فتح الباري/الحديث رقم ( 5 ) ( أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل )

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

اذهب إلى: الإبحار, البحث

‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدَانُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏ح ‏ ‏و حَدَّثَنَا ‏ ‏بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنَا ‏ ‏يُونُسُ ‏ ‏وَمَعْمَرٌ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏نَحْوَهُ ‏ ‏قَالَ أَخْبَرَنِي ‏ ‏عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَةِ ‏



                   فتح الباري بشرح صحيح البخاري


           قوله : ( حدثنا عبدان ) ‏


‏هو عبد الله بن عثمان المروزي أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك أخبرنا يونس هو ابن يزيد الأيلي . ‏


           قوله : ( أخبرنا يونس ومعمر نحوه ) ‏


‏أي : أن عبد الله بن المبارك حدث به عبدان عن يونس وحده ، وحدث به بشر بن محمد عن يونس ومعمر معا ، أما باللفظ فعن يونس وأما بالمعنى فعن معمر . ‏


           قوله ( عبيد الله ) ‏


‏هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الآتي في الحديث الذي بعده . ‏


           قوله : ( أجود الناس ) ‏


‏بنصب أجود ; لأنها خبر كان ، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها - وإن كانت لا تتعلق بالقرآن - على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها . ومعنى أجود الناس : أكثر الناس جودا ، والجود الكرم ، وهو من الصفات المحمودة . وقد أخرج الترمذي من حديث سعد رفعه " إن الله جواد يحب الجود " الحديث . وله في حديث أنس رفعه " أنا أجود ولد آدم ، وأجودهم بعدي رجل علم علما فنشر علمه ، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله " وفي سنده مقال ، وسيأتي في الصحيح من وجه آخر عن أنس " كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأجود الناس " الحديث . ‏


           قوله : ( وكان أجود ما يكون ) ‏


‏هو برفع أجود هكذا في أكثر الروايات ، وأجود اسم كان وخبره محذوف ، وهو نحو أخطب ما يكون الأمير في يوم الجمعة . أو هو مرفوع على أنه مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو " ما يكون " وما مصدرية وخبره في رمضان ، والتقدير أجود أكوان رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، وإلى هذا جنح البخاري في تبويبه في كتاب الصيام إذ قال " باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان " ، وفي رواية الأصيلي " أجود " بالنصب على أنه خبر كان ، وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها ، وأجيب بجعل اسم كان ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وأجود خبرها ، والتقدير : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره ، قال النووي : الرفع أشهر ، والنصب جائز . وذكر أنه سأل ابن مالك عنه فخرج الرفع من ثلاثة أوجه والنصب من وجهين . وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خمسة أوجه ، توارد ابن مالك منها في وجهين وزاد ثلاثة ولم يعرج على النصب . قلت : ويرجح الرفع وروده بدون كان عند المؤلف في الصوم . ‏


           قوله : ( فيدارسه القرآن ) ‏


‏قيل الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس ، والغنى سبب الجود . والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، وهو أعم من الصدقة . وأيضا فرمضان موسم الخيرات ; لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله في عباده . فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود . والعلم عند الله تعالى . ‏


           قوله : ( فلرسول الله صلى الله عليه وسلم ) ‏


‏الفاء للسببية ، واللام للابتداء وزيدت على المبتدأ تأكيدا ، أو هي جواب قسم مقدر . والمرسلة أي : المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح ، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة ، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه . ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث " لا يسأل شيئا إلا أعطاه " وثبتت هذه الزيادة في الصحيح من حديث جابر " ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال لا " . وقال النووي : في الحديث فوائد : منها الحث على الجود في كل وقت ، ومنها الزيادة في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح . وفيه زيارة الصلحاء وأهل الخير ، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه ، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار ، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلاه . فإن قيل : المقصود تجويد الحفظ ، قلنا الحفظ كان حاصلا ، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس ، وأنه يجوز أن يقال رمضان من غير إضافة غير ذلك مما يظهر بالتأمل . قلت : وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان ; لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس ، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان ، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة رضي الله عنها . وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب والله أعلم بالصواب . ‏

أدوات شخصية