فتح الباري/الحديث رقم ( 4 ) ( يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فقال ابن )

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

اذهب إلى: الإبحار, البحث

‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَوَانَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ‏

‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏ ‏لِتَعْجَلَ بِهِ ‏   

‏قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُعَالِجُ ‏ ‏مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا وَقَالَ ‏ ‏سَعِيدٌ ‏ ‏أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ‏ ‏ابْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ‏

‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ‏ ‏لِتَعْجَلَ بِهِ ‏ ‏إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ‏  

‏قَالَ جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ‏

‏فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ‏  

‏قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ‏

‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏  

‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ ‏ ‏جِبْرِيلُ ‏ ‏قَرَأَهُ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏كَمَا قَرَأَهُ



                     فتح الباري بشرح صحيح البخاري


            ‏قوله : ( حدثنا موسى بن إسماعيل ) ‏


‏هو أبو سلمة التبوذكي ، وكان من حفاظ المصريين . ‏


            قوله : ( حدثنا أبو عوانة ) ‏


‏هو الوضاح بن عبد الله اليشكري مولاهم البصري ، كان كتابه في غاية الإتقان . ‏ ‏وموسى بن أبي عائشة ‏ ‏لا يعرف اسم أبيه ، وقد تابعه على بعضه عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير . ‏


            قوله : ( كان مما يعالج ) ‏


‏المعالجة محاولة الشيء بمشقة ، أي : كان العلاج ناشئا من تحريك الشفتين ، أي : مبدأ العلاج منه ، أو " ما " موصولة وأطلقت على من يعقل مجازا ، هكذا قرره الكرماني ، وفيه نظر ; لأن الشدة حاصلة له قبل التحرك ، والصواب ما قاله ثابت السرقسطي أن المراد كان كثيرا ما يفعل ذلك ، وورودهما في هذا كثير ومنه حديث الرؤيا " كان مما يقول لأصحابه : من رأى منكم رؤيا " ؟ ومنه قول الشاعر : ‏ ‏وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ‏ ‏على وجهه يلقي اللسان من الفم ‏ ‏قلت : ويؤيده أن رواية المصنف في التفسير من طريق جرير عن موسى بن أبي عائشة ولفظها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه " . فأتى بهذا اللفظ مجردا عن تقدم العلاج الذي قدره الكرماني ، فظهر ما قال ثابت ، ووجه ما قال غيره أن " من " إذا وقع بعدها " ما " كانت بمعنى ربما ، وهي تطلق على القليل والكثير وفي كلام سيبويه مواضع من هذا منها قوله : اعلم أنهم مما يحذفون كذا . والله أعلم . ومنه حديث البراء " كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم مما نحب أن نكون عن يمينه " الحديث ، ومن حديث سمرة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه : من رأى منكم رؤيا " . ‏


            قوله : ( فقال ابن عباس فأنا أحركهما ) ‏


‏جملة معترضة بالفاء ، وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول ، وعبر في الأول بقوله " كان يحركهما " وفي الثاني برأيت ; لأن ابن عباس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة ; لأن سورة القيامة مكية باتفاق ، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر ، وإلى هذا جنح البخاري في إيراده هذا الحديث في بدء الوحي ، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك ولد ; لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، لكن يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك بعد ، أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والأول هو الصواب ، فقد ثبت ذلك صريحا في مسند أبي داود الطيالسي قال : حدثنا أبو عوانة بسنده . وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع . ‏


            قوله : ( فحرك شفتيه ) ‏


            وقوله فأنزل الله ( لا تحرك به لسانك ) ‏


‏لا تنافي بينهما ; لأن تحريك الشفتين ، بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان ، أو اكتفى بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه ; لأنه الأصل في النطق إذ الأصل حركة الفم ، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك ، وقد مضى أن في رواية جرير في التفسير " يحرك به لسانه وشفتيه " فجمع بينهما ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة ولم يصبر حتى يتمها مسارعة إلى الحفظ لئلا ينفلت منه شيء ، قاله الحسن وغيره . ووقع في رواية للترمذي " يحرك به لسانه يريد أن يحفظه " وللنسائي " يعجل بقراءته ليحفظه " ولابن أبي حاتم " يتلقى أوله ، ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره " وفي رواية الطبري عن الشعبي " عجل يتكلم به من حبه إياه " وكلا الأمرين مراد ، ولا تنافي بين محبته إياه والشدة التي تلحقه في ذلك ، فأمر بأن ينصت حتى يقضى إليه وحيه ، ووعد بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان أو غيره ، ونحوه قوله تعالى ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أي بالقراءة . ‏


            قوله : ( جمعه لك صدرك ) ‏


‏كذا في أكثر الروايات وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز ، كقوله أنبت الربيع البقل ، أي : أنبت الله في الربيع البقل ، واللام في " لك " للتبيين أو للتعليل ، وفي رواية كريمة والحموي " جمعه لك في صدرك " وهو توضيح للأول ، وهذا من تفسير ابن عباس . وقال في تفسير ( فاتبع ) أي : فاستمع وأنصت ، وفي تفسير ( بيانه ) أي : علينا أن تقرأه . ويحتمل أن يراد بالبيان بيان مجملاته وتوضيح مشكلاته ، فيستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو الصحيح في الأصول ، والكلام في تفسير الآيات المذكورة أخرته إلى كتاب التفسير فهو موضعه . والله أعلم . ‏

أدوات شخصية