انتقل إلى المحتوى

صفحة:بشير بين السلطان والعزيز، الجزء الأول (الجامعة اللبنانية، الطبعة الثانية).pdf/53

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
٤٧
الفصل الرابع: العزيز والسلطان

والبذور فقدمتها الحكومة قرضاً وأضافت ثمنها إلى مجموع الضرائب وسرى مبدأ الاحتكار من الزراعة إلى الصناعة. فبعد أن صار العزيز مالك الأراضي الوحيد والتاجر الوحيد لمنتوجها صار أيضاً الصانع الوحيد لصناعاتها وزاد إيراده زيادة كبيرة1. ووافق هـذا كله عصر اضطراب وحروب في أوروبة فزاد الإقبال على الإنتاج المصري وزادت أرباح العزيز.

وكان من جراء هذا الوفر أن أصبح لدى العزيز من المال ما يكفيه للقيام بإصلاح عسكري طالما تاقت نفسه إليه منذ أن سمع بنابوليون ولمس تفوقه وكانت عساكر العزيز تزداد تمرداً وعربدة وعبثاً بالطمأنينة والأمن على الرغم من تيقظه الشديد ورغبته الأكيدة في القيام بواجبه تجاه الأهالي. ففي السنة ١٨٠٧ بعد فوز العزيز على الإنكليز تخلى العساكر عن راياتهم وانسلوا جماعات وزرافات إلى المدن والقرى للنهب والفتك وعندما أقبـل هو يخمد هذه الروح ثاروا عليه وأطلقوا نيرانهم على منزله. وزاده حادث لطيف باشا الـذي أشرنا إليه سابقاً شوقاً إلى الإصلاح لأنه تيقن أنه مهما أدى السلطان وحاشيته من الخدمات فإنه لن يؤيده إلا رغبة في تنزيله عن سدته. فصمم على إيجاد جند مدرب على الأساليب الغربية مُفعم بروح الطاعة والولاء يعتمده في درء الملمات والتغلب على المحن فأصدر أمره بإنشائه سنة ١٨١٦ ولكن هياج الجند الألبانيين وتمردهم جعلاه يؤجل التدبير إلى وقت آخر. وعاد إلى تنفيذ مشروعه بعد أربع سنوات فتعاقد مع الكولونيل سيف الشهير وفتح مدرسة لتدريب الضباط في محل بعيد عن القاهرة وجنودها القدماء في أسوان ثم شكل أورطه الست الأولى في مطلع العام ١٨٢٣ وأنزلها إلى القاهرة بعد ذلك بعام واحـد وأنشأ المدارس المختلفة والمشاغل والمصانع حتى أصبح جيشه أقوى جيوش السلطنة بأسرها. وكان في الوقت نفسه يعد أسطولاً للدفاع البحري بشراء وحـداته من أوروبة أولاً ثم بإنشاء دار للصناعة في الإسكندرية.

أسباب الحرب:

١ - طموح العزيز: وما أن استتب له الحكم على هذا الوجه حتى بدأ بصره يمتد ويرتفع. فتطلَّع أولاً إلى إيالة صيدا المجاورة وإلى سناجق غزة ويافا والقدس وذلك لسببين هامين أولها عطف سليمان باشا والي هذه الإيالة (١٨٠٤-١٨١٩) على المماليك


  1. المؤلف نفسه ص ٥٩٣-٥٩٦. اطلب أيضاً تاريخ الجبرني تحت أخبار السنين ۱۲٢۷ (۱۸۱۲) و۱٢۲۹ (۱۸۱۰) و۱۳۳۱ (۱۸۱٦).