شرح العمدة في الفقه/كتاب الطهارة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
شرح العمدة في الفقه
كتاب الطهارة
ابن تيمية

كتاب الطهارة[عدل]

===باب أحكام المياه==....

مسألة خلق الماء طهورا يطهر من الأحداث والنجاسات

الطهور هو ما يتطهر به مثل الفطور والسحور والوجور فأما الطهور فمصدر طهر الشيء وطهر طهارة وطهرا وطهورا ليس الطهور هو الطاهر ولا مبالغة فيه وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميته وقال جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا أي مطهرة وهذه صفة للماء دون غيره من المائعات فلذلك طهر غيره ودفع النجاسة عن نفسه والحدث هو معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف والنجاسة هي أعيان مستخبثة في الشرع يمتنع المصلي من استصحابها وهي في الأصل مصدر نجس الشيء ينجس نجاسة فهو نجس ويقال نجس الشيء ينجس نجسا ثم سمي الشيء النجس نجاسة ونجسا فلا يثنى ولا يجمع إلا أن يريد الأنواع والماء يطهر من الحدث والنجاسة لقوله تعالى } وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وقوله تعالى { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } وقوله في آية الوضوء { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وتطهر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالماء مشهور وأجمعت الأمة على ذلك

مسألة ولا تحصل الطهارة بمائع غيره

أما طهارة الحدث فهي كالإجماع لأن الله تعالى أمر بالتيمم عند عدم الماء وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( الصعيد الطيب طهور المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين إلا في النبيذ نبيذ التمر فإن بعض العلماء أجاز الوضوء به في الجملة على تفصيل لهم لما روى ابن مسعود قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لقي الجن فقال أمعك ماء قلت لا قال فما في هذه الاداوة قلت نبيذ قال أرنيها تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ ثم صلى رواه الإمام أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي وهذا الحديث قد ضعفه جماعة من الحفاظ ثم إن صح فلعله كان ماء قد طرح فيه تمرات تزيل ملوحته بدليل قوله تمرة طيبة وماء طهور ثم هو منسوخ بآية المائدة التي فرض فيها اليمم عند عدم الماء فإن قصة الجن كانت بمكة في أول الإسلام وأما نجاسة الخبث فعنه ما يدل على أن تزال بكل مائع طاهر يزيل كالخل ونحوه وهو قول أبي حنيفة لأن المقصود هو زوال النجاسة ولذلك يحصل بصوب الغمام وبفعل المجنون وبدون النية وظاهر المذهب كما ذكره الشيخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالماء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وفي دم الحيض وغسل آنية المجوس ولأن الطهارة بالماء يجوز أن تكون تعبدا فلا يلحق به غيره كطهارة الحدث ولأن الماء ألطف وأنفذ في الأعماق مع أنه ليس له في نفسه طعم ولا لون ولا ريح يبقى بعد زوال النجاسة وهو مخلوق للطهارة دون غيره من المائعات فإنها خلقت للآكل وللدهان وغير ذلك وأعمها وجودا وهو طهور يدفع النجاسة عن نفسه ولا يتنجس في وروده عليها إلى غير ذلك من الصفات التي اختص بها فلا يجوز إلحاق غيره به

مسألة فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جاريا لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه وما سوى ذلك يتنجس بمخالطته النجاسة

أما الماء الدائم فظاهر المذهب أنه لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه إذا كان كثيرا إلا أن يظهر فيه طعم النجاسة أو لونها أو ريحها وأن القليل ينجس بالملاقاة وعنه رواية أخرى أن الجميع لا ينجس إلا بالتغير لما روى أبو سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء طهورا لا ينجسه شيء وفي رواية أنه يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها محائض النساء ولحوم الكلاب وعذر الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الماء طهور لا ينجسه شيء رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن قال الإمام أحمد هو حديث صحيح

والصحيح الأول لما روى عبدالله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلا من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث رواه الائمة الخمسة ولفظ ابن ماجة وأحمد في رواية لم ينجسه شيء قال الترمذي حديث حسن فلو كان القليل لا يحمل الخبث ولا يتنجس لم يكن لتقديره فائدة وصح عنه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه ونهى عن اغتسال الجنب فيه وأمر المستيقظ من نوم الليل ألا يغمس يده فيه وأمر بإراقة الإناء من ولوغ الكلب فيه وهذا كله يدل على أن القليل تؤثر فيه النجاسة ولانه لقلته قد تبقى النجاسة فيه غير مستهلكة فيفضي استعماله إلى استعمالها وقوله صلى الله عليه وسلم لا ينجسه شيء يريد والله أعلم أن ذات الماء لا تنقلب نجسة بالملاقاة فرقا بينه وبين المائعات حيث تنقلب نجسة بوقوع النجاسة فيها لأنه طهور يطهر غيره فنفسه أولى فأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله كما يحرم استعمال الثوب الملطخ بالدم والبول فإذا زال التغير كان كزوال النجاسة عن الثوب ولهذا السبب كان سائر المائعات غير الماء ينجس بوقوع النجاسة فيه قليلا كان أو كثيرا في المشهور من المذهب وعنه اعتبار القلتين فيها كالماء وعنه اعتبارها فيما أصله الماء منها كخل التمر دون ما ليس أصله الماء كالعصير وحد الكثير هو القلتان في جميع النجاسات على إحدى الروايتين كما ذكره الشيخ واختاره أبو الخطاب وابن عقيل وأكثر متأخري أصحابنا على ظاهر حديث ابن عمر والرواية الاخرى أن البول من الآدمي والعذرة الرطبة خاصة ينجسان الماء إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه كالمصانع التي بطريق مكة وأكثر نصوص أحمد على هذا وهو قول أكثر المتقدمين من أصحابنا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه رواه الجماعة وقال الخلال وجدنا بإسناد صحيح عن علي أنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم أن ينزحوها وأما الماء الجاري فعن أحمد ما يدل على روايتين إحداهما أنه كالدائم إذا كانت عين النجاسة في جريه منه تبلغ قلتين ولم تتغير فهي طاهرة وإن نقصت عنها فهي نجسه وإن كانت النجاسة واقعة بكل جرية تمر عليها ولم تتغير إن بلغت قلتين فهي طاهرة وإلا فهي نجسة والجرية ما تحاذي النجاسة من فوقها وتحتها وعن يمينها وعن شمالها ما بين جانبي النهر فأما ( ما ) أمامها فهو طاهر لأنها لم تلحقه وكذلك ما وراءها لأنها لم تصل اليه وإن اجتمعت الجريات كلها وفيها جرية طاهرة تبلغ قلتين فالجميع طاهر ما لم يتغير وإلا فهو نجس في المشهور وعلى قولنا إن ضم القليل إلى القليل أو الكثير النجس يوجب طهارة الجميع إذا زال التغير فهنا كذلك

وقال ابن عقيل متى بلغ المجموع هنا قلتين وكانت النجاسة في جرية منه فهو طاهر لأنه ماء واحد وقال السامري إن كانت الجرية التي فيها النجاسة قلتين أو مجموع المتقدم والمتأخر قلتين فهو طاهر وإلا فلا

وهذه الرواية اختيار القاضي وجمهور أصحابنا لعموم حديث القلتين وقياسا للجاري على الدائم والرواية الاخرى أن الجاري لا ينجس إلا بالتغير قليلا كان أو كثيرا اختاره الشيخ وغيره وهو أظهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه وفي لفظ يتوضأ منه ومفهومه جواز ذلك في الجاري مطلقا وكذلك قوله لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ومفهومه جواز الاغتسال في الجاري وإن استدبر الجرية وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبال في الراكد ومفهومه الإذن في البول في الماء الجاري ولو ينجسه لم يأذن فيه وكذلك حديث بئر بضاعة عام ومفهوم حديث القلتين لا يعارض هذا لأن قوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث دليل على أن ما دون القلتين بخلاف ذلك وإذا فرقنا بين جاريه وواقفه حصلت المخالفة لا سيما وسبب الحديث هو السؤال عن الماء الراكد ولأن القليل الواقف إنما ينجس والله أعلم لضعفه عن استهلاك النجاسة والجاري لقوة جريانه يحيلها ويدفعها إذا ورد عليها فكان كالكثير

مسألة والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي القلة هي الجب والخابية سميت بذلك لأنها تقل باليد والتقدير بقلال هجر هكذا رواه الشافعي والدارقطني في حديث مرسل إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر وهي قلال معروفة عندهم كانوا يعتبرون بها الاشياء وهي أكثر القلال وأشهرها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل أذان الفيلة وأما قلال هجر فقال ابن جريج رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشياء فأثبتنا الشيء احتياطا وجعلناه نصفا لأنه أقصى ما يطلق عليه اسم شيء منكر فصارت القلتان خمس قرب بقرب الحجاز وقرب الحجاز كبار معلومة تسع القربة منها نحو مائة رطل كذا نقله الذين حددوا الماء بالقرب وإنما يقال ذلك بعد التجربة فصارت القلتان خمسمائة رطل بالعراقي ورطل العراق الذي يعتبر به الفقهاء تسعون مثقالا فيكون مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم فإذا حسبت ذلك برطل دمشق وهو ستمائة درهم كانت القلتان مائة وسبعة أرطال وسبع رطل

وعنه رواية أخرى أنها أربعمائة رطل لأن يحيى بن عقيل قال رأيت قلال هجر وأظن كل قلة تأخذ قربتين والأول أحوط فإن الثاني إنما أخبر عن ظن وهذا التحديد تقريب في الصحيح من الوجهين وقيل من الروايتين فلو نقص الماء نقصا يسيرا لم يؤثر لأن تقدير القلال بالقرب إنما كان عن رأي وحساب يقبل الزيادة والنقص وتقدير القرب بالارطال تقريب فإن القرب وغيرها من أوعية الماء لا تكاد تتساوى على التحقيق إذ لا يقصد كيل الماء ووزنه غالبا في تطهير الماء فإذا كان الماء كثيرا يبلغ قلتين فإنما ينجس بالتغير فإذا زال التغير طهر لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها كالخمر إذا زالت عنه الشدة المسكرة صار حلالا طاهرا أو كالثوب النجس إذا غسل طهر وذلك بثلاثة اشياء أحدها ان يزول بنفسه فيطهر في أصح الروايتين والثانية لا يطهر لأن النجاسة بحالها لم تزل ولم تستهلك والصحيح الأول لأنها تستهلك بمرور الزمان عليها الثاني أن ينزح الماء ويزول تغيره وهو قلتان فصاعدا لأن بالنزح زالت النجاسة فإن لم يزل تغيره حتى نقص عن القلتين كان حينئذ نجسا بالملاقاة فلا يطهر بزوال تغيره بعد ذلك الثالث أن يضم اليه قلتا ماء طهور جملة أو متتابعا بحسب العادة بصب أو إجراء من عين أو نهر أو نبع ويزول تغيره فيطهر سواء اختلط الماء ان أو لم يختلطا بأن يكون أحدهما صافيا والآخر كدرا لانهما قلتان أضيفتا إلى مائع نجس ولم يغيرهما كان الجميع طاهرا كما لو أضيفتا إلى خمر أو دم وأما الماء القليل فسواء كان متغيرا أو لم يكن لا يطهر حتى يضم إليه قلتا ماء طهور ويزول تغيره لأن نجاسته تكون بملاقاة القليل للنجاسة فإذا كان المضاف إليه كثيرا دفع النجاسة عن نفسه وعما يرد عليه فأما إن أضيف إلى الكثير المتغير أو إلى القليل ما دون القلتين وزال تغيره لم يطهر في ظاهر المذهب وقيل يطهر فيهما وقيل يطهر في الصورة الأولى دون الثانية فأما إن طرح فيه تراب فقطع تغيره لم يطهر ولا يجب غسل جوانب النهر في أصح الروايتين

فصل

فإن تغير بعض الماء الكثير بالنجاسة لم تنجس بقيته إذا بلغ قلتين في أصح الوجهين وقال ابن عقيل ينجس لأنه ماء واحد وإذا لم يتغير الماء الكثير بالنجاسة وكانت مستهلكة فيه كالبول والخمر جاز استعمال جميعه ولم يجب أن يبقى قدرها وإن كانت النجاسة قائمة فيه وهو قدر القلتين فاغترفت منه في إناء فهو طهور وإن كان أكثر من قلتين جاز التناول من جميع جوانبه سواء كان بينه وبين النجاسة قلتان أو لا وسواء في نجاسته ما يدركه الطرف وما لا يدركه إذا تيقن وصوله إلى الماء في المشهور من المذهب ولو سقطت عذرة أو قطعة ميتة في ماء يسير فانتضح منه بسقوطها شيء فهو نجس وإذا شك هل ما وقعت فيه النجاسة قلتان أو انقص فهو نجس في أصح الوجهين

مسألة وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور أو خالطه فغلب على اسمه أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته

أما إذا طبخ فيه كماء الباقلي المغلي فإنه قد صار أدما ومرقة ليس بماء حقيقة ولا اسما وأما إذا خالطه فغلب على اسمه أما بأن سلب الماء رقته وجريانه فتصير صبغا وحبرا إن كان كثيفا أو تكون أجزاؤه أكثر من أجزاء الماء إن كان لطيفا حتى يقال حل فيه ماء أو ماء ورد فيه ماء فهذا لم تنف فيه حقيقة ولا اسما وإن غير طعمه أو لونه أو ريحه سلبه التطهير أيضا في أشهر الروايتين لأنه ليس بماء مطلق

والرواية الاخرى هو باق على تطهيره وكذلك على هذه أن غير صفاته الثلاث في أشهر الطريقين وعنه أنه طهور إذا لم يجد المطلق هكذا حكى بعض أصحابنا ثلاث روايات وحكى السامري طريقين أحدهما أن الروايتين على الإطلاق والثانية أن الروايتين فيما إذا عدم الماء المطلق فقط وهي طريقة ابن أبي موسى وعلى الأولى في التغير اليسير ثلاثة أوجه أحدها انه كالكثير والثاني في الفرق بين الرائحة وغيرها والثالث العفو عنه مطلقا وهو اصح

فصل

فأما إن تغير بما لا يمكن صونه عنه فهو باق على طهوريته كالماء المتغير بالطحلب وورق الأشجار المنجابة فيه وما يحمله المد من الغثاء وما ينبت فيه وكذلك ان تغير بطول مكثه وكذلك ما تغير بمجاريه كالقار والنفط لأن هذا التغير لا يمكن صون الماء عنه وهو من فعل الله ابتداء فأشبه التغير الذي خلق الله عليه الماء حتى لو طرحت فيه هذه الاشياء عمدا سلبته التطهير إلا الملح المنعقد من الماء لأنه ماء فهو كذوب الثلج والبرد وفي التراب وجهان لكونه طهورا في الجملة

وإن تغير بطاهر لا يخالطه كالخشب والادهان وقطع الكافور فهو باق على طهوريته في أشهر الوجهين ولا أثر لما غير الماء في محل التطهير مثل ان يكون على بدن المغتسل زعفران أو سدر أو خطمي فتغير به لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المحرم وغسل ابنته بماء وسدر وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر ولأن هذا تدعو اليه الحاجة

فصل وأما المستعمل في رفع الحدث فهو طاهر في ظاهر المذهب لما روى جابر قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب وضوءه علي متفق عليه

وفي الصحيح أيضا عن المسور بن مخرمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ولأن بدن المحدث طاهر فلا ينجس الماء بملاقاته كسائر الطاهرات ودليل طهارته ما روى الجماعة عن أبي هريرة قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال أين كنت يا أبا هريرة فقال كنت جنبا فقال سبحان الله إن المؤمن لا ينجس وهو مع طهارته غير مطهر في المشهور أيضا لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب قالوا يا أبا هريرة كيف يفعل قال يتناوله تناولا رواه مسلم ولو كان الغسل فيه يجزئ ولا يغير الماء لم ينه عنه ولأن الصحابة ما زالوا تضيق بهم المياه في اسفارهم فيتوضؤون ولا يجمعون مياه وضوئهم ولو كانت مطهرة لجمعوها ولأنه مستعمل لإزالة مانع من الصلاة فانتقل حكم المنع إليه كالمستعمل في إزالة النجاسة وما دام الماء يجري على بدن المغتسل وعضو المتوضئ على وجه الاتصال فليس بمستعمل حتى ينفصل

فإن انتقل من عضو إلى عضو لا يتصل به مثل أن يعصر الجنب شعر رأسه على لمعة من بدنه أو يمسح المحدث رأسه ببل يده بعد غسلها فهو مستعمل في إحدى الروايتين كما لو انفصل إلى غير محل التطهير مثل أن يمسح رأسه ببل يأخذه من لحيته أو يعصر شعره في كفه ثم يرده على اللمعة وفي الاخرى ليس بمستعمل وهو أصح لما روت الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه رواه أحمد وأبو داود وعن ابن عباس قال اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنابة فلما خرج رأى لمعة على منكبه الايسر لم يصبها الماء فعصر شعره عليها رواه أحمد وابن ماجة ولانه ما زال يتنقل في مواضع التطهير فأشبه انتقاله إلى محل متصل وإن اغتمس الجنب في ماء يسير بنية الطهارة صار الماء مستعملا ولم يرتفع حدثه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك والنهي يقتضي الفساد وهل يصير مستعملا بانفصاله أول جزء منه أو بملاقاة أول جزء منه على وجهين انسبهما بكلامه الأول وصار هنا مستعملا قبل انفصال جميع البدن بخلاف ما إذا اغتسل لا يصير حتى ينفصل كما أن الماء إذا ورد على النجاسة لم ينجس حتى ينفصل وإذا وردت على قليله نجسته ولو لم ينو الاغتسال حتى انغمس كان كمن صب عليه الماء فترتفع الجنابة ويصير مستعملا في وجه وفي وجه لا يرتفع إلا عن أول جزء منفصل وإذا غمس المتوضئ يده في الإناء بعد غسل وجهه ولم ينو غسلها فيه لم يصر مستعملا وقيل يصير مستعملا كما لو اغترف بها الجنب بعد النية والصحيح الأول لأن عبد الله بن زيد لما توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم اغترف بيده من الإناء بعد غسل وجهه وقال هكذا كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الجنب في رواية والرواية الاخرى الفرق للعسر والمشقة في الوضوء ولأن الاثر جاء فيه وإذا كان الانغماس في ماء كثير لم يغيره كالنجاسة واولى

ولو جمع حتى بلغ قلتين كان كالماء القليل النجس إذا جمع إلى مثله حتى بلغ قلتين لا يصير طهورا في ظاهر المذهب

فصل

فأما المستعمل في طهر مستحب كغسل الجمعة وتجديد الوضوء فهو طهور في أظهر الروايتين لأنه لم يزل مانعا وفي الاخرى هو غير مطهر لأنه مستعمل في طهارة شرعية فأشبه الأول وعلى هذا إذا قلنا إن وطء الذمية لا يجوز حتى تغتسل من الحيض وهو إحدى الروايتين فاغتسلت كان ذلك الماء مستعملا لأنه أزال المانع وقيل لا يكون مستعملا لأنه ليس بعبادة

وإذا غسل رأسه بدلا عن المسح ففي المسألة وجهان فأما فضل الطهور وهو ما تبقى في الإناء فهو طهور سواء كان المتطهر رجلا أو أمرأة لما روى ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من صحفة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقلت يا رسول الله إني كنت جنبا فقال إن الماء لا يجنب رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح لكن إذا خلت بالطهارة منه أمرأة لم يجز للرجل أن يتطهر به في وضوء ولا غسل في أشهر الروايتين

لما روى الحكم بن عمرو الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الخمسة وقال الترمذي هذا حديث حسن قال أحمد أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه ويحمل توضؤ النبي صلى الله عليه وسلم بفضل وضوء ميمونه على أنها لم تخل به توفيقا بين الحديثين وإن تعارضا فحديث المنع أولى لأنه حاضر ولانه ناقل عن الاصل فيكون أولى من المبقي على الاصل لأن الاصل الحل فالحضر بعده فإن كان الحل بعده لزم البعد مرتين وإن كان الحل قبل الحظر لزم مرة واحدة

والخلوة لا يشاركها الرجل سواء شاهدها أو لم يشاهدها في إحدى الروايتين لعموم الحديث خصص منه حال المشاركة لقول عائشة كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة متفق عليه وقال عبد الله بن سرجس اغتسلا جمعيا هي هكذا وأنت هكذا فإذا خلت به فلا تقربه والرواية الاخرى ألا تشاهد عند الطهارة وهي أصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل ميمونة

ومتى شاهدتها أمرأة أو صبي مميز أو كافر فهو كالرجل عند الشريف أبي جعفر وغيره كخلوة النكاح

وقال القاضي يختص بالرجل المسلم لأن الحكم يختص به بخلاف خلوة النكاح وهل يختص ذلك بفضل طهارة الحدث أو يعم طهارتي الحدث والخبث على وجهين وكذلك هل للرجل استعماله في الخبث على وجهين وفيما خلت به الكافرة وجهان فأما ما خلا به خنثى مشكل فلا بأس به ولا يؤثر التطهير من الماء الكثير في أصح الوجهين

فأما فضل طهور الرجل للمرأة فلا بأس به في المنصوص المشهور وقيل تمنع منه ولا بأس بشربه في اصح الروايتين ويكره في الاخرى إذا خلت به

فأما المستعمل في غير الحدث فلا بأس به إلا ما غمس القائم من نوم الليل يده فيه قبل غسلها ثلاثا ففي بقاء طهوريته روايتان فإن قلنا يؤثر فسواء غمسها قبل نية غسلها أو بعده في المشهور وقيل لا يؤثر إلا بعد نية غسلها وقيل بعد نية الوضوء نوى غسلها أو لم ينوه وحد هذه اليد إلى الكوع وفي غمس اليسير كالاصبع والاصبعين وجهان وفي غمس من ليس من أهل الطهارة الشرعية كالكافر والمجنون والصبي غير المميز وجهان ولا يؤثر الغمس في الكثير نص عليه بل يصح وضوؤه فيه ويجزئ عن غسلهما وكذلك ما لو وقف تحت انبوب أو ميزاب فتوضأ ولم ينقل الماء بيده فأما إذا نقله بيده أو صبه فيهما من الإناء صبا وتوضأ قبل غسلهما فهل يجزئه عن غسلهما ويصح وضوؤه على روايتين ويجوز استعمال هذا الماء فيما تستعمل فيه المياه الطاهرة في أشهر الوجهين وفي الآخر يراق بكل حال وإذا لم يجد إلا هذا الماء على القول بأنه غير طهور توضأ به وتيمم والمنفصل من اليد المغسولة كالمغتسل به في رفع الحدث إن قيل بوجوبه وإلا فكالمستحب

فصل

ولا يكره المسخن بالشمس في المنصوص المشهور وقال التميمي وحفيده رزق الله يكره لأنه روى عن عمر لا تغتسلوا بالمشمس فإنه يورث البرص وليس بشيء لأن الناس ما زالوا يستعملونه ولم يعلم أن أحدا برص ولأن ذلك لو صح لم يفرق بين ما قصد بتشميسه وما لم يقصد والاثر ان صح فلعل عمر بلغه ذلك فنهى عنه كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تأبير النخل وقال ما أراه يغني شيئا ثم قال أنتم أعلم بأمر دنياكم لأن المرجع في ذلك إلى العادة وكذلك المسخن بالنار إلا أن يكون شديد الحرارة يمنع غسباغ الوضوء

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في دخول الحمام بالأرز إلا أن يكون الوقود نجسا فيكره في اصح الروايتين لاحتمال وصول بعض اجزاء النجاسة إلى الماء فإن كان بينهما حاجز حصين كره أيضا في أحد الوجهين لأن سخونته إنما كانت باستعمال النجاسة وايقادها هل هو مكروه أو محرم على وجهين وفي كراهة الاغتسال والتوضؤ من ماء زمزم روايتان وأما إزالة النجاسة به فتكره قولا واحدا

مسألة وإذا شك في طهارة الماء أو غيره أو نجاسته بنى على اليقين

يعني إذا تيقن الطهارة ثم شك هل تنجس أم لا بنى على ما تيقنه من طهارته وكذلك إذا تيقن النجاسة وكذلك البدن والثوب والأرض وجميع الأعيان وهذه قاعدة ممهدة في الشرع وهي استصحاب الحال المعلومة وإطراح الشك ولذلك لم يكره التوضؤ بماء سقايات الأسواق والحياض الموروده وكذلك إذا تيقن الحدث أو الطهارة وشك في زواله بنى على المستيقن فإذا شك في عدد الركعات أو الأطواف أو الطلقات بنى على اليقين وهو الأقل وكذلك إذا شك في حياة الرجل وموته لتوريثه بنى على يقين الحياة وإذا شك في خلق الجنين وقت موت مورثه بنى على اليقين وهو العدم وفروع هذا الأصل كثيرة جدا والسبب في ذلك أن الشيء إذا كان على حال فانتقاله عنها يفتقر إلى زوالها وحدوث الأخرى وبقاء الثانية وبقاء الأولى لا يفتقر إلا إلى مجرد الإبقاء فيكون البقاء أيسر من الحدوث فيكون أكثر والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب فإن أخبره مخبر بنجاسته لم يجب أن يقبل منه حتى يبين السبب فيقبل سواء كان رجلا أو أمرأة مستورا أو معروفا بالعدالة بخلاف الفاسق وخبر الصبي كشهادته

مسألة وإن خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما تيقن به غسلها

لأنه اشتبه الطاهر بالنجس فوجب اجتناب الجميع حتى يتيقن الطهارة إما بالغسل أو اليقين كما لو اشتبه المذكى بالميت ولانا قد تيقنا النجاسة فلا يزول حكمها إلا بيقين الطهارة بناء على اليقين فعلى هذا إن كان رآها على يديه أو على ثوبه الملبوس غسل ما يمكن رؤيته وإن رآها على أحد كميه غسل الكمين وإن رآها على بقعة غسلها جميعها فأما إذا تيقن أنها أصابت موضعا بعينه وشك هل أصابت غيره لم يجب أن يغسل إلا ما تيقن نجاسته

وقد نبه الشيخ رحمه الله تعالى على أنه إذا اشتبه الطاهر بالنجس اجتنبهما جميعا وهذا ظاهر المذهب وقال جماعة من أصحابنا يتحرى إذا كانت أواني الماء الطهور أكثر والأول أصح لما تقدم ويلزمه أن يعدم الطهور بخلطه بالنجس أو بإراقتهما في إحدى الروايتين وهذا إذا لم يكن محتاجا اليه للشرب ونحوه فإنه حينئذ لا يريقه ويجب التحري للاكل والشرب في اصح الروايتين ولا يلزمه غسل ما أصاب ه إذا وجد الماء في اصح الوجهين

مسألة وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما

لأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين من غير ضرر فاشبه ما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ثم إن شاء توضأ من كل واحد منهما وضوءا كاملا وإن شاء غسل العضو من هذا ثم من هذا ثم يصلي صلاة واحدة في اصح الوجهين هذا إذا لم يكن محتاجا إلى أحدهما للشرب فإن كان محتاجا اليه توضأ بما يرى أنه المطهر والا بأيهما شاء ويتيمم في الصورتين

مسألة وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجس وزاد صلاة

لانه إذا صلى صلاة زائدة على عدد النجس تيقن أنه صلى في ثوب طاهر ولم تتعد اليه النجاسة بخلاف الاواني ولا يجزئه أن يتحرى كالقبلة للعلة التي تقدمت لأن القبلة يغلب اشتباهها وعليها دلائل منصوبة وإصابة عين الكعبة لا يحصل بالتكرار وسواء قلت النجاسة أو كثرت في المشهور وقال ابن عقيل إذا كثرت ولم يعلم عددها أجزا التحري وهذا التكرار في المياه والثياب إنما يجزئ إذا لم يكن طاهرا بيقين فأما مع وجوده فلا يجزئ إلا به لأنه لا بد من الجزم بالنية إذا أمكن إلا أن يتوضأ بغرفة من هذا وغرفة من هذا

مسألة وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعا إحداهن بالتراب

أما الكلب والخنزير فلا يختلف المذهب في نجاستهما وفي وجوب غسل الاناء من نجاستهما سبعا إحداهن بالتراب لما روى أو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا شرب الكلب في اناء أحدكم فليغسله سبعا رواه الجماعة ولمسلم طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ولمسلم أيضا ( إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار

فلما أمر بإراقة الاناء وسمي الغسل طهورا دل على النجاسة إذا الطهارة الواجبة في عين البدن لا تكون إلا عن نجاسة وعنه أنه يجب غسلها ثمانيا لما روى عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب رواه مسلم وغيره والصحيح أنه عد التراب ثامنة وإن لم تكن غسله كما قال تعالى ثلاثة رابعهم كلبهم يحقق ذلك ان أهل اللغة قالوا إذا كان اسم فاعل على العدد من غير جنس المفعول يجعله زائدا كما قال الله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وإن كان من جنسه جعله أحدهم لقوله ثاني اثنين فلما قال سبع مرات علم أن التراب سماه ثامنا لأنه من غير الجنس وإلا قال فاغسلوه ثمانيا وعفروه الثامنة كما روى أبو داود في حديث أبي هريرة إذا ولغ الكلب في الاناء فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب

واذا ثبت هذا الحكم في الكلب فالخنزير الذي لا يباح اقتناؤه والانتفاع به أصلا ونص عليه القرآن أولى وله ان يستعمل التراب في أي غسله شاء فإن كان المحل يتضرر بالتراب لم يجب استعماله في اصح الوجهين

ويجزئ موضع التراب الاشنان والصابون ونحوهما في أقوى الوجوه

وقيل لا يجزئ مطلقا وقيل لا يجزئ إلا عند عدم التراب واما الغسلة الثامنة فلا تجزئ بدل التراب في الاصح ويجب التسبيع والتراب في جميع نجاسات الكلب من الريق والعرق والبول وغيرها وكذلك في جميع موارد نجاسته التي لا تتضرر بالتراب في المشهور وقيل عنه لا يجب التراب إلا في الاناء خاصة واما سائر الحيوانات فعلى قسمين أحدهما ما يؤكل لحمه فهذا طاهر وكذلك ما لا يؤكل لحمه لشرفه وهو الانسان سواء كان مسلما أو كافرا ولا يكره سؤره في ظاهر المذهب وعنه يكره سؤر الكافر والثاني ما لا يؤكل لحمه وهو ضربان أحدهما ما هو طواف علينا كالهر وما دونها في الخلقة مثل الحية والفأرة والعقرب وشبه ذلك فهذا لا يكره سؤره الا ما تولد من النجاسات كدود النجاسة والقروح فإنه يكون نجسا لنجاسة أصله لما روت كبشة بنت كعب بن مالك أنها سكبت وضوءا لابي قتادة الانصاري فجاءت هرة فأصغى لها الاناء حتى شربت منه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه أصحاب السنن وقال الترميذي حديث حسن صحيح

وعن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها رواه أبو داود

ومما ينبني على ذلك أنه إذا خرجت الهرة أو الفأرة أو الحية من مائع يسير لم تنجسه في المنصوص وقيل تنجسه لملاقاة دبرها والأول أصح لأن من عادة الحيوان جمع دبره إذا دخل الماء خوفا من دخوله فيه فلا يتحقق التنجيس وإذا اكلت نجاسة ثم ولغت في ماء يسير فقيل طاهر وقيل هو نجس إلا أن تغيب غيبة يمكن أنها وردت فيها ماء يطهر فاها وقيل نجس إلا أن تلغوا بعد الاكل بزمن يزول فيه أثر النجاسة بالريق والضرب الثاني من المحرم ما ليس بطواف وهو نوعان أحدهما الوحشي وهو سباع البهائم وجوارح الطير وما يأكل الجيف مثل الفهد والنمر والغراب الابقع والبازي والصقر فهذا نجس في أشهر الروايتين وفي الاخرى هو طاهر لما روى جابر قال قيل يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع كلها رواه الشافعي والدارقطني ولأن الاصل في الاعيان الطهارة ويفارق الكلب بجواز اقتنائه مطلقا وجواز بيعه ووجه المشهور حديث ابن عمر المتقدم في القلتين لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب

ولو كانت اسؤرها طاهرة لم يكن للتحديد فائدة ولا يقال لعله اراد إذا بالت فيه لأن الغالب انها انما ترده للشرب والبول فيه نادر فلا يجوز حمل اللفظ العام على الصور القليلة ثم انه لم يستفصل ولو كان الحكم يختلف لبينه أيضا فإنه صلى الله عليه وسلم لما علل طهارة الهر بأنها من الطوافين علينا علم أن المقتضى لنجاستها قائم وهو كونها محرمة لكن عارضة مشقة الاحتراز منها فطهرت لذلك لأنه لما علل طهارتها بالطواف وجب التعليل به وعند المخالف انها طهرت لأنها حيوان لا يحرم اقتناؤه وليس للطواف اثر عنده ولأن تحريم الاكل يقتضي كونه خبيثا لقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ويقتضي نجاسته الا ما قام عليه الدليل بدليل الميتة والدم ولحم الخنزير ونهيه صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع يؤيد ذلك أو لأنه حيوان حرم لا لحرمته ليس بطواف فكان نجسا كالكلب والخنزير والحديث المتقدم ضعيف لا تقوم به حجة والثاني الانسى وهو البغل والحمار ففيه روايتان وجههما ما تقدم ورواية ثالثة انه مشكوك فيه لتعارض دليل الطهارة والنجاسة فيتوضأ بسؤره ويتيمم والطهارة هنا اقوى لأن فيها معنى الطواف وهو انه لا يمكن الاحتراز منها غالبا

مسألة ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية

في هذه المسألة روايات إحداهن أنه لا يجب العدد بل يجزئ ان تكاثر النجاسة بالماء حتى تزول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة واغسلي عنك الدم وصلي وقال لابي ثعلبة في آنية المجوس إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء وقالت اسماء بنت أبي بكر جاءت أمراة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به فقال تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه وكذلك في غير هذه الأحاديث أمر بغسل النجاسة ولو كان العدد واجبا لذكره في جواب السائل عن التطهير لأنه وقت حاجة ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولأن المقصود إزالة النجاسة فإذا زالت لم يجب الزيادة كغسل الطيب عن بدن المحرم والرواية الثانية يجب ان تغسل ثلاث مرات كما اختاره الشيخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر القائم من نوم الليل ان يغسل يده ثلاثا معللا بتوهم النجاسة فوجوب الثلاث مع تحققها أولى واكتفى في الاستنجاء بثلاثة احجار فالاجتزاء بثلاث غسلات أولى

وروي عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل مقعدته ثلاثا قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء وطهورا رواه ابن ماجة والرواية الثالثة انه يجب التسبيع في جميع النجاسات وهي اختيار أكثر أصحابنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في نجاسة الكلب فوجب إلحاق سائر النجاسات بها لأنها في معناها يحقق ذلك ان الحكم لا يختص بمورد النص بل قد اتفقوا على انه يلحق به الثوب والبدن وغيرهما وكذلك الحقنا بالريق العرق والبول والخنزير

وأيضا فإنه إذا وجب التسبيع في الكلب مع انه مختلف في نجاسته ومرخص في الانتفاع به ففي النجاسات المجمع عليها وجاء التغليظ بها والوعيد بقوله " تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه " مع انها لا تزول غالبا الا بالسبع وأيضا فإن التسبيع في نجاسة الكلب إما ان يكون تعبدا أو انه مظنة للإزالة غالبا فعلق الحكم به كالعدد في الاستجمار لئلا يتوهم حصول الازالة بدونها مع بقاء النجاسة وكذلك جعلها الغاية في غسل الميت ولغير ذلك من الأسباب ومهما فرض من ذلك فالنجاسات كلها سواء

ويؤيد ذلك انا لما الحقنا غير الحجر به في باب الاستنجاء اشترطنا العدد فإذا الحقنا المزيل بالمزيل في العدد فكذلك المزال بالمزال واما الأحاديث المطلقة فلعله صلى الله عليه وسلم ترك ذكر العدد اكتفاء بالتنبيه عليه بالولوغ أو بجهة أخرى فإنها قضايا اعيان أو لعلمه بأنها لا تزال في تلك الوقائع الا بالتسبيع أو لعل ذلك كان قبل فرض العدد في غسل الولوغ ولا يمكن ان يقال الأحاديث مطلقة بعده لأنه يلزم منه التغيير مرتين والاجتزاء بثلاثة احجار لأنها محففة وهي لا تمنع النجاسة بخلاف الماء فإنه يمنع النجاسة وكذلك لا يحصل الانقاء بدون السبع في الغالب

وعنه رواية رابعة يجب السبع فيما عدا السبيلين فإنه يجزئ فيهما ثلاث لما تقدم والفرق بينهما تكرر نجاسة السبيلين ومشقة السبع فيهما وكذلك اكتفى فيهما بالجامد وعنه يجب التسبيع في السبيلين وفيما عدا البدن فأما سائر البدن فلا عدد لأن البدن يشق التسبيع فيه لكثرة ملاقاته النجاسة تارة منه وتارة من غيره بخلاف غيره وبخلاف السبيلين فإن نجاستهما مغلظة كما تقدم ولذلك نجست كثير الماء في رواية وهل يشترط التراب أو ما يقوم مقامه على القول بالتسبيع على وجهين أحدهما يشترط قاله الخرقي وغيره كنجاسة الكلب

وروت ام قيس بنت محصن قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب يصيبه دم الحيض قال حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر رواه الخمسة الا الترمذي فأمر بالسدر مع الماء ونحن نجيز غير التراب من الجامدات على الصحيح والثاني لا يشترط وهو أشهر لما روى أبو هريرة ان خولة بنت يسار قالت يا رسول الله ليس لي الا ثوب واحد وأنا احيض فيه قال فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه قالت يا رسول الله ان لم يخرج اثره قال يكفيك الماء ولا يضرك اثره رواه أحمد وأبو داود وعامة الأحاديث أمر فيها بالماء فقط لا سيما الاستنجاء فإنه نقل عنه قولا وفعلا ونقل عنه دلك يده بالتراب بعده وهو سنة فكيف ترك نقل التدلك بالتراب وهو واجب لكن هذا يقتضي السقوط في نجاسة السبيل ولأن استعمال التراب فيه مشقة عظيمة لا سيما ونحن نشترط طهارته بخلاف العدد فإن النجاسة غالبا لا تزول إلا به وولوغ الكلب يقال فيه لزوجة لا تزول غالبا إلا به

مسألة ( وإن كانت على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء )

النجاسة على الأرض تفارق ما على المنقولات من ثلاثة أوجه أحدها انه لا يشترط فيها عدد سواء كان فيها كلب أو غيره والثاني انه لايشترط انفصال الغسالة عن موضع النجاسة والثالث ان الغسالة طاهرة إذا لم تتغير وذلك للحديث الذي ذكره وهو ما رواه الجماعة عن أبي هريرة ان اعرابيا بال في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم صبوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء وقد روي انهم حفروا التراب فألقوه والقوا مكانه ماء من وجه مرسل ووجه منكر ولم يصححوه ولأن التراب النجس لو كان قد أخرج لم يحتج إلى تطهير الطاهر

وابو هريرة شهد القصة ولم يذكر ذلك فإذا ثبت انهم قد صبوا على المبال الماء فلولا انه قد طهره وانفصل طاهرا لكان ذلك تكثيرا للنجاسة ولأن الأرض وما اتصل بها من البناء والاجرنة لو لم تطهر الا بانفصال الماء عنها وتكرار غسلها مع نجاسة المنفصل قبل المرة الاخرة لافضى ذلك إلى انتشار النجاسة وامتناع إزالتها بالكلية اذ غالب الأرض لا مصرف عندها وما عنده مصرف فنادر والنادر ملحق بالغالب بخلاف ما يمكن نقله وتحويله إلى المصارف وعنه ان النجاسة إذا كانت بولا قائما لم تنشف لا بد من انفصال الماء عنها وانه يكون نجسا بخلاف ما نشف وما في معناه من الجامد لأن الناشف قد جف والأول هو المذهب

فصل

اذا كان مورد النجاسة لم تنتشر بها كالاواني كفى مرور الماء عليها بعد ازالة العين وإن كان قد تشربها كالثياب والطنافس فلا بد من استخراجها بالعصر وشبهه من الفرك والتنقل في كل مرة ولا يكفي تجفيفه عن العصر في اصح الوجهين

ولو بقي بعد المبالغة والاستقصاء اثر لون أو ريح لم يضر لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ولا يضرك اثره والريح قد يعبق عن مجاورة لا مخالطة فهو بالعفو أولى من اللون وإذا غمس المحل النجس في ماء كثير أو ملئ بماء كثير لكثرة لم يحتسب غسله حتى ينفصل الماء عنه في المنصوص كما لو كان الماء قليلا وقد ورد عليه وقيل اذاعولج في الماء بما يليق به من عصر ونحوه حتى يتبدل عليه الماء فتلك غسله لحصول مقصود الانفصال وعلى هذا ما يحتاج إلى العدد يجب اخراجه من الماء سبع مرات على الأول ويكفي تبديل الماء عليه سبع مرات على الثاني وإن غمسه في ماء قليل نجسه ولم يطهر ولم يحتسب غسله كما لو القته ريح وكما لو اغتسل فيه الجنب فأما ان ترك الثوب النجس في وعاء ثم صب عليه الماء وعصره كان غسلة يبني عليها ويطهر المحل بذلك كما لو صب عليه في غير اناء وكما لو اخذ الماء بفمه لتطهير نجاسة فيه ثم مجة وهذا لأن الماء إذا ورد على النجاسة لم يحكم بنجاسته حتى ينفصل كما لا يحكم باستعماله ما دام على العضو ولا تزول طهوريته بتغيره بالطاهر على البدن حتى ينفصل لأن الماء طهور فما دام يتطهر به فطهوريته باقية

فصل

المنفصل قبل طهارة المحل هو نجس سواء كان متغيرا أو لم يكن بخلاف المتصل فإنه إن لم يتغير لم يحكم بتنجيسه حتى ينفصل وإن تغير فتأثيره باق مع نجاسته فأما المنفصل بعد طهارة النجس فنجس أيضا عند ابن حامد والصحيح انه طاهر وهو طهور أيضا في اقوى الوجهين وإن انتضح من المنفصل شيء قبل تكميل السبع فيما يعتبر فيه فقيل يجب تسبيعه وقيل يجب غسله بعدد ما بقي بعد انفصاله فيغسل من الأولى ست وهذا اصح والله أعلم

فصل

ما لا يمكن غسله لا يطهر كالتراب إذا اختلط به رميم الموتى وفتات الروث فأما ما يقع بالماء النجس كاللحم والحب فهل يمكن تطهيره بغسل الحب وغلي اللحم والتجفيف في كل مرة على روايتين فأما اللبن المنقوع بالمائع النجس كالخمر والبول فإنه يصب عليه الماء حتى يداخل اجزاءه ويصير طينا ويذهب اثر النجاسة فإن لم يداخله طهر ظاهره دون باطنه فإن كانت فيه اعيان النجاسة كروث ورميم لم يطهر الا ان يطبخ بالنار فيغسل فيطهر ظاهره لأن النار اكلت النجاسة والماء ازال الاثر ولا يطهر باطنه لأن الماء لم يصل اليه الا ان يسحق سحقا ناعما فيخلص اليه الماء حينئذ وكذلك المائعات كالخل ونحوه لا يطهر لأن النجاسة لا تزايلها الا الماء فإن النجاسة تفارقه كما تقدم وإلا الادهان مثل الزيت والشيرج ونحوهما فإنه يطهر بالغسل على أحد الوجهين وذلك بأ يصب عليه الماء الحار ويفتح في أسفل الوعاء ثقب يخرج منه الماء والا الزئبق فإنه لا يقوى شيء من النجاسات على مداخلته لقوته وتماسكه فاشبه الجامدات

مسألة ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح

وذلك لما روت ام قيس بنت محصن الاسدية انها اتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه عليه ولم يغسله وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتي بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله متفق عليهما وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة وهذا ما لم يطعما فإذا اطعما غسلا جميعا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن

وعن أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقد قيل ان الغلام يبول رزقا مستلقيا على ظهره فينشر نجاسته فتعظم المشقة بغسلها فإذا أكل الطعام قوي واشتد ظهره فقعد فيقل انتشار نجاسته والجارية لا يجاوز بولها محلها وقيل اشياء اخر منها ان الغلام يحمل على الأيدي عادة بخلاف الجارية ومنها ان مزاجه حار فبوله رقيق بخلاف الانثى فإنها شديدة الرطوبة والنضح ان يعم الماء النجاسة وإن لم يجر عنها

ومعنى اكله الطعام ان يشتهيه للاغتذاء به بخلاف ما يحنكه وقت الولادة ويلعقه من الاشربة نحوها

مسألة وكذلك المذي

وهو ماء رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحركت وبتفكر أو نظر أو مس وبعد فتورها من غير احساس به وظاهر المذهب انه نجس وعنه انه طاهر اختاره أبو الخطاب في خلافه لما روى سهل بن حنيف قال كنت القى من المذي شدة وكنت أكثر من الاغتسال فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يجزيك من ذلك الوضوء فقلت يا رسول الله كيف اصنع بما يصيب ثوبي قال يكفيك ان تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى انه أصابه رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح وأحمد ولفظه فتمسح بدل قوله فتنضح به والاثرم ولفظه يجزئك ان تأخذ حفنة من ماء فترش عليه فلم يأمره بغسل فرجه منه ولو كان واجبا لامره ويحمل الامر بالنضح وبالغسل في حديث علي على الاستحباب ولانه جزء من المني إذا يخرج بسبب الشهوة من مخرج المني لكنه لم يستحكم بكمال الشهوة والأول هو المشهور لكن يكفي نضح المحل منه في إحدى الروايتين كما ذكره الشيخ للحديث المذكور وحمله على هذا أولى من حمله وسكوته عن غسله على مجرد الاستحباب فإن الاصل في الامر الوجوب لا سيما في مثل هذا وسكوته عن غسل الفرج منه قد يكون لعلم المستمع فإنه كان عالما بنجاسته ولكن سأل عن موجب خروجه وعن كيفية التطهر منه ولانه متردد بين المني لأنه جزء منه وبين البول لكونه لم يكمل وهو مما يشق التحرز منه فاجرا فيه النضح كبول الغلام والاخرى لا يجزئ الا الغسل لما روي عن علي قال كنت رجلا مذاء فاستحييت ان اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ وإذا أمر بغسل الذكر فكذلك سائر المحال والنضح ينبغي ان يكون في غير مخرجه فأما مخرجه ففي قدر ما يجب غسله منه ثلاث روايات إحداهن يجب الاستنجاء منه كالبول اختارها الخلال لأنه نجس فاشبه سائر النجاسات ولأن في حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المذي الوضوء وفي المني الغسل قال الترمذي حديث حسن صحيح وكذلك حديث سهل لم يذكر الا الوضوء الثانية يجب غسل جميع الذكر ما أصابه منه وما لم يصبه لحديث علي يغسل ذكره الثالثة يغسل جميع الذكر والانثيين اختارها أبو بكر والقاضي

لما روي عن علي قال كنت مذاء فاستحييت ان اسال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فامرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره وانثييه ويتوضأ رواه أحمد وأبو داود فإن قيل يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن علي وهو لم يدركه قلنا مرسله أحد أجلاء الفقهاء السبعة رواه ليبين الحكم المذكور فيه وهذا من اقوى المراسيل وقد روى عبد الله بن سعد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بعد الماء فقال ذاك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وانثييك وتوضا رواه أبو داود

ولأنه خارج بشهوة فجاز أن يجب بغسله أكثر من محله كالمنى وذلك لأن الانثيين وعاؤه فغسلهما يقطعه ويزيل اثره

مسألة ولا يطهر شيء من النجاسات بالمسح ولا يعفى عنه الا أسفل الخف والحذاء فإنه يجزئ دلكه بالأرض في إحدى الروايات وفي الاخرى لا يجزئ كسائر الملبوسات والثالثة يجزئ في غير الغائط والبول لغلظهما ووجه الأولى وهي اصح قوله إذا وطئ أحدكم بنعله الاذى فإن التراب له طهور رواه أبو داود ولانه محل يتكرر إصابة النجاسة له فأجزا فيه المسح كالسبيلين وكذلك خرج في طهارتهما طهارة السبيلين بالاستجمار وجهان وذيول الثياب يتوجه فيها الجواز لحديث ام سلمة وكذلك لا تزول النجاسة بالشمس والريح والاستحالة في المشهور وفي الجميع وجه قوي

مسألة ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه وهو ما لا يفحش في النفس

النجاسات على قسمين ما يبطل الصلاة قليلها وكثيرها وما يعفى عن يسيرها

اما المذي فيعفى عنه في اقوى الروايتين لأن البلوى تعم به ويشق التحرز منه فهو كالدم بل أولى للاختلاف في نجاسته والاجتزاء عنه بنضحه وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته واما الودي فلا يعفى عنه في المشهور عنه كالبول واما الدم فيعفى عن يسيره رواية واحدة وكذلك القيح والمدة والصديد وماء القروح ان كان متغيرا فهو كالقيح والا فهو طاهر كالعرق قال أحمد القيح والصديد والمدة عندي اسهل من الدم الذي فيه شك يعني في نجاسته وسئل القيح والدم عندك سواء فقال الدم لم يختلف الناس فيه والقيح قد اختلف الناس فيه

قال البخاري بزق عبد الله بن أبي اوفى دما فمضى في صلاته وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم ولم يتوضا وحكى أحمد ان ابا هريرة ادخل اصبعه في انفه فخرج عليها دم فلم يتوضا وعن جابر ابن عبدالله انه سئل عن رجل يصلي فامتخط فخرج من مخاطه شيء من دم قال لا بأس بذلك يتم صلاته ولأن الله سبحانه حرم الدم المسفوح خاصة لأن اللحم لا يكاد يخلو من دم فأباحة للمشقة فلأن يبيح ملاقاته في الصلاة أولى لأن الانسان لا يكاد يخلو من دماميل وجروح وقروح فرخص في ترك غسلها

والمعفو عنه دم الادمي ودم البق والبراغيث إن قيل بنجاسته ودم الحيوان المأكول فأما المحرم الذى له نفس سائله فلا يعفى عن دمه لأن التحرز منه يمكن وهو مغلظ لكون لبنه نجسا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه خلع نعليه في الصلاة وعلل بأن فيهما دم حلمة وكذلك دم الحيضة وما خرج من السبيلين لا يعفى عنه في اصح الوجهين لأنه يغلظ بخروجه من السبيل ولذلك ينقض قليله الوضوء والتحرز منه ممكن واما قدر اليسير فعنه ما دون شبر في شبر وعنه ما دون قدر الكف وعنه القطرة والقطرتان وقيل عنه مادون ذراع في ذراع والمشهور عنه ما يفحش في النفس لأن ابن عباس قال في الدم إذا كان فاحشا اعاد

ولأن التقدير مرجعه العرف إذا لم يقدر في الشرع ولا في اللغة قال الخلال الذي استقر عليه قوله ان الفاحش ما يستفحشه كل انسان في نفسه

وهذا هو ظاهر المذهب الا ان يكون قطرة أو قطرتين فيعفى عنه بكل حال لأن العفو عنه لدفع المشقة فإذا لم يستفحشه شق عليه غسله وإذا استفحشه هان عليه غسله قال ابن عقيل الاعتبار بالفاحش في نفوس أكثر الناس واوساطهم ومما يعفى عنه اثر الاستجمار ان لم نقل بطهارته وبول ما يؤكل لحمه وروثه إن قلنا بنجاسته كدمه المختلف فيه ولمشقة الاحتراز منه

وكذلك يعفى عن ( يسير ) ريق الحيوانات المحرمة وعرقها إذا قلنا بنجاستها في إحدى الروايتين وفي الاخرى لا يعفى كريق الكلب والخنزير وعرقهما والفرق بينهما ان هذه الحيوانات يباح اقتناؤها مطلقا ويشق معه التحرز من ريقها وعرقها وقد اختلف في نجاستها وركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا ويعفى عن يسير بول الخفاش في إحدى الروايتين لأنه في وقت النبي صلى الله عليه وسلم والى وقتنا لا يسلم الناس منه في المساجد ولا من الصلاة عليه ( ولا يعفى عن يسير النبيذ المختلف فيه في اصح الروايتين كالمجمع عليه فإنه رواية واحدة ) قال ابن عقيل وفي العفو عن يسير القيء روايتان وكذلك ذكر ان يسير القيء يعفى عنه

وكذلك كلما لا ينقض الوضوء خروجه كيسير الدود والحصى والخارج من غير الفرجين لا يجب غسل موضعه كما لا يجب التوضؤ منه وذكر القاضي في العفو عن أرواث البغل والحمار والسباع روايتين أقواهما أنه لا يعفى واما الذي لا يعفى عن يسيره فكالبول والغائط والخمر والميتة لقول النبي صلى الله عليه وسلم تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وقوله ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ) ولأن هذه نجاسات مغلظة في أنفسها ولا يعم الابتلاء بها وليس في نجاستها اختلاف فلا وجه للعفو عنها مع ان الاختلاف فيها لا اثر له على الاصح

فصل في بيان النجاسات وهي اما حيوان أو جماد اما الحيوان فقد تقدم ذكره وما تحلل من ظاهره مثل ريقه ودمعه وعرقه فهو مثله وأما روث غير المأكول وبوله فهو نجس بكل حال الا ما لا نفس له سائلة فإن روثه وبوله وجميع رطوباته طاهرة وكذلك لبن غير المأكول كالحمر لا يجوز شربه للتداوي ولا غير سواء قلنا بطهارة ظاهرة أو لا إلا لبن الآدمي فإنه ظاهر

وأما الشعر فحكمه حكم ميتته في ظاهر المذهب وعنه انه طاهر مطلقا والقيء نجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ وسواء أريد غسل يده أو الوضوء الشرعي لأنه لا يكون إلا عن نجاسة

فأما بلغم المعدة فطاهر في أقوى الروايتين كبلغم الرأس وفي الاخرى هو نجس كالقيء والبيض واللبن في أحد الوجهين وفي الآخر كالولد

وأما المني فكاللبن مطلقا واما الجماد فالميتة وقد ذكرها في الآنية والدم كله نجس وكذلك المدة والقيح والصديد وماء القروح المتغير على ما ذكرناه من العفو عن يسيره الا الدماء المأكولة كالكبد والطحال وما بقي على اللحم بعد السفح ودم السمك رواية واحدة والا الدماء التي ليست سائلة كدم الذباب والبق والبراغيث في أقوى الروايتين إلا دم الشهيد ما دام عليه لأن الشارع أمر بإبقائه عليه مع كثرته فلو حمله مصل لم تبطل صلاته

وإلا العلقة في وجه كالطحال والمني والصحيح انها نجسة وسواء استحالت عن مني أو عن بيض والمائعات المسكرة كلها نجسة لأن الله سماها رجسا والرجس هو القذر والنجس الذي يجب اجتنابه وامر باجتنابها مطلقا وهو يعم الشرب والمس وغير ذلك وامر بإراقتها ولعن النبي صلى الله عليه وسلم عينها فهي كالدم واولى لامتيازها عليه بالحد وغيره ولا يجوز القصد إلى تخليها فإن خللت لم تطهر في المنصوص المشهور لما روى انس ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا قال لا رواه مسلم وغيره

وعنه أيضا أن ابا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال اهرقها قال أفلا نجعلها خلا قال لا رواه أحمد وأبو داود وقيل عنه تطهر وقيل بنقلها من مكان إلى مكان دون القاء شيء فيها فأما ان ابتدأ الله قلبها طهرت وإن امسكها كذلك سواء ليتخذ العصير للخل أو للخمر في المشهور وقيل ان اتخذه للخمر ثم امسكه حتى تخلل لم تطهر والأول اصح لقول عمر لا تأكل خلا من خمر افسدت حتى يبدأ الله بفسادها وذلك حين طاب الخل ولا بأس على أمرئ أصاب خلا من أهل الكتاب ان يبتاعه ما لم يعلم انهم تعمدوا إفسادها رواه سعيد

مسألة ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر

وأما المني فأشهر الروايتين انه طاهر لما روت عائشة قالت كنت افرك المني من ثوب رسول صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي فيه رواه الجماعة إلا البخاري ولو كان نجسا لم يجزئ فركه كسائر النجاسات والرواية الاخرى هو نجس يجزئ فركه لهذا الحديث لأن الفرك انما يدل على خفة النجاسة كالدم ولهذا يجزئ مسح رطبه على هذه الرواية نص عليه ذكره القاضي كفرك يابسة وإن كان مفهوم كلام أكثر أصحابنا انه لا يجزئ الا الفرك كقول أبي حنيفة فإنه خلاف المذهب

ويختص الفرك بمني الرجل لأنه ابيض غليظ يذهب الفرك والمسح بأكثره بخلاف مني المرأة فإن الفرك والمسح لا يؤثر فيه طائلا وانما يجب الغسل أو المسح أو الفرك في كثيره فأما يسيره يعفى عنه كالدم وأولى وإذا استبه موضع الجنابة فرك الثوب كله أو غسل ما رأى وفرك ما لم ير وهذا مشروع على الرواية الأولى استحبابا والأولى أشهر لأن الاصل في النجاسة وجوب الغسل ولأن اثر ابن عباس سئل عن المني يصيب الثوب فقال امطه عنك ولو باذخر أو خرقه فإنما هو بمنزلة المخاط أو البزاق ونحوه عن سعد ابن أبي وقاص وقد روى حديث ابن عباس مرفوعا

وأما الرطوبة التي في فرج المرأة فطاهر في اقوى الروايتين واما بول ما يؤكل لحمه وروثه فطاهر في ظاهر المذهب لما روي عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا بأس ببول ما أكل لحمه رواه الدارقطني واحتج به أحمد في رواية عبد الله وقال أبو بكر عبد العزيز ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أخرجا في الصحيحين عن انس بن مالك ان رهطا من عكل أو قال من عرينه قدموا فاجتووا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وامرهم ان يشربوا من ابوالها والبانها رواه الجماعة ولم يأمرهم بغسل افواههم وما يصيبهم منه مع انهم أعراب معتادون شربه حديثو عهد بجاهلية وساقه مع اللبن سياقة واحدة وكل هذا يدل على طهارته وصح عنه انه اذن في الصلاة في مرابض الغنم ولم يأمر بحائل وطاف على بعيره واذن لام سلمة بالطواف على بعير وكان الاعرابي يدخل بعيره في المسجد وينتجه فيه ولو كانت ارواثها نجسة مع ان عادة البهائم الا تمتنع من البول في بقعة دون بقعة لوجب صيانة المسجد عن ذلك ولما سألته الجن الزاد لهم ولدوابهم قال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تستنجوا بها فإنها زاد إخوانكم من الجن

فلو كان قد أباح لهم الروث النجس لم يكن في صيانته عن نجاسة مثله معنى وقال أبو بكر بن الاشج كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون وخروء البعير في ثيابهم

باب الآنية[عدل]

مسألة لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة

هذا التحريم يستوي فيه الرجال والنساء بخلاف التحلي فإنه يختص بالرجال ويباح لهم منه أشياء مستثناه وكل ما يلبس فهو من باب الحلية سواء كان سلاحا أو لباسا وما لم يلبس فهو من باب الآنية مثل المكحلة والمحبرة والمرود والإبريق والاصل في ذلك ما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه

وفي لفظ لمسلم إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة وعن حذيفة بن اليمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا بشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة متفق عليه

فنهى صلى الله عليه وسلم عن الاكل والشرب لانهما أغلب الافعال وفي التطهير منها والاستمداد والاكتمال والاستصباح ونحو ذلك لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور

وكذلك يحرم اتخاذها في المشهور من الروايتين فلا يجوز صنعتها ولا استصياغها ولا اقتناؤها ولا التجارة فيها لأنه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال فكان كالطنبور وآلات اللهو ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالاجنبية ولا تصح الطهارة منها في اصح الوجهين اختاره أبو بكر وسواء اغترف منها أو اغتمس فيها لأنه أتى بالعبادة على الوجه المحرم فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة فعلى هذا إن جعلها مصبا لما ينفصل عنه حين التوضؤ فوجهان اصحهما عدم الصحة وفي الثاني يصح اختاره الخرقي وغيره لأن التحريم لا يرجع إلى نفس العبادة ولا إلى شرط من شرائط وجوبها وادائها فأشبهه التوضؤ في المكان المغصوب والصلاة بخاتم ذهب لأن الآنية ليست من الوضوء ولا من شروطه بخلاف البقعة والسترة في الصلاة والمال في الحج

مسألة وحكم الضبب بهما حكمهما إلا أن يكون يسيره من الفضة

الضبة ثلاثة اقسام أحدها الكثيرة فحرام مطلقا لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم رواه الدارقطني

وقال ابن عقيل يباح الكثير للحاجة وثانيها اليسير للحاجة كتشعيب التاج وشعيرة السكين فيباح إجماعا وقد روى البخاري عن انس ان قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة

ولانه إنما قصد به الاصلاح ودفع الحاجة دون الزينة والحلية ولا يباشرها بالاستعمال الا أن يحتاج إلى ذلك كلحس الطعام ويباشر بها الشرب إذا كانت في موضعه فإن لم يحتج اليه فهو منهي عنه نهي تحريم في اصح الوجهين وفي الاخر نهي تنزيه ومعنى الحاجة ان تكون الضبة مما يحتاج اليها سواء كانت من فضة أو نحاس أو حديد فتباح فأما إن احتيج إلى نفس الفضة بأن لا يقوم غيرها مقامها فتباح وإن كان كثيرا ولو كان من الذهب وثالثها اليسير لغير حاجة كحلقة الإناء فيحرم في المنصوص لما ذكرنا ولأن ابن عمر كان يكره الإناء فيه حلقة من فضة

وقيل يباح مطلقا وقيل يباح منه ما لم يباشرها بالاستعمال كرأس المكحلة وتحلية الدواة والمقلمة وأما المضبب بالذهب فحرام مطلقا لما روت اسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلح من الذهب شيء ولا خر بصيصه رواه أحمد وهي مثل عين الجرادة فأما يسيره في اللباس ففيه وجهان يومي اليهما وقيل يباح حلية السلاح دون حلية اللباس وقد أومأ إليه أيضا

مسألة ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة واتخاذها

سواء كانت ثمينة مثل الياقوت والبلور والعقيق أو غير ثمينة كالخزف والخشب والصفر والحديد والجلود

لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت عادتهم استعمال اسقية الادم وآنية البرام والخشب ونحوها ولا يكره شيء منها إلا الصفر والنحاس والرصاص في أحد الوجهين اختاره أبو الفرج المقدسي لأن ذلك يؤثر عن عبدالله بن عمر ولأن الماء قد يتغير فيها ويقال إن الملائكة تكره ريحها والآخر لا يكره وهو المشهور لأن عبد الله بن زيد قال اتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري وكذلك الثمين الذي يفوت قيمة النقدين فإن أدلة الإباحة تعمه والنهي اختص النقدين ولا يشبههما

لأن الثمين لا يعرفه إلا خواص الناس ولا يسمح الناس باتخاذه آنية فلا يحصل سرف ولا فخر ولا خيلاء وإن فرض ذلك كان المحرم نفس الفخر والخيلاء كما إذا حصل في المباحات والطاعات وأما الاعيان فإنما تحرم إذا كانت فضة غالبة كذلك ولهذا لما حرم الحرير ابيح ما كان أغلى قيمة منه من الكتان ونحوه

مسألة ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاستها

أما الاواني التي استعملوها ففيها ثلاث روايات أحدها يباح مطلقا لما روى جابر بن عبدالله قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها فلا يعيب ذلك عليها رواه أحمد وأبو داود

وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضأوا من مزادة مشركة وروى انس أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه رواه أحمد والثانية تكره لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قلت يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا متفق عله ولانهم لا يجتنبون النجاسة لا سيما الخمر لاستحلالهم إياها فالظاهر أن أوانيهم لا تسلم من ذلك

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك قال الترمذي حديث حسن صحيح والرواية الثالثة أن من لا تباح ذبيحته كالمجوس والمشركين أو من يكثر استعمال النجاسة كالنصارى المتظاهرين بالخمر والخنزير لا تباح أوانيهم وتباح آنية من سواهم لكن في كراهتها الخلاف المتقدم والصحيح أنها لا تكره وهذا اختيار القاضي وأكثر أصحابنا من يجعل هذا التفصيل هو المذهب قولا واحدا لحديث أبي ثعلبة المتقدم حملا له على من يكثر استعمال النجاسة وحملا لغيره على غير ذلك كما جاء مفسرا فيما رواه أبو داود عن أبي ثعلبة قال قلت يا رسول الله ان ارضنا ارض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بأنيتهم وقدورهم قال إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا قال آدم بن الزبرقان سمعت الشعبي قال غزوت مع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكنا إذا انتهينا إلى أهل قرية فإن كانوا أهل كتاب اكلنا من طعامهم وشربنا من شرابهم وإن كانوا غير أهل كتاب انتفعنا بآنيتهم وغسلناها وعلى هذه الرواية لا يؤكل من طعام هؤلاء إلا الفاكهة ونحوها مما لم يصنعوه في آنيتهم نص عليه وتكون آسارهم نسجة ذكرها القاضي وغيره وذلك لأن من تكون ذبيحته نجسة أو من هو مشهور باستعمال النجاسة لا تسلم آنيته المستعملة من ذلك إلا على احتمال نادر لا يلتفت إليه وما لم يستعملوه أو شك في استعماله فهو على أصل الطهارة وأما الثياب فما لم يعلم أنهم استعملوه لا تكره قولا واحدا سواء نسجوه أو حملوه كالآنية لأن عامة الثياب والآنية التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت من نسج الكفار وصنعتهم وما لبسوه ففي كراهته روايتان إلا أن يكون مما يلي العورة كالسراويل والازر ففي جواز استعماله روايتان

فأما ثياب المجوس ونحوهم كآنيتهم كما تقدم في أحد الوجهين وفي الآخر هي كثياب غيرهم من أهل الكتاب

مسألة وصوف الميتة وشعرها طاهر

وكذلك الوبر والريش على ظاهر المذهب وعنه ما يدل على نجاسته لأنه جزء من الحيوان فيتنجس بالموت كغيره والصحيح الأول لأن حياته من جنس النبات وهو النمو والاغتذاء ولهذا لا ينجس المحل بمفارقتها بدليل الزرع إذا يبس والبيض المتصلب في جوف الميتة بخلاف حياة الجلد واللحم فإنهما بالإحساس والحركة الإرادية وهذه التي ينجس المحل بمفارقتها ولهذا يجوز أخذه حال الحياة بخلاف غيره من الاجزاء

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ابين من البهيمة وهي حية فهو ميت فلو كان جزء منها لكان ميتا بالابانة وقد أجمع الناس على جواز الانتفاع بالمجزوز وإذا نتف الريش والشعر فهل يطهر بالغسل أسفله المترطب بالنجاسة على وجهين

مسألة وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس

هذا أشهر الروايتين وفي الاخرى الدباغ مطهر في الجملة لما روى ابن عباس قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا إنها ميتة فقال إنما حرم أكلها رواه الجماعة الا البخاري والنسائي لم يذكر فيه يالدباغ

وعنه أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما إهاب دبغ فقد طهر رواه مسلم ووجه الأولى ما روى عبد الله بن عكيم قال كتب الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقد استقر الحكم بعد ذلك على وقال أحمد ما أصلح إسناده وفي لفظ الدراقطني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهذا ناسخ لغيره لأنه متأخر ومشعر بنهي بعد رخصة لا سيمعا وفي حديث ابن عباس إنما حرم أكلها وقد استقر الحكم بعد ذلك على تحريم الادهان بودكها ويدل على تقدمه ما روت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ماتت شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنا رواه البخاري وهذا إنما يكون في أكثر من شهر وعن سلمة بن المحبق انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتى على بيت فراء فيه قربة معلقة فسأل الشراب فقيل إنها ميتة فقال ذكاتها دباغها وهذا قبل وفاته بأكثر من سنة فلو كان رخصة أخرى بعد النهي لزم النسخ مرتين وقيل الاهاب اسم للجلد قبل الدباغ لأن هذا لم يعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه رخصة ولا عادة الناس الانتفاع به

فصل

وإذا قلنا بتطهير الدباغ فهل يكون كالحياة أو كالذكاة على وجهين أحدهما انه كالحياة لأنه يحفظ الصحة على الجلد ويصلحه للانتفاع كالحياة فعلى هذا يطهر جلد ما كان طاهرا في الحياة كالهر وما دونها في الخلقة وكذلك جلد ما سوى الكلب والخنزير في رواية

والوجه الثاني أنه كالذكاة فلا يطهر إلا ما تطهره الذكاة وهذا أصح كما سبق من قوله دباغها ذكاتها ولما روت عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي ولفظه انه سئل عن جلود الميتة فقال دباغها ذكاتها فقد شبه الدباغ بالذكاة وحكم المشبه مثل المشبه به أو دونه ولانه صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع ولا تكاد تستعمل الا مدبوغة ولم يفصل وهذا مبنى على ان الذكاة لاجل الماكول فأما غير المأكول فلا يطهر جلده بالذكاة لأنه ذبح غير مشروع فلم يفد طهارة الجلد كذبح المحرم الصيد والذبح في غير الحلق واللبة ولانه ذبح لا يفيد حل اللحم فلم يفد طهارة الجلد كذبح المجوسي والمرتد وهذا لأن التنجيس لو كان لمجرد احتقان الرطوبات في الجلد وإزالته مشروعة بكل طريق لم يفرق بين ذابح وذبح ومذبح ومذبح والذي يدل على ان ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده لا بذكاة ولا بدباغ ما روى أبو المليح بن أسامة عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وزاد أن تفترش وعن معاوية بن أبي سفيان قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جلود النمور ان يركب عليها رواه أحمد وأبو داود وفي لفظ لأحمد نهى عن لبس صوف النمور وعن المقدام بن معدي يكرب قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مياثر النمور رواه أحمد والنسائي وعن المقدام انه قال لمعاوية انشدك الله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها قال نعم رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر رواه أبو داود وهذه الأحاديث نصوص في أنها لا تباح بذكاة ولا دباغ

فصل

ولا بد فيما يدبغ به ان يكون منشفا للرطوبة منقيا للخبث عن الجلد حتى لو نقع الجلد بعده في الماء لم يفسد سواء كان ملحا أو قرظا أو شبا أو غير ذلك ولا بد من طهارته وهل يجب غسل الجلد بعد الدبغ على وجهين ويجوز بيع الجلد المدبوغ ولا يباح اكله إذا كان من حيوان مأكول في اقوى الوجهين ويباح استعماله في اليابسات مع القول بنجاسته في إحدى الروايتين وفي الاخرى لا يباح وهو الاظهر للنهي عن ذلك فأما قبل الدباغ فلا ينتفع به قولا واحدا كما لا يلبس جلد الكلب والخنزير وإن دبغ

مسألة وكذلك عظامها

عظم الميتة نجس وكذلك قرنها وضفرها وحافرها وعصبها في المشهور من المذهب وقيل هو كالشعر لأنه ليس فيه رطوبات تنجسه ولانه لا يحس ولا يألم فيكون كالشعر والظاهر الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ولانه فيه حياة الحيوان بدليل قوله تعالى { من يحيي العظام وهي رميم } ولأن العصب يحس ويألم وكذلك الضرس وذلك دليل الحياة

وأما ما لا يحس منه مثل القرن والظفر والسن إذا طال فإنما هو لمفارقة الحياة ما طال وقد كان مقتضى القياس نجاسته لكن منع من ذلك اتصاله بالجملة تبعا لها ودفعا للمشقة بتنجيس ذلك كما قلنا فيما حشي على العقب وبسط على الانامل وسائر ما يموت من اللحم ولم ينفصل فإذا انفصل أو مات الاصل زال المانع فطهر على السبب وتعليل نجاسة اللحم باحتقان الرطوبات فيه قد تقدم الجواب عنه

مسألة وكل ميتة نجسة إلا الآدمي

أما نجاسة الحيوان بالموت في الجملة فإجماع وقد دل على ذلك قوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة ) وذلك يعم أكلها والانتفاع بها وغير ذلك لما روى جابر بن عبد الله انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه رواه الجماعة والكلام في فصلين في أجزاء الميتة وفي اجناسها أما أجزاؤها فاللحم نجس وكذلك الجلد وقد تقدم القول في العظم والشعر وأما ما لا يموت بموتها كالبيض واللبن فإنه لا ينجس بالموت لكن هل ينجس بنجاسة وعائه أما البيض فإذا كان قد تصلب قشره فهو طاهر مباح لأنه لا يصل اليه شيء من النجاسة كما لو غمس في ماء نجس وكما لو طبخ في خمر أو ماء نجس وكذلك لو سلقه في ماء ملح أو مر لم يتغير طعمه وقال ابن عقيل هو طاهر مباح وإن لم يتصلب لأن جمودها وغشاءها الذي هو كالجلد مع لينه يمنع نفوذ النجاسة اليها

كما لو وقعت في مائع نجس والمشهور انها تتنجس إذا لم تتصلب لأنها في النمور والحاجز غير حصين فلا ينفك غالبا من ان يشرب اجزاء عقيب الموت قبل ذهاب حرارة الحياة واما اللبن والإنفحة فطاهر في إحدى الروايتين لأن الصحابة فتحوا بلاد المجوس وأكلوا من جبنهم مع علمهم بنجاسة ذبائحهم وأن الجبن إنما يصنع بالإنفحة وإن اللبن لم ينجس بالموت إذا لا حياة فيه ولا بملاقاة وعائه لأن الملاقاة في الباطن لا حكم لها اذ الحكم بالتنجيس إنما يتسلط على الاجسام الظاهرة

ولذلك لم ينجس المني والنجاسة تخرج من مخرج المني وعلى هذه الرواية فجلد الإنفحة نجس كجلد الضرع وإنما الكلام فيما فيهما والرواية الاخرى هما نجس وهي المنصورة ولانه مائع في وعاء نجس فأشبه ما لو أعيد في الضرع بعد الحلب أو حلبت في اناء نجس وما عللوا به ينتقض بالمخ في العظم فإنه نجس وأما المني والنجاسة فميز له اللبن الخارج في الحياة لأنه لو نجس ما خلق طاهرا في الباطن بما يلاقيه لنجس ابدا بخلاف ما بعد الموت فإنه خروجه نادر كما لو خرج المني والنجاسة بعد الموت

وما ذكر عن الصحابة لا يصح لانهم وإن اكلوا من جبن بلاد فارس فلانة كان بينهم يهود ونصارى يذبحون لهم فحينئذ لا تتحقق نجاسة الجبن ولهذا كتب أبو موسى الاشعري إلى عمر يذكر ان المجوس لما رأوا أن المسلمين لا يشترون جبنهم وإنما يشترون جبن أهل الكتاب عمد المجوس وصلبوا على الجبن كما يصلب أهل الكتاب ليشترى جبنهم فكتب اليه عمر ما تبين لكم انه من صنعتهم فلا تأكلوه وما لم يتبين لكم فكلوه ولا تحرموا على انفسكم ما أحل الله لكم رواه عبد الملك بن حبيب

وقال قد تورع عمرو بن مسعود وابن عباس في خاصة انفسهم من اكل الجبن الا ما ايقنوا انه من جبن المسلمين أو أهل الكتاب خيفة ان يكون من جبن المجوس وقيل لابن عمر انا نخاف ان يجبن الجبن بإنفحة الميتة فقال ما علمت انه ميتة فلا تأكل وأما اجناس الميت فكل ميت نجس الا ما يباح اكله ميتا وما ليس له دم سائل وما حرم لشرفه وقد استثناها الشيخ رحمه الله كذلك لعموم الآية والقياس سواء كان طاهرا في الحياة أو نجسا لكن يبقى نجسا لسببين كما حرم السببين أما الانسان فلا ينجس في ظاهر المذهب وعنه رواية أخرى ينجس لعموم الآية ووقع زنجي في بئر زمزم فمات فأمر ابن عباس بها تنزح رواه الدارقطني ولانه ذو نفس سائلة لا تباح ميتته فنجس بالموت كالشاة والأول اصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن لا ينجس متفق عليه وفي لفظ الدارقطني المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا وروى الدارقطني أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه فإنه ليس بنجس

ولأن ذلك منقول عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة في قضايا متعددة ولم يعرف لهم مخالف ولانه آدمي مسلم فلم ينجس بالموت كالشهيد فإنه مسلم على القولين ولانه لو نجس لم يطهر بالغسل ولأن الموجب لطهارته شرفه وكذلك لا حيا ولا ميتا وإن قلنا ينجس بالموت بحسب اعضائه بالانفصال كسائر الحيوان فأما الشعر فهو طاهر في اصح الروايتن لأنه ليس بمحل للحياة وفي رواية أخرى انه نجس بناء على انه من الجملة كاليد سواء جز أو تساقط بخلاف شعر المأكول فإنه لما احتيج اليه كان جزه كتذكية

وهذا ضعيف كما سبق ويطهر بالغسل في اصح الروايتين ولا ينجس الشهيد كما لا ينجس دمه وإن قلنا لا ينجس بالموت فكذلك اعضاؤه على الاصح وقيل تنجس وإن لم ينجس في الجملة لأن الحرمة انما تثبت لها إذا كانت تابعة وهو ضعيف لأن حرمة الاعضاء كحرمة الجملة وهذا يختص بالمسلم واما الكافر فينجس على الروايتين لأن المقتفي للطهارة من الاثر والقياس مفقود فيه وسبب التنجيس موجود فعمل عمله وعموم كلام بعض أصحابنا يقتفي التسوية كما في الحياة

مسألة وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته

اما السمك إذا مات بمفارقة الماء فهو حلال طاهر بالإجماع وكذلك إذا مات في الماء حتف انفه وهو الطافي في ظاهر المذهب وقد خرج فيه وجه انه حرام وليس بشيء ومع ذلك فهو طاهر أيضا لأن دمه طاهر كالجراد هو طاهر وإن قلنا لا يحل ان مات فيه بغير سبب لأنه ليست له نفس سائلة وما عدا السمك مما يباح ففيه ثلاث روايات أحدها ان جميعه يباح بلا ذكاة لعموم الحديث فعلى هذا لا ينجس الماء لموته فيه

والثانية لا يباح منه الا السمك لأنه هو الميتة المعروفة بدليل قوله احل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والثالثة ان ما لا يعيش الا في الماء فهو كالسمك وما يعيش في البر لا يباح الا بالتذكية وهو ظاهر المذهب كما ذكره الشيخ رحمه الله لما روى أبو هريرة قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا منه عطشنا أفنتوضأ بماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح ولأن ما لا يعيش الا في الماء لا يمكن تذكيته غالبا فأشبه السمك بخلاف ما يعيش في البر فأما حيوان البحر المحرم كالضفدع والتمساح على المشهور والكوسج إذا قلنا بتحريمه فهو نجس بالموت وينجس الماء القليل كما ينجس غيره من المائعات

مسألة وما لا نفس له سائله إذا لم يكن متولدا من النجاسات

النفس هي دمه ومنه سميت النفساء لجريان نفسها يقال نفست المرأة إذا حاضت ونفست إذا ولدت ومنه قول الشاعر % تسيل على حد الظبات نفوسها % وليس على غير الظبات تسيل %

وهو قسمان أحدهما المتولد من النجاسة مثل صراصير الكنيف فهو نجس حيا وميتا لأنه متولد من نجس فكان نجسا كالكلب والثاني ما هو متولد من طاهر كالذباب والبق والعقرب والقمل والبراغيث والديدان والسرطان سواء لم يكن له دم أو كان له دما غير مسفوح فهذا لا ينجس بالموت ولا ينجس المائع إذا وقع فيه لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم فإن في أحد جناحية شفاء وفي الاخر داء رواه البخاري

فأمر بغمسه مع علمه بأنه يموت بالغمس غالبا لا سيما في الاشياء الحارة فلو كان ينجس الشراب لم يأمر بإفساده وقد روى الدارقطني عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوءه وقد روي عن عمر ومعاذ وأبي الدرداء وابن مسعود وأبي امامة انهم كانوا يقتلون القمل في الصلاة ومنهم من كان يدفنه في المسجد ولو كان نجسا لصانوا صلاتهم عن حمل النجاسة ومسجدهم عن دفن النجاسة فيه ولانه ليس له دم سائل فأشبه دود الخل والباقلا

فصل

إذا مات في الماء ما يشك فيه هل له نفس سائلة فهو طاهر في أظهر الوجهين فأما الوزغ فهو نجس في المنصوص من الوجهين والله أعلم

باب دخول الخلاء[عدل]

مسألة يستحب لمن اراد دخول الخلاء ان يقول بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم

وذلك لما روي عن علي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء ان يقول بسم الله رواه ابن ماجه والترمذي وعن انس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم اين اعوذ بك من الخبث والخبائث رواه الجماعة وفي لفظ للبخاري إذا اراد ان يدخل

وعن زيد بن ارقم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم فليقل اللهم اين اعوذ بك من الخبث والخبائث رواه أبو داود وابن ماجة وعن أبي امامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه ان يقول اللهم اين اعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم رواه ابن ماجة الحشوش جمع حش وهي في الاصل البساتين كانوا يقضون الحاجة فيها ثم سمي موضع قضاء الحاجة حشا والمحتضرة التي تحضرها الشياطين ولذلك أمر بذكر الله والاستعاذة قبل الدخول

والخبث بسكون الباء قال أبو عبيد وابن الانباري وغيرهما قالوا وهو الشر والخبائث الشياطين فكأنه استعاذ من الشر ومن أهل الشر وقال الخطابي انما هو الخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكرانهم وإناثهم والأول أقوى لأن فعيل إذا كان صفة جمع على فعلا مثله ظريف وظرفا وكريم وكرما وإنما يجمع على فعل إذا كان اسما مثل رغيف ورغف ونذير ونذر ولانه أكثر معنى والنجس بالكسر والسكون اتباع لما قبله ولو افردته لفتحته والمخبث ذو الأصحاب الخبثاء وهو أيضا الذي يعلم غيره الخبث

مسألة وإذا خرج قال غفرانك الحمد الله الذي أذهب عني الأذى وعافاني

لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك رواه الخمسة الا النسائي قال الترمذي حديث حسن غريب وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي اذهب عني الاذى وعافاني رواه ابن ماجة وذكره الامام أحمد ولأن الخلاء مضنة الغفلة والوسواس فاستحب الاستغفار عقيبه

مسألة ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج

وهذا عكس دخول المسجد لأن اليمنى احق بالتقديم إلى الاماكن الطيبة واحق بالتأخير عن الاذى ومحل الاذى وكذلك قدمت في الانتعال دون النزع لأنه صيانة لها وهذا فيما يشترك فيه العضوان فأما ما يختص بأحدهما فإنه يفعل باليمين ان كان من باب الكرامة كالاكل والشرب وبالشمال إن كان من باب إزالة الاذى كالاستنجاء والسواك

مسألة ولا يدخله بشيء فيه اسم الله إلا من حاجة

لما روى انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه رواه أصحاب السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب وكان نقش خاتمه محمد رسول الله فإن كان معه دراهم أو كتاب أو خاتم فيه ذكر اسم الله وخاف عليه استصحبه وستره واحترز من سقوطه وإن كان خاتما ادار فصه إلى باطن كفه فإن دخل بشيء فيه اسم الله من غير حاجة كره لأنه يصان عنه ذكر الله تعالى باللسان فعما كتب عليه اسمه أولى بدليل المحدث يمنع من مس المصحف دون تلاوة القرآن

مسألة ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى

لما روى سراقة بن مالك قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اتينا الخلاء ان نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى رواه الطبراني في معجمه ولأن ذلك اسهل لخروج الحدث

فصل

ولا يتكلم لما روى ابن عمر أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول فسلم عليه فلم يرد عليه رواه الجماعة الا البخاري وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عوراتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة

وعن ابن عمر أن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه الرجل فرد عليه السلام فلما جاوزه ناداه النبي صلى الله عليه وسلم فقال انما حملني على الرد عليك خشية ان تذهب فتقول اني سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإنك ان تفعل لا أرد عليك رواه الشافعي وهذا يدل على ان الكلام هنا مكروه وانه يجوز لعذر وإذا عطس حمد الله بقلبه في أشهر الروايتين والاخرى يحمده بلسانه خفية لعموم الامر به ولانه كلام لحاجة والأول أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام مع تأكده وتعلق حق الانسان به فغيره أولى

وحكى الامام أحمد ان ابن عباس كان يكره ذكر الله على خلائه ويشدد فيه وذكر الله سبحانه اعظم من غيره من الكلام فلا يقاس به

مسألة وإن كان في الفضاء أبعد واستتر

أما أنه يبعد فلما روى جابر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى رواه ابن ماجة وعن المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأتى حاجته فأبعد في المذهب حتى توارى عني رواه الجماعة واما الاستتار بما يمكنه من هدف حائط أو حائش نخل أو كثيب رمل فلما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد الا ان يجمع كثيبا من رمل فليستديره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج رواه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة وسنذكر حديث ابن جعفر وغيره ولأن ذلك جهده في ستر العورة المأمور بها ولهذا كره ان يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لأن كشف العورة إنما أبيح للحاجة فيقدر بقدرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا اراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض رواه أبو داود والترمذي واحتج به الامام احمد

مسألة وارتاد موضعا رخوا

لما روى أبو موسى قال مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دمث في جنب حائط ( فبال ثم قال كان بنو اسرائيل إذا بال أحدهم فأصابه شيء من بوله يتبعه فيقرضه بالمقاريض وقال إذا اراد أحدكم ان يبول فليرتد لبوله ) ( ولا يقضي حاجته في المستحم ثم يتوضأ أو يغتسل فيه ) لأنه يورث الوسواس وربما أصابه شيء منها ولذلك يكره الاستنجاء في كل موضع نجس الا المكان المعد للاستنجاء خاصة ويكره البول في الماء الدائم وإن كثر وبلغ حدا لا يمكن نزحه لعموم النهي عن ذلك

ولأن فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيغيره وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتقوا الملاعن الثلاث ان يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه أو في طريق أو في نقع ماء رواه أحمد

وأما الجاري فيكره فيه التغوط لبقاء اثره

فأما البول فلا يكره إلا أن تكون الجرية قليلة وتحتها مستعمل يصيبه بيقين لمفهوم النهي عن البول في الماء الدائم ولا يكره البول في الآنية للحاجة لما روي عن عائشة قالت يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي لقد دعا بالطست ليبول فيها فانخنثت نفسه وما اشعر فإلى من اوصى رواه النسائي وعن اميمة بنت رقيقة قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل رواه النسائي وأبو داود

ولا يكره البول قائما لعذر ويكره مع عدم العذر إذا خاف ان ترى عورته أو يصيبه البول فإن أمن ذلك لم يكره في المنصوص من الوجهين لما روى حذيفة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما رواه الجماعة وفي الآخر يكره لما روي عن عائشة قالت من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فلا تصدقوه ما كان يبول الا جالسا رواه أحمد وابن ماجة والنسائي والترمذي وقال هو احسن حديث في هذا الباب واصح وهذا يدل على ان الغالب عليه كان الجلوس وإن بوله قائما كان لعذر إما لأنه لم يتمكن من الجلوس في السباطة أو لوجع كان به لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما من جرح كان بمأبضه أي تحت ركبته قال الشافعي ( كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما فترى لعله كان به إذ ذاك وجع الصلب ) ولكن قد رويت الرخصة عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر وسهل بن سعد وانس ولأن الاصل الإباحة فمن ادعى الكراهة فعليه الدليل

مسألة ولا يستقبل شمسا ولا قمرا

وذلك لأن بهما يستضئ أهل الأرض فينبغي احترامهما وقد ورد ان اسماء الله مكتوبه عليهما وهذا على سبيل التنزيه فإن كان بينهما حائل فلا بأس

وكذلك يكره ان يستقبل الريح خشية ان يرجع عليه رشاش بوله

مسألة ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ويجوز ذلك في البنيان

هذا هو المنصور عند الأصحاب وانه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان وعنه يحرم فيهما اختاره أبو بكر لما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها رواه أحمد ومسلم

وعن أبي ايوب الانصاري عن البني صلى الله عليه وسلم قال إذا اتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا قال أبو ايوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله متفق عليه وعنه يحرم الاستقبال فيهما دون الاستدبار لما روى ابن عمر قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة متفق عليه فهذا يبيح الاستدبار فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي

ووجه الأول حديث ابن عمر المذكور وعن عراك بن مالك ان عائشة قالت ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان ناسا كرهوا ان يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال اوقد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة رواه أحمد وابن ماجة وروى أبو داود عن مروان الاصفر قال رأيت ابن عمر اناخ راحلته مستقبل القبلة يبول اليها فقلت يا ابا الرحمن اليس قد نهي عن هذا قال انما هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس

وعلى هذا يحمل ما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تستقبل القبلة ببول فرايته قبل ان يقبض بعام يستقبلها رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن غريب وقال البخاري هذا حديث حسن صحيح وقد قيل في وجه الفرق ان كشف العورة محظور في الاصل وانما يباح لحجة فإذا لم يكن بين يديه أو قريبا منه شيء يستره كان افحش وجهه القبلة اشرف الجهات فصينت عنه وعلى هذا نقول ان الجلوس في الصحراء في وهد أو وراء جدار أو بعير كما بين البنيان وإن الجلوس على سطوح الوديان ولا سترة لها كالفضاء

مسألة فإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى راسه ثم ينتره ثلاثا

يعني يمسح من أصل الذكر تحت الانثيين إلى رأسه وينتر الذكر يفعل ذلك ثلاثا لما روى عيسى بن يزداد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال أحدكم فليمسح ذكره ثلاث مرات رواه أحمد وابن ماجة وقال أبو الشعثاء إذا بلت فاسمح أسفل ذكرك ولانه بالمسح والنتر يسترخي ما اذ عساه يبقى ويخشى عودته بعد الاستنجاء وإن احتاج إلى نحنهة أو مشي خطوات لذلك فعل وقد احسن

وقيل بل يكره لأنه وسواس وبدعة وقال أحمد إذا توضأت فضع يدك على سفلتك ثم اسلت ما ثم حتى ينزل ولا تجعل ذلك من همك ولا تلتفت إلى ظنك وإن استنجى عقب انقطاع البول جاز ولا يطيل المقام لغير حاجة لأن المقام فيه لغير حاجة مكروه لأنه محتضر الشياطين وموضع ابداء العورة ويقال عن لقمان الحكيم ان اطالة الجلوس يدمي الكبد ويورث البواسير

مسألة ولا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بها

أما مس الذكر باليمين فمنهي عنه في كل حال لما روى أبو قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه متفق عليه وكذلك الاستنجاء باليمين ولأن سلمان الفارسي قيل له لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال سليمان أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ( أو ان نستنجئ باليمين أو ان نستنجئ بأقل من ثلاثة احجار ) أو ان نستنجي برجيع أو بعظم رواه مسلم وغيره ولا يستعين بيمينه في ذلك الا ان يحتاج إلى ذلك اما مسح الدبر فلا حاجة فيه إلى الاستعانة باليمين

واما مسح القبل فيستغنى عنها بأن يقصد الاستجمار بجدار أو موضع ناب أو حجر ضخم ونحو ذلك مما لا يحتاج إلى امساكه فإن اضطر إلى الحجارة الصغار أو الحرث ونحوها جعل الحجر بين عقبيه أو بين أصابعه ان امكن وتناول ذكره بشماله فمسحه بها فإن شق عليه ذلك فله الاستعانة باليمين كما له ان يستعين بها في صب الماء وكما لو كان اقطع اليسرى وهل يمسك ذكره بشماله والحجر بيمينه أو بالعكس على وجهين اصحهما الأول وبكل حال تكون اليسرى هي المتحركة لأن الاستجمار انما يحصل بالحركة ولو استتنجى بيمينه صح مع الكراهة

مسألة ثم يستجمر وترا ثم يستنجي بالماء

هذا هو الأفضل لأن عائشة رضي الله عنها قالت مرن ازواجكن ان يتبعوا الحجارة الماء من اثر الغائظ والبول فإني استحييهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله احتج به أحمد في رواية حنبل وروى أيضا في كتاب الناسخ والمنسوخ ان ناسا من الانصار كانوا يتبعون الاستنجاء بالحجارة الماء فنزلت فيه رجال ولأن الغسل بعد تجفيف النجاسة ابلغ في التنضيف فصار كالغسل بعد الحت والفرك في غير ذلك ولانه ابعد من مس الاذى باليد المحوج إلى تكلف تطهيرها

وانما يستحب الايتاء في الاستجمار لما أخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من استجمر فليوتر وإن قطع عن شفع جاز لأن في رواية أبي داود وابن ماجة من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج وإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل في ظاهر المذهب وعنه انه يكره الاستنجاء من غير استجمار لأن فيه مباشرة النجاسة بيده ونشرها من غير حاجة ولأن الاقتصار على الحجر يجزئ بالإجماع من غير كراهة والماء قد انكره بعض السلف والأول اصح لأن الماء يطهر المحل ويزيل الاثر والحجر يخفف وكان قياسها على سائر البدن يقضي الا يجزئ الا الماء وانما اجزأت الاحجار رخصة فإذا استعمل الطهور كان أفضل والمباشرة باليد لغرض صحيح وهو الازالة كما في سائر المواضع ثم في الحجر يبقى اثر النجاسة ويدوم فإن لم يكره الحجر فلا اقل من ان يكون مفضولا وما نقل عن بعض الصحابة من انكار الماء فهو الله أعلم انكار على من يستعمله معتقدا لوجوبه ولا يرى الاحجار مجزئة لانهم شاهدوا من الناس محافظة على الماء لم يكن في أول الاسلام فخافوا التعمق في الدين كما قد يبتلى به بعض الناس ولهذا قال سعد بن أبي وقاص لم يلحقون في دينكم ما ليس منه يرى أحدكم ان حقا عليه ان يغسل ذكره إذا بال فإن لم يحمل على هذا فلا وجه له فقد أخرجا في الصحيحين عن انس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فاحمل انا وغلام نحوي اداوه من ماء وعنزة فيستنجي بالماء وقصة أهل قباء مشهورة ويستحب للمستنجي ان يدلك يده بالأرض لما روى أبو هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء اتيته بماء في تورا أو ركوة فاستنجي ثم مسح يده بالأرض رواه داود وابن ماجة

فصل

والأولى ان يبدا الرجل بالقبل لأنه إذا بدا بالدبر ربما أصابت نجاسة القبل يده وأصابت دبره في حالة غسله والمرأة تتخير في ( أحد ) الوجهين لتوازنهما في حقها والثاني تبدا بالدبر لأن نجاسته افحش واعسر ازالة فتبدأ بها لئلا ينجس القبل بها وقد طهر والثيب والبكر فيه سواء الا ان البكر يخرج بولها فوق الفرج والعذرة تمنع نزول البول اليه واما الثيب فيمكن نزول البول في فرجها والمنصوص من الوجهين انه لا يجب تطهير باطن فرجها لما فيه من المشقة كداخل العينين

والآخر يجب فعلى هذا ان لم يتحقق نزول شيء من البول اليه لم يجب شيء وإن تحققنا فهل يجب غسله بالماء لأن النجاسة تعدت المخرج أو يكتفي فيه بالحجر للمشقة في ذلك وانه معتاد على وجهين أصحهما اجزاء الحجر

مسألة وان اقتصر على الاستجمار اجزاءه إذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة

اما إذا لم تتعد النجاسة موضع الحاجة فإنه يجزئه الاستجمار إذا انقى وأكمل العدد سواء في ذلك جميع ما يستنجى منه من البول والمذي والودي والدم وغير ذلك وانما يجزى بشرطين أحدهما الانقاء لأنه هو المقصود وعلامة ذل الا يبقى في المحل شيء يزيله الحجر والثاني ثلاث مسحات لما تقدم من حديث سلمان ولما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة احجار فإنها تجزئ عنه رواه أبو داود فعلق الاجزاء بها ونهى عما دونها وهذا إجماع من الامة ان الاقتصار على الاحجار يجزئ من غير كراهة واما إذا تعدت موضع الحاجة فلا يجزئه الا الماء لأن الاصل ان يجب ازالة النجاسة بالماء وانما رخص في الاستجمار لتكرار النجاسة على المخرج ومشقة ايجاب الغسل فإذا تعدت عن المخرج المعتاد خرجت عن حد الرخصة فوجب غسلها كنجاسة سائر البدن وحد ذلك ان ينتشر الغائط ( إلى نصف باطن الالية فأكثر وينتشر البول إلى نصف الحشفة فأكثر ) فأما والرمة بأنهما طعام الجن ودليل على الحكم يعم الحجارة وغيرها والا لنهي الناس عنها سوى الاحجار عموما

وقد روى الدارقطني عن طاووس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى أحدكم البراز فليستطب بثلاثة احجار أو ثلاثة اعواد أو ثلاث حثيات من تراب ثم ليقل الحمد لله الذي اذهب عني ما يؤذيني وامسك علي ما ينفعني وهو مرسل حسن الشرط الأول ان يكون جامدا لأن المائع ان كان مطهرا فذلك غسل واستنجاء وإن لم يكن مطهرا أماع النجاسة ونشرها وحينئذ لا يجزئه الا الماء لأن النجاسة انتشرت عن المخرج المعتاد والثاني ان يكون طاهرا فلا يجوز بجلد ميتة ولا بروث نجس ولا عظم نجس ولا حجر نجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالروث والعظم في حديث ابن مسعود وأبي هريرة وسلمان وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف ورويفع بن ثابت وقد تقدم أكثرها وذلك يعم العظم الطاهر والنجس والروث الطاهر والنجس اما الطاهر فقد علله بأنه زاد اخواننا من الجن ففي النجس منه لا عله له الا النجاسة ( لا ) سيما الروثة وكسائر الركس والنجس ( وهما ) بمعنى واحد ولا يقال الجميع زاد الجن لأنه قد بين انما زادهم كل عظم ذكر اسم الله عليه

ولانه إذا استجمر بشيء نجس اورث المحل نجاسة غير نجاسته وما سوى نجاسته لا يجزئ الاستجمار فيها وكذلك لو خالف واستنجى بالنجس لم يجزئه الاستجمار ثانيا وتعين الماء وقيل يجزئ لأن هذه النجاسة مائعة لنجاسة المحل ولا يقال المقصود الانقاء من نجاسة المستنجي به غير حاصل الثالث ان يكون منقيا لأن الانقاء هو مقصود الاستجمار فلا يجزئ بزجاج ولا فحم رخو ولا حجر املس الرابع ان ( لا ) يكون محترما مثل الطعام ولا يجوز الاستنجاء به سواء في ذلك طعام الانس والجن وعلف دواب الانس والجن

لما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الجن سألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم اوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد اخوانكم وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان كان يحمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه قال أبغني احجارا استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فاتيته باحجار احملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت معه

فقلت ما بال العظم والروثة فقال هما من طعام الجن وانه اتاني وقد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم الا يمروا بعظم ولا بروثة الا وجدوا عليها طعاما رواه البخاري فبين له صلى الله عليه وسلم ما هو طعام الجن ونهانا عنه وتبرأ ممن يستنجئ به فبما هو طعامنا أولى وكذلك ما مكتوب فيه اسم الله تعالى أو شيء من الحديث والفقه سواء كان ورقا أو حجرا أو اديما لأن حرمته اعظم من حرمة علف دواب الجن وكذلك أيضا ما هو متصل بحيوان كيده وذنبه وريشه وصوفه وكذلك يد نفسه سواء في ذلك الحيوان الطاهر والنجس الآدمي وغيره ولأن الحيوان محترم فاشبه المطعوم وإذا كان قد نهى عن الاستنجاء بعلف الدواب فالنهي عن الاستنجاء بها أولى ولا يجوز الاستنجاء بهذه الاشياء لأن الاستنجاء رخصة فلا يباح بمحرم كالقصر في سفر المعصية وقد روى الدارقطني ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى ان يستنجى بروث أو عظم وقال انهما لا يطهران وقال إسناد صحيح فإن استنجي بها فهل يجزئه اعادة الاستنجاء أو يتعين الماء على وجهين

فإن قيل قد نهي عن الاستنجاء باليمين وقد قلتم يجزئ قلنا اليد ليست شرطا في الاستنجاء وانما جاءت لأنه لا يمكنه الاستنجاء بغيرها حتى لو استغنى عنها بأن يقعد في ماء جار حتى ينقى المحل حصلت الطهارة وكذلك لو استنجى بيد اجنبي فقد اثم واجزاه واما المستنجى به فهو شرط في الاستنجاء كالماء في الطهارة والتراب في التيمم فإن كان محرما لعينه كان كالوضوء بالماء النجس وإن كان لحق الغير كان كالمتوضئ بالماء المغصوب أو اشد لأنه رخصة

فصل

والاستنجاء واجب لكل خارج من السبيلين فلو صلى بدونه لم تصح الصلاة لما روى عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال انهما يعذبان وما يعذبان في كبير اما أحدهما فكان لا يستتر من بوله واما الاخر فكان بمشي بالنميمة رواه الجماعة سواء كان الخارج نادرا أو معتادا رطبا أو يابسا كالروث والبول والدود والحصى والمذي ولأن خروج الخارج من هذا المحل مظنة استصحاب الرطوبة النجسة فعلق الحكم به وإن تخلفت عن الحكم في آحاد الصور

وقال كذلك اعتبر العدد وإن زالت الرطوبة بدونه الا الريح فإن الامام أحمد قال ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا سنة رسولة انما عليه الوضوء

فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من استنجى من الريح فليس منا رواه الطبراني وأبو حفص العكبري ولأن الريح ليس لها جرم لا صق يزال ولا هي مظنة استجلاب رطوبة يمكن ازالتها واما الخارج الطاهر فيجب الاستنجاء منه في المشهور كما يجب من يسير الدم والقيح وإن عفي عنه في غير هذا الموضع لأن خروجه من السبيل يورث تغليظا ولأن الاستنجاء من المني فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الدوام ولا اعلم اخلالهم به بحال

فصل

والأفضل في الاستجمار ان يمر حجرا من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديرها على اليسرى حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى إلى مؤخرها ثم يديره على اليمنى حتى يرجع به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لأن العدد معتبر في ازالة هذه النجاسة فاستوعب المحل في كل مرة منه كالعدد في ولوغ الكلب

وما روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أولا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة رواه الدارقطني وقال إسناد حسن محمول على الابتداء بهذه المواضع لأنه قد جاء بلفظ اخر عنه أنه كان يقبل بواحد ويدبر بآخر ويحلق بالثالث فإن مسح على كل جهة مسحة فوجهان

فصل

السنة ان يستنجي قبل الوضوء فإن اخره إلى بعده اجزاه في إحدى الروايتين لأنها نجاسة فصح الوضوء قبل ازالتها كما لو كانت على البدن فعلى هذا إذا توضأ استفاد بذلك مس المصحف ولبس الخفين ويستمر وضوؤه إذا لم يمس فرجه

والرواية الاخرى لا يصح وضوؤه وهي أشهر لأن في حديث المذي يغسل ذكره ثم يتوضأ رواه النسائي ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينقل عنهم انهم يتوضؤون الا بعد الاستنجاء وفعله إذا خرج امتثالا للامر فحكمه حكم ذلك الامر ولانهما محلان وجب غسلهما بسبب واحد في بدن واحد فكان الترتيب بينهما مشروعا كمحال الوضوء فأما التيمم فقال ابن حامد هو كالوضوء وقال القاضي لا يجزئه وإن قلنا يجزئ الوضوء لأنه مبيح للصلاة ليس برافع للحدث والاستباحة قبل الاستنجاء لا تحصل فيكون كالتيمم قبل الوقت فعلى هذا لو كانت النجاسة في غير المخرج لم يجز في وجه كذلك وقيل يجزئ لأنه استباح الصلاة من غيرها فاشبه ما لو كانت على الثوب

فصل

يستحب إذا توضأ ان ينضح فرجه بالماء ليقطع عنه الوسواس بخروج البول نص عليه لما روى سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان قال رايت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم نضح فرجه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي

وعن زيد بن حارثة ان النبي صلى الله عليه وسلم اتاه جبريل عليه السلام في أول ما اوحي اليه فعلمه الوضوء والصلاة فلما فرغ من الوضوء اخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه رواه أحمد والدارقطني وابن ماجة ولفظه علمني جبريل الوضوء وامرني ان انضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء وهذا في المستنجي بالماء فأما المستجمر فتنجسه ان قلنا ان المحل نجس وإن قلنا هو طاهر فهو مكروه نص عليه

باب الوضوء[عدل]

مسألة لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا ان ينويه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الاعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى

يعني ان يقصد بغسل الاعضاء رفع حدثه وهو المانع مما تشترط له الطهارة بقصد أو استباحة عبادة لا تستباح الا بالوضوء وهي الصلاة والطواف ومس المصحف فأما ان غسل اعضاءه ليبردها بالماء أو يزيل عنها نجاسة أو ليعلم غيره لم يرفع حدثه وكذلك النية تشترط في الغسل والتيمم لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انما الاعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى رواه الجماعة

ولأنها عبادة مأمور بها فافتقرت إلى نية كسائر العبادات فإنه يجب عليه ان ينوي العبادة المأمور بها وإن يخلصها لله لقوله { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ولا يقال هي شرط للصلاة فاشبهت طهارة الخبث والاستتار والاستقبال لأن الوضوء عبادة في نفسه وشرط للصلاة ولأن ازالة النجاسة من باب المتروك ولهذا لا يحتاج إلى عمل أصلا بخلاف طهارة الحدث ولذلك اختصت بالماء واما الاستقبال والاستتار فانهما يوجدان في جميع الصلاة مثل وجودهما قبلها فنية الصلاة تنتظمهما بخلاف التوضؤ

ولذلك إذا حلف لا يتطهر وهو متطهر لم يحنث بالاستدامة وإذا حلف لا يستتر وهو مستتر ولا يستقبل القبلة وهو مستقبلها فاستدام ذلك حنث

فصل

ومحل النية القلب فلو سبق لسانه بغير ما قصده كان الاعتبار بما قصد ولو قصد مع الوضوء التبرد أو غيره لم يضره كما لو قصد تعليم غيره أو قصد مع الصلاة تعليمها ويستحب تقديم النية على غسل اليد لأنه أول المسنونات ويجب تقديمها على الوجه والمضمضة والاستنشاق ولانه أول الواجبات ويجوز تقديمها عليه بالزمن اليسير كالصلاة ويجب استصحاب حكمها إلى اخر الوضوء

والأفضل ان يستصحب ذكرها أيضا كما قلنا في الصلاة وغيرها ومعنى الاستدامة أن لا يفسخها بأن ينوي قطع الوضوء أو ينوي بالغسل تبردا أو تنظفا من النجاسة ويعزب عن نية الوضوء فإن فسخها بطلت في اقوى الوجهين كما تبطل الصلاة والصيام فإن افرد كل عضو بنيته بأن يقصد غسله في وضوئه جاز ولم يبطل ما غسله بالفسخ كما لو نوى إبطالها بعد فراغها في الصحيح المشهور

مسألة ثم يقول بسم الله لما روى عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة

وعن سعيد بن زيد وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله رواهما أحمد وابن ماجة ولأن ذكر اسم الله مشروع في أول الافعال العادية كالاكل والشرب والنوم ودخول المنزل والخلاء فلأن يشرع في أول العبادات أولى والمسنون التسمية هذا إحدى الروايتين عن الامام أحمد قال الخلال الذي استقرت عليه الروايات انه لا بأس به يعني إذا ترك التسمية وهي اختيار الخرقي وغيره لأن الأحاديث فيها ليست قوية

وقال أحمد ليس يثبت فيها حديث ولا اعلم فيها حديثا له إسناد جيد

وقال الحسن بن محمد ضعف أبو عبدالله الحديث في التسمية وقال اقوى شيء فيه حديث كثير عن ربيح يعني حديث أبي سعيد ثم ذكر رباحا أي من هو ومن أبو ثفال يعني الذي يروي حديث سعيد بن زيد وقال البخاري في حديث أبي هريرة لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه ولو صحت حملت على الذكر بالقلب وهو النية وكذلك قال ربيعة لما ذكرنا من الأحاديث

والرواية الاخرى انها واجبة اختارها أبو بكر والقاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا بل أكثرهم لما ذكرنا من الأحاديث

قال أبو إسحاق الجوزجاني قال ابن أبي شيبة ثبت لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا وضوء لمن لم يسم وتضعيف أحمد لها محمول على أحد الوجهين اما انها لا تثبت عنده أولا لعدم علمه بحال الراوي ثم علمه فبنى عليه مذهبه برواية الوجوب ولهذا اشار إلى أنه لا يعرف رباحا ولا ابا ثفال وهكذا تجئ عنه كثيرا الاشارة إلى أنه لم يثبت عنده ثم زال ثبوتها فإن النفي سابق على الاثبات واما انه اشار إلى أنه لم يثبت على طريقة تصحيح المحدثين

فان الأحاديث تنقسم إلى صحيح وحسن وضعيف واشار إلى أنه ليس بثابت أي ليس من جنس الصحيح الذي رواه الحافظ الثقة عن مثله وذلك لا ينفي ان يكون حسنا وهو حجة ومن تأمل الحافظ الامام علم انه لم يوهن الحديث وانما بين مرتبته في الجملة انه دون الأحاديث الصحيحة الثابتة وكذلك قال في موضع آخر احسنها حديث أبي سعيد ولو لم يكن فيها حسن لم يقل فيها احسنها وهذا معنى احتجاج أحمد بالحديث الضعيف وقوله ربما اخذنا بالحديث الضعيف وغير ذلك من كلامه يعني به الحسن

فأما ما رواه متهم أو مغفل فليس بحجة أصلا ويبين ذلك وجوه أحدها ان البخاري اشار في حديث أبي هريرة إلى أنه لا يعرف السماع في رجاله وهذا غير واجب في العمل بل العنعنة مع امكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي مدلس وثانيها انه قد تعددت طرقه وكثرت مخارجه وهذا مما يشد بعضه بعضا ويغلب على الظن ان له أصلا وروي أيضا مرسلا رواه سعيد عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال إذا تطهر الرجل وذكر اسم الله طهر جسده كله وإذا لم يذكر اسم الله لم يطهر منه الا مكان الوضوء

وهذا وإن احتج به على ان التسمية ليست واجبة فإنه دليل على وجوبها لأن الطهارة الشرعية التي تطهر الجسد كله حتى تصح الصلاة ومس المصحف بجميع البدن فإذا لم تحصل الشرعية جعلت الطهارة الحسية وهي مقتصرة على محلها كما لو لم ينو وروى الدراوردي ثنا محمد بن أبي حميد عن عمر بن يزيد ان رجلا توضأ ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اعرض عنه وقال له تطهر فرجع فتوضأ ثم اجتهد فجاء فسلم فأعرض عنه وقال ارجع فتطهر فلقي الرجل عليا فاخبره بذلك فقال له علي هل سميت الله حين وضعت يدك في وضوئك فقال لا والله فقال ارجع فسمي الله في وضوئك فرجع فسمى الله على وضوئه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فرد عليه وأقبل عليه بوجهه ثم قال إذا وضع أحدكم طهوره فليسم الله رواه الجوزجاني عن نعيم بن حماد عنه وثالثها ان تضعيفه اما من جهة ارسال أو جهل راو وهذا غير قادح على إحدى الروايتين وعلى الاخرى وهي قول من لا يحتج بالمرسل نقول إذا عمل به جماهير أهل العلم وارسله من اخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول أو روي مثله عن الصحابة أو وافقة ظاهر القرآن فهو حجة وهذا الحديث قد اعتضد بأكثر ذلك فإن عامة أهل العلم عملوا به في شرع التسمية في الوضوء ولولا هذا الحديث لم يكن لذلك أصل وانما اختلفوا في صفة شرعها هل هو ايجاب أو ندب وروي من وجوه متباينة مسندا ومرسلا ولعلك تجد في كثير من المسائل ليس معهم أحاديث مثل هذه ورابعها ان الامام أحمد قال احسنها يعني أحاديث هذا الباب حديث أبي سعيد وكذلك قال إسحاق بن راهويه وقد سئل أي حديث اصح في التسمية فذكر حديث أبي سعيد وقال البخاري احسن حديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد

وهذه العبارة وإن كانوا انما يقصدون بها بيان ان الاثر اقوى شيء في هذا الباب فلولا ان اسانيدها متقاربة لما قالوا ذلك وحملها على الذكر بالقلب أو على تأكيد الاستحباب خلاف مدلول الكلام وظاهره وانما يصار اليه لموجب ولا موجب هنا وإذا قلنا بوجوبها فإنها تسقط بالسهو على إحدى الروايتين كالذبيحة واولى فإن قلنا تسقط سمى متى ذكرها وإن قلنا لا تسقط لغا ما فعله قبلها وهذا على المشهور وهو انها تجب في أول الوضوء قبل غسل الوجه وقال الشيخ أبو الفرج متى سمى اجزاءه

مسألة ويغسل كفيه ثلاثا

هذا مسنون لكل متوضىء سواء ان تحقق طهارتها أو شك في ذلك وهي من جملة الوضوء حتى لو غسلها قبل الوضوء استحب له اعادة غسلها بعد النية وكذلك الذي يوضئ الميت يستحب له ان يغسل كفيه كلما وضأه نص عليه وذلك لأن الذين وضأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا انه كان يبدأ فيغسل كفيه ثلاثا ولأن اليد الة لنقل الماء فاستحب تطهيرها تحقيقا لطهارتهما وتنظيفا لهما وادخالا لغسلهما في حيز العبادة ولو انه على سبيل التجديد

فأما ان كان المتوضئ قد قام من نوم الليل كان غسلهما اوكد حتى يكره تركه وهو واجب في إحدى الروايتين قال القاضي وأصحابه لا عن حدث ولا عن نجس لكن تعبد اختارها أبو بكر وأكثر أصحابنا لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري اين باتت يده متفق عليه الا ان البخاري لم يذكر العدد ومقتضى الامر الايجاب لا سيما وغسل اليد مستحب مطلقا فلما خص به هذه الحال دل على وجوبه وهذا يختص بنوم الليل دون نوم النهار لأن المبيت انما يكون بالليل فعلى هذا لو استيقظ المحبوس ولم يدر ليل هو ام نهار لم يلزمه غسلهما ومن نام أكثر الليل لزم الغسل دون من بات اقله كالمبيت بمزدلفة وقال القاضي يلزم كل من نام نوما ينقض وضوءه فإن بات ويده في جراب أو مكتوفا وجب غسلهما في اظهر الوجهين وتشترط النية لذلك في أشهر الوجهين لأنه عبادة ولا تشترط التسمية على الاصح وإن قلنا باشتراطها في الوضوء بل المستحب ان يفردها بالتسمية ويجوز تقديمها على الوضوء بالزمن الطويل لأنها ليست من جملته والرواية الثانية انه سنة اختارها الخرقي وجماعة لأن قوله إذا قمتم إلى الصلاة يعم القائم من النوم وغيره لا سيما وقد فسره زيد بن اسلم بالقيام من الليل ولم يذكر شيئا آخر ولأن الطهور الواجب اما عن خبث وهي طهارة بإجماع واما عن حدث ولو كان كذلك لاجزأ غسلهما في جملة اعضاء الوضوء بنية الحدث واكتفى لهما بغسلة واحدة وحملوا الحديث على الاستحباب كما روى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم انه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه متفق عليه

لتعليله بوهم النجاسة ولانه قد روى في لفظ صحيح إذا اراد أحدكم الطهور فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها وهذا يدل على انه اراد به غسل اليد المسنون عند الوضوء وعلى هذه الرواية حكم غسلهما هنا حكم غسلهما عند ارادة كل وضوء الا انه موكد هنا يكره تركه وهل يختص ذلك بمن يريد الوضوء أو يعمه وغيره بحيث يغسل عند الوضع في الطعام وغيره من المائعات يحتمل وجهين

مسألة ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا يجمع بينهما بغرفة واحدة أو ثلاث

لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك فيه والسنة ان يتمضمض ويستنشق بيمينه ويستنثر بشماله وإن يقدمهما على ظاهر الوجه للسنة المستفيضة بذلك ولأن تقديم الباطن أولى لئلا يخرج منه اذى بعد غسل الظاهر فيلوثه وإن يقدم المضمضة للسنة ولأن الفم اشرف واحق بالتطهير وهو اشبه بالباطن وقوله يجمع بينهما أي الجمع بين المضمضة والاستنشاق بماء واحد أفضل من ان يفصل كل واحد بماء لأن في حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم انه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات وفي لفظ تمضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا متفق عليهما وفي لفظ تمضمض واستنثر ثلاثا من غرفة واحدة رواه البخاري وكذلك في حديث ابن عباس وعثمان وغيرهما وهذه الأحاديث أكثر واصح من أحاديث الفصل ولأن هذا يحصل معه الاسباغ مع الرفق من غير سرف ثم ان شاء تمضمض واستنشق الثلاث بغرفة واحدة ان امكنة ان يسبغ بها وإن شاء بثلاث غرفات لأن الحديث جاء بهما وإن فعل المضمضة بماء والاستنشاق بماء جاز لأنه قد جاء في الأحاديث اما بغرفتين أو ست غرفات وإذا جمعهما بماء واحد في غرفة واحدة أو فصلهما بماءين في ست غرفات كمل وصفته المضمضة أولا ثم الاستنشاق في أحد الوجهين كما لو فرقهما بغرفتين وفي الاخر يتمضمض ثم يستنشق ثم يتمضمض ثم يستنشق كما لو جمعهما بثلاث غرفات ( ويحتمل ان تكمل المضمضة في الست وفي الاخرى يتمضمض ويستنشق الحاقا لكل واحد بجنسه ) وقد روى عبد الله بن أحمد في المسند عن علي انه تمضمض ثلاثا ثم استنشق ثلاثا بكف كف وقال احببت ان اريكم كيف كان طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم

فصل

والمضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الصغرى والكبرى في ظاهر المذهب وعنه ان الاستنشاق وحده هو الواجب لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ أحدكم فليستنثر وفي لفظ فليجعل في انفه ماء ثم يستنثر متفق عليه وفي لفظ لمسلم من توضأ فليستنشق وقال للقيط بن صبرة وبالغ في الاستنشاق الا ان تكون صائما فامر بالمبالغة والاستنثار المستلزمين للاستنشاق قام الدليل على استحباب الصفة بقي أصل الفعل على الوجوب ولم يرد مثل هذه الأحاديث الصحاح في المضمضة ولأن طرف الانف لا يزال مفتوحا ليس له ساتر بخلاف الفم ولهذا أمر القائم من نومه بالاستنشاق ثلاث مرات ولم يذكر المضمضة والرواية الثالثة انهما يجبان في الكبرى دون الصغرى لأن الغسل مبناه على وجوب غسل جميع ما يمكن من الظاهر والباطن بدليل باطن الشعور الكثيفة من اللحية والرأس بخلاف الوضوء فإنه لا يجب فيه غسل ما استتر كباطن اللحية

ويروى عنه انه يجب الاستنشاق وحده في الوضوء خاصة لأنه الذي جاء فيه النص والصحيح الأول لأن الله سبحانه وتعالى أمر بغسل الوجه مطلقا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وتعليمه فمضمض واستنشق في كل وضوء توضأه ولم ينقل عنه انه اخل به ابدا مع اقتصاره على اقل ما يجزئ حين توضأ مرة مرة وقال هذا صفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة الا به وهذا اقصى حدا في اقتصادر الوجوب من جهة ان فعله إذا خرج امتثالا لامر كان حكمه حكم ذلك الامر في اقتضاء الوجوب

ومن جهة انه لو كان مستحبا لاخل به ولو مرة ليبين جواز الترك كما ترك الثانية والثالثة ومن جهة انه لما توضأ قال هذا صفة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة الا به وقد روى أبو داود عن لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأت فمضمض وعن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق وعن سليمان بن موسى الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه رواهما الدارقطني

وقد روى هذين الحديثين مسندين ومرسلين والمرسل إذا ارسل من جهة أخرى أو عضده ظاهر القرآن أو السنة صار حجة وفاقا وهو كذلك ولأن الفم والانف في الوجه وحكمهما حكم الظاهر وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم الاستنشاق بالامر لا لأنه أولى بالتطهير من الفم كيف والفم اشرف لأنه محل الذكر والقراءة وتغيره بالخلوف أكثر لكن يشبه والله أعلم أن الفم لما شرع له التطهير بالسواك واوكد أمره وكان غسله بعد الطعام مشروعا وقبل الطعام على قول علم اعتناء الشارع بتطهيره بخلاف الانف فإنه ذكر لبيان حكمه خشية ان يهمل إذا لم يشرع غسله الا في الوضوء وعند الانتباه

فصل

وهل تسمى المضمضة والاستنشاق فرضا على روايتين منصوصتين وكذلك عنه في صدقة الفطر بناء على إحدى الروايتين عنه ان الفرض ما يثبت بكتاب الله دون ما ثبت وجوبه بالسنة أو ما يثبت بدليل قاطع دون ما ثبت بخبر الواحد والعموم ونحو ذلك وربما قيل ما لم يسقط في عمد ولا سهو ويجوز تأخيرهما عن غسل ظاهر الوجه ويجب تقديمهما على غسل اليد في إحدى الروايتين لانهما من الوجه فوجب تقديمهما كسائر اجزائه

والرواية الثانية انه يجوز تأخيرهما عن جميع الاعضاء وانه لا يجب الترتيب والموالاة بينهما وبين غيرهما لما روى المقدام بن معدي كرب قال اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ثم مسح راسه واذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه أحمد وأبو داود ولأن وجوبهما لم يعلم بنص القرآن والترتيب انما يجب بين الاعضاء المذكورة في القرآن ليبدأ بما بدأ الله به وانما هما من الوجه على سبيل التبع كما ان الاذنين من الرأس فجاز غسلهما تبعا

مسألة ثم يغسل وجهه ثلاثا

لقوله سبحانه ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) والتثليث في سائر الاعضاء المغسولة لما روي عن عثمان انه دعا بإناء فافرغ على كفيه ثلاثا مرات فغسلهما ثم ادخل يميينه في الاناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا مرات ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاثا مرات إلى الكعبين ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضا نحو وضوئي هذا ثم قال من توضا نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه

ويستحب ان يزيد في ماء الوجه لاساريره ودواخله وخوارجه وشعوره وإن يمسح ما فيه لأنها مظنة نبو الماء عنها قال أحمد يؤخذ للوجه أكثر مما يؤخذ لعضو من الاعضاء وكره ان يأخذ الماء ثم يصبه ثم يغسل وجهه وقال هذا مسح ولكنه يغسل غسلا وقد روى أبو امامة وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ثلاثا وقال وكان يمسح الماقين رواه أحمد والمأق طرف العين من جهة الانف والاذن

مسألة من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن والى أصول الاذنين

لأن الرأس ما عليه الشعر وهو المشروع مسحه فما دون المنابت هو من الوجه وهذا معتبر بغالب الناس فأما الاقرع الذي ينبت الشعر في بعض جبهتيه أو الاجلح الذي انحسر الشعر عن مقدم راسه فلا عبرة بهما بل يجب على الاقرع غسل الشعر النابت على الوجه وغسل ما تحته ان كان يصف البشرة وقوله إلى ما انحدر من اللحيين والذقن فاللحيان هما العظمان اللذان في أسفل الوجه قد اكتنفاه وعليهما تثبت أكثر اللحية

والذقن مجتمع اللحييين فيجب غسل البشرة ان كانت ظاهرة وغسل ما عليها من الشعر وما استرسل من اللحية عن اللحيين والذقن وعنه لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولا وعرضا كما لا يجب مسح ما استرسل من الرأس ولأن الفرض كان على البشرة قبل النبات فلما نبت الشعر انتقل الفرض اليه فما لم يحاذ البشرة لم ينتقل اليه شيء والصحيح الأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يغسل وجهه كما أمره الله تعالى إلى خرت خطايا وجهه من اطراف لحيته مع الماء ولانه ثابت في المحل المغسول فتبعه وإن طال كالظفر إذا خرج عن حد الاصبع

ولأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة والوجاهة بخلاف الذوائب فإنها لا تشارك الرأس في التراس والارتفاع ولذلك كان غسل اللحية مشروعان ومسح الذوائب مكروها وقد ذكر أصحابنا وغيرهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راي رجلا قد غطى لحيته في الصلاة فقال اكشف عن وجهك فإن اللحية من الوجه وقوله من الاذن إلى الاذن يعني به من وتد الاذن أصلها دون فرعها فلم تدخل الاذنان في الوجه فأما البياض بين الاذنين والعذار فمن الوجه

قال الاصمعي والمفضل بن سلمة ما جاوز وتد الاذن من العارض والعارضان من الوجه ولانه قبل نبات الشعر كان يجب غسله إجماعا وكذلك بعده ولأن فيه معنى التوجه والمواجهة والوجاهة ولأن حكم الموضحة يثبت في عظمه وهي لا تثبت الا في راس أو وجه وليس من الرأس فيكون من الوجه فأما الشعور النابتة في الوجه فإن كانت تصف البشرة وجب غسلها وغسل ما تحتها كما كان يجب قبل نبات الشعر لأنه ما دام يظهر فهو ظاهر لا يشق ايصال الماء اليه وإن لم تصف البشرة لم يجب الا غسل ظاهرها فقط سواء في ذلك شعر الحاجبين والشاربين والعنفقة والعذار واللحية هذا هو المنصوص لأنه يشق ايصال الماء اليها ولانه لم ينقل عنه انه غسل باطن اللحية قال أحمد وقد سئل ايما عجب اليك غسل اللحية أو تخليلها فقال غسلها ليس من السنة وقيل يجب غسل باطن ما سوى اللحية وكذلك لحية المرأة وإن كان كثيفا لأن ايصال الماء لا يشق غالبا والصحيح الأول لأن الفرض بعد الستر انتقل إلى الظاهر ولأن في ايجاب غسل باطنها مشقة وتطريقا للوسواس كاللحية والذي يدخل في الوجه من الشعور الحاجبان واهداب العينين والشاربان والعنفقة والعذار والعارضان

والعذار هو الشعر النابت على العظم النابي محاذيا صماخ الاذن مرتفعا إلى الصدغ ومنحطا إلى العارض والعارض هو النابت على اللحيين إلى الذقن وقال الاصمعي ما جاوز وتد الاذن فهو عارض فأما التحذيف والصدغ والتحذيف هو ما ارتفع عن العذار اخذا إلى طرف اللحيين والنزعة ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا والصدغ هو ما ارتفع من العذار إلى فوق مشيا إلى فرع الاذن ودونه قليلا وهو يظهر في حق الغلام قبل نبات لحيته ففيها ثلاثة اوجه أحدها يجب غسلهما لانهما داخلان في تدوير الوجه فدخلا في حده وإن كان شعرهما متصلا بشعر الرأس كما ان النزعتين لما دخلا في حد الرأس كانتا منه وإن خليا من الشعر والثاني لا يجب لأن هذا الشعر متصل بشعر الرأس ابتداء فكانه منه كسائره والثالث يجب غسل التحذيف خاصة لأنه يعتاد اخذه دون اخذ الصدغ ولأن محله يجب غسله لو لم يكن عليه شعر فكذلك إذا كان عليه ويستحب غسل داخل العين إذا امن الضرر في أحد الوجهين لأن ابن عمر كان يفعله ولا يستحب في الاخر وهو اشبه لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولانه مظنة تخوف الضرر في الجملة مع تكرار الوضوء

مسألة ويخلل لحيته ان كانت كثيفة وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها

اما التي تصف البشرة فقد تقدم القول فيها واما تخليل الكثيفه فلما روى انس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ اخذ كفا من ماء فادخله تحت حنكه فخلل لحيته وقال هكذا أمرني ربي رواه أبو داود وعن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك وشبك لحيته بأصابعه من تحتها رواه أبو داود وتخليلها من تحتها ليصيب الماء اسافلها كما أصاب عاليها واما غسلها فليس بسنة كما تقدم

مسألة ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ويدخلهما في الغسل

لقوله ( وأيديكم إلى المرافق ) والتثليث لما تقدم ويجب غسل المرفقين لأن المرفق هو من جنس اليد وهو مفصل حسي ونهايته متميزة ومثل هذه الغاية والحد انما يذكر إذا اريد دخوله في المحدود والمغيا كما لو قال بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف وبعتك هذه الأرض إلى شاطئ النهر وقد قيل لأن اسم اليد يتناولها إلى المنكب وبقوله إلى المرافق لنفي الزيادة على المرفق فيبقى المرفق داخلا في مسمى اليد المطلقة

وقد روى الدارقطني عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ ادار الماء على مرفقيه وفعله إذا وقع امتثالا لامر وتفسيرا للمجمل كان مثله في الوجوب لا سيما وادخاله احوط وارتفاع الحدث بدونه مشكوك فيه والاصل بقاؤه فإن كان اقطع من دون المرفقين إلى الأصابع غسل ما بقي منه لأن العجز عن بعض الواجب لا يسقط فعل ما يقدر عليه منه لقوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وقل النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم متفق عليه

وان كان القطع من فوق المرفق سقط الغسل لسقوط محله وإن قطعت من مفصل المرفق سقط الغسل وغسل راس العضد في أحد الوجهين لأن غسلهما انما وجب تبعا لابرة الذراع إذا لا يمكن غسلها الا يمكن بغسل راس العضد والمنص منهما وجوب غسل راس العضد لأن المرفق اسم لمجتمع عظم الذراع وعظم العضد فإذا ذهب أحدهما وجب غسل الاخر كما لو بقي بعض الذراع ولو قطعت يد المتيمم من مفصل الكوع سقط مسح ما بقي هناك وإن قلنا في الوضوء بغسل ما بقي لأن الواجب هناك مسح الكفين وقد ذهبا بخلاف الوضوء

فان المرفق من جملة محل الفرض هذا أحد الوجهين والمنصوص وجوب المسح أيضا لأن المامور به مسح اليد إلى الكوع وإذا عجز الاقطع عن افعال الطهارة ووجد من ينجيه ويوضئه متبرعا لزم ذلك وإن لم يجد الا باجرة المثل لزم ذلك أيضا في أشهر الوجهين كما يلزمه شراء الماء والاستنابة في الحج فإن لم يجد من يطهره فقد عجز عن الطهارة في الحال كعادم الماء فيصلي وفي الاعادة وجهان وإذا انقلعت جلدة من العضد حتى تدلت من الذراع وجب غسلها وإن انقلعت من الذراع حتى تدلت من العضد لم يجب اعتبارا باصلها ولو انقلعت من أحدهما والتحم راسها بالاخر غسل ما حاذى موضع الفرض من ظاهرهما وباطنهما المتجافي وما تحته ولو كانت له يد زائدة أصلها في محل الفرض وجب غسلها كالاصبع الزائدة وإن كانت في العضد أو المنكب وهي مثل الاصلية وجب غسلها ليؤدي الفرض بيقين وإن تميزت فهل يجب غسل ما حاذى محل الفرض منهما على وجهين

مسألة ثم يمسح راسه مع الاذنين يبدا بيده من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه

لقوله وامسحوا برؤوسكم والسنة في مسحه ما روى عبد الله بن زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح راسه بيديه فأقبل بهما وادبر بدأ بمقدم راسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه رواه الجماعة قيل لأحمد من له شعر إلى منكبيه كيف يمسح في الوضوء فأقبل أحمد بيديه على راسه مرة وقال هكذا كراهية ان ينتشر شعره يعني انه يمسح إلى قفاه ولا يرد يديه

قال أحمد حديث علي هكذا يعني انه من خاف انتفاش شعره لم يرد يديه سواء كان رجلا أو أمراة وعنه ان المرأة تبدأ بمؤخر راسها ثم ترد يديها إلى مقدمة ثم تعيدهما إلى مؤخرة لما روت الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعنه أنها تمسح كما روت الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية لمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته رواه أبو داود

وعنه تضع يدها على وسط الرأس ثم تجرها إلى مقدمه ثم ترفعها وتضعها حيث بدأت ثم تحركها إلى مؤخرة بمسحة واحدة محافظة على أن تقبل وتدبر وعلى مسحة لا تغير شعرها لأن بقاء شعرها على هيئة مقصود وكيف ما مسح الرجل والمرأة جاز وأما الاذنان فهما من الرأس بحيث يجزئ مسحهما بمائة كسائر أجزاء الرأس بلا خلاف في المذهب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الاذنان من الرأس رواه أحمد وابن ماجة وروى الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه وذكر الحديث إلى أن قال فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه رواه النسائي وهذا يدل على دخولهما في مسمى الرأس ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه مسح رأسه واذنيه قال ابن عباس بغرفة واحدة ولم يذكروا أنه أخذ لهما ماء جديدا قال ابن المنذر مسحهما بماء جديد غير موجود في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولأن الله سبحانه إنما أمر بمسح الرأس وفعله صلى الله عليه وسلم خرج امتثالا للأمر وتفسيرا للمجمل فعلم أن الرأس المذكور في القران هو ما مسحه صلى الله عليه وسلم يريد بذلك أنهما عضوان متصلان بالرأس ايصال خلقة فكانا منه كالنزعتين وذلك لأن البياض الذي فوق الأذن هو من الرأس لأن الموضحة يثبت حكمها فيه وهي لا تكون إلا في رأس أو وجه وليس من الوجه فتكون من الراس لكن هل الأفضل أن يمسحها بماء الرأس أو يأخذ لهما ماء جديدا على روايتين إحداهما أن الأفضل مسحهما بماء جديد لأن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه رواه مالك في الموطأ ولأنهما لا يشبهان الرأس خلقة ولا يدخلان في مطلقة فأفردا عنه بماء وإن كانا منه كداخل الفم والأنف ومعنى هذا ألا يمسحا إلا بماء جديد ( وذكر القاضي عبد الوهاب وابن حامد أنهما يمسحان بماء جديد بعد أن يمسحان بماء الرأس وليس بشيء ) لأن فيه تفضيلا لهما على الرأس ولأن ذلك خلاف المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والثانية مسحهما بماء الرأس أفضل لأن الذين وصفوا وضوء رسول صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد وما نقل خلاف ذلك محمول على أن اليد لم يبق فيها بلل وحينئذ يستحب أخذ ماء جديد لهما ويفارق الفم والأنف لأنهما يغسلان قبله ولا يكفيهما مع الوجه ماء واحد والسنة مسح ظاهرهما وباطنهما وأن يدخل سباحتيه في صماخهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما لأن ذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولا يستحب تكرار مسح الرأس والأذنين بل السنة مسحة واحدة يقبل بها ويدبر في أصح الروايتين لأن عبدالله بن زيد لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة مع ذكره التثليث في غسل جميع الأعضاء وكذلك عامة الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عثمان وعلي وابن عباس وعائشة وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم في رواياتهم الصحاح ذكروا أنه مسح رأسه مرة واحدة منهم من صرح بذلك ومنهم من ذكر العدد ثلاثا ثلاثا ولم يذكروا في الرأس عددا

ولأنه مسح فلم يستحب تكراره كالتيمم ومسح الخف والرواية الأخرى يستحب مسحه ثلاثا أيضا لما روى مسلم عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وروى أبو داود في سننه أن عثمان حين حكى وضوء رسول صلى الله عليه وسلم قال ومسح رأسه ثلاثا ولكن الصحيح في حديث عثمان أنه مسح رأسه مرة واحدة كذلك قال أبو داود وغيره ويستحب مسح العنق في إحدى الروايتين لما روى الإمام أحمد في المسند عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق وحكى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه مسح وقال هو موضع الغل والثانية لا يستحب وهو أظهر لأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكروه ولو كان مسنونا لتكرر منه فنقلوه ولأنه ليس من الرأس حقيقة ولا حكما والحديث قد طعن فيه سفيان بن عيينة وأحمد وغيرهما ولعله قد فعل ذلك مرة لغرض إذ لو داوم عليه لنقله مثل عثمان وعلي

مسألة ثم يغسل رجليه إلي الكعبين ثلاثا ويدخلهما في الغسل

لقوله تعالى { وأرجلكم إلى الكعبين } وقد قرئت بالنصب والخفض وقال من قرأها بالنصب من الصحابة مثل علي وابن مسعود وابن عباس عاد الأمر إلى الغسل

ولو كان عطفا على محل الجار والمجرور فهو وقراءة الخفض سواء في أنه يراد به الغسل فإن المسح اسم لإيصال الماء إلى العضو سواء سال الماء أو لم يسل قال أبو زيد يقال تمسحت للصلاة

وأيضا من لغة العرب أن الفعلين إذا تقارب معناهما استغنوا بأحدهما لدلالته على الآخر لذا كان في الكلام ما يدل عليه وكان هذا من باب الإيجاز والاختصار كما قال تعالى { يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين } إلى قوله { وحور عين } وهن لا يطاف بهن وإنما يطفن كأنه قال يؤتون بهن كما قال

ورأيت زوجك في الوغا متقلدا سيفا ورمحا وقال علفتها تبنا وماء باردا

وقد دل على أنه أراد المسح الذي هو إجراء الماء على العضو قرينتان إحداهما أنه حدده إلى الكعبين والحد إنما يكون للمغسول لا للممسوح والثانية أن من يقول بالمسح يمسحهما إلى مجتمع القدم والساق فيكون في كل رجل كعب ولو كان كذلك لقيل إلى الكعاب كما قال وأيديكم إلى المرافق لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد فلما قال إلى الكعبين علم أن في كل رجل كعبين كأنه قال وكل رجل إلى كعبيها

ودلنا على مراد الله من كتابه رسوله المبين عنه ما أنزل إلينا فإن سننه تفسر الكتاب وتبينه وتعبر عنه وتدل عليه فإن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عثمان وعلي وعبدالله بن زيد وعبدالله بن عباس والمقدام ابن معدي كرب والربيع بنت معوذ رضي الله عنهم وغيرهم أخبروا أنه غسل رجليه وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا قال فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا متفق عليه وفي الصحيح عن أبي هريرة وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ويل للأعقاب من النار وروى هذا المتن جماعة من الصحابة منهم جابر وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعن عبدالله بن الحارث الزبيدي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار رواه أحمد وكذلك جاء عنه تخليل الأصابع فعلا وأمرا وليس في المسح شيء من ذلك وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين

وأما التثليث في غسلهما وإدخال الكعبين فلما تقدم والكعبان هما العظمان الناتيان في جانبي الساق لما تقدم وروى النسائي عن عثمان وعلي صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل واحد منهما غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثا ثم اليسرى كذلك وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت وهذا هو المعروف في اللغة قال النعمان ابن بشير كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة ومنكبه بمنكبه وكذلك ذكره الأصمعي وأبو عبيد وغيرهما من أهل اللغة

مسألة ويخلل أصابعه

لما روى المستورد بن شداد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره رواه أصحاب السنن ويستحب أيضا تخليل أصابع اليدين وقد روي عنه أن سنة التخليل تختص بأصابع الرجلين فإن تفرق أصابع اليدين يعني من تخليلها والأول هو المذهب لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حسن غريب

ولأنها تضم غالبا عند أخذه الماء ويستحب أن يتعاهد أعضاءه كلها بالدلك لا سيما عقبه وغضون وجهه ويحرك خاتمه إن كان عليه لما روى أبو رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه رواه ابن ماجة والدارقطني فإن غلب على ظنه وصول الماء إلى مواضعه بدون الدلك وتحريك الخاتم والتخليل أجزأه وكذلك يغسل ما على عقد الأصابع وما تحت الأظفار من الوسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته إنني أوهم فيها ما لي لا أيهم ورفغ أحدكم بين ظفرة وأنملته يعني داخل الرجل رفغه اجتمع الوسخ والدرن بين ظفرة وأنملته والأرفاغ المغابن مثل الآباط وأصول الفخذين وفي حديث الفطرة وغسل البراجم وهي العقد التي في ظهور الأصابع فإن اجتمع ما تحت الأظفار ومنع وصول الماء إلى ما تحته ففيه وجهان

مسألة ثم يرفع نظره إلى السماء فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء رواه مسلم والترمذي وزاد فيه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من التطهرين وفي رواية لأبي داود من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وروي أيضا أنه قال سبحانك وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

مسألة الرأس كله

هذا هو المشهور في المذهب وعنه يجزئ مسح أكثره لأن مسح جميعه فيه مشقة وقد خفف فيه بالمسح وبالمرة الواحدة فكذلك بالقدر وعنه قدر الناصية لما روى أنس قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فادخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود وعلى هذا فله أن يمسح قدر الناصية من أي موضع شاء في أشهر الوجهين وفي الآخر تتعين الناصية وبكل حال لا يجزئ الأذنان والصحيح الأول لقوله فامسحوا برؤوسكم أمر بمسح الرأس كما أمر بمسح الوجه في آية التيمم فإذا أوجب استيعاب الوجه بالتراب فاستيعاب الراس بالماء أولى ولأن الرأس اسم للجميع فلا يكون ممتثلا إلا بمسح جميعه كما لا يكون ممتثلا إلا بغسل جميع الوجه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح جميع رأسه وفعله مبين للآية كما تقدم وما نقل عنه أنه مسح على مقدم رأسه فهو مع العمامة كما جاء مفسرا في حديث المغيرة بن شعبة وذلك جائز

وادعاء أن الباء إذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه تفيد التبعيض لا أصل له فإنه لم ينقله موثوق به والاستعمال لا يدل عليه بل قد أنكره المعتمدون من علماء اللسان ثم إن إنها تفيده في كل موضع فهذا منقوض بآية التيمم وبقوله { تنبت بالدهن } وقرأت بالبقرة في كل ركعة وتزوجت بالمرأة وحبست صدره بصدره وعلمت بهذا الأمر وما شاء الله من الكلام وإن ادعى أنها تفيده في بعض المواضع فذلك لا من نفس الباء بل من موضع آخر

كما قد يفاد ذلك مع عدم الباء ثم من أين علم أن هذا الموضع من جملة تلك المواضع على أنه لا يصح في موضع واحد ولا فرق من هذه الجهة بين قولك أخذت الزمام وأخذت به وأما قوله { عينا يشرب بها عباد الله } وقوله شربن بماء البحر فإنه لم يرد التبعيض فإنه لا معنى له هنا وإنما الشرب والله أعلم يضمن معنى الزي فكأنه قال يروي بها عباد الله ثم الأحاديث التي ذكرناها أكثرها يقال فيه مسح برأسه وأذنيه فأقبل بهما وأدبر فيذكر استيعاب المسح مع إدخال الباء

قالوا ويقال مسحت ببعض رأسي ومسحت بجيمع راسي ولو كانت للتبعيض لتناقض وإنما دخلت والله أعلم لأن معناها إلصاق الفعل به والمسح هو إلصاق ماسح بممسوح ويضمن معنى الإلصاق فكأنه قيل الصقوا برؤوسكم فيفهم أن هناك شيئا ملصق بالرأس وهو الماء بخلاف ما لو قيل امسحوا رؤوسكم فإنه لا يدل على الماء لأنه يقال مسحت رأس اليتيم ومسحت الحجر وليس هناك شيء يلصق بالممسوح في غير اليد

ولربما توهم أن مجرد مسح الرأس باليد كاف ولهذا والله أعلم دخلت الباء في آية التيمم لتبين وجوب إلصاق التراب بالأيدي والوجوه ولا يجب مسح الأذن وإن قلنا بالاستيعاب في أشهر الروايتين لأنها منه حكما لا حقيقة بدليل أنها تضاف تارة إليه وتارة إلى الوجه بقوله سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره وفي الأخرى يجب لأنهما من الرأس وبكل حال لا يجب مسح ما استتر بالغضاريف كما استتر بالشعر من الراس

وإذا مسح بشرة رأسه من تحت الشعر دون أعلى الشعر لم يجزئه كما لو غسل باطن اللحية دون ظاهرها وكذلك لو مسح المسترسل محلولا أو معقودا على أعلى الرأس وإن قلنا يجزئ مسح البعض ولو خضب رأسه أو طينه لم يجز المسح عليه لأنه ليس هو الرأس ولا حائله الشرعي كما لو كان الخضاب على يديه ورجليه وإذا مسح رأسه أو جهه في التيمم بخرقة ونحوها أجزأه في أصح الوجهين لأن المسح في الآية مطلق فيتناول اليد وغيرها كما يتناول يد الغير

ولو وضع يده المبلولة على رأسه من غير إمرار لم يجزئه في المشهور وكذلك الخرقة لأنه لا يسمى مسحا بخلاف غمس ( العضو ) في الماء فإنه يسمى غسلا وإن مسح الراس بإصبع أو إصبعين أجزأه في أشهر الروايتين بناء على أن البلل الباقي على الأصبع ليس بمستعمل وإنما المستعمل ما انتقل إلى الرأس وإذا غسل رأسه أو خفه وأمر يده عله أجزأ لأنه مسح وزيادة وإن لم يمر يده لم يجزئه في إحدى الروايتين لأن الإمرار بعض المسح ولم يأت به وفي الأخرى يجزئ لأنه أكثر من المسح

ولو وقف تحت ميزان أو مطر ليقصد الطهارة أجزأ إن أمر يده وإن لم يمرها ولم يجر لم يجزئه في أشهر الوجهين فإن جرى فعلى روايتي الغسل ولو أصابه ذلك من غير قصد ثم أمر يده عليه أجزأه في أشهر الروايتين لأن الماء الواقع بغير قصد غير مستعمل فإذا مسح به كان كما لو نقله بيده وفي الأخرى لا يجزئ لأنه لم يقصد نقل الطهور إلى محله

مسألة وترتيب الوضوء على ما ذكرنا

ظاهر المذهب أن ترتيب الأعضاء على ماذكر الله تعالى واجب فإن نكسها أو غسلها جميعا باغتماس أو يوضئه أربعة لم يجزئه فأما ما كان مخرجه في كتاب الله واحدا كالوجه واليدين إذا قدم بعضه على بعض كتقديم ظاهر الوجه على باطن الفم والأنف وتقديم اليسرى على اليمنى فإنه جائز وقد حكى أبو الخطاب وغيره فيه رواية أخرى أن الترتيب ليس بواجب مأخوذ من نصه على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن جميع الأعضاء وأبى ذلك غيره وخصوا ذلك بمورد نصه فرقا بين المضمضة والاستنشاق وغيرهما حيث صرح هو بالتفرقة كما تقدم

وهذا أصح وليس القول بوجوب الترتيب لاعتقادنا أن الواو تفيد الترتيب فإن نصه ومذهبه الظاهر أنها لا تفيده وإنما قلناه لدليل آخر وذلك أن الله سبحانه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره أما على قراءة النصب فظاهر مع قول من قال من الصحابة والتابعين عاد الأمر إلى ( الغسل ) وعلى قراءة الخفض أوكد لأنه مع تأخير الرجلين أدخلهما في خبر المسح مراد به غسلهما مع إمكان تقديمهما

والكلام العربي الجزل لا يقطع فيه النظير عن النظير ويفصل بين الأمثال بأجنبي إلا لفائدة ولا فائدة هنا إلا الترتيب وكذلك لو قال الرجل أكرمت زيدا وأهنت عمرا وأكرمت بكرا ولم يقصد فائدة مثل الترتيب ونحوه لعدعيا ولكنه ولا يجوز أن تكون الفائدة استحباب الترتيب فقط لأن الآية إنما ذكر فيها الواجبات فقط وكذلك لم يذكر فيها ترتيب اليسرى واليمنى وأيضا ما ذكره أبو بكر وهو أنا وجدنا المأمورات المعطوف بعضها على بعض ما كان منها مرتبطا بعضه ببعض وجب فيه الترتيب كقوله { اركعوا واسجدوا } وقوله { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ) وما لم يكن مرتبطا لم يجب فيه الترتيب كقوله { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } { وأتموا الحج والعمرة لله } { وإنما الصدقات للفقراء والمساكين } { واعلموا أن ما غنتم من شيء فإن لله خمسه } وشبه ذلك وآية الوضوء من القسم الأول وأيضا فإن الترتيب يجوز أن يكون مرادا من جهة الابتداء وفعله صلى الله عليه وسلم خرج امتثالا للأمر ولم يتوضأ قط إلا مرتبا فيكون تفسيرا للآية لا سيما ولو كان التنكيس جائزا لفعله ولو مرة ليبين الجواز

وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف واستلم الركن ثم خرج وقال إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدأوا بما بدأ الله به هذا لفظ النسائي فإما أن يكون اللفظ عاما وإن كان السبب خاصا فيكون حجة من جهة العموم وإما أن يكون خاصا فإنما وجب الابتداء بالصفا لأن الله بدأ به في خبره فلأن يجب الابتداء بالوجه الذي بدأ الله به في أمره أولى فعلى هذا إذا نكس فغسل يديه قبل وجهه لم يحتسب به ولم يصر الماء مستعملا

وإن نوى المحدث وانغمس في ماء كثير راكد ففيه وجهان أحدهما وهو المنصوص أن الحدث لا يرتفع عن العضو حتى ينفصل عنه الماء فإذا أخرج وجهه ثم يديه ثم مسح راسه ثم خرج من الماء أجزأه وإلا فلا مراعاة للترتيب في الانفصال والثاني يرتفع الحدث قبل انفصال الماء فإذا مكث في الماء قدر ما يسع الترتيب ومسح رأسه ثم مكث بقدر غسل رجليه أو قلنا يجزئ الغسل عن المسح أجزأه وقد تقدم نظير ذلك في إزالة النجاسة وفي الماء المستعمل

فأما إن كان الماء جاريا فمرت عليه أربع جريات أجزأه إن مسح رأسه إن قلنا الغسل يجزئ عن المسح وإلا فلا وقد قيل يجزئه جرية واحدة لكن عليه مسح رأسه وغسل رجليه لأن الغسل لا يجزئ عن المسح فلم تصح طهارة الرأس ولا الرجلين لأنهما بعده مأخوذا من نصه في رجل اراد الوضوء فاغتمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه والصحيح الأول لأن الطهارة في هذه المسألة إنما حصلت بإنفصال العضو عن الماء

كما تحصلت في الماء الجاري بانفصال الماء عن العضو وقد نص على مثل ذلك في طهارة الجنب ويسقط ترتيب الوضوء عن الجنب تبعا للغسل إذ قلنا يجزئ عنه الغسل كما سقط فعله حتى لو اغتسل إلا أعضاء وضوئه لم يلزمه الترتيب فيها لبقاء حكم الجنابة فيها ولو غسل بعضها عنها ثم أحدث لزمه الترتيب فيما غسله ولم يلزمه في باقيها

مسألة وأن لايوخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله هذا ظاهر المذهب والمنصوص في رواية الجماعة

وورى عنه حنبل أنها ليست واجبة لأن الله تعالى أمر بالغسل مطلقا ولم يشترط الموالاة وعن ابن عمر أنه غسل رجليه بعد ما جف وضوؤه ولأن ما جاز تفريق النية على أبعاضه جاز تفريق أفعاله كالزكاة والحج والحدود ولأنها طهارة فأشبهت الغسل والصحيح الأول لما روى خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي في ظهر قدمه لمعه كقدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره رسول الله صلى الله عليه وسم أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أحمد وأبو داود وقال أحمد إسناد جيد ورأى عمر في قدم رجل مثل موضع الفلس لم يصبه الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة رواه الأثرم أما الزكاة فلا يرتبط بعضها بعض والحج عبادات تتعلق بأمكنة وأزمنة ويحتاج كل فعل منه إلى نية والحج لا ينقص بعد وقوعه أما الغسل فإنما لم تشترط المولاة فيه لما تقدم في المياه عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى لمعة بعد عسله فعصر شعره عليها وعن علي قال جاء رجلا إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني اغتسلت من الجنابة وصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك رواه ابن ماجة

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة وكذلك الأكل والمجامع ثانيا وكان أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد إذا توضأ وهم جنب ولولا أن الجنابة تنقض بالوضوء لم يكن في ذلك فائدة وإنما تنقض إذا صح تبعيضها وإذا صح تبعيضها صح تفريقها بخلاف الوضوء فإنه لايصح تبعيضه في موضع واحد بل لايرتفع الحدث عن عضو حتى يرتفع عن جميع الأعضاء وقال ابن عباس فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في الجنابة وصلى أنه ينصرف فيمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة رواه سعيد في سننه ولأن الموالاة تابعة للترتيب والتريب إنما يكون بين عضوين وبدن الجنب كالعضو الواحد ولأن تفريق الغسل يحتاج إليه كثيرا فإنه قد يكون أصلح للبدين وقد ينسى فيه موضع لمعة أو لمعتين أو باطن شعره وفي إعادته مشقة عظيمة والوضوء يندر ذلك فيه وتخف مؤونة الإعادة فافترقا ولأن الوضوء يتعدى حكمه محله إلى سائر البدن وذلك لايكون إلا جملة الغسل لايتعدى حكمه محله فأشبه إزالة النجاسة كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم أن تحت كل شعرة جنابة

ومتى فرق الغسل فلا بد من نية يستأنفها في تمامة وكذلك الوضوء إذا أخرنا تفريقه لأن النية الحكمية تبطل بطول الفصل كما تبطل بطول الفصل قبل الشروع ولاتسقط الموالاة بالنسيان فلو نسي موضع ظفر من قدمه وطال الفصل أعاد الوضوء إذا ذكره الجاهل لأن الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء كان جاهلا ولم يعذره بذلك وحد الموالاة أن يغسل العضو الثاني قبل أن يجف الماء عن الذي قبله في الزمن المعتدل أو مقداره من الشتاء والاصيف والصيف

فلو لم يشرع فيه حتى نشفت رطوبة الأول أو أخر غسل آخره حتى نشف أوله استأنف فإن الأول بعد شروعه في الثاني وقبل فراغه لاشتغاله بسنة من تخليل أو تكرار أو إسباغ أو إزالة شك لم يعد تفريقها كما لو طول أركان الصلاة قال أحمد إذا كان في علاج الوضوء فلا بأس وإن كان لعبث أو سرف أو زيادة على الثلاث قطع الموالاة كما لو كان لترك وكذلك إذا كان لوسوسة في الأقوى وإن كان لإزالة وسخ فقد قيل إنه كذلك لأنه ليس من الطهارة شرعا وعنه أن التفريق المبطل ما يعد في العرف تفريقا

مسألة وغسل الكفين ثلاثا والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائما

وقد تقدم غسل الكفين وأما المبالغة فلما روى لقيط بن صبرة قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا رواه أحمد وأبو داود ابن ماجة والمضمضة في معناها ليستغرق داخل الفم وقد تقدم العذر عن تركها في الحديث والمبالغة إن يدير الماء في أقاصي الفم وأن يجتذبه بالنفس إلي أقصى الأنف من غير أن يصير سقوطا أو وجورا وقال أبو إسحاق بن شاقلا المبالغة في الاستنشاق واجبة للأمر بها وظاهر المذهب أنها سنة لأنها تسقط في صوم التطوع ولاتستحب فيه ولو كانت واجبة لما تركت لأجل التطوع

مسألة وتخليل اللحية والأصابع ومسح الأذنين وغسل الميامن قبل المياسر أما تخليل اللحية والأصابع ومسح الأذنين فقد تقدم ذكره

وأما غسل الميامن قبل المياسر فلأن عائشة رضي الله هنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في تنعله وترجله وظهوره وفي شأنه كله متفق عليه ولأن الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأوا بالميامن قبل المياسر ولأن الوضوء مما يشتمل العضوين وهو من باب الكرامة فقدمت فيه اليمنى كالانتعال ودخول المسجد والترجل وهو سنة فلو قدم اليسرى جاز نص عليه لأن مخرجها في متاب الله واحد لم يقدم إحداهما على الاخرى وهذا معنى قول علي رضي الله عنه ما أبالي إذا أتمكت وضوئي بأي أعضائي بدأت كذلك جاء عنه مفسرا وقد روى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه أن عليا سئل فقيل له أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شيء فقال لا حتى يكون كما أمر الله رواه أحمد

مسألة والغسل ثلاثا ثلاثا وتكره الزيادة عليها والإسراف في الماء

السنة أن يغسل كل عضو ثلاثا وإلا فمرتين وإن اقتصر علي مرة جاز تقدم وإنما تحصل السنة بالإسباغ

مسألة والواجب من ذلك النية والغسل مرة مرة ما خلا الكفين

وقد تقدم دليل وجوب النية وأما الاجتزاء بالغسل مرة فلما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه الجماعة إلا مسلما

وأما الكفان فغسلهما قبل الوجه سنة لما تقدم وإنما محل وجوبهما بعد الوجه لما تقدم وإنما تحصل السنة بإسباغ كل مرة فإن لم يسبغ بالأولى كانت الثانية تماما لها ولهذا جاء عن علي رضي الله عنه لما حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أخذ غرقه رابعة لوجهة فأما الزيادة على ثلاث سابغات والزيادة من الماء على قدر الحاجة فمنهي عنها لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء أعرابي إلى رسول صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا وقال هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم رواه أحمد والنسائي وابن ماجة

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف فقال أفي الوضوء إسراف قال نعم وإن كنت على نهر جار رواه ابن ماجة وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء رواه ابن ماجة وعبد الله بن أحمد وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله تبارك وتعالى الجنة وعذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يعتدون في الدعاء والوضوء رواه أحمد

ولو خالف بين الأعضاء بأن يغسل وجهه ثلاثا ويده مرتين لم يكره في أشهر الروايتين وإذا شك هل غسل مرتين أو أكثر بنى على اليقين كعدد الركعات ويستحب أن يشرع في العضد والساق إذا غسل يديه ورجليه في أشهر الروايتين لما روى أبو هريرة قال قال رسو الله صلى الله عليه وسلم أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله متفق عليه

فصل

ويكره تنشيف أعضائه في الوضوء والغسل في إحدى الروايتين ما لم يخف ضررا من برد وغيره لأن ميمونة لما وضعت غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالت فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده رواه الجماعة ولأنه أثر عبادة لا يخاف ضرره أو لا يستحب إزالته فكرهت كدم الشهيد وخلوف فم الصائم وطرده التراب بجبهة الساجد والرواية الأخرى لايكره ولايستحب وهي أصح لما روى قيس بن سعد قال زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فأمر له سعد بغسل فوضع له فاغتسل ثم ناولته ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة

وعن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه رواه ابن ماجة ولأن هذا الأثر لم يرد الشرع باستطابته فأشبه غبار القدمين في سبيل الله وبهذا ينقض قياسهم وأصل قياسهم عكس علتنا وأما نفض يده فكرهه القاضي وأصحابه لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم وقال طائفة من أصحابنا لايكره كالتنشيف لحديث ميمونة المتقدم ويباح معاونته في الوضوء باستقاء الماء وحمله وصبه عليه والأفضل أن يلي هو ذلك بنفسه فأما إن استناب غيره في فعل الوضوء بأن نوى وغسل الغير أعضاءه فإنه يكره ويجزئه كما لو نوى ووقف تحت ميزاب وأنبوب والله أعلم

مسألة ويسن السواك عند تغير الفم وعند القيام من النوم وعند الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال

أما استحبابه في جميع الأوقات فلما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه أحمد وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السواك مطهرة للفم مرضاة للرب رواه أحمد والنسائى وذكره البخارى نعليقا ولأن جميع الأوقات مظنة ما يطهر الفم منه من إدام وأكل وما يطهر له من كلام الله وكلام العباد ولذلك استحب مطلقا ويتأكد اسحبابه لسببين أحدهما عند تغير الفم بمأكول أو خلوه من الطعام أو غير ذلك

وكذلك عند القيام من الليل لما روى حذيفة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك متفق عليه يعني يغسله ويدلك وفي لفظ كنا نؤمر بالسواك إذا قمنا من الليل ولأن بالنوم ينطبق فمه فيحتبس فيه البخار المتصاعد من معدته فيغيره

وكذلك إذا دخل منزله وقد قيل لعائشة بأي شيء كان يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل منزلة قالت بالسواك أخرجه مسلم

وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايرقد ليلا ولا نهارا فيستقيظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ رواه أبو داود وأما إذا تغير طعمه أو يحه أو اصفر لون الأسنان من مطعموم أو خلو من الطعام أو غير ذلك فلما روى تمام بن العباس قال أتو النبي صلى الله عليه وسلم أو أتى فقال مالي أراكم تأتوني قلحا استاكوا رواه أحمد

ولأن السواك إنما شرع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه فإذا تغير فقد تحقق اسبب المقتضي له فكان أولى منه عند النوم

والسبب الثاني إذا أراد الصلاة لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة رواه الجماعة وعن عائشة قالت قال رسول الله عليه وسلم فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير السواك سبعون صلاة رواه أحمد وليس بواجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل ترك الأمر بالمشقة فلو كان أمر إيجاب لحصلت المشقة في وجوبه وفي وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم وجهان أحدهما كان واجبا عليه قال القاضي وابن عقيل لما روى عبد الله بن حنظلة الغسيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك أمر بالسواك لكل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث رواه أحمد وأبو داود وهو مأمور بالتوضؤ لكل صلاة أمر استحباب فعلم أن الموضوع وجوبه والسواك بدل عنه فيكون واجبا والثاني لم يكن واجبا عليه قاله ابن حامد لما روى واثلة بن الاسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بالسلواك حتى خشيت أن يكتب علي رواه أحمد

وهذا معنى تفضيله على التحديد وهو مزية الأمر حتى كاد يصير مفروضا وهذا الوجه أشبه فإن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام وإنما استحب للمصلي لأن القائم إلى الصلاة يقرأ القرآن ويذكر الله ويدعوه فاستحب له تطهير الفم لأنه مجرى القرآن ولئلا يؤذي الملائكة والآدميين بريح فمه ولأن الله يحب المتطهرين وكذلك يستحب لكل قارئ وذاكر وداع كما يستحب لهم الوضوء وأوكد وقد جاء طهروا أفواهكم بالسواك فإنها مجاري القرآن وكذلك السواك عند الوضوء لأنه به وبالمضمضة تكمل نظافة الفم

وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء رواه أحمد وذكره البخاري تعليقا قال ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم

وأما الصائم بعد الزوال فيكره له في أظهر الروايتين وفي الأخرى لا يكره ولا يستحب على هذه الرواية أيضا وقيل يستحب لما روي عن عاذشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير خصال الصائم السواك رواه ابن ماجة وقال عامر بن ربيعة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وذكره البخاري تعليقا

ولأنه أحد طرفي النهار فأشبه أوله والأولى ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك متفق عليه وخلوف الصوم إنما يظهر غالبا بعد الزوال فتكره إزالته لأنه أثر عبادة مستطاب في الشرع فنهي عن إزالته كدم الشهيد وما قبل الزوال إنما يكون خلوفه من أثر النوم أو الأكل بالليل فلم تكره إزالته وعلى ذلك يحمل ما جاء من الحديث ويستحب أن يكون السواك عودا لينا يطيب الفم ولايضره ولايتفتت فيه كالأراك والزيتون والعرجون ويكره بعود الريحان والرمان والآس لأن ذلك يضر الفم يقال إن الرمان يضر لحم الفم ويهيج الدم وعود الريحان يحرك عرق الجذام فأما اليابس فيجرح وأما الرطب فيتفتت وأما الندي فيحصل المقصود ويستحب غسله إذا اجتمع عليه ما يغسله لأن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه رواه أبو داود ولا بأس أن يتسوك بسواك غيره وإن لم يغسله

قالت عائشة دخل عبد الرحمن بن إبي بكر ومعه سواك يستن فيه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له اعطني هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطانيه فقصمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به رواه البخاري فإن استاك بأصبعه أو بخرقة فقيل لايصيب السنة لأن الشرع لم يرد به مع غلبة وجوده وتيسره وقيل يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء لأنه ينظف الفم ويزيل تغيره أو تجففه كالعود وقيل يحزىء الأصبع مع الماء في المضمضة لأن في حديث علي بن أبي طالب لما وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تمضمض ثلاثا فأدخل بعض أصابعه في فيه رواه أحمد في المسند وعن أنس أن رجلا من بني عمرو بن عوف قال يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل من دون ذلك من شيء فقال أصابعك سواك عند وضوئك أمرها علي أسنانك إنه لا عمل لمن لانية له ولا أجر لمن لا حسبة له رواه أبو جعفر ابن البحتري الرزاز وسمع أبو هريرة رجلا يقول لم أتسوك منذ ثلاثة أيام فقال لو أمررت أصبعك على أسنانك في وضوئك كان بمنزلة السواك رواه حرب في مسائله

والسنة أن يستاك على عرض الأسنان لما روى عطاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استكتم استاكوا عرضا وإذا شربتم فاشربوا مصا رواه سعيد في سننه وأبو د اود في مراسيله وعن ربيعة بن أكثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ويشرب مصا ويقول هذا أهنأ وأمرأ رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وقال الخطابي الشوص ذلك الأسنان عرضا بالسواك ونحوه ولأن الاستياك على طول الاسنان من طرفها إلى عمودها ربما آذى اللثة وأفسد العمود

ويستحب الاستياك على لسانه لأن أبا موسى قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يستاك على لسانه متفق عليه ويستحب التيامن في سواكه أن يبدأ بالجانب الأيمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في طهوره وفي شأنه كله وأن يستاك باليد اليسرى نص عليه لأنه إماطة أذى يفعل بإحدى اليدين فكان باليسرى كالاسنتجاء مع استحباب الابتداء بالشق الأيمن فيه

فصل

ويستحب أن يكتحل وترا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل أحدكم فليكتحل وترا رواه أحمد وفي لفظ من اكتحل فليوتر من فعل ذلك فقد أحسن ومن لا فلا حرج رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والإيتار أن يكتحل في كل عين مرة واحدة أو ثلاثا أو خمسا وقيل هو أن يجعل في العين ثلاثا أو خمسا في اليمنى ثنتين وفي اليسرى واحدة أو في اليمنى ثلاثا وفي اليسرى ثنتين لما روى محمد ابن سعد في الطبقات عن عمران بن أبي أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكتحل في اليمنى ثلاثا وفي اليسرى ثنتين بالإثمد وعن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود وفي اليسرى مرودين والأول أصح لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وهذا أشهر وأثبت وهو أشبه بالتسوية بين العينين في النفع والزينة ويستحب الاكتحال بالإثمد عند النوم لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أكحالكم الإثمد عند النوم ينبت الشعر ويجلو البصر رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن

فصل

ويستحب الترجل غبا وهو تسريح الشعر ودهنه وكذلك دهن البدن لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدهن غبا رواه الترمذي في الشمائل وقال جابر بن سمرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مشط رأسه وليحته فكان إذا ادهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية رواه أحمد ومسلم وعن عبد الله بن المغفل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبا رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال أحمد معناه يدهن يوما ويوما لا والقصد أن يكون ادهانه في رأسه وبدنه متوسطا على حسب حاله حتى لو احتاج إلى مداومته لكثرة شعره وقحول بدنه جاز لما روى عن أبي قتادة أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم رواه النسائي وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان له شعر فليكرمه رواه أبو داود وعن جابر قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ثائر الرأس فقال أما يجد هذا ما يسكن به شعره رواه أحمد وأبو داود والنسائى

واتخاذ الشعر أفضل من إزالته بحلق أو قطع نص عليه وقال قد كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة وقال عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لهم جمم وعشرة لهم شعر ويسن فرقه من مؤخره فإنه أفضل من سدله نص عليه لما روى ابن عباس قال كان المشركون يفرقون رؤوسهم وكان أهل الكتاب يسدلون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ويعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فسدل ناصيته ثم فرق بعد متفق عليه وذكره في الفطرة في حديث ابن عباس يعني بالناصية وجميع الشعر

وفي شروط عمر على النصارى ألا يفرقوا نواصيهم لئلا يتشبهوا بالمسلمين وهذا إنما يتأتي فيما طال منه والأفضل أن يكون قدر الشعر كشعر النبي صلى الله عليه وسلم إن قصر فإلى أذنيه وإنه طال فإلى منكبيه وإن طوله أكثر من ذلك جاز وتقصيره أفضل وكذلك إن قصره بمقراض أو غيره قالت عائشة كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن والجمة ما بلغ المنكبين

وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعر منكبيه وفي رواية بين أذنيه وعاتقه متفق عليه وفي رواية إلى أنصاف أذنيه رواه أحمد ومسلم وعن سهل بن الحنظلية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإرسال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرة فقطع بها شعره إلى إنصاف أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه رواه أحمد وأبو داود

وعن وائل بن حجر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل فلما رآني قال ذباب ذباب قال فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال لم أعنك وهذا أحسن رواه أبو داود وابن ماجة والنسائي

وهل يكره حلق الشعر في غير الحج والعمرة إلا من حاجة على روايتين أحدهما يكره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخوارج وسيماهم التحليق وقال عمر لصبيع التميمي الذي كان يسأل عن المتشابهات لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك وقال ابن عباس رضي الله عنه الذي يحلق رأسه في المصر شيطان قال أحمد كانوا يكرهون ذلك والثانية لايكره ولا يستحب بل تركه أفضل

لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى صبيا قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال احلقوه كله أو ذروه كله رواه أحمد وأبو داود والسنائي بإسناد صحيح وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال لاتبكوا اعلى أخي بعد اليوم ادعو إلي بني أخي قال فجيء بنا كأنا أفرخ فقال ادعو إلي الحلاق قال فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولأنه لايكره استئصاله بالمقارض فكذلك حلقه

وما جاء فيه من الكراهة فهو والله أعلم فيمن يعتقد قربة وشعار الصالحين هكذا كانت الخوارج فأما إن حلقه على أنه مباح وإن تركه أفضل فلا فأما المرأة فيكره لها قولا واحدا ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه لأنه من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم فأما عند الحجامة ونحوها فلا بأس والفزع مكروه لما روى ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزم متفق عليه وهو حلق بعض الرأس دون بعض مأخوذ من قزع السحاب وهو المتفرق منه

فصل

ويستحب أن ينظر في المرآة ليتجنب ما يشيبه ويصلح ما ينبغي إصلاحه وروى عن خالد بن معدان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن واسلواك والكحل رواه ابن سعد في الطبقات ويستحب أن يتطيب لما روى أنس قال قال روسل الله صلى الله عليه وسلم حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة رواه أحمد والنسائي وفي لفظ للنسائي حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وأن يتبخر لما روى نافع قال كان ابن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة وبكافور يطرحه مع الألواة ثم قال هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسحتب للرجل من الطيب ما خفي لونه لما روى أبو هريرة وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه رواهما الترمذي وقال حديث حسن

فصل

في خصال الفطرة روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس من الفطرة الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار رواه الجماعة وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتفاض الماء يعني الاستنجاء قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي قال أبو داود وقد روي عن ابن عباس نحو حديث عائشة قال خمس كلها في الرأس وذكر منها الفرق وجميع هذه الخصال مقصودها النظافة والطهارة وإزالة ما يجمع الوسخ والدرن من الشعور والأظفار والجلد

وأما قص الشارب فقال زيد بن أرقم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يأخذ شاربه فليس منا رواه أحمد والنسائى والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جزوا الشوارب وارخو اللحى خالفوا المجوس رواه أحمد ومسلم وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب متفق عليه وفي رواية البخاري كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه وتحصل السنة بقضبه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة وكلما أخذ فوق ذلك فهو أفضل نص عليه ولايستحب حلقه لأن في لفظ البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انهكوا الشوارب واحفوا اللحى

قال البخارى وكان ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى موضع الحلق وروى حرب في مسائله عن عبد الله بن رافع قال رأيت أبا سعيد الخدري وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وابن عمر وأبا أسيد يجوزون شواربهم أخا الحلق وأما إعفاء اللحية فإنه يترك ولو أخذ ما زاد علي القبضة لم يكره نص عليه كما تقدم عن ابن عمر وكذلم أخذ ما تطاير منها

وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها رواه الترمذي وقال حديث غريب فأما حلقها فمثل حلق المرأة رأسها وأشد لأنه من المثلة المنهي عنها وهي محرمة ويكره نتف الشيب وإرالته بمتقاش ونحوه لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نتف الشيب رواه الخمسة وفي رواية لأحمد وأبي داود لاتنتفوا الشيب فإنه نور المسلم ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة ورفعه بها درجة وحط عنه بها خطيئة

فأما خضابه بالحمرة والصفرة فسنة مستحبة لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اليهود والنصارى لايصبغون فخالفوهم رواه الجماعة

قال عثمان بن عبد الله بن موهب دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعرالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب رواه أحمد والبخارى وابن ماجة بالحناء والكتم وللبخاري عن ابن موهب أن أم سلمة أرته شعر النبي صلى الله عليه وسلم أحمر وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصفر لحيته بالورس والزعفران وكان ابن عمر يفعل ذلك رواه أبو داود والنسائي ويكره الخضاب بالسواد لما روى جابر بن عبد الله قال جيء بأبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به إلي بعض نسائه فليغيره بشيء وجنبوه الواد رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي ولأن التسويد يشبه تكون الخلقة وذلك تزوير وتغيير لخلق الله فيكره كما كره وصل الشعر والنمص والتفلج

وإما الاستحداد فهو استعمال الحديد في إزالة شعر العانة ولوقصه أو نتفه أو تنور جاز والحلق أفضل والأفضل في الإبط أن ينتفه ولو حلقه أو قصه أو نوره جاز أيضا ولو نور غير ذلك من شعر الساقين والفخذين جاز أيضا نص عليه لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة وسائر جسده أهله رواه ابن ماجة وفيه مقال لكنلا ينور عورته إلا هو أو من يحل له مسها من زوجه أو أمه

قال أبو العباس النسائي ضربت لأبي عبد الله نورة ونورته بها فلما بلغ إلى عانته نورها هو وقال نافع كنت أطلي ابن عمر فإذا بلغ عورته نورها هو بيده رواه الخلال وترك التنور أفضل قال ابن عمر هو مما أحدثوا من النعيم وأما قص الأظفار فمن السنة لإزالة فحشها ودفع ما يجتمع تحتها من وسخ الأرفاغ ونحوها وقد ذكر إسحاق بن راهويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مالي لا أيهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته إلا أن ينبغي الاقتصاد في قصها وآلا يحيف نص عليه واحتج بحديث ذكره عن الحكم بن عمير قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نحفي من الأظفار في الجهاد وقال عمر وفروا الأظفار في أرض العدو فإنه سلاح قال أحمد هو يحتاج إليها في أرض العدو ألا ترى أنه إذا أراد الرجل أن يحل الحبل أو الشيء ولم يكن له أظفار لم يستطع وروى عبيد الله بن بطة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قص أظفاره مخالفا الم ير في عينيه رمدا وفسر أبو عبد الله بن بطة ذلك بأن يقص الخنصر من اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السباحة ويقص اليسرى الإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السباحة ثم البنصر وذكرأن عمر بن رجاء فسره كذلك وجاء فيه لون آخر ذكره القاضي أبو يعلى عن وكيع أنه روي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة إذا أنت قلمت أظفارك فابدئي بالوسطى ثم الخنصر ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة فإن ذلك يورث الغنى هذه الصفة لاتخالف الأولى إلا في الابتداء بالوسطى قبل الخنصر ومبني ذلك على الابتداء بالأيمن فالأيمن من كل يد مع المخالفة ويستحب غسل رؤوس الأنامل بعد قص الأظفار لإزالة ما عليها من الوسخ ولأنه يقال إن حك الجسد بها قبل الغسل يضره وفي حديث الفطرة غسل البراجم والبراجم العقد التي في ظهور الأصابع والرواجب ما بينها ومعناه غسل المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ويستحب أن يأخذ الظفر في كل أسبوع لما روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ أظفاره وشاربه في كل جمعة وإن تركه أكثر من ذلك فلا بأس مالم يجاوز أربعين يوما لما روى أنس قال وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة رواه الجماعة إلا البخاري

ويستحب فيما ذكره القاضي أن يكون يوم الجمعة لما روى ابن بطة بإسناده عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه قال من قص أظفاره يوم الجمعة أذخل في شفاء وأخرج منه داء وقال يزيد بن مروان في حديث له من قلم أظفاره يوم الجمعة لم يمت بالماء الأصفر وبإسناده عن نافع عن ابن عمرا أنه كان يقلم أظفاره ويقص شاربه كل جمعة وذكر غيره يوم الخميس لما روي أن عليا قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره يوم الخميس ثم قال يا علي قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس والغسل واللباس والطيب يوم الجمعة

وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح المؤمن يوم الجمعة وهو محرم فإذا صلى حل فإذا مكث في الجامع حتى يصلي العصر مع إمامه كان كمن أتى بحجة وعمرة فقيل يا رسول الله متى نتأهب للجمعة قال يوم الخميس رواه الحاكم وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد ويستحب دفن ما أزال من شعره وظفره نص عليه وحكاه عن ابن عمر لما روت ميل بنت مشرح الأشعري أنها رأت أباها مشرحا يقلم أظفاره ثم يجمعها ويدفنها ويخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك رواه البخارى في تاريخه والخلال وابن بطة وروى حرب بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذفنوا شعوركم وأظفارها فدفنتها وعن ابن عمر أنه لق رأسه فأمر بدفن شعره وروى ابن بطة عن رجل من بني هاشم قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن الدم والشعر

وأما الختان فواجب على الرجال في المنصوص المعروف من الذهب لأن الله سبحانه أمرنا باتباع ملة إبراهيم عليه السلام والختام من ملته لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم متفق عليه فإن قيل ضمن ملته سائر خصال الفطرة وهي غير واجبة لاسيما وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها في نسق واحد قلنا إزالة الشعور والأظفار القصد بها إزالة ما يجتمع بسببها من العرق والوسخ والدرن وإزالة الأوساخ ليست واجبة وكذلك ما قصدت به

وأما قلفة الذكر فالمقصود التطهير من النجاسة التي تحتقن فيها ونجاسة البول تجب إزالتها وعامة عذاب القبر منها فلذلك وجب إزالة ما يوجب احتقانها واجتماعها يؤيد ذلك أن المقطوع هنا من أصل الخلقة وكذلك يحشر الخلق يوم القيامة غرلا فلولا أن إزالتها من الواجبات لما تكلف قطعه بخلاف الشعر والظفر ولأن البول المحتقن في القلفة نجاسة شرع زوالها فكان واجبا كسائر النجاسات

وكذلك قال ابن عباس الأقلف لايقبل الله له صلاة ولا تؤكل ذبيحته ولاتقبل شهادته وأما المرأة ففيها روايتان إحداهما أن خفضها واجب كالرجل والثانية لايجب لأن ترك ختان الرجل مظنة احتقان النجاسة بخلاف المرأة وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الختان سنة للرجل مكرمة للنساء رواه أحمد يعني بالسنة الطريقة الشرعية وإنما يجب إذا غلب على الظن سلامة المختون فأما إن خشي عليه لكبر أو مرض فإنهه يسقط بل يمنع منه

وإنما يجب الختان إذا وجبت الطهارة والصلاة إنما شرع لذلك والختان قبل ذلك أفضل وهو قبل التمييز أفضل من بعده في المشهور لأنه قربة وطهرة فتقديمها أحرز لأن فيه تخليصا من مس العورة ونظرها فإن عورة الصغير لاحكم لها ولذلك يجوز مسها وتقبيلها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل زبيبة الحسن وقيل التأخير إلى سن التمييز أولى لما روى سعيد بن حبير قال سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال أنا يومئذ مختون قال وكانوا لايختنون الرجل حتى يدرك يعني والله أعلم حتى يقارب الإدراك مثل تراهق وفي رواية لأحمد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين مختون

وعنه علي أنه كره أن تختتن الجارية قبل سبع سنين ولايكره بعد سبعة أيام وقبلها فيه روايتان إحداهما يكره لأنه فعل اليهود فكره التشبه بهم والآخرى لايكره لأنه لم يثبت فيه نهي وقد روي عن أبي جعفر أن فاطمة كانت تختتن ولدها يوم السابع وروي عن مكحول وغيره أن إبراهيم ختتن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة وختتن ابنه إسحاق لسبعة أيام

ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة وإن أخذ أكثرها جاز وأما المرأة فيستحب ألا يجتذ خافضها نص عليه وحكي عن ابن عمر أنه قال لختاتة أبقى منه شيئا إذا خفضت وعن أم عطية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ختانة تختن فقال إذا ختنت فلا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل رواه أبو داود

وقالت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لختانة إذا خفضن فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرع للزوج وأحظى لها عند زوجها رواه حرب في مسائله

باب المسح على الخفين[عدل]

مسألة يجوز المسح علي الخفين وما اشبهها من الجوارب الصفقية التي تشبت في القدمين والجراميق التي تجاوز الكعبين في الطهارة الصغرى يوما وليلة للمقيم وثلاثا للمسافر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام وليالهن والمقيم يوما وليلة

هذا الكلام فيه فصول الأول أن المسح على الخفين جائز في الوضوء للسنة المستفيضة المتلقاة بالقبول وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير القرآن فقوله تعالى { وأرجلكم } بالنصب خطاب لمن رجله في غير الخفين المشروطين وقراءة الخفض خطاب للابسي الخفاف أو يكون المسح على كلتي القراءتين يجمع المسح على الرجل مع الحائل وعدمه أو تكون كلتا القرائتين في غير اللابسين وعلم ذلك كله بالسنة وهي ما روي عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح علي خفيه فقيل له تفعل هذا قال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة رواه الجماعة وفي رواية لأحمد قال ما أسلمت إلا بعد أن نزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت

قال أحمد سبعة وثلاثون نفسا يروون المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروون عن الحسن قال حدثني سبعون من أصحاب النبي الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين الفصل الثاني

إنه جائز على الخفين وعلى كل ما أشبههما من الجوارب والجراميق سواء لبس ذلك على ما يجوز السمح عليه أو على مالا يمسح عليه ولذلك ثلاثة شروط

أحدها أن يستر محل الغرض وهو القدم إلى ما فوق الكعبين

والثاني أن يثبت في القدم بنفسه

والثالث أن يمكن متابعة المشي فيه

لما روى عبد الرحمن بن عوف عن بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه رواه أحمد وأبو داود

قال الجوهري والموق الذي يلبس فوق الخف فارسي معرب والموق إنما يلبس غالبا فوق الخف وعن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح

ولأن ما يلبس في الرجل إذا كان المحل الفرض يمشي فيه عادة فقد شارك الخف في المعنى الذي أبيح له المسح فيشاركه فيه سواء كان مما يقطع به المنازل والقفار أولا ولهذا يمسح علي الخف من جلد وإن لم يكن له نعل وذلك لأن المشي فيه عادة هو مظنة الحاجة إلى لبسه وستره لمحل الغرض لينتقل الغرض إليه فإذا حصلا تعين جواز المسح عليه

ولذلك كان المسح على ذلك منتشرا في الصحابة من غير مخالف قال أحمد يذكر المسح على الجورين عن سبعة أو ثمانية من الصحابة وجورب الخرق كوجورب الصوف إذا كان صفيقا حيث يمشي في مثله عادة وإن كان رقيقا يتخرق في اليومين أو الثلاثة أو لايثبت بنفسه لم يمسح عليه لأن في مثله لايمشي فيه عادة ولايحتاج إلى المسح عليه

وإذا ثبت الجوربان بنعلين يمسح عليهما كما جاء في الحديث وقال أحمد يذكر المسح على الحوربين والنعلين عن عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمسح على الجورب وعلى سيور النعل التي على ظاهر القدم كما جاء في الحديث ولايمسح أسفله وعقبه لأنه ليس بمحل المسح في الخف فإن مسح الجورب وحده أو النعل وحده فقيل لايجزؤه لأن الرخصة إنما جاءت في هذه المواضع خاصة وقيل يجزئ لأنهما أجريا مجرى جورب منعل

فأما الشرط الأول فيفيد إنه لايجوز المسح على الخف المخرق أو الواسع الذي يرى منه بعض القدم أو الحفيف الذي يصف القدم أو القصير الذي هو دون الكعبين لأن الرجل متى بدت هي أو بعضها كان الظاهر منها حكمه الغسل والجمع بين السمح والغسل لايجوز فيتعين غسل الجميع وقد قال بعض أصحابنا إن المسح على المخروق الذي يمكن متابعة المشي فيه حائز لأن خفاف القوم لم تكن تخلوا من مثل هذا ولم تقيد الرخصة بالساتر دون غيره فإأما إن كان فيه خرق ينضم على الرجل ولاتبدو منه القدم جاز المسح عليه نص عليه لأن القدم مستور بالخف وإما أن لم يثبت وما في معناه بنفسه إما لسعة فيه أو شرج

فقال أصحابنا لايجزؤه مسحه وإن كان قد شده أو شرجه لأنه كاللفافة

قال أحمد في المسح على الجوربين بغير نعل إذا كان يمشي عليهما ويثبتان في رجله فلا بأس

وقال أيضا إذا كان يمشي فيه فلاينثني فلابأس عليه فإنه فإذا انثنى ظهر موضع الوضوء قالوا هذا كان القياس في الجوربين مع النعلين لكن خالفناه للخبر ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الجوربين كذلك بخلاف ما لا يثبت إلا بشده فإنه لا يلبس غالبا إلا بشده وقد خرج بعض أصحابنا وجها في اللفافة إنه يمسح عليها إذا وجد مشقة بنزعها فالخف والجورب الذي يثبت بالشد أولى وهذا قياس الجوربين إذا ثبتا بتعلين فإن ثبت بنفسه لكن بشده أو شرجه ستر القدم مسح عليه في أقوى الوجهين لأنه كالساتر بنفسه ومشقة خلفه أظهر وفي الآخر يجرؤه اختاره أبو الحسن الآمدي لأنه كما لم يكف ثبوته بالشد والشرج فكذلك ستره والصحيح الأول لأن الستر ليس هو مقصود اللبس وإنما اعتبرناه لئلا يجب غسل البادي بخلاف ثبوته ولأنه لو ستر القدم بانضمام بعضه إلى بعض لجاز المسح على المنصوص فهذا أولى وسواءكان الخف من جلود أو لبود أو خشب أو زجاج في أشهر الوجهين وفي الآخر لايجوز إلا في ملبوس معتاد كما لم يجز في اللفائف فلا يجوز في الخشب والزجاج والصفر والنحاس وأما ما لا يمكن متابعة المشي فيه إما لضيقه أو ثقله أو تكسره بالمشي أو تعذره كرقيق الخرق أو اللبود لم يجز مسحه لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص

وأما الخف المحرم كالحرير والمغصوب فقيل هو على روايتي الصلاة في الدار المغصوبة وقيل لايجزئ قولا واحدا لأنه رخصة فلا يستباح بمعصية كالقصر في سفر المعصية وصلاة الخوف في القتال المحرم وقد تقدم مثل هذا في الاستنجاء بالمغصوب ولو لبس جلدا نجسا لحاجة كبلاد الثلج التي يخشى فيها من سقوط أصابعه بحلقه أجزأه مسحه في أحد الوجهين

لأنه مأذون فيه وإن تنجس الماء بالملاقاة فإن ذلك لايمنع كما لايمنع تنجسه على بدن الجنب في أحد الوجهين ولايجزؤه في الآخر وهو أقوى لأنه مأمور بخلعه في الأصل وإنما إبيح لبسه هنا للضرورة فأشبه من لم يستطع خلع الخف الطاهر بعد انقضالء المدة فإن هذه حالة نادة فعلى هذا يكون حكمه حكم فرضه الغسل وقد عجز عنه لقروح أو برد فيتمم ويصلي ولو كان بقدمه أو بباطن خفه نجاسه لا تزال إلا بنزعة فقد قيل هو كالضوء قبل الأستنجاء أو بباطن خفه نجاسة لاتزال إلا بنزعه فقد قيل هو كالوضوء قبل الاتنسجاء لأن الصلاة لا تمكن مع هذه الطهارة غالبا إلا بنقضها والصحيح أنه يصح لطهارته ويستفيد بذلك مس المصحف والصلاة إن عجز عن إزالة النجاسة كما لو توضأ وعلى فرجه نجاسة من غيره بخلاف النجاسة الخارجة فإنها لما أوجبت طهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى

ومن كان لابسا خفا فالمسح عليه أفضل من أن يخلعه ويغسل في أقوى الروايتين لأن هذا كان عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه أنه خلع وغسل ولأن في ذلك ردا للرخصة وتشبها لأهل البدع فيكون مفضولا والثانية المسح سواء لأن كلا منهما جاءت به السنة وأما من لاخف عليه فلا يستحب له أن يلبسه لقصد المسح كما لا يستحب له أن يسافر لأن يقصر

الثالث أن المسح إنما يجوز في الطهارة الصغرى دون الكبرى لما روى صفوان بن عسال المرادي قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرا أو مسافرين أن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح

ولأن الطهارة الكبرى يجب فيها غسل ما يمكن غسله من غير ضرر وإن كان مستورا بأصل الخلقة كباطن شعر الرأس واللحية فما هو مستور بغير الخلقة أولى بخلاف الوضوء فإنه يسقط فيه غسل ما استتر بنفس الخلقة فجاز أن يشبه به الخف في بعض الأوقات وهذا الوضوء يتكرر بخلاف الغسل ولأن الغسل يشبه بإزالة النجاسة من حيث لايتعدى حكمه بخلاف الوضوء

ولأن تحت كل شعرة جنابة فيحتاج إلى بل الشعر وإنقاء البشر

الرابع أن المقيم يمسح يوما وليلة والسمافر ثلاثة أيام ولياليهن فإذا مضت المدة بطل حكم الطهارة ويحتاج إلى لبس ثان على طهارة غسل إن أحب المسح ثانيا وهلم جرا سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام وسواء في ذلك حال شدة البرد وغيره نص عليه لما تقدم من حديث صفوان وعن شريح بن هانئ قال سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت سل عليا فإنه أعلم بهذا الأمر مني كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة وعن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المسح على الخفين فقال للسمافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح والسفر المعتبر للمدة هو السفر المبيح للقصر في قدره وإباحته

فإن كان دون مسافة القصر أو كان محرما مسح كالمقيم جعلا لوجود هذا السفر كعدمه وقيل في السفر المحرم لايمسح أصلا عقوبة له لأن المسح في الأصل رخصة فلا يعان به على سفره وهو ضعيف فإن الرخص التي لاتختص السفر يجوز للعاصي بسفر فعلها كالفطر في المرض والجمع بين الصلاتين له وما أشبه ذلك

وأول المدة المعتبرة من وقت الحدث بعد أن يلبس الخف إلى مثل ذلك الوقت في أشهر الروايتين وفي الأخرى من حين المسح بعد الحدث إلي مثله لظاهر قوله يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن فلو كان أوله الحدث لكان المسح أقل من ثلاث وقد لايمسح أصلا إذا عدم الماء بعد الحدث ثلاثا وقال عمر عمر إمسح إلى مثل ساعتك التي مسحت فيها رواه الخلال

ووجه الأول أنه أمر في حديث صفوان أن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن من الغائط والبول والنوم فمفهومة إنما ينزع لثلاث يضمنهن من الغائط والبول والنوم ولأن ما بعد الحدث وقت يباح فيه المسح فكان من المدة كما بعد الحدث الثاني والثالث

وهذا لأن وقت العبادة ما جاز فيه فعلها إلا ما وقع فعلها كالصلاة والأضحية ومعنى قوله يمسح المسافر ثلاثا أى لايجوز له المسح ثلاثا بدليل ما بعد الحدث الثاني فإنه من المدة وقد لايحتاج فيه إلى المسح أو بناء على أن الغالب وقوع المسح عقيب الحدث وهذا معنى قول عمر إن شاء الله تعالى

مسألة ومتى مسح ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته

لايختلف المذهب أنه إذا انقضت المدة المعتبرة أو خلع قبلها بطل حكم المسح فلا يجوز أن يصلي به سواء نزع خفيه بعد انقضاء المدة أو لم ينزعهما لأن هذه الحال لايجوز أن يبتدئ طهارة السمح فيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن في المسح ثلاثا لمن ليس علي طهارة غسل وأمر بالخلع عند انقضاء المدة فمتى انقضت المدة خلع الخف فإنه شرط المسح وكل حال لايجوز فيها ابتداء الطهارة لايجوز فيها استدامتها كالتيمم بعد رؤية الماء وهذا لأن ابتداء الطهارة خصوصا أقوى من استدامتها لأنه فعل وذاك حكم ولهذا يجوز ابتداؤها مع قيام الحدث وطهارة المتيمم والمستحاضة بعد خروج الوقت ولا يجوز استدامتها فإذا كان بعد انقضاء المدة وخلع الخف يمتنع ابتداء طهارة المسح فكذلك يمتنع استدامتها ويفارق هذا إذا أزال شعره أو ظفره أن طهارتها بحالها لأن ما تحت الشعر والظفر لم يتعلق به الحدث الأصلي قبل ظهوره بدليل أنه لايشرع طهارته وإنما تعلق به الحدث الأصلي قبل ظهوره بدليل أنه لايشرع ظهارته وإنما تعلق به الحدث التابع كغير أعضاء الوضوء فإذا زال الحدث عن محل الوضوء زال عنه تبعا فلا يعود إليه حتى يعود إليها والرجل تعلق بها الحدث الأصلي بدليل أنها تشرع طهارتها فلو غسلها في الخف أجزاء ولهذا يتعدى حكم الحدث في إحداى الرجلين إلي الأخرى ولا يتعدى موضع الشعر والظفر إلى غيره فإذا زال عنها بشرط عاد إليها بفواته وتبطل الطهارة بذلك في أصح الروايتين كما ذكر الشيخ فإذا أراد عودها احتاج إلى طهارة كاملة وفي الأخرى تبطل طهارة الرجلين خاصة فيكفيه غسلهما لأن الوقت واللبس إنما هو معتبر فيهما خاصة فإذا زال كانتا كرجلين لم تغسلا فيكفي غسلهما خاصة وهذاغ بمثابة من توضأ إلا غسل رجليه فانقلب الماء فيتيمم لهما فلو وجد الماء بعد ذلك بيسير أو بكثير وقلنا الموالاة ليست شرطا كفاه غسل رجليه وبنوا هذا على أن الطهارة تتبعض وأنه يجوز تفريقها كالغسل فأما أن نقول الحدث لم يرتفع عن الرجل خاصة فيغسل بحكم الحدث السابق أو نقول ارتفع عنها وعاد إليها خاصة ووجه الأول أن ما أبطل طهارة عضو أبطل طهارة سائر الأعضاء كسائر النواقض ثم من أصحابنا من بني هذا على أن الموالاة واجبة فإذا تأخر غسل الرجلين لم يصح كما لو كانتا طاهرتين والتزموا على هذا إنه لو كان الخلع وانقضاء المدة عقيب السمح كفى غسل رجليه وبنوا هذا على أن ظهارة المسح لاترفع حدث الرجل وإنما تبيح الصلاة بها لأنها طهارة مؤقتة فلم يرتفع الحدث كالتيمم وطهارة المستحاضة فإذا طهرت الرجل وانقضت المدة طهر حكم السابق والمنصوص أنه يجب عليه استئناف الوضوء سواء طال الفصل أو قصر بناء على شيئين أحدهما أن السمح يرفع الحدث رفعا مؤقتا لأن رفع الحدث شرط لصحة الصلاة مع القدرة عليه فلو لم يحصل لم تصح الصلاة لأنه قادر على غسل رجليه بخلاف المتيمم والمستحاضة فإنهما عاجزان عن رفع الحدث

والثاني أنه إذا ارتفع ثم عاد إلى الرجل سرى إلي بقية الأعضاء لأن الحدث لايتبعض فلا يرتفع عن عضو حتى يرتفع عن الجميع

بدليل أنه لايستفاد ببعضه فائدة أصلا وأن حكمه يتعدى محله وذلك معلق على طهارة جميع الأعضاء ويمكن أن يبنى على أنه وأن لم يرفع لكن الإباحة لا تتعلق ببعض الأعضاء دون بعض فمتى استباح الصلاة بمسح الرجل ثم زالت الإباحة عنها زالت عن جميع الأعضاء ويلزم على هذا متى تيمم لرجليه ثم وجد الماء عقيب ذلك أنه يعيد الوضوء وخلع أحد الخفين كخلعهما فيوجب عليه غسلهما أو جميع الطهارة على اختلاف الروايتين كما لو ظهر بعض القدم وكذلك إذا أخرج القدم أو بعضه إلى ساق الخف خروجا لايمكن متابعة المشي معه في إحدى الروايتين وفي الأخرى إن جاوز العقب موضع الغسل فهو كنزعة وإن كان دونه لم يؤثر لأنه يسير والأولى أقوى لأن استقرار القدم هو الشرط في جواز المسح بدليل ما لو أحدث قبل استقرارها فإنه لايمسح وما كان شرطا في ابتداء الطهارة كان شرطا في بقاء حكمها كما تقدم

مسألة ومن مسح مسافرا ثم أقام أو مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم

أما إذا مسح بعض المدة وهو مسافر ثم أقام أتم على مسح يوم وليلة إلا أن يكون قد مسحهما قبل إقامته فيخلع وهذا بلا تردد وأما إذا مسح بعض المدة مقيما ثم سافر ففيهما روايتان إحداهما يتم مسح مسافر اختاره الخلال وصاحبه أبو بكر لأنه سافر في أثناء المدة فأشبه ما لو أحدث ولو لم يمسح حتى سافر فإنه يمسح تمام ثلاثة أيام وليالهن وإن كان ابتدأهن من حين الحدث الموجود في الحضر ولأن المسحات ئ عبادات لايرتبط بعضها ببعض ولايفسد أولها بفساد آخرها فاعتبر كل مسح بالحال الحاضرة كالصوات والصيام بخلاف الصلاة الواحدة والأخرى يتم مسح مقيم كما ذكره الشيخ وهو اختيار الخرقي والقاضي وأكثر أصحابنا لأن المسح عبادة يختلف قدرها بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالصلاة وهذا لأن المسحات وإن كن عبادات لايرتبط بعضها ببعض لكن وقتها وقت واحد بعضه مرتبط ببعض ولا بد من بناء أحد طرفيه على الآخر فإذا وقع بعض المدة في الحضر وجوزنا أن يتم مسح ثلاث لكان قد وقع مسح الثلاث في الإقامة والسفر وهو خلاف الحديث وهذا أشبه بالصلاة الواحدة من الصلوات لأن تلك لايرتبط بعضها ببعض في الوقت ولا في الفعل ولو جعلت كالعبادات لكان القياس أن يعطي كل بحسابه فإذا مسح ثلثا يوم في الحضر فقد مسح ثلث مدته فيمسح في السفر ثلثي مدته وهي يومان وليلتان وهذا مع أنه لا يقال لا يصح لأن من شأن العبادات وأوقاتها المتعلقة بالسفر والحضر أن يتعلق بأحدهما لابهما ولأنه يفضي إلى جعل مدة ثالثة غير الواحد والثلاثة وهو خلاف السنة وأما إذا أحدث في الحضر ولم يمسح حتى سافر فإنما أبحنا له أن يمسح مسح مسافر وإن كان أولها في الحضر لأن العبادة لم يفعل شيء منها ولا وجبت في الحضر وإنما وجد وقت جوازها فأشبه ما لو دخل وقت الصلاة على صبي مقيم فبلغ في الوقت بعد سفره ولأن المسح جميعه إذا وقع في السفر تحقق في حقه جميع مشقة السفر بخلاف ما إذا وجد بعضه فإنما يثبت في حقه بعض المشقة والله أعلم

وإذا شك في أول مدة المسح بني على الأصل وهو وجوب غسل الرجلين فلو شك المسافر هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر بنى على مسح حاضر لأن مدته على اليقين كما لو شك المقيم هل ابتدأ المدة في الحضر أو السفر فلو مسح بعد يوم وليلة ثم ذكر أنه أنشأ المسح في السفر أعاد تلك الصلاة كما لو صلى إلى بعض الجهات بغير اجتهاد لم يتبين أنها جهة القبلة أو صلى قريب الزوال بغير اجتهاد لم يتبين أنه بعد الزوال هذا هو المشهور وإن قلنا إن المسافر إذا مسح في الحضر ثم سافر بني على مسح مسافر فكذلك هنا لأن مسحه على التقديرين لكنه يحسب المدة من حين احتمال المسح في الحضر أو من حين احتمال المسح علي اختلاف الروايتين وكذلك كل طاهر لبس خفيه ثم شك في الحدث فإنه يبني حكم المدة على أول أوقات الشك ويبني بتلك الطهارة التي لبس عليها وشك في زوالها على الصحة أخذا باليقين في كل واحد من الحكمين

مسألة ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذوائب ساترة لجميع الرأس إلا ماجرت العادة بكشفه

لايختلف المذهب في جواز المسح على العمامة في الجملة وأنه يجزئ عن مسح ما وازنه الرأس لما روى عمرو بن أمية الضمري قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه رواه أحمد والبخاري وابن ماجة

وعن المغيرة بن شعبة قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح فإن قيل المراد بذلك أنه مسح بعض رأسه وتمم المسح علي ناصيته وعمامته فنقول المجزئ مسح بعض الرأس والمسح على العمامة استحباب وكذلك حكاه الترمذي عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة

قلنا لا يصح أن يكون الفرض إنما سقط بمسح بعض الرأس لوجوه

أحدها ماتقدم من أن استيعاب الرأس بالمسح واجب

الثاني ما روى ثوبان قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد فلما قدموا عليه شكوا ما أصابهم فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين رواه أحمد وأبو داود والعصائب العمائم والتساخين الخفاف فلو كان بعض الرأس هو الممسوح والفرض قد سقط لم يكن إلى الأمر بالعصائب حاجة لقوم شكوا البرد وخافوا البرد أن يلحق رؤوسهم وأرجلهم الثالث أنه أمرهم بمسح العصائب مطلقا كما أمرهم بالخفاف مطلقا ولم يأمرهم مع ذلك بمسح بعض الرأس وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز لاسيما وقد قرنه بمسح الخف الذي ليس معه غيره وكذلك سائر الصحابة الذين نقلوا أنه مسح على الخفين والعمامة فهموا من المسح على العمامة ما فهموا من المسح على الخفين أن لباس العضو ثابت عنه

الرابع أن المسح على العمامة إجماع الصحابة ذكره أبو إسحاق والترمذي عن أبي بكر وعمر وقال أبو إسحاق الشالنجي روي المسح علي العمامة عن ثمانية من الصحابة وهم أبو بكر وعمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وعبد الرحمن ابن عوف وأبو الدرداء

وروى الخلال بإسناده عن عمر قال من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله ولو كان السمح على العمامة وجوده كعدمه في حصول الإجزاء به وأن الفرض إنما هو مسح بعض الرأس لم يكن في حكاية هذا عن الصحابة فائدة ولكان الواجب أن يقال مذهبهم جواز مسح بعض الرأس ثم لم يذكروا مسح بعض الرأس أصلا فكيف ينسب إليهم مالم يقولوه ولا ستحال قول عمر من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله

فإن المخالف يقول إنما طهره مسح بعض الرأس الخامس أن أبا بكر عبد العزيز روى بإسناده عن عمر بن رديح عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عن المغيرة بن شعبة قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نمسح على الخفين واعمامة ثلاثة أيام ولياليهن في السفر ويوما وليلة للمقيم

وقد قال يحيى بن معين عمر بن رديح صالح الحديث

وروى الخلال بإسناده عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في السفر ويوما وليلة للمقيم

وأحاديث شهر حسان والتوقيت إنما يكون في البدل واللباص والحائل

والسادس إنما نقول بموجب دليلهم في إحدى الروايتين وأنه إنما يجزئ المسح على العمامة إذا مسح ما يظهر من الرأس عادة كمقدمة كما دل عليه حديث المغيرة بن شعبة وكما نقل عن بعض الصحابة وهذا لأن العمامة نابت عن مسح ما سترته فبقى الظاهر على الأصل ولا يقال ففي هذا جميع بين البدل والمبدل لانا نقول مسح العمامة مع الرأس مشروع إجماعا مع أنه خلاف قياس الرجل إما استحبابا أو وجوبا وذلك لأن ستر جميع الرأس غير معتاد بخلاف ستر جميع القدم

فمن أين لهم ان مسح بعض الرأس بدون العمامة هو المجزئ والرواية الأخرى وهي الصحيحة أته لايجب مسح ما يظهر لأن في حديث بلال وثوبان أمر بمسح الخمار والعصائب ولم يذكر شيء آخر وكذلك عامة من حكى عن المسح على العمامة لم يذكروا الناصية إلا المغيرة فيكون قد فعله في بعض الأوقات إذا لو كان هو المداوم عليه لما أغلفه الأكثرون ولايجب مسح الأذنين على الروايتين لأنه لم ينقل عنه مع مسح العمامة

ولأنهما من الأصل تبعا وقد انتقل الفرض عنه إلى غيره ولأنه عضو يسقط في التيمم وجاء طهوره في القرآن بلفظ المسح فشرع المسح على لباسه كالرجلين وأولى لأن السمح إلى المسح أقرب من المسح على الغسل ولأن الغالب أنه مستور بلباسه واستيعابه يشق ولأن العمامة محل لتكميل وظيفة المسح فكانت محلا للمسح المجزئ كجوانب الرأس وعكسه مسح باطن الخف

وفي مسح المرأة على مقنعتها وهي خمارها المدار تحت حلقهما روايتان

إحداهما لايجوز لأن نصوص الرخص إنما تناولت الرجل بيقين والمرأة مشكوك فيها ولأنها ملبوس على رأس المرأة فهو كالوقاية

والثانية يجوز وهي أظهر لعموم قوله إمسحوا على الخفين والخمار والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعا للرجال كما دخلن في المسح على الخفين

وذكر الإمام أحمد وابن المنذر عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تمسح على الخمار فلولا أنها علمت ذلك من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا أو دلالة لما علمته وهي أفهم لمراده ولأن الرأس يجوز للرجل المسح على لباسه فجاز للمرأة كالرجل ولأنه لباس يباح على الرأس يشق نزعه غالبا فأشبه عمامة الرجل وأولى لأن خمارها يستر أكثر من عمامة الرجل ويشق خلعه أكثر وحاحتها إليه أشد من الخفين

فأما العمامة للمرأة فلا يجوز المسح عليها لأنها منهية عن ذلك وكذلك كل ما فيه تشبه بالرجال وإن فرضت الإباحة بعض الأوقات لحاجة فهي حالة نادره فإما مسح الرجل على القلانس المبطنات الكبار كالنوميات التي تتخذ للنوم والدنيات التي كانت القضاة تلبسها مستقدما ففيه روايتان

إحداهما يجوز لأن عمر وأبا موسى وأنس بن مالك رخصوا في ذلك ولأنه ملبوس مباحم عتاد للرأس أشبه العمامة قال بعض أصحابنا وهذا إذا كانت محبوسة تحت الدقن كالعمامة والخمار

والثانية لايجوز لأن ذلك لباس لايشق نزعه فأشبه القلنسوة غير المبطنة ولأن الحديث إنما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمامة وهذه لاتشبهها من كل وجه فلم تلحق بها

فصل

ومن شرط جواز المسح على العمامة أن تكون ساترة لجميع الرأس إلاما جرت العادة بكشفه مثل مقدم الرأس والأذنين فإن هذا يعفى عنه بخلاف الخف فإنه لايعفى عن يسيره لأن العمائم إنما تلبس على هذه الصفة ثم هي على ثلاثة أقسام

أحدها أن تكون محنكة فيجوز المسح عليها سواء كان لها ذوأبة أو لم يكن من غير إختلاف نعلمه في المذهب وكلام الشيخ على هذا لا مفهوم له

والمحنكة هي التي تدار تحت الحنك منها كوراوتان وتسمى المحنكة أو المتلحاه لأن هذه كانت عمة المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانصرف كلامه وكلام أصحابه إليها ولم يكونوا كلهم يرفون الذوائب ولأن هذه يشق نزعها فجاز المسح عليها كالخف

الثاني أن لا تكون محنكة ولا ذات ذؤابه فالمذهب المعروف أنه لا يمسح عليها لأنها لم تكن عمة المسلمين فيما مضى ولا تلحق بها لوجهين

أحدهما أنها لايشق نزعها كنزع المحنكة ولاتستر سترها فأشبهت الطاقية والكتلة

والثاني أنه منهي عنها قال عبد الله كان أبي يكره أن يعتم الرجل بالعمامة ولا يجعلها تحت حلقة وقال أيضا يكره أن لا تكون تحت الحنك كراهية شديدة وقال إنما يتعمم مثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس وقال أيضا أحب الرجل إذا اعتم أن يتحنك بها ولا يعتم إلا بتحنيك فإنه مكروه

وقال الميموني رأيت أبا عبد الله وعمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك

وذلك لما روى أبو عبيد في آخر الغرائب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتحلي ونهي عن الإقتعاط قال أبو عبيد أصل هذا الحديث في لبس العمائم إذا لاثها المعتم على رأسه ولم يجعلها تحت حنكة قيل اقتعطها فهو المنهى عنه وإذا أدارها تحت الحنك قيل تلحاها فهو المأمور به

وروى أبو حفص العكبري عن جعدة بن هبيرة قال رأى عمر بن الخطاب رجلا يصلي وقد أقتعط بعمامته فقال ما هذه العمامة الفاسقية ثم دنا منه فحل لوثا من عمامته فحنكة بها ومضى

وروى أبو محمد الخلال بإسناده عن طاووس في الرجل يلوي العمامة على رأسه ولا يجعلها تحت ذفنه قال تلك عمة الشيطان

وعن الحسن أنه بينما هو يطوف بالبيت إذ أبصر على رجل عمامة قد أعتم بها ليس تحت ذقنه منها شيء فقال له الحسن ماهذه الفاسقية وعن وعن الحسن أنه بينما هو يطوف بالبيت إذ أبصر على رجل عمامة قد أعتم بها ليس تحت ذقنه منها شيء فقال له الحسن ما هذه الفاسقية وعن عمران المقبري قال هذه الأزعمة التي لاتجعلون تحت الحلق منها عمة قوم لوط يقال لها الابارية

ويتخرج جواز المسح عليها كالقلنسوة المبطنة وأولى لأنها في الستر ومشقة النزع لاتنقص عنها وذلك لأنها داخلة في مسمى العمائم والعصائب التي جاء الإذن بها

وأما حكم لبسها فقد رخص فيه إسحاق بن راهوية وغيره من أهل العلم واحتجوا بما روى وهب بن جرير عن أبيه عن يعلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال أدركت أبناء المهاجرين والأنصار فكانوا يعتمدون ولا يجعلونها تحت الحنك لكن المنصوص عن أحمد الكراهية كما تقدم وأنكر هذا الحديث وقال حديث منكر ما أدري أي شيء ذلك الحديث

وقال أيضا وقد سئل عنه ما أدري ما هو وقيل له تعرف سليمان بن أبي عبد الله فقال لا ورد أحمد له لأن إجماع السلف على خلافه قيل له سمعت أنت هذا الحديث من وهب فقال نعم وهومعروف ولكن الناس على غير الذي رووا عن يعلى بن حكيم

ولأن أولئك اللذين نقل عنهم لم يعرف منهم ولعلهم من جملة من أنكر عليه كما ذكرنا آنفا لكن المحكي عن أحمد فيها لفظ الكراهة والأقرب أنها كراهة لاترتقي إلى حد التحريم ومثل هذا لايمنع الترخيص كما قلنا في سفر النزهة أنه يبيح القصر على ظاهر المذهب يؤيد هذا أن الكراهة على ما ذكر فلا يختلف بين إرخاء ذؤابة وتركه ومع هذا فيقال مال جماعة من أصحابنا إلى المسح على ذات الذوائب

القسم الثالث أن تكون ذات ذؤابة بلا حنك فيجوز المسح عليها في أحد الوجهين وهو الذي ذكره الشيخ لأن إرخاء الذؤابة من السنة قال أحمد في رواية الأثرم وابراهيم بن الحارث ينبغي أن يرخي خلفه من عمامته كما جاء عن ابن عمر يشير بذلك إلى ما روى أبو بكر الخلال بإسناده عن نافع كان ابن عمر يعتم ويرخيها بين كتفيه

وبإسناده عن عبيد الله بن عمر قال أخبرني أشياخنا أنهم رؤوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمون ويرخونها تحت أكتافهم وبإسناده عن عاصم بن محمد عن أبيه قال رأيت عبد الله بن الزبير اعتم وأرخاها من خلفه نحو ذراع وبإسناده عن سلمة بن وردان قال رأيت على أنس بن مالك عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه

وقد روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب فإذا هو رمد فتفل في عينيه ودعا له بعمامة سوداء وأرخى يطرف العمامة من بين كتفيه ثم قال سر فسار ففتح الله عليه

وعن ابن عمر قال عمم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف عمامة سوداء كرابيس وأرخاها من خلفه قدر أربعة أصابع وقال هكذا فاعتم فإنه إعرف وأجمل

فإذا أرخاها ذؤابة ولم يتحنك فقد أتى ببعض السنة والنهي عن الإقتعاط كان لئلا يتشبه بأهل الكتاب وبهذا يحصل قطع التشبه لأنها ليست من عمائمهم وحملوا حديث سليمان بن أبي عبد الله على أن تلك العمائم كانت بذوائب

والثاني لايجوز لأن عموم النهي يشملها ولأنها لايشق نزعها

ويشترط للمسح على العمامة ما يشترط للمسح على الخف من لبسها على طهارة كاملة ومن اعتبار الوقت وإذا خلعها بطلت طهارته وكذلك إذا انكشف رأسه إلا أن يكون يسيرا مثل أن يرفعها بقدر ما يدخل يده كحك رأسه أو لمسحه في الوضوء ونحو ذلك فلا بأس به مالم يفحش ولو انتقضت فكذلك إلا أن ينقض بعضها ككور أو كورين ففيه روايتان

إحداهما لاتبطل الطهارة لأن العضو مستور ببعض المسموح فأشبه ما لو زال ظاهر الخف وبقيت بطانته

والثانية تبطل وهي المشهورة لأنه بانتقاض بعضها ينتقض سائرها فلم تبقا على حال تثبت بنفسها فأشبه مالو انفتق الخف فتقا لايثبت في الرجل معه وعلى الرواية التي تقول يجوز غسل رجليه في مسلمة الخف يحتاج هنا إلى مسح رأسه وغسل رجليه لأجل الترتيب

فصل

السنة أن يمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه والأفضل أن يضع يده مفرجة الأصابع على أصابع رجليه ثم يجرها إلى ساقه ولو بدأ بأسفل الساق قبل رؤوس الأصابع جاز

وقال ابن أبي موسى السنة أن يمسح أعلاه وأسفله لما روى المغيرة ابن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله رواه الخمسة إلا النسائي

ولأنه موضع يحازي محل الفرض فأشبه أعلاه ولأنه استيعاب بالمسح فكان مشروعا كمسح الرأس والعمامة والأول هو المذهب المنصوص لقول علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح

وعن المغيرة بن شعبة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح علي الخفين على ظاهرهما رواه أحمد أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

وذاك الحديث قال الترمذي هو معلول وضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة

قال أحمد الصحيح من حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف ولأن أسفل الخف ليس بمحل الفرض فكذلك لسنته كالساق وقد بين علي رضي الله عنه أن الرأي وإن اقتضى مسحه لكونه محل الوسخ والأذى إلا أن السنة أحق أن تتبع مع أن رأيا يخالف السنة رأي فاسد لأن أسفله مظنة ملاقاة النجاسة وكثرة الوسخ فيفضي إلى تلويث اليد من غير فائدة إذا ليس المقصود إزالة الوسخ عن الخف ولهذا لايشرع غسله بل غسله كغسل الرأس ولأن استيعابه بالمسح يفضي إلى إخلاقه وإتلافه من غير فائدة كما تقدم وذلك لايشرع وبهذا يظهر الفرق بينه وبين العمامة فإنه لا أذى هناك ولا يخاف بلاها لأن مواضع المسح تتبدل بتبدل الوتاد والصفة التي ذكرناها رواها ابن ماجة عن جابر قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يغسل خفيه فقال بيده كأنه دفعه إنما أمرت بالمسح هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق خططا بالأصابع

ورواه أبوعبد الله بن حامد ولفظه إنما لم تؤمر بهذا فأراه وقال بيده من مقدم الخف إلي الساق وفرق بين الأصابع وهذا أقرب إلى مسح ظهر الخف بجميع تلك اليد بخلاف لو بدأ بما يلي الساق فإن بعض البلل يذهب في الساق وروى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة أنه ذكر وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم تؤضا ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأيسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلي أثر أصابعه على الخفين قال القاضي وابن عقيل سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيده اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى قال الإمام أحمد كيف ما فعلت فهوجائز باليد الواحدة أو باليدين ولايسن تكرار المسح ولايتبع ما بين الأصابع بالماء ولا يجب استيعابه بالمسح لما ذكرنا

قال أحمد المسح على الخف هو مس أعلاه خططا بالأصابع وقال هو أثبت عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى في حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح مرة واحدة وكذلك عن ابن عمر وعن ابن عباس وأنس ومسح عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى رأيت آثار أصابعه وكذلك قيس بن سعد بن عبادة ولأن الاستيعاب والتكرار يوهيه ويخلقه من غير فائدة والواجب مسح أكثره فلا يجزئ مسح ثلاث أصابع ولايسمى مسحا لما ذكرنا من حديث جابر وقوله إنما أمرت هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق والأمر يقتضي الإيجاب لاسيما وقد أخرجه مخرج البيان للمسح المسقط لفرض الغسل

وفي حديث المغيرة وغيره أنه مسح بكفه وفعله هو المفسر للمسح المفروض وقد كان القياس يقتضي مسح جميعه لأنه بدل عن مغسول فكان كالجبيرة وعضوي التيمم لكن سقط أسفله وعقبه لما ذكرنا فبقي ظاهره والأكثر يقام مقام الجميع في كثير من المواضع بخلاف الأقل والمفروض مسح أكثر ظهر القدم فلو مسح بدل ذلك أسفله أو عقبه لم يجزئه لما روى الخلال عن عمر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان

ولما تقدم من حديث جابر ولأن عليا بين أن السنة قدمت ظهر الخف على أسفله مخالفة للرأي الذي يوجب تقديم أسفله فمتى مسح أسفله فقد وافق الرأي الفاسد ولأن فعله خرج امتثالا وبيانا لسنة المسح المفروضة بدلا عن الغسل وإن مسح بخرقة أو بأصبع واحدة أو غسل بدلا عن المسح فهو كما ذكرنا في مسح الرأس وأما العمامة فالسنة استيعابها قال أحمد

يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه وهو واجب في الوجهين اختاره أبو حفص البرمكي لأنه حائل شرع مسح جميعه فوجب كالجبيرة ولأن الأصل أن البدل يحكى المبدل لاسيما المبدل من الجنس كقراءة غير الفاتحة بدلا عن الفاتحة بخلاف غير الجنس كالتسبيح عن القرآن والثاني لايجب وهو اختيار أكثرهم بل يجزىء أكثرها كالخف لما روى المغيرة بن شعبة قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتبرز لحاجة ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته ومسح على خفيه رواه النسائي ولأنه بدل ممسوح رخصة فلم يجب استيعابه كالخف وإن أبان البدل منه هناك غسل ويجب استيعابه وفاقا وبهذا يفارق الجبيرة لأنها جعلت كالجلد فمسحت في الطهارتين من غير توقيت وهذان الوجهان فرع على ظاهر المذهب وهو وجوب استيعاب الرأس فأما إن قلنا يجزىء الأكثر أو قدر الناصية من الرأس ومن الناصية فهاهنا أولى ويختص محل الإجزاء بأكوارها وهي دوائرها دون وسطها في أحد الوجهين لأن وسطها باطن فهو بمنزلة أسفل الخف وفي الآخر يجزئ من الجميع لأن الأسم يقع على الجميع وليس باطنها محلا للأولى بخلاف الخف

مسألة ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة

لا يختلف المذهب أنه يشترط في جواز المسح على العمامة والخفين أن يكون قد لبسهما على طهارة فلو كان محدثا حين لبسهما أو أحدث حين وضع قدمه في الخف قبل أن يستقر لم يجز له المسح لأن الحديث تعلق بالرجل في حال ظهورها فصار فرضها الغسل لأنه لا مشقة فيه حينئذ فلا يجوز أن ينوب عنه المسح لأنه أخف منه كمن نسى صلاة حضر فذكرها في السفر فقد استقرت في ذمته تامة فلا يجوز قصرها بخلاف ما إذا لبس طاهرا ثم أحدث فإنه تعلق بها على صفة يشق غسلها فكان الفرض فيها على أحد الأمرين إما الغسل أو المسح وكذلك لا بد أن تكون الطهارة قبل اللبس فلو لبس الخف على حدث ثم توضأ وغسل رجليه فيه لم يجز له المسح عليه حتى يخلعه ثم يلبسه ليكون حين اللبس متطهرا لما روى المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وغسل ذراعيه ثم مسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال دعهما فإني أذخلتهما طاهرتين فمسح عليهما متفق عليه ولأبي داود دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان فمسح عليهما

وعن المغيرة بن شعبة قال قلنا يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين قال نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان رواه الحميدي في مسنده والدارقطني في سننه وعن صفوان بن عسال قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا ويوما وليلة إذا أقمنا ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولانخلعهما إلا من جنابة رواه أحمد والدارقطني وابن خريمة قال الخطابي هو صحيح الإسناد وبهذا يدل على أن الطهارة شرط حين ادخلهما الخفين ولأنه إذا لبس الخف محدثا لبسه مع قيام فرض الغسل بالرجل فأشبه ما لو لم يغسلهما حتى أحدث ولا يقال النزع واللبس عبث بل هو تحقيق لشرط الإباحة كما أن من ابتاع طعاما بالكيل ثم باعه فإنه يكيله ثانيا ولا بد أن يبتدئ لبسهما على طهارة كامله في أشهر الروايتين وفي الأخرى يكفيه أن يدخل كل قدم وهي طاهرة فلو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم الأخرى وأدخلها الخف لم يبح له المسح في ظاهر المذهب حتى يخلع ما لبسه قبل تمام طهره فليلبسه بعده ولذلك لو نوى الجنب رفع الحدثين وغسل رجليه ثم أدخلهما الخف قم ثم طهارته أو فعل ذلك المحدث وقلنا الترتيب ليس بشرط لم يجز له المسح على الأولى وجاز على الثانية

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان وذلك يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد كما يقال دخل الرجلان الدار وهما راكبان فإنه يقتضي أن كليهما راكب حين دخوله سواء كان الأول إذ ذاك راكبا أو لم يكن

ووجه الأول في حديث صفوان المتقدم إذا أدخلناهما مع طهر وذاك إنما يراد به الطهر الكامل

وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمسافر ثلاثة ايام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما رواه الأثرم والدارقطني وابن خزيمة وقال الخطابي هو صحيح الإسناد

والتطهر إنما هو كمال التوضؤ ولأن اللبس اعتبرت له الطهارة فاعتبرت الطهارة الكاملة كمس المصحف ومسح الخف فإنه لايجوز أن يمس المصحف بعضو غسله حتى يطهر الجميع

ولا يمسح على خف رجل غسلها حتى يغسل الرجل الأخرى ويلبس خفها والحديث حجة لنا لإثبات أن كل واحدة طاهرة عند دخولها ولا يثبت لها الطهارة حتى يغسل الأخرى لأن الحدث الأصغر لايتبعض ولا يرتفع عن العضو إلا بعد كمال الوضوء ولهذا لايجوز له مس المصحف بعضو مغسول على أن ما ذكروه ليس بمطرد فإنه لو قال لامرأتيه أنتما طالقتان إن شئتما أو إن حضتما لم يقع طلاق واحدة منهما حتى يوجد الشرط منهما

فأما العمامة فقال أصحابنا هي كالخف فلو مسح على رأسه ثم لبسها ثم غسل رجليه لم يجزئه في أشهر الروايتين حتى يبتدء لبسها بعد كمال الطهارة وفي الأخرى يجزئه لأنه لبسها بعد طهارة محلها ولو لبسها محدثا ثم توضأ ومسح على رأسه ورفعها رفعا فاحشا فكذلك كما لو لبس الخف محدثا فلما غسل رجليه رفعه إلى الساق ثم أعاده وإن لم يرفعها رفعا فاحشا فيحتمل أن يكون كما لو غسل رجليه في الخف لأن الرفع اليسير لايخرجه عن حكم اللبس لأنه إنما عفى عنه هناك للمشقة ويتوجه أن يقال في العمامة لايشترط فيها إبتداء اللباس على طهارة بل يكفي فيها الطهارة المستدامة لأن العادة الجارية أن الإنسان إذا توضأ رفع العمامة ومسح برأسه ثم أعادها ولم تجر العادة بأن يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء ولا أن يجعلها بعد وضوئه ثم يلبسها بخلاف الخف فإن عادته أن يبتدأ لبسه بعد كمال الطهارة وغسله في الخف نادر ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في المسح على العمامة شيء من ذلك وهو موضع حاجة وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز وقد علل أصحابنا الخف بندرة غسل الرجل فيه وهذه العلة تنعكس في العمامة لا سيما إن قلنا ابتداء اللبس على كمال الطهارة واجب فأما إن قلنا يكفي لبسها على طهارة محلها وجعلنا رفعها شيئا يسيرا ثم إعادتها ابتداء لبس فهو شبيه بما ذكرنا

فصل

يكره أن يلبس الخف وهو حاقن كما يكره أن يصلى بهذه الطهارة وطرد ذلك مس المصحف والطواف بها لأن الحدث القريب إذا لم يكن كالحاصل في المنع فلا أقل من الكراهة وإذا قلنا إن سؤر البغل والحمار مشكوك فيه فطهر منه ثم لبس ثم أحدث ثم توضأ منه وتيمم وصلى صحت صلاته لأن الماء إذا كان طاهرا فقد صلى بطهارة وضوء صحيح وإن كان نجسا فقد صلى بالتيمم وفي هذه لبس على طهارة لا تجوز الصلاة بها والطهارة أربعة أنواع غسل ومسح وتيمم وطهارة المستحاضة فإذا لبسه على طهارة غسل فلا شبهة فيه وإذا لبسه على طهارة مسح فهو على ثلاثة أقسام

أحدها أن يلبس خفا على طهارة مسح الخف مثل أن يلبس خفا أو جوريا فيمسح عليه ثم يلبس فوقه خفا أو جرموقا فلا يجوز المسح عليه لأن هذه الطهارة لايمسح بها ثلاثة أيام لأن ما مضى محسوب من المدة والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أباح المسح على طهر مسح ثلاث ولأن الخف التحتاني بدل عن الرجل والبدل لا يكون له بدل بخلاف ما إذا لبس الفوقاني قبل أن يحدث فإنه لم يتعلق به حكم البدل فجاز أن يمسح ويجوز أيضا أن يمسح التحتاني ويدعه كما يجوز أن يغسل الرجل في الخف وإذا مسح الفوقاني ثم نزعه فهو كما لو بدت رجله في أشهر الروايتين لأن المسح تعلق بالفوقاني وحده فصار التحتاني كاللفافة بخلاف ما إذا نزعه قبل المسح أحدث أو لم يحدث فإن المسح عليه جائز ولبس الفوقاني لم يضره شيء وفي الأخرى لا يلزمه نزع التحتاني بل يتطهر عليه إما بمجرد مسحه أو تكميل الطهارة كما لا يلزمه نزع التحتاني كما لو كان هو الممسوح دون الفوقاني ولو لبس الفوقاني بعد أن أحدث وقبل أن يمسح على التحتاني فهو أحرى أن لايجوز لأنه لبسه على غير طهارة

ولا يشبه بهذا أن يخبط على الخف جلدة لأن هنا خفين منفصلين وهذا كله إذا كان الخفان صحيحين فإن كان التحتاني مخرقا والفوقاني صحيحا مسح عليه كما لو لبسه على لفافة وإن كان التحتاني صحيحا والفوقاني مخرقا فالمنصوص من الوجهين جواز المسح عليه لأن خروقه مستورة

والثاني لا يجوز كما لو كان تحته لفافة وعنه أنه كالجوارب مع النعل فإن ثبت الصحيح بالمخروق جاز المسح عليهما كما تقدم في الجورب مع النعل وإن ثبت الصحيح بنفسه مسح عليه خاصة ولو كانا مخرقين وقلنا يمسح على المخرق فوق الصحيح فهنا وجهان

أحدهما يمسح أيضا كالجوارب الثابت بنعل

والثاني لايمسح كالمحرق فوق اللفافة

القسم الثاني أن يلبس خفا أو عمامة على طهارة مسح الجبيرة فهذا يجوز له المسح لأن هذه الطهارة تقوم مقام الغسل من كل وجه حتى في الحدث الأكبر لأنه لايقدر إلا عليها والجبيرة بمنزلة جلده الثالث أن يلبس خفا على طهارة مسح العمامة أو بالعكس أو يشد جبيرة على طهارة مسح أحدهما ونقول باشتراط الطهارة في الجبيرة ففيه وجهان

أحدهما لايجوز له المسح لأنه لبس على طهارة ناقصة من غير ضرورة أشبه ما لو لبس الخف على خف ممسوح أو لبس العمامة على قلنسوة ممسوحة وجوزنا المسح عليها

والثاني الجواز بناء على أن طهارة المسح ترفع الحدث كما تقدم والنص يتناول ذلك بعمومه وإنما امتنع في الملبوس مع الممسوح لأنه بدل البدل ولبعض المدة المعتبرة شرعا كما تقدم وأما إذا لبسه على طهارة تيمم لم يكن له المسح عليه لأن التيمم لا يرفع الحدث بعد لبسه مع بقاء الحدث ولأنه إذا وجد الماء ظهر حكم الحدث السابق قبل لبسه فيكون في التقدير قد لبس وهو محدث لأنه إنما جعلناه متطهرا في ما لا يستمر حكمه كالصلاة والطواف ومس المصحف للضرورة ولا إلى المسح بعد وجود الماء لأنه يتمكن من غسل رجليه ولبس الخف حينئذ وهذا إنما يكون فيمن يتيمم لعدم الماء وأما من تيمم خوف الضرر باستعماله لجرح أو قرح فإنه إذا لبس الخف على هذه الطهارة ينبغي أن يكون كالمستحاضة وتعليل أصحالنا يقتضي ذلك وأما الطهر الذي معه حدث دائم كالمستحاضة ونحوها فإنها إذا لبست الخف على طهارتها تمسح يوما وليلة في الحضر وثلاثة أيام ولياليهن في السفر نص عليه ولا تتقيد بالوقت الذي يجوز لها أن تصلي فيه بتلك الطهارة كطهارة ذي الحدث المنقطع لأن هذه الطهارة كاملة في حقها وإنما وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة لأن الطهارة فرض لكل صلاة وهي قادرة على ذلك بخلاف اللبس فإنه إنما تشترط له الطهارة حين ابتدأه وقد كانت طهارته حكما والفرق بينهما وبين التيمم أنه لما وجد الماء زالت ضرورته فظهر حكم الحدث السابق ومظنة ذلك أن ينقطع دمها في ابتداء المدة الانقطاع المعتبر فإن ضرورتها قد زالت فكذلك قلنا هنا تبطل طهارتها من أصلها حتى يلزمها استئناف الوضوء لأن الحدث السابق ظهر عمله كما يلزم المتيمم إذا وجد الماء وقال القاضي في الجامع إنما تمسح على الخف ما دامت في الوقت فتنتفع بذلك لو أحدثت بغير الحدث الدائم فأما بعد خروج الوقت فلا تستبيح المسح كما لا تستبيح الصلاة

والأول أصح قال أحمد المستحاضة تمسح على خفها وقال أيضا الذي به الرعاف إذا لم ينقطع وهو يتوضأ لكل صلاة أرجو أن يجزئه أن يمسح على خفيه

مسألة ويجوز المسح على الجبيرة إذلم يتعد بشدها موضع الحاجة إلى أن يحلها

هذا ظاهر المذهب أنه يمسح على الجبيرة في الطهارتين من غير توقيت ولا إعادة عليه ولايلزمه شيء آخر وعنه أنه يلزمه التيمم مع مسحها لما روى جابر رضي الله عنه قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدرعلى الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو قال يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده رواه أبو داود والدراقطني ولأنه يشبه الجريح لأنه يترك الغسل خشية الضرر ويشبه لابس الخف لأنه يتضرر بنزع الحائل فلما أشبههما جمع له حكمهما والأول هو المذهب لما صح عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة فالقمها مرارة فكان يتوضأ عليها

وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول من كان به جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصابة ويغسل ما حول العصاب وإن لم يكن عليه عصاب مسح ما حوله

وقد روى ذلك عن جماعة من التابعين ولا يعرف عن صحابي ولاتابعي خلافة وقد روى عن علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجة وغيره وروى عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان في إسناده مقال فهو معتضد بما ذكرنا ولأنه مسح على حائل فأجزأه من غير تيمم كمسح الخف والعمامة وأولى لأن هذا يتضرر بالنزع ولابس الخف لايتضرر بالنزع ولأنه إما أن يلحق بذي الجرح الظاهر أو بلابس الخف أو بهما

أما الأول فضعيف منه لأنه لا حائل هناك ينتقل الفرض إليه ويجعل الجرح في حكم الباطن

والثاني أضعف منه لأننا إذا ألحقناه بهما عظمت المشقة وأوجبنا طهارتين عن محل واحد وجعلناه أغلظ من لابس الخف مع أنه أحق بالتخفيف منه فتعين أن يلحق بلابس الخف لاسيما وطهارة المسح تشارك الغسل في رفع الحدث وأنها بالماء جائزة في الجملة في حال الاختيار

وأما حديث صاحب الشجة فمعناه والله أعلم أنه يكفيه إما التيمم وإما أن يعصب على شجه خرقة ثم يمسح عليها لأنهم أجمعوا عل أن الجرح الظاهر لايوجب فأن يتيمم وأن يعصب ثم يمسح العصابة والواو وقد تكون بمعنى أو كما في قوله مثنى وثلاث ورباع وذكر القاضي أنه على هذه الرواية يمسح على الجبيرة أيضا وهل تجب عليه الإعادة تخرج على روايتين أظهرهما لايعيد وفي عصابة الفصاد يمسح ويتيمم لأجل النجاسة فعلى هذا الفرق بين الروايتين أنه هل يجوز له شدها على غير طهارة أم لا وقد صرح بذلك في تعليل هذه الرواية وقوله إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة يعني أن الحاجة تدعو إلى أن يتجاوز بها موضع الكسر فرن الجبيرة توضع على طرفي الصحيح لينجبر الكسر وقد يتجاوز بها إلى جرح أو ورم أو شيء يرجى به البرء وسرعة البرء وقد يضطر إلى الجبر بعظم يكفيه أصغر منه لكن لم يجد سواه ولا ما يصغر به ومتى تجاوز لغير حاجة ولا ضرورة لزمه النزع إن لم يضره وإن خاف منه الضرر لم يلزمه النزع إلا على قول أبي بكر في جبر كسره بعظم نجس إنه يفعله ما لم يخش التلف وهل يجزئه مسح الزائد على وجهين أحدهما لا يجزئه كما ذكره الشيخ واختاره القاضي وابن عقيل وغيرهما لأنه شده لغير حاجة فيسمح بقدر الحاجة ويتيم الزائد وقيل يمسحه أيضا مع التيمم والثاني يجزئه مسحه قاله الخلال وغيره لأنه قد صار به ضرورة إلى المسح عليه فأشبه موضع الكسر وترك التحرز منه لا يمنع الرخصة كمن كسر عظمه ابتداء قال الخلال كان أبو عبد الله يتوقى لأن يبسط الشد على الجرح بما يجاوزه ثم سهل في

مسألة الميموني والمروزي لأن هذا مما لا ينضبط وهو شديد جدا ولا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها وقوله إلى أن يحلها يعني لا يتوقت مسحها كالخف ونحو ذلك في الطهارتين لأن مسحه لضرورة بخلاف مسح الخف ويجب مسح الجبيرة واستيعابها بالمسح لأنه مسحمشروع للضرورة فوجب فيه لأن الأصل أن البدل يحكى مبدله بخلاف الخف والعمامة وإن كان بعضها في محل الفرض وبعضها خارج عنه مسح ما يحاذي محل الفرض

وهل يشترط أن يتقدمها طهارة على روايتين

إحداهما يشترط كالخف اختارها الخرقى وغيره فعلى هذا إن شدها على حدث نزعها فإن أضره نزعها تيمم لها كالجريح وقيل يمسحها ويتيمم والرواية الثانية أنه لا تعتبر لها الطهارة قبل الشد اختارها الخلال وصاحبه وغيرهما وأشار الخلال أنها الرواية المتأخرة وهي اختيار الشيخ لأنه ذكر اشتراط الطهارة في العمامة والخف ثم ذكر الجبيرة بعد ذلك ولم يشترط لها لأن حديث جابر ليس فيه ذكر الطهارة

وكذلك حديث علي وكذلك ابن عمر وتفارق الخف من وجهين

أحدهما أن الكسر والفك يقع فجأة وبغتة ويبادر إلى إصلاحه عادة ففي اشتراط الطهارة حرج عظيم وربما تعذرت الطهارة بأن يجري دم ينقض الطهارة ولا يمكن إعادتها إلا بغسل المحل وهو متعذر فيضطر إلى شدها على الحدث فإما أن يؤمر بالتيمم فقط بالمسح خير من التيمم أو بهما وهو خلاف الأصول فيتعين المسح

والثاني أن الجبيرة كالأعضاء وتجري مجرى جلدة انكشطت ثم أعيدت بدليل أنها تمسح في الطهارة الكبرى وأنه لاتوقيت في مسحها بخلاف الخف فإذا حل الجبيرة أو سقطت فهو كما لو خلع العمامة يلزمه استئناف الطهارة في أشهر الروايتين وفي الأخرى يكفيه غسل موضعها والبناء علي ما قبلها إلا أن يكون مسحها في غسل يعم البدن كالجنابة والحيض فيسقط الاستئناف بسقوط الترتيب والموالاة والمسح على حائل الجرح أو الدمل أو غيرهما كالمسح على حائل الكسر سواء كان عصابة أو دواء أو مرارة أو لصوقا سواء تضرر بنزع الحائل دون الغسطل إو بالغسل دون نزع الحائل أو بهما وكذلك لو كان في رجله شق جعل فيه قبر أو شمعا مغلا ونحو ذلك وتضرر بنزعه في أظهر الروايتين وفي الأخرى لا يجزئه المسح لأن ذلك من الكي المنهي عنه حيث استعمل بعد إغلائه بالنار والرخص لاتثبت مع النهي والأول أقوى وفي كراهية الاكتواء روايتان إحداهماأنه لايكره وإنما تركه درجة رفيعة وتحمل أحاديث النهي على ما فيه خطر ولم يغلب على الظن نفعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة وسعد بن معاذ وأبي بن كعب والثانية يكره لأحاديث النهي فيه والترخيص بالسبب المباح جائز وإن كان مكروها على الصحيح كالقصر في سفر النزهة

مسألة والرجل والمرأة في ذلك سواء

يعني في مسح الخفين لأن بها حاجة إلى لبسهما وذلك مباح لها فاشبهت الرجل وكذلك تمسح الجبيرة وأما مسحها على الخمار ففيه روايتان تقدم توجيههما ومسحها علي العمامة لا يجوز لما تقدم

باب نواقض الوضوء[عدل]

وهي سبعة الخارج من السبيلين مع كل حال يعني سواء كان نادرا أو معتادا قليلا أو كثيرا نجسا أو طاهرا أما المعتاد فلقوله تعالى { أو جاء أحد منكم من الغائط } ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث صفوان ولكن من غائط وبول ونوم وقوله في الذي يخيل إليه الشيء في الصلاة لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا أو كحديث علي في المذي

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فقال رجل من أهل حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة فقال فساء أو ضراط متفق عليه

أما النادر فكالدود والحصى ودم الاستحاضة وسلس البول والمذي فينقض أيضا لما روى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المذي الوضوء وفي المني الغسل رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولم يفرق بين دائمه ومنقطعه وعن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أمرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة قال لا إنما ذاك دم عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

وهذه الزيادة قد رويت من قول عروة ولعله أفتى بها مرة وحدث بها أخرى ولعلها كانت عنده عن فاطمة نفسها لا عن عائشة فقد روى عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو دم عرق رواه أبو داود والنسائي

وعن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أمرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ثم صلى وإن قطر الدم على الحصير رواه أحمد وابن ماجة

وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن ولأنه خارج من السبيل فنقض كالمعتاد وأما الطاهر فينقض أيضا في ظاهر المذهب كالمني والريح الخارجة من الدبر أو من قبل المرأة وقبل الرجل في المنصوص المشهور من الوجهين قال أبو بكر لا يحتلف قول أبي عبد الله أن الرجل والمرأة إذا خرجت الريح من قبلهما أنهما يتوضأن وقال القاضي أبو الحسين قياس مذهبنا أن الريح تنقض من قبل المرأة دون الرجل لأن الصائم إذا قطر في إحليله لم يفطر لأنه ليس من الذكر إلى الجوف منفذ بخلاف قبل المرأة

وريح الدبر إنما نقضت لأنها تستصحب بخروجها أجزاء لطيفة من النجاسة بدليل نتنها فإن الرائحة صفة لاتقوم إلا بأجزاء من الجسم وكذلك ريح قبل المرأة بدليل نتنها وربما عللوا ذلك بأن هذا لايدرك فتعليق النقض به محال فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يخيل إليه الشيء وهو في الصلاة لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وهذه الريح لا تسمع ولا تشم وإنما تعلم بأن يحس الإنسان في ذكره بدبيب يعتقد قطرة بول فإذا انتهى إلى طرف الذكر فلم يجد له أثرا علم أنها الريح ويلتزم من قال هذا بنجاسة المني وإن الريح تنجس الماء اليسير حيث لم ينقض الطهارة بشئ طاهر ويعتذر عن المني بأنه يوجب الطهارة الكبرى فلا يدخل في نواقض الوضوء إلا أن هذا لا يصح فإن مني الرجل إذا خرج من فرج المرأة بعد اغتسالها أو خرجت من الرجل بقية المني وجب الوضوء دون الغسل

والصحيح الأول لأنه خارج من السبيل فنقض كريح الدبر فإنها طاهرة واكتسابها ريح النجاسة لا يضر فإن الريح قد تكتسب من انفصال أجزاء كالحشا المتغيرة والماء بجيفة على جانبه ولو فرضنا انفصال أجزاء من النجاسة فإنما خالطت أجزاء هوائية وذلك لا يوجب التنجس كنا تقدم وقولهم الريح الخبيثة إنما خرجت مستصحبة لأجزاء من النجاسة قلنا بل نادت الرائحة إلى الهواء الخارج من غير أجزاء كما تنادي الحرارة إلى الماء من غير أجزاء من النار والفقه في ذلك أن السبيل هو مظنة خروج النجاسة غالبا فعلق الحكم بهذه المظنة وإن علقناه بنفس خروج النجاسة أيضا وإذا قطر في إحليله دهنا ثم سال أو احتشى في قبله أو بدر قطنا ثم خرج منه شيء لا بلة معه أو كان في وسط القطن ميل فسقط بلا بلة نقض في أشهر الوجوه لأنه خارج من السبيل

والثاني لا ينقض لأنه خارج طاهر وجريان الطاهرفي مجرى النجس الباطن لاينجسه مجريان النجاسة في مجرى القيء ومني المرأة في مجرى دمها

والثالث ينقض الدهن لأنه لا يخلو من بلة نجسة تصحبه بخلاف القطن والميل فأما إن تحقق خروج شيء من بلة الباطن نقض قولا واحدا وكذلك إن احتقن فخرج شيء من الحقنة أو وطئ الرجل المرأة فدب ماؤه فدخل في فرجها ثم خرج لأن هذا دخل الجوف فحكم بتنجيسه

وكذلك لو أدخل الميل ثم أخرجه ولو لم يخرج شيء من الحقنة وماء الرجل لم ينقض كما لو لم يخرج الميل وقيل ينقض لأنه في الغالب لا بد أن يتراجع منه أجزاء يسيره فينقض بوجود المظنة كالنوم ولو استرخت مقعدته فظهرت وعليها بلة لم تنفصل عنها ثم عادت نقض في أشبه الوجهين بكلامه لأنها نجاسة ظهرت إلى ظاهر البدن فأشبهن المتصلة

والثاني لا تنقض لأنها لم تفارق محلها من الباطن فأشبهت ما لم تظهر وكذلك لا يحب الاستنجاء منها وكما لو أخرج الصائم لسانه ثم أدخله وعليه ريقه فابتلعه لم يفطر لأنه لم ينفصل

مسألة والخارج النجس من غيرهما إذا فحش

أما النجاسة إذا خرجت من غير السبيلين فهي قسمان أحدهما البول والعذرة فتنقض سواء كان قليلا أو كثيرا وسواء خرج من تحت المعدة أو من فوق المعدة وسواء استد المخرج أو لم يستد من غير اختلاف في المذهب لعموم حديث صفوان ولكن من غائط وبول ولأن السبيل إنما يغلط حكمه لكونه مخرجهما المعتاد فإذا تغلظ حكمه بسببهما فلأن يتغلظ حكم أنفسهما أولى وأحرى ولا ينتقض الوضوء بخروج الريح من ذلك المخرج وقد خرج وجه إنما ينقض فيما إذا استد المخرج المعتاد وانفتح غيره بناء على جواز الاستجمار فيه ويجيء على قول من يقول من أصحابنا أن الريح تستصحب جزءا من النجاسة بأن تنتقض مطلقا

القسم الثاني سائر النجاسات من الدم والقيح والصديد والقيء والدود فينقض فاحشها بغير اختلاف بالمذهب لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال صدق أنا صببت وضؤه رواه أحمد والترمذي وقال هو أصح شيء في هذا الباب وقال الأثرم قلت لأبي عبد الله قد اضطربوا في هذا الحديث فقال حسين المعلم يجوده

وقيل له حديث ثوبان ثبت عندك قال نعم وروى إسماعيل بن عياش قال حدثني ابن خريج عن أبيه وعبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فليتصرف فليتوضأ ثم يبين على مامضى من صلاته ما لم يتكلم رواه الخلال والدارقطني وروى ابن ماجة حديث ابن أبي مليكة ولفظه من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم يبن على صلاته وهو في ذلك لايتكلم وقد تكلم في أسناد هذا الحديث لأن المشهور عن ابن جريج عن أبيه وعن أبي مليكة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا إلا أنه وإن كان مرسلا فهو مرسل من وجهين وأيده عمل الصحابة وروى مسندا ما يوافقه وهذا يصيره حجه عند من لايقول بالمرسل المجرد لا سيما وقد قال أحمد كان عمر يتوضأ من الرعاف وقال ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وأيضا فإن ذلك منقول عن جماعة من الصحابة في قضايا متفرقة ولم ينقل عنهم خلافه حكى الإمام أحمد في الوضوء من الرعاف عن على وابن مسعود وابن عمر وحكاه ابن عبد البر عن عمر وابن عمر

وروى الشافعي عن ابن عمر أنه كان يقول من وجد رعافا أو مذيا أو قيئا انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى ولأنه خارج نجس من البدن فجاز أن ينقض الوضوء كالخارج من السبيل ولا الحجامة سبب يشرع منه الغسل فوجب الوضوء منه كدم الاستحاضة ودليل الوصف في الفرع مذكور في موضعه وأما اليسير من هذه النجاسات فالمشهور في نصه ومذهبه أنه لا ينقض حتى أن من أصحابنا من يجعلها رواية واحدة وحكى ابن أبي موسى وغيره رواية أخرى أن يسيرها ككثيرة وحكاها الخلال في القلس كذلك وحكى أبو بكر الروايتين في القيء والدود بخلاف الدم لأن الدم إنما حرم المسفوح منه بنص القرآن وقد عفي عن اليسير منه وذلك لما ذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه كان ينصرف من قليل الدم وكثيره ولأنها نجاسة فنقضت كالبول والغائط ووجه الأول أن عبد الله بن أبي أوفى بزق دما فمضى في صلاته وعصر ابن عمر بثرة فجرى دم فلم يتوضأ ذكره أحمد والبخاري

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أدخل أصبعه في أنفه فخرج عليها دم فلم يتوضأ

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سئل عن رجل صلى فامتخط فخرج مع مخاطه شيء من دم قال لا بأس يتم صلاته ذكره أحمد

وقال قال ابن عباس في الدم إذا كان فاحشا أعاد وقال الدم إذا كان قليلا لا أرى فيه الوضوء لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خصول فيه ولأنه لا يجب إزالة عين هذه النجاسة فأن لا يجب تطهير الزعضاء بسببها أولى وذلك لأنه ليس لها محل معتاد ولا يستعد لها والابتلاء بها كثير فعفي عن يسيرها في طهارتي الحدث والخبث بخلاف نجاسة السبيل وقد تقدم حد الكثير في مسائل العفو فأما الخارج الطاهر من البدن كالجشاء والنخامة ونحو ذلك فلا وضؤ فيه

مسألة وزوال العقل إلا النوم اليسير جالسا أو قائما

لايختلف المذهب أن النوم في الجملة ينقض الوضوء وليس هو في نفسه حدثا وإنما هو مظنة الحدث وإنما قلنا ينقض الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان ولكن من غائط وبول ونوم فأمر أن لا ينزع الخف من النوم ولولا إنه ينقض الوضوء ويوجب الطهارة لما كان حاجة إلى الأمر بأن لا ينزع الخف منه

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة

وعن معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء رواه أحمد والدارقطني وسئل أحمد عن حديث على ومعاوية في ذلك فقال حديث علي أثبت وأقوى ولأن النوم مظنة خروج الخارج لاستطلاق الوكاء فقامت مقام حقيقة الحدث لاسيما والحقيقة هنا خفية غير معلومة وإذا وجدت لمناط الحكم بها ولو كان حدثا لاستوى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وغيره

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطجع حتى نفخ ثم صلى ولم يتوضأ قال ابن عباس لسعيد بن جبير لما سأله عن ذلك إنها ليست لك ولا لأصحابك إنها كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحفظ رواه أحمد وذكر مسلم في الصحيح عن سفيان الثوري قال هذا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه فلما لم ينقض وضوءه صلى الله عليه وسلم بنومه لأن قلبه يقظان وهو محفوظ في منامه لم يبق النوم في حقه مظنة الحدث بخلاف غيره ولو كان حدثا لم يفرق بينه وبين غيره كسائر الأحداث والنوم قسمان كثير وقليل أما الكثير فينقض مطلقا لعموم الأحاديث فيه

قال ابن عباس رضي الله عنه الوضوء على كل نائم إلا من خفق برأسه خفقة أو خفقتين وقد روي مرفوعا

ولأن النوم الكثير قد يفضي إلى الحدث من غير شعور لطول زمانه وعدم الإحساس معه بخلاف اليسير ولأن زوال العقل قد استغرق فنقض علي كل حال كالإغماء والسكر والجنون فإن سائر الأشياء التي تزيل العقل من الإغماء والجنون والسكر لايفرق فيها بين هيئة وهيئة وكذلك النوم المستغرق وأما النوم اليسير فينقض وضوء المضطجع رواية واحدة ولا ينقض وضوء القاعد رواية واحدة وفي القائم والراكع والساجد سواء كان في صلاة أو في غير صلاة أربع روايات إحداها ينقض مطلقا لأن العموم يقتضي النقض بكل نوم خصصه الجالس لما روى أنس رضي الله عنه قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون رواه مسلم ورواه أبو داود ولفظه كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون

وفي لفظ أحمد ينعسون

وروى ثابت عن أنس قال أقيمت الصلاة ورجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه فصلى بهم متفق عليه

ورواه أبو داود وقال ولم يذكر وضوءا ولأن نوم الجالس يكثر وجوده من منتظر الصلاة وغيرهم فتعم به البلوى فيعفى عنه كما عفي عن يسير النجاسة من غير السبيلين والرواية الثانية ينقض إلا القائم مع الجالس كما ذكره الشيخ وهو اختيار الخرقي لأن النوم إنما نقض لإفضائه إلى الحدث ومحل الحدث مع القائم منضم منحفظ كالقاعد فيبعد خروج الحدث مع عدم العلم به في النوم اليسير لاسيما والقائم لايستثقل في نومه استقبال الجالس بخلاف الراكع والساجد فإن المحل منهما منفرح مستطلق

والرواية الثالثة ينقض إلا القائم والراكع فإن المخرج منه أكثر انفراجا واستطلاقا فأشبه المضطجع

والرواية الرابعة لاينقض في حال من هذه الأحوال حتى يكثر كما تقدم وهذه اختيار القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا لأن النوم إنما نقض لأنه مفض إلى الحدث وهذا إنما يكون غالبا فيمن استرخت مفاصله وتحلل بدنه فأما غيره فالحدث معه قليل والأصل الطهارة فلا تزول بالشك إذ الكلام في النوم اليسير والقاعد وإن كان محل حدثه منضما فإن النوم الثقيل إليه أقرب والراكع والساجد مع انفتاح مخرجهم فرن نومهم يكون أخف فتقابلا من هذا الوجه واستويا في انتفاء الاسترخاء والتحلل المفضي غالبا إلى الخارج ويدل على ذلك ما ورث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لايدري لعله يستغفر فيسب نفسه رواه الجماعة وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقرأ رواه أحمد والبخارى فلولا أن النوم الذي قد لا يعلم معه ما يقرأ والذي قد يسب فيه نفسه تبقى معه طهارته على أى حال كان لما علل النهي بخشية السب والتباس القراءة إذا كان الوضوء قد بطل وكذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما لما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بات عند خالته ميمونة قال فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني ورواه أحمد في الزهد عن الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نام أحدكم وهو ساجد يباهي الله به الملائكة يقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وهو ساجد لي فأثبته ساجدا مع نومه وهو وإن كان مرسلا فقد اعتضد بما روى الدارقطني في الأفراد عن علي رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل أبي بكر وهو راكع قد نام في ركوعه فقال لايضيع الله ركوعك يا أبا بكر نومك في ركوعك صلاة

وروى يزيد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فإنه اضطجع استرخت مفاصله رواه أحمد وقد تكلم فيه فقيل هو موقوف على ابن عباس وقيل لم يسمعه قتادة من أبي العالية وهذا لمن يثبته يجعله مرسلا أو موقوفا يؤيده مرسل الحسن فيصير حجة حتى عند من لايقول بالمرسل المجرد والمرجع في حد القليل والكثير إلى العرف لأنه ليس له حد في الشرع فمتى سقط الساجد عن هيئته بتجافيه أو القائم عن قيامه فانتبه ونحو ذلك انتقض طهره وكذلك إن رأى رؤيا في المنصوص من الوجهين وإن شك هل هو قليل أو كثير لم ينتقض والمستند والمحتبي كالمضطجع وعنه كالقاعد لأنه يفضي بمحل الأرض والنوم الناقض من المضطجع وغيره هو أن يغلب على عقله فإن كان يسمع حديث غيره ويفهمه فليس بنائم وإن شك هل نام أولا وهل ما في نفسه رؤيا أو حديث نفس لم ينتقض الطهارة بالشك

مسألة ولمس الذكر بيده

مس الذكر ينقض الوضوء في ظاهر المذهب وروى عنه أنه لا ينقض لما روى قيس بن طلق عن أبيه قال قال رجل يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال هل هو إلا بضعة منه رواه الخمسة وقال الترمذي هذا أحسن شيء في هذا الباب

وعن أبي أمامة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر فقال إنما هو جزء منك رواه ابن ماجة

ولأنه عضو منه فلم ينقض كسائر الأعضاء وهذا لأن النقض إما بخارج أو بمظنة خارج وكلاهما مفقود وعلى هذه الرواية الوضوء منه مستحب ونص عليه حملا لأحاديث الأمر به على ذلك توفيقا بين الأحاديث في ذلك والآثار والصحيح الأول لما روت بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ رواه الخمسة

وفي لفظ النسائي إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال أحمد حديث بسرة صحيح

عن أم حبيبه قالت سمعت روسل الله صلى الله عليه وسلم يقول من مسلل فرجه فليتوضأ رواه ابن ماجة والأثرم

قال الإمام أحمد حديث أم حبيبة صحيح وقال أبو زرعة حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أفضى أحدكم بيده إلى بيده رلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء رواه الشافعي وأحمد وقال أبو علي ابن السكن هذا من أجود ما روى في هذا الباب

وقد روى النقض به عن بضعة عشر من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجاء النقض بمسه عن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وزيد بن خالد والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنهم وهو شيء لايدرك بالرأي والقياس فعلم أنهم قالوا عن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعارض هذا أن يكون هو المتمسك باستصحاب الحال والبراءة الأصلية وأما حديث قيس وأبي أمامة فعنه أجوبة أحدها تضعيفه فقد ضعفه أحمد ويحيى وقال أبو زرعة وأبو حاتم قيس لاتقوم به حجة وجعفر بن الزبير كذبه شعبة وقال البخاري والنسائى هو متروك

وثانيها أنه منسوخ لأن طلق بن علي الحنفي كان قدومه وهم يؤسسون المسجد رواه الدراقطني وتأسيس المسجد كان في السنة الأولى من الهجرة وأخبار الإيجاب من رواتها أبو هريرة وإنما أسلم ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة وبسرة بنت صفوان أسلمت عام الفتح في السنة الثامنة

وثالثها أن أحاديثنا ناقلة عن الأصل وحديثهم مبقي على الأصل فإن كان الأمر به هو المنسوخ لزم التعبير مرتين وإن كان ترك الوضوء هو المنسوخ لم يلزم التعبير إلا مرة واحدة فيكون أولى وهذه قاعدة مستقرة أن الناقل أولى من المبقي لما ذكرنا

ورابعها أنه يمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء ما إذا لمسه من وراء حائل لأن في رواية النسائي عن طلق قال خرجنا وفدا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فتابعناه وصلينا معه فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة قال وهل هو إلا مضغة منك أو قال بضعة منك والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه يويد ذلك أنه علل ذلك بأنه بضعة منك وهذا التعليل مساواته كسائر البضعات والمضغ وهذه التسوية متحققة فيما فوق الثوب فأما دون الثوب فيتميز الغسل وجوب والمهر والحد وفساد العبادات بايلاجه وتنجس الخارجات منه وغير ذلك فكيف يقاس بغيره

وخامسها أنا قدرنا التعارض أحاديثنا أكثر رواة وأصح إسنادا وأقرب إلى الاحتياط وذلك يوجب ترجيحها

مسألة ومس ذكر غيره كمس ذكره وأولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من مس الذكر رواه أحمد والسنائى وذكر الصغير كذكر الكبير لعموم الحديث وذكر الميت كالحي في المنصوص من الوجهين وفي الآخر لا ينقض كمس الميتة والفرق بينهما أن الشهوة هناك معتبرة بخلاف مس الذكر من الميت وسواء مسه عمدا أو سهوا لشهوة أو غيرها في المشهور عنه وعنه إنما ينقض إذا تعمد مسه سواء ذكر الطهارة أو نسيها بخلاف ما وقعت يده عليه بغير قصد لقول علي عليه السلام إذا لم تتعمده فلا شيء عليك ذكره الإمام أحمد ولأن تعمد مسه مظنة حدوث الشهوة وعنه إن تعمد مسه لشهوة نقض وإلا فلا كمس النساء لأنه حينئذ يكون مظنة خروج الخارج والأول هو المذهب لعموم الحديث من غير تفريق بين الحشفة وسائر القضيب لأن اسم الذكر يشمل ذلك هذا هو المشهور عنه وعنه لاينقض إلا مس الحشفة لأنه هو مخرج الحدث وبه تتعلق الطهارة الكبرى وسواء مسه ببطن يده أو ظهرها من الأصابع إلى الكوع في المشهور عنه وعنه إن النقض يختص ببطن الكف لأن اللمس المعهود به وعنه ينقض مسه بالذراع جمعيه لأن اليد في الوضوء هي اليد في المرفق والصحيح الأول لقوله إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه واليد المطلقة في الشرع تنتهي إلى الكوع كما في آية السرقة والمحاربة والتيمم وقوله إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده يعم ظهرها وبطنها كما عمها قوله يغمس يده وآية التيمم فأما مس الذكر بغير اليد فلا ينقض إلا إذا مسه بفرجه في المشهور من المذهب لأنه ادعى إدعى إلى الخروج من مس الذكر وأفحش وفيه وجه أنه لاينقض لأن الحكم في الأصل بعيد

وينتقض الوضوء بمس فرج المرأة في إحدى الروايتين منها ومن أمرأة أخرى وفي الأخرى لاينقض لأن الأحاديث المشهورة من مس ذكره ومفهومها انتفاء ذلك عن غير الذكر

والأول أقوى لأن قوله مس فرجه يعم النوعين وذكر بعض الذكر وحده لايخالف لأن الخاص الموافق للعام لايخصصه بل يؤكده دلالة القدر الموافق منه ويبقى الباقي مدلولا عليه بالعموم فقط ومن قال من أصحابنا تخصيصه لحظ في ذلك أن يكون المفهوم مرادا والمفهوم هنا غير مراد لأن تخصيص الذكر بالذكر لأن الخطاب كان للرجال ولهذا قلنا من مس ذكره وذكر غيره فإن قوله ذكره إنما خصه لأن الغالب أن الإنسان إنما يمس ذكر نفسه وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما أمرأة مست فرجها فلتتوضأ رواه أحمد وفي مس حلفة الدبر روايتان إحداهما ينقض اختارها جماعة من أصحابنا لعموم قوله من مس فرجه ولأنه مخرج الحدث فينقض كالذكر والأخرى لاينقض واختارها بعضهم قال الخلال والعمل والأشيع في قوله وحجته أنه لايتوضأ من مس الدبر لأن الحديث المشهور من مس ذكره فيكون هو المراد بالفرج في اللفظ الآخر كما في وقوله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون } وقوله سبحانه وتعالى { ويحفظوا فروجهم }

ولا يمكن إلحاقه به لأن مسه ليس هو مظنة لخروج خارج أصلا بخلاف القبل ولا ينقض مس الفرج المقطوع المنفصل في أحد الوجهين وينقض في الآخر لأنه مس ذكره والأول أقيس لأنه بالانفصال لم يبق له جرم ولا مظنة لخروج خارج ولا يتعلق به شيء من أحكام الذكر فأشبه ما لو مس يدا مقطوعة من أمرأة ولا ينقض وضوء الملموس فرجه رواية أحمد وقيل فيه رواية أخرى وليس بشيء

ولا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الذكر من الأرفاع والانثيين وما بين الفرجين وغير ذلك ولا يمس فرج البهيمة سواء كان مأكولة أو محرمة كثيل الجمل وقنب الحمار وغير ذلك لأنه ليس بمنصوص ولا في معنى المنصوص

وأما الخنثى فتنبني على أربعة فصول مس النساء ومس الذكر ومس المرأة فرجها وانتقاض وضؤ الملموس وقد تقدم ذكر فمتى وجد في حقه ما يحمل النقض وعدمه لم ينتقضه اسما كيقين الطهارة ومتى وجد في حقه ما ينقض نفيناه بقضائه ووجه التقسيم أن اللمس إما أن يكون للفرجين أو لأحدهما أو للامس إما أن يكون هو الخنثى أو غيره أو هو وغيره وذلك الغير إما أن يكون رجلا أو أمرأة أو خنثى والتفريع على انتقاض الوضوء في الأصول الأربعة لأن مع القول بعدم الإنتقاض لايبقى تفريع فمتى مس فرجيه هو أو غيره انتقض وضوء اللامس لأنه مس فرجا أصليا ولم ينتقض وضوء الملموس لجواز أن يكون من حنس واحد والملموس إنما ينتقض وضوؤه إذا مس الرجل المرأة والمرأة الرجل ولو مس أحد الفرجين لم ينقض بجواز أن يكون زائدا إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة والمرأة قبلها لشهوة لأن في هاتين الصورتين إن كان الملموس أصليا نقض وإن كان زائدا فقد وجد لمس لشهوة من غير الجنس ولاينتقض وضؤ الملموس لعدم اليقين فإن مس الرجل ذكره لشهوة والمرأة فرجها لشهوة انتقض وضوؤه هنا لتيقن أنه ملموس لشهوة من غير جنسه ولو كان مس أحدهما انتقض لشهوة وضوؤه فقط دون الخنثى والامس الأول فإن مسهما لغير شهوة لم ينتقض وضؤ الخنثى وينتقض وضؤ أحدهما لابعينه وكل واحد منهما يبنى على يقين طهارته في المشهور وعنه يجب عليهما الوضوء ولو مس الرجل فرجه والمرأة ذكره فكذلك ولاينتقض وضوء الخنثى إلا أن يكون مسهما لشهوة وجميع ذلك في اللمس مباشرة فأما اللمس من وراء الحائل فلا ينقض لما تقدم

مسألة ولمس المرأة بشهوة

ظاهر المذهب أن الرجل متى وقع شيء من بشرته على على بشرة انثى بشهوة انتقض وضوؤه وإن كان لغير شهوة مثل أن يقبلها رحمة لها أو يعالجها وهي مريضة أو تقع بشرته عليها سهوا وما أشبه ذلك لم ينقض وعنه ينقض اللمس مطلقا لعموم قوله { أو لامستم النساء } وقراءة حمزة والكسائي أو لمستم النساء وحقيقة الملامسة التقاء البشرتين لاسيما اللمس فإنه باليد أغلب كما قال

لمست بكفي كفه أطلب الغنى

ولهذا قال عمر وابن مسعود رضي الله عنهما القبله من اللمس وفيها الوضوء وقال عبد الله بن عمر قبلة الرجل أمرأته وجسها بيده من الملامسة ولأنه مس ينقض فلم تعتبر فيه الشهوة كمس الذكر ولأن مس النساء في الجملة مظنة خروج الخارج وأسباب الطهارة مما نيط الحكم فيها بالمظان بدليل الإيلاج والنوم ومس الذكر وعنه أن مس النساء لا ينقض بحال

لما روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولايتوضأ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة ورواه ابراهيم التيمي عن عائشة أخرجه أبو داود والنسائي وقد احتج به أحمد في رواية حنبل وقد تكلم هو وغيره في الطريق الأولى بأن عروة المذكور هو عروة المزني كذلك قال سفيان الثوري ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني وعروة هذا لم يدرك عائشة وإن كان عروة بن الزبير فإن حبيبا لم يدركه قال إسحاق ابن راهويه لاتظنوا أن حبيبا لقى عروة وفي الثاني بأن ابراهيم التيمي لا يصح سماعه من عائشة وجواب هذا أن عامة ما في الإسناد نوع إرسال وإذا أرسل الحديث من وجهين مختلفين اعتضد أحدهما بالآخر لاسيما وقد رواه البزاز بإسناد جيد عن عطاء عن عائشة رضي الله عنهما مثله

ورواه الامام أحمد عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة ولأنه مس فلم ينتقض كمس البهيمة والملامسة في الآية المراد بها الجماع كذلك قد فسرها علي وابن عباس قال سعيد بن جبير اختلف الموالي والعرب في الملامسه في الآية فقال عبيد بن عمير والعرب هي الجماع وقال عطاء والموالي هي مادون الجماع فدخلت على ابن عباس فذكرت ذلك فقال أيهما كنت قلت في الموالي قال غلبت الموالى إن الله حي كريم يكني عما يشاء وإنه كنى بالملامسة عن الجماع وفي لفظ عنه قال اللمس والمباشرة والإفضاء والرفث في كتاب الله الجماع

ولأن اللمس كالمس وقد اريد به الجماع في وقله { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } والملامسة لا تكون إلا من اثنين فيجب حملها على الجماع والصحيح الأول لأن الله تعالى أطلق ذكر مس النساء والمفهوم من هذا في عرف أهل اللغة والشرع هو المس المقصود من النساء وهو اللمس للتلذذ وقضاء الشهوة فإن اللمس لغرض آخر لايفهم من تخصيص النساء بالمس إذ لا فرق بينهن وبين غيرهن في ذلك المس واللمس وإن كان عامدا لكن نسبته إلى النساء أوحت تخصيصه بالمقصود من مسهن كما خص في الطفلة وذوات المحارم ويدل على ذلك أن كل مس ومباشرة وإفضاء ذكر في القرآن فالمراد به ما كان مع الشهوة وجميع الأحكام بمسهن مثل تحريم ذلك على المحرم والمعتكف ورجوب الفدية في الإحرام وانتشار حرمة المصاهرة وحصول الرجعة عند من يقول بذلك إنما تثبت في مس الشهوة ولايقال مس النساء في الجملة هو مظنة أن يكون لشهوة فأقيم مقامه لأننا نقول إن الحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة نيط الحكم بها دون مظنتها وهي هنا كذلك بدليل سائر الأحكام ولأن اللمس مع الشهوة هو المظنة لخروج المذي والمني فيقام مقامه كالنوم مع الريج بخلاف الخالي من الشهوة فإنه كنوم الجالس يسيرا ولو كان المراد به الجماع خاصة لاكتفي بذكره في قوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ولو أعيد باسمه الخاص وهو الجنابة ليتميز به عن غيره وليعم الجنابة بالوطء وبالاختلاف وجميع المواضع المذكورة في القرآن فإن المراد بها المس لشهوة مطلقا من الجماع وما دونه كقوله { ولا تباشروهن } وقوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث وقوله فمن فرض فيهن الحج فلا رفث

وقوله { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } وقوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } وحينئذ فيكون قوله أو لامستم النساء يعم نوعي الحدث الأكبر والأصغر كما قال ابن عمر ويفيد التيمم لها ويدل على الوضوء مع الشهوة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المجامع إذا لم يمن أن يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره حين كان لا ماء إلا من الماء لم يكن المس ينقض الوضوء لما أمر بذلك ثم بعد ذلك فرض الغسل وذلك زيادة على ما وجب أولا لا رفع له وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال جاء رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من أمرأة لا تحل له فلم يدع شيئا يصيب الرجل من المرأة إلا قد أصابه منها إلا أنه لم يجامعها فقال توضأ وضؤ حسنا ثم قم فصل قال فأنزل الله هذه الآية { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } فقال معاذ أهي خاصة أم للمسلمين عامة قال بل هي للمسلمين عامة رواه أحمد والدارقطني فأمر بالوضوء مع المباشرة دون الفرج وحديث عائشة المتقدم أن صح محمول على أن اللمس كان يراد إكراما ورحمة وعطفا أو إنه قبل أن يؤمر بالوضوء من مس النساء كما قلنا في مس الذكر ويدل على أن مجرد اللمس لاينقض ما ورت عائشة رضي الله عنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتها وإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح رواه البخاري وأبو داود والنسائي وفي لفظ للنسائي رن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوتر وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله

وروى الحسن قال كان رسول صلى الله عليه وسلم جالسا في مسجده في الصلاة فقبض على قدم عائشة غيرا متلذذ رواه إسحاق ابن راهويه والنسائي ومتى كان اللمس لشهوة فلا فرق بين الأجنبية وذوات المحرم والكبيرة والصغيرة التي قد تشهتي فأما التي لاتشتهي أصلا فلا ينتقض لمسها لشهوة ولمس الميتة كلمس الحية عند القاضي كما أن جماعها سواء في إيجاب الغسل

وقال الشريف أبو جعفر وابن عقيل لاينقض لأنها ليست محلا للشهوة فلا ينقض لمسها كالشعر ومس البهيم بخلاف الجماع فإنه لا فرق بين محل ومحل وبين الشهوة وعدمها بدليل ما لو استدخلت المرأة ذكر نائم ولمس المرأة الرجل ينقض وضوؤها كلمسه لها في أصح الروايتين لأن لمسها أدعى إلى الحدث لفرط شهوتها والأخرى لاينقض لأن النص إنما جاء في لمس الرجل المفضي إلى المذي بخلاف المرأة وإذا قلنا بنقض وضوء اللامس فهل ينتقض وضؤ الملموس على روايتين فإذا قلنا ينقض اعتبرنا الشهوة في المشهور كما نعتبرها في اللامس حتى ينتقض وضوؤه إذا وجدت الشهوة فيه دون اللامس ولا ينتقض إذا لم توجد فيه وإن وجدت في اللامس ولا ينقض اللمس من وراء حائل وإن كان لشهوة لأن اللمس لم يوجد ومجرد الشهوة لاتنقض الوضوء كما لو وجدت في لمس البهيمة أو بنظر أوبفكر ولا ينقض لمس شعر المرأة ولاظفرها ولا سنها كما لا ينقض لمسها بالشعر والظفر والسن ولامس الرجل الرجل وإن كان أمردا ولامس المرأة المرأة في المشهور المنصوص لأنه ليس محلا للشهوة في الأصل ويتخرج أن ينقض إذا كان لشهوة لأنه لمس آدمي لشهوة وقال القاضي ينقض لمس الرجل الرجل والمرأة المرأة لأنه مباشرة لأدمي حقيقة بخلاف الشعر والظفر

مسألة والردة عن الاسلام

الذي عليه عامة الأصحاب أن الارتداد عن الإسلام ينقض الوضوء ولم يذكره القاضي في خصاله وجامعه وأبو الخطاب في الهداية من النواقض فمقتضى كلاهما عدم النقض بها كما فهمه بعض أصحابنا ويشبه والله أعلم أن يكونا تركا ذكرها لعدم ظهور فائدتها لأن المراد إذا لم يعد إلى الإسلام فلا معنى لنقض وضوئه وإن عاد إلى الأسلام وجب عليه الاغتسال في المنصوص وهو أكبر من الوضوء فيدخل فيه الوضوء ثم رأيت القاضي قد صرح في الجامع الكبير بذلك وقال لامعنى لجعلها من النواقض مع وجوب الطهارة الكبرى بالإسلام ويجاب عنه بأنه يظهر فائدته إذا عاد إلى الإسلام فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل وإن نواهما بغسله أجزأه في المشهور كما إذا نقض وضوءه بغير الردة ومن لم ينقض وضوءه بالردة لم يوجب عليه إلا الفل ولو لبس الخف على هذه الطهارة ثم أسلم واغتسل في خفيه لم يكن المسح لأنه لبس الخف محدثا ولو قلنا هو طاهر لجاز له المسح لأنه لبسه على طهارة لم يحدث بعدها

وقد احتج جماعة من أصحابنا على ذلك بقوله سبحانه وتعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك } بناء على أن الردة تحبط العمل بمجردها فإن الموت عليها في قوله تعالى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر } شرط للخلود لا يحبط العمل والحجة على هذا الوجه فيها نظر فإن المشهور عن أكثر أصحابنا أن الردة لاتحبط العمل إلا بالموت عليها وبنوا على ذلك صحة الحج في الإسلام الأول وقضاء الفوائت فيه من الصلاة والزكاة والصوم وأيضا فإن الإحباط إنما ينصرف إلى الثواب دون حقيقة العمل بدليل صحة صلاة من صلى خلفه في الإسلام الأول والتحقيق أن الردة إنما تقع بعد انقضاء العبادة وأحكامها أو بعد انقضائها وبقاء أحكامها أو في أثناء وجودها أما الأول فإنها إذا وقعت بعد انقضائها بالكلية فإنها لاتبطلها أصلا وإنما تحبط الثواب إما مطلقا أو بشرط الموت عليها على اختلاف أصحابنا وأما الثالث فإنها إذا وقعت في أثناء الصلاة والصيام والإحرام أفسدت العبادة وأما الثاني فهو الوضوء لأن عمل الوضوء قد انقضى وإنما حكم الطهارة باق فهنا يبطل حكم هذه الطهارة وينقضها وليس هذا من الإحباط وإنما هو من الإبطال اللهم إلا أن يقال إذا كانت تحبط ثواب ما مضى فلأن يفسد الحاضر أولى وأحرى وذلك لأن الكفر ينافي العبادات بالكلية ودوام الوضوء عبادة لأنه مستحب مأمور به والكفر ينافي ذلك واحتج أبو الحسن الجزري على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان فإذا بطل الإيمان بالكلية فشطره أولى ولأن ما منع ابتداء الوضوء منع استدامته ما منع الكفر كانقضاء المدة والظهور القدم في حق الماسح ورؤية الماء في حق المتيمم ولأن ما منع الكفر ابتداءه منع دوامه كالنكاح وأولى لأن النكاح ليس بعبادة وعكسه ملك المال فإن الردة لما لم تمنع ابتداءه لم تمنع دوامه على المشهور وهذا لأن الكفر إنما منع نكاح المسلمة لأن الكافر ليس أهلا لملك أبضاع المسلمات وهذا لايستوى فيه الابتداء والدوام وكذلك الطهارة منع منها الكافر لأنه ليس من أهل الطهارة والقرب والعبادات وهذا يستوى فيه الابتداء والدوام بل الدوام أولى لإنه هو المقصود من أفعال الوضوء ويقوى الشبه أن كلا من الوضوء والنكاح يستويان في مفارقة الابتداء والدوام بدليل ما لو حلف لا يتطهر وهو متطهر أولا يتزوج وهو متزوج لم يحنث وقد أبطل الكفر النكاح فكذلك يبطل الوضوء فأما الكلام المحرم كالقذف والكذب والاغتياب فيستحب منه الوضوء ولا يجب لما روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب وروى عنه قال الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وحدث اللسان أشد من حدث الفرج ورواه ابن شاهين مرفرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمله بعض أصحابنا على الردة إذ ليس في اللسان ما يوجب الوضوء غيرها ولعله أراد زن الحدث باللسان وهو الكلام المحرم يوجب الإثم والعقاب فهو أعظم مما يوجب الوضوء فقط وروى حرب عنه أن رجلين صليا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين فلما قضيا الصلاة قال أعيد وضوءكما وصلاتكما وامضيا في صومكم واقضيا يوما آخر قالا لم يا رسول الله قال اغتبتما فلانا وفي إسناده نوع جهالة ومعناه الاستحباب لأن إسباغ الوضوء يمحو الخطايا والذنوب فسن عند أسبابها كما تسن الصلاة وقد روى على ابن أبي طالب رضي الله عنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله بما شاء وإذا حدثني غيره استخلفته فإذا لي صدقته وإن أبا بكر حدثني وصدق أبوبكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له رواه أحمد

ولأن الوضوء عبادة فوجب تنزيهها عن الكلام الخبيث كالصيام والإحرام وأما انتقاض الوضوء منه فقال ابن المنذر أجمع من نحفظ قوله من علمماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا توجب طهارة ولا تنقض وضوءا وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به قال وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم يأمر فيه بوضؤ

فصل

ومن الكلام القهقهة فإنها لاتنقض الوضوء في الصلاة ولا خارج الصلاة لكنها تبطل الصلاة فقط كما يبطلها الكلام لقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه من ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء رواه الدارقطني وصححه ورواه مرفوعا بإسناد فيه مقال وذكر الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري مثله ولم يثبت عن صحابي خلافه لأنه لا ينقض خارج الصلاة فكذلك في الصلاة كالكلام المحرم وأولى من وجهين

أحدهما أن الكلام محرم في الموضعين والقهقهة محرمة في الصلاة خاصة

الثاني أن الصلاة تمنع الوضوء مما لا يمنع منه خارج الصلاة خشية إبطالها ولهذا نهي الشاك في وضوئه أن يبطل صلاته لأجل تجديد الوضوء ويستحب لمن شك في غير الصلاة والمتيمم إذا رأى الماء يبطل تيممه اتقافا إلا أن يكون في الصلاة ففيه خلاف وهل يستحب الوضوء من القههقة فيه وجهان

أحدهما يستحب لما روى أبو العالية قال جاء رجل في بصره سوء فدخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فتردى في حفرة كانت في المسجد فضحك طوائف منهم فلما قضى صلاته أمر من كان ضحك أن يعيد الضوء والصلاة رواه الدارقطني وغيره مرسلا عن الحسن وابراهيم والزهري ومراسيلهم كلها ترجع إلى أبي العالية ومراسيله قد ضعفت

وروي مسندا من وجوه واهية جدا وقد طعن فيه من جهة أن الصحابة كيف يظن بهم الضحك في الصلاة وهذا ضعيف فإن الذي ضحك بعضهم ولعلهم من الذين انفضوا من الجمعة لما جاءت العير وسمعوا اللهو ثم الضحك أمر غالب قد يعذر فيه بعض الناي ومثل هذا الحديث لايوجب شريعة ليس لها أصل ولانظير من غيره وإنما عملنا به في الاستحباب لثلاثة وجوه

أحدها أن المستحبات يحتج فيها بالأحاديث الضعاف إذا لم يكن فيها تغيير أصل لما روى الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بلغه عن الله شيء فيه فضل فعمل به رجاء ذلك الفضل أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك

وثانيها أنه بتقدير صحته ليس فيها تصريح بانتقاض وضوئهم لعلهم أمروا بذلك لأن القهقهة في الصلاة ذنب وخطيئة فيستحب الوضوء والصلاة عقبها كما جاء في حديث أبي بكر المتقدم وكما أمر الذين اغتابا بأن يعيدا الوضوء والصلاة في حديث ابن عباس وكما قد حمل بعضهم حديث معاذ في الذي لمس المرأة وهذا لأن القهقهة في الصلاة استخفاف بها واستهانة فيستحب الوضوء منها كالوضوء من الكلام المحرم وهذا أقرب إلى قياس الأصول وأشبه بالسنة فحمل الحديث عليه أولى

الوجه الثاني لايستحب ولا يكره وهو ظاهر كلامه فإنه قال لا أرى عليه الوضوء فإن توضأ فذلك إليه إذ لا نص فيه والقياس لا يقتصيه ولو أزال من محل وضوئه ظفر أو شعرا ظهرت بشرته أو لم تظهر فإن وضوءه بحاله نص عليه لأن الفرض متعلق بظاهر الشعر والظفر فظهور الباطن لايبطله كما لو انكشط جلده أو قطعت يده ولهذا لايجزئ غسل البشرة المستترة باللحية عن ظاهرها بخلاف قدم الماسح ورأسه وفرق أحمد بينهما بأن هذا شيء يسير فهو كما لو نتف شعرة وقد روى عن ابن عمر أنه قلم أظافره فقال له رجل ألا تتوضأ فقال أتوضأ إنك لأكيس ممن سنته زمه كيسان واستحسن بعض أصحابنا أن يتوضأ من ذلك أو يمر عليه عليه الماء لأن بعض السلف أوجب الوضوء من ذلك ففيه خروج من الاختلاف وقد روى حرب في مسائله أن عليا كان إذا قلم أظفاره وأخذ شاربه توضأ وإذا احتجم اغتسل والمنصوص عن أحمد والقاضي استحباب مسحه بالماء

مسألة وأكل لحم الإبل

هذا هو المعروف في نصه ومذهبه وذكر جماعة من أصحابنا رواية أخرى أنه لا ينقض كسائر اللحوم والأطعمة لأنه الوضوء منه منسوخ بما روى جابر قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار رواه أبو داود والنسائي وقال عمر وابن عباس الوضوء مما خرج وليس مما دخل رواه سعيد في سننه

أو يكون الوضوء أريد به غسل اليد والفم فإنه يسمى وضوءا وهو وإن كان مستحبا في جميع الأطعمة لا سيما من الدسم فإن لحم الإبل فيه زيادة زهومه وحرارة كما حمل بعضهم الوضوء من مس ذكر على هذا لأنه مظنة تلوث اليد بمسه لا سيما من المستجمرين أو يحمل على الضوء لللصلاة استحبابا والصحيح الأول لما روى جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضأ من لحوم الإبل قال أصلي في مرابض الغنم قال نعم قال أصلي في مبارك الإبل قال لا رواه أحمد ومسلم

وعن البراء بن عازب قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال توضأ منها وسئل عن لحوم الغنم فقال لا تتوضأ منها وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لاتصلوا فيها فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وعن جابر بن سمرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم رواه ابن ماجة

وروى الإمام أحمد من حديث زسيد بن حضير وابنه عبد الله من حديث ذي الغرة وابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر قال الإمام أحمد وإسحاق صح في الباب حديثان عن رسول صلى الله عليه وسلم وسلم حديث حابر بن سمرة وحديث البراء وهذه سنن صحيحه يتعين المصير إليها ولا يصح ادعاء نسخه لوجوه

أحدهما أنه لا فرق بينه وبين لحم الغنم فأمر بالوضوء من هذا ونهى عن الوضوء من هذا ولو كان هذا قبل النسخ لأمر بالوضوء منهما

وثانيهما أن لحكم الإبل ينقض الوضوء لكونه لحم الإبل لا لكونه ممسوسا بنار يقتضي الوضوء نيه ومطبوخه لكن كان النقض بمطبوخه لعلتين زالت إحداهما وبقيت الأخرى كما لو مس الرجل فرج أمرأته لشهوة انتقض وضوؤه لسببين فلو زالت الشهوة بقي مجرد مس الفرج

وثالثها أنه لم يجيئ حديث بنسخه فإن قول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار إنما هو قضية عين وحكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه توضأ من لحم مسته النار ثم أكل من لحم ولم يتوضأ وذاك كان لحكم غنم كما جاء مفسرا في روايات آخر فأخبر جابر رضي الله عنه أن ترك الوضوء منه كان آخر الآمرين وليس في هذا عموم ولم يحك عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظا عاما وإنما يفيد هذا أن مسيس النار لا أثر له ولايصح أن يقال لا فرق بينهما بعد تصريح السنة بالفرق ومن حمع ما فرق الله بينه ورسوله كان بمنزلة من قال إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا وهذا قياس فاسد الوضع لمخالفة النص

ورابعها أنه لو فرضنا أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة عامة بترك الوضوء مما غيرت النار مع أن هذا لم يقع لكان عاما والعام لا ينسخ الخاص لا سيما الذي فرق بينه وبين غيره من أفراد العام بل يكون الخاص مفسرا للعام ومبينا له وخامسها أنه لو اندرج في العموم قصدا لم يفد العموم إلا أنه لا يتوضأ منه من حيث مسته النار ولا يبقى المتوضئ من جهة أخرى كما لو نسخ التوضوء من مس الفرج لم ينف التوضىء من مس فرج المرأة لشهوة ولو كان الرجل مخالفا معتقا وقد نسخ ميراث المخالف لم ينسخ إرثه من حيث هو معتق

وسادسها أنه أمر بالتوضىء من لحمها مع نهيه عن الصلاة في مباركها في سياق واحد مع ترخصه في ترك الوضوء من لحم الغنم وإذنه في الصلاة في مرابضها وذلك اختصاص الإبل بوصف قابلت به الغنم استوجبت لأجله فعل التوضوء وترك الصلاة وهذا الحكم باق ثابت في الصلاة فكذلك يجب أن يكون في الوضوء

وسابعها أنه قد أشار صلى الله عليه وسلم في الإبل إلى أنها من الشياطين يريد والله أعلم أنها من جنس الشياطين ونوعهم فإن كل عات متمرد شيطان من أي الدواب كان كالكلب الأسود شيطان والإبل شياطين الأنعام كما للإنس شياطين وسجن شياطين ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أروكبوه برذونا فجعل يهملج به فقال إنما أركبوني شيطانا والتجالس والاجتماع ولذلك كان على كل ذروة بعير شيطان والغنم هي من السكينة والسكينة من أخلاق الملائكة فلعل الإسنان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفارا وشماسا وحالا شبيها بحال الشيطان

والشيطان خلق من النار وإنما تطفى النار بالماء فأمر بالوضوء من لحومها كسرا لتلك الصورة وقمعا لتلك الحال وهذا لأن قلب الإنسان وخلقه يتغير بالمطاعم التي يطعمها ولهذا حرم الله الخبائث حتى قيل إنه حرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لما في طباعها من البغي والعدوان فيورث بطباع آكلها مافي طباعها وهذه العلة وما يقاربها يدل عليه إيماء النبي صلى الله عليه وسلم

وأما دعوى كون الوضوء هو غسل اليد والفم ففاسد أيضا لوجوه

أحدها الوضوء المطلق في لسان الشرع هو وضوء الصلاة

وثانيها أنه يلزم منه أن يكون الأمر للاستحباب والأصل في الأمر الوجوب

وثالثها أنه ذكره في سياق الصلاة مبينا حكم الوضوء والصلاة في هذين النوعين والوضوء المقرون بالصلاة هو وضوءها لا غير

ورابعها أن جابر بن سمرة هو راوي الحديث ففهم منه وضوء الصلاة وأوجبه وهو أعلم بمعنى ما سمع

وهذه الوجود مع غيرها كما يقال في مس الذكر

وخامسها أنه فرق بينه وبين لحم الغنم ناهيا عن الوضوء من لحم الغنم أو مخيرا بين الوضوء وتركه وقد اجتمع الناس على استحباب غيل الفم واليد من لحممن الغنم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من بات وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه

فكيف يأذن في ترك غسل اليد والفمن من لحم الغنم وهو يلزم من ترك ذلك قال أصحابنا ما كان من المأكولات له رائحة أو زهومة ونحو ذلك فيستحب غسل اليد والفم منه وأما ما ليس له شيء من ذلك كالخبز والثمر فإن شاء غسل وإن شاء ترك وسادسها أنه لو كان المراد بع غسل اليدين والفم لما فرق بينهما وكون الإبل مختصة بزيادة زهومة ودسومة لايوجب اختاصها بالأمر فإنه صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض وقال إن له دسما

وسابعها أنه سيأتي أنه أمر بالوضوء من لبن الإبل ومعلوم أن دسمها دون دسم لحم الغنم فكيف يكون المراد به غيل اليد والغم وأما حمله على الاستحباب فبعيد لأنه أمر والأمر للإيجاب ولأنه ذكر الحكم في جواب السائل والحكم في مثل هذا لايفهم منه إلا الإيجاب كالوضوء من الصوت والريح ومس الذكر ولأنه فرق بينه وبين لحم الغنم والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الأيجاب فيجب أن يكون في لحم الأبل مفيدا للإيجالب ليحصل الفبرق ولأنه اثبت بذلك صفة في الإبل تقتضي الوضوء والأصل في الأسباب المتقتضية للوضوء أن تكون موجبة ولأن استحباب الوضوء من لحم الإبل دون الغنم إحداث قول ثالث خارج عن قولي العلماء ولإن قاله قائل وعلل ذلك بالخروج من الخلاف وهذه علة اجتهادية ليست تصلح أن تكون علة لنفس الحكم والشارع فرق بينهما تفريقا يوجب اختصاص أحدهما بالحكم لمعنى اختلاف العلماء وذلك المعنى أن يوجب الوضوء أو لا يوجبه أو لا يقتضيه ثم لم يسلم اختصاص الإبل دون غيرها من الأنعام بوصف يستحب معه الوضوء بطلب جميع أدلتهم في المسألة من الجمع بينهما وبين غيرهما ولم يبق حينئذ دليل يوجب صرف الأمر عن الوجوب ويقال إن جاز أن يختص باستحباب الوضوء جاز أن يختص بوجوبه وهو المعقول من الكلام فلا وجه للعدول عنه ثم الجواب عن جميع هذه الأسئلة أنها احتمالات مرجوحة وتأويلات بعيدة لا يجوز حمل الكلام عليها إلا مع دليل قوي أقوى من تلك الدلالة يوجب الصرف عن الظاهر والمصير إلى الباطن وليس في عدم نقض الوضوء بلحوم دليل يقارب تلك الدلالة فضلا عن أن يكون أقوى منها وإنما هو استصحاب حال وقياس طردي يحسن اتباعها عند عدم الدلالة بالكلية ولقد تعجب الإمام أحمد بمن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح وينقض الوضوء بالقهقهة مع أنها أبعد شيء عن العقول والأصول وحديثها من أوهى المراسيل ويترك العمل بهذا أو يعمل بحديث مس الذكر مع تعارض الأحاديث فيه وأن أحاديث النقض ليست مثل هذه الأحاديث في الصحة والظن فمن يخالفه من العلماء أنهم لم يستمعوه أو لم يبلغهم من وجه يصح عندهم فلم تقم عليهم به الحجة وكذلك في انتقاض وضوء الجاهل به روايتان

إحداهما ينتقض وضوء العالم والجاهل كسائر النواقض

والثانية لاينتقض وضوء الجاهل ولا يعيد ما صلى بعد أكله بوضوئه المتقدم قال الخلال ورعلى هذا استقر قول أبي عبد الله في هذا لأن هذا خبر واحد ورد في شيء يخالف القياس فعذر الجاهل به كما يعذر في الجهل بالزنا وشرب الخمر الحديث العهد بالإسلام والناشىء ببادية

بخلاف الوضوء من الخارج من السبيلين فإن المراد هنا هو من لم يسمح الحديث من العامة ونحوهم فأما إن كان قد بلغه الحديث فعنه يعيد وعنه لايعيد إذا تركه على التأويل وطالت المدة وعنه إذا طالت المدة وفحشت مثل عشر سنين لم يعد بخلاف ما إذا كانت قصيرة ولم يفرق بين العالم والجاهل فإن علم هذا قد انتشر يعم طرد هذا أن من كان لايرى النقض بخروج النجاسات أو بمس الذكر ثم رآه بعد ذلك لا يجب عليه إعادة ما كان صلاة وقيل عنه لايعيد إذا تركه متأولا بحال وكذلك من كان صلى بتقليد عالم وشبه ذلك لأن هؤلاء معذورون وكذلك يقال فيمن أخل ببعض أركان الصلاة أو شرائطها المختلفة فيها لعدم العلم بذلك حيث يعذر به اجتهاد أو تقليد ونحوه ثم علم فأما من يحكم بخطئه من المخالفين مثل من ترك الطمأنينة في الصلاة أو مسح على الخفين أكثر من الميقات الشرعي تقليدا لحديث عمر فإن يعيد نص عليه لكونه قد خالف حديثا صحيحا لا معارض له من جنسه بخلاف ما اختلف فيه من الصحابة ولا نص عليه

فصل

وفي الوضوء من ألبانها إذا قلنا يتوضأ من لحمها روايتان

إحداهما ينقض الوضوء لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول توضأ من ألبان الإبل ولا توضأ من ألبان الغنم وعن أسيد بن حضير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ألبان الإبل فقال توضأ من ألبانها وسئل عن ألبان الغنم فقال لاتتوضأ من ألبانها رواهما أحمد وابن ماجة

وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال توضأ من لحوم الإبل وألبانها رواه الشالنجي بإسناد جيد

وروى أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأء من لحوم الإبل وألبانها وفيه جهالة والثانية لا ينقض اختارها كثير من أصحابنا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تمضمضوا من اللبن فإن له دسما رواه ابن ماجة وهذا يفيد الاكتفاء بالمضمضة في كل لبن وأن الأمر بها استحباب

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بلبن من ألبان الإبل فشرب فقيل له ألا تتوضأ فقال لا أباليه بالة إسمح يسمح لك ورواه سعيد وأمر النبي الأعراب الذين قدموا المدينة أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها مع كونهم حديثي عهد بجاهلية ولم يأمرهم بالوضوء وحديث أسيد فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف

وحديث عبد الله بن عمر فيه ببقية وهو ضعيف وقول أحمد وإسحاق فيه حديثان صحيحان يدل على ضعف ما سواهما وليس فيهما اللبن ويمكن الجواب عن هذا كله أما المضمضة من اللبن فلا ينفي وجوب غيره وذلك لأن المضمضة مأمور بها عند الشرب لإزالة الدسم والوضوء إنما يجب عند القيام إلى الصلاة كالأمر بغسل اليد عند القيام من نوم الليل والأمر بالاستنشاق في الوضوء لأن ذلك لسبب وهذا لسبب وهذا لأن اللبن كاللحم واللحم تغسل منه اليد والفم ولا ينفي ذلك وجوب الوضوء منها والنجاسة الخارجة يغسل موضعها ولا يمنع ذلك وجوب الوضوء منها وأما حديث ابن عباس فهو رضي الله عنه لم تبلغه السنة في ذلك بلاغا تقوم عليه به الحجة كما يبلغ عليا خبر بروع بنت واشق ولم يبلغ ابن عمر رضي الله عنهما خبر الذي وقصته راحلته ولم يبلغ ابن عباس رضي الله عنهما أحاديث المتعة والصرف وأشباه ذلك كثيرة

وأما حديث الأعرابي فقد كان في أول الهجرة وأحاديث الوضوء بعد ذلك لأن أكثر رواتها مثل عبد الله بن عمر وجابر بن سمرة لم يصحبا النبي صلى الله عليه وسلم إلا في آخر حياته وقول أحمد وإسحاق إنما أرادا بقولهما حديثان صحيحان على طريق أهل الحديث واصطلاحهم وأما الحسن فإنهم لايسمونه صحيحا مع وجوب العمل به وهذا كثير في كلام أحمد يضعف الحديث ثم يعمل به يريد أنه ضعيف عن درجة الصحيح ومع هذا فروايه مقارب وليس معارض فيجب العمل به وهو الحسن ولهذا يضعف الحديث بأنه مرسل مع أنه يعمل بأكثر المراسيل وأما بقية فثقة أخرج له مسلم وهو جليل إلا أنه يدلس عن رجال مجهولين والقياس يوافق هذه الرواية فإن اللبن متحلل من اللحم فوجب أن يعطى حكمه كما أعطى حكه في التطهير والتنجيس ولو قيل إن البول كذلك لم يستبعد لأن اللبن مأكول معتاد بخلاف البول ونحوه وإنما قال أصحابنا إن البول والعرق والشعر لاينقض ولو فرضنا أن العلة التي أوجبت النقض باللحم لم يخلص لنا فإنه لابد له من سبب واللبن يشارك اللحم في عامة أحكامه

وفي النقض بالأجزاء التي لاتسمى لحما كالكبد والطحال والسنام والكرش والمصير والجلد وجهان وقيل فيها روايتان

لكن الظاهر أنهما مخرجتان من أصحابنا فمنهنم يطلقهما ومنهم من يبنيهما على اللبن إحداهما لاتنقض وإن قلنا بالنقض في اللحم واللبن إذ لا نص فيه قوي ولا ضعيف والقياس لايقتضيه

والثانية تنقض سواء إن قلنا ينتقض اللبن أولا لأن إطلاق اللحم في الحيوان يدخل في جميع أجزائه وإنما يذكر اللحم خاصة لأنه أغلب الأجزاء ولهذا دخلت في مطلق اسم الخنزير ولأنها أولى بالبعض من اللبن وقد جاء فيه الحديث ولأنه لما ذكر اللحم واللبن علم أنه أراد سائر الأجزاءولأنها جزء من الجزور فنقضت كاللحم وقياس الشبه لايفتقر إلى هاتين العلتين في الأصل فإن المشابهة بين اللحم والكب والسنام من أبين الاشباه ولهذا اشتركا في التحليل والتحريم والطهارة والنجاسة والدسومة والزهومة وقولهم الحكم بعيد إن أريد به هنا مجرد امتحان وابتلاء فلا يصح بعد إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعليل وإن أريد به إنا نحن لم نعتقد العلة فهذا مسلم لمن ادعاه لنفسه لكن لايمنع صحة قياس الشبه مع أننا أومأنا إلى التعليل فيما تقدم بما فهمناه من إيماء الشارع حيث ذكر أن الإبل حين خلقت من جن وأنها شياطين فأكل لحمها يورث ضربا من طباعها ونوعا من أحوالها والوضوء يزيل ذلك الأثر وهذا يشترك فيه اللحم وغيره من الأجزاء ولعله والله أعلم كان قد شرع الوضوء مما مست النار إما إيجابا وإما استحبابا بالماء لما تكتسبه من تأثير النار التي خلقت منها الشياطيين لكن أثر النار عارض يزول ولا يبقي مع الإنسان بخلاف اللحم فإن تأثيره عن طبيعة وخليقة فيه فيحتاج إلى شيء يزيله فكذلك صار هنا واجبا دون ذلك

وفي انتقاض الوضوء باللحوم المحرمة روايتان

إحداهما تنقض نص عليها في لحم الخنزيز وخص أبو بكر النقض به لتغليط تحريمه وعمم غيره في جميع اللحوم والمحرمات لأنه أولى بالنقض من لحوم الإبل

والثانية لاتنقض حكاها جماعة من أصحابنا واختارها كثير منهم إذ لا نص فيه وليس القياس بالبين حتى تقاس على المنصوص وكذلك لاينقص بما يحرم من غير اللحوم وأما الوضوء من سائر المطاعم مباحا ومحرمها فليس بواجب ولا مستحب لكن يستحب غسل اليد والفم من الطعام كما يذكر إن شاء الله في موضعه إلا ما مسته النار ففي استحباب الوضوء منه وجهان

أحدهما يستحب لما روى أبو هرزيرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول توضأوا مما مست النار رواه الجماعة إلا البخاري ورواه مسلم من حديث عائشة وزيد بن ثابت ثم نسخ الوجوب منه أو صرف عن الوجوب لما روى ابن عباس وعمرو بن أبي أمية وميمونة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ متفق عليها وقوله ولاتتوضؤا من لحوم الغنم

وعن سويد بن النعمان قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء وهي من أدنى خيبر صلى بنا العصر ثم دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بسويق فأكلنا وشربنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى بنا المغرب ولم يتوضأ رواه أحمد والبخاري ويدل على أن ذلك هو الناسخ فعل الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا لا يتوضأون مما غيرت النار وإذا اختلفت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون فإنهم أعلم بتأويلها وناسخها وإذا زال الوجوب بقي الإستحباب لاسيما وقد ذهب خلق الصحابة والتابعين إلى وجوب الوضوء منها وقال رجال من التابعين الوضوء منها هو الناسخ ففي الوضوء احتياط وخروج من الخلاف

والوجه الثاني لايستحب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم على تركه أخيرا وهو لايداوم على ترك الأفضل وأيضا فإن الوضوء منه قديما لم يكن واجبا لأن أبا هريرة سمع الأمر به وإنما صحبه بعد فتح خيبر وحديث سويد بن النعمان في تركه كان في مخرجه إلى خبير فعلم أنه كان يأمر به استحبابا ويفعله ويتركه أحيانا ثم يترك بالكلية بدليل عمل الخلفاء الراشدين

فصل

كلام الشيخ رضي الله عنه يقتضي أن لا وضوء من غسل الميت وهو قوله وقول أبي الحسن التميمي وغيرهما لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في عليكم فيميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم رواه الدراقطني وإسناده جيد ولم يتكلم في أحد منهم إلا في خالد بن مخلد القطواني وعمرو بن أبي عمرو وهما من رجال الصحيحين ولأنه لو يمه لم ينتقض وضؤوه فكذلك إذا غسله ولأنه آدمي فلم ينتقض كغسل الحي وغسل نفسه وحملوا الآثار في المسألة على الاستحباب والمنصوص عنه أن عليه الوضوء وهو قول جمهور أصحابه قال أحمد من غسل ميتا عليه الوضوء وهو أقل ما فيه ولا بد منه وقال أرجو أن لايجب الغسل وأما الوضوء فأقل ما فيه وكذلك قال في مواضع أخر إنه لا بد من الوضوء

روى عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء وقال أبو هريرة أقل ما فيه الوضوء وقال ابن عباس يكفي فيه الوضوء ولم ينقل عن غيرهم في تركه رخصة يؤيد ذلك أنهم اختلفوا في وجوب الاغتسال منه ومن لم يوجبه انتهت رخصته إلى الوضوء وكان الوضوء منه شائعا بينهم لم ينقل عنهم الإخلال به قال بكر بن عبد الله المزني حدثني علقمة بن عبد الله قال غسل أباك أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن بايع تحت الشجرة فما زادوا على أن حسروا على أيديهم وجعلوا ثيابهم في حجزهم فغسلوا ثم توضؤوا ثم خرجوا وأوصى أبو بكر رضي الله عنه أن تغسله زوحته أسماء فغسلته ثم أرسلت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علي من غسل قالوا لا فتوضأت رواهما سعيد في مسنده ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاغتسال منه كما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه

فظاهره يوجب الغسل والوضوء الذي هو بعضه فإذا قام الدليل على عدم وجوب ما زاد على الوضوء بقي الوضوء بحاله أو يقال الأمرا بالغسل أمر بالوضوء بطريق الأولى وفحوى الخطاب فإذا ترك دلالة المنطوف لم يجب أن نترك دلالة فحواه وقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل ما فيه الوضوء ويكفي فيه الوضوء دليل على أنه أقل ما يؤمر به والأمر للايجاب ولأنه وضوء مشروع لسبب ماض فكان واجبا كالوضوء من مس الذكر ومن قال هذا التزم أن لا وضوء من القهقهة ولا مامسته النار أو يقول وضوء متفق عليه أو مشروع من غير معارض ولأنه وضوء عن سبب ماض يشرع له الغسل فكان واجبا كوضوء المغمى عليه والمجنون والمستحاضة وهذا لأن شرع الغسل دليل على وقوة المقتضي للطهارة فإذا نزل إلى استحباب الغسل فلا أقل من أن يوجب الوضوء بخلاف الأسباب المستقبلة كغسل الإحرام والجمعة والعيدين فإن المراد بها النظافة فقط وهذا القياس من أقوى الأشتباه لمن تدبره ولأن بدن الميت صار في حكم الغرور بنفسه بدليل كراهة مسه والنظر إليه لا لحاجة وهو مظنة لخروج النجاسات فجاز أن يوجب الوضوء كمس الذكر ولا ينتقض بمسه من غير غسل لأن التعليل للنوع والجواز فلا ينتقض بأمهات المسائل ولأن لمس الناقض يفرق فيه بين ممسوس وممسوس فمس الفرج ينقض مطلقا ومس النساء إذا كان على وجه الشهوة ومس الميت إذا كان على وجه التغسيل له سواء مسه من وراء حائل أو باشره وهذا أجود من تعليل من علله من أصحابنا بأن الغاسل لا يسلم غالبا من مس ذكره وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما إن صح فمعناه والله أعلم حسبكم في إزالة ما يتوهم من نجاسته أن تغسلوا أيديكم فإنه ليس بنجس وإنما يخشى أن يكون قد خرج منه شيء أصاب اليد ويدل علي هذا شيئان

أحدهما أن ابن عباس هو رواوي الحديث وقد أفتي أن الذي يكفي منه الوضوء وهو أعلم بمعنى ما روى

وثانيهما أن قوله حسبكم أن تغسلوا أيديكم أي حمل على الاستحباب كأن معناه يكفيكم في الاستحباب غسل أيديكم وهو أيضا مما لا يقال به على ما ادعوه فإن الوضوء منه مشروع بل الاغتسال أيضا فيكون المعنى يكفيكم في إزالة ما يتوهم من الخبث والله أعلم

وما ذكروه من الأقيسه منعكس باستحباب الوضوء فإنهم لم يستحبوا الوضوء في تيممه ولا تغسيل الحي أو استحبوه هنا وجاءت به الآثار فكل معنى اقتضى الفرق في الاستحباب حصل الفرق به الايجاب لأنه وضوء جاء به الشرع مطلقا وكان واجبا كالوضوء من مس الذكر ولحم الجزور بل وأوكد من حيث أنه لم يجىء رخصة في ترك الوضوء منه ولا أثر يعارضه والله أعلم والغاسل هو الذي يقلبه ويباشره ويعين في ذلك ولو مرة فأما من يصيب الماء فقط من غير ملامسه للميت فليس بغاسل

فصل

ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو على ما يتقين منهما سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة لما روى عبدالله بن زيد قال شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا أخرجه الجماعة إلا الترمذي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يأتي أحدكم في الصلاة فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه أحمد وأبو داود ولفظه إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له قد أحدثت فليقل له كذبت إلا ما وجد ريحا بأنفه أو سمع صوتا بإذنه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا رواه مسلم والترمذي ورواه أحمد ولفظه حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا لا يشك فيه فلما نهاه عن قطع الصلاة وعن الخروج من المسجد مع الشك دل على جواز بناء الصلاة على طهارة مستصحبة مبنية على اليقين ولو كان يجب عليه الوضوء خارج الصلاة لجاز له أو لوجب عليه في الصلاة كسائر النواقض ولا فرق في ذلك بين أن يتساوى الأمران عنده أو يغلب على ظنه أحدهما لما ذكرنا من الأحاديث ولأن الظن إذا لم يكن له ضابط في الشرع وليس عليه إمارة شرعية أو عرضية لم يلتفت إليه كظن صدق أحد المتداعيين بخلاف القبلة والوقت ولأنه شك في بقاء زاول طهارته فيبني على اليقين كما لو شك في نجاسة الثوب والبدن والبقعة بعد تيقن الطهارة قال ابن أبي موسى بعد أن ذكر ذلك إن خيل إليه إله أنه قد أحدث وهو في الصلاة لم يلتفت إليه ولم يخرج من الصلاة وإن خيل إليه ذلك وهو في غير الصلاة فالأحوط له أن يتوضأ ويصلي وهو كما قال فإنا وإن جوزنا له البناء على يقين الطهارة فإن الأفضل له أن يتطهر لما تردد لأن في ذلك خروجا من اختلاف العلماء فإن منهم من لا يجوز له الدخول في الصلاة بطهارة مشكوكة ولأن التجديد مع اليقين مستحب فمع الشك أولى ولأن عدم الطهارة فيها ريب وشبهة وليس في الاحتياط فيها مشقة ولا فتح لباب الوسوسة فكان الاحتياط لها أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لايريبك وقوله فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه بخلاف الشك العارض في الصلاة فرن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الخروج من أجله ولأن فيه إبطالا للصلاة بالريب والشبهة ومطاوعة الشيطان في ذلك فلذلك نهي عنه وقياس المذهب أن قطع الصلاة المفروضة لذلك محرم لأجل نهي النبي صلى الله عليه وسلم ولأن إبطال الفرض بعد الشروع فيه غير جائز

فصل

فإن تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما فهو على قسمين أحدهما إن تيقن أنه كان متطهرا أو أنه كان محدثا فيبني على خلاف حاله قبلهما إن كان متطهرا فهو محدث وإن كان محدثا فهو متطهر لأن الحال قبلهما إن كان طهارة مثلا فقد تيقن أنه وجد بعدها حدث وطهارة فزالت تلك الطهارة بيقين والطهارة الثانية يجوز أن تكون هي الأولى دامت واستمرت ويجوز أن تكون حدثت بعد الحدث والحدث متيقن فلا يزول بالشك

الثاني يتيقن أنه تطهر عن حدث وأنه أحدث بعد طهارة فإن كان قبل هاتين الحالتين متطهرا فهو الآن متطهر وإن كان محدثا فهو الآن محدث لأن الطهارة السابقة قد وجد بعدها حدث ناقض وذلك الحدث وجد بعد طهارة رافعة والأفضل بقاؤها فأما إن تيقن أنه تطهر وأنه أحدث لكن لا يدري هل كانت الطهارة بعد طهارة أو بعد حدث وذلك الحدث هل كان بعد طهارة أو بعد حدث فهذا كالقسم الأول يكون على خلاف حاله قبلهما ولو تيقن أنه ابتدأ الطهارة عن حدث وأنه كان أحدث ولايدري أفعل ذلك وهو محدث أو هو طاهر فهنا هو طاهر بكل حال وكذلك لو تيقن أنه أحدث عن طهارة وأنه توضأ لايدري أتجديدا أم رفعا فهو محدث بكل حال

باب الغسل[عدل]

الغسل مصدر غسل الثوب والبدن يغسله غسلا والغسل بالضم اسم مصدر اغتسل يغتسل اغتسالا ولهذا كان الغالب في استعمال غسل الميت وغسل الثوب الفتح لأنك تريد الفعل المتعدي وتقول غسل الجنابة وغسل الجمعة بالضم لأنك تريد الاغتسال وهو الفعل اللازم ولو فتحت على نية أنه يغسل بدنه للجنابة والجمعة حسن أيضا والغسل بالضم أيضا الماء الذي يغتسل به والغسل بالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه

والاغسال على قسمين واجبة ومستحبه

فالواجبة أربعة أنواع ولها ستة أسباب غسل الجنابة وغسل الحيض وغسل الميت وغسل الإسلام في المنصوص فأما غسل الحيض وغسل الميت فيذكران في بابهما

وأما الكافر إذا أسلم فإنه يجب عليه الغسل سواء كان أصليا أو مرتدا وسواء أجنب أو لم يجنب وسواء اغتسل قبل الإسلام من الجنابة أو عند إرادة الإسلام أو لم يغتسل هذا منصوص الإمام أحمد وقول عامة أصحابه

وذكره أبو بكر في التنبيه وقال في غير التنبيه ولايجب الغسل عليه بل يستحب إلا أن يكون أصابته جنابة أو حيض في حال كفره فيحب أن يغتسل غسل الجنابة والحيض إذا أسلم سواء كان قد اغتسل في حال كفره أولا وسواء أوجبناه على المرأة الذمية أن تغتسل من الحيض لزوجها أم لا لأن الخلق الكثير أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاد إلى الإسلام من إرتد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فلو أوجب الإسلام غسلا لنقل ذلك نقلا متواترا ولأن الإسلام أحد التوبتين فلم يوجب غسلا كالتوبة من المعاصي ولنا ما روى قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر رواه أحمد وأبو داود والسنائي والترمذي وقال حديث حسن

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن ثمامة بن أثال أسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذهبوا إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل رواه أحمد وقال كان ذلك مشهورا بينهم ولهذا لما أراد سعد بن زراره كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر قالا نغتسل ونشهد شهادة الحق وإنما نقل الآحاد كما نقل غسل الحيض والنفاس الآحاد وذلك كاف ثم لعل النقل ترك حين انتشر الإسلام وقبل دخول الخلق الكثير جملة واحدة والموجب هو الكفر السابق بشرط الإسلام كما أن الموجب هو خروج دم الحيض بشرط الانقطاع لأن الكافر شر من الجنب في كثير من الأحكام وقد علل بعض أصحابنا بأن الكافر إذا أسلم لايخلو غالبا من جنابة سابقة وغسله في حال كفره لايصح وكونه غير مخاطب بالغسل إذ ذاك لايمنع ثبوت انعقاد سببه كنواقض الوضوء في حق الصبي والمجنون والكافر ويستحب له أن يغتسل بماء وسدر كما في الحديث وكما يستحب غسل الميت والحائض وقيل يجب ذلك لظاهر الأمر به وقال أحمد إذا أسلم يغسل ثيابه ويغتسل ويتطهر بماء وسدر لأن ثيابه مظنة ملاقاة النجاسة فاستحت تطهيرها ويستحب حلق شعره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أسلم فقال له ألق وفي لفظ أحلق عنك شعر الكفر واختتن رواه أبو داود

وإذا أجنب الكافرثم أسلم لم يجب علسه سواء غسل الإسلام علي المشهور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أمر أحدا من الكفار بغسل الجنابة مع كثرة من أسلم من البالغين المتزوجحين ولأنه قد وجب عليه الغسل بالكفر الذي هو مظنة الجنابة وغيرها فلم يجب عليه بالحقيقة غسل آخر كالنوم مع الحدث والوطء مع الإنزال وعلى قول أبي بكر يجب الغسل كما تقدم

وأما غسل الجنابة فهو قسمان كما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى

مسألة والموجب له شيئان خروج المني وهو الماء الدافق والتقاء الختانين

والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } إلى قوله تعالى { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا }

وقوله تعالى { وإن كنتم جنبا فاطهروا } إلى قوله تعالى { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا }

يقال رجل جنب ورجلان جنبان ورجال جنب وربما قيل أجناب وجنبون واللغة المشهورة أجنب ويقال جنب يقال سمي بذلك لأن الماء جانب محله ويقال لأنه يجتنب الصلاة ومواضعها وما أشبهها من العبادات وتجتنبه الملائكة والجنب اسم يجمع المنزل الماء والواطىء أيضا والسنة فسرت ذلك أما الأول فقد تقدم حديث علي في المذي الوضوء وفي المني الغسل وعن أم سلمة قالت جاءت أم سليم أمرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال نعم إذا رأت الماء متفق عليه وسواء خرج المني من يقظة أو نوم عن تفكر أو نظر أو مس أو غير ذلك

وهذا من العلم العام الذي استفاضت به السنن واجتمعت عليه الأمة والمني هو الماء الدافق إذا خرج بشهوة وماء الرجل أبيض غليظ يشبه رائحة طلع النخل ورائحة العجين ومني المرأة أصفر رقيق فإن خرج بغير دفق وشهوة مثل أن يخرج لمرض أو إبرادة فلا غسل فيه في المسهور من نصه ومذهبه لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنت رجلا مذاء فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا حذفت الماء فاغتسل من الجنابة وإذا لم تكن حاذفا فلا تغتسل رواه أحمد

وفي رواية لأحمد وأبي داود فإذا رأيت المذي فاعتبر الحذف والفضخ وهو خروجه بقوة وشدة وعجلة كما تخرج الحصاة من بين يدي الحاذف والنواة من بين مجرى الفاضح

وروى سعيد في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومجاهد وعطاء قالوا دخلت أم سليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله المرأة ترى في منامها كما يرى الرجل أفيجب عليها الغسل قال هل تجد شهوة قالت لعله قال وهل ترى بللا قالت لعله قال فلتغتسل وهذا تفسير ما جاء من العمومات مثل قوله الماء من الماء وقوله إذا رأت المني فلتغتسل وبين أنه ليس بمني لفساده واستحالته أو وإن كان منيا لكان لفساده خرج عن حكمه لأنه خارج يوجب الغسل فإذا تغير عن صفة الصحة والسلامة لم يوجب كدم الاستحاضة مع دم الحيض وذكر القاضي في الجامع رواية ثانية له يوجب الغسل على أي صفة خرج بشهوة أو بغير شهوة للعمومات فيه وأخذها من نصه على أن من جامع ثم اغتسل ثم أنزل فعليه الغسل مع أن ظاهر حاله أنه يخرج بغير شهوة

فصل

إذا احتلم ولم ير الماء فلا غسل عليه وإن استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل وإن استيقظ فرأى بللا لا يعلم مني هو أم مذي فإن ذكر احتلاما لزمه الغسل سواء تقدم نومه بفكر أو مسيس أم لا لأن هناك سببا قريبا يضاف الحكم إليه وإن لم يذكر احتلاما لزمه أيضا الغسل إلا أن يتقدمه بفكر أو نظر أو لمس أو تكون به إبرادة فلا غسل عليه وعنه ما يدل على أن لا غسل عليه مطلقا لأنه يجوز أن يكون منيا وأن يكون مذيا وهو طاهر بيقين فلا تزول طهارته بالشك

والصحيح الأول لما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل قال لا غسل عليه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة واحتج به أحمد ولأن هذا الماء لا بد لخروجه من سبب وليس هناك سبب ظاهر إلا الاحتلام والماء الذي يخرج بالاحتلام في الغالب إنما هو المني فالحقت هذه الصورة المجهولة بالأعم الأغلب ولهذا إذا كان هناك سبب ظاهر يضاف إيه مثل لمس أو تفكير أو إبردة أضفناه إليه وجعلناه مذيا لأن الأصل عدم ما سواه ومن رأى في ثوبه الذي لا ينام فيه غيره منيا لزمه الغسل ويعيد ما صلى بعد آخر نومة نامها فيه إلا أن يعلم أنه قبلها فيعيد من آخر نومة يمكن أنه منها وإن كان الرائي لذلك صبيا لزمه الغسل إن كان سنه ممن يمكن البلوغ وهو استكمال ثنتي عشرة سنة أو عشر سنين أو تسع سنين على اختلاف الوجوه الثلاثة فأما إن وجد اثنان منيا في ثوب ناما فيه فلا غسل على واحد منهما في المشهور وكذلك كل اثنين تيقن الحدث من أحدهما لا بعينه لأن كل واحد منهما مكلف باعتبار نفسه ولم يتحقق زوال طهارته كما لو قال أحدهما إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا فزوجتي طالق وطار ولم يعلم ما هو كن لا يأثم أحدهما صاحبه وعنه تلزمهما جميعا الطهارة لأنهما تيقنا حدث أحدهما وليس في أمرهما بالغسل كثير مشقة فإن أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك ذكره فلم يخرج وجب الغسل في المشهور من الروايتين

وفي الأخرى لا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حذفت وفضخت ولم يوجد ذلك ولأنه ما لم يخرج فهو في حكم الباطن فلم يجب بتنقله فيه طهارة كالريح المتنقلة من المعدة إلى قريب المخرج ووجه الأول أنه مني انعقد وأخذ في الدفق والخروج فأشبه ما لو خرج من الاقلف المرتتق إلى ما بين القلفة والحشفة كالمرأة إذا أنزلت ولم يخرج إلى ظاهر فرجها ولأن الانتقال مظنة الإنزا والخروج فأوجب الغسل كالتقاء الختانين وأولى منه لأن الانتقال لا يتخلف عنه الخروج بل لا بد أن يخرج بل ولا يعود إلى محله ومعنى الحديث إذا أخذت في الحذف والفضخ لأنه إذا ظهر بعد ذلك وجب الغسل إجماعا ولا حذف ولا فضخ هذا يخالف الريح المترددة فإنه لا بد من ظهوره بخلاف الريح فإنها قد تعود إلى محلها فإن قلنا لا يجب الغسل فإذا خرج لزمه الغسل سواء كان قد اغتسل أو لم يغتسل قبل البول أو بعده لأنه مني انتقل بشهوة وخرج فلا بد أن يوجب الغسل كما لو خرج عقيب الانتقال بخلاف الذي ينتقل بلا شهوة وإذا قلنا يجب الغسل فاغتسل ثم خرج منه فهو كما لو اغتسل لمني خرج بعضه ثم خرج باقيه والمشهور عنه أنه لا يوجب غسلا ثانيا حتى أن من أصحابنا من يجعله رواية واحدة لما روى سعيد عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يخرج منه المني بعد الغسل قال يتوضأ وكذلك ذكره الإمام أحمد عن علي ولأنه مني واحد فلا يوجب غسلين كما لو ظهر ولأن الموجب هو المني المقترن بالشهوة وهو واحد ولأن الثاني خارج عن غير شهوة فأشبه ما لو خرج لإبردة أو مرض وهذا تعليل الإمام أحمد فقال لا غسل فيه لأن الشهوة ماضية وإنما هو حدث ليس بجناية أرجو أن يجزئه الوضوء لأنه خارج من السبيل وعنه أنه يوجب الغسل ثانيا لأنه مني انتقل لشهوة فأوجب الغسل كالأول وكما لو خرج عقيب انتقاله وعنه إن خرج قبل البول اغتسل وإن خرج بعده لم يغتسل لأن ذلك يروى عن علي وقد ضعفه الإمام أحمد ولأن ما قبل البول هو بقية المني الأول وقد انتقل بشهوة وما بعد البول يجوز أن يكون بقية الأول ويجوز أن يكون غيره خرج لإبردة أو مرض وهو الأظهر لأن البول يدفع بقايا المني لأن مخرج المني تحت مخرج البول وبينهما حاجز رقيق فينعصر مخرج المني تحت مخرج البول فيخرج ما فيه والوجوب لا يثبت بالشك وعلى هذا التعليل فلا يصح مخرج هذه الرواية إلى المنتقل فإنه لا بد من خروجه قبل البول أو بعده ويمكن تعليله بأن ما خرج قبل البول يكون انتقاله إلى الذكر بدفق وشهوة كالخارج إلى باطن القلفة بخلاف ما لم يخرج إلا بعد البول فإنه حين انتقل إلى الذكر كان بغير شهوة فأشبه الخارج عن إبردة أو مرض وقد روى عنه عكس هذه الرواية لأن ما بعد البول مني جديد بخلاف ما قبله فإنه بقية الأول فأما إن وجد سبب الخروج ولم يخرج فقسمان

أحدهما أنه يحتلم ثم ينزل بعد الانتباه فيجب عليه الغسل نص عليه لكن إن خرج لشهوة وجب حينئذ وإن خرج بغير شهوة ثبتنا وجوبه حين الاحتلام على المشهور لأنه حينئذ انتقل بعد الانتباه وسكون الشهوة وقبل الخروج كان جانبا ولم يعلم وعلى قولنا لا يجب إلا بالخروج يكون جنبا من حين خروجه والثاني أن يجامع ولا ينزل فيغتسل ثم ينزل بعد ذلك فيجب عليه الغسل نص عليه وهو على الطريقة المشهورة لأصحابنا محمول على ما إذا وجدت شهوة بعد الوطء حين الأنزال أو قبله فيكون المنى قد انتقل بها وشهوة الجماع قصرت عنه فأما إذا لم تتجدد شهوة فهو كالمني المنتقل إذا خرج بعد انتقاله على ما تقدم وتحقيق هذه الطريقة أنه قد نص في رواية أخرى في هذه أنه إن خرج قبل البول يغتسل وإلا فلا وهذا يبين أنه لا فرق عنده في المني الخارج بعد الغسل بين أن يكون جماع أو بعد إنزال وكلامه في هذه المواضع وتعليله يقتضي ذلك وهو قول جمهور أصحابنا ومنهم من أوجبه مطلقا فعلى هذا ينبغي أن يقال بتكرر الوجوب فيما إذا خرج بعد انتقاله أو بعد وطئه لأنه منى تام قد خرج وانتقل بشهوة دون ما إذا خرج بعضه ثم خرجت بقيته حيث كان الثاني جزاء من الأول وعلى هذا يكون كل واحد من الانتقال والخروج سببا كما أن كل واحد من الوطء والانزال سبب ويمكن على هذا أن يقال في المني الخارج بعد الانتباه هو الموجب لأنه لم يحبس بخلاف من أمسك ذكره فأما الوضوء من الخارج في جميع هذه الصور فلا بد منه لأنه خارج من السبيل

فصل

وأما التقاء الختانين فيوجب الغسل وهو كالإجماع لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل متفق عليه ولمسلم وإن لم ينزل وعن أبي موسى الأشعري قال اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء وقال المهاجرون بل إذا خالط فقد وجب الغسل قال فقلت أنا أشفيكم فقمت فأستأذنت على عائشة فأذنت لي فقلت لها إني أريد أن أسألك عن شيء وإني استحييك فقالت لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك قلت فما يوجب الغسل قالت عى الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أجلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختانان فقد وجب الغسل رواه أحمد ومسلم يعني رجليها وشفريها

وما روى من الرخصة في ذلك مثل ما رواه زيد بن خالد أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال أرأيت إذا جامع الرجل أمرأته فلم يمن فقال عثمان رضي الله عنه يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره وقال عثمان سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه والزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك متفق عليه

وهذا لفظ البخاري فإنه منسوخ قال أبي بن كعب إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها في أول الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعدها رواه أحمد وأبو داود والترمذي ولفظه إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها قال الترمذي حديث حسن صحيح وعن محمود بن لبيد أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل ولا ينزل قال يغتسل قال قلت فإن أبي بن كعب كان يقول غسل عليه قال زيد إن أبيا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت رواه أحمد

وحكاه أحمد عن عثمان والصحابة المسمين معه العود إلى القول بالغسل وعن الزهري قال سألت عروة عن الذي يجامع ولا ينزل فقال حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولا يغتسل وذلك قبل فتح مكة ثم اغتسل بعد ذلك وأمر الناس بالغسل رواه الدارقطني ومعنى التقاء الختانين تغيب الحشفة في الفرج سواء كانا مختونين أو ا وذلك يحصل بتحاذي الختانين لأن ختان المرأة في الجلدة التي في أعلى الفرج كعرف الديك ومحل الوطء هو مخرج الحيض والمني والولد في أسفل الفرج فإذا غابت الحشفة فيه تحاذى الختانان فيقال التقيا ولو التزق الختان بالختان من غير إيلاج فلا غسل وكذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وكنى عن تغييب الحشفة بمس الختان الختان لأنه يحصل معه غالبا ولو غيب الحشفة من وراء حائل وجب الغسل في أحد الوجهين وإذا قطع ذكره فأولج من الباقي بمقدار الحشفة وجب الغسل وتعلقت به أحكام الوطء من التحليل والمهر وغير ذلك وإلا فلا فأما الخصي إذا جامع فقال أحمد في خصي ومجبوب جامع أمرأته لا غسل عليه لأنه قد ذهب قضيبه فإن أنزل فعليه الغسل وقال أيضا إذا كان له ما يصل به وجب عليه الغسل وإلا إذا أنزل قيل أمرأته قال إذا أنزلت قال أصحابنا إذا كان قد بقي من ذكره ما يصل به إلى المرأة وهو مقدار الحشفة وجب عليه الغسل وعليها بإيلاجه وإلا لم يجب إلا بالإنزال للماء وإن لم يلزمها يخلق منه الإنسان وسواء أولج في فرج ذكر أو أنثى في حيوان ناطق أو بهيمة حي أو ميت سواء في ذلك الفاعل والمفعول به لأنه وطء في فرج أصل فأشبه فرج المرأة ولأنه مظنة الإنزال وإن لم يكن يشتهى في الغالب لأن الإقدام على ما لا يشتهى غالبا دليل على قوة الشهوة وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر ميت أو بهيمة وسواء في ذلك اليقظان والنائم والطائع والمكره لأن موجبات الطهارة لا يعتبر فيها القصد بدليل احتلام النائم وسبق الحدث ولا بد أن يكون الفرج أصليا فلو وطأ الخنثى المشكل أو وطىء في قبله فلا غسل عليهما لاحتمال أن يكون أولج بخلقة زائدة أو أولج في خلقة رائدة منه وكذلك لو أولج كل واحد من الخنثيين ذكره في قبل الآخر لكن لو وطأ ووطىء في قبله لزمه الغسل ولزم أحد الأخرين لا بعينه كما تقدم في مس الذكر ويجب الغسل على الصغير إذا جامع والصغيرة إذا جومعت بمعنى أنه لايبقى جنبا نص عليه وأنكر قول من لم يوجبه وفسره القاضي وجماعة من أصحابنا بتوقف مجزىء العبادات عليه ووجوبه إذا بلغ يوجب الغسل كما يوجب العدة ثم الصغيرة مثل الكبيرة في إيجاب العدة فكذلك في إيجاب الغسل ولأنا نوجب أمرها بالصلاة فكذلك أمرها بالاغتسال فإنه من لوازمه ويجب الغسل من الإيلاج على العالم والجاهل فلو مكث زمانا لا يغتسل من الوطء ولم يعلم أن الغسل عليه فإنه يحتاط في الصلاة فيعيد حتى يتيقن براءة ذمته نص عليه لأن هذا مما استفاضت به الآثار فلم يعذر به الجاهل ولم يسغ فيه الخلاف نص عليه بخلاف ما قلناه في لحوم الإبل على إحدى الروايتين فإن تلك السنة ليست في الشهرة كهذه وقد قيل إنما قال هذا في العامي الذي لم يقلد ونصه بخلاف هذا وإنما وجب إعادة كل صلاة إذا شك في طهارتها لأنه قد تيقن الوجوب وشك في الأداء المجزىء فلا يجوز تمكنه من الصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن ويجب الغسل إذا بلغ ولم يكن اغتسل ويغسل إذا مات شهيدا ولا خلاف في هذا كله

فصل

فأما الأغتسال المستحبة فهي نوعان

أحدهما ما يقصد به النظافة لأجل اجتماع الناس في الصلاة المشروع لها الاجتماع العام في مجامع المناسك وهو غسل الجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء والاغتسال للإحرام ولدخول مكة والمدينة وللوقوف بعرفه والمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار كل يوم وللطواف بالبيت وهذه تذكر إن شاء الله تعالى في موضعها

النوع الثاني ما يشرع لأسباب ماضية وهو غسل المستحاضة لكل صلاة والغسل من غسل الميت وغسل المجنون والمغمى عليه إذا أفاق من غير احتلام والغسل من الحجامة

فأما المستحاضة فيذكر في موضعه وأما الاغتسال من غسل الميت فهو مستحب في المشهور وقال القاضي في الجامع الكبير وابن عقيل لا يجب ولا يستحب من غسل المسلم لأن الحديث لا يثبت فيه فظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك وعنه أنه يجب من غسل الميت الكافر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا أن يواري أبا طالب فواراه فلما رجع قال اغتسل رواه أحمد وغيره

وقد ذكرنا في نواقض الوضوء قوله ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه فإنه ليس بنحس وروي عن ابن مسعود أنه سئل عن الذي يغسل الميت أيغتسل قال وإن كان صاحبكم نجسا وفاغتسلوا منه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الذي يغسل الميت أيغتسل فقال أنجس هو وعن عائشة قالت أأنجاس موتاكم رواهن سعيد فموجب هذا التعليل وجوبه من الكافر لأنه نجس بالموت ولا يطهر بالغسل فعلى هذا يجب الغسل على الحي من غسل الكافر قاله القاضي وقال ابن عقيل لا يجب الأول اختيار أصحابنا لما روى ابن إسحاق قال وقد كنت حفظت من كثير من علمائنا بالمدينة أن محمد بن عمرو بن حزم كان يروي عن المغيرة بن شعبة أحاديث منها أنه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من غسل ميتا فليغتسل رواه أحمد

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وإسناده شرط مسلم وروي من وجوه أخرى قال أبو حفص أي ما شرع لأسباب ماضية وهو من أراد حمله يتوضأ يعني للصلاة عليه وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يغتسل من أربع من الجمعة والجنابة والحجامة وغسل الميت رواه أحمد وأبو داود ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل وهو شرط مسلم وتضعيف الإمام أحمد وغيره لبعض هذه الأحاديث إما لأنه لم يبلغهم حين التضعيف إلا من وجوه ضعيفه أو بناء على قاعدة الحديث دون ما يحتج به الفقهاء كما تقدم وذهب أبو إسحاق الجوزجاني إلى وجوبه لما ذكرنا وهو معدود من أصحاب أحمد والمذهب أن الأمر فيه على الاستحباب لما تقدم عن الصحابة هنا وفي مسألة نقض الوضوء به ولأنه لو كان واجبا مع كثرة وقوعه لنقل نقلا عاما ولم يخف على أكابر الصحابة مع أن عائشة هي ممن يروى الاغتسال منه وتفتي بعدم وجوبه وكذلك الأمر في حديث علي المتقدم هو استحباب لا سيما والروايات الصحيحة أنه أمره لمواراته دون تغسيله وتعليلهم بعدم النجاسة يفيد غسل ما يصيب الغاسل منه لو كان نجسا دون بقية البدن وأما الاغتسال من الحجامة فمستحب في إحدى الروايتين لما تقدم ولفعل علي وفي الأخرى لا يستحب واختارها القاضي وغيره لأن القياس لا يقتضيه كالرعاف والفصاد وحديثه مضعف

وأما اغتسال المجنون والمغمى عليه إذا فاقا فإن رأيا منيا وجب عليهما الاغتسال وإن لم يريا بللا أصلا ففي وجوب الاغتسال روايتان إحداهما يجب لما روت عائشة قالت ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصلي الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب قالت ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب قالت ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصلى الناس فقلنا ا هم ينتظرونك يا رسول الله وذكرت إرساله إلى أبي بكر متفق عليه والأصل في أفعاله الوجوب في إحدى الروايتين يؤكد ذلك في الاغتسال أنه أفتى السائل عن الإغتسال من التقاللاء الخانين بأن يفعل ذلك ويغتسل منه أفتى عامة الصحابة بقولها فعلت ذلك أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا لا سيما وقد تكرر ذلك منه مع مشقته عليه فلو لم يكن واجبا لتركه ولأنه مظنة للجنابة غالبا فأقيم مقام الحقيقة كالنوم مع الحدث والوطء مع الإنزال قال الإمام أحمد قل ما يكون الإغماء إلا أمنى وقال قل أن يصرع إلا احتلم بل هو أولى من ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه الاحتلام لأنه معصوم من الشيطان ومع هذا كان يغتسل وهذا يدل على أن الاغماء سبب للغسل مع قطع النظر عن كونه مظنة الإنزال ألا ترى أنه إذا كان محفوظا في منامه من الحدث كان ينام ثم يصلي ولا يتوضأ فإذا وجب الوضوء على الأمة مع أنه لم يكن يفعله فوجوب الاغتسال الذي فعله أولى والرواية الثانية لا يجب بل يستحب لأنه زوال عقل فلم يوجب الاغتسال كالنوم ولأن الحقيقة هنا أمكن اعتبارها فإن المني يبقى في ثوبه وبدنه بخلاف الحدث في النوم فإنه لا يعلم وعلى هذه الرواية لو وجد ولم يتيقنه منيا فقيل لا يجب الغسل أيضا بخلاف النوم لأنه يمكن أن يكون من المرض المزيل للعقل وقيل يجب كالنوم لأن هذا يشرع له الاغتسال بكل حال بخلاف النائم فوجوب الاغتسال عليه يجب على النائم أولى ولهذا لو رأى المريض غير المبرود بللا حكمنا بأنه مني بخلاف صاحب الإبردة والله أعلم

مسألة والواجب فيه النية وتعميم بدنه بالغسل مع المضمضة والاستنشاق أما النية فقد تقدم دليل وجوبها والنية المجزئة أن يقصد رفع حدث النجاسة والاغتسال لما يشترط له ذلك كما قلنا في الوضوء فإن توضأ أو اغتسل بنية الطهارة مسنونة مثل أن ينوي تجديد الوضوء أو الوضوء لقراءة القرآن أو لذكر الله أو للنوم أو للجلوس في المسجد أو يغتسل غسل الجمعة ونحوها من اغسال الصلوات والمناسك ففيه روايتان إحداهما يجزئه كما لو تطهر لصلاة نافلة أو مس المصحف

والثانية لا يجزئه عن الواجب لأنه لا يقصد الطهارة الواجبة ولا ما وجبت له الطهارة فلم يجزئه كما لو تطهر لزيارة الصديق وقال أبو حفص العكبري وغيره إن نوى الطهارة لم يشرع له رفع الحدث كقراءة القرآن واللبث في المسجد أجزأه وإن نوى ما لا يشرع معه رفع الحدث كالتجديد وغسل الجمعة لم يجزئه

فصل

وأما تعميم بدنه بالماء أن يغسل الظاهر جميعه وما في حكمه من الباطن وهو ما يمكن إيصال الماء إليه من غير ضرر وهو ما يسن إيصال الماء إليه في الوضوء أو يغسل من النجاسة كالبشرة التي تحت الشعور الكثيفة مثل شعر الرأس واللحية ومواضع المبالغة من باطن الفم والأنف هكذا ذكر بعض أصحابنا وآخرون أوجبوا هنا ما يجب في الوضوء لأن الصائم ينهى عن المبالغة فإن بالغ دخل في المنهى وإن لم يبالغ لزم الإخلال بواجب في الغسل ولأن الصائم المتطوع لا يبالغ ولو كان واجبا لما سقط بالتطوع وهذه طريقة أبي حفص في الوضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة احتج به الإمام أحمد في رواية حنبل وعن علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ترك موضع شعره من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار قال علي فمن ثم عاديت شعري رواه أحمد وأبو داود ولأنها طهارة تتعلق بجميع البدن فتعلقت بكل ما يمكن كطهارة الجنب وعلى هذا يجب غسل حشفة الأقلف المنفتق إذا أمكن تشمير القلفة كما يجب تطهيرها من النجاسة بخلاف المرتتق فأما باطن فرج المرأة فنص أحمد لأنه لا يجب غسله من جناية ولا نجاسة وأقر النص على ظاهره طائفة من أصحابنا لأنه من الباطن فاشبه الحلقوم وكذلك ثبت الفطر بحصول الحشفة فيه وقال القاضي وغيره يجب غسله فيهما لأنه يمكن تطهيره من غير ضرر كحشفة الأقلف وحمل كلام أحمد على ما عمق من فرجها بحيث لا يصل الماء إليه إلا بمشقة وإذا كان على يديه أو على أعضاء الوضوء نجاسة ارتفع الحدث قبل زوالها عند ابن عقيل لأن الماء ما لم ينفصل باق على طهوريته فكذلك أثر في إزالة النجاسة فأشبه تغيره بالطاهرات وقال الأكثرون لا يرتفع الحدث الا مع طهارة المحل لأن ما قبل ذلك من الماء لاقى النجاسة وانفصل نجسا فلا يكون رافعا للحدث كغيره من المياه النجسة

مسألة وتسن التسمية وأن يدلك بدنه بيديه ويفعل كما روت ميمونة قالت سترت التبي صلى الله عليه وسلم فاغتسل من الجنابة فبدأ فغسل يديه ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه ثم ضرب بيده على الحائط أو الأرض ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم أفاض الماء على بدنه ثم تنحى فغسل رجليه

أما التسمية فقال أصحابنا هي كالتسمية في الوضوء على ما مضى وأما دلك البدن في الغسل ودلك أعضاء الوضوء فيه فيجب إذا لم يعلم وصول الطهور إلى محله بدونه مثل باطن الشعور الكثيفة وإن وصل الطهور بدونها فهو مستحب لأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك وعن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض قال تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلك دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة مسكة فتطهر بها قالت أسماء وكيف أتطهر بها فقال سبحان الله تطهرين بها فقالت عائشة رضي الله عنها تتبعين بها أثر الدم وسألته عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء رواه أحمد ومسلم

ولأن بالتدليك يحصل الإنقاء ويتيقن التعميم الواجب فشرع كتخليل الأصابع في الوضوء ولا يجب الدلك وإمرار اليد في الغسل بخلاف أحد الوجهين في الوضوء لقوله في حديث أم سلمة إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين وكذلك ذكر لا سيما افاضة الماء على سائر الجسد ولم يذكر الدلك وإنما ذكره في الشعر لأنه به يحصل وصول الماء إلى البشرة

وقال جبير بن مطعم تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما أنا فأخذ ملء كفي ثلاثا فأصب على رأسي ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي رواه أحمد والبخاري ومسلم ولو كان الدلك واجبا لذكره ليتبين الواجب وأما الحديث الذي ذكره فهو من المتفق عليه عن ميمونة قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده بالأرض ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثا ثم أفرغ على جسده ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه

وعن عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شمال فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حثى على رأسه ثلاث حثيات ثم أفاض الماء على سائر جسده ثم غسل رجليه متفق عليه

ولمسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل كفيه ثلاثا وللبخاري يخلل بيده شعره حتى إذا رأى أن قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه متفق عليه

وجملة ذلك أن الغسل قسمان كامل ومجزىء فالمجزء هو ما تقدم وأما الكالم فهو اغتسال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل على إحدى عشرة خصلة

أولها النية

وثانيهما التسمية

وثالثهما أن يبدأ بغسل يديه ثلاثا كما في الوضوء وأوكد لأن هنا يرتفع الحدث عنهما بذلك

ورابعهما أن يغسل فرجه ويدلك يده بعده لمعنيين

أحدهما أن يزيل ما به من أذى وكذلك إن كان على يديه نجاسة أزالها قبل الاغتسال لئلا تماع بالماء ولئلا يتوقف ارتفاع الحدث على زوالها في المشهور

والثاني أنه إذا أخر غسل الفرج فإن مس انتفض وضوؤه وإن لم يمسه أخل بسنه الدلك وربما لا يتيقن وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك وكذلك لا يستحب له إعادة الوضوء بعد الغسل إلا أن يكون قد مس ذكره

وخامسها أن يتوضأ ولا يكمل الاغتسال إلا بالوضوء سواء نوى رفع الحدثين أو لم ينو لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولما روى سعيد بن منصور في سننه أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال توضأ وضوءك للصلاة ثم اغسل رأسك ثلاثا ثم أفض عى رأسك وسائر جسدك

ولأنه غسل يسن فيه تقديم مواضع الوضوء كغسل الميت وهذا لأن أعضاء الوضوء أولى بالطهارة من غيرها بدليل وجوب تطهيرها في الطهارتين فإذا فاتها التخصيص فلا أقل من التقديم ولذلك كان وضوء الجنب مؤثرا في نومه وأكله وجماعه وجلوسه في المسجد

وهو مخير بين أن يتوضأ وضوءا كاملا كما في حديث عائشة أو يؤخر غسل رجليه كما في حديث ميمونة وعى هذا الوجه يكفي إفاضة الماء على رأسه ودلكه من مسحه لأن ذلك كان في الوضوء ولذلك في الغسل الأفضل صفة عائشة في إحدى الروايات وإن احتيج إلى غسلهما ثانيا لكونه بمستنقع يقف الماء فيه أو غير ذلك لأن عائشة أخببرت انه كان يتوضأ كذلك وهذا إخبار عن غالب فعله وميمونة اخبرت عن غسل واحد ولأن في حديث عمر الأمر بذلك ولأنهما من أعضاء الوضوء فأشبها الوجه واليدين ولأنه غسل تقدم فيه الوضوء جميعه كغسل الميت وعنه أن صفة ميمونة أولى لأن غسالة البدن تنصب إليها فتنديهما وتلوثهما فتعين على غسلهما ولا يحتاج إلى إعادته ثانيا ويكون أقل في اراقة الماء ولذلك بدأ بأعالي البدن قبل أسافله والثالثة هما سواء لمجيء السنة بهما

وسادسها أن يخلل أصول الشعر رأسه ولحيته بالماء قبل إفاضة الماء في حديث عائشة لأنه إذا فعل ذلك فإنه ينقي البشرة ويبل الشعر بماء يسير بعد ذلك من غير معالجة

وسابعها أن يفيض على رأسه ثلاثا حثية على شقه الأيمن وحثية على شقة الأيسر وحثية على الوسط

وثامنها أن يفيض الماء على سائر جسده ثلاثا هكذا قال أصحابنا قياسا على الرأس وإن لم ينص عليه في الحديث وهو محل نظر

وتاسعها أن يبدأ بشقه الأيمن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في طهوره

وعاشرها أن يدلك بدنه بيديه كما تقدم

وحادي عشرها أن ينتقل من مكانه فيغسل قدميه كما في حديث ميمونة وإذا توضأ أولا لم يجب أن يغسل أعضاء الوضوء مرة ثانية في أثناء الغسل بل الواجب عليه غسل بقية البدن لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتمضمض ويستنشق إلا في ضمن الوضوء ولذلك غسل الوجه واليدين لم يذكر أنه فعله إلا في ضمن وضوئه وهذا على قولنا يرتفع الحدثان بالاغتسال ظاهر وأما على قولنا لا بد من الوضوء فكذلك على معنى ما ذكره أحمد وغيره لأن المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين مرة في الوضوء ومرة في أثناء تمام الغسل غير واجب قطعا وكلام بعض أصحابنا يقتضي إيجاب ذلك على هذه الرواية وهو ضعيف وإن كان متوجها في القياس بل الصواب أنه لا يستحب على الروايتين

مسألة ولا يجب نقض الشعر في غسل الجنابة إذا روى أصوله أما ترويه أصول الشعر وإيصال الماء إلى بشرته فيجب كما تقدم وكذل