فتح الباري/الحديث رقم ( 2 ) ( أمور الإيمان ) الحديث رقم 8 في صحيح البخاري

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

اذهب إلى: الإبحار, البحث

‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ‏ ‏قَالَ حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي صَالِحٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏الْإِيمَانُ ‏ ‏بِضْعٌ ‏ ‏وَسِتُّونَ ‏ ‏شُعْبَةً ‏ ‏وَالْحَيَاءُ ‏ ‏شُعْبَةٌ ‏ ‏مِنْ الْإِيمَانِ ‏


                      فتح الباري بشرح صحيح البخاري


            قوله : ( عن أبي هريرة ) ‏


‏هذا أول حديث وقع ذكره فيه . ومجموع ما أخرجه له البخاري من المتون المستقلة أربعمائة حديث وستة وأربعون حديثا على التحرير . وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا قال ابن عبد البر : لم يختلف في اسم في الجاهلية والإسلام مثل ما اختلف في اسمه ، اختلف فيه على عشرين قولا . قلت : وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر ، وقال النووي : تبلغ أكثر من ثلاثين قولا . قلت : وقد جمعتها في ترجمته في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك ; ولكن كلام الشيخ محمول على الاختلاف في اسمه وفي اسم أبيه معا . ‏


            قوله : ( بضع ) ‏


‏بكسر أوله ، وحكي الفتح لغة ، وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع كما جزم به القزاز . وقال ابن سيده : إلى العشر . وقيل : من واحد إلى تسعة . وقيل : من اثنين إلى عشرة . ‏ ‏وقيل من أربعة إلى تسعة . وعن الخليل : البضع السبع . ويرجح ما قاله القزاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى ( فلبث في السجن بضع سنين ) . وما رواه الترمذي بسند صحيح أن قريشا قالوا ذلك لأبي بكر ، وكذا رواه الطبري مرفوعا ، ونقل الصغاني في العباب أنه خاص بما دون العشرة وبما دون العشرين ، فإذا جاوز العشرين امتنع . قال : وأجازه أبو زيد فقال : يقال بضعة وعشرون رجلا وبضع وعشرون امرأة . وقال الفراء : وهو خاص بالعشرات إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ولا بضع وألف . ووقع في بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث ويحتاج إلى تأويل . ‏


            قوله : ( وستون ) ‏


‏لم تختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذلك ، وتابعه يحيى الحماني - بكسر المهملة وتشديد الميم - عن سليمان بن بلال ، وأخرجه أبو عوانة من طريق بشر بن عمرو عن سليمان بن بلال فقال : بضع وستون أو بضع وسبعون ، وكذا وقع التردد في رواية مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار ، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه فقالوا : بضع وسبعون من غير شك ، ولأبي عوانة في صحيحه من طريق ست وسبعون أو سبع وسبعون ، ورجح البيهقي رواية البخاري ; لأن سليمان لم يشك ، وفيه نظر لما ذكرنا من رواية بشر بن عمرو عنه فتردد أيضا لكن يرجح بأنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه . وأما رواية الترمذي بلفظ أربع وستون فمعلولة ، وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري ، وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة - كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم ، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها ، لا سيما مع اتحاد المخرج . وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري . وقد رجح ابن الصلاح الأقل لكونه المتيقن . ‏


            قوله : ( شعبة ) ‏


‏بالضم أي قطعة ، والمراد الخصلة أو الجزء . ‏


            قوله : ( والحياء ) ‏


‏هو بالمد ، وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب ، والترك إنما هو من لوازمه . وفي الشرع : خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ولهذا جاء في الحديث الآخر " الحياء خير كله " . فإن قيل : الحياء من الغرائز فكيف جعل شعبة من الإيمان ؟ أجيب بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تخلقا ، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية ، فهو من الإيمان لهذا ، ولكونه باعثا على فعل الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية ولا يقال : رب حياء عن قول الحق أو فعل الخير ; لأن ذاك ليس شرعيا ، فإن قيل : لم أفرده بالذكر هنا ؟ أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب ، إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر ، والله الموفق . وسيأتي مزيد في الكلام عن الحياء في " باب الحياء من الإيمان " بعد أحد عشر بابا . ‏ ‏


          ( فائدة ) ‏


‏قال القاضي عياض : تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد ، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة ، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان . ا ه . ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد ، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان ، لكن لم نقف على بيانها من كلامه ، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره ، وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب ، وأعمال اللسان ، وأعمال البدن . فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات ، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة : الإيمان بالله ، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء ، واعتقاد حدوث ما دونه . والإيمان بملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والقدر خيره وشره . والإيمان باليوم الآخر ، ويدخل فيه المسألة في القبر ، والبعث ، والنشور ، والحساب ، والميزان ، والصراط ، والجنة والنار . ومحبة الله . والحب والبغض فيه ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، واعتقاد تعظيمه ، ويدخل فيه الصلاة عليه ، واتباع سنته . والإخلاص ، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق . والتوبة . والخوف . والرجاء . والشكر . والوفاء . والصبر . والرضا بالقضاء والتوكل . والرحمة . والتواضع . ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير . وترك الكبر والعجب . وترك الحسد . وترك الحقد . وترك الغضب . وأعمال اللسان ، وتشتمل على سبع خصال : التلفظ بالتوحيد . وتلاوة القرآن . وتعلم العلم . وتعليمه . والدعاء . والذكر ، ويدخل فيه الاستغفار ، واجتناب اللغو . وأعمال البدن ، وتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة ، منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة : التطهير حسا وحكما ، ويدخل فيه اجتناب النجاسات . وستر العورة . والصلاة فرضا ونفلا . والزكاة كذلك . وفك الرقاب . والجود ، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف . والصيام فرضا ونفلا . والحج ، والعمرة كذلك . والطواف . والاعتكاف . والتماس ليلة القدر . والفرار بالدين ، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك . والوفاء بالنذر ، والتحري في الإيمان ، وأداء الكفارات . ومنها ما يتعلق بالاتباع ، وهي ست خصال : التعفف بالنكاح ، والقيام بحقوق العيال ; وبر الوالدين ، وفيه اجتناب العقوق . وتربية الأولاد وصلة الرحم . وطاعة السادة أو الرفق بالعبيد . ومنها ما يتعلق بالعامة ، وهي سبع عشرة خصلة : القيام بالإمرة مع العدل . ومتابعة الجماعة . وطاعة أولي الأمر . والإصلاح بين الناس ، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة . والمعاونة على البر ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود . والجهاد ، ومنه المرابطة . وأداء الأمانة ، ومنه أداء الخمس . والقرض مع وفائه . وإكرام الجار . وحسن المعاملة ، وفيه جمع المال من حله . وإنفاق المال في حقه ، ومنه ترك التبذير والإسراف . ورد السلام . وتشميت العاطس . وكف الأذى عن الناس . واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق . فهذه تسع وستون خصلة ، ويمكن عدها تسعا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضم بعضه إلى بعض مما ذكر . والله أعلم . ‏ ‏


            ( فائدة ) : ‏


‏في رواية مسلم من الزيادة " أعلاها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة . ‏ ‏


            ( تنبيه ) : ‏


‏في الإسناد المذكور رواية الأقران ، وهي : عبد الله بن دينار عن أبي صالح ; لأنهما تابعيان ، فإن وجدت رواية أبي صالح عنه صار من المدبج . ورجاله من سليمان إلى منتهاه من أهل المدينة وقد دخلها الباقون . ‏

أدوات شخصية