذكر الرب - بخفض الباء - بإضافة الوجه ولو كان قوله (ذو الجلال والإكرام) مردودا إلى ذكر الرب في هذا الموضوع لكانت القراءة (ذي الجلال والإكرام) مخفوضا كما كان الباء مخفوضا في ذكر الرب جل وعلا.
ألم تسمع قوله
: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} فلما كان الجلال والإكرام في هذه الآية صفة للرب، خفض ذي الباء الذي ذكر في قوله (ربك)، ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعة التي كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: {ذو الجلال والإكرام}.
فتفهموا يا ذوي الحجا هذا البيان، الذي هو (مفهوم في خطاب العرب، لا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل، وفي هاتين الآتين) دلالة أن وجه الله صفة من صفات الله، صفات الذات، لا أن وجه الله هو الله، ولا أن وجهه غيره، كما زعمت المعطلة الجهمية، لأن وجه الله لو كان الله لقرئ: "ويبقى وجه ربك ذي يالجلال والإكرام".
فما لمن لا يفهم هذا القدر من العربية، ووضع الكتب على علماء أهل الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم
وزعمت الجهمية - عليهم لعائن الله - أن أهل السنة ومتبعي الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم
المثبتين لله
من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله المثبت بين الدفتين وعلى لسان نبيه المصطفى
بنقل العدل عن العدل موصولا إليه مشبهة جهل منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا
وقلة معرفهم بلغة العرب، الذين بلغتهم خوطبنا.
وقد ذكرنا من الكتاب والسنة في ذكر وجه ربنا، بما فيه الغنية والكفاية ونزيده شرحا، فاسمعوا الآن أيها العقلاء: ما تذكر من جنس اللغة السائر بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟
نحن نقول: وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار إن لمعبودنا
وجها كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا
من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية.
ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيا، فنفى عنه الهلاك والفناء ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام غير موصوفة بالنور والضياء، والبهاء التي وصف الله بها وجهه. تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها، لنفي السبحات عنها، التي بينها نبينا المصطفى
لوجه خالقنا.
ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، ولم تكن، فكوّنها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعدما كانت عدما، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية تصير جميعا ميتا ورميما، ثم ينشئها الله بعدما قد صارت رميما، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة ومن المحاسبة بما قدمت يداه وكسبه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ. ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها، فهل يخطر - يا ذوي الحجا - ببال عاقل مركب فيه العقل يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شيبه بذاك الوجه؟ وهل هاهنا - أيها العقلاء - تشبيه وجه ربنا (جل ثناؤه) الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم كما سمى الله وجهه وجها؟ ولوكان تشبيها من علمائنا لكان كل قائل إن لبني آدم وجها وللخنازير والقردة والكلاب، والسباع، والحمير، والحيات، والعقارب، وجوها، قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة، والكلاب، وغيرها مما ذكرت.
ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه، ولو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير والقردة، والدب، والكلب، والحمار، والبغل ونحو هذا إلا غضب، لأنه خرج من سوء الأدب في الفحش في المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه.
ولست أحسب أن عاقلا يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب، والزور، والبهت أو بالعته، والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل، ورفع القلم، لتشبيه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا.
فتفكروا يا ذوي الألباب، أوجوه ما ذكرنا أقرب شبها بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم؟ فإذالم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع أو اسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم - فكيف يلزم أن يقال لنا أنتم مشبهة؟
ووجوه بني آدم، ووجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم محدثة، كلها مخلوقة، قد قضى الله فناءها وهلاكها وقد كانت عدما فكوّنها الله وخلقها وأحدثها.
وجميع ما ذكرناه من السباع والبهائم لوجوهها أبصار وخدود وجباه، وأنوف وألسنة، وأفواه، وأسنان، وشفاه.
ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم: وجهك شبيه بوجه الخنزير ولا عينك شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب، ولا شفتاك كشفتي كلب ولا خدك خد ذئب إلا على المشاتمة، كما يرمي الرامي الإنسان بما ليس فيه.
فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا ثبت عند العقلاء وأهل التمييز، أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم
بالتشبيه فقد قال الباطل والكذب، والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة وخرج من لسان العرب.
وزعمت المعطلة من الجهمية: أن معنى الوجه الذي ذكر الله في الآي التي تلونا من الكتاب الله، وفي الأخبار التي روينا عن النبي
كما تقول العرب: وجه الكلام، ووجه الثوب، ووجه الدار، فزعمت - لجهلها بالعلم - أن معنى قوله: وجه الله: كقول العرب: وجه الكلام، ووجه الثوب، وزعمت أن الوجوه من صفات المخلوقين.
وهذه فضيحة في الدعوى، ووقوع في أقبح ما زعموا أنهم يهربون منه، فيقال لهم: أفليس كلام بني آدم، والثياب والدور مخلوقة؟ فمن زعم منكم أن معنى قوله (وجه الله) كقول العرب: (وجه الكلام) و(وجه الثوب) و(وجه الدار) أليس قد شبه - على أصلكم - وجه الله بوجه الموتان؟ لزعمكم - يا جهلة - أن من قال من أهل السنة والآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم
: وجه وعينان، ونفس، وإن الله يبصر ويرى ويسمع: أنه مشبه خالقه بالمخلوقين.
فإذا كان على ما زعمتم بجهلكم، فأنتم شبهتم معبودكم بالموتان.
نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله
بها نفسه في محكم تنزيله، على لسان نبيه المصطفى
مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولا إليه. ونقول كلاما مفهوما موزونا، يفهمه كل عاقل. نقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب - عند ذوى الحجا والنهى - أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم.
قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي - التي تلوناها قبل - أن لله وجها، ذواه بالجلال والإكرام، ونفى الهلاك عنه، وخبرنا في محكم تنزيله أنه يسمع ويرى، فقال جلا وعلا لكليمه موسى ولأخيه هارون (صلوات الله عليهما): (إنني معكما أسمع وأرى)، وما لا يسمع ولا يبصر كالأصنام، التي هي من الأوثان.
ألم تسمع مخاطبة خليل الله (صلوات الله عليه) أباه: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، أفلا يعقل - يا ذوي الحجا - من فهم عن الله
هذا: أن خليل الله صلوات الله عليه وسلامه لا يوبخ أباه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر (ثم يدعو إلى عبادة من لا يسمع ولا يبصر)، ولو قال الخليل - صلوات الله عليه - لأبيه: "أدعوك إلى ربي الذي لا يسمع ولا يبصر" لأشبه أن يقول: فما الفرق بين معبودك ومعبودي؟
والله قد أثبت لنفسه أنه يسمع ويرى، والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله جل وعلا وصف بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه
لجهلهم بالعلم، وقال
: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)
فأعلم الله
أن من لا يسمع ولا يعقل: كالأنعام، بل هم أضل سبيلا، فمعبود الجهمية - عليهم لعائن الله - كالأنعام التي لا تسمع ولا تبصر. والله قد ثبت لنفسه: أنه يسمع ويرى، والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله وصف بها في محكم تنزيله أو على لسان نبيه
لجهلهم بالعلم، وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أوقع أسماء من أسماء صفاته على بعض خلقه، فتوهموا - لجهلهم بالعلم - أن من وصف الله (بتلك الصفة التي وصف الله) بها نفسه، قد شبهه بخلقه، فاسمعوا - يا ذوي الحجا - ما أبين من جهل هؤلاء المعطلة.
أقول: وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه، فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير، فقال: (وهو السميع البصير)، وعلمنا جل وعلا أنه يرى فقال: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وقال لموسى وهارون (عليهما السلام): (إنني معكما أسمع وأرى). فأعلم
أنه يرى أعمال بني آدم، وأن رسوله - وهو بشر - يرى أعمالهم أيضا، وقال: (أولم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء) وبنو آدم يرون أيضا الطير مسخرات في جو السماء وقال: { واصنع الفلك بأعيننا } وقال: { تجري بأعيننا } وقال: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا }، فثبّت ربنا
لنفسه عينا، وثبت لبني آدم أعينا فقال: { ترى أعينهم تفيض من الدمع }.
فقد خبرنا أن ربنا أن له عينا، وعلمنا أن لبني آدم أعينا، وقال لإبليس عليه لعنة الله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) وقال: (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) وقال: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه). فثبت ربنا جل وعلا لنفسه يديْن، وخبرنا أن لبني آدم يديْن، فقال: (ذلك بما قدمت أيديكم) وقال: (ذلك بما قدمت يداك) وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) وقال: (الرحمن على العرش استوى).
وخبرنا: أن ركبان الدواب يستوون على ظهورها، وقال في ذكر سفينة نوح: (واستوت على الجودي) أفيلزم - ذوي الحجا - عند هؤلاء الفسقة أن من ثبت لله ما ثبت الله في هذا الآي أن يكون مشبها خالقه بخلقه، حاش لله أن يكون هذا تشبيها كما ادعوا لجهلهم بالعلم.
نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارؤنا، ونقول من له سمع وبصر من بني آدم: فهو سميع بصير، ولا نقول: إن هذا تشبيه المخلوق بالخالق.
ونقول: إن لله
يدين، يمينين لا شمال فيهما، قد أعلمنا الله
أن له يدين، وخبرنا نبينا
أنهما يمينان لا شمال فيهما.
ونقول: إن من كان من بني آدم سليم الجوارح والأعضاء فله يدان: يمين وشمال
ولا نقول: إن يد المخلوقين كيد الخالق - عز ربنا عن أن تكون يده كيد خلقه - وقد سمى الله لنا نفسه عزيزا، وسمى بعض الملوك عزيزا، فقال: (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه) وسمى إخوة يوسف أخاهم يوسف عزيزا، فقالوا: (يا أيها العزيز أن له أبا شيخا كبيرا) وقال: (قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر). فليس عزة خالقنا العزة التي هي صفة من صفات ذاته، كعزة المخلوقين الذين أعزهم الله بها، ولو كان كل اسم سمى الله لنا به نفسه وأوقع ذلك الاسم على بعض خلقه: كان ذلك تشبيه الخالق بالمخلوق على ما توهم هؤلاء الجهلة من الجهمية، لكان كل من قرأ القرآن وصدقه بقلبه أنه قرآن ووحي وتنزيله قد شبه خالقه بخلقه.
وقد أعلمنا ربنا -
- أنه الملك، سمى بعض عبيده ملكا فقال: (وقال الملك ائتوني به) وأعلمنا جل جلاله أنه العظيم، وسمى بعض عبيده عظيما فقال: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وسمى الله بعض خلقه عظيما فقال: (وهو رب العرش العظيم). فالله أوقع اسم الله العظيم على عرشه، والعرش مخلوق. وربنا الجبار المتكبر فقال: (السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) وسمى بعض الكفار متكبرا جبارا فقال: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار).
وبارؤنا
الحفيظ العليم، وخبرنا أن يوسف
قال للملك: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) وقال: (وبشروه بغلام عليم)، وقال: (بغلام حليم) فالحليم والعليم اسمان لمعبودنا جل وعلا قد سمى الله بهما بعض بني آدم، ولو لزم - يا ذوي الحجا - أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه وثبتوا له نفسا
، وأنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكا أو عظيما ورؤوفا ورحيما وجبارا ومتكبرا أنه قد شبه خالقه
بخلقه، حاش لله أن يكون من وصف الله جل وعلا، بما وصف الله به نفسه، في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى
مشبها خالقه بخلقه.
(فأما احتجاج الجهمية): على أهل السنة والآثار في هذا النحو بقوله: (ليس كمثله شيء)، فمن القائل إن لخالقنا مثلا أو إن له شبيها؟ وهذا من التمويه على الرعاع والسفل، ويموهون بمثل هذا على الجهال يوهمونهم أن من وصف الله بما وصف به نفسه في محكم تنزيله أو على لسان نبيه
فقد شبه الخالق بالمخلوق، وكيف يكون يا ذوي الحجا خلقه مثله؟
نقول: الله القديم لم يزل، والخلق محدث مربوب، والله الرازق، والخلق مرزوقون، والله الدائم الباقي وخلقه هالك غير باق، والله الغني عن جميع خلقه، والخلق فقراء إلى الله خالقهم، وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه إذ أوقعتم بعض أسامي الله على خلقه وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصاحف أو محوها من صدور أهل القرآن أو ترك تلاوتها في المحاريب وفي الجدور والبيوت؟
أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه
أنه الملك وسمى بعض عبيده ملكا، وخبرنا أنه السلام، وسمى تحية المؤمين بينهم سلاما في الدنيا وفي الجنة فقال: (تحيتهم يوم يلقونة سلام)، ونبينا المصطفى
قد كان يقول يوم فراغه من تسليم الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام) وقال
: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا).
فثبت بخبر الله أن الله هو السلام، كما في قوله: (السلام المؤمن المهيمن)، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق البارئ، وأعلمنا
أنه المؤمن، وسمى بعض عباده (المؤمنين) فقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)، وقال: (إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله) الآية، وقال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقال: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) وقد ذكرنا قبل أن الله خبر أنه سميع بصير، وقد أعلمنا أنه جعل الإنسان سميعا بصيرا فقال: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) إلى قوله: (فجعلناه سميعا بصيرا).
والله الحكم العدل وخبرنا نبينا
أن عيسى بن مريم ينزل قبل قيام الساعة (حكما عدلا وإماما مقسطا)، والمقسط أيضا اسم من أسامي الله
في خبر أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
عن النبي
في أسامي الرب
فيه (والمقسط) وقال في ذكر الشقاق بين الزوجين: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها)، فأوقع اسم الحكم على حكمي الشقاق.
والله العدل، وأمر عباده بالعدل والإحسان، والنبي
قد خبر: (أن المقسطين في الدنيا على منابر من نور أو من لؤلؤ يوم القيامة) فاسم المقسط قد أوقعه النبي
على بعض أوليائه الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا، وفي خبر عياض بن حمار أن النبي
قال: (أهل الجنة ثلاثة: عفيف متصدق، وذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم): حدثنا أبو موسى، قال: ثنا محمد بن عدي قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار المجاشعي، قال: سمعت رسول
يقول.
قال أبو بكر: وإن كان المقسط اسم من أسامي ربنا جل وعلا وبارئنا الحليم (جل ربنا، وسمى الله إبراهيم
حليما فقال: (أن إبراهيم لحليم أواه منيب)، وأعلمنا أن نبيا محمدا المصطفى
رؤوف رحيم، فقال في وصفه: {حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، والله الشكور وسمى بعض عباده الشكور، فقال: {وقليل من عبادي الشكور} فسمى الله القليل من عباده الشكور. والله العلي، وقال في مواضع من كتابه: يذكر نفسه
: {إنه علي حكيم} وقد سُمي بهذا الاسم كثير من الآدميين؛ لم نسمع عالما ورعا، زاهدا فاضلا فقيها ولا جاهلا أنكر على أحد الآدميين تسمية ابنه عليا ولا كره أحد منهم هذا الاسم للآدميين، قد دعا النبي
علي بن أبي طالب
باسمه، حين وجه إليه فقال: (ادع لي عليا).
والله الكبير وجميع المسلمين يوقعون اسم (الكبير) على أشياء ذوات عدد من المخلوقين، يوقعون اسم (الكبير) على الشيخ الكبير وعلى الرئيس، وعلى كل عظيم، وكثير من الحيوان وغيرها.
ذكر الله قول إخوة يوسف للملك: {أن له أبا شيخا كبيرا}. وقالت الخثعمية للنبي
: (أن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا) فلم ينكر النبي
عليها تسميتها أباها كبيرا، ولا قال لها: إن الكبير اسم (من أسامي) الله تعالى، (وفي قصة شعيب: {وأبونا شيخ كبير} …. ).
وربنا
الكريم، والنبي
قد أوقع اسم الكريم على جماعة من الأنبياء، فقال: (أن الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم). وقال
: {فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} فسمى النبي
كل واحد من هؤلاء الأنبياء كريما.
والله الحكيم، وسمى كتابه حكيما، فقال: {الم. تلك آيات الكتاب الحكيم}. وأهل القبلة يسمون (لقمان الحكيم)، إذ الله أعلم أنه آتاه الحكمة، فقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} وكذلك العلماء يقولون: قال الحكيم من الحكماء، ويقولون: فلان حكيم من الحكماء.
والله جل وعلا الشهيد، وسمى الشهود الذين يشهدون على الحقوق شهودا، فقال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}، وقال أيضا: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}.
وسمى الله
ثُم نبيه المصطفى
وجميعُ أهل الصلاة المقتول في سبيل الله شهيدا.
والله الحق، قال الله
: {فالحقُ والحقَ أقول}، وقال: {فتعالى الله الملك الحق}، وقال
: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} وقال: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات و أمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم} وقال: {وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} وقال: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} وقال: {الملك يومئذ الحق للرحمن}، وقال: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق} وقال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} وقال جل وعلا لنبيه
: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}. فكل صواب وعدل في حكم أو فعل ونطق: فاسم الحق واقع عليه، وإن كان اسم الحق اسما من أسامي ربنا
لا يمنع أحد من أهل القبلة من العلماء من إيقاع اسم الحق على كل عدل وصواب.
والله الوكيل، كما قال الله
: {وهو على كل شيء وكيل} والعرب لا تمانع بينها من إيقاع اسم (الوكيل) على من يتوكل لبعض بني آدم، والنبي
في خبر جابر قد قال له: (اذهب إلى وكيلي بخيبر)، وفي أخبار فاطمة بنت قيس في مخاطبتها للنبي
: لما أعلمته أن زوجها طلقها، قالت: وأمر وكيله أن يعطيني شيئا، وأنها تقالت ما أعطاها وكيل زوجها.
و العجم أيضا يوقعون اسم (الوكيل) على من يتوكل لبعض الآدميين، كإيقاع العرب سواء.
وأعلم الله أنه مولى الذين آمنوا في قوله: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} وقال
: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون}، فأوقع اسم الموالي على العصبة، وقال النبي
: (من كنت مولاه فعلي مولاه). وقد أمليت هذه الأخبار في فضائل علي بن أبى طالب.
وقال
لزيد بن حارثة لما اشتجر جعفر وعلي بن أبى طالب وزيد بن حارثة في ابنة حمزة: قال لزيد: (أنت أخونا ومولانا) فأوقع اسم المولى - أيضا - على المولى من أسفل، كما أوقع اسم المولى على المولى من أعلى.
فكل معتق قد يقع عليه اسم مولى، ويقع على المعتق اسم مولى.
وقال
في خبر عائشة (رضى الله عنها): (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)، فقد أوقع الله، ثم رسوله، ثم جميع العرب و العجم اسم (المولى) على بعض المخلوقين، والله
الولي، وقد سمى الله نبيه
وليا، فقال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة} الآية.
فسمى الله هؤلاء المؤمنين أيضا الذين وصفهم في الآية: أولياء، المؤمنين، و أعلمنا - أيضا - ربنا
أن بعض المؤمنين أولياء بعض في قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. وقال
: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}.
والله جل وعلا الحي، واسم الحي قد يقع أيضا على كل ذي روح، قبل قبض النفس وخروج الروح منه قبل الموت، قال الله
: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي}، واسم الحي قد يقع أيضا على الموتان، قال الله تعالى: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها}، وقال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، وقال النبي
: (من أحيا أرضا ميتة فهي له).
والله الواحد. وكل ما له عدد من الحيوان والموتان فاسم الواحد قد يقع على كل واحد من جنس منه، إذا عد قيل: واحد واثنان وثلاثة، إلى أن ينتهي العدد إلى ما انتهى إليه، وإذا كان واحد من ذلك الجنس قيل: هذا واحد، وكذلك يقال: هذا الواحد: صفته كذا وكذا، لا تمانع العرب في إيقاع اسم الواحد على (ما) بينت. وربنا جل وعلا الوالي، وكل من له ولاية من أمر المسلمين فاسم الوالي واقع عليه عند جميع أهل الصلاة من العرب.
وخالقنا جل وعلا التواب، قال الله
: {إن الله كان توابا رحيما}. وقد سمى الله جميع من تاب من الذنوب توابا، فقال: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، ومعقول عند كل مؤمن أن هذا الاسم الذي هو اسم الله ليس هو على معنى ما سمى الله التائبين به، لأن الله إنما أخبر أنه يحب التوابين: أي من الذنوب والخطايا، وجل ربنا وعز أن يكون اسم التواب له على المعنى الذي أخبر أنه يحب التوابين من المؤمنين.
ومعبودنا (جل جلاله) الغني، قال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} واسم الغني قد يقع على كل من أغناه الله تعالى بالمال، قال (جلا وعلا ذكره): {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله}، وقال: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} وقال النبي
عند بعثه معاذا إلى اليمن: (وأعلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
وقال ضمام بن ثعلبة للنبي
: (آالله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا؟ فقال: نعم).
وربنا جل وعلا النور، وقد سمى الله بعض خلقه نورا، فقال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} وقال: {نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء}، وقال: {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم لنا نورنا} وقال: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم}.
قال أبو بكر: قد كنت خبرت منذ دهر طويل أن بعض من كان يدعي العلم ممن كان لا يفهم هذا الباب يزعم أنه غير جائز أن يقرأ: {الله نور السموات والأرض} وكان يقرأ: {الله نوَّر السماوات والأرض} فبعثت إليه بعض أصحابي وقلت له: ما الذي تنكر أن يكون لله
اسم يسمي الله بذلك الاسم بعض خلقه؟ فقد وجدنا الله قد سمى بعض خلقه بأسام هي له أسامي، وبعثت له بعض ما قد أمليته في هذا الفصل، وقلت للرسول: قل له قد روي عن النبي
بالإسناد الذي لا يدفعه عالم بالأخبار ما يثبت أن الله نور السموات والأرض، قلت في خبر طاووس عن ابن عباس أن النبي
كان يدعو: (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن)، الحديث بتمامه قد أمليته في كتاب الدعوات وفي كتاب الصلاة أيضا، فرجع الرسول وقال: لست أنكر أن يكون الله تعالى نورا، كما قد بلغني بعد أنه رجع.
قال أبو بكر: وكل من فهم عن الله خطابه: يعلم أن هذه الأسامي التي هي لله تعالى أسامي، بين الله ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه
، مما قد أوقع تلك الأسامي على بعض المخلوقين، ليس على معنى تشبيه المخلوق بالخالق لأن الأسامي قد تتفق وتختلف المعاني، فالنور: وإن كان اسما لله فقد يقع اسم النور على بعض المخلوقين، فليس معنى النور الذي هو اسم لله في المعنى مثل النور الذي هو خلق الله.
قال الله جل وعلا: {يهدي الله لنوره من يشاء} وأعلم أيضا أن لأهل الجنة نورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وقد أوقع الله اسم النور على معان.
وربنا جل وعلا الهادي، وقد سمى بعض خلقه هاديا، فقال
لنبيه: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}، فسمى نبيه
هاديا، وإن كان الهادي اسما لله
.
والله الوارث، قال الله تعالى: {وأنت خير الوارثين} وقد سمى الله من يرث من الميت ماله (وارثا)، فقال
: {وعلى الوارث مثل ذلك} فتفهموا - يا ذوي الحجا - ما بينت في هذا الفصل، تعلموا وتستيقنوا أن لخالقنا
أسام قد تقع تلك الأسامي على بعض خلقه في اللفظ لا على المعنى، على ما قد بينت في هذا الفصل من الكتاب و السنة ولغة العرب.
فإن كان علماء الآثار الذين يصفون الله بما وصف به نفسه (وبما جاء) وعلى لسان نبيه
مشبهة على ما يزعم الجهميه المعطلة، فكل أهل القبلة إذا قرؤا كتاب الله فآمنوا به بإقرار باللسان وتصديق بالقلب، وسموا الله بهذه الأسامي - التي خبر الله بها أنها له أسامي وسموا هؤلاء المخلوقين بهذه الأسامي التي سماهم الله بها - هم مشبهة.
فعود مقالتهم هذه توجب أن على أهل التوحيد الكفر بالقرآن، وترك الإيمان به، وتكذيب القرآن بالقلوب، والإنكار بالألسن، فاقذر بهذا من مذهب واقبح بهذه الوجوه عندهم، عليهم لعائن الله، وعلى من ينكر جميع ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، و الكفر بجميع ما ثبت عن نبينا المصطفى
بنقل أهل العدالة موصولا: إليه في صفات الخالق جل وعلا.
[عدل] باب ذكر أخبار رويت عن النبي
تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عالما من أهل الجهل و الغباوة، حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال و الإكرام، ونفي الهلاك عنه.
1 - (35): حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا شعيب يعني ابن الليث قال: ثنا الليث، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن رسول الله
أنه قال: (لا يقولن أحدكم لأحد: قبح الله وجهك، ووجها أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته).
2 - (36): وحدثنا الربيع بهذا الإسناد سواء، قال: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).
3 - (37): حدثنا أبو موسى، محمد بن المثنى قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة عن النبي
قال: (إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته).
4 - (38): وحدثنا بندار قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال حدثني ابن عجلان، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقولن قبح الله وجهك)، بمثل حديث أبي موسى.
5 - (39): حدثنا أبو موسي، قال: ثنا يحيى، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة
قال: (إذا ضرب أحدكم فيجتنب الوجه).
قال أبو بكر: ليس في خبر ابن عجلان أكثر من هذا.
6 - (40): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب - وهو الأزدي عبد الملك بن مالك المراغي - عن أبي هريرة عن رسول الله
قال: (إذا قاتل أحدكم فيجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).
قال أبو بكر: توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: (على صورته) يريد صورة الرحمن (عز ربنا وجل) عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: (خلق آدم على صورته): الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم؛ أراد
أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب، الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر
أن يقول: (ووجه من أشبه وجهك، لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحا وجه آدم (صلوات الله عليه وسلامه)، الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا - رحمكم الله - معنى الخبر، لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول بالتشبيه الذي هو ضلال.
7 - (41): وقد رويت في نحو هذا لفظة أغمض يعني من اللفظة التي ذكرناها في خبر أبي هريرة وهو ما حدثنا (به) يوسف بن موسى قال: ثنا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر: قال: قال رسول الله
: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن).
8 - (42): وروى الثوري هذا الخبر مرسلا، غير مسند، حدثنا أبو موسى، محمد بن المثني، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء: قال: قال رسول الله
: (لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن).
قال أبو بكر: وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم، وتوهموا أن أضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات، فغلطوا في هذا غلطا بينا، وقال مقالة شنيعة، مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم.
والذي عندي - في تأويل هذا الخبر - إن صح من جهة النقل موصولا: فإن في الخبر عللا ثلاثا:
• إحداهن: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر.
• والثانية: أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
• والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء. سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول: ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش قال: قال حبيب بن أبي ثابت: لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك، يريد لم أبال أن أدلسه.
قال أبو بكر: ومثل هذا الخبر، لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر، لا سيما إذا كان الخبر في مثل هذا الجنس، فيما يوجب العلم لو ثبت، لا فيما يوجب العمل بما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر وتشبيه وتمثيل بغيره من سنن النبي
من طريق الأحكام والفقه.
فإن صح هذا الخبر مسندا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت، وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح، وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه. لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن، لأن الله صورها، ألم تسمع قوله
: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، فأضاف الله الخلق إلى نفسه، إذ الله تولى خلقه، وكذلك قول الله
{هذه ناقة الله لكم آية}، فأضاف الله الناقة إلى نفسه، وقال: {تأكل في أرض الله} وقال: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، قال: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده}. فأضاف الله الأرض إلى نفسه، إذ الله تولى خلقها فبسطها، وقال: (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، فأضاف الله الفطرة إلى نفسه إذ الله فطر الناس عليها.
فما أضاف الله إلى نفسه على معنيين: أحدهما: إضافة الذات، والآخر: إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين، لا تغالطوا. فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسندا، فإن ابن آدم: خلق على الصورة التي خلقها الرحمن، حين صور آدم، ثم نفخ فيه الروح، قال الله جل وعلا: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} والدليل على صحة هذا التأويل:
9 - (43): أن أبا موسى، محمد بن المثنى قال: ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: ثنا المغيره - وهو ابن عبد الرحمن، عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي
قال: (خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعا).
10 - (44): حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: ثنا عبد الرزاق، قال ثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله
، فذكر أحاديث، وقال: … قال رسول الله
: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه، قال اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاسمع ما يجيبونك، وإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا السلام عليكم ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن).
قال أبو بكر: فصورة آدم ستون ذراعا، التي أخبر النبي
أن آدم
خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته، جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه، لا كصفات المخلوقين من الحيوان، ولا من الموتان، كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان، ولا كما شبه الغالية من الروافض معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما.
11 - (45): حدثنا أحمد بن منيع، ومحمود بن خداش، قال: ثنا أبو سعد الصاغاني، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العليهة عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا: لرسول الله
: انسب لنا ربك، فأنزل الله
: {قل هو أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد}، قال: ولم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء، وقال محمود بن خداش في حديثه: (الصمد لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث). والباقي مثل لفظ أحمد بن منيع سواء.
[عدل] باب ذكر إثبات العين لله جل وعلا
على ما ثبته الخالق البارئ لنفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه
، قال الله
لنبيه نوح صلوات الله عليه: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا)، وقال جل وعلا: {تجري بأعيننا}، وقال
في ذكر موسى: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، وقال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}.
فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبّت الخالق البارئ لنفسه، من العين. وغير مؤمن من ينفي عن الله
ما قد ثبته الله في محكم تنزيله ببيان النبي
الذي جعله الله مبينا عنه،
، في قوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}، فبين النبي
أن لله عينين، فكان بيانه موافقا لبيان محكم التنزيل الذي هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب.
1 - (46): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقري قال: ثنا حرملة بن عمران التجيبي، عن أبي يونس سليم جبير مولى أبي هريرة عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا}: رأيت رسول الله
يضع إبهامه على أذنه وإصبعه التي (تليها) على عينه، قال أبو هريرة
: (رأيت رسول الله
يفعل ذلك).
2 - (47): حدثنا محمد، قال: ثنا عبد الله، بن يزيد المري، قال: ثنا أبي، قال: ثنا حرمة عن عمران، قال: حدثني أبو يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: {ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قرأ إلى قوله: {سميعا بصيرا} فيضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله
يقرؤها ويضع أصبعيه).
قال أبو بكر: أملاه إسحق بن موسى بن عبد الله بن يزيد بن حصن الخطمي الأنصاري، على جماعة من أصحابنا، وأنا حاضر المجلس فكتبته بخطي، إلا أني خائف أن أكون أخذت بعض الألفاظ عن المستلمي.
3 - (48): إملاء علينا عن أنس بن عياض قال: حدثني عبيدالله بن عمر (قال حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله
قال (إن الله ليس بأعور، إلا أن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية).
4 - (49): حدثنا يحيى بن حكيم قال: ثنا عبد الوهاب، بن عبد الحميد الثقفي قال: ثنا عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: أن الرسول الله
: ذكر المسيح الدجال بين ظهراني الناس، فقال: (يا أيها الناس إن ربكم ليس بأعور، ولكن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية).
5 - (50): حدثنا الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي، قال: عاصم بن هلاك يعني البارقي، قال: ثنا أيوب، عن نافع عن عبد الله قال: قال رسول الله
: (ألا إن الله ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية).
6 - (51): حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي
أنه قال: (الدجال هو أعور هجان، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، فأما هلك الهلك فإن ربكم ليس بأعور). قال محمد بن جعفر: قال شعبة: (فحدثت به قتادة، فحدث نحوا من هذا).
7 - (52): حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إبراهيم وهو ابن طهمان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي
قال: (يخرج الدجال في خفة من الزمان، ) فذكر الحديث بطوله، و قال: (يأتي الناس فيقول: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور).
8 - (53): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: ثنا عمي، قال: حدثني مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشيخ، عن أبيه، عن عروة بن الزبير قال: قالت أم سلمة زوج النبي
ذكرت المسيح الدجال ليلة، فلم يأتني النوم، فلما أصبحت دخلت على رسول الله
فأخبرته، فقال: (لا تفعلي، فإنه إن يخرج وأنا حي يكفيكموه الله بي، وإن يخرج بعد أن أموت يكفكموه الله بالصالحين، ثم قال: ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني أحذركموه، إنه أعور وإن الله ليس بأعور، إنه يمشي في الأرض، وإن الأرض والسماء لله، إلا أن المسيح عينه اليمنى كأنها عنبة طافية).
قال أبو بكر: هذا باب طويل، خرجته في كتاب الفتن، في قصة الدجال.
9 - (54): حدثنا عبد القدوس بن محمد بن شعيب، قال: ثنا عمي، (عمر بن) صالح بن عبد الكبير، قال: حدثني عمي أبو بكر بن شعيب، عن أبيه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
: (أنذركم الدجال، أما إنه أعور عين اليمنى وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر. يقرءوه كل مؤمن يقرأ، وكل مؤمن لا يقرأ. ).
[عدل] باب إثبات السمع والرؤيه لله جل وعل
الذي هو كما وصف نفسه: سميع بصير، ومن كان معبودهم غير سميع بصير، قال الله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)، (وقال
في قصة المجادلة: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله.. الآية).
قال أبو بكر: (قد كنت أمليت في كتاب الظهار خبر عائشة
: (سبحان ربي وبحمده، وسع سمعه الأصوات، إن المجادلة تشكو إلى النبي
فيخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله))، وقال
: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجوهم) الآية.
وقد أعلمنا ربنا الخالق البارئ أنه يسمع قول من كذب على الله وزعم أن الله فقير، فكذبهم الله في مقالتهم تلك، فرد الله ذلك عليهم، وخبر أنه الغني وهم الفقراء، وأعلم عباده المؤمنين أنه السميع البصير، فكذلك خبّر المؤمنين أنه قد سمع قول المجادلة وتحاور النبي
والمجادلة، وخبرت الصديقة بنت الصديق
أنه يخفى عليها بعض كلام المجادلة مع قربها منها فسبحت خالقها الذي وسع سمعه الأصوات، وقالت: (سبحان من وسع سمعه الأصوات)، فسمع الله جل وعلا كلام المجادلة، وهو فوق سبع سموات مستو على عرشه وقد خفي بعض كلامها على من حضرها وقرب منها، وقال
لكليمه موسى وأخيه ابن أمه هارون، يؤمنهما فرعون[1] حين خافا أن يفرط عليهما أو أن يطغى: (إنني معكما أسمع وأرى)، فأعلم الرحمن جل وعلا أنه سمع مخاطبة كليمه موسى وأخيه هارون (عليهما السلام) وما يجيبهما به فرعون، وأعلم أنه يرى ما يكون من كل منهم، وقال جل وعلا: (سبحان الذي أسرى بعبده (ليلا من المسجد الحرام) إلى قوله: (السميع البصير).
وقال في سورة حم المؤمن: (فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير). واستقصاء ذكر قوله السميع البصير يطول بذكر جميعه الكتاب.
وقال
- لكليمه موسى ولأخيه هارون صلوات الله عليهما: (كلا فاذهب بآياتنا إنا معكم مستمعون)، فأعلم جل وعلا عباده المؤمنين أنه هو كان يسمع ما يقول لكليمه موسى وأخيه. وهذا من الجنس الذي أقول: استماع الخالق ليس كاستماع المخلوق.
قد أمر الله - أيضا - موسى
أن يستمع لما يوحى فقال: (فاستمع لما يوحى)، فلفظ الاستماعين واحد، معناهما مختلف، لأن استماع الخالق غير استماع المخلوقين، عز ربنا وجل عن أن يشبهه شيء من خلقه، وجل عن أن يكون فعل أحد من خلقه شبيها بفعله،
.
وقال الله
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وليس رؤية الله أعمال من ذكر عملهم في هذه الآية كرؤية رسول الله والمؤمنين، (وإن كان اسم الرؤية يقع على رؤية الله أعمالهم وعلى رؤية رسول الله ورؤية المؤمنين).
(قال أبو بكر): وتدبروا - أيها العلماء ومقتبسو العلم - مخاطبة خليل الرحمن أباه، وتوبيخه إياه لعبادته من كان يعبد تعقلوا توفيق خالقنا جل وعلا صحة مذهبنا، وبطلان مذهب مخالفينا من الجهمية المعطلة.
قال خليل الرحمن - صلوات الله وسلامه عليه - لأبيه: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، أفليس من المحال - يا ذوي الحجا - أن يقول خليل الرحمن لأبيه آزر: (لم تعبد ما لا تسمع ولا يبصر) ويعيبه بعبادة ما لا يسمع ولا يبصر ثم يدعوه إلى عبادة من لا يسمع ولا يبصر، كالأصنام التي هي من الموتان لا من الحيوان أيضا؟ فكيف يكون ربنا الخالق البارئ السميع البصير كما يصفه هؤلاء الجهال المعطلة؟ عز بنا وجل عن أن يكون غير سميع ولا بصير (فهو كعابد الأوثان والأصنام لا يسمع ولا يبصر) أو كعابد الأنعام، ألم بسمعوا قول خالقنا وبارئنا: (أفأنت تكون عليه وكيلا. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام) الآية. فأعلمنا
أن من لا يسمع ولا يعقل: كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
[عدل] باب البيان من سنن النبي 
على تثبيت السمع والبصر لله، موافقا لما يكون من كتاب ربنا، إذ سننه
إذا ثبتت بنقل العدل موصولا إليه لا تكون أبدا إلا موافقة لكتاب الله، حاشا لله أن يكون شيء منها أبدا مخالف لكتاب الله أو لشيء منه فمن ادعى من الجهلة أن شيئا من سنن النبي
إذا ثبت من جهة النقل مخالف لشيء من كتاب الله فأنا الضامن بتثبيت صحة مذهبنا على ما أبوح به منذ أكثر من أربعين سنة.
1 - (55): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: قال: ثنا عمي، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة
زوج النبي
حدثته أنها قال لرسول الله
: " هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي علي ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يحبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل
فناداني فقال: يا محمد إن الله
قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني أمرك، وبما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال له رسول الله
: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا.
2 - (56): حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا المعتمر قال: سمعت أبي يقول: ثنا أبو عثمان عن أبي موسى. وثنا: محمد بن بشار والحسين بن الحسن وغيرهما، قالا: قال بندار ثنا، وقال الحسين، أخبرنا مرحوم العطار، قال: ثنا أبو نعامة السعدي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، وهذا حديث مرحوم، قال: كنت مع رسول الله
في غزاة، فلما أقبلنا وأشرفنا على المدينة كبر الناس تكبيرة رفعوا بها أصواتهم فقال: رسول الله
: (أن ربكم ليس بأصم ولا غائب)، وقال المعتمر في حديثه: فقال رسول الله
: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا).
3 - (57): حدثنا سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى، فذكر الحديث وقال: فقال رسول الله
: "أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا". خرجت طرق هذا الخبر في كتاب الذكر والتسبيح.
قال أبو بكر: فاسمعوا يا ذوي الحجا ما نقول في هذا الباب ونذكر بهت الجهمية وزورهم وكذبهم على علماء أهل الآثار ورميهم خيار الخلق بعد الأنبياء بما الله قد نزههم عنه وبرأهم منه، بتزوير الجهمية على علمائنا (أنهم مشبهة، فاسمعوا ما أقول وأبين من مذاهب علمائنا)، تعلموا وتستيقنوا بتوفيق خالقنا أن هؤلاء المعطلة يبهتون العلماء ويرمونهم بما الله نزههم عنه.
نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السموات العلى، وما بينهما من صغير وكبير، لا يخفى على خالقنا خافية في السموات السبع والأرضين السبع، ولا مما بينهم ولا فوقهم، ولا أسفل منهن لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه.
وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنهم إنما يرون ما قرب من أبصارهم، مما لا حجاب ولا ستر بين المرئي وبين أبصارهم، وما يبعد منهم وإن كان يقع اسم القرب عليه في بعض الأحوال، لأن العرب التي خوطبنا بلغتها قد تقول: قرية كذا منا قريبة وبلدة كذا قريبة منا ومن بلدنا، ومنزل فلان قريب منا. وإن كان بين البلدين وبين القريتين وبين المنزلين فراسخ. والبصير من بنى آدم لا يدرك ببصره شخص آخر من بني آدم وبينهما فرسخان فأكثر، وكذلك لا يرى أحد من الآدميين ما تحت الأرض إذا كان فوق المرئي من الأرض والتراب قدر أنملة أو أقل منها بقدر ما يغطي ويواري الشيء، (وكذلك لا يدرك بصره إذا كان بينهما حجاب من حائط أو ثوب، صفيق أو غيرهما مما يستر الشيء) عن عين الناظر، فكيف يكون يا ذوي الحجا مشبها من يصف عين الله بما ذكرنا وأعين بني آدم بما وصفنا؟
ونزيد شرحا وبيانا؛ نقول: عين الله
قديمة، لم تزل، باقية، ولا تزال محكوم لها بالبقاء، منفي عنها الهلاك والفناء، وعيون بني آدم محدثة مخلوقة، كانت عدما غير مكونة، فكونها الله وخلقها بكلامه الذي هو صفة من صفات ذاته، وقد قضى الله وقدّر أن عيون بني آدم تصير إلى بلاء عن قليل، والله نسأل خير ذلك المصير وقد يعمي الله عيون كثير من الآدميين فيذهب بأبصارها قبل نزول المنايا بهم، ولعل كثيرا من أبصار الآدميين قد سلط خالقنا عليها ديدان الأرض حتى تأكلها وتفنيها بعد نزول المنية بهم، ثم ينشئها الله بعد، فيصيبها ما قد ذكرنا قبل في ذكر الوجه، (فما الذي يشبه يا ذوي الحجا عين الله التي هي موصوفة بما ذكرنا عيون بني آدم التي وصفناها بعد)؟
ولست أحسب: لو قيل لبصير - لا آفة ببصره ولا علة بعينه ولا نقص، بل هو أعين أكحل أسود الحدق شديد بياض العينين أهدب الأشفار: عينك كعين فلان، الذي هو: صغير العين أزرق، أحمر بياض العينين، قد تناثرت أشفاره وسقطت، أو كان أخفش العين، أزرق، أحمر بياض شحمها، يرى الموصوف الأول: الشخص من بعيد، ولا يرى الثاني مثل ذلك الشخص من قدر عشر ما يرى الأول، لعلة في بصره أو نقص في عينه، إلا غضب من هذا وأنف منه، فلعله يخرج إلى القائل له ذلك إلى المكروه من الشتم والأذى.
ولست أحسب عاقلا يسمع هذا المشبه عيني أحدهما بعيني الآخر، إلا وهو يكذب هذا المشبه عين أحدهما بعين الآخر، ويرميه بالعته والخبل والجنون، ويقول له: لو كنت عاقلا يجري عليك القلم: لم تشبه عيني أحدهما بعيني الآخر. وإن كانا جميعا يسميان بصيرين، إذ ليسا بأعميين، ويقال لكل واحد منهما عينان يبصر بهما، فكيف لو قيل له: عينك كعين الخنزير والقرد والدب والكلب، أو غيرها من السباع، أو هوام الأرض والبهائم، فتدبروا - يا ذوي الألباب - أبين عيني خالقنا الأزلي الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال، وبين عيني الإنسان من الفرقان أكثر أو مما بين أعين بني آدم وبين عيون ما ذكرنا؟ تعلموا (وتستيقنوا أن من سمى علماءنا مشبهة) غير عالم بلغة العرب، ولا يفهم العلم، إذ لم يجز تشبيه أعين بني آدم بعيون) المخلوقين، من السباع والبهائم والهوام، وكلها لها عيون يبصرون بها، وعيون جميعهم محدثة مخلوقة، خلقها الله بعد أن كانت عدما، وكلها تصير إلى فناء وبلى، وغير جائز إسقاط اسم العيون والأبصار عن شيء منها، فكيف يحل لمسلم لو كانت الجهمية من المسلمين أن يرموا من (يثبت لله عينا بالتشبيه، (فلو كان كل ما وقع} عليه الاسم كان مشبها لما يقع عليه ذلك الاسم)، لم يحز قراءة كتاب الله، ووجب محو كل آية بين الدفتين فيها ذكر نفس الله أو عينه أو يده، ولوجب الكفر بكل ما في كتاب الله
من ذكر صفات الرب، كما يجب الكفر بتشبيه الخالق بالمخلوق، إلا أن القوم جهلة، لا يفهمون العلم، ولا يحسنون لغة العرب، فيضلون ويضلون.
والله نسأل العصمة والتوفيق والرشاد في كل ما نقول وندعو إليه.
[عدل] باب ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جل وعلا
والبيان أن الله تعالى له يدان، كما أعلمنا قي محكم تنزيله أنه خلق آدم
بيديه؛ قال
لإبليس: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي).
وقال جل وعلا تكذيبا لليهود حين قالوا: (يد الله مغلولة) فكذبهم في مقالتهم وقال: (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء).
وأعلمنا أن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه و (يد الله فوق أيديهم) وقال: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)
وقال: (تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) وقال: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما).
[عدل] باب ذكر البيان من سنة النبي 
على إثبات يد الله جل وعلا موافقا لما تلونا من تنزيل ربنا لا مخالفا. قد نزه الله نبيه، وأعلى درجته، ورفع قدره عن أن يقول إلا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه.
1 - (58): حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا حماد بن زيد عن مطر الوارق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: لما تكلم معبد الجهني قي القدر … فذكر الحديث بطوله، قد أمليته في كتاب الإيمان.
وفي الخبر؛ قال عبد الله بن عمر: حدثني عمر بن الخطاب: أن رسول الله
(التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته ونفخ فيك من روحه، أمرك بأمره فعصيته، فأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: قد آتاك الله التوراة، فهل وجدت فيها كتبت على الذنب قبل أن أعمله. قال: نعم. قال: فحج آدم موسى فحج آدم موسى) عليهما السلام.
2 - (59): حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
: أن النبي
: قال: "احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال موسى: يا آدم: أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى عليهما السلام".
3 - (60): حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا المعتمر قال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة
، قال: رسول الله
: (احتج آدم وموسى عليهما السلام …) فذكر عمرو الحديث.
4 - (61): حدثنا عمرو، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال. ثنا محمد بن عمرو، قال ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة
قال حدثنا عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
. وثنا عمرو بن مرة، الحديث. وثنا يحيى بن حكيم، قال: ثنا عبد الوهاب، قال ثنا محمد بن عمرو، فذكر الحديث نحوه.
5 - (62): حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري، قال: ثنا صفوان - يعني بن عيسى - قال: ثنا الحرث بن عبد الرحمن، قال: أخبرني يزيد بن هرمز عن أبي هريرة
، قال: قال رسول الله
: (احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال موسى: أنت آدم، خلقك الله بيده) فذكر الحديث بطوله، قد أمليته في كتاب (القدر).
حدثنا أحمد بن ثابت، قال: ثنا صفوان عن الحرث، قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة مثل هذا الحديث، لم يزد ولم ينقص.
6 - (63): حدثنا محمد بن بشار، وأبو موسى قالا: ثنا يحيى قال: بندار: ثنا محمد بن عمرو، وقال: أبو موسى عن محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة
، قال: قال رسول الله
: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسكنه جنته) فذكر الحديث بطوله.
7 - (64) حدثنا يوسف بن موسى، قال: ثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة
قال رسول الله
: (احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم: أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه) وذكر الحديث بطوله.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانه، عن سليمان وهو الأعمش بهذا الإسناد مثله.
قال أبو بكر: (هذا الباب قد أمليته بتمامه في كتاب القدر. قال أبو بكر: فكليم الله خاطب آدم عليهما السلام أن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، على ما هو محفوظ بين الدفتين من إعلام الله جل وعلا عباده المؤمنين: أنه خلق آدم
بيده.
[عدل] باب ذكر قصة ثابتة في إثبات يد الله جل ثناؤه
بسنة صحيحة عن النبي
بيانا أن الله خط التوراة بيده لكليمه موسى، وإن رغمت أنوف الجهمية.
1 - (65): حدثنا عبد الجبار بن العلاء المكي، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرنا طاووس قال: سمعت أبا هريرة
: يذكر عن النبي
(أنه) قال: (احتج آدم وموسى عليهما السلام فقال موسى: يا آدم: أنت أبونا خيبتنا و أخرجتنا من الجنة، فقال آدم يا موسى: اصطفاك الله بكلامه وخط لك (التوراة) بيده، تلوم على أمرك قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال: فحج آدم موسى عليهما السلام).
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، وهو ابن دينار، عن طاووس (أنه) سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله
بمثله، وقال وخط لك التوراة بيده. ولم يذكر: (فحج آدم موسى).
حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس (أنه) سمع أبا هريرة
قال: قال رسول الله
... بمثل حديث عبد الجبار، وقال: (وخط لك التوراة بيده)؛ وقال: أتلومني).
2 - (66): حدثنا أبو موسى، قال: ثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيهمون بذلك، أو يلهمون به، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم: فيقولون يا آدم: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء …)، فذكر الحديث بطوله. قال أبو بكر: خبر شعبة عن قتاده: قد خرجته في أبواب الشفاعة.
3 (67): حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: ثنا معتمر بن سليمان قال أبي، عن سليمان، عن أبي صالح،، أبي هريرة
عن النبي
قال: (احتج آدم وموسىعليهما السلام فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: وأنت يا موسى اصطفاك الله بكلامة، تلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض؟ (قال) فحج آدم موسى).
قد أمليت هذا الباب بتمامه في كتاب القدر.
[عدل] باب ذكر سنة ثالثة في إثبات اليد لله الخالق البارئ
وكتب الله بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه، وفي هذه الأخبار التي نذكرها في هذا الباب إثبات صفتين لخالقنا البارئ مما ثبتها الله لنفسه، في اللوح المحفوظ والامام المبين، ذكر النفس واليد جميعا، وإن رغمت أنوف الجهمية.
1 - (68): حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: ثنا خالد بن كريب - يعني ابن الحرث عن محمد بن عجلان، وثنا محمد بن العلا بن كريب وعبد الله بن سعيد الأشج، قال: ثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن أبيه، عن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله
: "لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي".
2 - (69): حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى قال ثنا ابن عجلان بهذا الإسناد قال: "لما خلق الله آدم كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي".
3: (70): حدثنا يحيى بن حكيم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال ثنا محمد بن عجلان قال: سمعت أبي، عن أبي هريرة
عن النبي
قال: إن الله لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي "
4 - (71): حدثنا يحيى بن حكيم، ثنا أبو، عن الأعمش، عن ذكوان عن أبي هريرة
عن النبي
قال: "لما خلق الله الخلق كتب كتابا و جعله (فوق) العرش: إن رحمتي تغلب غضبي ".
[عدل] باب ذكر سنة رابعة مبينة ليدي خالقنا 
مع البيان: أن لله يدين، كما أعلمنا في محكم تنزيله، أنه خلق آدم بيديه، وكما أعلمنا أن له يدين مبسوطتين، ينفق كيف يشاء.
1 - (72): حدثنا يوسف بن موسى، قال: ثنا جرير وابن فضيل، عن إبراهيم الهجري، وثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا جعفر بن عوف، قال: ثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله
وقال ابن يحيى يرفعه، قال: (إن الله تعالى يفتح أبواب السماء في ثلث الليل الباقي، فيبسط يديه فيقول: " ألا عبد يسألني فأعطيه (قال: فما يزال كذلك حتى يسطع الفجر - وقال ابن يحيى: فيبسط يده: ألا عبد يسألني فأعطيه).
قال أبو بكر: خرجت هذا الحديث بتمامه بعد عند ذكر نزول الرب
كل ليلة بلا كيفية نزول نذكره، لأنا لا نصف معبودنا إلا بما وصف به نفسه، إما في كتاب الله، أو على لسان نبيه
، بنقل العدل عن العدل موصولا إليه، لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية، ولا نحتج أيضا في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس.
[عدل] باب ذكر سنة خامسة تثبت أن لمعبودنا يدا
يقبل بها صدقة المؤمنين، عز ربنا وجل عن أن تكون يده كيد المخلوقين.
1 - (73): حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يزيد - يعني ابن هارون عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري، عن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله
: " أن أحدكم ليتصدق بالتمرة من طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، فيجعلها الله في يده اليمنى، ثم يربيها ما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير مثل أحد ".
2 - (74): حدثنا محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون قال: ثنا محمد - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري، عن أبي هريرة (رضى الله عنه) عن النبي
قال: " إن أحدكم ليتصدق بالتمرة إذا كانت من الطيب ولا يقبل الله إلا طيبا فيجعلها الله في كفه فيربيها كما يربي أحدكم مهرة أو فصيله، حتى تعود في يده مثل الجبل".
قال أبو بكر: هو اللفظة - يعني تعود - من الجنس الذي أقول: إن العود قد يقع على البدء. وأقول: العرب قد تقول (عاد) على معنى صار. وبيقين يعلم أن تلك التمرة التي تصدق بها المتصدق: لم تكن مثل الجبل قبل أن يتصدق بها المتصدق، ثم صغرت فصارت مثل تمرة تحويها يد المتصدق، ثم أعادها الله إلى حالها فصيرها كالجبل. ولكن كانت التمر مثل تمرة تحويها يد المتصدق، فلما تصدق بها صيرها الله الخالق البارئ مثل الجبل. فمعنى قوله: (حتى تعود مثل الجبل): أي تصير مثل الجبل، فافهموا سعة لسان العرب، لا تخدعوا فتغالطوا فتتوهموا أن المظاهر لا تجب عليه الكفارة إلا بتظاهر مرتين، فإن هذا القول خلاف سنة النبي المصطفى
وخلاف قول العلماء، قد بينت هذه المسالة في موضعها.
3 - حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا يعلى، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، بهذا ولم يرفعه.
4 - (75): حدثنا محمد في عقب حديث يزيد، وثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا هشام وهو ابن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله
قال: " ما تصدق أحد بصدقة من كسب يريد من كسب طيب إلا تقبلها الله بيمينه، ثم غذاها كما يغذوا أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون التمرة مثل الجبل ".
5 - (76): حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى - يعني ابن سعيد قال: ثنا ابن عجلان، قال: ثنا سعيد بن يسار، عن أبي هريرة (
) قال: قال رسول الله
: " من تصدق بصدفة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب فيقع في كف الرحمن فيربيه كما يربي أحدكم فصيله حتى أن التمرة لتعود مثل الجبل العظيم ".
6 - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي قال: ثنا هشام ابن سعد بمثل حديث يونس.
7 - (77): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا بكر - يعني ابن مضر قال: ثنا ابن عجلان، قال: أخبرني أبو الحباب، سعيد بن يسار، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله
قال بمثله، وقال: " إلا وهو يضعها في يد الرحمن أو في كف الرحمن وقال: حتى أن التمرة لتكون مثل الجبل العظيم ".
8 - (78): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن سعيد بن يسار أخي أبي مزرد أنه سمع أبا هريرة (
) يقول: قال رسول الله
: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الله بيمينه، وإن كانت مثل تمرة فتربو له في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله".
9 - (78): حدثنا محمد، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا صدقة قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة،
عن النبي
قال: " ما من امرئ يتصدق بصدقة ... ".
10 - (79): قال أبو يحيى: بهذا، يعني حديث: ابن أبي مريم، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب: أن مالكا أخبره عن يحيى بن سعيد، سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله
قال: " من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا كان إنما يضعها في كف الرحمن يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل ".
11 - حدثنا يونس، في عقبه، قال ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي
بمثله.
12 - وحدثنا محمد بن يحيى، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وثنا روح، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال ابن نافع عن أبي هريرة، وقال: ابن يحيى وهذا حديثه: أن رسول الله
قال: بمثله، وقال: " إنما يضعها في كف الرحمن ".
13 - حدثنا محمد، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا يحيى يعني ابن سعيد، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، أنه سمع أبا هريرة بهذا الحديث موقوفا، وقال: " إلا وضعها حين يضعها في كف الرحمن، حتى أن الله ليربي … ".
قال أبو بكر: خرجت هذا الباب في كتاب الصدقات، أول باب من أبواب صدقة التطوع.
14 - (80): حدثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا وهب بن جرير، بن حازم بن العباس، قال: ثنا أبي، قال، سمعت عبيدالله بن عمر يحدث عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة
، وذكر النبي
: فقال: " إذا تصدق الرجل بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا أخذها الله بيمينه، فيربيها لأحدكم اللقمة والتمرة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى أنها لتكون أعظم من أحد ".
15 - (81): حدثنا الحسين بن الحسن، وعتبة بن عبد الله، قالا: ثنا ابن المبارك قال: ثنا عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي الحباب وهو سعيد بن يسار عن أبي هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله
: " ما من عبد مسلم يتصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أن يأخذه بيمينه) فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه - أو قال فصيله - حتى تبلغ التمرة مثل أحد "، وقال عتبة: " قلوصه أو فصيله " ولم أضبط عن عتبة " مثل أحد ".
16 - (82): حدثنا محمد بن رافع وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قالا، ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة (رضى الله عنه)، قال: قال رسول الله
" إن العبد إذا تصدق من طيب تقبلها الله منه، ويأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال في كف الله - حتى تكون مثل الجبل فتصدقوا ".
[عدل] باب ذكر صفة خلق الله آدم 
والبيان الشافي أنه خلقه بيديه، لا بنعمتيه على ما زعمت الجهمية المعطلة إذ قالت: إن الله يقبض بنعمته من جميع الأرض قبضة فيخلق منها بشرا، وهذه السنة السادسة في إثبات اليد للخالق الباري جل وعلا.
1 - (83): حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، و عبد الوهاب الثقفي، قالوا: ثنا عوف عن قسامة بن زهير المازني، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله
وقال بعد الوهاب قال: سمعت رسول الله
يقول: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منها الأحمر والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب ".
2 - (84): وحدثنا أبو موسى، قال: ثنا يحيى بن سعيد وثنا محمد بن رافع، قال: ثنا النضر بن شميل، وثنا أحمد بن سعيد الدرامي، قال: ثنا أبو عاصم كلهم عن عوف، وثنا أبو هاشم، وزياد بن أيوب، قال، ثنا أبو سفيان - يعني الحميري - سعيد بن يحيى الواسطي قال: ثنا عوف عن قسامة ابن زهير، عن أبي موسى قال: قال رسول الله
: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأبيض والأسود، وبين ذلك، السهل والحزن والخبيث ".
هذا حديث أبي هشام، وحديث أبي رافع وأبي موسى مثله، غير أنهما زادا، " الأحمر والطيب "، وزاد أبو موسى في آخره " وبين ذلك "، وقال الدارمي: " من جميع الأرض جاء منهم السهل والحزن والخبيث والطيب والأحمر والأسود ". وقال أبو موسى: قال: حدثني قسامة بن زهير.
[عدل] باب ذكر سنة سابعة تثبت يد الله
و البيان أن يد الله هي العليا، كما أخبر الله في محكم تنزيله: (يد الله فوق أيديهم)، فخبر النبي
أيضا "أن يد الله هي العليا " أى فوق المعطي و المعطى جميعا.
1 - (85): حدثنا يحيى حكيم قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن حكيم بن حزام، قال: سألت النبي
فألحفت في المسألة، فقال: " يا حكيم، ما أكثر مسألتك؟، إن هذا المال حلوة خضرة، وإنما هو أوساخ أيدي الناس، وإن يد الله هي العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل أسفل من ذلك".
2 - (86): حدثنا بندار، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن حكيم بن حزام، قال: سألت رسول الله
من المال، وألححت عليه، فقال، وما أكثر مسألتك يا حكيم، إن هذا المال حلوة خضرة، وهي مع ذلك أوساخ أيدي الناس، وإن يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي ".
قال أبو بكر: مسلم بن جندب قد سمع من ابن عمر غير شيء، وقال أمرني ابن عمر أن أشتري له بدنة، فلست أنكر أن يكون قد سمع من حكيم بن حزام.
3 - (87): حدثنا يوسف بن موسى، قال: ثنا جرير، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، وثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا (أسباط قال: ثنا) إبراهيم الهجري، وثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم الهجري، قال: سمعت أبا الأحوص، عن عبد الله، عن النبي
: أنه قال: " الأيدي ثلاثة: يد الله العليا ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعف من السؤال ما استطعت". هذا لفظ حديث بندار، وقال يوسف، ومحمد بن رافع، عن أبي الاحوص، عن عبد الله، وقال ابن رافع " فيد المعطي الثاني "، وقال يوسف " ويد المعطي التي تليها وقال: استعفوا عن السؤال ما استطعتم " وكلهم أسند الخبر.
4 - (88): حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبيدة بن حميد، قال، حدثني أبو الزعراء وهو عمرو بن عمرو عن أبي الأحوص، عن أبيه، مالك بن نضلة، قال: قال رسول الله
: "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى، فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك".
قال أبو بكر: أبو الزعراء هذا: عمرو بن عمرو بن أخي أبي الأحوص. وأبو الزعراء الكبير الذي روى عن ابن مسعود اسمه: عبد الله ابن هانئ.
[عدل] باب ذكر سنة ثامنة
تبين وتوضح: أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان، لا يسار لخالقنا
، إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجل ربنا عن أن يكون له يسار، مع الدليل على أن قوله
: {بل يداه مبسوطتان } أراد - عز ذكره - باليدين اليدين لا النعمتين كما ادعت الجهيمة المعطلة.
1 - (89): حدثنا محمد بن بشار، وأبو موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن يحيى، ويحيى بن حكيم، قالوا: ثنا صفوان بن عيسى، قال ثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
: " لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد الله، فحمد الله بإذن الله
، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم، وقال له: يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملإ منهم جلوس، فقل السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام (ورحمة الله وبركاته)، ثم رجع إلى ربه
فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك وبنيهم، فقال الله
له ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟، قال: هؤلاء ذريتك، فإذا كان إنسان مكتوب عمره بين عينيه، وإذا فيهم رجل أضوؤهم، (أو من أضوئهم)، لم يكتب له إلا أربعين سنة، فقال: يا رب (من) هذا؟ فقال: هذا ابنك داود وقد كتبت له أربعين سنة، فقال: يا رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له، قال: فإني جعلت له من عمري ستين سنة، قال: أنت وذاك، فقال: ثم أسكن الجنة ما شاء الله، ثم أهبط منها، وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم: قد عجلت، قد كتب لي ألف سنة، قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة، فجحد فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، فيومئذ أمر بالكتاب والشهود ".
هذا حديث (بندار) غير أنه قال: " رحمك الله يا آدم "، وقال: " أو من أضوئهم، قال: يا رب ما هذا " وقال أبو موسى: " عمره مكتوب عنده ": لم يقل " بين عينيه "، وقال: " إذ لآدم ألف سنة، وقال: وإذا فيهم رجل أضرؤهم أو من أضوئهم لم يكتب له إلا أربعين سنة قال: أي رب ما هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: يا رب زده، وقال: عجلت أليس كتب الله لي ألف سنة؟ وقال: ما فعلت فجحد " وهكذا قال يحيى بن حكيم في هذه الأحرف كما قال أبو موسى.
2 - (90): حدثنا محمد بن يحيى، وعبد الرحمن بن بشر، قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة (رضى الله عنه)، فذكر أخبارا عن النبي
قال: قال رسول الله
: " يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء بالليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فانه لم يغض ما في يمينه ". قال: "وعرشه على الماء، وبيمينه الأخرى القبض، يرفع ويخفض ".
هذا لفظ حديث عبد الرحمن، قال: محمد بن يحيى في حديثه: " يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار " وقال: " فإنه لم ينقص مما في يمينه وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض ".
[عدل] باب ذكر سنة تاسعة تثبت يد الله جل وعلا
وهي: إعلام النبي
أن الله غرس كرامة أهل الجنة بيده وختم عليها.
1 - (91): حدثنا محمد بن ميمون المكي، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني من لم تر عيناك مثله، ثم حدثنا مرة فقال: ثنا الأبرار، قلنا من؟ قال: عبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومطرف بن طريف، عن الشعبي، قال: سمعت المغيرة بن شبعة على منبره قال: قال رسول الله
" إن موسى سأل ربه
فقال يا رب: أخبرني بأدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو عبد يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل فيقول: كيف أدخل وقد سكن أهل الجنة الجنة، وأخذوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أما ترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ قال: فيقول نعم، قال فترضى أن يكون لك مثل ما كان لملكين من ملوك الدنيا؟ أترضى أن يكون لك مثل ما كان لثلاثة ملوك من ملوك الدنيا؟، قال ": رب رضيت قال لك مثله ومثله وعشرة أضعافه، ولك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فقال، يا رب، فأخبرني بأعلاهم منزلة قال: هذا أردت، فسوف أخبرك، قال: غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر (ذلك) على قلب بشر، ومصداق ذلك في كتاب الله
: { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } "
[عدل] باب ذكر سنة عاشرة
تثبتت يد الله، وهو إعلام النبي
أمته قبض الله الأرض يوم القيامة، وطيه جل وعلا سمواته بيمينه، مثل المعنى الذي هو مسطور في المصاحف، متلو في المحاريب والكتاتيب والجدور.
1 - (92): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن أبي شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله
" يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، فأين ملوك الأرض ".
2 - (93): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب وهو ابن أبي حمزة عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة، أن أبا هريرة (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله
: " يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك فأين ملوك الأرض ".
3 - (94): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد وهو ابن مسافر عن ابن شهاب. وثنا محمد أيضا قال: ثنا إسحق بن إبراهيم بن العلاء، قال: ثنا عمرو ابن الحرث، قال: حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة (
)، قال سمعت رسول الله
بمثله، يقول.
قال لنا محمد بن يحيى: الحديثان عندنا محفوظان - يعني عن سعيد وأبي سلمة).
4 - حدثنا حماد بحديث سعيد بن المسيب، قال ثنا نعيم بن حماد قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس.
قال أبو بكر: إنما قلت في ترجمة الباب بمثل المعنى الذي هو مسطور في المصاحف لأن الله
قال: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه }.
[عدل] باب تمجيد الرب
نفسه
عند قبضته الأرض بإحدى يديه، وطيه السماء بالأخرى، وهما يمينان لربنا، لا شمال له، تعالى ربنا عن صفات المخلوقين. وهي السنة الحادية عشرة في تثبيت يدي خالقنا
.
1 - (95): حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا إسحق بن عبد الله - يعني ابن أبي طلحة - عن عبيد بن مقسم، عن أبن عمر، " أن رسول الله
قرأ هذه الآيات يوما على المنبر{{ وما قدروا الله حق قدره الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } الآية، ورسول الله
يقول: هكذا بأصابعه يحركها يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله
المنبر حتى قلنا ليخرّن به.
2 - حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، قال: ثنا بهز بن أسد قال: ثنا حماد وهو ابن سلمة عن إسحق بن عبد الله، عن عبيدالله بن مقسم، عن ابن عمر، قال: " قرأ النبي
هذه الآية وهو على المنبر {و السموات مطويات بيمينه} قال: يقول الله: أنا الجبار المتكبر، أنا الملك يمجد نفسه، فجعل النبي
يرددها حتى ظننت أنه سيخر به ".
3 - (96): حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا يعقوب، عن أبي حازم، عن عبيدالله بن مقسم، أنه نظر إلى عبد الله ابن عمر، كيف يحكي رسول الله
، قال: يأخذ الرب جل وعلا سمواته وأراضيه بيديه، (وجعل يقبض يديه ويبسطهما) يقول الله أنا الرحمن حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل (شيء) منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله
"؟
4 - (97): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنا هشام وهو ابن سعد عن عبيدالله بن مقسم عن عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله
على المنبر يقول " { والأرض جميعا فيضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه }، ثم يقول: أنا الله الرحمن الجبار، أين المتكبرون؟ " حتى إني أخشى أن يسقط به المنبر، هكذا ثنا يونس ليس بين هشام بن سعد وبين عبيدالله بن مقسم أحد.
[عدل] باب ذكر السنة الثانية عشرة
في إثبات يدي ربنا
، وهي البيان أن الله تعالى إنما يقبض الأرض بيده يوم القيامة، بعد ما يبدلها فتصير الأرض خبزة لأهل الجنة، لأن الله يقبضها وهي طين وحجارة ورضرض وحمأة ورمل وتراب.
1 - (98): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا أبو صالح، قال، حدثني الليث قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله
قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم بيده خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك، كما قال رسول الله
(قال: فنطر رسول الله
إلينا) ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال، ألا أخبرك بأدامهم؟ قال: بلى، قال: لام، ونون، وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا ".
[عدل] باب السنة الثالثة عشرة في إثبات يدي الله 
وهي إعلام النبي
أن يدي الله يبسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسئ النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
7 - (99): حدثنا محمد بن عبد الله المبارك، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شبعة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، عن النبي
قال: " إن الله
يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده - يعني بالنهار - ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ".
قال أبو بكر: لم يقل المخزومي "بالنهار"، قد أمليت هذا الباب بتمامه في كتاب التوبة والإنابة، فاسمع الدليل على معنى هذا الخبر أن الله تعالى يبسط يده على لفظ الخبر، ليعلم ويتيقن أن عمل الليل يرفع إلى الله قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل.
8 - (100) حدثنا محمد بن عبد الله المخزمي قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير، قال ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات: قال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، ولكن يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
9 - (101): حدثنا محمد بن عبد الله، ثنا وهب بن جرير، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيجة، عن أبي موسى عن النبي
قال: قام فينا رسول الله
بأربع: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل"
[عدل] باب ذكر إمساك الله
اسمه وجل ثناءه السموات والأرض وما عليها على أصابعه
جل ربنا عن أن تكون أصابعه كأصابع خلقه، وعن أن يشبه شيء من صفات ذاته صفات خلقه، وقد أجل الله قدر نبيه
عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكا تبدو نواجذه، تصديقا وتعجبا لقائله. لا يصف النبي
بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته.
1 - (102): حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، وحدثنا يوسف بن موسى، قال: ثنا أبو معاوية وجرير، واللفظ لجرير وحدثنا: سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال أتى النبي
رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم: أبلغك أن الله
يحمل الخلائق على أصبع والسموات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والثرى على أصبع، قال: فضحك النبي
حتى بدت نواجذه، قال: فأنزل الله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة } إلى آخر الآية.
2 - (103): وحدثنا أبو موسى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، وحدثنا: محمد بن بشار، (بندار)، وقال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، وسليمان، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: " جاء يهودي إلى رسول الله
فقال: " يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع والخلائق على أصبع، ويقول: أنا الملك، فضحك رسول الله
حتى بدت نواجذه وقال: { وما قدروا الله حق قدره }.
3 - (104): حدثنا يحيى بن حكيم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال حدثني منصور، وسليمان الأعمش بهذا الإسناد، (الحديث بتمامه).
حدثنا بندار في عقيب خبره قال: ثنا يحيى، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: " فضحك النبي
تعجبا وتصديقا له ".
فقال أبو موسى في عقب خبره: قال يحيى: زاد فيه فضيل بن عياض، عن منصور عن عبيدة، عن عبد الله: فضحك رسول الله
تعجبا وتصديقا له.
4 - حدثنا: أبو موسى في عقب حديث يحيى بن سعيد، قال: ثنا أبو المساور، قال: ثنا أبو عوانه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله، عن النبي
بنحوه، كذا حدثنا به أبو موسى قال: بنحوه.
قال: أبو بكر: الجواد قد يعثر في بعض الأوقات وهم يحيى بن سعيد في إسناد خبر الأعمش، مع حفظه وإتقانه وعلمه بالأخبار، فقال: عن عبيدة عن عبد الله، وإنما هو: عن علقمة.
وأما خبر (منصور) فهو: عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله، والإسنادان ثابتان صحيحان: منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله، والأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. غير مستنكر لإبراهيم النخعي مع علمه وطول مجالسته أصحاب ابن مسعود أن يروي خبرا عن جماعة من أصحاب ابن مسعود عنه.
5 - (105): حدثنا يوسف بن موسى، قال: ثنا جرير، عن منصور عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله قال: " جاء حبر من اليهود إلى رسول الله
فقال: " إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على اصبع، والخلائق كلها على أصبع، ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك أنا الملك، قال: فلقد رأيت رسول الله
: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون }.
6 - (106): حدثنا أبو زرعة؛ عبيدالله بن عبد الكريم، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، وهو يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: مر يهودي بالنبي
فقال: "يا أبا القاسم، ما تقول: إذا وضع الله السماء على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، و الجبال على ذه، وسائر الخلق ذه، فأنزل الله: { ما قدروا الله حق قدره }.
قال أبو بكر: فلعل متوهما يتوهم ممن لم يتحر العلم ولا يحسن صناعتنا في التأليف بين الأخبار، فيتوهم أن خبر ابن مسعود يضاد خير ابن عمر، وخبر أبي سعيد يضاد خيرهما، وليس كذلك، وهو عندنا بحمد الله ونعمته: أما خبر ابن مسعود فمعناه أن الله جل وعلا يمسك ما ذكر في الخبر على أصابعه، على ما في الخبر سواء، قبل تبديل الله الأرض غير الأرض، لأن الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء، وهو مفهوم في اللغة التي خوطبنا بها (لأن الإمساك على الشيء بالأصابع غير القبض على الشيء)، ونقول: ثم يبدل الله الأرض غير الأرض، كما أخبرنا منزل الكتاب على نبيه
في محكم تنزيله في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات}، وبين على لسان نبيه المصطفى
صفة تبديل الأرض غير الأرض، فاعلم
أن الله تعالى يبدلها فيجمعها خبزة واحدة، فيقبض عليها حينئذ كما خبر (في خبر) ابن عمر
، وانكفاءها كما أعلم في خبر أبي سعيد الخدري، فالأخبار الثلاثة كلها ثابتة صحيحة المعاني على ما بينا.
قال أبو بكر:
7 - (107): وروى نمر بن هلال، قال: ثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله
في القبضتين: " هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا ابالي ".
8 - حدثنا أبو موسى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا النمر بن هلال النمري، حدثنا أبو موسى، قال: حدثني الحكم بن سنان، قال: ثنا بن عون قال: ثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
" إن الله تعالى قبض قبضة فقال: إلى الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: إلى النار ولا أبالي ".
[عدل] باب إثبات الأصابع لله 
من سنة النبي
قيلا له، لا حكاية عن غيره، كما زعم بعض أهل الجهل والعناد أن خبر ابن مسعود ليس هو من قول النبي
(وإنما هو من قول اليهود، وأنكر أن يكون ضحك النبي
)، تصديقا لليهودي.
1 - (108): حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، والحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي، ومحمد بن خلاد الباهلي، ومحمد بن ميمون ومحمد ابن منصور المكي، قالوا: ثنا الوليد بن مسلم، قال الزهري عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، (وقال محمد بن خلاد، ثنا المكي، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) قال: حدثني بسر بن عبيدالله الحضرمي، قال: حدثني أبو إدريس الخولاني، قال: حدثني النواس بن سمعان الكلابي، قال سمعت رسول الله
يقول: " ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الله تعالى إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، وكان رسول الله
يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، والميزان بيد الرحمن يخفض ويرفع ".
هذا حديث الباهلي، وقال الآخرون: " فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ". وقال محمد بن ميمون: "أو قال: يضع ويخفض "، بالشك. وقال الحسين بن عبد الرحمن، قال حدثني عبد الرحمن بن يزيد الأزدي، وقال هو والجرجرائي أيضا " يا مقلب القلوب "، و قال لنا عبد الله بن محمد الزهري مرة " ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، (إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين)، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ".
قال أبو بكر: بهذا الخبر استدل أن معنى قوله في خبر أبي موسى: " يرفع القسط ويخفضه "، أراد بالقسط الميزان، كما أعلم في هذا (الخبر أن) الميزان بيد الرحمن، يرفع ويخفض، فقال { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة }. قد أمليت هذا الباب في كتاب القدر.
2 - (109): وروى ابن وهب، قال: حدثني إبراهيم بن نشيط الوعلاني، عن ابن أبي الحسين وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، المكي، عن شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة تحدث أن رسول الله
كان يكثر في دعائه: " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "، (قالت): فقلت يا رسول الله: وإن القلوب لتتقلب؟ قال: " نعم، ما من خلق لله من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه ".
فنساله أن لا يزيع قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
3 - (110): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، وروى عبد الله شراحبيل بن الحكم، عن عامر بن نائل، عن كثير بن مرة، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله
" إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الله، فإذا شاء صرفه وإذا شاء نكسه، ولم يعط الله أحدا من الناس شيئا هو خير من أن يسلك في قلبه اليقين، وعند الله مفاتيح القلوب، فإذا أراد الله بعبده خيرا، فتح له قفل قلبه، واليقين والصدق، وجعل قلبه وعاء، وعيا لما سلك فيه، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة، وعينه بصيره، ولم يؤت أحد من الناس شيئا يعني هو شر من أن يسلك الله في قلبه الريبة، وجعل نفسه شرة شرهه مشرفة متطلعة، لا ينفعه المال وإن أكثر له، وغلق الله القفل على قلبه فجعله ضيقا حرجا، كإنما يصعد في السماء ".
4 - حدثناه: محمد بن يحيى، قال: حدثني إسحق بن إبراهيم الزبيدي، قال: حدثني عبد الله بن رجاء.
قال أبو بكر، أنا أبرأ من عهدة شرحبيل بن الحكم وعامر بن نائل، وقد أغنانا الله فله الحمد كثيرا عن الاحتجاج في هذا الباب بأمثالها، فتدبروا يا أولي الالياب ما نقوله في هذا الباب في ذكر اليدين، كنحو قولنا في ذكر الوجه والعينين، تستيقنوا بهداية الله إياكم وشرحه جل وعلا (صدوركم للايمان بما قصه الله جل وعلا)، في محكم تنزيله ونبيه
من صفات خالقنا
، وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق والصواب والعدل في هذا الجنس مذهبنا، مذهب أهل الآثار ومتبعي السنن، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة، إذ الجهيمة المعطلة جاهلون بالتشبيه.
نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى
ونقول: كلتا يدي ربنا
يمين، على ما أخبر النبي
ونقول: (إن الله
يقبض الأرض جميعا بإحدى يديه ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين لا شمال فيهما، ونقول من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان مستوي التركيب لا نقص في يديه، أقوى بني آدم وأشدهم بطشا، له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين.
ولو أن جميع من خلقهم الله من بني آدم إلى وقتنا هذا وقضى خلقهم إلى قيام الساعة، لو اجتمعوا على معونة بعضهم بعضا وحاولوا على قبض أرض واحدة من الأرضين السبع بأيديهم كانوا عاجزين عن ذلك غير مستطيعين له، وكذلك لو اجتمعوا جميعا على طي جزء من أجزاء سماء واحدة لم يقدروا على ذلك ولم يستطيعوا وكانوا عاجزين عنه، فكيف يكون يا ذوي الحجا من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبها يد الخالق بيد المخلوقين؟ أو كيف يكون مشبها من يثبت أصابع على ما بينه النبي المصطفى
للخالق البارئ؟
ونقول: " إن الله جل وعلا يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع " تمام الحديث.
ونقول: إن جميع بني آدم منذ خلق الله آدم إلى أن ينفخ في الصور لو اجتمعوا على إمساك جزء من أجزاء كثيرة من سماء من سمواته أو أرض من أراضيه السبع بجميع أبدانهم كانوا غير قادرين على ذلك، ولا مستطيعين له، بل عاجزين عنه، فكيف يكون من يثبت لله
يدين على ما ثبته الله لنفسه وأثبته له
مشبها يدي ربه بيدي بني آدم؟
نقول: لله يدان مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، يهما خلق الله آدم
(وبيده كتب التوراة لموسى
، ويداه قديمتان لم تزالا باقيتين، وأيدي المخلوقين مخلوقة محدثة، غير قديمة فانية غير باقية، بالية تصير ميتة ثم رميما، ثم ينشئه الله خلقا آخر { تبارك الله أحسن الخالقين }، فاي تشبيه يلزم أصحابنا أيها العقلاء إذا أثبتوا للخالق ما أثبته الخالق لنفسه وأثبته له نبيه المصطفى
.
وقول هؤلاء المعطلة يوجب أن كل من يقرأ كتاب الله ويؤمن به اقرارا باللسان وتصديقا بالقلب فهو مشبه، لأن الله ما وصف نفسه في محكم تنزيله بزعم هذه الفرقة.
ومن وصف يد خالقه فهو يشبّه الخالق بالمخلوق، فيجب على قود مقالتهم أن يكفر بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه
، عليهم لعائن الله إذ هم كفار منكرون لجميع ما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه،
غير مقرين بشيء منه ولا مصدقين بشيء منه.
نقول: لو شبه بعض الناس يد قوي الساعدين شديد البطش عالم بكثير من الصناعات جيد الخط سريع الكتابة بيد ضعيف البطش من الآدميين، خلو من الصناعات والمكاسب أخرق لا يحسن أن يخط بيده كلمة واحدة، أو شبه يد من ذكرنا أولا بالقوة والبطش الشديد، بيد صبي في المهد أو كبير هرم يرعش لا يقدر على قبض (ولا بسط) ولا بطش، أو نقول له: يدك شبيهة بيد قرد، أو خنزير، أو دب، أو كلب، أو غيرها من السباع، أما ما يقوله سامع هذه المقالة إن كان من ذوي الحجا والنهي: أخطأت يا جاهل التمثيل، ونكست التشبيه، ونطقت بالمحال من المقال، ليس كل ما وقع عليه اسم اليد جاز أن يشبه ويمثل إحدى اليدين بالأخرى وكل عالم بلغة العرب فالعلم عنده محيط أن الاسم الواحد قد يقع على الشيئين مختلفي الصفة، متبايني المعاني. وإذا لم يجز اطلاق اسم التشبيه، إذا قال المرء لابن آدم وللقرد يدان، وأيديهما مخلوقتان، فكيف يجوز أن يسمى مشبها من يقول لله يدان على ما أعلم في كتابه وعلى لسان نبيه
؟ ونقول لبني آدم يدان ونقول ويدا الله بهما خلق آدم، وبيده كتب التوراة لموسى
، ويداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء (وأيدي بني آدم) مخلوقة على ما بينت وشرحت قبل في باب الوجه والعينين وفي هذا الباب.
وزعمت الجهمية المعطلة " أن معنى قوله: { بل يداه مبسوطتان } أي نعمتاه وهذا تبديل لا تأويل.
والدليل على نقض دعواهم هذه أن نعم الله كثيرة لا يحصيها إلا الخالق البارئ، ولله يدان لا أكثر منهما. كما قال لإبليس عليه لعنة الله: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي }، فأعلمنا جل وعلا أنه خلق آدم بيديه، فمن زعم أنه خلق آدم بنعمته كان مبدلا لكلام الله، وقال الله
: { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه }، أفلا يعقل أهل الإيمان: أن الأرض جميعا لا تكون قبضة إحدى نعمتيه يوم القيامة، ولا أن السموات مطويات بالنعمة الآخرى.
ألا يعقل ذوو الحجا من المؤمنين: أن هذه الدعوى التي يدعيها الجهمية جهل، أو تجاهل شر من الجهل، بل الأرض جميعا قبضة ربنا جل وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه وهي: اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا يمين، لا شمال فيهما جل ربنا وعز عن أن تكون له يسار إذ (كون) إحدى اليدين يسارا إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه، وافهم ما أقول من جهة اللغة، تفهم وتستيقن أن الجهمية مبدلة لكتاب الله، لا متأولة قوله: {بل يداه مبسوطتان} لو كان معنى اليد النعمة كما ادعت الجهمية لقرئت: بل يداه مبسوطة، أو منبسطة، لأن (نعم الله) أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمه نعمتين لا أكثر.
فلما قال الله
بل يداه مبسوطتان، كان العلم محيطا أنه ثبت لنفسه يدين لا أكثر منهما، وأعلم أنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
(والآية دالة أيضا على أن ذكر اليد في هذه) الآية ليس معناه النعمة، حكى الله جل وعلا قول اليهود فقال: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } فقال الله
ردا عليهم { غلت أيديهم} وقال: { بل يداه مبسوطتان }، وبيقين يعلم كل مؤمن أن الله لم يرد بقوله { غلت أيديهم }: أي غلت نعمهم، لا، ولا اليهود أن نعم الله مغلولة، وإنما رد الله عليهم مقالتهم وكذبهم في قولهم (يد الله مغلولة) وأعلم المؤمنين أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وقد قدمنا ذكر انفاق الله
بيديه في خبر همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي
: " يمين الله ملأى، سحاء لا يغيضها نفقة ". فأعلم النبي
أن الله ينفق بيمينه، وهما يداه التي أعلم الله أنه ينفق بهما كيف يشاء.
وزعم بعض الجهمية: أن معنى قوله "خلق الله آدم بيديه" (أي بقوته) فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضا، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد في لغة العرب لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة.
قد أعلمنا الله
أنه خلق السماء بأيد، واليد واليدان غير الأيد، إذ لو كان الله آدم بأيد كخلقه السماء، دون أن يكون الله خص خلق آدم بيديه لما قال لإبليس {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}. ولا شك ولا ريب: أن الله
قد خلق ابليس عليه لعنة الله أيضا بقوته، أي إذا كان قويا على خلقه فما معنى قوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} عند هؤلاء المعطلة، و البعوض والنمل وكل مخلوق فالله خلقهم عنده بأيد وقوة؟
وزعم من كان يضاهي بعض مذهبه مذهب الجهمية في بعض عمره لما لم يقبله أهل الآثار فترك أصل مذهبه عصبية: زعم أن خبر ابن مسعود الذي ذكرناه إنما ذكر اليهودي أن الله يمسك السموات على أصبع. الحديث بتمامه وأنكر أن يكون النبي
ضحك تعجبا وتصديقا له. (فقال: إنما هذا من قول ابن مسعود، لأن النبي
إنما ضحك تعجبا لا " تصديقا " لليهودي)، وقد كثر تعجبي من إنكاره ودفعه هذا الخبر، وكان يثبت الأخبار في ذكر الأصبعين. قد احتج في غير كتاب من كتبه بأخبار النبي
: (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين)، فإذاكان هذا عنده ثابتا يحتج به، فقد أقر وشهد أن لله صابع، لأن مفهوما في اللغة: إذا قيل أصبعين من الأصابع: أن الأصابع أكثر من أصبعين، فكيف ينفي الأصابع مرة ويثبتها أخرى؟ فهذا تخليط في المذهب والله المستعان.
وقد حكيت مرارا عن بعض من كان يطيل مجالسته أنه قد انتقل في التوحيد منذ قدم نيسابور ثلاث مرات، وقد وصفت أقاويله التي انتقل من قول إلى قول، وقد رأيت في بعض كتبه يحتج بخبر ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي
، وبخبر خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش، عن النبي
، قال: " رأيت ربي في أحسن صورة "، فيحتج مرة بمثل هذه الأسانيد الضعاف الواهية التي لا تثبت عند أحد له معرفة بصناعة الحديث. ثم عمد إلى أخبار ثابتة صحيحة من جهة النقل، مما هو أقل شناعة عند الجهيمة المعطلة من قوله (رأيت ربي في أحسن صورة)، فيقول: هذا كفر بإسناد ويشنع على علماء الحديث بروايتهم تلك الأخبار الثابتة الصحيحة والقول بها قلة رغبة وجهل بالعلم وعناد. والله المستعان، وإن كان قد رجع عن قوله، فالله يرحمنا وإياه.
[عدل] باب ذكر إثبات الرجل لله 
وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا
التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه المصطفى
.
قال الله
يذكر ما يدعو بعض الكفار من دون الله {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبطرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم}.
فأعلمنا ربنا جل وعلا أن من لا رجل له ولا يد ولا عين ولا سمع فهو كالأنعام بل هو أضل. فالمعطلة الجهمية: الذين هم شر من اليهود والنصارى والمجوس، كالأنعام بل أضل. فالمعطلة الجهمية عندهم كالأنعام بل هم أضل.
1 - (111): فحدثنا محمد بن عيسى قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد ابن إسحاق.
وحدثنا محمد بن أبان، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن (عتبة بن) المغيرة بن الأخنس، عن عكرمة (مولى ابن عباس)، عن ابن عباس: " أن رسول الله
أنشِد قول أمية ابن أبي الصلت الثقفي:
رجل وثور تحت رجل يمينة والنسر للأخرى وليث مرصد
والشمس تصبح كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها إلا معذبة والا تجلد
2 - حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا محمد بن عيسى - يعني ابن الطباع - قال ثنا عبدة - يعني ابن سليمان - قال: ثنا محمد بن إسحاق بهذا الإسناد مثله غير أنه قال: " إن النبي
قال: صدق أمية بن أبي الصلت، في بيتين من شعره قال: رجل وثور " بمثله لفظا واحدا.
3 - (112): حدثنا: محمد بن أبان قال: ثنا يونس بن بكير قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيره بن الأخنس عن عكرمة عن ابن عباس قال: " أنشِد رسول الله
بيتين من قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
رجل وثور تحت رجل يمينة والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال رسول الله
: (صدق)، وأنشد قوله:
لا الشمس تأبي فما تخرج إلا معذبة وإلا تجلد
قال أبو بكر: وإلا تجلد معناه اطلعي، كما قال ابن عباس
4 - (113): حدثنا أبو هشام، زياد بن أيوب، قال: ثنا إسماعيل - يعني ابن علية - قال: ثنا عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر القصة
قال عكرمة: فقلت لابن عباس: وتجلد الشمس؟ فقال: عضضت بهن أبيك، وإنما اضطره الروي إلى أن قال تجلد.
5 - (114): حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا أسد السنة - يعني ابن موسى - قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة قال: (حملة العرش أحدهم على صورة إنسان، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر والرابع على صورة أسد) قال أبو بكر: سنذكر قوله: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله ذلك وقدره.
6 - (115): حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي قال: ثنا عبد الأعلى - يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال: ثنا هشام وهو ابن حسان، عن محمد وهو ابن سيرين عن أبي هريرة
عن رسول الله
قال: " اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة: أي رب: ما لها إنما يدخلها ضعفاء الناس وسقطهم وقالت النار: أي رب إنما يدخلها الجبارون والمتكبرون فقال: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء وأنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وأنه ينشيء لها نشئا، وأما النار فيلقون فيها، ويقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه هناك تمتلئى ويدنو بعضها إلى بعض وتقول: قط قط.
7 - (116): حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي قال: ثنا الحسن بن بلال، قال ثنا حماد بن سليمة، قال: ثنا يونس بن عبيد عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي
قال: " افتخرت الجنة والنار" فذكر نحوه.
8 - (117): حدثنا جميل بن الحسن الجهضمي، قال: ثنا محمد - يعني ابن مروان العقلي - قال: ثنا هشام عن محمد، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
بمثل حديث عبد الأعلى فقال: " وإنه ينشئ لها من يشاء " كذا قال وتقول: قط قط، بخفض القاف.
9 - (118): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا عثمان بن الهيثم بن جهم عن عوف عن محمد عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
اختصمت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، قال: وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا سفلة الناس وسقاطهم أو كما قال فقال الله لها أي للجنة: " أنت رحمتي أرحم بك من شئت من خلقي ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما جهنم فإنها إلا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قد قد قد، وأما الجنة: فإن الله ينشئ لها خلقا.
10 - (119): حدثنا محمد، ثنا روح بن عبادة قال: ثنا عون عن محمد قال: قال أبو هريرة
: اختصمت الجنة والنار، بهذا ولم يرفعه، المعنى واحد ولفظهما مختلف.
11 - حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري: أن النبي
قال: " افتخرت الجنة والنار.
12 - وقال محمد بن يحيى: وساق الحديث نحو حديثهم، قال محمد ثنا عقبة، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا يونس، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن النبي
: بمثله غير أنه قال: " قط، قط، قط، "
13 - (120): حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: عبد الرازق قال: ثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما ثنا أبو هريرة
عن محمد رسول الله
فذكر أحاديث قال: قال رسول الله
: " تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمستكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، وأما النار فلا تتملئ حتى يضع الله رجله فيها فتقول: قط، قط، قط، فهنالك تتملئ ويزوي بعضها إلى بعض، لا يظلم الله
من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله
ينشئ لها خلقا.
قال أبو بكر: ولم أجد في التصنيف هذه اللفظة مقيدة لا بنصب القاف ولا بخفضها.
14 - (121): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي
قال: " افتخرت الجنة والنار: أي رب يدخلني الجبابرة والملوك والاشراف. وقالت الجنة: أي رب يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين، فقال الله للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار (فليقى فيها أهلها فتقول: هل من مزيد؟ )، حتى يأتيها
فيضع قدمه عليها فتنزوي، وتقول: قدني قدني، وأما الجنة فيبقى منها ما شاء الله أن يبقى فينشئ الله لها خلقا ممن يشاء "
15 - (122): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن بعد الله بن بعد الله بن عتبة، عن أبي هريرة
، عن رسول الله
قال: " اختصمت الجنة والنار " قال إسحاق: فذكر الحديث، وقال محمد بن يحيى: ولم أستزده على هذا، قال محمد بن يحيى: الحديث عن أبي هريرة الله عنه مستفيض، فأما عن أبي سعيد فلا.
16 - (123): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا ابن أبي مريم، قال أخبرنا عبد العزيز ابن محمد الداروردي، وقال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
: " يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا ليتبع كل اناس ما كانوا يعبدون. فيمثل لصاحب الصليب صلبيه، ولصاحب التصوير تصويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا تتبعون الناس؟ فيقولون نعوذ بالله منك، الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم، ثم يتوارى، ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا، وهو يأمرهم ويثبتهم. ثم قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: وهل تتمارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم لا تتمارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى، ثم يطلع عليهم فيعرفهم بنفسه، ثم يقول: أنا ربكم فاتبعون فيقوم المسلمون ويضع الصراط فيمر عليه مثل جياد الخيل والركاب، وقولهم عليه: سلم سلم، ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج ثم يقال: هل امتلات؟ فتقول هل من مزيد، ثم يطرح فيها فوج آخر فيقال هل امتلات؟ فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن قدمه فانزوى بعضها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قط، قط، فإذا صير أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار أتي بالموت ملببا فيوقف على السور الذى بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين للشفاعة والهين، فيقال لأهل الجنة ولأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه، هذا الموت الذي وكل بنا " فيضجع فيذبح ذبحا على السور، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "
17 - (124): حدثنا أبوموسى محمد بن المثنى، ثنا عبد الصمد، ثنا أبان بن يزيد ثنا قتادة عن انس: أن رسول الله
قال: " لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ فينزل رب العالمين فيضع قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض فتقول بعزتك قط قط. وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنه الجنة في فضل الجنة".
18 - (125): حدثنا أبو موسى، ني عقبة، قال: ثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا معتمر عن أبيه قال: ثنا قتادة عن أنس قال: ما تزال جهنم تقول هل من مزيد؟ قال: أبو موسى: فذكر نحوه غير أنه قال: أو كما قال.
19 - (125): حدثنا محمد بن عمر بن على بن عطاء بن مقدم قال: ثنا اشعث بن عبد الله الخراساني، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول الله
قال: " يلقى في النار فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رجله أو قدمه فتقول قط قط "
20 - (127): حدنا محمد بن يحيى قال: ثنا أبو سلمة وهو موسى بن إسماعيل قال: ثنا أبان - يعني ابن يزيد العطار - قال: ثنا قتادة، عن انس: (أن نبي الله
كان يقول: " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يدلي فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعزتك، وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنه في فضول الجنة "
21 - (128): حدثنا أبو الفضل - رزق الله بن موسى - إملاء علينا ببغداد، قال: ثنا بهز - يعني ابن أسد - قال: ثنا أبان بن يزيد العطار، قال: ثنا قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
بمثل حديث عبد الصمد غير أنه قال: "فيدلي فيها رب العالمين قدمه"
22 - (129): حدثنا إسماعيل بن إسحاق الكوفي بالقسطاط قال: ثنا آدم - يعني ابن أبي إياس العسقلاني - قال: ثنا شيبان عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول
بمثله، وقال: " يضع رب العزة قدمه فيها، فتقول: قط قط ويزوي"، والباقي مثله.
23 - (130): حدثنا أبو هاشم، زياد بن أيوب، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد عن قتادة، عن أنس النبي
قال: " احتجت الجنة والنار فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني الفقراء والمساكين، فأوحى الله إلى الجنة: أنت رحمتي أسكنك من شئت وأوحى إلى النار: أنت عذابي أنتقم بك ممن شئت، ولكل واحدة منكما ملؤها، فتقول - يعني النار - هل من مزيد حتى يضع فيها قدمه فتقول: قط قط ".
24 - (131): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا حجاج بن منهاك الأنماطي، قال: ثنا حماد، عن عمار، عن أبي هريرة
أن رسول الله
قال: " يلقى في النار أهلها وتقول: هل من مزيد حتى يأتيها ربها فيضع قدمه عليها، فينزوي بعضها (الى بعضها) وتقول: قط قط قط، حتى يأتيها ربها ".
هكذا قال لنا محمد بن يحيى: ثلاثا قط، بنصب القاف.
25 - (132): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عمار بن أبي عما عن أبي هريرة
: قال: سمعت رسول الله
. قال: محمد بن يحيى، فذكر الحديث
26 - (133): حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
: " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل مزيد حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فيزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط (قال أبو بكر: لم أجد في أصلي مقيدا (قط) بنصب القاف ولا بخفضها)، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنهم الجنة "
27 - (134): حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي
قال: " افتخرت الجنة والنار " وذكر نحو حديث حجاج بن منهال عن حماد وقال: حتى يأتيها
فيضع قدمه عليها فتنزوى وتقول: قدني قدني، وأما الجنة فيبقى منها ما شاء الله، أو قال: قال أبو القاسم: " اختصمت الجنة "، فذكر مثل حديث عبد الأعلى، وقال إنه ينشئ لها ما شاء، وقال: " حتى يضع ينشيء الله لها خلقا ما شاء".
28 - (135): حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح، قال: ثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله
أو قال: قال أبو القاسم: "اختصمت الجنة"، فذكر مثل حديث عبد الأعلى، وقال: "إنه ينشئ لها ما شاء" وقال: "حتى يضع فيها قدمه فهناك تمتلىء ويزوى بعضها إلى بعض وتقول: قط، قط".
29 - (136): حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح ثنا حماد، قال: ثنا عمار بن أبي عمار، قال: سمعت أبا هريرة
يقول: " إن رسول الله
قال: يلقى في االنار أهلها، وتقول هل من مزيد ويلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يأتيها (ربها)
فيضع عليها فتنزوي، وتقول: قط، قط، قط "
30 - (137): حدثنا سلم بن جنادة، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة
فقال: " ما تزال جهنم تسأل الزيادة حتى يضع الرب عليها قدمه، فتقول: رب قط رب قط "
سمعت أحمد بن سعيد الدارمي يقول: سمعت روح بن عبادة يقول: طلبت الحديث أو كتبت الحديث عشرين سنة، وصنفت عشرين سنة، قال الدرامي: فذكرته لأبي عاصم فقال: فلو كتب في العشرين أيضا ما الذي كان يجيء به؟ قال أبو بكر: اختلف رواة هذه الأخبار في هذه اللفظة في قوله قط أو قط، فروى بعضهم بنصب القاف، وبعضهم بخفضها، وهم أهل اللغة، ومنهم يقتبس هذا الشأن. ومحال أن يكون أهل الشعر أعلم بلفظ الحديث من علماء الآثار الذين يعنون بهذه الصناعة، يروونها ويسمعونها من ألفاظ العلماء ويحفظونها وأكثر طلاب العربية: إنما يتعلمون العربية من الكتب المشتراة أو المستعارة من غير سماع. ولسنا ننكر أن العرب تنصب بعض حروف الشيء وبعضها يخفض ذلك الحرف لسعة لسانها. قال المطلبي رحمة الله عليه: " لا يحيط أحد علما بالسنة العرب جميعا غير نبي " فمن ينكر من طلاب العربية هذه اللفظة بخفض القاف على رواة الأخبار مغفل ساه، لأن علماء الآثار لم يأخذوا هذه اللفظة من الكتب غير المسموعة بل سمعوها بآذانهم من أفواه العلماء. فأما دعواهم أن (قط) أنها: الكتاب، فعلماء التفسير قد اختلفوا في تأويل هذه اللفظة. ولسنا نحفظ عن أحد منهم أنهم تأولوا قط: الكتاب.
31 - (138): حدثنا محمد بن يحيى، قال ثنا بن يوسف، عن ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: في قوله (عجل لنا قِطنا) قال: عذبنا وثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا ابن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن أشعث بن سوار، عن الحسن في قوله (ربنا عجل لنا قطنا): قال " عقوبتنا "
32 - (139): حدثنا عمي إسماعيل بن خزيمة، قال: ثنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " نصيبنا من النار".
33 - (139): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا محمد بن يوسف، عن سفيان عن ثابت بن هرمز، عن سعيد بن جبير، في قوله: (عجل لنا قطنا) قال: نصيبنا من الجنة.
34 - (141): حدثنا سلم بن جنادة، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز عن سعيد بن جبير: (عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب): قال: " نصيبنا من الآخرة "
35 - (142): حدثنا عمي إسماعيل، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن عطاء الخراساني، في قوله (قطنا) قال: "قضاءنا".
36 - (143): حدثنا محمد بن عمر المقدمي، ثنا شعث بن عبد الله، عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد، في قوله (عجل لنا قطنا) قال: "رزقنا".
[عدل] باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى
الفعال لما يشاء على عرشه، فكان فوقه وفوق كل شيء عاليا كما أخبر الله جلا وعلا في قوله (الرحمن على العرش استوى)، وقال ربنا
: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش). وقال في تنزيل السجدة: (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش). وقال الله تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء).
فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستو على عرش، لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير قيل لنا، كما قالت المعطلة الحهمية: إنه استولى على عرشه، لا استوى، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، كفعل اليهود كما أمروا أن يقولوا: حطة فقالوا: حنطة، مخالقين لأمر الله جل وعلا، كذلك الجهمية.
1 - (144): حدثنا: أحمد بن نصر، قال: أخبرنا الدشتكي، عبد الرحمن بن عبد الله الرازي، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عبد الله ابن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب،: أنه كان جالسا في البطحاء في عصابة ورسول الله
جالس فيهم إذ علتهم سحابة فنظروا إليها، فقال: " هل تدرون ما اسم هذه؟ قالوا: نعم هذا السحاب، فقال رسول الله
: والمزن؟ فقالوا: والمزن. فقال رسول الله
والعنان؟، ثم قال: وهل تدرون كم بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا والله ما ندري. قال: فإن بعد ما بينهما: إما واحدة وإما اثنتان وإما ثلاث وسبعون سنة إلى السماء التي فوقها كذلك، حتى عدهن سبع سموات كذلك ثم قال: فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء (ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش، بين أعلاه واسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، والله فوق ذلك). [2]
ورواه الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس، قال: حدثني عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسا بالبطحاء، في عصابة فيهم رسول الله
، فذكر الحديث بمثل معناه غير أنه قال: "وفوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء وفوق البحر ثمانية أوعال "
2 - (145): حدثناه: عباد بن يعقوب، الصدوق في أخباره، المتهم في رأيه، قال: ثنا الوليد بن أبي ثور قال أبو بكر: يدل هذا الخبر على أن الماء الذي ذكره الله في كتابه أن عرشه كان عليه هو البحر الذي وصفه النبي
في هذا الخبر، وذكر بعد ما بين أسفله وأعلاه، ومعنى قوله: (وكان عرشه على الماء) كقوله: (وكان الله عليما حكيما)، (كان الله عزيزا حكيما)
3 - (146): حدثنا سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال وهو ابن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: اتاه رجل وقال: أرأيت قول الله تعالى (وكان الله) فقال ابن عباس: كذلك كان لم يزل.
4 - (147): حدثنا محمد بن بشار، ثنا وهب - يعني ابن جرير - قال: ثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عم أبيه عن جدة، قال: أتى رسول الله
أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الآنفس، وضاع العيال، ونهكت الاموال وهلكت الأنعام فاستسق (الله) لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله
: ويحك، أتدري ما تقول؟ فسبح رسول الله
، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من جميع خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك، أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه، وعرشه على سمواته وسمواته على أرضه، هكذا وقال بأصابعه مثل القبة، وإنه ليئط به مثل أطيط الرحل بالراكب "
قرئ على أبو موسى، وانا اسمع أن وهبا حدثهم بهذا الإسناد مثله سواء.
قال أبو بكر: في خبر فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة
قال: " قال رسول الله
" وإذا سألتم الله فاسألوه الفردس، فإنه وسط الجنة، وأعلا الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة "
قال - يعني أبو بكر: أمليته في كتاب " الجهاد "
قال أبو بكر: " فالخبر يصرح أن عرش ربنا وجل وعلا فوق جنته، وقد أعلمنا جل وعلا أنه مستو على عرشه، فخالقنا عال فوق عرشه الذي هو فوق جنته "
5 - (148): حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا أسد - يعني ابن موسى - قال: ثنا عبد الرحمن بن الزناد عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة
قال: سمعت رسول الله
يقول: لما قضى الله الخلق كتبه في كتابه، فهو عنده فوق عرشه إن رحمتي غلبت غضبي "
قال أبو بكر: أمليت طرق هذا الخبر في غير هذا الكتاب فالخبر دال على أن ربنا جل وعلا فوق عرشه الذي كتابه أن رحمته غلبت رحمته عنده غضبه عنده.
6 - (149): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: " ما بين كل سماء إلى أخرى مسيرة خمسمائة عام وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش ويعلم أعمالكم "
7 - وحدثنا أحمد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، وقال: ثنا حماد عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن وائل بن ربيعة عن عبد الله قال: " بين كل سماء مسيرة خمسمائة عامة"
8 - (150): حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني قال: ثنا أسد قال: ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: " ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، والعرش فوق السماء والله
فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه"
وقد روى إسرائيل عن أبي إسحق عن عبد الله بن خليفة، أظنه عن عمر، أن امرأة أتت النبي
فقلت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب جل ذكره فقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذ ركب من ثقله.
9 - (151): حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال: ثنا يحيى بن أبي بكير قال ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: ما أدري الشك والظن أنه عن عمر هو من يحيى بن أبي بكير أم من إسرائيل، قد رواه وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحق عن عبد الله بن خليفة مرسلا ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات.
10 - (152): حدثناه: سلم بن جنادة، قال: ثنا وكيع. قال ابن خزيمة: وثنا بشر بن خالد العسكري، قال: ثنا أبو اسامة، قال: ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعد بن معبد، عن أسماء بنت عميس، قالت: كنت مع جعفر بأرض الحبشة، فرأيت امرأة على رأسها مكتل من دقيق، فمرت برجل من الحبشة، فطرحه عن رأسها، فسفت الريح الدقيق، فقالت: أكلك إلى الملك، يوم يقعد على الكرسي، ويأخذ للمظلوم من الظالم).
11 - (153): حدثنا أبو موسى، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام قال: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت أن النبي
قال: (الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض، ومن فوقها يكون العرش، وإن الفردوس من أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فسلوه الفردوس).
وقد أمليت هذا الباب في كتاب ذكر نعيم الجنة.
12 - (154): حدثنا بندار، محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا سفيان، عن عمار، وهو الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره).
13 - (155): حدثنا بندار، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا سفيان عن عمار، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)
14 - (156): حدثنا مسلم بن جنادة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال: (الكرسي موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره).
15 - (157): حدثنا محمد بن العلاء (أبو كريب)، قال: ثنا أبو اسامة عن هاشم وهو ابن عروة، عن أبيه، قال: قدمت على عبد الملك فذكرت عنده الصخرة التي ببيت المقدس فقال عبد الملك: (هذه صخرة الرحمن، التي وضع عليها رجله، فقلت: سبحان الله يقول الله
: {وسع كرسيه السموات والأرض}، وتقول: وضع رجله على هذه، يل سبحان الله؟، إنما هذه جبل قد أخبرنا الله أنه يُنسف نسفا فيذرها قاعا صفصفا).
قال أبو بكر: ولعله يخطر ببال بعض مقتبسي العلم: أن خبر العباس بن عبد المطلب عن النبي
في بعد ما بين السماء إلى التي تليها خلاف خبر ابن مسعود، وليس كذلك هو عندنا، إذ العلم محيط أن السير يختلف، سير الدواب من الخيل والهجن والبغال والحمر والإبل، وسابق بني آدم يختلف أيضا، فجائز أن يكون النبي المصطفى
أراد بقوله بعد ما بينهما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، أي: بسير جواد الركاب من الخيل، وابن مسعود أراد مسيرة الرجال من بني آدم أو مسيرة البغال والحمر أو الهجن من البراذين أو غير الجواد من الخيل.
فلا يكون أحد الخبرين مخالفا للخبر الآخر، وهذا مذهبنا في جميع العلوم أن كل خبرين يجوز أن يؤلف بينهما في المعنى لم يجز أن يقال هما متضادان متهاتران، على ما قد بيناه في كتبنا.
16 - (158): حدثنا علي بن حجر السعدي، قال: ثنا شريك، وثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، في قوله {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}، أملاك في صورة الأوعال).
انتهى حديث علي بن حجر، وزاد عبدة في حديثه (ما بين أظلافهم إلى ركبهم ثلاث وستون سنة)، قال شريك مرة: (ومناكبهم ناشبة بالعرش).
قال: ثنا سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي
قال: قال الله (سبقت رحمتي غضبي) وقال: (يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء بالليل والنهار).
17 - (159): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبى هريرة
عن النبي قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس أخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض قال: فحج آدم موسى".
18 - (160): وحدثنا محمد بن عقبة قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: "احتج آدم وموسى ... "، قال محمد بن يحيى: فذكر الحديث.
قال أبو بكر: خبر أبي صالح عن أبي هريرة، قد سمعه الأعمش عن أبي صالح وليس هو مما دلسه، وخبر أبي سعيد في هذا الإسناد صحيح لا شك فيه، وإنما الشك في خبر أبي سعيد في ذاك الإسناد دون خبر أبي هريرة كذلك.
19 - (161): حدثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عمر بن حفص بن عياث قال: ثنا أبي قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا أبو صالح هريرة
قال، وأراه قد ذكر أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله
: " احتج آدم وموسى" وساق الحديث.
[عدل] باب ذكر البيان أن الله
في السماء
كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه
وكما (هو) مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرار هم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا: فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله، إلى أعلاه لا إلى أسفل.
قال أبو بكر: قد ذكرنا استواء ربنا على العرش في الباب قبل، فاسمعوا الآن ما أتلو عليكم من كتاب ربنا الذي هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب، مما هو مصرح في التنزيل، أن الرب جل وعلا في السماء، لا كما قالت الجهمية المعطلة إنه في أسفل الأرضين - فهو في السماء - عليهم لعائن الله التابعة.
قال الله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض). وقال الله تعالى: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا). أفليس قد أعلمنا يا ذوي الحجا خالق السموات والأرض وما بينهما في هاتين الآيتين أنه في السماء؟
وقال
: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا والالباب أن الرب جل وعلا فوق من يتكلم بالكلمة الطبية، فتصعد إلى الله كلمته؟ لا كما زعمت المعطلة الجهمية أنه تهبط إلى الله الكلمة الطبية كما تصعد إليه!
ألم تسمعوا يا طلاب العلم قوله
لعيسى ابن مريم: (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)، أليس إنما يرفع الشيء من أسفل إلى علا لا من أعلا إلى أسفل؟ وقال الله
: (بل رفعه الله إليه) ومحال أن يهبط الإنسان من ظهر الأرض إلى بطنها أو إلى موضع أخفض منه وأسفل فيقال: رفعه الله إليه لأن الرفعة في لغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى وفوق.
ألم تسمعوا قول خالقنا جل وعلا يصف نفسه: (وهو القاهر فوق عباده)، أوليس العلم محيطا أن الله فوق جميع عباده من الجن والإنس والملائكة الذين هم سكان السموات جميعا؟
أولم تسمعوا قول الخالق البارئ (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)
فأعلمنا الجليل جل وعلا في هذه الآية أيضا أن ربنا فوق ملائكته وفوق ما في السموات وما في الأرض من دابة، وأعلمنا أن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم.
والمعطلة تزعم أن معبودهم تحت الملائكة. ألم تسمعوا قول خالقنا (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) أليس معلوما في اللغة السائرة بين العرب التي خوطبنا (بها) وبلسانهم نزل الكتاب أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر، وهو في السماء لا في الأرض، كذلك مفهوم عندهم أن المعارج: المصاعد، قال الله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا.
وقال جل وعلا: (سبح اسم ربك الأعلى) فالأعلى: مفهوم في اللغة: أنه أعلى شيء وفوق كل شيء، والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه: أعلمنا أنه العلي العظيم. أفليس العلي يا ذوي الحجا ما يكون عليا، لا كما تزعم المعطلة الجهمية أنه أعلى وأسفل ووسط ومع كل شيء وفي كل موضع من أرض وسماء وفي أجواف جميع الحيوان.
ولو تدبروا آية من كتاب الله (ووفقهم الله) لفهمهما لعقلوا أنهم جهال لا يفهمون ما يقولون وبان لهم جهل أنفسهم وخطأ مقالتهم.
وقال الله تعالى لما سأله كليمه موسى
أن يريه ينظر إليه: (قال لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل ) إلى قوله (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) أفليس العلم محيطا يا ذوي الالباب أن الله -
- لو كان في كل موضع ومع كل بشر وخلق كما زعمت المعطلة، لكان متجليا لكل شيء وكذلك جميع ما في الأرض لو كان متجليا لجميع أرضه سهلها ووعرها وجبالها، وبراريها ومفاوزها، ومدنها وقراها، وعمرانها وخرابها، وجميع ما فيها من نبات وبناء (لجعلها دكا) كما جعل الله الجبل الذي تجلى له دكا، قال الله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا).
1 - (162): حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني وعلي بن الحسين، ويحيى بن حكيم، قالوا: ثنا معاذ بن نعاذ العنبري قال: ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك، عن النبي
في قوله (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال: بإصبعه هكذا، واشار بالخنصر من الظفر يمسكه بالإبهام
قال: فقال حميد لثابت: يا أبا محمد دع هذا، ما تريد إلى هذا، قال: فضرب ثابت منكب حميد وقال: ومن أنت ياحميد، وما أنت ياحميد، حدثني به أنس بن مالك عن رسول الله وتقول أنت: دع هذا. هذا لفظه.
2 - (163): حدثنا يحيى حكيم: وقال الزعفراني، وعلي بن الحسين عن حماد بن سلمة قال علي: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن رسول الله وقال الزعفراني عن ثابت البناني، عن انس عن رسول الله في قوله (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال هكذا ووصف معاذ أنه اخرج أول مفصل من خنصره، فقال له حميد الطويل: يا أبا محمد ما تريد إلى هذا؟ فضرب صدرة صربة شديدة وقال: أنت فمن أنت يا حميد، يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله
وتقول: أنت ما تريد إلى هذا.
غير أن الزعفراني قال: " هكذا ووضع إبهامه اليسرى على طرف خنصر الأيسر على العقد الأول "
3 - (164): حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
(لما تجلى ربه للجبل رفع خنصره وقبض على مفصل منها فانساخ الجبل)، فقال له حميد أتحدث بهذا؟ فقال: حدثنا أنس عن النبي
، وتقول لا تحدث به.
4 - (165): حدثنا محمد بن يحيى قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثابت عن أنس عن النبي
في قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال: تجلى قال بيده هكذا ووصف عفان بطرف أصبعه الخنصر، قال: فساح الجبل، فقال حميد لثابت: أتحدث بمثل هذا؟ قال: (فرفع ثابت يده) فضرب صدره قال: حدثنيه أنس عن رسول الله وتقول: أتحدث بمثل هذا؟
5 - حدثنا محمد قال: ثنا الهيثم بن جميل قال: ثنا حماد عن ثابت عن أنس عن النبي
بمثله.
6 - (166): وحدثنا محمد قال: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا حماد قال: ثنا ثابت، عن أنس أن النبي
تلا هذه الآية: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا) قال: فحكاه النبي
فوضع خنصره على إبهامه فساح الجبل فتقطع.
7 - وحدثنا محمد قال: ثنا حجاج - يعني ابن منهال - عن حماد بن سلمة بمثله. عن ثابت عن أنس
عن النبي: (أنه) قرأ هذه الآية: (فلما تجلى ربه للجبل)
8 - حدثنا محمد قال: ثنا سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: تلا رسول الله
: بهذا نحو حديثهم
فاسمعوا يا ذوي الحجا دليلا آخر من كتاب الله أن الله جلا وعلا في السماء مع الدليل على أن فرعون مع كفرة وطغيانه قد أعلمه موسى
بذلك وكانه قد علم أن خالق البشر في السماء: ألا تسمع قول الله يحكي عن فرعون قوله: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى}،
ففرعون - عليه لعنة الله - يأمر ببناء صرح، فحسب أنه يطلع إلى إله موسى، وفي قوله: {وإني لأظنه كاذبا}، دلالة على أن موسى قد كان أعلمه أن ربه - جل وعلا - أعلى وفوق.
وأحسب أن فرعون إنما قال لقومه {وإني لأظنه كاذبا} استدراجا منه لهم، كما خبرنا جل وعلا في قوله {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا}، فأخبر الله تعالى أن هذه الفرقة جحدت - يريد بألسنتهم - لما استيقنتها قلوبهم، فشبه أن يكون فرعون إنما قال لقومه { وإني لأظنه كاذبا}، وقلبه أن كليم الله من الصادقين لا من الكاذبين، والله أعلم أكان فرعون مستيقنا بقلبه على ما أولت أم مكذبا بقلبه ظانا أنه غير صادق.
وخليل الله إبراهيم
عالم في ابتداء النظر إلى الكواكب والقمر والشمس أن خالقه عال فوق خلقه حين نظر إلى الكواكب والقمر والشمس، ألا تسمع قوله: {هذا ربي} ولم يطلب معرفة خالقه من أسفل، إنما طلبه من أعلى مستيقنا عند نفسه أن ربه في السماء لا في الأرض.
[عدل] باب ذكر سنن النبي 
المثبتة أن الله جلا وعلا فو