السيرة الحلبية/الجزء الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
السيرة الحلبية
الجزء الثاني
علي بن برهان الدين الحلبي

محتويات

باب استخفائه وأصحابه في دار الأرقم ابن أبي الأرقم رضي الله تعالى عنهما ودعائه إلى الإسلام جهرة وكلام قريش لأبي طالب في أن يخلي بينهم وبينه وما لقي هو وأصحابه من الأذى وإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى عنه

عن ابن اسحاق أن مدة ما أخفى أمره: أي المدة التي صار يدعو الناس فيها خفية بعد نزول {يا أيها المدثّر} ثلاث سنين: أي فكان من أسلم إذا أراد الصلاة يذهب إلى بعض الشعاب يستخفي بصلاته من المشركين: أي كما تقدم، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحى بعير فشجه، فهو أول دم أهريق في الإسلام، ثم دخل وأصحابه مستخفين في دار الأرقم: أي بعد هذه الواقعة، فإن جماعة أسلموا قبل دخوله دار الأرقم، ودار الأرقم هي المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا، اشتراها الخليفة المنصور وأعطاها ولده المهدي، ثم أعطاها المهدي للخيزران أم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد، ولا يعرف امرأة ولدت خليفتين إلا هذه، وولادة جارية عبد الملك بن مروان، فإنها (أم الوليد وسليمان).

وقد روت الخيزران عن زوجها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله «من اتقى الله وقاه كل شيء».

فكان وأصحابه يقيمون الصلاة بدار الأرقم، ويعبدون الله تعالى فيها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار الدين:

أي وهذا السياق يدل على أنه استمر مستخفيا هو وأصحابه في دار الأرقم إلى أن أظهر الدعوة، وأعلن في السنة الرابعة: أي وقيل مدة استخفائه أربع سنين وأعلن في الخامسة. وقيل أقاموا في تلك الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون. وقد يقال الإقامة شهرا مخصوصة بالعدد المذكور، فلا منافاة، وإعلانه كان في الرابعة أو الخامسة بقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} وبقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} أي أظهر ما تؤمر به من الشرائع، وادع إلى الله تعالى، ولا تبال بالمشركين، وخوّف بالعقوبة عشيرتك الأقربين وهم بنو هاشم وبنو المطلب: أي وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عبد المطلب بدليل ما يأتي. قال بعضهم: آية {فاصدع بما تؤمر} اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها.

وقال بعضهم: إنما أمر بالصدع لغلبة الرحمة عليه. قال: ذكر بعضهم أنه لما نزل عليه قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وضاق به ذرعا: أي عجز عن احتماله ( ) فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أنه شاك: أي مريض، فدخلن عليه عائدات، فقال: «ما اشتكيت شيئا لكن الله أمرني بقوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} فأريد أن أجمع بني عبد المطلب لأدعوهم إلى الله تعالى، قلن: فادعهم ولا تجعل عبد العزى فيهم، يعنين عمه أبا لهب، فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه، وخرجن من عنده: أي وكني عبد العزى بأبي لهب لجمال وجهه ونضارة لونه كأن وجهه وجبينه ووجنتيه لهب النار: أي خلافا لما زعمه بعضهم أن ولده عقير الأسد أو ولد آخر غيره كان اسمه لهبا.

قال في الإتقان: ليس في القرآن من الكنى غير أبي لهب ولم يذكر اسمه وهو عبد العزى أي الصنم، لأنه حرام شرعا، هذا كلامه وفيه أن الحرام وضع ذلك لا استعماله.

وفي كلام بعضهم ما يفيد أن الاستعمال حرام أيضا إلا أن يشتهر بذلك كما في الأوصاف المنقصة كالأعمش.

وفي كلام القاضي: وإنما كناه والكنية تكرمة أي بالعدول عن الاسم إليها لاشتهاره بكنيته، ولأن اسمه عبد العزى الذي هو الصنم فاستكره ذكره، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله في الآخرة، فهي كنية تفيد الذم.

فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر وفاسق ومبتدع إلا لخوف فتنة أو تعريف، لأن ذلك خاص بالكنية التي تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها.

قال: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا وكان فيهم أبو لهب، فلما أخبرهم بما أنزل الله عليه أسمعه ما يكره، قال: تبا لك، ألهذا جمعتنا: أي وأخذ حجرا ليرميه به، وقال له: ما رأيت أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بأشرّ ما جئتهم به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس انتهى.

أي وفي الإمتاع: أن أبا لهب ظن أنه يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون، فقال له هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك، فتكلم بما تريد واترك الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب طاقة، وإن أحق من أخذك وحبسك أسرتك وبنو أبيك إن أقمت على أمرك، فهو أيسر عليك من أن تتب عليك بطون قريش وتمدها العرب، فما رأيت يا بن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به، وعند ذلك أنزل الله تعالى {تبت} أي خسرت وهلكت {يدا أبي لهب وتب} أي خسر وهلك بجملته: أي والمراد بالأول جملته، عبر عنها باليدين مجازا، والمراد به الدعاء، وبالثاني الخبر على حد قولهم: أهلكه الله وقد هلك.

أي ولما قال أبو لهب عند نزول {تبت يدا أبي لهب وتب} إن كان ما يقوله محمد حقا افتديت منه بمالي وولدي نزل {ما أغنى عنه ماله وما كسب} أي وأولاده، لأن الولد من كسب أبيه: أي وفي رواية وهي في الصحيحين «أنه دعا قريشا فاجتمعوا، فخص وعم فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار: أي وفيه أنه إنما أمر بالإنذار لعشيرته الأقربين، ثم قال: يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني زهرة أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، يا صفية عمة محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا» وفي لفظ «لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا لا إله إلا الله: أي لا تبقوا على كفركم اتكالا على قرابتكم مني» فهو حث لهم على صالح الأعمال، وترك الاتكال «غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» أي أصلها بالدعاء: أي والبلال بالفتح كقطام ما يبل الحلق من الماء أو اللبن، وبل رحمه إذا وصلها، وبلوا أرحامكم: ندّوها بالصلة، وفي الحديث «بلو أرحامكم ولو بالسلام» أي صلوها: أي وقد ذكر أئمتنا ضابط الصلة.

وفي تخصيصه فاطمة من بين بناته مع أنها أصغرهن، وقيل أصغر بناته رقية. وتخصيصه صفية من بين عماته حكمة لا تخفى. ومن الغريب ما في الكشاف من زيادة «يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر».

وعندي أن ذكر عائشة وحفصة بل وفاطمة هنا من خلط بعض الرواة، وأن هذا ذكره بعد ذلك فذكره بعض الرواة هنا، فإن المراد بالإنقاذ من النار الإتيان بالإسلام، بدليل قوله: «إلى أن تقولوا لا إله إلا الله» مع أنه تقدم أن بناته عليه الصلاة والسلام لم يكن كفارا فليتأمل.

ثم مكث أياما ونزول عليه جبريل وأمره بإمضاء أمر الله تعالى، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا وخطبهم ثم قال لهم: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به؟ إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة » فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب، فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم، فقالت له أخته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها: أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضيء ـ أي أصل ـ عبد المطلب نبي فهو هو، قال: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش وقامت معها العرب فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم جميع قريش وهو قائم على الصفا، وقال: «إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح ـ بالنون والحاء المهملة ـ أي أصل، وفي لفظ: سفح بالفاء والحاء المهملة ـ هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد»، أي وفي لفظ «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف يا صباحاه يا صباحاه أتيتم أتيتم».

ومن أمثاله «أنا النذير العريان» أي الذي ظهر صدقه، من قولهم: عري الأمر، إذا ظهر، وقولهم: الحق عار: أي ظاهر، وقيل الذي جرده العدو فأقبل عريانا ينذر بالعدو، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل.

واختلفت الروايات في محل وقوفه. ففي رواية «وقف على الصفا» كما تقدم، وفي رواية «وقف على أضمة من جبل فعلا أعلاها حجرا يهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا محمد فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا» الحديث وفي رواية «صاح على أبي قبيس: يا آل عبد مناف إني نذير» وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون» وفي الإمتاع خمسة وأربعون رجلا وامرأتان، فصنع لهم عليّ طعاما: أي رجل شاة مع مدّ من البر وصاعا من لبن، فقدّمت لهم الجفنة، وقال كلوا بسم الله، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى نهلوا. وفي رواية «حتى رووا» وفي رواية «قال ادنوا عشرة عشرة فدنا القوم عشرة عشرة، ثم تناول القعب الذي فيه اللبن فجرع منه ثم ناولهم، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة » وفي رواية «يشرب العس من الشراب في مقعد واحد» فقهرهم ذلك، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بدره أو لهب بالكلام، فقال: لقد سحركم صاحبكم سحرا عظيما. وفي رواية: محمد، وفي رواية: ما رأينا كالسحر اليوم، فتفرقوا ولم يتكلم رسول الله، فلما كان الغد قال: «يا عليّ عد لنا بمثل ما صنعت بالأمس من الطعام والشراب، قال عليّ: ففعلت، ثم جمعتهم له فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا، ثم قال لهم: يا بني عبد المطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين} وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني ـ أي يعاونني ـ على القيام به؟ قال عليّ: أنا يا رسول الله، وأنا أحدثكم سنا وسكت القوم» زاد بعضهم في الرواية «يكن أخي ووزيرا وورثي وخليفتي من بعدي، فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ وقال أنا يا رسول الله، قال اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانيا فصمتوا، فقام عليّ وقال أنا يا رسول الله، فقال: اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثالثا فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ فقال: أنا يا رسول الله، فقال اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي».

قال الإمام أبو العباس بن تيمية أي في الزيادة المذكورة أنها كذب وحديث موضوع من له أدنى معرفة في الحديث يعلم ذلك، وقد رواه: أي الحديث مع زيادته المذكورة ابن جرير والبغوي بإسناد فيه أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه. وقال أحمد: إنه ليس بثقة، عامة أحاديثه بواطيل وقال ابن المديني: كان يضع الحديث، وفي رواية عن عليّ رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خديجة فصنعت له طعاما، ثم قال لي ادع لي بني عبد المطلب، فدعوت أربعين رجلا» الحديث، ولا مانع من تكرر فعل ذلك ويجوز أن يكون عليّ فعل ذلك عند خديجة وجاء به إلى بيت أبي طالب، ولعل جمعهم هذا كان متأخرا عن جمعهم مع غيرهم المتقدم ذكره ويشهد له السياق، فعل ذلك حرصا على إسلام أهل بيته، فلما دعا قومه ولم يردوا عليه ولم يجيبوه: أي وفي رواية: صار كفار قريش غير منكرين لما يقول فكان إذ مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه إن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء، وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم: أي وسفه عقولهم وضلل آباءهم: أي حتى أنه مر يوما وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: «يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إلى الله فأنزل الله تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فتناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم، وجاؤوا إلى أبي طالب وقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وعقولنا، ينسبنا إلى قلة العقل، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر دين الله ويدعو إليه لا يرده عن ذلك شيء، وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:

ثم قام النبي يدعو إلى الله ** وفي الكفر شدة وإباء

أمما أشربت قلوبهم الكفـ ** ـر فداء الضلال فيهم عياء

أي ثم قام يدعو جماعاتهم إلى الله تعالى بأن يقولوا لا إله إلا الله حسبما أمر، فقد جاء أن جبريل تبدى له في أحسن صورة وأطيب رائحة وقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أنت رسول الله إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله فدعاهم والحال أن في أهل الكفر قوة تامة وامتناعا عن اتباعه، اختلط الكفر بقلوبهم وتمكن فيها حبه حتى صارت لا تقبل غيره، وبسبب ذلك صار داء الضلال: أي داء هو الضلال فيهم عضال يعيي الأطباء مداواته وحصول شفائه، ثم شري الأمر ـ أي بالشين المعجمة وكسر الراء وفتح المثناة تحت ـ كثر وتزايد وانتشر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا: أي أضمروا العداوة والحقد وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وتذامروا عليه ـ بالذال المعجمة ـ وحض أي حث بعضهم بعضا عليه أي على حربه وعداوته ومقاطعته، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد طلبنا منك أن تنهي ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا: أي عقولنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه، فعظم علي بن أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بأن يخذل رسول الله، فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي حصلت له العبرة التي هي دمع العين فبكى، ثم قام»

فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك وأنشد أبياتا منها:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا وحكمة تخصيص الشمس والقمر بالذكر وجعل الشمس في اليمين والقمر في اليسار لا تخفى، لأن الشمس النير الأعظم واليمين أليق به، والقمر النير الممحو واليسار أليق به وخص النيرين حيث ضرب المثل بهما لأن الذي جاء به نور، قال تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره}.

ومن غريب التعبير أن رجلا كان عاملا لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فقال لسيدنا عمر: إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ومع كل واحد منهما نجوم فقال له عمر: مع أيهما كنت؟ قال مع القمر، قال: كنت مع الآية الممحوة، اذهب فلا تعمل لي عملا؟ فاتفق أن هذا الرجل كان مع معاوية يوم صفين وقتل ذلك اليوم.

فلما عرفت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالو له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد ـ أي أشد ـ وأقوى فتى في قريش وأحمله، فخذه لك ولدا: أي بأن تتبناه وأسلم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل، فقال لهم أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله لا يكون أبدا: أي وقال أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها ( ) قال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال له أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكن قد أجمعت: أي قصدت خذلاني ومظاهرة القوم: أي معاوتهم عليّ فاصنع ما بدا لك: أي وقد مات عمارة بن الوليد هذا على كفره بأرض الحبشة بعد أن سحر وتوحش وسار في البراري والقفار كما سيأتي. ومات المطعم بن عدي المذكور على كفره أيضا فعند عدم قبول أبي طالب ما أرادوه اشتد الأمر.

ولما رأى أبو طالب من قريش ما رأى دعا بني هاشم، وبني المطلب إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فأجابوه إلى ذلك، غير أبي لهب فكان من المجاهرين بالظلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من آمن به، وتوالى الأذى من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من أسلم معه.

فما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدث به عمه العباس رضي الله تعالى عنه قال: كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: لله عليّ إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ عنقه، فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط، وقرأ {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} حتى بلغ شأن أبي جهل {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} إلى أن بلغ آخر السورة سجد، فقال إنسان لأبي جهل يا أبا الحكم، هذا محمد قد سجد، فأقبل إليه ثم نكص راجعا، فقيل له في ذلك، فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى، لقد سد أفق السماء عليّ. وفي رواية: رأيت بيني وبينه خندقا من نار، وسيأتي أن قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} إلى آخر السورة نزل في أبي جهل.

ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: ذكر أن أبا جهل بن هشام قال يوما لقريش: يا معشر قريش إن محمدا قد أتى إلى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم وتسفيه أحلامكم وسب آبائكم إني أعاهد الله لأجل له يعني النبي صلى الله عليه وسلم غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا والله لا نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو إلى الصلاة: أي وكانت قبلته إلى الشام إلى صخرة بيت المقدس، فكان يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود ويجعل الكعبة بينه وبين الشام على ما تقدم، وقريش جلوس في أنديتهم وهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه: أي متغيرا بالصفرة مع الكدرة من الفزع وقد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده: أي بعد أن عالجوا فكه من يده فلم يقدروا كما سيأتي، وقامت إليه رجال من قريش وقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثله قط، همّ بي أن يأكلني، فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ذاك جبريل لودنا لأخذه» وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله:

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحـ ** ـل إليه كأنه العنقاء

أي وأبو جهل الذي هو أشد الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت أن همّ أن يلقي الحجر عليه وهو ساجد أبصر عنق الفحل وقد برزت إليه كأنه الداهية العظيمة: أي فرجع عن ذلك الرمي بذلك الحجر: أي وفي رواية أن أبا جهل قال: أتت بيني وبينه كخندق من نار. ولا مانع أن يكون وجد الأمرين معا.

وذكر في سبب نزول قوله تعالى: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} أي إنا جعلنا أيديهم متصلة بأعناقهم واصلة إلى أذقانهم ملصقة بها، رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها من أقمح البعير رفع رأسه {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} أن الآية الأولى نزلت في أبي جهل لما حمل الحجر ليرضخ به رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه أثبتت يداه إلى عنقه ولزق الحجر بيده فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم فلم يفكوا الحجر من يده إلا بعد تعب شديد. والآية الثانية نزلت في آخر لما رأى ما وقع لأبي جهل قال أنا ألقي هذا الحجر عليه، فذهب إليه، فلما قرب منه عمي بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إليهم فأخبرهم بذلك.

وعن الحكم بن أبي العاص: أي وابنه مروان بن الحكم، أن ابنته قالت له: ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا وأعجز في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم يا بني أمية، فقال لها: لا تلومينا يا بنية إني لا أحدثك إلا ما رأيت، لقد أجمعنا ليلة على اغتياله، فلما رأيناه يصلي ليلا جئنا خلفه فسمعنا صوتا ظننا أنه ما بقي بتهامة جبل إلا تفتت علينا: أي ظننا أنه يتفتت، وأنه يقع علينا، فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه فرأينا الصفا والمروة التصقتا إحداهما على الأخرى، فحالتا بينا وبينه، ويتأمل هذا لأن صلاته إنما تكون عند الكعبة وليست بين الصفا والمروة.

وفي رواية «كان يصلي فجاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا فأنزل الله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} إلى آخر السورة ».

وفي رواية «أنه لما انصرف من صلاته زأره أبو جهل أي انتهره وقال: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى: {فليدع ناديه سندع الزبانية }» قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله: أي وقال يوما: ولقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي: لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، فأنزل الله تعالى فيه {ذق إنك أنت العزيز الكريم} كذا قاله الواحدي: أي تقول له الزبانية عند إلقائه في النار ما ذكر توبيخا له.

ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال: لما أنزل الله تعالى سورة {تبت يدا أبي لهب} جاءت امرأة أبي لهب وهي أم جميل واسمها العوراء، وقيل اسمها أروى بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر: أي بكسر الفاء وسكون الهاء حجر يملأ الكف، فيه طول يدق به في الهاون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله إنها امرأة بذية: أي تأتي بالفحش من القول، فلو قمت لتؤذيك، فقال: «إنها لن تراني» فجاءت فقالت: يا أبا بكر صاحبك هجاني: أي وفي لفظ: ما شأن صاحبك ينشد فيّ الشعر؟ قال لا وما يقول الشعر أي ينشئه. وفي لفظ: لا ورب هذا البيت ما هجاك، والله ما صاحبي بشاعر وما يدري ما الشعر: أي لا يحسن إنشاءه، قالت له: أنت عندي تصدق، وانصرفت: أي وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها: أي تعني عبد مناف جدّ أبيها، ومن كان عبد مناف أباه لا ينبغي لأحد أن يتجاسر على ذمه، قلت: يا رسول الله لم لم ترك؟ قال: «لم يزل ملك يسترني بجناحه» أي فقد جاء في رواية أنه قال لأبي بكر: «قل لها: هل ترين عندي أحدا، فسألها أبو بكر، فقالت أتهزأ بي، والله ما أرى عندك أحدا».

أقول: وفي الإمتاع أنها جاءت وهو في المسجد معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وفي يدها فهر، فلما وقفت على النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله على بصرها فلم تره ورأت أبا بكر وعمر، فأقبلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقالت: أين صاحبك؟ قال وما تصنعين به؟ قالت بلغني أنه هجاني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ويحك إنه ليس بشاعر، فقالت إني لا أكلمك يا ابن الخطاب: أي لما تعلمه من شدته، ثم أقبلت على أبي بكر لم تعلمه من لينه وتواضعه، فقالت: والثواقب أي النجوم إنه لشاعر وإني لشاعرة: أي فكما هجاني لأهجونه وانصرفت، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لم تراك، فقال إنها لن تراني، جعل بيني وبينها حجاب: أي لأنه قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} وفي رواية أقبلت ومعها فهران وهي تقول:

مذمما أبينا * ودينه قلينا* وأمره عصينا* فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي، والله لئن رأيته لأضربن أنثييه بهذين الفهرين. قال أبو بكر: فقلت لها يا أم جميل والله ما هجاك ولا هجا زوجك، قالت: والله ما أنت بكذاب، وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة، فقلت: يا رسول الله إنها لم ترك. فقال النبي: «حال بيني وبينها جبريل» ولعل مجيئها قد تكرر فلا منافاة بين ما ذكر وكذا ما يأتي، وكما يقال في الحمد محمد يقال في الذم مذمم، لأنه لا يقال ذلك إلا لمن ذم مرة بعد أخرى، كما أن محمدا لا يقال إلا لمن حمد مرة بعد أخرى كما تقدم. وقد جاء «أنه قال: ألا تعجبون كيف يصرف الله تعالى عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما، ويلعنون مذمما وأنا محمد».

وفي الدر المنثور «أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ، فقالت: يا محمد علام تهجوني؟ قال: إني والله ما هجوتك، ما هجاك إلا الله. قالت: رأيتني أحمل حطبا أو رأيت في جيدي حبلا من مسد» وهذا مما يؤيد ما قاله بعض المفسرين أن الحطب عبارة عن النميمة، يقال: فلان يحطب عليّ: أي ينمّ، لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة، وتغري زوجها وغيره بعداوته، وتبلغهم عنه أحاديث لتحثهم بها على عداوته، وأن الحبل عبارة عن حبل من نار محكم.

وعن عروة بن الزبير: مسد النار سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا، والله أعلم وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:

وأعدت حمالة الحطب الفهر وجاءت كأنها الورقاء

ثم جاءت غضبى تقول أفي مثلي من أحمد يقال الهجاء

وتولت وما رأته ومن أين ترى الشمس مقلة عمياء

أي وهيأت حمالة الحطب الفهر، ولقبت بذلك لأنها كانت تحتطب: أي تجمع الحطب وتحمله لبخلها ودناءة نفسها، أو كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريقه. ولا مانع من اجتماع الأوصاف الثلاثة، لكن استفهامها يبعد الوصفين الأخيرين. والفهر الحجر الذي يملأ الكف كما تقدم، لتضرب به النبي صلى الله عليه وسلم والحال أنها جاءت في غاية السرعة والعجلة كأنها في شدة السرعة الحمامة الشديدة الإسراع، حالة كونها غضبى من شدة ما سمعت من ذمها في سورة {تبت يدا أبي لهب}، تقول: أفي مثلي وأنا بنت سيد بني عبد شمس يقال الهجاء والسب حالة كونه من أحمد وتولت والحال أنها ما رأته، وكيف ترى الشمس عين عمياء.

أقول: في ينبوع الحياة أنها لما بلغها سورة {تبت يدا أبي لهب} جاءت إلى أخيها أبي سفيان في بيته وهي مضطرمة: أي منحرقة غضبى، فقالت له: ويحك يا أخمس: أي يا شجاع أما تغضب أن هجاني محمد، فقال سأكفيك إياه، ثم أخذ سيفه وخرج ثم عاد سريعا فقالت: هل قتلته؟ فقال لها: يا أخية أيسرك أن رأس أخيك في فم الثعبان؟ قالت: لا والله، قال: فقد كان ذلك يكون الساعة. أي فإنه رأى ثعبانا لو قرب منه لالتقم رأسه.

ولما نزلت هذه السورة التي هي {تبت يدا أبي لهب} قال أبو لهب لابنه عتبة أي بالتكبير رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم يوم الفتح كما سيأتي: رأسي من رأسك حرام إن لم تفارق ابنة محمد، يعني رقية رضي الله عنها فإنه كان تزوّجها ولم يدخل بها ففارقها ووقع في كلام بعضهم طلقها لما أسلم فليتأمل.

وكان أخوه عتيبة بالتصغير متزوّجا ابنته أم كلثوم، ويدخل بها. فقال: أي وقد أراد الذهاب إلى الشام: لآتين محمدا فلأوذينه في ربه، فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم: أي وفي لفظ برب النجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وردّ عليه ابنته وطلقها، فقال النبي: «اللهم سلط» وفي رواية «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك» وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها أبو طالب. وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتيبة إلى أبيه أبي لهب فأخبره بذلك، ثم خرج هو وأبوه إلى الشام في جماعة، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير. فقال لهم: إن هذه الأرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه إنكم قد عرفتم نسبي وحقي، فقالوا أجل يا أبا لهب. فقال أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افرشوا لابني عليه ثم افرشوا حوله، ففعلوا ثم جمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله. وفي رواية «فضخ رأسه» وفي رواية «ثنى ذنبه ووثب وضربه بذنبه ضربة واحدة فخدشه فمات مكانه» وفي رواية «فضغمه ضغمة فكانت إياها» فقال وهو بآخر رمق ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة ومات، فقال أبوه: قد عرفت والله ما كان ليفلت من دعوة محمد: أقول: وحلفه بالنجم إلى آخره يدل على أن ذلك كان بعد الإسراء والمعراج.

ووقع مثل ذلك لجعفر الصادق، قيل له: هذا فلان ينشد الناس هجاءكم يعني أهل البيت بالكوفة، فقال لذلك القائل: هل علقت من قوله بشيء؟ قال نعم قال فأنشد:

صلبنا لكم زيدا علة رأس نخلة ** ولم أر مهديا على الجذع يصلب

وقستم بعثمان عليا سفاهة ** وعثمان خير من عليّ وأطيب

فعند ذلك رفع جعفر يديه، وقال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك، فخرج ذلك الرجل فافترسه الأسد، وإنما سمي الأسد كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله. ونم ثم قيل: إن كلب أهل الكهف كان أسدا. وقيل كان رجلا منهم جلس عند الباب طليعة لهم، فسمي باسم الكلب لملازمته للحراسة، ووصف ببسط الذراعين لأن ذلك من صفة الكلب الذي هو الحيوان.

وقد جاء «أنه ليس في الجنة من الحيوان إلا كلب أهل الكهف، وحمار العزير، وناقة صالح» والله أعلم.

ومما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدّث به عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلي، وقد نحر جزور وبقي فرثه: أي روثه في كرشه. فقال أبو جهل: ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد» أي وفي رواية «قال: قائل: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه» وفي رواية: «أيكم يأخذ سلي جزور بني فلان لجزور ذبحت من يومين أو ثلاثة فيضعه بين كتفيه إذا سجد، فقام شخص من المشركين» وفي لفظ «أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط. وجاء بذلك الفرث، فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد: أي فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض أي من شدة الضحك. قال ابن مسعود: فهبنا أي خفنا أن نلقيه عنه » وفي لفظ «وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله، حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها أي بعد أن ذهب إليها إنسان وأخبرها بذلك واستمر ساجدا حتى ألقته عنه، واستمراره في الصلاة عند فقهائنا لعدم علمه بنجاسة ما ألقي عليه، ولما ألقته عنه أقبلت عليهم تشتمهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول وهو قائم يصلي: اللهم اشدد وطأتك: أي عقابك الشديد، على مضر سنين كسني يوسف. اللهم عليك بأبي الحكم بن هشام، يعنى أبا جهل، وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف. زاد بعضهم: وشيبة بن أبي ربيعة، والوليد بن عتبة » بالمثناة فوق لا بالقاف كما وقع في رواية مسلم.

فقد اتفق العلماء على أنه غلط، لأنه لم يكن ذلك الوقت موجودا أو كان صغيرا جدا وعمارة بن الوليد: أي وهو المتقدم ذكره الذي أرادوا أن يجعلوه عوضا عنه.

أقول: والذي في المواهب «فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، ثم سمى، اللهم عليك بعمرو بن هشام» إلى آخر ما تقدم ذكره. وفي الإمتاع: «فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع يديه ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا ثلاثا ثم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش فلما سمعوا صوته ذهب منهم الضحك وهابوا دعوته، ثم قال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام» الحديث، وإن ابن مسعود قال: والله لقد رأيتهم، وفي رواية: رأيت الذي سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر.

واعترض بأن عمارة بن الوليد مات بالحبشة كافرا كما تقدم ويأتي، وبأن عقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر وإنما أخذ أسيرا منها وقتل بعرق الظبية كما سيأتي، وبأن أمية بن خلف لم يطرح بالقليب وأجيب بأن قول ابن مسعود: رأيتهم أي رأيت أكثرهم.

وقد يقال: لا مانع أن يكون أتى بهذا الدعاء وهو قائم يصلي، وبعد الفراغ من الصلاة فلا منافاة والله أعلم.

والمراد بسني يوسف بتخفيف الياء، ويروى سنين باثبات النون مع الإضافة: القحط والجدب: أي فاستجاب الله دعاءه، فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم، أي يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوى على النار، وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع، وجاءه جمع من المشركين فيهم أبو سفيان، قالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا. فانحدرت السحابة ».

وجاء أنهم {قالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} أي لا نعود لما كنا عليه، فلما كشف عنهم ذلك عادوا: أي وفيه أن هذا إنما كان بعد الهجرة فسيأتي «أنه مكث شهرا إذا رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله سمع الله لمن حمده يقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين بمكة اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وربما فعل ذلك بعد رفعه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء، وسيأتي ما فيه.

وقد يقال: لا مانع أن يكون حصل لهم ذلك قبل الهجرة وبعد الهجرة مرة أخرى سيأتي الكلام عليها.

ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يوافق ذلك حيث قال: قال البيهقي: قد روي في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك كان بعد الهجرة، ولعله كان مرتين، أي وسيأتي في السرايا أن ثمامة لما منع عن قريش الميره أن تأتي من اليمن حصل لهم مثل ذلك وكتبوا في ذلك لرسول الله.

وفي البخاري «لما استعصت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فبقيت السماء سبع سنين لا تمطر» وفي رواية فيه أيضا: لما أبطؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام قال: اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصت كل شيء» الحديث. وفي رواية «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} فأتى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى فسقوا، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}» يعني يوم بدر.

ومن ذلك ما حدث به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، فمرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي، فدنوت منه حتى وسطته: أي جعلته وسطا، فكان بيني وبين أبي بكر وأدخل أصابعه في أصابعي وطفنا جميعا، فلما حاذاهم قال أبو جهل: والله لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة وأنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا فقال رسول الله، أنا ذلك، ثم مشى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه، أي قاموا له، ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه، فدفعت في صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أمية بن خلف، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف. ثم قال: أما والله لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه أي ينزل عليكم عاجلا. قال عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذته الرعدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم، ثم انصرف إلى بيته وتبعناه حتى انتهى إلى باب بيته، ثم أقبل علينا بوجهه. فقال: أبشروا، فإن الله عز وجل مظهر دينه، ومتمم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله على أيديكم عاجلا، ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فوالله لقد ذبحهم الله بأيدينا يوم بدر».

أقول: ولا يخالف ذلك كون عقبة بن أبي معيط حمل أسيرا من بدر وقتل بعرق الظبية صبرا وهم راجعون من بدر، ولا كون عثمان بن عفان لم يحضر بدرا والله أعلم.

وفي رواية «أن عقبة بن أبي معيط وطىء على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان».

أي وفي رواية «دخل عقبة بن أبي معيط الحجر فوجده يصلي فيه فوضع ثوبه على عنقه وخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}.

أي وفي البخاري عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: «قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله؟ قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبيه ودفع عن رسول الله » الحديث، ولعل أشدية ذلك باعتبار ما بلغ عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أو ما رآه.

وعنه رضي الله تعالى عنه قال: «ما رأيت قريشا أصابت من عداوة أحد ما أصابت من عداوة رسول الله، ولقد حضرتهم يوما وقد اجتمع ساداتهم وكبراؤهم في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما صبرنا لأمر كصبرنا لأمر هذا الرجل قط ولقد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن ثم مرّ طائفا بالبيت، فلما مر بهم لمزوه ببعض القول فعرفنا ذلك في وجهه ثم مر بهم الثانية فلمزوه بمثلها فعرفنا ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فلمزوه، فوقف عليهم وقال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح، فارتعبوا لكلمته تلك، وما بقي رجل منهم إلا كأنما على رأسه طائر واقع، فصاروا يقولون، يا أبا القاسم انصرف، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله، فلما كان الغد اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منك وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به وهم يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ـ يعني عيب آلهتهم ودينهم ـ فقال نعم: أنا الذي أقول ذلك، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه عليه الصلاة والسلام، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، فأطلقه الرجل ووقعت الهيبة في قلوبهم فانصرفوا عنه» فذلك أشد ما رأيتهم نالوا من رسول الله.

وفي رواية «ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا؟ قال بلى، فتشبثوا به بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقيل له أدرك صاحبك، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد فوجد رسول والناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا على أبي بكر يضربونه، قالت بنته أسماء: فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا أجابه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام».

وجاء «أنهم جذبوا رأسه ولحيته حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله: أي وهو يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم يا أبا بكر، فوالذي نفسي بيده إني بعثت إليهم بالذبح ففرجوا عنه ».

وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت: «اجتمعت مشركو قريش في الحجر، فقالوا إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة فسمعت فدخلت على أبي فذكرت ذلك له: أي قالت له وهي تبكي، تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر، فحلفوا باللات والعزى ومناة وإساف ونائلة إذا هم رأوك يقومون إليك فيضربونك بأسيافهم فيقتلونك فقال: يا بنية اسكتي، وفي لفظ: لا تبكي، ثم خرج أي بعد أن توضأ فدخل عليهم المسجد، فرفعوا رؤوسهم ثم نكسوا فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم، ثم قال: شاهت الوجوه فما أصاب رجلا منهم إلا قتل ببدر».

أي وكان بجواره جماعة منهم أبو لهب والحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان وعقبة بن أبي معيط فكانوا يطرحون عليه الأذى فإذا طرحوه عليه أخذه وخرج به ووقف على بابه ويقول: يا بني عبد مناف أيّ جوار هذا ثم يلقيه في الطريق، ولم يسلم ممن ذكر إلا الحكم وكان في إسلامه شيء. وتقدم أنه نفاه إلى وج الطائف، وأنه سيأتي السبب في نفيه، وأشار صاحب الهمزية إلى أن هذه الأذية له لا يظن ظانّ أنها منقصة له، بل هي رفعة له، ودليل على فخامة قدره وعلو مرتبته وعظيم رفعته ومكانته عند ربه، لكثرة صبره وحلمه واحتماله مع علمه باستجابة دعائه ونفوذ كلمته عند الله تعالى وقد قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء» وذلك سنة من سنن النبيين السابقين عليهم الصلاة والسلام بقوله:

لا تخل جانب النبي مضاما ** حين مسته منهم الأسواء

كل أمر ناب النبيين فالشـ ** ـدة فيه محمودة والرخاء

لو يمس النضار هون من النا ** ر لما اختير للنضار الصلاء

أي لا تظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له الضيم وقت مسته الأذيات حالة كونها صادرة منهم، لأن كل أمر من الأمور العظيمة التي أصابت النبيين فالشدة التي تحصل لهم منه محمودة، لأنها لرفع الدرجات، والضيقة التي تحصل لهم أيضا محمودة، لأنه لو كان يمس الذهب هوان من إدخاله النار لما اختير له العرض على النار، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالذهب والشدائد التي تصيبهم كالنار التي يعرض عليها الذهب، فإن ذلك لا يزيد الذهب إلا حسنا، فكذلك الشدائد لا تزيد الأنبياء إلا رفعة.

قال: ومما وقع لأبي بكر رضي الله تعالى عنه من الأذية، ما ذكره بعضهم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل دار الأرقم ليعبد الله تعالى ومن معه من أصحابه فيها سرا أي كما تقدم، وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألحَّ أبو بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور ـ أي الخروج إلى المسجد ـ فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل به حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه إلى المسجد، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ودعا إلى الله ورسوله، فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديدا، ووطىء أبو بكر بالأرجل وضرب ضربا شديدا، وصار عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين، أي مطبقتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه، فجاءت بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملوه في ثوب إلى أن أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، أي ثم رجعوا فدخلوا المسجد، فقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب، حتى إذا كان آخر النهار تكلم وقال: ما فعل رسول الله، فعذلوه، فصار يكرر ذلك، فقالت أمه والله ما لي علم بصاحبك، فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب: أي فإنها كانت أسلمت رضي الله تعالى عنها كما تقدم، وهي تخفي إسلامها فأسأليها عنه، فخرجت إليها وقالت لها، إن أبا بكر يسأل عن محمد بن عبد الله، فقالت: لا أعرف محمدا ولا أبا بكر، ثم قالت لها: تريدين أن أخرج معك؟ قالت نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر رضي الله تعالى عنه فوجدته صريعا، فصاحت وقالت إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم، فقال لها أبو بكر، ما فعل رسول الله؟ فقالت له: هذه أمك تسمع، قال: فلا عين عليك منها، أي أنمها لا تفشي سرك، قالت سالم، فقال: أين هو؟ فقالت في دار الأرقم، فقال والله لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله، قالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس فخرجنا به يتكىء عليّ حتى دخل على رسول الله، فرق له رقة شديدة، وأكب عليه يقبله، وأكب عليه المسلمون كذلك، فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، فعسى الله أن ينقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت انتهى.

هذا، وذكر الزمخشري في كتابه خصائص العشرة أن هذه الواقعة حصلت لأبي بكر لما أسلم وأخبر قريشا بإسلامه فليتأمل، فإنّ تعدد الواقعة بعيد.

ومما وقع لابن مسعود رضي الله تعالى عنه من الأذية أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا يوما، فقال: والله ما سمعت قريش القرآن جهرا إلا من رسول الله، فمن فيكم يسمعهم القرآن جهرا؟ فقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنا فقالوا نخشى عليك منهم، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم، فقال: دعوني فإن الله سيمنعني منهم. ثم إنه قام عند المقام وقت الشمس وقريش في أنديتهم فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم} رافعا صوته {الرحمن علم القرآن} واستمر فيها فتأملته قريش، وقالوا ما بال ابن أم عبد، فقال بعضهم: يتلو بعض ما جاء به محمد ثم قاموا إليه يضربون وجهه وهو مستمر في قراءته حتى قرأ غالب السورة، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أدمت قريش وجهه، فقال له أصحابه: هذا الذي خشينا عليكم منه فقال: والله ما رأيت أعداء الله أهون عليّ مثل اليوم، ولو شئتم لأتيتهم بمثلها غدا، قالوا لا قد أسمعتهم ما يكرهون.

ومما وقع له من الأذية، أنه كان إذا قرأ القرآن تقف له جماعة من يمينه وجماعة عن يساره ويصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، لأنهم تواصوا {وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} حتى كان من أراد منهم سماع القرآن أتى خفية واسترق السمع خوفا منهم.

ومما وقع له من الأذية ما كان سببا لإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى عنه، وهو ما حدث به ابن إسحاق قال: حدثني به رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا: أي وقيل عند الحجون، فآذاه وشتمه ونال منه ما يكرهه: أي وقيل إنه صب التراب على رأسه: أي وقيل ألقى عليه فرثا ووطىء برجله على عاتقه، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان في سكن لها تسمع ذلك وتبصره، ثم انصرف أبو جهل إلى نادي قريش: أي محل تحدثهم في المسجد فجلس معهم، فلم يلبث حمزة أن أقبل متوحشا بسيفه راجعا من قنصه: أي من صيده، وكان من عادته إذا رجع من قنصه لا يدخل إلى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت، فمرّ على تلك المولاة، فأخبرته الخبر: أي فقالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، تعني أبا جهل، وجده ههنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد: أي وقيل الذي أخبرته مولاة أخته صفية بنت عبد المطلب، قالت له: إنه صب التراب على رأسه، وألقى عليه فرثا، ووطىء برجله على عاتقه. وعلى إلقاء الفرث عليه اقتصر أبو حيان في النهر، فقال لها حمزة: أنت رأيت هذا الذي تقولين؟ قالت نعم.

وفي رواية فلما رجع حمزة من صيده إذا امرأتان تمشيان خلفه، فقالت إحداهما: لو علم ماذا صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته، فالتفت إليهما فقال: ما ذاك؟ قالت أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا. ولا مانع من تعدد الأخبار من المرأتين والمولاتين فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه رفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد عليّ ذلك إن استطعت.

أي وفي لفظ: أن حمزة لما قام على رأس أبي جهل بالقوس صار أبو جهل يتضرع إليه ويقول: سفه عقولنا وسب آلهتنا، وخالف آباءنا قال ومن سفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقامت رجال من بني مخزوم: أي من عشيرة أبي جهل إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه، أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقوله حق، والله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال لهم أبو جهل: دعوا أبا عمارة: أي ويكنى أيضا بأبي يعلى اسم ولد له أيضا فإني والله لقد أسمعت ابن أخيه شيئا قبيحا، وتم حمزة على إسلامه: أي استمر، أي بعد أن وسوس له الشيطان، فقال لنفسه لما رجع إلى بيته أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابي وتركت دين آبائك؟ الموت خير لك مما صنعت، ثم قال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة، ثم لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح، فغدا إلى رسول الله، فقال: يا بن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري أرشد هو أم غيّ شديد فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول الله، فقال: أشهد أنك لصادق، فأظهر يا ابن أخي دينك ( ).

وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن هذه الواقعة سبب لنزول قوله تعالى: {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} يعني حمزة {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} يعني أبا جهل، وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام حمزة سرورا كبيرا لأنه كان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة: أي أعظمهم في عزة النفس وشهامتها، ومن ثمّ لما عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزّ كفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه، وأقبلوا على بعض أصحابه بالأذية سيما المستضعفين منهم الذين لا جوار لهم: أي لا ناصر لهم، فإن كل قبيلة غدت على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه () بالحبس والضرب، والجوع والعطش، وغير ذلك: أي حتى إن الواحد منهم ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي به، وكان أبو جهل يحرضهم على ذلك، وكان إذا سمع بأن رجلا أسلم وله شرف ومنعة جاء إليه ووبخه وقال له: ليغلبن رأيك وليضعفن شرفك، وإن كان تاجرا قال: والله لتكسدنّ تجارتك ويهلك مالك، وإن كان ضعيفا أغرى به () حتى أن منهم من فتن عن دينه ورجع إلى الشرك، كالحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبي قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج، وكل هؤلاء قتلوا على كفرهم يوم بدر.

وممن فتن عن دينه وثبت عليه ولم يرجع للكفر بلال رضي الله تعالى عنه وكان مملوكا لأمية بن خلف، فعن بعضهم أن بلالا كان يجعل في عنقه حبل يدفع إلى الصبيان يلعبون به ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول «أحد، أحد» بالرفع والتنوين أو بغير تنوين: أي الله أحد أو يا أحد، فهو إشارة لعدم الإشراك، وقد أثر الحبل في عنقه.

وعن ابن إسحاق أن أمية بن خلف كان يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة بعد أن يجيعه ويعطشه يوما وليلة فيطرحه على ظهره في الرمضاء أي الرمل إذا اشتدت حرارته لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا، حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول أحد أحد: أي أنا لا أشرك بالله شيئا، أنا كافر باللات والعزى.

أي وقيل كان بلال مولدا من مولدي مكة، وكان لعبد الله بن جدعان التيمي وكان من جملة مائة مملوك مولدة له، فلما بعث الله تعالى نبيه أمر بهم فأخرجوا من مكة: أي خوف إسلامهم، فأخرجوا إلا بلالا فإنه كان يرعى غنمه، فأسلم بلال وكتم إسلامه فسلح بلال يوما على الأصنام التي حول الكعبة.

ويقال إنه صار يبصق عليها ويقول خاب وخسر من عبدكنّ، فشعرت به قريش فشكوه إلى عبد الله وقالوا له أصبوت؟ قال ومثلي يقال له هذا، فقالوا له إن أسودك صنع كذا وكذا فأعطاهم مائة من الإبل ينحرونها للأصنام ومكنهم من تعذيب بلال، فكانوا يعذبونه بما تقدم، أي ويجوز أن يكون ابن جدعان بعد ذلك ملكه لأمية بن خلف. فلا يخالفه ما تقدم من أن أمية بن خلف كان يتولى تعذيبه، وما يأتي من أنا أبا بكر رضي الله عنه اشتراه منه. ويقال إنه مر عليه وهو يعذب فقال سينجيك أحد أحد.

أي وقيل مر عليه ورقة بن نوفل، وهو يقول أحد أحد فقال نعم أحد أحد والله يا بلال، ثم أتى إلى أمية، وقال له: والله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا أي لأتخذن قبره منسكا ومسترحما، لأنه من أهل الجنة، وتقدم أن هذا يدل على أن ورقة أدرك البعثة التي هي الرسالة، وتقدم ما فيه، فكان بلال بقوله أحد أحد يمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان.

وقد وقع له رضي الله تعالى عنه أنه لما احتضر وسمع امرأته تقول واحزناه صار يقول: واطرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه، فكان بلال يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء.

وقد ذكر بعضهم أن هذا قاله أبو موسى الأشعري، ومن معه لما وفدوا عليه وهو في خيبر: أي صاروا يقولون: غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه.

ومر به أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوما وهو ملقى على ظهره في الرمضاء، وعلى ظهره تلك الصخرة، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين؟ حتى متى تعذبه؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى: أي على دينك، أعطيكه به؟ قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه.

وفي تفسير البغوي قال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في بلال حين قال أتبيعنيه؟ قال: نعم أبيعه بقسطاس، يعني عبدا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، كان صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا يأبى الإسلام، فاشتراه أبو بكر به، هذا كلامه.

وفي الإمتاع: لما ساوم أبو بكر أمية بن خلف في بلال، قال أمية لأصحابه: لألعبن بأبي بكر لعبة ما لعبها أحد بأحد، ثم تضاحك وقال له: أعطني عبدك قسطاس، فقال أبو بكر: إن فعلت تفعل؟ قال نعم. قال: قد فعلت، فتضاحك، وقال لا والله حتى تعطيني معه امرأته، قال: إن فعلت تفعل؟ قال نعم، قال: قد فعلت ذلك، فتضاحك وقال: لا والله حتى تعطيني ابنته مع امرأته، قال: إن فعلت تفعل؟ قال نعم، قال: قد فعلت ذلك، فتضاحك وقال: لا والله حتى تزيدني معه مائتي دينار، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنت رجل لا تستحيي من الكذب، قال: لا واللات والعزى لأن أعطيتني لأفعلنّ، فقال: هي لك، فأخذه، هذا كلامه.

وقيل اشتراه بتسع. وقيل بخمس أواق، أي ذهبا: أي وقيل ببردة وعشرة أواق من فضة، وفي رواية برطل من ذهب.

ويروى أن سيده قال لأبي بكر: لو أبيت إلا أوقية أي لو قلت لا أشتريه إلا بأوقية لبعناكه، فقال: لو طلبت مائة أوقية لأخذته بها.

ولما قال المشركون: إنما أعتق أبو بكر بلالا ليد كانت له عنده فيكافئه بها أنزل الله تعالى {والليل إذا يغشى} السورة، فالأتقى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، والأشقى أمية بن خلف.

قال الإمام فخر الدين، أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالأتقى أبو بكر. وذهب الشيعة إلى أن المراد به عليّ رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه. ويرده وصف الأتقى بقوله تعالى: {وما لأحد من نعمة تجزى} لأن هذا الوصف لا يصدق على عليّ رضي الله تعالى عنه، لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أي كما تقدم، فكان منعما عليه نعمة يجب عليه جزاؤها: أي نعمة دنيوية، لأنها التي يجازى عليها، بخلاف أبي بكر فإنه لم يكن له عليه نعمة دنيوية، وإنما كان له نعمة الهداية وهي نعمة لا يجازى عليها. قال الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا} فتعين حمل الآية على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فيلزم من ذلك أن يكون أبو بكر بعد رسول الله، وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل الخلق، لأن الله تعالى يقول: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} والأكرم هو الأفضل، وبين ذلك الفخر الرازي بأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي، فلا يمكن حمل الآية على عليّ لما تقدم، فتعين حملها على أبي بكر.

وذكر بعض أهل المعاني: أي المبينين لمعاني القرآن كالزجاج والفراء والأخفش أن المراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي، فأوقع أفعل التفضيل موضع فعيل، فهو عام في أمية بن خلف وأبي بكر وغيرهما وإن كان السبب خاصا، والذي بخل واستغنى المراد به أبو سفيان، لأنه كان عاتب أبا بكر في إنعامه وإعتاقه وقال له أضعت مالك والله لا تصيبه أبدا، وقيل المراد به أمية بن خلف.

ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر اشترى بلالا قال له الشركة يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته يا رسول الله: أي لأن بلالا قال لأبي بكر حين اشتراه: إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله عز وجل فدعني لله فأعتقه.

هذا، وذكر «أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقال لو كان عندنا مال اشتريت بلالا، فانطلق العباس رضي الله تعالى عنه فاشتراه فبعث به إلى أبي بكر: أي ملكه له فأعتقه» فليتأمل الجمع بين هذا وما تقدم.

وقد اشترى أبو بكر رضي الله تعالى عنه جماعة آخرين ممن كان يعذب في الله، منهم حمامة أم بلال. ومنهم عامر بن فهيرة، فإنه كان يعذب في الله تعالى حتى لا يدري ما يقول، وكان لرجل من بني تيم من ذوي قرابة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ومنهم أبو فكيهة كان عبدا لصفوان بن أمية، أسلم حين أسلم بلال، فمر به أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقد أخذه أمية أبو صفوان وأخرجه نصف النهار في شدة الحر مقيدا إلى الرمضاء، فوضع على بطنه صخرة، فخرج لسانه وأخو أمية يقول له زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه. ومنهم امرأة وهي زنيرة بزاي فنون مشددة مكسورتين فمثناة تحتية ساكنة، وهي في اللغة الحصاة الصغيرة، عذبت في الله تعالى حتى عميت، قال لها يوما أبو جهل: إن اللات والعزى فعلا بك ما ترين، فقالت له: كلا والله لا تملك اللات والعزى نفعا ولا ضرا، هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد عليّ بصري، فأصبحت تلك الليلة وقد رد الله تعالى عليها بصرها، فقالت قريش: إن هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقها، أي وكذا ابنتها.

وفي السيرة الشامية أم عنيس بالنون أو الباء الموحدة فمثناة تحتية فسين مهملة، أمة لبني زهرة، كان الأسود بن عبد يغوث يعذبها ولم يصفها بأنها بنت زنيرة، فاشتراها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقها. وكذا النهدية وابنتها، وكانتا للوليد بن المغيرة. وكذا امرأة يقال لها لطيفة. وكذا أخت عامر بن فهيرة أو أمه، كانت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم.

فقد جاء أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه مر على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يعذب جارية أسلمت استمر يضربها حتى ملّ قبل أن يسلم، ثم قال لها: إني أعتذر إليك فإني لم أتركك حتى مليت، فقالت له كذلك يعذبك ربك إن لم تسلم، فاشتراها منه وأعتقها.

وفي السيرة الشامية وصفها بأنها جارية بني المؤمل بن حبيب، وكان يقال لها لبينة، فجملة هؤلاء تسعة.

وممن فتن عن دينه فثبت عليه خباب بن الأرتّ بالمثناة فوق، فإنه سبي في الجاهلية فاشترته أم أنمار أي وكان قينا أي حدادا، وكان يألفه ويأتيه، فلما أسلم وأخبرت بذلك مولاته صارت تأخذ الحديدة وقد أحمتها بالنار فتضعها على رأسه، فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم انصر خبابا، فاشتكت مولاته رأسها فكانت تعوي مع الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة وقد أحماها فيكوي رأسها».

وفي البخاري عن خباب قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة » ولقد لقينا يعني معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد محمرا وجهه، فقال: إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه».

قال: وعن خباب رضي الله تعالى عنه أنه حكى عن نفسه، قال: لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا ووضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك ظهري: أي دهنه.

وممن فتن عن دينه فثبت عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، كان يعذب بالنار.

وفي كلام ابن الجوزي «كان يمرّ به وهو يعذب بالنار فيمرّ يده على رأسه، ويقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم» هذا كلامه.

ثم إن عمارا كشف عن ظهره فإذا هو قد برص، أي صار أثر النار أبيض كالبرص، ولعل حصول ذلك كان قبل دعائه بأن النار تكون بردا وسلاما عليه.

وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها أن عمار بن ياسر وأباه ياسرا وأخاه عبد الله، وسمية أم عمار رضي الله تعالى عنهم كانوا يعذبون في الله تعالى، فمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صبرا آل ياسر، صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة » أي وفي رواية «صبرا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت» فمات ياسر في العذاب، وأعطيت سمية لأبي جهل: أي أعطاها له عمه أبو حذيفة بن المغيرة، فإنها كانت مولاته فطعنها في قلبها فماتت: أي بعد أن قال لها: إن آمنت بمحمد إلا لأنك عشقتيه لجماله، ثم طعنها بالحربة في قُبُلها حتى قتلها، فهي أول شهيدة في الإسلام اهـ.

أي وعن بعضهم كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه، ويجعل لعمار درعا من حديد في اليوم الصائف، فنزل قوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}.

وجاء «أن عمار بن ياسر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صبرا أبا اليقظان، ثم قال: اللهم لا تعذب أحدا من آل عمار بالنار».

قال بعضهم: وحضر عمار بدرا ولم يحضرها من أبواه مؤمنان إلا هو: أي من المهاجرين. فلا ينافي أن بشر بن البراء بن معرور الأنصاري حضر بدرا وأبواه مؤمنان.

ومما أوذي به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لما ابتلي المسلمون بأذى المشركين: أي وحصروا بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب، وأذن لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة وهي الهجرة الثانية، خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه مهاجرا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد» ( ) بالغين المعجمة موضع بأقاصي هجر، وقيل موضع وراء مكة بخمسة أميال، أي وفي رواية «حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة ـ بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون ـ وهو سيد القارة: أي وهو اسمه الحارث» والقارة: قبيلة مشهورة كان يضرب بهم المثل في قوّة الرمي، ومن ثم قيل لهم: رماة الحدق لا سيما ابن الدغنة. والقارة: أكمة سوداء نزلوا عندها فسموا بها «قال له: أين تريد يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك، فرجع مع ابن الدغنة. فطاف ابن الدغنة في أشراف قريش، وقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق وهو في جواري؟ فلم تكذب قريش بجواب ابن الدغنة » أي لم يردّ جواره «وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذنا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فمكث أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، وكان رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فكانت نساء قريش يزدحمن عليه، فأفزع ذلك كثيرا من أشراف قريش» أي مع المشركين «فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يبعد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة، وإنا قد خشينا أن يفتن نساؤنا وأبناءنا بهذا، فإن أحب أن يقتصر على عبادة ربه في داره فعل، وإن رأى أن يعلن فاسأله أن يردّ إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك ـ أي نزيل خفارتك ـ أي ننقض جوارك ونبطل عهدك، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت: أي أزيلت خفارتي في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى، قال: ولما رد جوار ابن الدغنة لقيه بعض سفهاء قريش وهو عابر إلى الكعبة فحثى على رأسه ترابا، فمرّ عليه بعض كبراء قريش من المشركين، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ألا ترى ما صنع هذا السفيه؟ فقال له: أنت فعلت بنفسك، فصار أبو بكر يقول: رب ما أحلمك، قال ذلك ثلاثا انتهى».

أي وفي كلام بعضهم: وينبغي لك أن تتأمل فيما وصف به ابن الدغنة، أبا بكر بين أشراف قريش بتلك الأوصاف الجليلة المساوية لما وصفت به خديجة النبي، ولم يطعنوا فيها مع ما هم متلبسون به من عظيم بغضه ومعاداته بسبب إسلامه، فإن هذا منهم اعتراف: أي اعتراف بأن أبا بكر كان مشهورا بينهم بتلك الأوصاف شهرة تامة، بحيث لا يمكن أحد أن ينازع فيها، ولا أن يجحد شيئا منها، وإلا لبادروا إلى جحدها بكل طريق أمكنهم، لما تحلوا به من قبيح العداوة له بسبب ما كانوا يرون منه من صدق موالاته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم محبته له.

ومما يؤثر عنه رضي الله تعالى عنه: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، والنكث، والمكر.


باب عرض قريش عليه أشياء من خوارق العادات وغير العادات ليكف عنهم لما رأوا المسلمين يزيدون ويكثرون وسؤالهم له أشياء من خوارق العادات معينات وغير معينات وبعثهم إلى أحبار يهود بالمدينة يسألونهم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وعما جاء به وحديث الزبيدي وحديث المستهزئين به ومن حديثهم حديث الأراشي ومن قصد أذيته فرد خائبا

حدث محمد بن كعب القرظي قال: حدثت «أن عتبة بن ربيعة. وكان سيدا مطاعا في قريش ـ قال يوما وهو جالس في نادي قريش: أي متحدثهم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد وأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه إياها ويكف عنا؟ قالوا: يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. قال: وفي رواية «أن نفرا من قريش اجتمعوا» وفي أخرى «أشراف قريش من كل قبيلة اجتمعوا وقالوا ابعثوا إلى محمد حتى تعذروا فيه، فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يريد؟ فقالوا لا نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة » انتهى. «فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله، فقال: يا بن أخي إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب ـ أي من الوسط أي الخيار حسبا ونسبا ـ وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم» قال زاد بعضهم أنه قال أيضا: «أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أي فسكت، إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك، لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى» انتهى «فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، فقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا» أي فيصير لك الأمر والنهي، فهو أخص مما قبله «وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يداوى، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال: لقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال: فاسمع مني، قال أفعل، قال {بسم الله الرحمن الرحيم حم? تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون}، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقرأها عليه وقد أنصت عتبة لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك، ثم انتهى إلى السجدة فيها فسجد. ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: يحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحْر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم» قال: وفي رواية «أن عتبة لما قام من عند النبي صلى الله عليه وسلم أبعد عنهم ولم يعد عليهم، فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه كلامه فانطلقوا بنا إليه، فأتوه فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فقص عليهم القصة، فقال: والله الذي تصبها بنية يعني الكعبة ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف، وقد علمت أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب، فقالوا له: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: والله ما سمعت مثله، والله ما هو بالشعر» إلى آخر ما تقدم «فقالوا: والله سحرك يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيكم، فاصنعوا ما بدا لكم اهـ.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قريشا: أي أشرافهم وشيختهم، منهم الأسود بن زمعة، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل.

وفي الينبوع «أتى الوليد بن المغيرة في أربعين رجلا من الملأ: أي من السادات منزل أبي طالب وسألوه أن يحضر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمره بأشكائهم ما يشكون منه» أي أن يزيل شكواهم منه «ويجيبهم إلى أمر فيه الألفة والإصلاح، فأحضره وقال: يابن أخي هؤلاء الملأ من قومك فأشكهم وتألفهم، فعاتبوا النبي صلى الله عليه وسلم على تسفيه أحلامهم وأحلام آبائهم وعيب آلهتهم» الحديث: أي قالوا له «يا محمد إنا بعثنا إليك لنكلمك، فإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعيبت الدين، وسببت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، ولم يبق أمر قبيح إلا أتيته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك ونشرفك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعا من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبك».

وفي رواية «أنهم لما اجتمعوا ودعوه، فجاءهم مسرعا طمعا في هدايتهم حتى جلس إليهم وعرضوا عليه الأموال والشرف والملك، فقال: ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، وأن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم».

وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «دعت قريش النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون به أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويكف عن شتم آلهتهم ولا يذكرها بسوء» فقد ذكر «أن عتبة بن ربيعة قال له: إن كان أنّ ما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرا، وقالوا له: ارجع إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك، وقالوا له: إن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة لك فيها صلاح، قال: وما هي؟ قال: تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة ونعبد إلهك سنة، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبده خيرا مما نعبد كنت أخذت منه بحظك، وإن كان الذي نعبد خيرا مما تعبد كنا قد أخذنا منه بحظنا، فقال لهم: حتى أنظر ما يأتي من ربي، فجاء الوحي بقوله تعالى: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم} السورة ».

وعن جعفر الصادق أن المشركين قالوا له: اعبد معنا آلهتنا يوما نعبد معك إلهك عشرة، واعبد معنا آلهتنا شهرا نعبد معك إلهك سنة، فنزلت» أي لا أعبد ما تعبدون يوما، ولا أنتم عابدون ما أعبد عشرة، ولا أنا عابد ما عبدتم شهرا ولا أنتم عابدون ما أعبد سنة، روى ذلك التقدير جعفر ردا على بعض الزنادقة حيث قالوا له طعنا في القرآن: لو قال امرؤا القيس:

قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل وكرر ذلك أربع مرات في نسق أما كان عيبا؟ فكيف وقع في القرآن {قل يا أيها الكافرون} السورة وهي مثل ذلك وقوله: {لكم دينكم ولي دين} نسخ بآية القتال، وبقوله تعالى: {أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}. ولما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل لما كرهتموه القرآن، قالوا ائت بقرآن غير هذا، فأنزل الله تعالى: {ولو تقول علينا} الآيات.

وقد يقال: المناسب للرد عليهم قوله تعالى {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} الآية، ثم رأيت في الكشاف ما يوافق ذلك. وهو لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأصنام والوعيد الشديد قالوا ائت بقرآن آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك، أو بدله بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، نزل قوله تعالى {قل ما يكون لي أن أبدله} الآية.

قال «وجلس أي مجلسا فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بني ربيعة، أي وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، فقال لهم: أليس حسنا ما جئت به؟ فيقولون بلى والله» وفي لفظ «هل ترون بما أقول بأسا؟ فيقولون لا، فجاء عبد الله بن أم مكتوم ـ وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، وهو ممن أسلم بمكة قديما ـ والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بأولئك القوم وقد رأى منهم مؤانسة وطمع في إسلامهم، فصار يقول: يا رسول الله علمني مما علمك الله وأكثر عليه، فشق عليه ذلك، فأعرض عن ابن أم مكتوم ولم يكلمه» انتهى.

أي وفي رواية «أشار إلى قائد ابن أم مكتوم بأن يكفه عنه حتى يفرغ من كلامه، فكفه القائد، فدفعه ابن أم مكتوم، فعبس وأعرض عنه مقبلا على من كان يكلمه، فعاتبه الله تعالى في ذلك بقوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك} السورة » أي والمجيء مع العمى ينشأ عن مزيد الرغبة وتجشم الكلفة والمشقة في المجيء، ومن كان هذا شأنه فحقه الإقبال عليه لا الإعراض عنه «فكان بعد ذلك إذا جاءه يقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويبسط له رداءه» قال: وبهذا يسقط ما للقاضي أبي بكر بن العربي هنا انتهى.

أقول: لعل الذي له هو ما ذكره تلميذه السهيلي، وهو أن ابن أم مكتوم لم يكن أسلم حينئذ، وإلا لم يسمه بالاسم المشتق من العمى دون الاسم المشتق من الإيمان لو كان دخل في الإيمان قبل ذلك، وإنما دخل فيه بعد نزول الآية، ويدل على ذلك قوله للنبي استدنني يا محمد، ولم يقل استدنني يا رسول الله، ولعل في قوله تعالى: {لعله يزكى}، ما يعطى الترجي والانتظار، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي، هذا كلامه.

وعن الشعبي قال: دخل رجل على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها ابن أم مكتوم وهي تقطع له الأترج وتجعله في العسل وتطعمه، فقيل لها في ذلك، فقالت: ما زال هذا له من آل محمد منذ عاتب الله عز وجل فيه نبيه، والله أعلم.

وفي فتاوى الجلال السيوطي من جملة أسئلة رفعت إليه، فأجاب عنها بأنها باطلة: أن أبا جهل قال: يا محمد إن أخرجت لنا طاوسا من صخرة في داري آمنت بك، فدعا ربه عز وجل فصارت الصخرة تئن كأنين المرأة الحبلى ثم انشقت عن طاوس صدره من ذهب ورأسه من زبرجد، وجناحاه من ياقوتة، ورجلاه من جوهر، فلما رأى ذلك أبو جهل أعرض ولم يؤمن.

ومما سألوه من الآيات غير المعينات على ما رواه الشيخان أو معينة كما في رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسيأتي ما يعلم منه أنهم سألوه أولا آية غير معينة ثم عينوها فلا مخالفة.

فقد ذكر ابن عباس أن قريشا سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية:

أي وفي رواية عن ابن عباس «اجتمع المشركون أي بمنى، منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث على رسول الله، فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، نصفا على أبي قبيس، ونصفا على قعيقعان، وقيل يكون نصفه بالمشرق ونصفه الآخر بالمغرب، وكانت ليلة أربعة عشر: أي ليلة البدر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا، فانشق القمر نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان» وفي لفظ «فانشق القمر فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه» ولعل الفرقة التي كانت فوق الجبل كانت جهة المشرق، والتي كانت دون الجبل كانت في جهة المغرب» فقال رسول الله: «اشهدوا اشهدوا» ولا منافاة بين الروايتين، ولا بينهما وبين ما جاء في رواية «فانشق القمر نصفين: نصفا على الصفا، ونصفا على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظر إليه ثم غاب» أي ثم إن كان الانشقاق قبل الفجر فواضح وإلا فمعجزة أخرى، لأن القمر ليلة أربعة عشر يستمر جميع الليل، وسيأتي عن زين المعمر «أنه عاد بعد غروبه، فقال رسول الله «اشهدوا» والفرقتان هما المرادتان بالمرتين في بعض الروايات التي أخذ بظاهرها بعضهم كالزين العراقي «فقال إنه انشق مرتين» لأن المرة قد تستعمل في الأعيان وإن كان أصل وضعها الأفعال. فقد قال ابن القيم: كون القمر انشق مرتين مرة بعد مرة في زمانين من له خبرة بأحوال الرسول وسيرته يعلم أنه غلط وأنه لم يقع الانشقاق إلا مرة واحدة «وعند ذلك قال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة » أي وهو أبو كبشة أحد أجداده من قبل أمه، لأن وهب بن عبد مناف بن زهرة جد أبي آمنة أمه يكنى أبا كبشة، أو هو من قبل مرضعته حليمة، لأن والدها أو جدها كان يكنى بذلك، أو كان لها بنت تسمى كبشة فكان زوجها الذي هو أبوه من الرضاعة يكنى بتلك البنت كما تقدم في الرضاع.

وقد روي عنه فقال: «حدثني حاضني أبو كبشة أنهم لما أرادوا دفن سلول وكان سيدا عظيما حفروا له فوقعوا على باب مغلق ففتحوه، فإذا سرير وعليه رجل وعليه حلل عدة وعند رأسه كتاب: أنا أبو شهر ذو النون مأوى المساكين، ومستفاد الغارمين، أخذني الموت غصبا، وقد أعيي الجبابرة » قيل: قال «كان ذو النون هذا هو سيف بن ذي يزن الحميري» وقيل أبو كبشة جده لأبيه، لأن أبا أم جده عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكان يعبد النجم الذي يقال له الشعري، وترك عبادة الأصنام مخالفة لقريش، فهم يشيرون بذلك إلى أن له في مخالفته سلفا.

وقيل الذي عبد الشعري وترك عبادة الأصنام رجل من خزاعة، فشبهوه به في مخالفته لهم في عبادة الأصنام: أي ومما قد يؤيد هذا الأخير ما في الإتقان حيث مثل بهذه الآية للنوع المسمى بالتنكيت، وهو أن يخص المتكلم شيئا من بين الأشياء بالذكر لأجل نكتة كقوله تعالى: {وأنه هو رب الشعرى} خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم وهو سبحانه وتعالى رب كل شيء، لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة، عبد الشعرى ودعا خلقا إلى عبادتها، فأنزل الله تعالى {وأنه هو رب الشعرى} التي ادعيت فيها الربوبية هذا كلامه. وكبشة ليس مؤنث كبش، لأن مؤنث الكبش لي من لفظه، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان سحر القمر أي بالنسبة إليكم فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها: أي جميع أهل الأرض. وفي رواية «لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر، هل رأوا هذا؟ فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك». وفي رواية «أن أبا جهل قال هذا سحر، فاسألوا أهل الآفاق» وفي لفظ «انظروا ما يأتيكم به السفار حتى تنظروا هل رأوا ذلك أم لا، فأخبروا أهل الآفاق» وفي لفظ «فجاء السفار وقد قدموا من كل وجه فأخبروهم أنهم رأوه منشقا، فعند ذلك قالوا هذا سحر مستمر» أي مطرد، فهو إشارة إلى ذلك وإلى ما قبله من الآيات. وفي لفظ «قالوا هذا سحر، أسحر السحرة، فأنزل الله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} أي مطرد كما تقدم، أو محكم أو قوي شديد، أو مارّ ذاهب لا يبقى، وهذا الكلام كما لا يخفى يدل على أنه لم يختص برؤية القمر منشقا أهل مكة، بل جميع أهل الآفاق. وبه يرد قول بعض الملاحدة: لو وقع انشقاق القمر لاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة. ولا يحسن الجواب عنه بأنه طلبه جماعة خاصة، فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه، ولا بأنه قد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض، ولا بقول بعضهم إن انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة ومعظم الناس نيام.

وفي فتح الباري حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث.

أقول: وإلى انشقاق القمر أشار صاحب الهمزية بقوله:

شق عن صدره وشق له البد ** ر ومن شرط كل شرط جزاء

أي شق عن صدره. وفي نسخة قلبه وكل منهما صحيح، لأنه شق صدره أولا ثم شق قلبه ثانيا، وشق لأجله القمر ليلة أربعة عشر، وإنما شق له، لأن من شرط كل شرط جزاء، لأنه لما شق صدره جوزي على ذلك بأعظم مشابه له في الصورة، وهو شق القمر الذي هو من أظهر المعجزات بل أعظمها بعد القرآن، وقد أشار إلى ذلك أيضا الإمام السبكي في تائيته بقوله:

وبدر الدياجي انشق نصفين عندما ** أرادت قريش منك إظهار آية

أي فإنهم ائتمروا فيما بينهم، فاتفقوا على أن يقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم انشقاق القمر الذي هو بعيد عن الأطماع في غاية الامتناع: أي فقد سألوه أولا آية غير معينة ثم عينوها.

وفي الإصابة عن بعضهم قال: «وأنا ابن تسع عشرة سنة سافرت مع أبي وعمي من خراسان إلى الهند في تجارة، فلما بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى شيعة من الضياع، فعرج أهل القافلة نحوها فسألناهم عن ذلك، فقالوا هذه ضيعة الشيخ زين الدين المعمر، فرأينا شجرة خارج الضيعة تظل خلقا كثيرا وتحتها جمع عظيم من أهل تلك الضيعة، فلما رأونا رحبوا بنا، فرأينا زنبيلا معلقا في بعض أغصان تلك الشجرة، فسألناهم فقالوا في هذا الزنبيل الشيخ زين الدين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بطول العمر ست مرات، فبلغ ستمائة سنة كل دعوة بمائة سنة، فسألناهم أن ينزلوا الشيخ لنسمع كلامه وحديثه، فتقدم شيخ منهم فأنزل الزنبيل، فإذا هو مملوء بالقطن والشيخ في وسط القطن وهو كالفرخ فوضع فمه على أذنه وقال: يا جداه هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان وقد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول الله، وماذا قال لك؟ فعند ذلك تنفس الشيخ وتكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية ونحن نسمع، فقال: سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة، فلما بلغنا بعض أودية مكة وكان المطر قد ملأ الأودية فرأيت غلاما حسن الشمائل يرعى إبلا في تلك الأودية وقد حالت السيل بينه وبين إبله وهو يخشى من خوض الماء لقوة السيل، فعلمت حاله، فأتيت إليه وحملته وخضت به السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة، فلما وضعته عند إبله نظر إليّ ودعا لي، ثم عدنا إلى بلادنا وتطاولت المدة، ففي ليلة ونحن جلوس في ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر والبدر في كبد السماء، إذ نظرنا إليه قد انشق نصفين، فغرب نصف في المشرق ونصف في المغرب وأظلم الليل ساعة، ثمن طلع النصف من المشرق والثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أول مرة، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، ولم نعرف لذلك سببا، فسألنا الركبان عن سببه فأخبرونا أن رجلا هاشميا ظهر بمكة وادعى أنه رسول الله إلى كافة العالم وأن أهل مكة سألوه معجزة، واقترحوا عليه أن يأمر لهم القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في المشرق ونصفه في المغرب، ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل لهم ذلك، فاشتقت إلى رؤياه، فذهبت إلى مكة وسألت عنه فدلوني على موضعه، وأتيت إلى منزله، واستأذنت فأذن لي في الدخول فدخلت عليه، فلما سلمت عليه نظر إليّ وتبسم وقال: ادن مني وبين يديه طبق فيه رطب، فتقدمت وجلست وأكلت من الرطب، وصار يناولني، إلى أن ناولني ست رطبات، ثم نظر إليّ وتبسم وقال لي: ألم تعرفني؟ قلت لا، فقال: ألم تحملني في عام كذا في السيل؟ ثم قال: أمدد يدك فصافحني وقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقلت ذلك، فسرّ أي وقال عند خروجي من عنده بارك الله في عمرك، قال ذلك ست مرات، فبارك الله لي في عمري بكل دعوة مائة سنة، فعمري اليوم ستمائة سنة: أي في المائة السادسة مشرف على تمامها تأمل.

وسئل الحافظ السيوطي عن مثل هذا الحديث، وهو الحديث الذي رواه معمر، الذي يزعم أنه صحابي، وأنه يوم الخندق صار ينقل التراب بغلقين: وبقية الصحابة بغلق واحد، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفه الشريف بين كتفيه أربع ضربات، وقال له: عمرك الله يا معمر، فعاش بعد ذلك أربعمائة سنة ببركة الضربات التي ضربها بين كتفيه كل ضربة مائة سنة، وقال له بعد أن صافحه: من صافحك إلى ست أو سبع لم تمسه النار، هل هو صحيح أم هو كذب وافتراء لا تجوز روايته؟ فأجاب بأنه باطل وأن معمرا هذا كذاب دجال، لأنه ثبت في الصحيح أنه قال قبل موته بشهر «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» وقد قال أهل الحديث وغيرهم: إن من ادعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاته فهو كذاب، ومعلوم أن آخر الصحابة مطلقا موتا أبو الطفيل، مات سنة عشرة ومائة من الهجرة ثبت ذلك في صحيح مسلم» واتفق عليه العلماء، فمن ادعى الصحبة بعد أبي الطفيل فهو كذاب.

ومما سألوه من الآيات المعينات ما حدث به بعضهم، قال: «إن قريشا قالت له: سل ربك يسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن بعث لنا قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل. قال: زاد في رواية: فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله تعالى، وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت لكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به» اهـ.

ثم قالوا له: «واسأل ربك يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول ويراجعنا عنك» أي وفي لفظ «قالوا له لم لا ينزل علينا الملائكة، فتخبرنا بأن الله أرسلك أو نرى ربنا فيخبرنا بأنه أرسلك فنؤمن حينئذ بك. وقال آخر: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه» أي فلا بد أن تتميز عنا حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا: أي وفي لفظ «قالوا إن محمدا يأكل الطعام كما نحن نأكل، ويمشي في الأسواق، ويلتمس المعاش كما نلتمس نحن، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وأنزل الله تعالى {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} ولما قالوا الله أعظم أن يكون رسوله بشرا منا أنزل الله تعالى {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} ثم قالوا: وأسقط السماء علينا كسفا: أي قطعا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، وقد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبدا: أي وقد عنوا بالرحمن مسيلمة، وقيل عنوا كاهنا كان لليهود باليمامة، وقد رد الله تعالى عليهم بأن الرحمن المعلم له هو الله تعالى بقوله {قل هو} أي الرحمن {ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} أي توبتي ورجوعي () وعند ذلك قام حزينا آسفا على ما فاته من هدايتهم التي طمع فيها، وقال له عبد الله بن عمته عاتكة بنت عبد المطلب قبل أن يسلم رضي الله تعالى عنه: يا محمد قد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبل، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، والله لن نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك: أي كتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وايم الله إنك لو فعلت ذلك، ما ظننت أني أصدقك، فأنزل الله تعالى عليه الآيات التي فيها شرح هذه المقالات في سورة الإسراء، وفيها الإشارة إلى أنه تعالى خيره بين أن يعطيه جميع ما سألوا، وأنهم إن كفروا بعد ذلك استأصلهم بالعذاب كالأمم السابقة، وبين أن يفتح لهم باب الرحمة والتوبة لعلهم يتوبون وإليه راجعون، فاختار الثاني، لأنه يعلم من كثير منهم العناد، وأنهم لا يؤمنون، وإن حصل ما سألوا فيستأصلوا بالعذاب، لأن الله تعالى يقول: {واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة }.

وعن محمد بن كعب ما حاصله «أن الملأ من قريش أقسموا للنبي بالله عز وجل أنهم يؤمنون به إذا صار الصفا ذهبا، فقام يدعو الله تعالى أن يعطيهم ما سألوه فأتاه جبريل: فقال له: إن شئت كان ذلك ولكني لم آت قوما بآية اقترحوها فلم يؤمنوا بها إلا أمرت بتعذيبهم» وفيه أنه حينئذ يشكل رواية سؤالهم انشقاق القمر.

وفي رواية «أتاه جبريل، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت أن يصبح لهم الصفا ذهبا، فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب، عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت أن لا تصير ذهبا وفتحت لهم باب الرحمة والتوبة، فقال: لا، بل أن تفتح لهم باب الرحمة والتوبة ».

وفي رواية «وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال، بل حتى يتوب تائبهم».

وأيضا وافق على فتح باب الرحمة والتوبة، لأنه أن سؤالهم لذلك جهل، لأنه خفيت عليهم حكمة إرسال الرسل، وهي امتحان الخلق وتعبدهم بتصديق الرسل، ليكون إيمانهم عن نظر واستدلال، فيحصل الثواب لمن فعل ذلك، ويحصل العقاب لمن أعرض عنه، إذ مع كشف الغطاء يحصل العلم الضروري، فلا يحتاج إلى إرسال الرسل، ويفوت الإيمان بالغيب.

وأيضا لم يسألوا ما سألوا من تلك الآيات إلا تعنتا واستهزاء، لا على جهة الاسترشاد ودفع الشك، وإلى سؤالهم تلك الآيات وارتيابهم في القرآن، وقولهم فيه إنه سحر وافتراء: أي سحر يأثره: أي يأخذه عن مثله وعن أهل بابل، يفرّق به بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته {إن هو إلا قول البشر} من قول أبي اليسر، وهو عبد لبني الحضرمي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجالسه وإلى قول أبي جهل أيضا: تزاحمنا نحن وبنو عبد المطلب الشرف، حتى صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزل قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله:

عجبا للكفار زادوا ضلالا ** بالذي فيه للعقول اهتداء

والذي يسألون منه كتاب ** منزل قد أتاهم وارتقاء

أي أعجب عجبا من حال الكفار حالة كونهم زادوا ضلالا بالقرآن الذي فيه اهتداء للعقول، وأعجب عجبا أيضا من الأمر الذي يطلبونه منه، وهو كثير من جملته كتاب منزل معه عليهم من السماء وهو القرآن:

أو لم يكفهم من الله ذكر ** فيه للناس رحمة وشفاء

أعجز الإنس آية منه والجن ** فهلا يأتي به البلغاء

كل يوم يهدي إلى سامعيه ** معجزات من لفظه القراء

تتحلى به المسامع والأفـ ** ـواه فهو الحلي والحلواء

رقّ لفظا وراق معنى فجاءت ** في حلاها وحليها الخنساء

وأرتنا فيه غوامض فضل ** رقة من زلاله وصفاء

إنما تجتلي الوجوه إذا ما ** جليت عن مرآتها الأصداء

سور منه أشبهت صورا منـ ** ـا ومثل النظائر النظراء

والأقاويل عندهم كالتماثـ ** ـيل فلا يوهمنك الخطباء

كم أبانت آياته عن علوم ** من حروف أبان عنها الهجاء

فهي كالحب والنوى أعجب الزرا ** ع منها سنابل وزكاء

فأطالوا فيه التردد والريـ ** ـب فقالوا سحر وقالوا افتراء

وإذا البينات لم تغن شيئا ** فالتماس الهدى بهن عناء

وإذا ضلت العقول على علـ ** ـم فماذا تقوله الفصحاء

أي أو لم يكفهم عما سألوه عنادا ذكر واصل إليهم، حالة كونه من الله تعالى رحمة وشفاء للناس والجن والملائكة، أعجز الإنس والجن آية منه، فهلا يأتي بتلك الآية أهل البلاغة، كل وقت يهدي قراؤه إلى سامعيه معجزات من لفظه، ولذلك تتحلى بسماعه المسامع، من التحلية التي هي لبس الحلي، وتتحلى بألفاظه الأفواه من الحلواء فهو الحلي، والحلواء حسن من جهة اللفظ، وتصفى من شوائب النقص من جهة المعنى، فأرتنا رقة من زلاله، وصفاء من ذلك الزلال، خبايا فضل فيه وهي العلوم المستنبطة منه، وإنما تظهر الوجوه ظهورا واضحا لإخفاء معه بوجه إذا قوبلت بمرآه، وقت جلاء الأصداء عن تلك المرآة سور منه أشبهت صورا منا، من حيث اشتمال كل صورة منا على عقل وفهم، وخلق لا يشاركه فيه غيره، والأقاويل الصادرة من الكفار في القرآن كالصور التي يصورها المصورون فإنه لا وجود لها في الحقيقة ؛ فما قالوه في القرآن باطل قطعي البطلان، فاحذر الخطباء أن توقع في وهمك أن ما تأتي به يقارب القرآن، كم أوضحت آياته علوما حالة كونها متولدة من حروف قليلة كشف عنها التهجي، كالحب الذي يلقيه الزارع، والنوى الذي يلقيه الغارس، أعجب الزراع والغراس منها: أي من تلك الحبوب والنوى سنابل وثمار وتمر فاق الحصر، فأطالوا في تلك السور الشك فقالوا سحر وتمويه لا حقيقه له، وقالوا مرة أخرى أساطير الأولين، وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى، فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا، وإذا ضلت العقول عن طرق الحق مع علم منها بتلك الطرق فأي قول يقوله الفصحاء: أي وقال الوليد بن المغيرة يوما: أينزل القرآن على محمد، وأترك أنا وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود الثقفي سيد ثقيف ونحن عظماء القريتين: أي مكة والطائف؟ فأنزل الله تعالى {وقالوا لولا} أي هلا {أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} أي أعظم وأشرف من محمد، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {أهم يقسمون رحمة ربك} الآية.

وفي لفظ قال بعضهم: «كان الأحق بالرسالة الوليد بن المغيرة من أهل مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف». ثم لا يخفى أن كفار قريش بعثوا مع النضر بن الحارث عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما: أسألهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول: أي التوراة، لأنه قبل الإنجيل وعندهم علم ليس عندنا، فخرجا، حتى قدما المدينة وسألا أحبار يهود: أي قالا لهم: أتيناكم لأمر حدث فينا، منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما، يزعم أنه رسول الله. وفي لفظ «رسول الرحمن، قالوا صفوا لنا صفته، فوصفوا، قالوا فمن يتبعه منكم؟ قالوا سفلتنا، فضحك حبر منهم وقالوا: هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة.

قالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: أي وهم أهل الكهف ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: أي وهو ذو القرنين ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك: أي بحقيقة الأولين وبعارض من عوارض الثالث، وهو كونها من أمر الله فاتبعوه فإنه نبي، فرجع النضر وعقبة إلى قريش وقالا لهم: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وأخبراهم الخبر، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: أخبركم غدا، ولم يستثن: أي لم يقل إن شاء الله تعالى وانصرفوا، فمكث خمسة عشرة يوما، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أربعة أيام لا يأتيه الوحي، وتكلمت قريش في ذلك بما أخبر به النبي، فقالوا: إن محمدا قلاه ربه وتركه: أي ومن جملة من قال ذلك له أم جميل امرأة عمه أبي لهب، قالت له: ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك: أي تركك وبغضك. وفي رواية قالت: امرأة من قريش: أبطأ عليه شيطانه، وشقّ عليه ذلك منهم. ثم جاءه جبريل بسورة الكهف وفيها خبر الفتية الذين ذهبوا وهم أهل الكهف».

ويروى «أنهم يكونون مع عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إذا نزل، ويحجون البيت. وخبر الرجل الطواف وهو ذو القرنين: أي وهو إسكندر ذو القرنين كان له قرنان صغيران من لحم تواريهما العمامة ».

وفي لفظ: كان له شبه القرنين في رأسه، وقيل غديرتان من شعر، وقيل لأنه قرن ما بين طلوع الشمس ومغربها: أي بلغ قطري المشرق والمغرب، وقيل ضرب على قرن رأسه فمات ثم أحيي، ثم ضرب على قرنه الآخر فمات ثم أحيي. وقيل لأنه ملك الروم وفارس، وقيل لأنه انقرض في زمنه قرنان من الناس، والقرن زمان مائة سنة، وكان ذو القرنين رجلا صالحا من أهل مصر من ولد يونن. وفي لفظ يونان بن يافث بن نوح، وكان من الملوك العادلة، وكان الخضر صاحب لوائه الأكبر. وقيل كان نبيا قاله الضحاك.

وجاءه جبريل بالجواب عن الروح المذكور ذلك في سورة الإسراء، وهو أن الروح من أمر الله: أي قل لهم الروح من أمر ربي: أي من علمه لا يعلمه إلا هو: أي وكان في كتبهم أن الروح من أمر الله: أي مما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، ومن ثم جاء في بعض الروايات ما تقدم «إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس بنبي، وإلا بأن أجابكم عنها بأنها من أمر الله فهو نبي» ولعل هذا هو المراد كما جاء في بعض الروايات «سلوه عن الروح، فإن أخبركم به فليس بنبي، وإن لم يخبركم فهو نبي».

أقول: إذا كان في كتبهم أن حقيقة الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه كيف يسألونه فيخبرهم بذلك؟ إلا أن يقال: المراد إن أجابكم بغير قوله من أمر ربي فاعلموا أنه غير نبي، فإنه يحاول أن يخبركم عن حقيقتها، وحقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى.

ويوافقه ما في مأثور التفسير «من أمر ربي» من علم ربي لا علم لي به. وفي بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم، فإن قال لكم من الله تعالى، فقولوا له كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه».

وحاصل الجواب الذي أشارت إليه الآية أن الروح أمر بمعنى مأمور: أي مأمور من مأموراته، وخلق من خلقه، لا أنها جزء منه، والله أعلم: أي وهذا يدل على أن المسؤول عنه روح الإنسان التي هي سبب في إفادة الحياة للجسد.

وفي كلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن الروح روحان: حيواني، وهي التي تسميه الأطباء المزاج، وهو جسم لطيف بخاريّ معتدل، سار في البدن الحامل لقواه من الحواس الظاهرة والقوى الجسمانية، وهذه الروح تفنى بفناء البدن وتنعدم بالموت. وروح روحاني وهي التي يقال لها النفس الناطقة، ويقال لها اللطيفة الربانية، ويقال لها العقل، ويقال لها الروح ويقال لها القلب، من الألفاظ الدالة على معنى واحد، لها تعلق بقوى النفس الحيواني، وهذه الروح لا تفنى بفناء البدن، وتبقى بعد الموت، هذا كلامه.

وفي كلام بعضهم: والروح عند أكثر أهل السنة جسم لطيف، مغاير للأجسام ماهية وهيئة، متصرف في البدن، حالّ فيه حلول الدهن في الزيتون يعبر عنه بأنا وأنت. وإذا فارق البدن مات.

وذهب جمع منهم الغزالي والإمام الرازي وفاقا للحكماء والصوفية إلى أنه جوهر مجرّد غير حالّ بالبدن، يتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق، يدبر أمره على وجه لا يعلمه إلا الله اهـ.

ورأيت في كلام الشيخ الأكبر أن الإمام ركن الدين السمرقندي لما فتح المسلمون بلاد الهند، خرج بعض علمائها ليناظر المسلمين، فسأل عن العلماء، فأشاروا إلى الإمام ركن الدين السمرقندي، فقال له الهندي: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد الله بالغيب، قال: ما أنبأكم؟ قالوا: محمد، قال: فما الذي قال في الروح؟ قال: هو من أمر ربي، فقال صدقتم فأسلم، وليس المراد بالروح خلق من الملائكة على صورة بني آدم، أو ملك عظيم عرض شحمة أذنه خمسمائة عام إلى غير ذلك مما قيل. قال بعضهم: قلت كذا في هذه الرواية أنهم سألوه: أي مشركو مكة عن الروح. وحديث ابن مسعود يدل على أن السؤال عن الروح ونزول الآية كان بالمدينة: أي من اليهود، هذا كلامه.

وفيه أنه سيأتي جواز تكرار السؤال وتكرر نزول الآية إلى آخر ما يأتي، وبه يعلم ما في الإتقان حيث تعقب قول بعضهم: إن أصحاب محمد سألوه عن الروح وعن ذي القرنين بقوله: قلت: السائل عن الروح وذي القرنين مشركو مكة أو اليهود كما في أسباب النزول لا الصحابة.

وفي الإتقان: قد يعدل عن الجواب أصلا إذا كان السائل قصده التعنت نحو {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} قال صاحب الإفصاح: إنما سأل اليهود تعجيزا وتغليطا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان والقرآن وعيسى وجبريل وملك آخر وصنف من الملائكة، فقصد اليهود أن يسألوه، فبأيّ مسمى أجابهم؟ قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا. وكان هذا الإجمال كيدا يرد به كيدهم، وفي سورة الكهف أيضا آية {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت} أي إذا أردت أن تقول سأفعل شيئا فيما يستقبل من الزمان تقول إن شاء الله، فإن نسيت التعليق بذلك ثم تذكرت تأتي بها، فذكرها بعد النسيان كذكرها بعد القول. قال جمع منهم الحسن: ما دام في المجلس: أي وظاهره وإن طال الفصل.

وفي الخصائص الكبرى أن هذا: أي الإتيان بالمشيئة بعد التذكر من خصائصه، وليس لأحد منا أن يستثني: أي يأتي بالمشيئة إلا في صلة يمينه.

أقول: كان ينبغي أن يقول في صلة إخباره، لأن مساق الآية في الإخبار لا في الحلف.

فإن قيل: هي عامة في الخبر والحلف. قلنا كان ينبغي أن يقول حينئذ في صلة كلامه وحينئذ يقتضي كلامه أن نشاركه في الخبر دون الحلف والله أعلم.

ثم لا يخفى أنه قيل سبب احتباس الوحي أنه لم يقل إن شاء الله تعالى وهو المشهور، وقيل لأنه كان في بيته كلب. وفي لفظ: كان تحت سريره جرو ميت، فقد جاء «أنه لما عاتب جبريل في احتباسه، قال: أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب: أي فإنه قال لخادمته خولة: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني، قالت: فقلت في نفسي: لو كنست البيت، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو ميتا».

أقول: قال ابن كثير: قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعه من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب» وقد أورد بعض الزنادقة سؤالا، وهو إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة: أي صورة التماثيل التي فيها الأرواح، يلزم أن لا يموت من عنده كلب أو صورة، وأن لا يكتب عمله.

وأجيب عنه بأن المراد لا تدخل ذلك البيت دخول إكرام لصاحبه وتحصيل بركة، فلا ينافي دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح، والله أعلم.

وقيل لأنه زجر سائلا ملحا، وقد كان قبل ذلك يرد السائل بقوله: «آتاكم الله من فضله» أي وربما سكت، فقد روى الشيخان «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال لا» قال الحافظ ابن حجر: المراد بذلك أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه وإلا سكت، وهذا هو المراد بما جاء أنه ما ردّ سائلا قط: أي ما شافهه بالرد.

وقد حكى بعضهم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فسكت، فقلت: يا رسول الله إن ابن عيينة حدثنا عن جابر أنك ما سئلت شيئا قط فقلت لا، فتبسم واستغفر لي، أي فكان يأتي بالأول حيث لا يكون المقام يقتضي الاقتصار على السكوت، ولعل هذا في غير رمضان.

فلا يخالف ما رواه البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل» وبين الشيخ ابن الجوزي في النشر سبب إلحاح هذا السائل، فقال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه قطف عنب قبل أوانه، فهمّ أن يأكل منه، فجاءه سائل فقال: أطعموني مما رزقكم الله، فسلم إليه ذلك القطف، فلقيه بعض الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي، فعاد السائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه إياه، فلقيه رجل آخر من الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي، فعاد السائل فسأله فانتهره وقال: إنك ملحّ» قال: وهذا سياق غريب جدا، وهو معضل.

وقيل سبب ذلك غير ذلك، من ذلك الغير «أن جبريل عليه السلام لما قال له: ما حبسك عني؟ قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شعوركم، ولا تستاكون».

أقول: واختلاف هذه الأسباب ظاهر في أن الواقعة متعددة. ولا ينافيه قوله: ونزلت: أي آية سورة الضحى ردا عليهم في قولهم إن محمدا قلاه ربه وتركه، وهي {ما ودّعك ربك وما قلى}(1) أي ما قطعك قطع المودع، وما أبغضك، لأنه يجوز أن يكون مما تكرر نزوله لاختلاف سببه.

ويمكن أن يقال: يجوز أن تكون الواقعة واحدة وتعددت أسبابها. ولا ينافيه إخبار جبريل عليه السلام تارة بأن سبب احتباسه عدم قص الأظفار وما ذكر معه، وتارة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، وتارة بقوله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} كما يأتي قريبا، وكما سيأتي في قصة الإفك، لكن قال الحافظ ابن حجر: قصة إبطال جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية أي {ما ودعك ربك وما قلى} غريب فالمعتمد ما في الصحيح هذا كلامه.

أقول: ومما يدل على أن واقعة الجرو كانت بالمدينة ما في بعض التفاسير أن هذا الجرو كان للحسن والحسين رضي الله عنه، وما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في ساعة أن يأتيه، فجاء تلك الساعة ولم يأته فيها، قالت: وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول: ما يخلف الله وعده ولا رسله، ثم التفت فإذا كلب تحت السرير، فقال: متى دخل هذا الكلب؟ فقلت: والله ما دريت به، فأمر به فأخرج، فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعدتني فجلست لك ولم تأت؟ فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ».

وفي زيادة الجامع الصغير «أتاني جبريل فقال لي: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فأمر برأس التمثال الذي في البيت فليقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر فليقطع فيجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، وأمر بالكلب فأخرج» ومعلوم أن مجيء جبريل له إكرام وتشريف له، فلا ينافي ما تقدم فليتأمل.

ولما نزلت السورة المذكورة كبر فرحا بنزول الوحي، واستمر لا يجاهر قومه بالدعوة حتى نزل {وأما بنعمة ربك فحدث} فعند ذلك كبر أيضا، وكان ذلك سببا للتكبير في افتتاح السورة التي بعدها وفي ختمها إلى آخر القرآن.

وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه «أنه قرأ كذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمره له بذلك، وأنه كان كلما ختم سورة وقف وقفة ثم قال: الله أكبر».

هذا، وقيل ابتداء التكبير من أول ألم نشرح لا من أول والضحى. وقيل إن التكبير إنما هو لآخر السورة، وابتداؤه من آخر سورة الضحى إلى آخر {قل أعوذ برب الناس} والإتيان بالتكبير في الأول والآخر جمع بين الروايتين والرواية التي جاءت بأنه كبر في أول السورة المذكورة والرواية الأخرى أنه كبر في آخرها.

ومما يدل على أن التكبير أول سورة الضحى، ما جاء عن عكرمة بن سليمان قال: «قرأت على إسماعيل بن عبد ربه، فلما بلغت الضحى قال: كبر، فإني قرأت على عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة، فلما بلغت {والضحى} قال لي: كبر حتى تختم. وأخبرني ابن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبره أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيّ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك» قال بعضهم: حديث غريب.

ونقل عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال لآخر: إذا تركت التكبير: أي من الضحى إلى الحمد في الصلاة وخارجها فقد تركت سنة من سنن نبيك، لكن في كلام الحافظ ابن كثير: ولم يرد ذلك أي التكبير عند نزول سورة الضحى بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف.

وقد ذكر الشيخ أبو المواهب الشاذلي رضي الله تعالى عنه عن شيخه أبي عثمان أنه قال: إنما نزلت سورة {ألم نشرح} عقب قوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} إشارة إلى أن من حدث بنعمة الله فقد شرح الله صدره قال: كأنه تعالى يقول إذا حدثت بنعمتي ونشرتها بين عبادي فقد شرحت صدرك.

وعن ابن إسحاق: ذكر لي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا» وفي لفظ «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فقال له جبريل {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا} أي لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته على مقتضى حكمته، وما كان ربك تاركا لك كما زعم الكفار، بل كان ذلك لحكمة رآها.

وأما حديث الزبيدي، فقد حدث بعضهم الزبيدي، فقد حدث بعضهم قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومن معه من الصحابة إذا رجل من زبيد يطوف على حلق قريش حلقة بعد أخرى وهو يقول: يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المارة أو يجلب إليكم جلب، أو يحل بضم الحاء أي ينزل بساحتكم تاجر وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم؟ حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال له: ومن ظلمك؟ فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال خيرة إبله أي أحسنها فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها، ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد عليّ سلعتي فظلمني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين جمالك؟ قال: هذه هي بالحزورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أصحابه فنظروا إلى الجمال فرأى جمالا حسنا، فساوم ذلك الرجل حتى ألحقه برضاه، وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه، وكل ذلك وأبو جهل جالس في ناحية من السوق ولم يتكلم، ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إياك يا عمرو أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الرجل فترى مني ما تكره، فجعل يقول: لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على أبي جهل أمية بن خلف ومن معه من القوم، فقالوا له: ذللت في يد محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه، وإما رعب دخلك منه، فقال لهم: لا أتبعه أبدا، إن الذي رأيتم مني لما رأيته، رأيت معه رجالا عن يمينه ورجالا عن شماله معهم رماح يشرعونها إليّ، لو خالفته لكانت إياها أي لأتوا على نفسي».

ونظير ذلك «أن أبا جهل كان وصيا على يتيم فأكل ماله وطرده، فاستغاث اليتيم بالنبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل، فمشى معه إليه ورد عليه ماله، فقيل له في ذلك فقال: خفت من حربة عن يمينه وحربة عن شماله لو امتنعت أن أعطيه لطعنني».

وأما حديث المستهزئين. فمما استهزىء به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث به بعضهم «أن أبا جهل بن هشام ابتاع من شخص يقال له الإراشي بكسر الهمزة نسبة إلى إراشة بطن من خثعم أجمالا فمطله بأثمانها، فدلته قريش على النبي صلى الله عليه وسلم لينصفه من أبي جهل استهزاء برسول الله، لعلمهم بأنه لا قدرة له على أبي جهل: أي بعد أن وقف على ناديهم فقال: يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني علي حقي، فقالوا له أترى ذلك الرجل؟ يعنون رسول الله، اذهب إليه فهو يعينك عليه، فجاء إلى رسول الله، فذكر له حاله مع أبي جهل ـ أي قال له: يا أبا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله وأنا غريب وابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي بحقي منه فأشاروا إليك، فخذ حقي منه يرحمك الله ـ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل إلى أبي جهل وضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال محمد، فخرج إليه وقد انتقع لونه: أي تغير وصاح كلون النقع ـ الذي هو التراب، وهو الصفرة مع كدرة كما تقدم ـ فقال له: أعط هذا حقه، قال نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له، فدفعه إليه. قال: ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا يعني النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقد والله أخذ لي بحقي، وقد كانوا أرسلوا رجلا ممن كان معهم خلف النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له انظر ماذا يصنع؟ فقالوا لذلك الرجل ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال: أعط هذا حقه، فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إليه، فعند ذلك قالوا لأبي جهل: ويلك ما رأينا مثل ما صنعت، قال: ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط، لو أبيت أو تأخرت لأكلني» وإلى هذه القصة أشار صاحب الهمزية بقوله:

واقتضاه النبي دين الإراشي ** وقد ساء بيعه والشراء

ورأى المصطفى أتاه بما لم ** ينج منه دون الوفاء النجاء

هو ما قد رآه من قبل لكن ** ما على مثله يعد الخطاء

أي وطلب من أبي جهل أن يؤدي دين الإراشي وقد ساء بيعه وشراؤه مع ذلك الرجل ورأى المصطفى وقد أتاه بفحل من الإبل لم ينج منه دون الوفاء لذلك الدين. كثير النجاء، وذلك الذي أتاه به هو الفحل الذي قد رآه من قبل: أي لما أراد عدو الله أن يلقي عليه الحجر وهو ساجد كما تقدم، لكن ما على مثله فضلا عنه يعدّ الخطأ لأن خطأه لا ينحصر.

أي ومن استهزاء أبي جهل بالنبي «أنه في بعض الأوقات سار خلف النبي صلى الله عليه وسلم يخلج بأنفه وفمه يسخر به، فاطلع عليه، فقال له: كن كذلك، فكان كذلك إلى أن مات».

قال ابن عبد البر: وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى فيهم {إنا كفيناك المستهزئين} أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن العاص بن أمية وهو والد مروان بن الحكم عم عثمان بن عفان، والعاص بن وائل، فمن استهزاء أبي جهل ما تقدم.

ومن استهزاء أبي لهب به أنه كان يطرح القذر على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، ومرّ يوما من الأيام فرآه أخوه حمزة رضي الله تعالى عنه قد فعل ذلك، فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول صابىء أحمق.

ومن استهزاء عقبة بن أبي معيط به أنه كان يلقي القذر أيضا على بابه كما تقدم، وقد قال: «كنت بين شرّ جارين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحونها على بابي» كما تقدم.

ومن استهزائه «أنه بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا: أي فإنه كان يكثر مجالسة عقبة بن أبي معيط، فقدم عقبة يوما من سفر فصنع طعاما ودعا الناس من أشراف قريش ودعا النبي، فلما قرب إليهم الطعام أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل، فقال: ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله، فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فأكل من طعامه وانصرف الناس، وكان عقبة صديقا لأبيّ بن خلف، فأخبر الناس أبيا بمقالة عقبة، فأتى إليه وقال: يا عقبة صبوت؟ قال: والله ما صبوت، ولكن دخل منزلي رجل شريف، فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم والشهادة ليست في نفسي، فقال له أبيّ وجهي ووجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فقال له عقبة: لك ذلك، ثم إن عقبة لقي النبي صلى الله عليه وسلم ففعل به ذلك» قال الضحاك: لما بزق عقبة لم تصل البزقة إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وصلت إلى وجهه هو كشهاب نار فاحترق مكانها، وكان أثر الحرق في وجهه إلى الموت. وحينئذ يكون المراد بقوله فيما تقدم «فعاد بصاقه برصا في وجهه» أي صار كالبرص «وأنزل الله تعالى في حقه {ويوم يعضّ الظالم على يديه} أي في النار يأكل إحدى يديه إلى المرفق ثم يأكل الأخرى، فتنبت الأولى فيأكلها وهكذا».

ومن استهزاء الحكم بن العاص «أنه كان يمشي ذات يوم وهو خلفه يخلج بفمه وأنفه، يسخر بالنبي، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كن كذلك فكان كذلك» أي كما تقدم نظير ذلك لأبي جهل «واستمر الحكم بن العاص يخلج بأنفه وفمه بعد أن مكث شهرا مغشيا عليه حتى مات» أسلم يوم فتح مكة وكان في إسلامه شيء «اطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة، فخرج إليه بالعنزة ـ أي وقيل بمدرى في يده ـ والمدرى كالمسلة يفرق به شعر الرأس ـ وقال: من عذيري من هذه الوزغة، لو أدركته لفقأت عينه، ولعنه وما ولد، وغربه عن المدينة إلى وجّ الطائف، فلم يزل حتى ولي ابن أخي عثمان رضي الله تعالى عنه الخلافة، فدخل المدينة بعد أن سأل عثمان أبا بكر في ذلك، فقال: لا أحل عقدة عقدها رسول الله، ثم سأل عمر لما ولي الخلافة فقال له مثل ذلك، ولما أدخله عثمان نقم عليه الصحابة بسبب ذلك، فقال: أنا كنت شفعت فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعدني برده: أي أني أردّه» ولا ينافي ذلك سؤال عثمان لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم في ذلك كما لا يخفى، لأنه يحتمل أن يرده عثمان إما بنفسه أو بسؤاله، وسيأتي ذلك في جملة أمور نقهما عليها الصحابة.

وعن هند ابن خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بالحكم، فجعل يغمز بالنبي، فرآه فقال: اللهم اجعل به وزغا فرجف وارتعش مكانه» والوزغ: الارتعاش. وفي رواية «فما قام حتى ارتعش».

وعن الواقدي «استأذن الحكم بن العاص على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته، فقال: ائذنوا له، لعنه الله ومن يخرج من صلبه إلا المؤمنين منهم وقليل ما هم، ذو مكر وخديعة، يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق» «وكان لا يولد لأحد ولد بالمدينة إلا أتى به النبي، فأتي إليه بمروان لما ولد، فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون» وعلى هذا فهو صحابي إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه، لأنه يحتمل أنه أتي به إليه فلم يأذن بإدخاله عليه، وربما يدل لذلك قوله هو الوزغ إلى آخره.

وفي كلام بعضهم أن مروان ولد بمكة. وفي كلام بعض آجر أنه ولد بالطائف بعد أن نفي أبوه إلى الطائف: أي ولم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو ليس بصحابي، ومن ثم قال البخاري: مروان بن الحكم لم ير النبي، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت لمروان «نزل في أبيك {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم} وقالت له «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك الذي هو العاص بن أمية: إنهم الشجرة الملعونة في القرآن» ولي مروان الخلافة تسعة أشهر. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم، حيث قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فقال عبد الرحمن: بل سنة هرقل وقيصر، وامتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك {والذي قال لوالديه أف لكما} فبلغ ذلك عائشة، فقالت كذب والله ما هو به، ثم قالت له: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه.

وعن جبير بن مطعم «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ الحكم بن العاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لأمتي مما في صلب هذا» قال بعضهم: وكون النبي صلى الله عليه وسلم مع ما هو عليه من الحلم والإغضاء على ما يكره فعل بالحكم ذلك، يدل على أمر عظيم ظهر له في الحكم وأولاده.

وعن حمران بن جابر الجعفي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل لبني أمية ثلاث مرات» أي وقد ولي منهم الخلافة أربعة عشر رجلا، أوّلهم معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم مروان بن محمد، وكانت مدة ولايتهم ثنتين وثمانين سنة، وهي ألف شهر. وقال بعضهم: لا يزيد ذلك يوما ولا ينقص يوما. قال ابن كثير: وهذا غريب جدا، وفيه نظر، لأن معاوية حين تسلم الخلافة من الحسن كان ذلك سنة أربعين أو إحدى وأربعين، واستمر الأمر في بني أمية إلى أن انتقل إلى بني العباس سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة، وألف شهر تعدل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر هذا كلامه.

ومن استهزاء العاص بن وائل أنه كان يقول: غرّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث.

أي ومن استهزائه. أن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه كان قينا بمكة: أي حدادا يعمل السيوف، وقد كان باع للعاص سيوفا فجاءه يتقاضى ثمنها، فقال له: يا خباب أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم أو ولد؟ قال خباب بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، ووالله لا تكونن أنت وصاحبك آثر عند الله مني ولا أعظم حظا في ذلك.

وفي لفظ أن العاص قال له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتي مالا وولدا فأقضيك، فأنزل الله تعالى فيه {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتينّ مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدّا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا}!.

وفي كلام ابن حجر الهيتمي، وفي البخاري من عدة طرق: أن خبابا رضي الله تعالى عنه طلب من العاص بن وائل السهمي دينا له عليه، قال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا أكفر به حتى يميتك الله ثم يبعثك.

وفيه أن هذا تعليق للكفر بممكن: أي وتعليق الكفر ولو بمحال عادي، وكذا شرعي أو عقلي على احتمال كفر، لأنه ينافي عقد التصميم الذي هو شرط في الإسلام.

وأجيب بأنه لم يقصد التعليق قطعا، وإنما أراد تكذيب ذلك اللعين في إنكار البعث، ولا ينافيه قوله «حتى» لأنها تأتي بمعنى إلا المنقطعة فتكون بمعنى لكن الذي صرحوا بأن ما بعدها كلام مستأنف، وعليه خرج ابن هشام الخضراوي حديث «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه» أي لكن أبواه.

وعد بعضهم من المستهزئين الحارث بن عيطلة، ويقال ابن عيطل ينسب إلى أمه، وكان من استهزائه ما تقدم عن العاص بن وائل وأبي جهل من الاختلاج خلف رسول الله.

وعد منهم الأسود بن يغوث، وهو ابن خال النبي، كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه استهزاء بالصحابة: قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون كسرى وقيصر: أي لأن الصحابة كانوا متقشفين، ثيابهم رثة، وعيشهم خشن، ويقول للنبي: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد، وما أشبه هذا القول.

وعد منهم الأسود بن عبد المطلب. ومن استهزائه أنه كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويصفرون إذا رأوهم.

وعد منهم النضر بن الحارث، فهلك غالبهم قبيل الهجرة بضروب من البلاء.

أقول: والذي ينبغي أن يكون المراد بالمستهزئين في الآية وهي {إنا كفيناك المستهزئين} الوليد بن المغيرة والد خالد وعم أبي جهل، فإنه كان من عظماء قريش، وكان في سعة من العيش ومكنة من السيادة، كان يطعم الناس أيام مني حيسا، وينهي أن توقد نار لأجل طعام غير ناره، وينفق على الحاج نفقة واسعة، وكانت الأعراب تثني عليه، كانت له البساتين من مكة إلى الطائف، وكان من جملتها بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا، وببركته أصابته الجوائح والآفات في أمواله حتى ذهبت بأسرها ولم يبق له في أيام الحج ذكر. وكان المقدم في قريش فصاحة، وكان يقال له ريحانة قريش، ويقال له الوحيد أي في الشرف والسؤدد والجاه والرياسة. قال بعضهم: بل هو وحيد في الكفر والخبث والعناد.

والعاص بن وائل والد عمرو بن العاص والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عيطلة. وفي لفظ: ابن الطلاطلة. والطلاطلة في اللغة: الداهية، قال بعضهم وهو اشتباه، لأن ابن الطلاطلة اسمه مالك لا حارث.

والحارث بن العيطلة كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وإليه كانت الحكومة والأموال التي تجعل للآلهة، وذكره ابن عبد البر في الصحابة. قال في أسد الغابة: لم أر أحدا ذكره في الصحابة إلا أبا عمرو يعني ابن عبد البر. والصحيح أنه كان من المستهزئين، وهؤلاء الخمسة هم الذين اقتصر عليهم القاضي البيضاوي، لما يروى «أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد: أي يطوف بالبيت ؛ وقال له أمرت أن أكفيكم، فلما مر الوليد بن المغيرة قال له: يا محمد كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله، فأومأ إلى ساق الوليد وقال كفيته، ومرّ العاص بن وائل، فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال عبد سوء، فأشار إلى أخمصه وقال كفيته، ثم مرّ الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: عبد سوء، فأومأ إلى عينه، وقال كفيته، ثم مر الأسود بن عبد يغوث فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال عبد سوء، فأومأ إلى رأسه وقال كفيته، ثم مر الحارث بن عيطلة فقال: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: عبد سوء، فأومأ إلى بطنه وقال كفيته» وحينئذ يكون معنى كفاية هذا له أنه لم يسع ولم يتكلف في تحصيل ذلك، وإلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله:

وجبريل لما استهزأت فرقة الردى ** أشار إلى كل بأقبح ميتة

والله أعلم.

قال: وروى الزهري «أن الأسود بن عبد يغوث خرج من عند أهله فأصابته السموم فاسودّ وجهه، فأتى أهله فلم يعرفوه وأقفلوا دونه الباب، وسلط عليه العطش فلا زال يشرب الماء حتى انشق بطنه» وهذا يناسب ما سيأتي عن الهمزية، ولا يناسب أن جبريل عليه الصلاة والسلام أشار إلى رأسه، وفي كلام البلاذري عن عكرمة «أن جبريل أخذ بعنق الأسود بن عبد يغوث فحنى ظهره حتى احقوقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خالي خالي» أي لأنه كما تقدم ابن خاله، فهو إما على حذف المضاف، أو لأجل مراعاة أبيه: أي يراعى لأجل أبيه الذي هو خالي «فقال جبريل: يا محمد دعه» وفي رواية «قال له جبريل: خلّ عنك، ثم حثاه حتى قتله» وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه.

والمناسب لذلك ما ذكره بعضهم أنه امتخض رأسه قيحا، ثم لم يزل يضرب برأسه أصل شجرة حتى مات، وكذا الحارث بن عيطلة: أي وفي كلام القاضي وحارث بن قيس.

وفي تكملة الجلال السيوطي عدي بن قيس، فقد أكل حوتا مملحا فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ بطنه، وهذا المناسب لما ذكر هنا أن جبريل أشار إلى بطنه، لكن لا يناسب ما قاله القاضي البيضاوي أنه أشار إلى أنفه فامتخض قيحا.

وأما الأسود بن المطلب فقد عمي بصره. فقد ذكر «أنه خرج ليستقبل ولده، وقد قدم من الشام، فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة، فجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها حتى عمي، فجعل يستغيث بغلامه، فقال له غلامه: لا أحد يصنع بك شيئا: أي وقيل ضربه بغصن فيه شوك، فسالت حدقتاه، وصار يقول: ها هوذا طعن بالشوك في عيني، فيقال له ما نرى شيئا، وقيل أتى شجرة فجعل ينطح رأسه بها حتى خرجت عيناه» أي وفعل ذلك لا ينافي ما ورد «فأشار أي جبريل إلى وجهه فعمي بصره في الحال» لجواز أن يراد بالحال الزمن القريب، وفي رواية: أنه كان يقول «دعا عليّ محمد بالعمى فاستجيب له، ودعوت عليه بأن يكون طريدا شريدا فاستجيب لي» وسيأتي عن بعضهم في غزوة بدر «أنه دعا على الأسود بن المطلب بالعمي وفقد أولاده، فجعل له العمى وفقد أولاده ببدر. وأما الوليد بن المغيرة فمر بشخص يعمل النبل فتعلق بثوبه سهم فلم ينقلب لينحيه تعاظما، فعدا فأصاب السهم عرقا في ساقه فقطعه فمات. وأما العاص بن وائل، فدخلت شوكة في أخمصه فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات» وإلى الخمسة الذين ذكرنا أنهم المرادون بقوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} أشار صاحب الهمزية بقوله:

وكفاه المستهزئين وكم سا ** ء نبيا من قومه استهزاء

خمسة كلهم أصيبوا بداء ** والردى من جنوده الأدواء

فدهي الأسود بن مطلب ** أيّ عمي ميت به الأحياء

ودهى الأسود بن عبد يغوث ** أن سقاه كأس الرد استسقاء

وأصاب الوليد خدشة سهم ** قصرت عنها الحية الرقطاء

وقضت شوكة على مهجة العا ** ص فللّه النقعة الشوكاء

وعلى الحارث القيوح وقد سا ** ل بها رأسه وسال الوعاء

خمسة طهرت بقطعهم الأر ** ض فكف الأذى بهم شلاء

أي وكفى الله رسوله المستهزئين به، ومرات كثيرة أحزن نبينا كغيره من الأنبياء استهزاء قومه به، وهؤلاء المستهزئون به خمسة كلهم أصيبوا بداء عظيم، والهلاك من جملة جنوده الأمراض.

فأهلك الأسود بن المطلب عمى عظيم الأحياء أموات بسببه، وهو المناسب لكون جبريل أشار إلى عينيه. ودهي أيضا الأسود بن عبد يغوث استسقاء سقاه كأس الموت، وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه. وأصاب الوليد أثر سهم في ساقه قصرت عنه الحية الرقطاء: أي سمها. وقضت شوكة على مهجة العاص دخلت في رجله، فللّه هذه النقعة الخشنة اللمس. وقضت على الحارث القيوح والحال أنه قد سار رأسه، وفسد ذلك الوعاء لتلك القيوح، وهذا هو المناسب لكون جبريل أشار إلى أنفه، لا لقول بعضهم إنه أشار إلى بطنه. خمسة طهرت بهلاكهم الأرض، فكف الأذى بهم شلاء: فاقدة الحركة.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الخمسة هلكوا في ليلة واحدة، فعلم أن هؤلاء هم المرادون بقوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} كما ذكرنا، وإن كان المستهزئون غير منحصرين فيهم فلا ينافي عدّ منبه ونبيه ابني الحجاج منهم.

فقد قيل: كانا ممن يؤذي رسول الله، وكانا يلقيانه فيقولان له أم وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر، فإن كنت صادقا فأتنا بملك ليشهد لك ويكون معك، وإذا ذكر لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا معلم مجنون يعلمه أهل الكتاب ما يأتي به. ولا ينافي عدّ أبي جهل وغيره منهم كما تقدم.

وفي سيرة ابن المحدث قال عليه الصلاة والسلام «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه».

ومن استهزاء أبي جهل أيضا بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما لقريش: يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذين يقذفونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا، فيعجز كل مائة رجل منكم عن واحد منهم؟ .

أي وفي رواية «أن بعض قريش وكان شديدا قويّ البأس، بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدمه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال له: أنا أكفيك سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، ويقال إن هذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصارعة، وقال له: يا محمد إن صرعتين آمنت بك، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فلم يؤمن».

أي وفي رواية أنا أبا جهل قال: أنا أكفيكم عشرة فاكفوني تسعة، فأنزل الله تعالى {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } أي لا يطاقون كما تتوهمون {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة } ضلالا {للذين كفروا} الآية: أي بأن يقولوا ما ذكر، أو يقولوا لم كانوا تسعة عشر؟ وماذا أراد الله بهذا العدد: أي وهذا العدد لحكمة استأثر الله تعالى بعملها، وقد أبدى بعض المفسرين لذلك حكما تراجع.

وقد جاء في وصف تلك الملائكة «أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي» أي القرون «ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة » وفي رواية «ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب، لأحدهم قوة مثل قوة الثقلين، نزعت الرحمة منهم».

وأخرج العتبي في (عيون الأخبار) عن طاوس: إن الله خلق مالكا وخلق له أصابع على عدد أهل النار، فما من أهل النار معذب إلا ومالك يعذبه بأصبع من أصابعه، فوالله لو وضع مالك أصبعا من أصابعه على السماء لأذابها، وهؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء، ولكل واحد أتباع لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى. قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي وهؤلاء الأتباع منهم.

وأخرج هناد عن كعب قال: يؤمر بالرجل إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك: أي والمتبادر أن هؤلاء من خزنتها.

وفي كلام بعضهم: لم يثبت لملائكة النار عدد معين سوى ما في قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} وإنما ذلك لسقر التي هي إحدى دركات النار، لقوله تعالى قبل ذلك {سأصليه سقر} وقد يكون على كل واحدة منها مثل هذا العدد أو أكثر. قيل و«بسم الله الرحمن الرحيم» عدد حروفها على عدد هؤلاء الزبانية التسعة عشر، فمن قرأها وهو مؤمن دفع الله تعالى عنه بكل حرف منها واحدا منهم.

أقول: ومن استهزاء أبي جهل أيضا أنه قال يوما لقريش وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الحق: يا معشر قريش يخوّفنا محمد بشجرة الزقوم، يزعم أنها شجرة في النار يقال لها شجرة الزقوم، والنار تأكل الشجر، إنما الزقوم التمر والزبد.

وفي لفظ: العجوة تترب بالزبد، هاتوا تمرا وزبدا وتزقموا، فأنزل الله تعالى {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي منبتها في أصل جهنم ولا تسلط لجهنم عليها، أما علموا أن من قدر على خلق من يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق بها؟

وقد قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: إنها تحيا باللهب كما يحيا شجر الدنيا بالمطر، وثمر تلك الشجرة مرّ له زفرة. وأخرج الترمذي وصححه النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون طعامه؟ » أي وقال: يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فكف عن سبّ آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ.

ثم رأيت في الدر المنثور في تفسير {إنا كفيناك المستهزئين} قيل نزلت في جماعة مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون. هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل، فغمز جبريل عليه الصلاة والسلام بأصبعه في أجسادهم فصارت جروحا وأنتنت، فلم يستطع أحد يدنو منهم حتى ماتوا فلينظر الجمع على تقدير الصحة.

وقد يدّعى أنهم طائفة آخرون غير من ذكر، لأنهم المستهزئون ذلك الوقت، أي فقد تكرر نزول الآية، والله أعلم.

قال: ومن استهزاء النضر بن الحارث أنه كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا يحدّث فيه قومه ويحذرهم ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله تعالى خلفه في مجلسه ويقول لقريش: هلموا فإني والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، يعني النبي «ثم يحدثهم عن ملوك فارس، لأنه كان يعلم أحاديثهم ويقول: ما حديث محمد إلا أساطير الأولين.

ويقال إنه الذي {قال سأنزل مثل ما أنزل الله} انتهى: أي لأنه ذهب إلى الحيرة واشترى منها أحاديث الأعاجم ثم قدم بها مكة فكان يحدث بها ويقول: هذه كأحاديث محمد عن عاد وثمود وغيرهم. ويقال إن ذلك كان سببا لنزول قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث}.

قال في الينبوع: والمشهور أنها نزلت في شراء المغنيات. وقال: ولا بعد في أن تكون الآية نزلت فيهما ليتحقق العطف في قوله تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} أي فإن هذا الوصف الثاني إنما يناسب النضر، فليتأمل، ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث: لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين، فأنزل الله تعالى تكذيبا له {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي معينا له.

وجاء «أن جماعة من بين مخزوم منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة تواصوا على قتله، فبينما قائما يصلي سمعوا قراءته، فأرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم وأعلمهم بذلك فأتوه، فلما سمعوا قراءته قصدوا الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فذهبوا إليه فسمعوه من أمامهم ولا زالوا كذلك حتى انصرفوا خائبين، فأنزل الله تعالى قوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} وتقدم في سبب نزولها غير ذلك. ويمكن أن يدعي أنها نزلت لوجود الأمرين فليتأمل.

وجاء «أن النضر بن الحارث رأى النبي صلى الله عليه وسلم منفردا أسفل ثنية الحجون فقال: لا أجده أبدا أخلى منه الساعة فأغتاله، فدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتاله، فرأى أسود تضرب بأذنابها على رأسه فاتحة أفواهها فرجع على عقبه مرعوبا فلقي أبا جهل فقال: من أين؟ فأخبره النضر الخبر، فقال أبو جهل: هذا بعض سحره».

ومما تعنتوا به أنه لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} أي وقودها. وحصب بالزنجية حطب: أي حطب جهنم. وقد قرأتها عائشة رضي الله تعالى عنها {كذلك أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون} شق على كفار قريش وقالوا لعبد الله بن الزبعرى: قد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي، فدعوه له، فقال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله؟ فقال: بل لكل من عبد من دون الله، فقال ابن الزبعرى: أخصمت ورب هذه البنية ـ يعني الكعبة ـ ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد من دون الله وكذا عزيرا والملائكة، عبدت النصارى عيسى واليهود عزيرا وبنو مليح الملائكة، فضج الكفار وفرحوا فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} يعني عيسى وعزيرا والملائكة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله: باب الهجرة الأولىحتمل أنه أتي به إليه فلم يأذن بإدخاله عليه، وربما يدل لذلك قوله هو الوزغ إلى آخره.

وفي كلام بعضهم أن مروان ولد بمكة. وفي كلام بعض آجر أنه ولد بالطائف بعد أن نفي أبوه إلى الطائف: أي ولم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو ليس بصحابي، ومن ثم قال البخاري: مروان بن الحكم لم ير النبي، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت لمروان «نزل في أبيك {ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم} وقالت له «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك الذي هو العاص بن أمية: إنهم الشجرة الملعونة في القرآن» ولي مروان الخلافة تسعة أشهر. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم، حيث قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر لما بايع معاوية لولده، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فقال عبد الرحمن: بل سنة هرقل وقيصر، وامتنع من البيعة ليزيد بن معاوية، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك {والذي قال لوالديه أف لكما} فبلغ ذلك عائشة، فقالت كذب والله ما هو به، ثم قالت له: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه.

وعن جبير بن مطعم «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ الحكم بن العاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لأمتي مما في صلب هذا» قال بعضهم: وكون النبي صلى الله عليه وسلم مع ما هو عليه من الحلم والإغضاء على ما يكره فعل بالحكم ذلك، يدل على أمر عظيم ظهر له في الحكم وأولاده.

وعن حمران بن جابر الجعفي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل لبني أمية ثلاث مرات» أي وقد ولي منهم الخلافة أربعة عشر رجلا، أوّلهم معاوية بن أبي سفيان، وآخرهم مروان بن محمد، وكانت مدة ولايتهم ثنتين وثمانين سنة، وهي ألف شهر. وقال بعضهم: لا يزيد ذلك يوما ولا ينقص يوما. قال ابن كثير: وهذا غريب جدا، وفيه نظر، لأن معاوية حين تسلم الخلافة من الحسن كان ذلك سنة أربعين أو إحدى وأربعين، واستمر الأمر في بني أمية إلى أن انتقل إلى بني العباس سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة، وألف شهر تعدل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر هذا كلامه.

ومن استهزاء العاص بن وائل أنه كان يقول: غرّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث.


باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه، قال لهم: تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى جهة أرض الحبشة ؛ قال: وفي رواية «قال لهم اخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد؛ أي وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» انتهى. أي ويجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره عن محل اشارته. فقد جاء في الحديث «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم خليل الله ونبيه محمد » فهاجر إليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله تعالى بدينهم. ومنهم من هاجر بأهله. ومنهم من هاجر بنفسه؛ فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي، وكان أول خارج. وقيل أول من هاجر إلى الحبشة حاطب بن أبي عمرو. وقيل سليط بن عمرو، ولا ينافيهما قوله «إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» أي حيث (قال إني مهاجر إلى ربي) فهاجر إلى عمه إبراهيم الخليل، ثم هاجرا عليهما الصلاة والسلام حتى أتيا حران، ثم هاجرا إلى أن نزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلسطين، ونزل لوط عليه الصلاة والسلام المؤتفكة.

ووجه عدم المنافاة أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله وكان مع رقية أم أيمن حاضنته، وكانت رقية رضي الله تعالى عنها ذات جمال بارع وكذا عثمان رضي الله تعالى عنه، ومن ثم كان النساء يغنينهما بقولهن:

أحسن شيء قد يرى إنسان ** رقية وبعدها عثمان

ومن ثم ذكر «أنه بعث رجلا إلى عثمان ورقية رضي الله تعالى عنهما فاحتبس عليه الرسول، فلما جاء إليه قال له: إن شئت أخبرتك ما حبسك؟ قال نعم، قال: وقفت تنظر إلى عثمان ورقية تعجب من حسنهما» أي ومعلوم أن ذلك كان قبل آية الحجاب.

ويذكر أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون إليها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فقتلوا جميعا. وقد جاء في وصف حسن عثمان رضي الله تعالى عنه قوله «قال لي جبريل: إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان» وسيأتي ذلك مع زيادة.

وأبو سلمة هاجر ومعه زوجته أم سلمة: أي وقيل هو أول من هاجر بأهله، وهو مخالف للرواية السابقة أن عثمان أول من هاجر بأهله. ويمكن أن تكون الأولية فيه إضافية فلا ينافي ما سبق عن عثمان.

وعامر بن ربيعة هاجر ومعه امرأته ليلى: أي وعنها رضي الله تعالى عنها كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا بعمر بن الخطاب، فقال لي: إلى أين يا أمّ عبدالله؟ فقلت: قد آذيتمونا في ديننا، نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال صحبكم الله، ثم ذهب فجاء زوجي عامر فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم عمر، والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب: أي استبعادا لما كان يرى من قسوته وشدته على أهل الإسلام، وهذا دليل على أن إسلام عمر كان بعد الهجرة الأولى للحبشة، وهو كذلك: أي خلافا لمن قال إنه كان تمام الأربعين من المسلمين: أي ممن أسلم.

وفيه أن المهاجرين إلى أرض الحبشة كانوا فوق ثمانين كما قاله بعضهم، اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة، وربما يدل لذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الصديق وفي ضرب قريش له رضي الله تعالى عنه لما قام خطيبا في المسجد الحرام، وقد تقدمت حيث قالت: وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا، لكن في الرواية أنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر فليتأمل.

وفي لفظ عن أم عبدالله زوج عامر قالت: إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر، تعني زوجها، إلى بعض حاجته، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف عليّ وكنا نتقي منه الأذى والبلاء والشدة علينا، فقال: إنه لخروج يا أم عبدالله، فقلت: والله لنخرجن إلى أرض فقد آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا، فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا، وقلت لعامر: يا أبا عبدالله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم.

وممن هاجر أبو سبرة، وهو أخو أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما لأمه، أمهما برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله، هاجر ومعه امرأته أم كلثوم.

وممن هاجر بنفسه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهما: أي وكان أميرا عليهم كما قيل، وجزم به ابن المحدث في سيرته. وقال الزهري: لم يكن لهم أمير. وسهيل بن البيضاء: أي والزبير بن العوام وعبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وقيل إنما كان عبدالله بن مسعود في الهجرة الثانية فخرجوا سرا: أي متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي حتى انتهوا إلى البحر، فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار: أي وفي المواهب: وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار؛ هذا كلامه فليتأمل.

وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا إلى البحر، فلم يجدوا أحدا منهم، ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها واخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة، فلما وصلوا إلى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار، فمكثوا في أرض الحبشة بقية رجب وشعبان إلى رمضان، فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين {والنجم إذا هوى} أي وقد أنزلت عليه في ذلك الوقت. ففي كلام بعضهم «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه سورة {والنجم إذا هوى} فقرأها عليهم حتى إذا بلغ {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحي إليه، وهما: تلك الغرانيق العلى: أي الأصنام، وإن شفاعتهن لترتجى» وفي لفظ: «لهي التي ترتجى» شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء، جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة، أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا، أو غرنوق بضم الغين وفتح النون: وهو طير طويل العنق وهو الكركي أو يشبهه. ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء، فالأصنام شبهت بها في علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا: أي المسلمون والمشركون.

أقول: قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان، وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان.

قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة: أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافي أن {اقرأ باسم ربك} سورة نزلت فيها سجدة، لأن النازل منها أوائلها كما علمت.

وقد جاء «أنه قرأ يوما {اقرأ باسم ربك} فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون».

وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه«أنه سجد في النجم: أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون» ومجموع ذلك يردّ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنه لم يسجد في شيء من المفصل قبل أن يتحول إلى المدينة » لأن سورة النجم من المفصل، لأن عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة.

لا يقال: لعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل. لأنا نقول {اقرأ باسم ربك} من المفصل اتفاقا. وعلى ما قال أئمتنا يكون في المفصل ثلاث سجدات: في النجم والانشقاق {واقرأ باسم ربك} وهي أي النجم أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.

وذكر الحافظ الدمياطي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأى من قومه كفا عنه: أي تركا وعدم تعرض له، فجلس خاليا فتمنى، فقال: ليته لم ينزل عليّ شيء ينفرهم عني» وفي رواية: «تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم، وقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوما مجلسا في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم {والنجم إذا هوى}» إلى آخر ما تقدم والله أعلم.

ومن جملة من كان من المشركين حينئذٍ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، لأنه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود.

وقيل الذي فعل ذلك، سعيد بن العاص، ويقال كلاهما فعل ذلك، وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح، وقيل عتبة بن ربيعة، وقيل أبو لهب، وقيل المطلب.

وقد يقال: لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا، بعضهم فعل ذلك تكبرا، وبعضهم فعل ذلك عجزا، وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب، فقد جاء «وفيها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس، غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال يكفي هذا».

ولا يخالف ذلك ما نقل عن ابن مسعود «ولقد رأيت الرجل أي الفاعل لذلك قتل كافرا» لأنه يجوز أن يكون المراد بقتل مات «فعند ذلك قال المشركون له: قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس في البيت».

وفيه أنه كيف يكبر عليه ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على إسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطي، إلا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل، وقال له: ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك في قولنا: «فلما أمسى أتاه جبريل: فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها، فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت على الله ما لم يقل أي فكبر عليه ذلك ـ فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره} بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك {وإذا} لو فعلت أي دمت عليه {لاتخذوك خليلا} إلى قوله {ثم لا تجد لك علينا نصيرا} أي مانعا يمنع العذاب عنك، وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحى إليه.

وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له على اقامته بالمدينة: لئن كنت نبيا فالحق بالشام لأنها أرض الأنبياء حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج برحله فنزلت، فرجع أي بدليل ما بعدها. وقيل إن التي بعدها نزلت في أهل مكة وقيل إن آية {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا ننحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني.

وقيل نزلت في قريش قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلمّ بآلهتنا وتمسها بيدك.

وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله، والقاضي البيضاوي اقتصر على ما عدا الأول، والله أعلم.

قال: وقيل إن هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله، وإنما ارتصد الشيطان سكته عند قوله الأخرى، فقالهما محاكيا نغمته، فظنهما النبي صلى الله عليه وسلم كما في (شرح المواقف) ومن سمعه أنهما من قوله: أي حتى قال: قلت على الله ما لم يقل، وتباشر بذلك المشركون، وقالوا إن محمدا قد رجع إلى ديننا: أي دين قومه حتى ذكر أن آلهتنا لتشفع لنا، وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} أي قراءته ماليس من القرآن: أي مما يرضاه المرسل إليهم. وفي البخاري «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) يبطله (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها (والله عليم) بالقاء الشيطان ما ذكر (حكيم) في تمكينه من ذلك، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه، ولم أقف على بيان أحد من الأنبياء والمرسلين وقع له مثل ذلك.

وفيه كيف يجترىء الشيطان على التكلم بشيء من الوحي. ومن ثم قيل: هذه القصة طعن في صحتها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة: أي ومن ثم أسقطها القاضي البيضاوي. ومن جملة المنكرين لها القاضي عياض، فقد قال: هذا الحديث لم يخرّجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به المفسرون المؤرخون، المولعون بكل غريب.

أي وقال البيهقي: رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. وقال الإمام النووي نقلا عنه وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منهم شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل، لأن مدح إله غير الله كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلى رسول الله، ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول الله، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك: أي وألا يلزم عدم الوثوق بالوحي.

وقال الفخر الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} أي الشيطان لا يجترىء أن ينطق بشيء من الوحي. وقال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر، وقال: رد عياض لا فائدة فيه، ولا يعود عليه، هذا كلامه، وفشا أمر تلك السجدة في الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة: أي عظماءهم قد سجدوا وأسلموا حتى الوليد بن المغيرة، وسعيد بن العاص.

وفي كلام بعضهم: والناقل لإسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع معهم، فطار الخبر بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة، فظنوا صحة ذلك، فقال المهاجرون بها: من بقي بمكة: إذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب إلينا فخرجوا: أي خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين إلى مكة: أي وكانوا ثلاثة وثلاثين رجلا، منهم عثمان بن عفان، والزبير ابن العوام وعثمان بن مظعون، وذلك في شوال، حتى إذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، وتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة ؛ أي بعضهم بجوار وبعضهم مستخفيا.

قال في الإمتاع: ويقال إن رجوع من كان مهاجرا بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج من الشعب، هذا كلامه. وفيه نظر ظاهر، ويرشد إليه التبري لأنهم مكثوا في الشعب ثلاث سنين أو سنتين، ومكث هؤلاء عند النجاشي حينئذٍ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت. وأيضا الهجرة الثانية للحبشة إنما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتي.

قال في الأصل: ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار إلا ابن مسعود؛ فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة.

أي وهذا من صاحب الأصل تصريح بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى، وهو موافق في ذلك لشيخه الحافظ الدمياطي، لكن الحافظ الدمياطي جزم بأن ابن مسعود كان في الهجرة الأولى ولم يحكِ خلافا، وصاحب الأصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها، وبه جزم ابن إسحاق حيث قال: إن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، فكان ينبغي للأصل أن يقول على ما تقدم.

هذا، وفي كلام بعضهم: فلم يدخل أحد منهم مكة إلا مستخفيا، وكلهم دخلوا مكة إلا عبدالله بن مسعود فإنه رجع إلى أرض الحبشة.

وقد يقال: لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها، فلا ينافي ما سبق. ويجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين، فلا يخالف ما سبق أيضا، ولما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا.

قال: وممن دخل بجوار: عثمان بن مظعون، دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الأذى قال: والله إن غدويّ ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير، فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال له: ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي وأنت في ذمتي فأكفيك ذلك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحد ولا آذاني، ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره، قال: انطلق إلى المسجد فأردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني لا أستجير بغير الله عز وجل، قد رددت عليه جواره، فقال الوليد أشهدكم أني بريء من جواره إلا أن يشاء، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد * ألا كل شيء ما خلا الله باطل * فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد * وكل نعيم لا محالة زائل * فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه. فمن سفاهته فارق ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة فخرجت منها، وكنت عن الذي لقيت غنيا، فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: بل كنت إلى الذي لقيت فقيرا، والله إن عيني الصحيحة التي لم تلطم لفقيره إلى مثل ما أصاب أختها في الله عز وجل، ولي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، وإني لفي جوار من هو أعزّ منك انتهى، فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الآخرة ومن ثم قال له نعيم الجنة لا يزول. لا يقال: لولا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الآخرة لما تشوش من الردّ عليه. لأنا نقول: يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت.

على أن هذا السياق دالّ على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل إسلامه، ويؤيده ما قيل: أكثر أهل الأخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وبه يردّ ما في الاستيعاب أن هذا: أي قوله: ألا كل شيء إلى آخره شعر حسن، فيه ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وكذلك قوله:

فوكل امرى يوما سيعلم سعيه ** إذا كشفت عند الإله المحاصل

وقد يقال: لا يلزم من قوله المذكور الذي لا يصدر غالبا إلا عن مسلم أن يكون قاله في حال إسلامه، كما وقع لأمية بن أبي الصلت حيث قال في شعره ما لا يقوله إلا مسلم مع كفره، ومن ثم قال فيه «آمن شعره وكفر قلبه» وفي رواية «كاد يسلم».

وذكر محيى الدين بن العربي قوله: «أصدق بيت قالته العرب» وفي رواية «أشعر كلمة تكلمت به العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»:

اعلم أن الموجودات كلها وإن وصفت بالباطل فهي حق من حيث الوجود، ولكن سلطان المقام إذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث إنه ليس له وجود من ذاته، فحكمه حكم العدم، وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل: أي كالباطل، لأن العالم قائم بالله تعالى لا بنفسه، فهو من هذا الوجه باطل، والعارف إذا وصل إلى مقامات القرب في بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق، لا أنها زالت من الوجود بالكلية، ثم إذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى والخلق معا في آن واحد، وما كل أحد يصل إلى هذا المقام، فإن غالب الناس إن شهد الحق لم يشهد الخلق، وإن شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها إلا من أدرك اجتماع الضدين، ولعل من المشهد الأول قول الأستاذ الشيخ أبي الحسن البكري رضي الله تعالى عنه: أستغفر الله مما سوى الله، لأن الباطل يستغفر من إثبات وجوده لذاته.

ويوافق قول أكثر أهل الأخبار: قول السهيلي: وأسلم لبيد وحسن إسلامه، وعاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: أي في خلافته عن تركه للشعر، فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله تعالى البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمسمائة من أجل هذا القول، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة. وقيل إنه قال بيتا واحدا في الإسلام وهو:

فالحمد لله الذي لم يأتني أجلي ** حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

قال: وممن دخل بجوار: أبو سلمة بن عبد الأسد ابن عمته، فإنه دخل في جوار خاله أبي طالب. ولما أجاره مشى إليه رجال من بني مخزوم. فقالوا: يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فمالك ولصاحبنا تمنعه منا؟ فقال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وأنا إن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي. فقام أبو لهب على أولئك الرجال، وقال لهم: يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ في جواره من قومه، والله لتنتهن أو لأقومنّ معه في كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد، قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة: أي لأنه كان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى: أي وطمع أبو طالب في أبي لهب حيث سمعه يقول ما ذكر، ورجا أن يقوم معه في شأنه، وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته.

وممن أوذي في الله بعد إسلامه ووقع له نظير ما وقع لعثمان بن مظعون رضي الله عنه عمر بن الخطاب.

وسبب إسلامه على ما حدّث به بعضهم قال: قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي أي ابتداؤه والسبب فيه؟ قلنا: نعم قال: كنت من أشد الناس على رسول الله، فبينا أنا في يوم حار شديد الحرّ بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش: أي وهو نعيم بن عبدالله النحام بالحاء المهملة. قيل له ذلك، لأنه قال فيه: لقد سمعت نجمته في الجنة، أي صوته وحسه، كان يخفي إسلامه خوفا من قومه، وأخبرني أن أختي يعني أم جميل، واسمها فاطمة كما تقدم، وقيل زينب، وقيل آمنة قد صبئت: أي أسلمت وكذا زوجها وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو ابن عمّ عمر، وكانت أخت سعيد عاتكة تحت عمر، فرجعت مغضبا، وقد كان رسول يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوّة يكونان معه يصيبان من طعامه وقد ضم إلى زوج أختي رجلين ممن أسلم: أي أحدهما خباب بن الأرث بالمثناة فوق، والآخر لم أقف على اسمه.

وفي السيرة الهشامية الاقتصار على خباب، وأنه كان يختلف إليهما ليعلمهما القرآن، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل لي: من بالباب؟ قلت: ابن الخطاب، وكان القوم جلوسا يقرؤون صحيفة معهم، فلما سمعوا صوتي تبادروا: أي واستخفوا ونسوا الصحيفة، فقامت المرأة يعني أخته ففتحت لي فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبوت وضربتها بشيء كان في يدي فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت، فدخلت وجلست على السرير، فنظرت فإذا بالصحيفة في ناحية من البيت، فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه: أي فإن عمر كان كاتبا، فقالت: لا أعطيكه لست من أهله، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، فلم أزل حتى أعطتنيه: أي بعد أن اغتسل كما في بعض الروايات، وفي بعض الروايات قالت له: يا أخي إنك نجس على شركك فإنه لا يمسه إلا المطهرون، وقولها لا تغتسل من الجنابة، ربما يخالف قول بعضهم إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة، وكون عمر كان يخالفهم في ذلك من البعيد، وكون هذا منها يحمل على أنه لم يغتسل غسلا يعتدّ به يخالفه ما تقدم عن بعض الروايات أنه لما اغتسل دفعت له تلك الرقعة وفي لفظ قالت له: إنا نخشاك عليها، قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فدفعتها له، أي وطمعت في إسلامه، فإذا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فلما مررت على (بسم الله الرحمن الرحيم) ذعرت أي فزعت ورميت الصحيفة من يدي: ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها، فإذا فيها {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} فكلما مررت باسم من أسمائه عز وجل ذعرت: أي فألقيها ثم ترجع إليّ نفسي فآخذها حتى بلغت{آمنوا بالله ورسوله} إلى قوله تعالى {إن كنتم مؤمنين} فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا مني، وحمدوا الله عز وجل، ثم قالوا: يا ابن الخطاب أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم دعا، فقال «اللهم أعزّ الإسلام» وفي لفظ «أيد الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل بن هشام، وإما بعمر بن الخطاب» أي وفي لفظ «بأحب هذين الرجلين إليك أبي الحكم عمرو بن هشام يعني أبا جهل وعمر بن الخطاب» أي وفي غير ما رواية بعمر ابن الخطاب، من غير ذكر أبي جهل.

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إنما قال «اللهم أعزّ عمر بالإسلام» لأن الإسلام يعزّ ولا يعزّ، ولعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها، بدليل تعليلها واستبعادها أن يعزّ الإسلام بعمر فليتأمل. وكان دعاؤه بذلك يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس. قال عمر رضي الله تعالى عنه: فلما عرفوا مني الصدق، قلت لهم أخبروني بمكان رسول الله، قالوا: هو في بيت بأسفل الصفا ووصفوه: أي وهي دار الأرقم فخرجت» وفي رواية «أن عمر قال: يا خباب انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خباب وابن عمه سعيد معه قال عمر: فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، فما اجترأ أحد أن يفتح لي الباب لما عرفوه من شدّتي على رسول الله، ولم يعلموا إسلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتحوا له، فإن يرد الله به خيرا يهده». وفي لفظ يهديه باثبات الياء، وهي لغة «ففتحوا لي: أي والذي أذن في دخوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وقيل بثلاثة أشهر. وكان إسلام عمر وهو ابن ست وعشرين سنة. قال: وأخذ رجلان بعضديّ حتى دنوت من النبي، فقال: أرسلوه، فأرسلوني، فجلست بين يديه فأخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهده، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت، بطرف مكة ».

أي وفي الأوسط للطبراني، ورواه الحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر «أن رسول الله، ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غلّ وأبدله إيمانا» أي ولعل خبابا وسعيدا لم يدخلا معه وإلا لبشرا بإسلام عمر.

وفي رواية «لما ضرب الباب وسمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا سيفه: أي ولم ير معه خبابا ولا سعيدا، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه، نعوذ بالله من شره، فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلنا له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه».

وفي لفظ أنه قال: «إن جاء بخير قبلناه، وإن جاء بشر قتلناه» وفي لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟ فوالله ما أدري أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ».

وفي لفظ «أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة » أي أحد المستهزئين به كما تقدم، فقال «يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله» وفي رواية «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرفت» وفي رواية «سمعها أهل المسجد».

وفي رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول الله، فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعه فهزه».

وفي رواية: «أخذ ساعده وانتهره؛ فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس» وفي لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال: اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد وما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه».

أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه وإتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه: وقوله ولم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لأظهر إيماني عندك وعند أصحابك، وعند ذلك قال له رسول الله: «أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، وقوله للنبي: اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، والله أعلم. قال عمر: وأحببت أن يظهر إسلامي وأن يصيبني ما يصيب من أسلم من الضرر والإهانة، فذهبت إلى خالي وكان شريفا في قريش وأعلمته أني صبوت: أي وهو أبو جهل.

وقد جاء في بعض الروايات، قال عمر: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فذكرت أبا الجهل فجئت له فدققت عليه الباب، فقال: من بالباب؟ قلت عمر بن الخطاب، فخرج إليّ فقال: مرحبا وأهلا يا بن أختي، ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك. وفي لفظ لأبشرك ببشارة، فقال أبو جهل: وما هي يا ابن أختي؟ فقلت: إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدّقت ما جاء به، فضرب الباب في وجهي: أي أغلقه، وهو بمعنى أجاف الباب كما في بعض الروايات وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به: أي وإنما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قيل لأن أم عمر أخت أبي جهل، وقيل لأن أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبي جهل، فأبو جهل خال أم عمر وقيل إن أم عمر بنت عم أبي جهل وصححه ابن عبد البر، وعصبة الأم أخوال الابن. قال عمر: وجئت رجلا آخر من عظماء قريش وأعلمته أني صبوت فلم يصبني منها شيء، فقال لي رجل: تحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم، قال: إذا جلس الناس يعني قريشا في الحجر واجتمعوا فائتِ فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر رضي الله عنه. أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا، وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ومات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبوت، قال فلما اجتمعت الناس في الحجر جئت الرجل فدنوت منه وأخبرته، فرفع صوته بأعلاه، فقال: ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقام خالي ـ يعني أبا جهل على الحجر فأشار بكمه وقال: ألا إني أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فصرت» أي بعد ذلك «أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيبني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك ردّ، فقال: لا تفعل يا بن أختي، فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام».

أي وفي السيرة الهشامية: بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم: أي وهو العاص بن وائل فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا صبأ عمر، قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل، فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه.

أي وفي البخاري «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر، فبينا عمر في داره خائفاإذ جاءه العاص بن وائل، فقال له: مالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت: أي إذ أسلمت، قال: أمنت لا سبيل إليك، فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا عمر بن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه فأنا له جار، فكسر الناس، وتصدعوا عنه» أي ويذكر «أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فألقاه عمر إلى الأرض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشراسيفه وهي أطراف أضلاعه».

وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب إسلامه، قال «خرجت أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح بسورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ {إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} قال: قلت كاهن علم ما في نفسي، فقرأ {ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع».

أي ومن ذلك ما في السيرة الهشامية عن عمر رضي الله تعالى عنه «قال: جئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام» أي صخرة بيت المقدس «وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركن الأسود والركن اليماني» أي لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا حينئذٍ كما تقدم «قال: فقلت حين رأيته لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، قال: فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعني الكعبة، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقرأ الرحمن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف فتبعته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني وظن إنما تبعته لأوذيه فنهمني أي زجرني، ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله» وفي رواية «ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى فيه ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت عمر، قال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا، فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عمر أتسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك، فحمد الله تعالى، ثم قال: هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته».

أي ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، ثم رأيت العلامة ابن حجر الهيتمي، قال: ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه.

قال: ومن ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم، وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة: أي وفي لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب، وكذا كذا أوقية من الفضة، وكذا كذا نافجة من المسك، وكذا كذا ثوبا وغير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر وتعاهد معهم على ذلك، قال عمر: فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول الله. فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، وذريح اسم للعجل المذبوح، وقيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم وكان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم: أي ابن عبدالله النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا ابن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابىء الذي فرّق أمر قريش وسفه أحلامها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك أي زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك، وإنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله، وقيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر وأحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا وقد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله، فسلّ عمر سيفه وسلّ سعد سيفه وشد كل منهما على الآخر حتى كاد أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: مالك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر وسار إلى منزل أخته» أي ولا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم وسعد بن أبي وقاص وقال له كل منهما ما ذكر.

وفي هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، وإنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي وترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما ـ يخاطب أخته وزوجها ـ بايعتما محمدا على دينه، وبطش بزوج أخته فألقاه إلى الأرض وجلس على صدره وأخذ بلحيته، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها: أي فلما رأت الدم قالت له: يا عدو الله أتضربني على أن أوحد الله تعالى؟ لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع، فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتبا، قالت: أخشاك عليها، فحلف ليردنها إذا قرأها إليها، فقالت له: ياأخي أنت نجس ولا يمسه إلا الطاهر، فقام واغتسل: أي وفي لفظ فذهب يغتسل، فخرج إليها خباب وقال: أتدفعين كتاب الله تعالى إلى عمر وهو كافر؟ قالت نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، ورجع خباب إلى محله ودخل عمر، فأعطته تلك الصحيفة ؛ فلما قرأها عمر وبلغ {فلا يصدّنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى} قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله»ا هـ أي وفي رواية «أنه لما قرأ الصحيفة قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه: أي وقيل إنه لما انتهى إلى قوله تعالى {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} قال: ينبغي لمن يقول هذا أن لا يعبد معه غيره، فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال: يا عمر إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر، فقال له عند ذلك: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم: أي عنده وعند أصحابه، فلا ينافي ما في الرواية الأولى أنه أسلم، فقال له خباب هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه؛ فعمد إلى رسول الله » الحديث.

أقول: ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين حيث كانت القصة واحدة ولم تتعدد؛ بأنه يجوز أن يكون زوج أخته استخفى أولا مع خباب ورفيقه ثم ظهر فأوقع به وبأخته ما ذكر، وأنه في الرواية الأولى اقتصر على ذكر أخته والصحيفة تعددت، واحدة فيها {سبح لله ما في السموات وما في الأرض} والثانية فيها طه، اقتصر في الرواية الأولى على إحداهما وهي التي فيها {سبح الله} وفي الرواية الثانية على الأخرى التي فيها (طه) وإنه في الرواية الأولى أسلم، وفي الرواية الثانية سكت عن ذلك، والله أعلم.

وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه قال المشركون: لقد انتصف القوم منا.

وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما «لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه نزل جبريل عليه الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر».

قال: وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» ا هـ وزاد بعضهم عن ابن مسعود: والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة أي عندها ظاهرين آمنين حتى أسلم عمر، فقاتلهم حتى تركونا، فصلينا: أي وجهروا بالقراءة وكانوا قبل ذلك لا يقرؤون إلا سرا كما تقدم. وعن صهيب: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا.

وفي كلام ابن الأثير: مكث مستخفيا في دار الأرقم ومن معه من المسلمين إلى أن كملوا أربعين بعمر بن الخطاب، وعند ذلك خرجوا، وتقدم ما في ذلك.

ومما يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه: من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه. السيد هو الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل. أشقى الولاة من شقيت به رعيته. أعدل الناس أعذرهم للناس.

وفي مختصر تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيتمي أن عمر أول من قال: أطال الله تعالى بقاءك، وأيدك الله، قال ذلك لعلي رضي الله تعالى عنه. وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار.

ويروى أن الأرقم هذا لما كان بالمدينة بعد الهجرة تجهز ليذهب فيصلي في بيت المقدس فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يودعه فقال له: ما يخرجك؟ أي من المدينة حاجة أم تجارة ؛ قال: لا يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ولكن أريد الصلاة في بيت المقدس، فقال رسول الله «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» فجلس الأرقم ولم يذهب لبيت المقدس.

ولما حضرته الوفاة أوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فلما مات كان سعد بالعقيق، فقال مروان: يحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل غائب وأراد الصلاة عليه فأبى ولده ذلك على مروان، ووقع بينهم كلام؛ ثم جاء سعد وصلى على الأرقم.

أي وقيل لعمر رضي الله عنه: ما سبب تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لك بالفاروق؟ قال: لما أسلمت والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مختفون قلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم، فقلت: ففيم الاختفاء، والذي بعثك بالحق ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، والذي بعثك بالحق لنخرجن، فخرجنا في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر، له: أي لذلك الجمع كديد ككديد الطحين أي لذلك الجمع غبار ثائر من الأرض لشدة وطء الأقدام، لأن الكديد التراب الناعم إذا وطىء ثار غباره قال: حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها: أي فطاف بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم رجع ومن معه إلى دار الأرقم، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ الفاروق، فرق الله بي بين الحق والباطل.

أي وفي رواية «أنه خرج في صفين: حمزة في أحدهما. وعمر في الآخر، لهم كديد ككديد الطحين».

وفي رواية: أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له يا رسول الله لا ينبغي أن تكتم هذا الدين، أظهر دينك، وفي رواية «والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون وعمر أمامهم، معه سيفه ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد، ثم صاح مسمعا لقريش: كل من تحرك منكم لأمكنن سيفي منه، ثم تقدم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف والمسلمون، ثم صلوا حول الكعبة، وقرؤوا القرآن جهرا، وكانوا كما تقدم لا يقدرون على الصلاة عند الكعبة ولا يجهرون بالقرآن».

وفي المنتقي على ما نقله بعضهم «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر أمامه، وحمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم».

وفيه أن صلاة الظهر لم تكن فرضت حينئذٍ، إلا أن يقال المراد بصلاة الظهر الصلاة التي وقعت في ذلك الوقت: أي ولعل المراد بها صلاة الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة صلاهما في وقت الظهر.

وعن عمر رضي الله عنه «وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت، أي وقد قال له بعض نسائه: يا عمر أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ » ومنع رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبدالله بن أبي بن سلول.

وفي البخاري «لما توفي عبدالله بن أبي جاء ولده عبدالله رضي الله عنه إلى رسول الله، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه» وهذا لا يخالف ما في تفسير القاضي البيضاوي، من أن ابن أبيّ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، فلما دخل عليه، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده الشريف ويصلي عليه، فلما مات أرسل له قميصه ليكفن فيه، لأنه يجوز أن يكون إرساله للقميص بسؤال ولده له بعد موت أبيه.

قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جازت له تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه.

قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له؛ وذلك أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا، وكان رجلا طوالا، فكساه عبدالله قميصه: أي ولأن الضنة بإرساله القميص سيما وقد سئل فيه مخلّ بالكرم، وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد ولكن نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك وإكراما لابنه.

وفي هذا تصريح بأن ابن أبيّ كان مع المسلمين في بدر وفي الحديبية. ثم إن ابنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، فقال له: أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الأعداء: أي وذلك بعد سؤال ولده له في ذلك كما تقدم عن القاضي البيضاوي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرت، فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وسأزيده على السبعين، وفي رواية: أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدّ عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، فصلى عليه رسول الله، فأنزل الله تعالى {ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} إلى قوله {وهم فاسقون} ولينظر ما معنى التخيير في الآية، وما الجمع بين قوله «سأزيد على السبعين» وقوله «ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها»؟ .

ثم رأيت القاضي البيضاوي قال في وجه التخيير: وقوله سأزيد على السبعين إنه فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل، فجوّز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه، فبين له: أي الحق سبحانه أن المراد به التكثير بقوله في الآية الأخرى{سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} هذا كلامه وحينئذٍ يشكل قوله «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» فإن هذا مقتض لعدم الصلاة عليه، لا للصلاة عليه فليتأمل، وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: إن في القرآن لقرآنا من رأي عمر، وما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.

وقد أوصل بعضهم موافقاته: أي الذي نزل القرآن على وفق ما قال وما أراد إلى أكثر من عشرين: أي وقد أفردها بعضهم بالتأليف، وقد سئل عنها الجلال السيوطي فأجاب عنها نظما.

قال عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما نزل بالناس أمر، فقال الناس وقال عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.

وعن مجاهد: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وقد قال «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» ومن موافقاته ما سيأتي في أسارى بدر.

ومنها أنه لما سمع قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية، قال {فتبارك الله أحسن الخالقين} فنزلت كذلك.

ومنها أن بعض اليهود قال له إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} فنزلت كذلك «واستأذن رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له وقال: يا أخي لا تنسنا من دعائك» أي وفي رواية «يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسنا، قال عمر ما أحب أن لي بقوله: يا أخي ما طلعت عليه الشمس» وجاء «أول من يصافحه الحق عمر بن الخطاب، وأول من يسلم عليه» وجاء «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» وجاء «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» وممن نزل القرآن على وفق ما قال مصعب بن عمير أيضا رضي الله تعالى عنه، كان اللواء بيده يوم أحد وسمع الصوت أن محمدا قد قتل، فصار يقول {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فنزلت.


باب اجتماع المشركين على منابذة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف وكتابة الصحيفة

قد اجتمع كفار قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتله رجل من قريش وتريحونا وتريحون أنفسكم، فأبى قومه، فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بني هاشم وبني المطلب، واخراجهم من مكة إلى شعب أبي طالب.

فيه تصريح بأن شعب أبي طالب كان خارجا عن مكة، والتضييق عليهم بمنع حضور الأسواق، وأن لا ينكاحوهم، وأن لا يقبلوا لهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل: أي وفي لفظ: لا تنكحوهم، ولا تنكحوا إليهم، ولا تبيعوهم شيئا، ولا تبتاعوا منهم شيئا، ولا تقبلوا منهم صلحا الحديث، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة: أي توكيدا على أنفسهم. وقيل كانت عند خالة أبي جهل.

وقد يجمع بأنه يجوز أن تكون كانت عندها قبل أن تعلق في الكعبة على أنه سيأتي أنه يجوز أن الصحيفة تعددت، وكان اجتماعهم وتخالفهم في خيف بني كنانة بالأبطح ويسمى محصبا، وهو بأعلى مكة عند المقابر، فدخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم الشعب إلا أبا لهب فإنه ظاهر عليهم قريشا، وكان سنه حين دخل الشعب ستة وأربعين سنة. وفي الصحيح «أنهم في الشعب جهدوا كانوا يأكلون الخَبَطَ وورق الشجر».

وفي كلام السهيلي: كانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته، فيقوم أبو لهب فيقول: يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يعللهم به، فيغدو التجار على أبي لهب فيربحهم، هذا كلامه.

ولا منافاة بين خروج أحدهم السوق إذا جاءت العير بالميرة إلى مكة، وكونهم منعوا من الأسواق والمبايعة لهم كما لا يخفى.

وكان دخولهم الشعب هلال المحرم سنة سبع من النبوة، وحينئذٍ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة.

أقول: وفي رواية «أن خروج بني هاشم وبني المطلب إلى الشعب لم يكن اخراج قريش لهم، وإنما خرجوا إليه لأن قريشا لما قدم عليهم عمرو بن العاص من عند النجاشي خائبا، وردت معه هديتهم، وفقد صاحبه الذي هو عمارة بن الوليد، وبلغهم اكرام النجاشي لجعفر ومن معه من المسلمين: أي كما سيأتي، وظهور الإسلام في القبائل، كبر ذلك عليهم، واشتد أذاهم على المسلمين، واجتمع رأيهم على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم علانية، فلما رأى أبو طالب ذلك جمع بني هاشم والمطلب مؤمنهم وكافرهم، وأمرهم أن يدخلوا برسول الله عليه الصلاة والسلام الشعب ويمنعوه ففعلوا، فبنو هاشم وبنو المطلب كانوا شيئا واحدا، لم يفترقوا حتى دخلوا معهم في الشعب، انخذل عنهم بنو عميهم عبد شمس ونوفل، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته:

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ** عقوبة شر عاجلا غير آجل

وقال في قصيدة أخرى:

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ** وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما

فلما علمت قريش ذلك، أجمع رأيهم على أن يكتبوا عهودا ومواثيق، على أن لا يجالسوهم» الحديث.

وفيه أنه سيأتي أن خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة إنما كان بعد الهجرة الثانية، وهي بعد دخول بني هاشم والمطلب إلى الشعب، والله أعلم.


باب الهجرة الثانية إلى الحبشة

لا يخفى أنه لما وقع ما ذكر انطلق إلى الحبشة عامة من آمن بالله ورسوله: أي غالبهم، فكانوا عند النجاشي ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة، وهذا بناء على أن عمار بن ياسر كان منهم. وقد اختلف في ذلك، وكلام الأصل يميل إلى ذلك، وكان من الرجال جعفر ابن أبي طالب ومعه زوجته أسماء بنت عميس، والمقداد بن الأسود، وعبدالله بن مسعود وعبيدالله بالتصغير بن جحش ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصر هناك ثم مات على النصرانية: أي وبقيت أم حبيبة رضي الله تعالى عنها على إسلامها، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.

وعن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها قالت «رأيت في المنام كأن عبيدالله بن جحش زوجي بأسوأ حال وتغيرت صورته، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في هذا الدين فلم أر دينا خيرا من دين النصرانية، وقد كنت دنت بها ثم دخلت في دين محمد ثم خرجت إلى دين النصرانية، قالت: فقلت والله ما خير لك، وأخبرته بما رأيته له فلم يحفل بذلك وأكب على الخمر يشربه حتى مات، فرأيت في المنام كأنّ آتيا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني، فكان كذلك.

أي وذكر ابن إسحاق أن أبا موسى الأشعري هاجر إلى الحبشة، ومراده أنه هاجر إليها من اليمن لا من مكة كما فهم الواقدي، فاعترض عليه في ذلك. فعن أبي موسى «أنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باليمن، فخرج هو ونحو خمسين رجلا في سفينة مهاجرين إليه، فألقتهم السفينة إلى النجاشي بالحبشة، فوجدوا جعفرا وأصحابه، فأمرهم جعفر بالإقامة، واستمروا كذلك حتى قدموا عليه هم وجعفر عند فتح خيبر كما سيأتي.

وبهذا يندفع قول بعضهم: ما ذكره ابن إسحاق من أن أبا موسى الأشعري هاجر من مكة إلى الحبشة من الغريب جدا، ولعله مدرج من بعض الرواة، فأقاموا بخير دار عند خير جار، فبعثت قريش خلفهم عمرو بن العاص ومعه عمارة بن الوليد بن المغيرة التي أرادت قريش دفعه لأبي طالب ليكون بدلا عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قتلوه بهدية إلى النجاشي والهدية فرس وجبة ديباج: أي وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا ليرد من جاء إليه من المسلمين، فلما دخلا عليه سجدا له وقعد واحد من يمينه والآخر عن شماله.

وفي كلام بعضهم: فأجلس عمرو بن العاص على سريره وقبل هديتهما، فقالا: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا وعن آلهتنا: أي ولم يدخلوا في دينكم، بل جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قريش لتردوهم إليهم قال: وأين هم؟ قالوا بأرضك، فأرسل في طلبهم: أي وقال له عظماء الحبشة: ادفعهم إليهما فهما أعرف بحالهم، فقال: لا والله حتى أعلم على أي شيء هم؟ فقال عمرو: هم لا يسجدون للملك: أي وفي لفظ لا يخرون لك ولا يحيونك بما يحييك الناس إذا دخلوا عليك رغبة عن سنتكم ودينكم، فلما جاؤوا قال لهم جعفر رضي الله تعالى عنه: أنا خطيبكم اليوم: أي فإنه لما جاءهم رسول النجاشي يطلبهم اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه. قال جعفر ما ذكر، وقال: إنما نقول ما علمنا وما أمرنا به رسول الله، ودع يكون ما يكون، وقد كان النجاشي دعا أساقفته وأمرهم بنشر مصاحفهم حوله، فلما جاء جعفر وأصحابه صاح جعفر، وقال: جعفر بالباب يستأذن ومعه حزب الله، فقال النجاشي: نعم يدخل بأمان الله وذمته، فدخل عليه ودخلوا خلفه فسلم، فقال له الملك: مالك لا تسجد؟ .

وفي لفظ: إن عمرا قال لعمارة: ألا ترى كيف يكتنون بحزب الله وما أجابهم به، وإن عمرا قال للنجاشي: ألا ترى أيها الملك أنهم مستكبرون لم يحيوك بتحيتك، فقال النجاشي: ما منعكم أن لا تسجدوا وتحيوني بتحيتي التي أحيى بها، فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل، قال: ولم ذلك؟ قال: لأن الله تعالى أرسل فينا رسول، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله عز وجل، وأخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام فحييناك بالذي يحيي به بعضنا بعضا: أي وعرف النجاشي ذلك، لأنه كذلك في الإنجيل كما قيل: أي وأمرنا بالصلاة أي غير الخمس، لأنها لم تكن فرضت، بل التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي: أي ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها على ما تقدم. والزكاة: أي مطلق الصدقة، لا زكاة المال لأنها إنما فرضت بالمدينة أي في السنة الثانية، ومراده بالزكاة الطهارة، قال عمرو بن العاص للنجاشي: فإنهم يخالفونك في ابن مريم، ولا يقولون إنه ابن الله عز وجل وعلا. قال: فما تقولون في ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله عز وجل: روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء: أي البكر البتول: أي المنقطعة عن الأزواج، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها أي يشقها. ويخرج منها ولد: أي غير عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، فقال النجاشي: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون؛ أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل: أي ومعنى كونه روح الله أنه حاصل عن نفخة روح القدس الذي هو جبريل، ومعنى كونه كلمة الله تعالى أنه قال له كن فكان: أي حصل في حال القول.

وفي لفظ أن النجاشي قال لمن عنده من القسيسين والرهبان: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا؟ أي صفته ما ذكر هؤلاء؛ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، فقال: من آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي؛ فعند ذلك قال النجاشي: والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعله وأوضئه: أي أغسل يديه، وقال للمسلمين: أنزلوا حيث شئتم سيوم بأرضي: أي آمنون بها، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، وقال: من نظر إلى هؤلاء الرهط نظرة تؤذيهم فقد عصاني.

وفي لفظ، ثم قال: اذهبوا فأنتم آمنون، من سبكم غرم، قالها ثلاثا: أي أربع دراهم وضعفها كما جاء في بعض الروايات، وأمر بهدية عمرو ورفيقه فردت عليهما.

وفي لفظ، أن النجاشي قال: ما أحب أن يكون لي ديرا من ذهب: أي جبلا وأن أوذي رجلا منكم، ردوا عليهم هداياهم فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله تعالى مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.

وكان النجاشي أعلم النصاري بما أنزل على عيسى، وكان قيصر يرسل إليه علماء النصارى لتأخذ عنه العلم.

أي وقد بينت عائشة رضي الله تعالى عنها السبب في قول النجاشي: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي. وهو أن والد النجاشي كان ملكا للحبشة فقتلوه وولوا أخاه الذي هو عم النجاشي، فنشأ النجاشي في حجر عمه لبيبا حازما، وكان لعمه اثنا عشر ولدا لا يصلح واحد منهم للملك، فلما رأت الحبشة نجابة النجاشي خافوا أن يتولى عليهم فيقتلهم بقتلهم لأبيه، فمشوا لعمه في قتله، فأبى وأخرجه وباعه، ثم لما كان عشاء تلك الليلة مرت على عمه صاعقة فمات، فلما رأت الحبشة أن لا يصلح أمرها إلا النجاشي ذهبوا وجاؤوا به من عند الذي اشتراه، وعقدوا له التاج، وملكوه عليهم، فسار فيهم سيرة حسنة.

وفي رواية: ما يقتضى أن الذي اشتراه رجل من العرب، وأنه ذهب به إلى بلاده ومكث عنده مدة، ثم لما مرج أمر الحبشة وضاق عليهم ما هم فيه خرجوا في طلبه وأتوا به من عند سيده، ويدل لذلك ما سيأتي عنه أنه عند وقعة بدر أرسل خلف من عنده من المسلمين فدخلوا عليه، فإذا هو قد لبس مسحا وقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال: إنا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه وتعالى إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا، وإن الله تعالى قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن محمدا التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك، كنت أرعى فيه الغنم لسيدي، وهو من بني ضمرة، وإن الله تعالى قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه.

وذكر السهيلي أن بكاءه عندما تليت عليه (سورة مريم) أي كما سيأتي حتى أخضل لحيته، يدل على طول مكثه ببلاد العرب حتى تعلم من لسان العرب ما فهم به تلك السورة.

قال: وعن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار وأمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية: أي هيئوا له هدية ؛ ولا يخالف ما تقدم من أن الهدية كانت فرسا وجبة ديباج، لأنه يجوز أن يكون بعض الأدم ضم إلى تلك الفرس والجبة للملك، وبقية الأدم فرق على أتباعه ليعاونوهما على ما جاء بصدده، والاقتصار على الفرس والجبة في الرواية السابقة لأن ذلك خاص بالملك. ثم بعثوا عمارة بن الوليد وعمرو ابن العاص يطلبان من النجاشي أن يسلمنا لهم: أي قبل أن يكلمنا، وحسن له بطارقته ذلك، لأنهما لما أوصلا هداياهم إليهم قالوا لهم: إذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم لنا قبل أن يكلمهم: أي موافقة لما وصت عليه قريش.

فقد ذكر أنهم قالوا لهما: ادفعوا لكل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما للنجاشي هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، فلما جاءا إلى الملك قالا له: أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء؛ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، جاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت: أي جاءهم به رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتبعه منا إلا السفهاء، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ليردوهم إليهم؛ فهم أعلم بما عابوا عليهم، فقال بطارقته: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلم بهم فأسلمهم لهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم، فغضب النجاشي وقال: لاها الله، أي لا والله لا أسلمهم، ولا يكاد قوم يجاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كان كما يقولان سلمتهم إليهما، وإلا منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، ثم أرسل لنا ودعانا، فلما دخلنا سلمنا، فقال من حضره: ما لكم لا تسجدون للملك؟ قلنا، لا نسجد إلا الله عز وجلّ، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من الملل، فقلنا: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله لنا رسولا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، وذلك الرسول منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع: أي نترك ما كان يعبد آباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد الله تعالى وحده، وأمرنا بالصلاة، أي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، والزكاة، أي مطلق الصدقة، والصيام أي ثلاثة أيام من كل شهر: أي وهي البيض أو أي ثلاثة على الخلاف في ذلك. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام وحسن الجوار، والكف عن المحارم

والدماء؛ أي ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام واستحلال الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحاولوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورجوناك أن لا نظلم عندك يا أيها الملك، فقال النجاشي لجعفر: هل عندك مما جاء به شيء؟ قلت نعم. قال: فاقرأه عليّ، فقرأت عليه صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل، أي بل لحيته وبكت أساقفته، وفي لفظ: هل عندك مما جاء به عن الله تعالى شيء؟ فقال جعفر نعم، قال: فاقرأه عليّ، قال البغوي: فقرأ عليه (سورة العنكبوت والروم) ففاضت عيناه وأعين أصحابه بالدمع، وقالوا: زدنا يا جفعر من هذا الحديث الطيب، فقرأ عليهم (سورة الكهف) فقال النجاشي: هذا والله الذي جاء به موسى: أي وفي رواية: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، أي وهذا كما قيل يدل على أن عيسى كان مقررا لما جاء به موسى، وفي رواية بدل موسى عيسى، ويؤيد، ما في لفظ أنه قال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل إلا هذا العود لعود كان في يده أخذه من الأرض.

وفي لفظ أن جعفرا قال للنجاشي: سلهما أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال عمر: بل أحرار، فقال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماء بغير حق فيقتص منا؟ هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال عمرو: لا، فقال النجاشي لعمرو وعمارة: هل لكما عليهما دين؟ قالا: لا، قال: انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا، زاد في رواية: ولو أعطيتموني ديرا من ذهب أي جبلا من ذهب، ثم غدا عمرو إلى النجاشي: أي أتى إليه في غد ذلك اليوم وقال له: إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما: أي يقولون إنه عبد الله أي وإنه ليس ابن الله.

أي وفي لفظ أن عمرا قال للنجاشي: أيها الملك إنهم يشتمون عيسى وأمه في كتابهم فاسألهم، فذكر له جعفر ما تقدم في الرواية الأولى.

هذا، وعن عروة بن الزبير: إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان، وهو حصر عجيب فليتأمل.

وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعري بسند فيه رجال الصحيح «أن عمرو بن العاص مكر بعمارة بن الوليد: أي للعداوة التي وقعت بينه وبينه في سفرهما: أي من أن عمرو بن العاص كان معه زوجته وكان قصيرا دميما، وكان عمارة رجلا جميلا فتن امرأة عمرو وهوته، فنزل هو وإياه في السفينة، فقال له عمارة: مر امرأتك فلتقبلني، فقال له عمرو: ألا تستحيي، فأخذ عمارة عمرا ورمى به في البحر، فجعل عمرو يصيح وينادي أصحاب السفينة، ويناشد عمارة حتى أدخله السفينة وأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبلي ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه، فلما أتيا أرض الحبشة مكر به عمرو، فقال: أنت رجل جميل والنساء يحببن الجمال، فتعرض لزوجة النجاشي لعلها أن تشفع لنا عنده، ففعل عمارة ذلك وتكرر تردده عليها حتى أهدت إليه من عطرها: أي ودخل عندها، فلما رأى عمرو ذلك أتى النجاشي وأخبره بذلك: أي فقال له: إن صاحبي هذا صاحب نساء، وإنه يريد أهلك وهو عندها الآن، فاعلم علم ذلك، فبعث النجاشي، فإذا عمارة عند امرأته، فقال: لولا أنه جاري لقتلته؛ ولكن سأفعل به ما هو شر من القتل، فدعا بساحر فنفخ في إحليله نفخة، طار منها هائما على وجهه مسلوب العقل حتى لحق بالوحوش في الجبال إلى أن مات على تلك الحال ا هـ.

أي ومن شعر عمرو بن العاص يخاطب به عمارة بن الوليد:

إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ** ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما

قضى وطرا منه وغادر سبة ** إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

ولا زال عمارة مع الوحوش إلى أن كان موته في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وإن بعض الصحابة وهو ابن عمه عبدالله بن أبي ربيعة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد استأذنه في المسير إليه لعله يجده، فأذن له عمر رضي الله تعالى عنه فسار عبدالله إلى أرض الحبشة، وأكثر النشدة عنه والفحص عن أمره، حتى أخبر أنه في جبل، يرد مع الوحوش إذا وردت ويصدر معها إذا صدرت، فجاء إليه ومسكه، فجعل يقول له: أرسلني وإلا أموت الساعة، فلم يرسله فمات من ساعته، وسيأتي بعد غزوة بدر أنهم أرسلوا للنجاشي عمرو بن العاص أيضا وعبدالله بن أبي ربيعة.

هذا وكان اسمه قبل أن يسلم بجيرا، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله، وأبوه ربيعة الذي هو أبو عبدالله، كان يقال له ذو الرمحين، وأم عبدالله هي أم أبي جهل بن هشام، فهو أخو أبي جهل لأمه أرسلوهما إليه ليدفع لهما من عنده من المسلمين ليقتلوهم فيمن قتل ببدر.

ومن العجب أن صاحب المواهب ذكر أن إرسال قريش لعمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة ومعهما عمارة بن الوليد في الهجرة الأولى للحبشة، وإنما كان عمرو وعمارة في الهجرة الثانية، وابن أبي ربيعة إنما كان مع عمرو بعد بدر كما علمت، وإن كان يمكن أن يكون عبدالله بن أبي ربيعة أرسلته قريش مرتين إلا أنه بعيد.

ويرده قول بعضهم: إن قريشا أرسلت في أمر من هاجر إلى الحبشة مرتين: الأولى أرسلت عمرو بن العاص وعمارة. والثانية أرسلت عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة فليتأمل.

ومكث بنو هاشم في الشعب ثلاث سنين. وقيل سنتين في أشد ما يكون في البلاء وضيق العيش، وولد عبدالله بن عباس في الشعب، فمن قريش من سره ذلك، ومنهم من ساءه وقالوا: انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة: أي من شلل يده كما تقدم؛ وصار لا يقدر أحد أن يوصل إليهم طعاما ولا أدما حتى أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي معه في الشعب؛ فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فقال له أبو البختري بن هشام: مالك وماله؟ فقال أبو جهل: إنما يحمل الطعام لبني هاشم، فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها؟ خل سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحى بعير: أي العظم الذي تنبت عليه الأسنان فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا. وأبو البحتري ـ بالحاء المهملة ـ وفي مختصر أسد الغابة ـ بالخاء المعجمة ـ ممن قتل ببدر كافرا؛ وحتى إن هاشم بن عمرو بن الحارث العامري رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك ـ أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أجمال طعاما، فعملت بذلك قريش، فمشوا إليه حين أصبح وكلموه في ذلك، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم؛ ثم أدخل عليهم ثانيا جملا وقيل جملين، فعلمت به قريش فغالظته: أي أغلظت له القول وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه يصل رحمه، أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا، وكان أبو طالب في كل ليلة يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي فراشه ويضجع به، فإذا نام الناس أقامه وأمر أحد بنيه أو غيرهم أي من اخوته أو بني عمه أن يضطجع مكانه خوفا عليه أن يغتاله أحد ممن يريد به السوء: أي وفي الشعب ولد عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثم أطلع الله رسوله على أن الأرضة: أي وهي سوسة تأكل الخشب إذا مضى عليها سنة نبت لها جناحان تطير بهما، وهي التي دلت الجن على موت سليمان؛ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أكلت ما في الصحيفة من ميثاق وعهد: أي الألفاظ المتضمنة للظلم وقطيعة الرحم؛ ولم تدع فيها اسما لله تعالى إلا أثبتته فيها. وفي رواية ولم تترك الأرضة في الصحيفة اسما لله عز وجل إلا لحسته، وبقي ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم، أي والرواية الأولى أثبت من الثانية.

قال: وجمع بين الروايتين بأنهم كتبوا نسخا فأكلت الأرضة من بعض النسخ اسم الله تعالى، وأكلت من بعض النسخ ما عدا اسم الله تعالى، لئلا يجتمع اسم الله تعالى مع ظلمهم انتهى، أي والتي علقت في الكعبة هي التي لحست تلك الدابة ما فيها من اسم الله تعالى، كما يدل عليه ما يأتي، فذكر ذلك لعمه أبي طالب، فقال له عمه: والثواقب أي النجوم، لأنها تثقب الشياطين، وقيل التي تضيء لأنها تثقب الظلام بضوئها، وقيل الثريا خاصة لأنها أشد النجوم ضوءا ـ ما كذبتني قط: أي ما حدثتني كذبا. وفي رواية أنه قال له: أربك أخبرك بهذا الخبر؟ قال نعم، فانطلق في عصابة: أي جماعة من قومه أي من بني هاشم وبني المطلب.

أي وفي رواية أن أبا طالب لما ذكر لأهله قالوا له: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، وتخرجوا إلى قريش، فتذكروا ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، فخرجوا حتى أتوا المسجد على خوف من قريش، فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، فتكلم معهم أبو طالب، وقال: جرت أمور بيننا وبينكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح: أي مخرج يكون سببا للصلح، وإنما قال أبو طالب ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها: أي فلا يأتون بها، فأتوا بصحيفتهم لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع إليهم: أي لأنه الذي وقعت عليه العهود والمواثيق، فوضعوها بينهم وقالوا لأبي طالب: أي توبيخا له ولمن معه: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم في أمر نصف بيننا وبينكم: أي أمر وسط لا حيف فيه علينا ولا عليكم، إن ابن أخي أخبرني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله تعالى عليها دابة لم تترك فيها اسما من أسماء الله تعالى إلا لحسته وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم.

أقول: هذه على الرواية الثانية، وأما على الرواية الأولى التي هي أثبت فيكون قوله لم تترك اسما إلا أثبتته ولحست مواثيقكم وعهدكم.

ثم رأيت ابن الجوزي ذكر ذلك، فقال: إن أبا طالب قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قط أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة، فلحست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقي فيها كل ما ذكر به الله تعالى.

وفي الينبوع أن أبا طالب قال لما حضرت الصحيفة: إن صحيفتكم هذه صحيفة إثم وقطيعة رحم، وإن ابن أخي أخبرني أن الله تعالى سلط عليها الأرضة، فلم تدع ما كتبتم إلا باسمك اللهم، والله أعلم. قال أبو طالب: فإن كان الحديث كما يقول، فأفيقوا: أي وفي رواية نزعتم: أي رجعتم عن سوء رأيكم: أي وإن لم ترجعوا فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم، فقالوا: قد رضينا بالذي تقول: أي وفي رواية أنصفتنا، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر به الصادق المصدوق، فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب قالوا: أي قال أكثرهم: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، وبعضهم ندم وقال: هذا بغي منا على اخواننا وظلم لهم.

أي وقد جاء أن أبا طالب قال لهم أي بعد أن وجدوا الأمر كما أخبر به: يا معشر قريش علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟ ودخلوا بين أستار الكعبة وقالوا: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا، ثم انصرفوا إلى الشعب، وعند ذلك مشى طائفة منهم وهم خمسة في نقض الصحيفة: أي ما تضمنته، وهم: هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أمية ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وقد أسلم بعد ذلك كالذي قبله كما تقدم، والمطعم بن عدي مات كافرا كما تقدم. وأبو البختري بن هشام قتل ببدر كافرا. كما تقدم وزمعة بن الأسود قتل ببدر كافرا.

واختلف في كاتب الصحيفة، فعند ابن سعد أنه بغيض بن عامر فشلت يده، ولم يعرف له إسلام: وعند ابن إسحاق أن الكاتب لها هشام بن عمرو المتقدم ذكره.

قال: وقيل إن الكاتب لها منصور بن عكرمة: أي فشلت يده فيما يزعمون، كذا في النور نقلا عن سيرة ابن هشام. وقيل النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت بعض أصابعه، وهو ممن قتل على كفره عنده منصرفه من بدر. وقيل الكاتب لها طلحة بن أبي طلحة العبدري. قال ابن كثير رحمه الله: والمشهور أنه منصور.

ويجمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نسخ: أي فكل كتب نسخة انتهى: أي وينبغي أن يكون الذي شلت يده هو كاتب الصحيفة التي علقت في الكعبة، ولعلها هي التي كتبت أولا، وإلى أكل الأرضة الصحيفة، وإلى عد الخمسة الذين سعوا في نقض الصحيفة أشار صاحب الهمزية بقوله:

فديت خمسة الصحيفة بالخمـ ** ـسة إذا كان للكرام فداء

فتية بيتوا على فعل خير ** حمد الصبح أمره والمساء

يالأمر أتاه بعد هشام ** زمعة إنه الفتى الأتاء

وزهير والمطعم بن عدي ** وأبو البختري من حيث شاؤوا

نقضوا مبرم الصحيفة إذ شد ** دت عليه من العدا الأنداء

أذكرتنا بأكلها أكل منسأ ** ة سليمان الأرضة الخرساء

وبها أخبر النبي وكم أخـ ** ـرج خبا له الغيوب خباء

أي فديت خمسة الصحيفة: أي الناقضين لها بالخمسة المستهزئين السابق ذكرهم، فتية ثبتوا وتراودوا واشتوروا بالحجون ليلا على فعل خير وهو نقض الصحيفة، حمد الصباح والمساء منهم ذلك الفعل، بالأمر عظيم وهو نقض الصحيفة أتاه بعد هشام زمعة بن الأسود وإنه الكريم في قومه، الأتاء: أي المبالغ في إيتاء الخير، وأتاه زهير، وأتاه المطعم بن عدي، وأتاه أبو البختري من المكان الذي قصدوه فنقضوا مبرم الصحيفة: أي الأمر الذي أبرمته أذكرتنا الأرضة الخرساء بأكلها تلك الصحيفة. منساة: أي عصى سليمان، وبأكلها للصحيفة أخبر النبي، ومرات كثيرة أخرج شيئا مخبأ الغيوب له ساترة، والمراد أن كل واحد من هؤلاء الخمسة الذين نقضوا الصحيفة فدى بأولئك الخمسة المستهزئين من الأذى الذي أصابهم المتقدم ذكره؛ فلا ينافي أن بعض هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة مات كافرا.

قال: جاء أن هشام بن عمرو بن الحارث رضي الله تعالى عنه ـ فإنه أسلم بعد ذلك كما تقدم ـ مشى إلى زهير بن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك أيضا كما تقدم، فقال له: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب وأخوالك قد علمت لا يبايعون ولا يبتاعون؟ فقال: ويلك يا هشام فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت لأنقضها يعني الصحيفة قال: وجدت رجلا، قال من هو؟ قال: أنا، فقال زهير: ابغنا رجلا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي، فقال له: يا مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، يعني بني هاشم وبني المطلب وأنت شاهد على ذلك؟ فقال له: ويحك ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قلت: أنا، قال ابغنا رجلا ثالثا، قال: قد فعلت، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، قال: ابغنا رابعا، فذهبت إلى أبي البختري بن هشام، فقلت له نحوا مما قلت للمطعم، فقال: وهل معين علي هذا الأمر؟ قلت نعم، قال: من هو؟ قلت: زهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال ابغنا خامسا، فذهبت إلى زمعة بن الأسود فكلمته، فقال وهل من أحد يعين على ذلك فسميت له القوم.

ثم إن هؤلاء اجتمعوا ليلا عند الحجون، وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم؛ وغدا زهير وعليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم، أي والمطلب هلكى؟ لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، فقال أبو جهل كذبت والله لا تشق، قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، قال أبو البختري صدق زمعة، قال المطعم صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله تعالى منها ومما كتب فيها، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بالليل، فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها انتهى.

أي وهذا يدل للرواية الدالة على أن الأرضة لحست اسم الله تعالى، وأثبتت ما فيها من العهود والمواثيق، وإلا فبعد امحاء ذلك منها لا معنى لشقها.

وفي كلام بعضهم يحتمل أن أبا طالب إنما أخبرهم بعد سعيهم في نقضها. قال ابن حجر الهيتمي: ويبعده أن الإخبار بذلك حينئذٍ ليس له كبير جدوى، وقام هؤلاء الخمسة ومعهم جماعة ولبسوا السلاح ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا.


باب ذكر خبر وفد نجران

ثم قدم عليه وهو بمكة وفد نجران، وهم قوم من النصارى، ونجران: بلدة بين مكة واليمن، على نحو من سبع مراحل من مكة، كانت منزلا للنصارى، وكانوا نحوا من عشرين رجلا حين بلغهم خبره ممن هاجر من المسلمين إلى الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه سألوه وكلموه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ينظرون إليهم، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به، وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون أي تنظرون الأخبار لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم فصدقتموه بما قال، لا نعلم ركبا أحمق: أي أقل عقلا منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، ويقال نزل فيهم قوله تعالى{الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله {لا نبتغي الجاهلين} ونزل قوله تعالى {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}.

وذكر في الوفاء وفود ضماد الأزدي عليه، فقال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من الريح: أي ولعل المراد به اللمعة من الجن، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، قال: فأتيته فقلت: يا محمد إني أرقى من الريح، فإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فقال ضماد: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي.


باب ذكر وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها

لتعلم أنهما ماتا في عام واحد: أي بعد خروج بني هاشم والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوما، وإلى موتهما في عام واحد أشار صاحب الهمزية بقوله:

وقضى عمه أبو طالب والد ** دهر في السراء والضراء

ثم ماتت خديجة ذلك العا ** م ونالت من أحمد المناء

وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين، وبعد مضي عشر سنين من بعثته: أي من مجيء جبريل عليه الصلاة والسلام بالوحي. وهو يردّ قول ابن إسحاق ومن تبعه أن خديجة رضي الله تعالى عنها ماتت بعد الإسراء.

وأفاد كلام صاحب الهمزية أن موت خديجة كان بعد موت أبي طالب. وقيل كانت وفاة خديجة رضي الله تعالى عنها قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة. وقيل بعده بثلاثة أيام. ويؤيد ما في الهمزية قول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة رضي الله تعالى عنها: أي بثلاثة أيام. ودفنت بالحجون، ونزل في حفرتها ولها من العمر خمس وستون سنة ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت.

وذكر الفاكهاني المالكي في شرح الرسالة أن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، لكن ذكر ما يخالفه في الشرح المذكور حيث قال: وروي «أن آدم عليه الصلاة والسلام لما توفي أتي بحنوط، وكفن من الجنة، ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه، ثم أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث عليه الصلاة والسلام الذي هو وصيه معهم، فلما فرغوا قالوا له: هكذا فاصنع بولدك وإخوتك، فإنها سنتكم» هذا كلامه: أي ويبعد أنه لم يفعل ذلك بعد القول المذكور له. ويحتمل أن المراد بالصلاة مجرد الدعاء لا هذه الصلاة المعروفة المشتملة على التكبير، لكن يبعده ما في العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن آدم لما مات قال ولده شيث لجبريل صلّ عليه، فقال له جبريل: بل أنت تقدم فصلّ على أبيك، فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة » وقد أخرج الحاكم نحوه مرفوعا وقال صحيح الإسناد، ومنه تعلم أن الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة، بناء على أن المراد بالصلاة الصلاة المشتملة على التكبير لا مجرد الدعاء.

وحينئذٍ لا يحسن القول بأن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة، إلا أن يقال لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش، إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك، وسيأتي عنهم أنهم لم يفعلوا ذلك.

وأيضا لو كانت معروفة لهم لصلى على خديجة ومن مات قبلها من المسلمين كالسكران ابن عم سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما الذي هو زوجها، وسيأتي أنه لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور قد مات فذهب هو وأصحابه فصلى على قبره، وأنها أول صلاة صليت على الميت في الإسلام، ومعرور معناه في الأصل مقصود.

لا يقال: يجوز أن يكون المراد بتلك الصلاة مجرد الدعاء. لأنا نقول قد جاء أنه كبر في صلاته أربعا. وقد روى هذه الصلاة تسعة من الصحابة ذكرهم السهيلي، وسيأتي عن الإمتاع: لم أجد في شيء من السير متى فرضت صلاة الجنازة، ولم ينقل أنه صلى على أسعد بن زرارة وقد مات في السنة الأولى: ولا على عثمان بن مظعون وقد مات في السنة الثانية.

وفي كلام بعضهم: صلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة، وأول من صلى عليه أسعد بن زرارة فليتأمل.

وفي كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم، وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم. وهو أن يقوم ولي الميت بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يقول: عليك رحمة الله ثم يدفن، أي وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي ذلك العام عام الحزن، ولزم بيته وأقلّ الخروج، وكانت مدة اقامتها معه خمسا وعشرين سنة على الصحيح.

ويذكر «أنه دخل على خديجة رضي الله تعالى عنها وهي مريضة فقال لها: يا خديجة أتكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيرا؟ أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني» وفي رواية «أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران، وكلثم أخت موسى وهي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء، وآسية امرأة فرعون، فقالت: آلله أعلمك بهذا يا رسول الله؟ » وفي رواية «آلله فعل ذلك يا رسول الله؟ قال نعم، قالت: بالرفاء والبنين» زاد في رواية «أنه أطعم خديجة من عنب الجنة » وقولها بالرفاء والبنين هو دعاء كان يدعى به في الجاهلية عند التزويج، والمراد منه الموافقة والملايمة، مأخوذ من قولهم رفأت الثوب: ضممت بعضه إلى بعض، ولعل هذا كان قبل ورود النهي عن ذلك.

هذا، وفي الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رفئوني، فقالوا ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت عليّ هذا كلامه، ولعل النهي لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله، كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم.

وفي الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وهو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران ابن عمها، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها، فلما انقضت عدتها تزوّجها، وأصدقها أربعمائة درهم.

وقد كانت رأت في نومها أن النبي صلى الله عليه وسلم وطيء عنقها فأخبرت زوجها، فقال: إن صدقت رؤياك أموت أنا ويتزوّجك رسول الله، ثم رأت في ليلة أخرى أن قمرا انقضّ عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك.

وعقد على عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بنت ست أو سبع سنين في شوّال. فعن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت «قلت لما ماتت خديجة: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال: من؟ قلت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا، قال: فمن البكر؟ قلت: أحق خلق الله بك، بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قال: ومن الثيب؟ قلت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ، قالت: فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت لها: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك عليه، قالت: وددت، ادخلي على أبي فاذكري ذلك له وكان شيخا كبيرا فدخلت عليه وحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه؟ قلت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قلت: أرسلني محمد بن عبدالله أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، قال: ما تقول صاحبتك؟ قالت تحب ذلك، قال ادعيها إلي، فدعوتها قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبدالله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك منه؟ قالت نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه إياها، ولما قدم أخوها عبد بن زمعة وقد بلغه ذلك صار يحثي على رأسه التراب، ولما أسلم قال: لقد كدني السفه يوم أحثي على رأسي التراب إذ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة يعني أخته» وذهبت خولة إلى أم رومان أم عائشة فقالت لها «ماذا أدخل الله عليكم من البركة والخير؟ قد أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقلت له: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قلت: قد أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح أي تحل له؟ إنما هي بنت أخيه، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي ـ أي تحل، فرجعت فذكرت ذلك له، قالت أم رومان رضي الله تعالى عنها: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه جبير ووعده، والله ما وعد وعدا قط فأخلفه ـ تعني أبا بكر ـ فدخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم ابنه المذكور، فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان في نفسه من عدته لمطعم، فإن المطعم لما قال له أبو بكر: ما تقول في أمر هذه الجارية أقبل المطعم على امرأته وقال لها: ما تقولين يا هذه؟ فأقبلت على أبي بكر وقالت له: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليكم تصبيه وتدخله في دينك الذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر على المطعم وقال له: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع، فقام أبو بكر وليس في نفسه من الوعد شيء، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعته فزوجه إياها وعائشة حينئذٍ بنت ست سنين، وقيل سبع سنين وهو الأقرب».

فعلم أن العقد على سودة تقدم على العقد على عائشة، لأن العقد على سودة كان في رمضان الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وعلى عائشة كان في شوّال، ومعلوم أن الدخول بسودة كان بمكة وعلى عائشة كان بالمدينة.

ثم رأيت بعضهم ذكر أن خولة ذهبت إلى طلب عائشة وأن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها قبل ذهابها لسودة وعقده عليها، ولا تخفى المخالفة، إلا أن يراد بالعقد على سودة الدخول بها. وفيه أنه لا يحسن ذلك مع قوله قبل ذهابها لسودة.

ولما اشتكى أبو طالب: أي مرض وبلغ قريشا ثقله: أي اشتداد المرض به قال بعضهم لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا أي يسلبونه، ومنه قولهم: من عزّ بز: أي من غلب أخذ السلب: وهو الثياب التي هي البز. وفي لفظ: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء: أي قتل محمد كما في بعض الروايات، فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، فمشى إليه أشرافهم منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف وأبو سفيان رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم ليلة الفتح كما سيأتي، وأرسلوا رجلا يدعى المطلب؛ فاستأذن لهم علي أبي طالب فقال: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك، قال أدخلهم؛ فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب أنت منا حيث قد علمت. وفي لفظ قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك؛ وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه لينكف عنا وننكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه، ولما دخل على أبي طالب وكان بين أبي طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس، فخشي أبو جهل أن يجلس النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفرجة فيكون أرقى منه؛ فوثب أبو جهل فجلس فيها، فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب أبي طالب، فجلس عند الباب انتهى.

وفي الوفاء أنه قال لهم: خلوا بيني وبين عمي، فقالوا: ما نحن بفاعلين؛ وما أنت بأحق به منا، إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك، فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك، وفي لفظ: هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم، وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك. وفي لفظ: سألوك النصف، وفي لفظ: أعط سادات قومك ما سألوك، فقد أنصفوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم إن أعطيتكم ما سألتم هل تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ أي تطيع وتخضع، فقال أبو جهل: نعم وآتيك عشر كلمات. وفي لفظ لنعطيكها وعشرا معها، فما هي؟ قال: تقولون لا إله إلا الله وتقلعون عما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجب، فأنزل الله تعالى {ص? والقرآن ذي الذكر} إلى آخر الآيات، وفي لفظ قالوا: أيسع لحاجاتنا جميعا إله واحد، وفي لفظ قالوا: سلنا غير هذه الكلمة. وفي لفظ أن أبا طالب قال: يا بن أخي هل من كلمة غيرها، فإن قومك قد كرهوها، قال: يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، ثم قال: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها، ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وأمضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا. وفي لفظ قالوا عند قيامهم: والله لنشتمك وإلهك الذي يأمرك بهذا، أي وفي لفظ لتكفن عن سبّ آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي أمرك بهذا.

قال في الينبوع: وهذه العبارة أحسن من الأولى، لأنهم كانوا يعرفون أنه يعبد الله، وما كانوا ليسبوا الله عالمين، لكنهم ما كانوا يعرفون أن الله أمره بذلك، وذكر أن ذلك سبب نزول قوله تعالى{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}.

هذا، وفي النهر أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن تنهى محمدا عن سب آلهتنا والنقص منها، وإما أن نسبّ إلهه ونهجوه، قال فيه: وحكم هذه الآية باق في هذه الأمة، فإذا كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو الرسول فلا يحل للمسلم ذم دين الكافر، ولا يتعرض لما يؤدي إلى ذلك، لأن الطاعة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها كما ينهى عن المعصية هذا كلامه.

وعند ذلك قال أبو طالب قال لرسول: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا أي بالحاء والطاء المهملتين أمرا بعيدا، فلما قال ذلك طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة: أي لو ارتكبت ذنبا بعد قولها، وإلا فالإسلام يجبّ ما قبله، فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة: أي العار عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا: أي بالجيم والزاي خوفا من الموت، وهذا هو المشهور. وقيل بالخاء المعجمة والراء، أي ضعفا لقلتها، وفي رواية: لأقررت بها عينك لما أرى من شدة وجدك، لكني أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، فأنزل الله تعالى {إنك لا تهدي من أحببت} الآية.

أي وعن مقاتل «أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال. فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله تعالى، فقال: يا ابن أخي قد علمت أنك صادق لكني أكره أن يقال» الحديث، قال في الهدى: وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها: أي وكذا أقرباؤه وبنو عمه تأخر إسلام من أسلم منهم، ولو أسلم أبو طالب وبادر أقرباؤه وبنو عمه إلى الإيمان به لقيل قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له، فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبه من كان منهم حتى إن الشخص منهم يقتل أباه وأخاه، علم أن ذلك إنما هو عن بصيرة صادقة ويقين ثابت.

وذكر «أنه لما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسمع». وفيه أنه لم يثبت أن العباس ذكر ذلك بعد الإسلام وأيضا نزول الآية حيث ثبت أن نزولها في حق أبي طالب يردّ ذلك.

ويرده أيضا ما في الصحيحين عن العباس رضي الله تعالى عنه أنه قال «قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحيطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ قال نعم، وجدته ـ أي كشف لي عن حاله وما يصير إليه يوم القيامة ـ فوجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» أي وفي لفظ آخر «قال نعم، هو ـ أي يوم القيامة ـ في ضحضاح من النار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ولو كانت الشهادة المذكورة عند العباس ما سأل هذا السؤال ولأداها بعد الإسلام، إذ لو أداها لقبلت.

وقد يقال: إنما سأل هذا السؤال ولم يعد الشهادة بعد الإسلام، لأنه لما قال له أولا لم أسمع، فهم أنه حيث لم يسمعها لم يعتدّ بها سأل هذا السؤال وفهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا.

ويرده أيضا ما جاء في رواية «أنه لما كرر على أبي طالب أن يقول كلمة الشهادة وهو يأبى إلى أن قال هو على دين عبد المطلب قال: أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك. أي عن الاستغفار لكّ فأنزل الله عز وجل{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} أي وتقدم أن سبب نزول هذه الآية طلب استغفاره لأمه عند زيارة قبرها، أن يقال لا مانع من تكرر سبب نزولها، لجواز أنه جوّز الفرق بين أمه وعمه، لأن أمه لم تدع للإسلام بخلاف عمه، وفي منع استغفاره لأمه ما تقدم. ولا يشكل على ذلك قوله يوم أحد «اللهم اغفر لقومي» لأن ذلك أي غفران الذنوب مشروط بالتوبة: أي الإسلام، فكأنه دعا لهم بالتوبة التي هي الإسلام، ويؤيده رواية «اللهم اهد قومي» أي للإسلام. قال: وأيضا جاء في صحيح ابن حبان عن علي رضي الله تعالى عنه قال «لما مات أبو طالب أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره، قال علي رضي الله تعالى عنه: فلما واريته جئت إليه، فقال لي اغتسل».

أقول: لأنه غسله، وبه وبقوله «من غسل ميتا فليغتسل» استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل.

وروى البيهقي خبر «أن عليا رضي الله تعالى عنه غسله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك» لكن ضعفه وفي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه «لما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب بكى وقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه».

وأما ما روي عنه أنه عارض جنازة عمه أبي طالب فقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم» فقال الذهبي إنه خبر منكر، والله أعلم.

وجاء أيضا «أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: إنه ستنفعه شفاعتي» وفي رواية «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار» أي مقدار ما يغطى بطن قدميه. وفي رواية «في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه» وفي لفظ عن ابن عمر قال: قال رسول لله «إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية » يعني أخاه من الرضاعة من حليمة كما في رواية تأتي.

أقول: يجوز أن يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل إحيائهما وإيمانهما به كما قدمناه جوابا عن نهيه عن الاستغفار لهما، والله أعلم.

وفي لفظ آخر «شفعت في أبي وعمي أبي طالب وأخي من الرضاعة ـ يعني من حليمة ـ ليكونوا من بعد البعث هباء».

ومما يستأنس به لإيمان أبيه ما جاء «أنه قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وقد عزّت قوما من الأنصار في ميتهم: لعلك بلغت معهم الكدى ـ بالدال المهملة أو الكرا بالراء، يعني القبور ـ فقالت: لا، فقال: لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك يعني عبد المطلب» ولم يقل جدك يعني أباه الذي هو عبدالله، وتقدم القول بأن حليمة وأولادها أسلموا.

وعليه فيجوز أن يكون هذا منه قبل أن يسلم أخوه من الرضاعة كما تقدم مثل ذلك في أبيه وأمه. وفي رواة الحديث الأول من هو منكر الحديث، وفي الثاني من هو ضعيف. وقال فيه ابن الجوزي: إنه موضوع بلا شك: أي وهذا أي قبول شفاعته في عمه أبي طالب عد من خصائصه، فلا يشكل بقوله تعالى{فما تنفعهم شفاعة الشافعين} أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الإخراج من النار بالكلية: أي وفي هذا الثاني أنه لا يناسب أن شفاعته لهم أن يكونوا من بعد البعث هباء: أي في صيرورتهم هباء، إلا أن يقال إنه لم يستجب له في ذلك.

قال: وجاء أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أهون أهل النار ـ أي وهم الكفار ـ عذابا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» أي وفي رواية «كما يغلي المرجل» أي القدر من النحاس «حتى يسيل دماغه على قدميه» وفي رواية «كما يغلى المرجل بالقمقم» قيل والقمقم بكسر القافين: البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة.

وذكر السهيلي الحكمة في اختصاص قدميه بالعذاب وزعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم، واستدل له بأخبار واهية ردها الحافظ ابن حجر في الإصابة.

أي وقد قال: وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولم يثبت من ذلك شيء.

وروى أبو طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام» وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره» وقال «سمعت ابن أخي الأمين يقول اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب» انتهى.

وفي المواهب عن شرح التنقيح للقرافي أن أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، لأنه كان يقول: إني لا أعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أني أخاف أن يعيرني نساء قريش لاتبعته، فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، غير أنه لم يذعن للأحكام، هذا كلامه. وفيه أن الإيمان باللسان الإتيان بلا إله إلا الله، ولم يوجد ذلك منه كما علمت، وتقدم أن الإيمان النافع عند الله الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار، التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد وإن لم يقر بالشهادتين مع التمكين من ذلك حيث لم يطلب منه ذلك ويمتنع، وأبو طالب طلب منه ذلك وامتنع.

وقد روى الطبراني عن أم سلمة «أن الحارث بن هشام ـ أي أخا أبي جهل بن هشام ـ أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع، فقال: إنك تحث على صلة الرحم، والإحسان إلى الجار، وإيواء اليتيم، وإطعام الضيف، واطعام المسكين، وكل هذا مما يفعله هشام، يعني والده، فما ظنك به يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ، فجعله في ضحضاح من النار».

وذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم، وكان من وصيته أن قال: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة. أوصيكم بتعظيم هذه البنية: أي الكعبة، فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش. صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن في صلة الرحم منسأ ـ أي فسحة ـ في الأجل، وزيادة في العدد. واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم. أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات. وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام. وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش ـ أي وهو الصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن ـ أي البغض ـ وهو لغة في الشنآن ـ وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد.

وفي لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فأطيعوه ترشدوا.

ولما مات أبو طالب نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى إن بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبي صلى الله عليه وسلم التراب، فدخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها لا تبكي لا تبكي يا بنية، فإن الله تعالى مانع أباك، وكان يقول «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه ـ أي أشد الكراهة ـ حتى مات أبو طالب» وتقدم، وسيأتي بعض ما أوذي به.

قال: ولما رأى قريشا تهجموا قال يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك. ولما بلغ أبا لهب ذلك قام أبو لهب بنصرته أياما وقال له: يا محمد امض لما أردت، وما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه، لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت.

واتفق أن ابن العطيلة ـ أي وهو أحد المستهزئين المتقدم ذكرهم سب النبي، فأقبل عليه أبو لهب ونال منه، فولى وهو يصيح: يا معشر قريش صبا أبو عتبة ـ يعني أبا لهب ـ فأقبلت قريش على أبي لهب وقالوا له: أفارقت دين عبد المطلب؟ فقال: ما فارقت» وفي لفظ «قالوا له: أصبوت؟ قال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك أياما لا يتعرض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب إلى أن جاء أبو جهل وعقبة بن أبي معيط إلى أبي لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ أي المحل الذي يكون فيه، يزعم أنه في النار، فقال له أبو لهب: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار، فقال أبو لهب: لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار، فاشتد عليه هو وسائر قريش انتهى.

وفي لفظ «قال له: يا محمد أين مدخل عبد المطلب؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إلى أبي جهل وعقبة، فقال: قد سألته، فقال: مع قومه، فقالا: يزعم أنه في النار، فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم» الحديث، ولا يخفى أن عبد المطلب من أهل الفترة، وتقدم الكلام عليهم والله أعلم.


باب ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف

سميت بذلك، لأن رجلا من حضرموت نزلها فقال لأهلها: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه، فسمي الطائف، وقيل غير ذلك.

لما مات أبو طالب ونالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تكن نالته منه في حياته كما تقدم خرج إلى الطائف: أي وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقي من قريش وقرابته وعترته خصوصا من أبي لهب وزوجته أم جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب.

وعن عليّ رضي الله تعالى عنه أنه قال بعد موت أبي طالب «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش تتجاذبه وهم يقولون له أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر فصار يضرب هذا ويدفع هذا وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ».

وخروجه إلى الطائف كان في شوال سنة عشر من النبوة وحده، وقيل معه مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف الإسلام رجاء أن يسلموا، وأن يناصروه على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه. قال في الإمتاع: لأنهم كانوا أخواله. قال بعضهم: ومن ثم أي من أجل أنه خرج إلى الطائف عند ضيق صدره وتعب خاطره جعل الله الطائف مستأنسا على من ضاق صدره من أهل مكة، كذا قال.

وفي كلام غيره: ولا جرم جعل الله الطائف مستأنسا لأهل الإسلام ممن بمكة إلى يوم القيامة، فهي راحة الأمة، ومتنفس كل ذي ضيق وغمة {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} فليتأمل.

فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى سادات ثقيف وأشرافهم وكانوا اخوة ثلاثة: أحدهم عبد ياليل، أي واسمه كنانة لم يعرف له إسلام، وأخوه مسعود أي وهو عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام لم يعرف له إسلام أيضا، وحبيب. قال الذهبي: في صحبته نظر، أي وهم أولاد عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وجلس إليهم وكلمهم فيما جاءهم به أي من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة أي ينتفها ويقطعها، أي وقيل يسرقها إن كان الله أرسلك. وقال له آخر: ما وجد الله أحدا يرسله غيرك. وقال له الثالث والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسول الله كما تقول لأنت أعظم خطرا: أي قدرا من أن أراد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام من عندهم وقد أيس من خير ثقيف، وقال لهم: اكتموا عليّ، وكره أن يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه وقالوا له اخرج من بلدنا وألحق بمنجاتك من الأرض، وأغروا به ـ أي سلطوا عليه ـ سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا أرضخوهما أي دقوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه.

وفي لفظ: حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان إذا أزلقته الحجارة ـ أي وجد ألمها ـ قعد إلى الأرض، فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، كل ذلك وزيد بن حارثة ـ أي بناء على أنه كان معه ـ يقيه بنفسه حتى لقد شجّ رأسه شجاجا، فلما خلص منهم رجلاه يسيلان دما عمد إلى حائط من حوائطهم: أي بستان من بساتينهم، فاستظل في حَبلة ـ أي بفتح الباء الموحدة وتسكينها غير معروف ـ شجرة كرم، وقيل لها حبلة لأنها تحمل بالعنب. وقد فسر نهيه عن بيع حبل الحبلة ببيع العنب قبل أن يطيب. قال السهيلي: وهو غريب لم يذهب إليه أحد في تأويل الحديث، فجاء إلى ذلك المحل وهو مكروب موجع» أي وقد جاء النهي عن أن يقال لشجر العنب الكرم في قوله «لا يقولن أحدكم الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن، ولكن قولوا حدائق العنب» قال وسبب النهي عن تسميتها كرما، لأن الخمر تتخذ من ثمرتها وهو يحمل على الكرم فاشتقوا لها اسما من الكرم.

وفي لفظ: ثم إن هؤلاء الثلاثة أي عبد ياليل واخوته أغروا عليه سفهاءهم وعبيدهم فصاروا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما دخل الحائط رجعوا عنه.

قال «وذكر أنه دعا بدعاء منه: اللهم إني أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» ا هـ وإذا في الحائط أي البستان عتبة وشيبة ابنا ربيعة: أي وقد رأيا ما لقي من سفهاء أهل الطائف، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، فلما رأياه وما لقي تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس معدود في الصحابة، مات قبل الخروج إلى بدر، فقالا خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، أي وهذا لا ينافي كون زيد بن حارثة كان معه كما لا يخفى، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي، ثم قال له كل، فلما وضع رسول الله، فيه يده الشريفة قال بسم الله ثم أكل: أي لأنه كان إذا وضع يده في الطعام قال بسم الله، ويأمر الآكل بالتسمية، وأمر من نسي التسمية أوله أن يقول بسم الله أوله وآخره، فنظر عداس في وجهه وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أيّ البلاد أنت، وما دينك يا عداس؟ قال نصراني، وأنا من أهل نينوى بكسر النون الأولى وفتح الثانية، وقيل بضمها: قرية على شاطىء دجلة في أرض الموصل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل قرية، أي وفي رواية «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى» اسم أبيه، أي كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

وفي تاريخ حماة أنه اسم أمه. قال: ولم يشتهر باسم أمه غير عيسى ويونس عليهما الصلاة والسلام.

أي وفي مزيل الخفاء: فإن قيل قد ورد في الصحيح «لا تفضلوني على يونس بن متى» ونسبه إلى أبيه وهو يقتضي أن متى أبوه لا أمه.

أجيب بأن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به، لا من كلام النبي.

ولما كان ذلك موهما أن الصحابي سمع هذه النسبة من النبي صلى الله عليه وسلم دفع الصحابي ذلك بقوله: ونسبه إلى أبيه لا إلى أمه، هذا كلامه.

«وعند ذلك قال عداس له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فإني والله لقد خرجت منها ـ يعني نينوى ـ وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت ابن متى وأنت أميّ وفي أمة أمية؟ فقال رسول الله: «ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي أميّ» وفي رواية «أنا رسول الله، والله أخبرني خبره، وما وقع له مع قومه» أي حيث وعدهم العذاب بعد أربعين ليلة لما دعاهم فأبوا أن يجيبوه وخرج عنهم، وكانت عادة الأنبياء إذا واعدت قومها العذاب خرجت عنهم، فلما فقدوه قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة: أي الإيمان بما دعاهم إليه يونس.

وقيل كما في الكشاف إنه قال لهم يونس أنا أؤجلكم أربعين ليلة، فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة أطبقت السماء غيما أسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم، فعند ذلك لبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين النساء وأولادها، وبين كل بهيمة وولدها، فلما أقبل عليهم العذاب جأروا إلى الله تعالى، وبكى الناس والولدان، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، وقالوا: يا حيّ حيث لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت.

وعن الفضيل أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجلّ، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

وفي الكشاف أنهم عجوا أربعين ليلة، وعلم الله تعالى منهم الصدق فتاب عليهم، وصرف عنهم العذاب بعد أن صار بينه وبينهم قدر ميل، فمر رجل على يونس فقال له: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم. قيل وكان في شرعهم أن من كذب قتل، فانطلق مغاضبا لقومه، وظن أن لن نقضي عليه بما قضى به عليه أي من الغم وضيق الصدر، قال تعالى{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} أي لن نضيق عليه، وكانت التوبة عليهم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة.

أي وفي كلام بعضهم كشف العذاب عن قوم يونس يوم عاشوراء، وأخرج فيه يونس من بطن الحوت، وهو يؤيد القول بأنه نبذ من يومه وهو قول الشعبي، التقمه ضحوة ونبذه عشية أي بعد العصر؛ وقاربت الشمس الغروب. وذكر أن الحوت لم يأكل ولم يشرب مدة بقاء يونس في بطنه لئلا يضيق عليه.

وقال السدي: مكث أربعين يوما. وقال جعفر الصادق: سبعة أيام. وقال قتادة: ثلاثة أيام؛ وذلك بعد أن نزل السفينة فلم تسر؛ فقال لهم: إن معكم عبدا آبقا من ربه وإنها لا تسير حتى تلقوه في البحر وأشار إلى نفسه؛ فقالوا: لا نلقيك يا نبيّ الله أبدا؛ قال: فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات؛ فألقوه فالتقمه الحوت. وقيل قائل ذلك بعض الملاحين؛ وحين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه في البحر؛ وهذا السياق يدل على أن رسالته كانت قبل أن يلتقمه الحوت: وقيل إنما أرسل بعد نبذ الحوت له؛ وفيه كيف يدعوهم ويعدهم العذاب وهو غير مرسل لهم.

وعن وهب بن منبه، وقد سئل عن يونس فقال: كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها فألقاها عنه وخرج هاربا، أي فقد تقدم أن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل، وهم نوح، وهود، وإبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.

أما نوح فلقوله{يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله} الآية. وأما هود فلقوله {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه} الآية. وأما إبراهيم فلقوله هو والذين آمنوا معه {إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله} الآية. وأما محمد فلقول الله تعالى له {فاصبركما صبر أولوا العزم من الرسل} فصبر.

فعند ذلك أكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه، أي فقال أحدهما: أي عتبة وشيبة للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قال له أحدهما: ويلك مالك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قال: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك.

أقول: وفي رواية «قال له وما شأنك؟ سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم ترك فعلته بأحدنا؟ قال: هذا رجل صالح أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى، فضحكا به وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع ودينك خير من دينه» وقد تقدم في بعض الروايات: أن خديجة رضي الله تعالى عنها قبل أن تذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل ذهبت به إلى عداس وكان نصرانيا من أهل نينوى: قرية سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام، وتقدم أنه غير هذا خلافا لمن اشتبه عليه به.

وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالأندلس حيث كنت فيه، وقست أثر رجل واحد منهم في الأرض فرأيت طول قدمه ثلاثة أشبار وثلثي شبر، والله أعلم.

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها «إنها قالت للنبي: هل أتى عليك يوم أشدّ من أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال» أي والمناسب لما سبق إسقاط لفظ ابن الأولى والإتيان بواو العطف موضع ابن الثانية، أي فيقال عبد ياليل وكلال، أي وعبد كلال، ويكون خصهما بالذكر دون أخيهما حبيب لأنهما كانا أشرف وأعظم منه، أو لأنهما كانا المجيبين له بالقبيح دون حبيب، إلا إن ثبت أن آباء هؤلاء الثلاثة شخصا يقال له عبد ياليل وعبد كلال، وحينئذ يكون المراد هؤلاء الثلاثة، لأن ابن مفرد مضاف، ثم رأيته في النور ذكر ما يفيد أن لفظ ابن ثابت في الصحيح.

والذي في كلام ابن اسحاق وأبي عبيد وغيرهما إسقاطه. ثم رأيت الشمس الشامي قال: الذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد ياليل نفسه لا ابنه.

وعند أهل السير أن عبد كلال أخوه لا أبوه: أي أبو أبيه كما لا يخفى «فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب»: أي ويقال له قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد الحجاز أو اليمن، بينه وبين مكة يوم وليلة. وفي لفظ «وهو موضع على ليلة من مكة وراء قرن» بسكون الراء. ووهم الجوهري في تحريكها، وفي قوله إن أويسا القرني منسوب إليه، وإنما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد كما ثبت في مسلم «فرفعت رأسي، فإذا أنا بالسحابة قد أظلتني؛ فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فنادى فقال: قد سمع قول قومك لك ـ أي أهل ثقيف كما هو المتبادر ـ وما ردوا عليك به، وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلم عليه، وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت» أي وهما جبلان يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى. فمن الأول قوله: وهما قبيس وقعيقعان. وقيل الجبل الأحمر الذي يقابل أبا قبيس المشرف على قعيقعان، ومن الثانية الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد.

وفيه أن ثقيفا ليسوا بينهما، بل الجبلان خارجان عنهم فيكف يطبقهما عليهم؟ وفي لفظ «إن شئت خسفت بهم الأرض أو دمدمت عليهم الجبال» أي التي بتلك الناحية.

ثم رأيت الحافظ ابن حجر، قال: المراد بقوم عائشة في قوله: لقد لقيت من قومك قريش: أي لا أهل الطائف الذين هم ثقيف، لأنهم كانوا هم السبب الحامل على ذهابه لثقيف؛ ولأن ثقيفا ليسوا قوم عائشة رضي الله تعالى عنها؛ وعليه فلا إشكال. ويوافقه قول الهدى: فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق على أهل مكة الأخشبين: وهما جبلاها التي هي بينهما.

وعبارة الهدى في محل آخر: وفي طريقه أرسل الله تعالى إليه ملك الجبال، فأمره بطاعته؛ وأن يطبق على قومه أخشبي مكة؛ وهما جبلاها إن أراد، هذا كلامه.

ولا يخفى أن هذا خلاف السياق، إذ قوله «وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي» إلى آخره، وقول جبريل «قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك به» ظاهر في أن المراد بهم ثقيف لا قريش. ويوافق هذا الظاهر قول ابن الشحنة في شرح منظومة جده بعد أن ساق دعاءه المتقدم بعضه «فأرسل الله عز وجل جبريل ومعه ملك الجبال؛ فقال إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» وحينئذ يكون المراد اطباقهما عليهم بعد نقلهما من محلها إلى محل ثقيف الذي هو الطائف لأن القدرة صالحة. وعند قول ملك الجبال له ما ذكر قال النبي «بل أرجو أن يخرج الله تعالى» وفي رواية «أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئا، وعن ذلك قال له ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم» قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم ملك الجبال؛ وإلى حلمه وإغضائه أشار صاحب الهمزية بقوله.

فجهلت قومه عليه فأغضى ** وأخو الحلم دأبه الإغضاء

وسع العالمين علما وحلما ** فهو بحر لم تعيه الأعباء

أي جهلت قومه فآذوه أذية لا تطاق؛ فأغضى عنهم حلما؛ وأخو الحلم: أي وصاحب عدم الانتقام شأنه التغافل؛ فإن علمه وسع علوم العالمين؛ ووسع حلمه حلمهم؛ فهو واسع العلم والحلم؛ لم تعيه الأعباء: أي لم تتعبه الأثقال؛ لكن تقييده بقومه السياق يدل على أن المراد به ثقيف؛ وقد علمت ما فيه فليتأمل.

وعند منصرفه المذكور من الطائف نزل نخلة وهي محلة بين مكة والطائف، فمر به نفر سبعة؛ وقيل تسعة من جن نصيبين: أي وهي مدينة بالشام؛ وقيل باليمن أثنى عليها بقوله «رفعت إلى نصيبين: حتى رأيتها فدعوت الله تعالى أن يعذب نهرها وينضر شجرها ويكثر مطرها» وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل أي وسطه يصلي. وفي رواية «يصلي صلاة الفجر» وفي رواية «هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة» فلعله كان يقرأ في الصلاة، والمراد بصلاة الفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس، ولعله صلاهما عقب الفجر وذلك ملحق بالليل. وفي قوله جوف الليل تجّوز من الراوي، أو صلى صلاتين صلاة في جوف الليل وصلاة بعد الفجر وقرأ فيهما، أو جمع بين القراءة والصلاة، وأن الجنَّ استمعوا للقراءتين، وإطلاق صلاة الفجر على الركعتين المذكورتين سائغ، وبهذا يندفع قول بعضهم: صلاة الفجر لم تكن وجبت، وكان يقرأ سورة الجن. وفيه: أي في الصحيحين «أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم».

وقد يقال: سيأتي ما يعلم منه أنه ليس المراد بالاستماع المذكور هنا، بل استماع سابق على ذلك، وهو المذكور في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآتية، ورواية صلاة الفجر هنا ذكرها الكشاف كالفخر، وإلا فالروايات التي وقفت عليها فيها الاقتصار على صلاة الليل، وصلاة الفجر كانت في ابتداء البعث في بطن نخلة عند ذهابه وأصحابه إلى سوق عكاظ كما سيأتي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فآمنوا به وكانوا يهودا لقولهم ـ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ـ ولم يقولوا من بعد عيسى إلا أن يكون ذلك بناء على أن شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة لها. ولا يخفى أنهم غلبوا ما نزل من الكتاب على ما لم ينزل، لأنهم لم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا. قال: وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم بالجن أي بأحد منهم.

ففي الصحيحين عنه قال «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ ـ أي وكان بين الطائف ونخلة، كان لثقيف وقيس عيلان» كما تقدم «وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ففزعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة، فإذا هم بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا ـ يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ـ فأنزل الله تعالى على نبيه {قل أوحي إليّ} أي قل أخبرت بالوحي من الله تعالى أنه استمع لقراءتي {نفر من الجن} أي جن نصيبين».

أقول: تقدم أن إطلاق الفجر على الركعتين اللتين كان يصليهما قبل طلوع الشمس سائغ، فإن ذلك باعتبار الزمان لا لكونهما إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء، وقوله بأصحابه يجوز أن تكون الباء بمعنى مع، ويجوز أن يكون صلى بهم إماما، لأن الجماعة في ذلك جائزة.

ولا يخفى أن هذه القصة التي تضمنتها رواية ابن عباس غير قصة انصرافه من الطائف، يدل لذلك قوله «انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ» لأنه في تلك القصة التي هي قصة الطائف كان وحده أو معه مولاه زيد بن حارثة على ما تقدم، وكان مجيئه من الطائف قاصدا مكة. وفي هذه كان ذهابه من مكة قاصدا سوق عكاظ، وأنه قرأ في تلك أي مجيئه من الطائف سورة الجن، وفي هذه قرأ غيرها ثم نزلت تلك السورة، وأن هذه القصة تضمنتها رواية ابن عباس سابقة على تلك، لأن قصة ابن عباس كانت في ابتداء الوحي، لأن الحيلولة بين الجن وبين خبر السماء بالشهب كانت في ذلك الوقت، وتلك كانت بعد ذلك بسنين عديدة.

وسياق كل من القصتين يدل على أنه لم يجتمع الجن به ولا قرأ عليهم، وإنما استمعوا قراءته من غير أن يشعر بهم. وقد صرح به ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه، وصرح به الحافظ الدمياطي في تلك حيث قال في سيرته «فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} هذا كلامه، ونزول ما ذكر كان بعد انصرافهم.

فقد قال ابن إسحاق «فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي » وبهذا يعلم ما في سفر السعادة.

ولما وصل في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه، وكذا يعلم ما في المواهب من قوله «ولما انصرف عن أهل الطائف ونزل نخلة صرف إليه سبعة من جن نصيبين» إلى أن قال: وفي الصحيح أن الذي آذنه بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد، فقال: كل عظم إلى آخره؛ لأن سؤالهم له الزاد فرع اجتماعهم، وقد ذكر هو أنهم لم يؤذنه بهم إلا شجرة هناك. وعلى جواز أن الشجرة آذنته بهم قبل انصرافهم أي أعلمته بوجودهم، وأن ذلك كان سببا لاجتماعهم به، وأن دعوى ذلك لا ينافي أنه لم يشعر باجتماعهم للقرآن إلا مما نزل عليه من القرآن، فسؤالهم له الزاد كان في قصة أخرى غير هاتين القصتين كانت بمكة سيأتي الكلام عليها.

ثم رأيت عن ابن جرير أنه تبين من الأحاديث أن الجن سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بنخلة وأسلموا، فأرسلهم إلى قومهم منذرين، إذ لا جائز أن يكون ذلك في أول البعث، لمخالفته لما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وحينئذ يؤيد الاحتمال الثاني الذي ذكرناه من أنه يجوز أنهم اجتمعوا به بعد أن آذنته بهم الشجرة، وقوله فأرسلهم إلى قومهم منذرين لم أقف في شيء من الروايات على ما هو صريح في ذلك: أي أن إرساله لهم كان من نخلة عند رجوعه من الطائف، ولعل قائله فهم ذلك من قوله تعالى{ولوا إلى قومهم منذرين}.

وغاية ما رأيت أن ابن جرير والطبراني رويا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن الجن الذين اجتمعوا به ببطن نخلة كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم» وهذا ليس صريحا في أنه كان عند رجوعه من الطائف.

لا يقال: يعني ذلك إنكار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اجتماعه بالجن المرة الأولى التي كانت عند البعث، لاحتمال أنه كان في بطن نخلة في مرة أخرى ثالثة.

ثم رأيت في النور ما يخالف ما تقدم عن ابن عباس من قوله «إنه لم يجتمع بالجن حين خروجه إلى سوق عكاظ» حيث قال: الذي في الصحيح وغيره أن اجتمع بهم، وهو خارج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه أصحابه فليتأمل.

قال: وذكر «أنه أقام بنخلة أياما بعد أن أقام بالطائف عشرة أيام وشهرا لا يدع أحدا من أشرافهم» أي زيادة على عبد ياليل وأخويه «إلا جاء إليه وكلمه فلم يجبه أحد. فلما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم؟ يعني قريشا وهم قد أخرجوك: أي كانوا سببا لخروجك وخرجت تستنصر فلم تنصر، فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه، فسار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق أي رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذ لك ليجيره: أي ليدخل مكة في جواره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير ـ أي في قاعدة العرب وطريقتهم واصطلاحهم ـ فبعث إلى سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك أيضا فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب» وفيه أنه لو كان كذلك لما سألهما، وكونه لم يكن يعرف هذا الاصطلاح بعيد، إلا أن يقال جوّز مخالفة هذه الطريقة «فبعث إلى المطعم بن عديّ ـ أي وقد مات كافرا قبل بدر بنحو سبعة أشهر ـ يقول له: إني داخل مكة في جوارك، فأجابه إلى ذلك، وقال له: قل له فليأت، فرجع إليه فأخبره، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ثم تسلح المطعم بن عديّ وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يؤذه أحد منكم، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله. أي والمطعم بن عدي وولده مطيفون به » قال «وذكر أنه بات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج مطعم وقد لبس سلاحه هو وبنوه، وكانوا ستة أو سبعة، وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف مدة طوافه، وأقبل أبو سفيان على المطعم، فقال: أمجير أم تابع؟ فقال: بل مجير، فقال: إذن لا تخفر ـ أي لا تزال خفارتك ـ أي جوارك، قد أجرنا من أجرت، فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه»ا هـ.

أي ولا بدع في دخوله في أمان كافر، لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفى، وهذا السياق يدل على أن قريشا كانوا أزمعوا على عدم دخوله مكة بسبب ذهابه إلى الطائف ودعائه لأهله. أي ولهذا المعروف الذي فعله المطعم قال في أسارى بدر «لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له».

ورأيت في أسد الغابة «أن جبيرا ولد المطعم رضي الله تعالى عنه ـ فإنه أسلم بين الحديبية والفتح، وقيل يوم الفتح ـ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر فسأله في أسارى بدر، فقال: لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفعناه فيهم» كما سيأتي، أي لأنه فعل معه هذا الجميل وكان من جملة ما سعى في نقض الصحيفة كما تقدم.

قال: وعن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه «لما انصرف النفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة جاؤوا قومهم منذرين، ثم جاؤوا مع قومهم وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء واحد من أولئك النفر إلى رسول الله، فقال: إن قومنا قد حضروا بالحجون يلقونك، فوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من الليل بالحجون» ا هـ.

وإن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال «أتانا رسول الله، فقال: إني أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن، فليقم معي رجل منكم ولا يقم رجل في قلبه مثقال حبة خردل من كبر، فقمت معه: أي بعد أن كرر ذلك ثلاثا ولم يجبه أحد منهم» ولعلهم فهموا أن من الكبر ما ليس منه وهو محبة الترفع في نحو الملبس الذي لا يكاد يخلو منه أحد.

وقد بين الكبر في الحديث ببطر الحق وغمط الناس: أي استصغارهم وعدم رؤيتهم شيئا بعد أن قالوا له «يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق وغمط الناس» بالطاء المهملة كما في رواية أبي داود، وجاء «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر، ولا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» قال الخطابي: المراد بالكبر هنا: أي في هذه الرواية كبر الكفر لأنه قابله بالإيمان. قال ابن مسعود «وذهب في بعض نواحي مكة ـ أي بأعلاها بالحجون ـ فلما برز خط لي خطا: أي برجله وقال: لا تخرج، فإنك إن خرجت لم ترني ولم أرك إلى يوم القيامة» وفي رواية «لا تحدثنّ شيئا حتى آتيك، لا يروعنك: أي لا يخوفنك ويفزعنك؛ ولا يهولنك: أي لا يعظم عليك شيء تراه، ثم جلس رسول الله، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط، وهم طائفة من السودان الواحد منهم زطي، وكانوا كما قال الله تعالى (كادوا يكونون عليه) أي لازدحامهم (لبدا) أي كاللبد في ركوب بعضهم بعضا حرصا على سماع القرآن منه، فأردت أن أقوم فأذبّ عنه، فذكرت عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثت، ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون: يا رسول الله إن شفتنا أي أرضنا التي نذهب إليها بعيدة ونحن منطلقون، فزوّدنا: أي لأنفسنا ودوابنا» ولعله كان نفد زادهم وزاد دوابهم، فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أوفر ما كان لحما» رواه مسلم.

وفي رواية «إلا وجد عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، وكل بعر علف دوابكم».

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «أنهم لما سألوه الزاد، قال لهم: لكم كل عظم عراق، ولكم كل روثة خضرة» والعراق بضم العين وفتح الراء جمع عرق بفتح العين وسكون الراء: العظم الذي أخذ عنه اللحم. وقيل الذي أخذ عنه معظم اللحم «قلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم أي عن أنفسهم وعن دوابهم» بدليل قوله «فقال إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت» وفي رواية «وجدوه ـ أي الروث والبعر ـ شعيرا» فهذه الرواية تدل على أن الروثة مطعوم دوابهم، ويوافقه ما جاء «أن الشعير يعود خضرا لدوابهم» ويحتاج للجمع بين كون الروث كالبعر يعود حبا يوم أكل، وبين كونه يعود شعيرا، وبين كونه يعود خضرا.

هذا، وفي رواية لأبي نعيم «أن الروث يعود لهم تمرا» وهي تدل على أن الروث من مطعومهم، ويحتاج إلى الجمع. وجمع ابن حجر الهيتمي بأن الروث يكون تارة علفا لدوابهم وتارة يكون طعاما لهم أنفسهم، أي وفي لفظ «سألوني المتاع فمتعتهم كل عظم حائل وكل روثة وبعرة» والحائل: البالي بمرور الزمن، لأنه لم يخرج بذلك عن كونه مطعوما لهم، كما لم يخرج بذلك عن كونه مطعوما لهم لو حرق وصار فحما، ولعل الغرض من ذكر الحائل الإشارة إلى أن زادهم العظم ولو كان حائلا، لا أنه لم يمنعهم إلا الحائل؛ وقوله إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل يدل على أن المراد عظم المذكاة، وبدليل ذكر اسم الله تعالى عليه، فلا يأكلون ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من عظم: أي وكذا من طعام الإنس سرقة كما جاء في بعض الأخبار. هذا، ولكن في رواية أبي داود «كل عظم لم يذكر اسم الله تعالى عليه» قال السيهلي: وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود.

وقال بعض العلماء: رواية «ذكر اسم الله عليه» في الجن المؤمنين. ورواية «لم يذكر اسم الله تعالى عليه» في حق الشياطين منهم، وهذا قول صحيح يعضده الأحاديث. هذا كلامه، أي التي من تلك الأحاديث «أن إبليس قال: يا رب ليس أحد من خلقك إلا وقد جعلت له رزقا ومعيشة فما رزقي؟ قال: كل ما لم يذكر عليه اسمي» ومعلوم أن إبليس أبو الجن وأن ما لم يذكر اسم الله عليه يشمل عظم الميتة.

ومقابلة الشياطين بالمؤمنين تدل على أن المراد بهم فسقتهم لا الكفار منهم؛ لأن في كون الكفار من الجن اجتمعوا به مع المؤمنين، وأن كلا من الفريقين سأله الزاد، وأنه خاطب كلا بما يليق به فيه بعد لاسيما مع ما تقدم عن ابن مسعود وما يأتي من قوله اخوانكم من الجن، ومن ثم قال بعضهم: إن السائلين له الزاد كانوا مسلمين فليتأمل.

ولما ذكر لهم العظم والروث «قالوا: يا رسول الله إن الناس يقذرونهما علينا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم أو بروثه بقوله: فلا يستنقينّ أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة، لأنه زاد إخوانكم من الجن».

وفي رواية «قالوا له أنه أمتك عن الاستنجاء بهما، فإن الله تعالى قد جعل لنا فيهما رزقا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والبعر» أي وحرمة نحو البول أو التغوط عليهما تعلم من ذلك بالأولى، ومنه يعلم أن مرادهم بالتقذير التنجيس لا ما يشمل التقذير بالطاهر كالبصاق و المخاط.

وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما قال «بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشي إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه وأدنت فاها من أذنه وكأنها تناجيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم فانصرفت، قال جابر: فسألته، فأخبرني أنه رجل من الجن، وأنه قال له مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة: أي العظم، لأن الله تعالى جعل لنا في ذلك رزقا» ولعل هذا الرجل من الجن لم يبلغه أنه نهى عن ذلك. ولا يخفى أن سؤال الزاد يقتضي أن ذلك لم يكن زادهم وزاد دوابهم قبل ذلك. وحينئذ يسأل ما كان زادهم قبل ذلك؟ وقد يقال: هو كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام الآدميين، وحينئذ يكون ما تقدم في خبر إبليس المراد بما لم يذكر اسم الله عليه غير العظم فليتأمل، والنهي عن الاستنجاء يدل على أن ذلك لا يختص بحالة السفر بل هو زادهم بعد ذلك دائما وأبدا.

وقصة جابر هذه سيأتي في غزوة تبوك نظيرها «وهو أن حية عظيمة الخلق عارضتهم في الطريق، فانحاز الناس عنها، فأقبلت حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن» قال في المواهب: وفي هذ ردّ على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب: أي وإنما يتغذون بالشم.

أقول: ذكرت في كتابي (عقد المرجان فيما يتعلق بالجان) أن في أكل الجن ثلاثة أقوال: قيل يأكلون بالمضغ والبلع، ويشربون بالازدراد. والثاني لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم. والثالث أنهم صنفان: صنف يأكل ويشرب، وصنف لا يأكل ولا يشرب، وإنما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم، والله أعلم.

«قال ابن مسعود: فلما ولوا قلت من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جن نصيبين» وفي رواية «فتوارى عني حتى لم أره، فلما سطع الفجر أقبل رسول الله، فقال لي: أرك قائما، فقلت ما قعدت، فقال: ما عليك لو فعلت أي قعدت؟ قلت: خشيت أن أخرج منه فقال: أما إنك لو خرجت لم ترني ولم أراك إلى يوم القيامة» أي وفي رواية «لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم» وفيه أن الخروج لا ينشأ عن القعود حتى يخشى منه الخروج. وفي رواية «قال لي: أنمت؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس، أي لما تراكموا عليك، وسمعت منهم لغطا شديدا حتى خفت عليك إلى أن سمعتك تقرعهم بعصاك وتقول: اجلسوا، وسأله عن سبب اللغط الشديد الذي كان منهم، فقال: إن الجن تداعت في قتيل بينهم قتل فتحاكموا إليّ، فحكمت بينهم بالحق».

وفي رواية عن سعيد بن جبير أنه أي ابن مسعود قال له: أولئك جن نصيبين، وكانوا اثني عشر ألفا، والسورة التي قرأها عليهم {اقرأ باسم ربك} أي ولا ينافي ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه افتتح القرآن، لأن المراد بالقرآن القراءة. زاد ابن مسعود على ما في بعض الروايات «ثم شبك أصابعه في أصابعي، وقال: إني وعدت أن تؤمن بين الجن والإنس، أما الإنس فقد آمنت، وأما الجن فقد رأيت».

أقول: وفي هذا أن ابن مسعود لم يخرج من الدائرة التي اختطها له وفي السيرة الهشامية ما يقتضي أنه خرج منها حيث قال عن ابن مسعود «فجئتهم فرأيت الرجال ينحدرون عليه من الجبال، فازدحموا عليه إلى آخره» فليتأمل.

فعلم أن هذه القصة بعد كل من قصة ابن عباس وقصة رجوعه من الطائف، فإن قصة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت في أول البعث، وقصة رجوعه من الطائف بعدها بمدة مديدة كما علمت، وهذه القصة كانت بعدهما بمكة والله أعلم «ثم قال لابن مسعود: هل معك وضوء» أي ماء نتوضأ به؟ » قلت لا، فقال: ما هذه الإداوة أي وهي إناء من جلد؟ قلت فيها نبيذ؟ قال: ثمرة طيبة وماء طهور صبّ عليّ، فصببت عليه فتوضأ وأقام الصلاة وصلى».

أقول: وهو محمول عند أئمتنا معاشر الشافعية على أن الماء لم يتغير بالتمر تغيرا كثيرا يسلب اسم الماء، ومن ثم قال ماء طهور، وقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فيها نبيذ أي منبوذ الذي هو التمر، وسماه نبيذا باعتبار الأول على حد قوله تعالى {إني أراني أعصر خمرا} وهذا بناء على فرض صحة الحديث، وإلا فقد قال بعضهم: حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين.

وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه: الذي أقول به منع التطهر بالنبيذ، لعدم صحة الخبر المروي فيه، ولو أن الحديث صح لم يكن نصا في الوضوء به فإنه قال «ثمرة طيبة وماء طهور»، أي قليل الامتزاج والتغير عن وصف الماء، وذلك لأن الله تعالى ما شرع الطهارة عند فقد الماء إلا بالتيمم بالتراب خاصة.

قال: ومن شرف الإنسان أن الله تعالى جعل له التطهر بالتراب، وقد خلقه الله من تراب فأمره بالتطهر أيضا به تشريفا له. وعند أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة «قلت لابن مسعود هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أجد، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا أستطير أو اغتيل وطلبناه فلم نجده فبتنا بشرّ ليلة، فلما أصبحنا إذ هو جاء من قب الحجون» وفي لفظ «من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله إنا فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة، فقال إنه أتاني داعي الجن، فذهب معهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم» وهذه القصة يجوز أن تكون هي المنقولة عن كعب الأحبار المتقدم ذكرها وهي سابقة على القصة التي كان فيها ابن مسعود. ويجوز أن تكون غيرها وهي المرادة بقول عكرمة «إنهم كانوا اثني عشر ألفا جاؤوا من جزيرة الموصل» لأن المتقدم في تلك عن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا ثلاثمائة من جن نصيبين.

وحينئذ يحتمل أن تكون هذه القصة سابقة على القصة التي كان بها ابن مسعود، ويحتمل أن تكون متأخرة عنها، وعلى ذلك يكون اجتماع الجن به في مكة ثلاث مرات مرة كان فيها معه ابن مسعود، ومرتين لم يكن معه ابن مسعود فيهما.

قال في الأصل: ويكفي في أمر الجن ما في سورة الرحمن وسورة ـ قل أوحي إليّ ـ وسورة الأحقاف.

أقول: فعلم أن الجن سمعوا قراءته ولم يجتمعوا به ولا شعر بهم في المرة الأولى وهو ذاهب من مكة إلى سوق عكاظ في ابتداء البعث المتقدمة عن ابن عباس على ما تقدم، ولا في المرة الثانية عند منصرفه من الطائف بنخلة على ما قدمناه فيه، وعلم أن الروايات متفقة على استماعهم لقراءته في المرتين، وبه يعلم ما في المواهب عن الحافظ ابن كثير أنّ كون الجن اجتمعوا له في نخلة عند منصرفه من الطائف فيه نظر، وإنما استماعهم له كان في ابتداء البعث كما يدلّ عليه حديث ابن عباس، أي من أن ذلك كان عند ذهابه إلى سوق عكاظ، وعلم أنهم اجتمعوا به وقرأ عليهم وآمنوا به في مكة مرتين أو ثلاثة بعد ذلك والله أعلم.

وقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن قتادة «أنه قال: لما أهبط إبليس قال: أي رب قد لعنته فما علمه؟ قال السحر، قال: فما قراءته؟ قال الشعر، قال: فما كتابته؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه؟ قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه ـ أي من طعام الإنس يأخذه سرقة، قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام، قال: فأين محله؟ قال: في الأسواق، قال: فما صوته؟ قال المزمار، قال: فما مصايده؟ قال النساء» فالحمام محل أكثر إقامته، والسوق محل تردده في بعض الأوقات. والظاهر أن مثل إبليس فيما ذكر كل من لم يؤمن من الجن.


باب ذكر خبر الطفيل بن عمرو الدوسي وإسلامه رضي الله تعالى عنه

كان الطفيل بن عمرو الدوسي شريفا في قومه شاعرا نبيلا، قدم مكة فمشى إليه رجل من قريش؛ فقالوا: يا أبا الطفيل؛ كنوه بذلك تعظيما له فلم يقولوا يا طفيل، إنك قدمت بلادنا؛ وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل أمره بنا: أي اشتد وفرّق جماعتنا وشتت أمرنا؛ وإنما قوله كالسحر؛ يفرق به بين المرء وأخيه؛ وبين الرجل وزوجته: وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا؛ فلا تكلمه ولا تسمع منه قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت: أي قصدت وعزمت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه: أي حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا وهو بضم الكاف وسكون الراء ثم سين مهملة مضمومة ثم فاء: أي قطنا، فرقا: أي خوفا من أن يبلغني شيء من قوله؛ فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن أسمع بعض قوله: أي فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: أنا ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فقلت يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا حتى سددت أذني بكرسف حتى لا أسمع قولك، فاعرض عليّ أمرك، فعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن: أي قرأ عليه {قل هو الله أحد} إلى آخرها و {قل أعوذ برب الفلق} إلى آخرها، و {قل أعوذ برب الناس} إلى آخرها.

وفيه أنه سيأتي أن نزول {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} كان بالمدينة عندما سحر رسول الله، إلا أن يقال يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فقال: والله ما سمعت قط قولا أحسن من هذا، ولا أمرا أعدل منه فأسلمت، فقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام، فادع الله أن يكون لي عونا عليهم قال: اللهم اجعل له آية، فخرجت حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر: أي وهم النازلون المقيمون على الماء لا يرحلون عنه، وكان ذلك في ليلة مظلمة وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنه مثلة، فتحول في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور كالقنديل المعلق: أي ومن ثم عرف بذي النور، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله.

وفي جبهة الدوسي ثم بسوطه ** جعلت ضياء مثل شمس منيرة

قال: فأتاني أبي فقلت له: إليك عني يا أبت فلست مني ولست منك، فقال: لم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، فقال: أي بني ديني دينك، فأسلم، أي بعد أن قال له: اغتسل وطهر ثيابك ففعل، ثم جاء فعرض عليه الإسلام ثم أتتني صاحبتي فذكرت لها مثل ذلك: أي قلت لها إليك عني فلست منك ولست مني، قد أسلمت وتابعت دين محمد، قالت: فديني دينك فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام أبطؤوا علي. ثم جئت رسول الله، فقلت: يا رسول الله، قد غلبني دوس وفي رواية «قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد دوسا» قال زاد في رواية «وأت بهم، فقال الطفيل: فرجعت فلم أزل بأرض قومي أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق» ا هـ فأسلموا، قال: فقدمت بمن أسلم من قومي عليه وهو بخيبر سبعين أو ثمانين بيتا من دوس: أي ومنهم أبو هريرة، فأسهم لنا مع المسلمين أي مع عدم حضورهم القتال ا هـ.

أقول: قال في النور: وفي الصحيح ما ينفي هذا «وإنه لم يعط أحدا لم يشهد القتال إلا أهل السفينة الجائين من أرض الحبشة جعفرا ومن معه: أي ومنهم الأشعريون أبو موسى الأشعري وقومه، فقد تقدم أنهم هاجروا من اليمن إلى الحبشة، ثم جاءوا إلى المدينة.

وفيه أنه سيأتي أنه سأل أصحابه أن يشركوهم معهم في الغنيمة ففعلوا وسيأتي أنه إنما أعطى أهل السفينة: أي والدوسيين على ما علمت من الحصنين اللذين فتحا صلحا، فقد أعطاهما مماأفاء الله عليه لا من الغنيمة، وسؤال أصحابه في اعطائهم من المشهورة العامة المأمور بها في قوله تعالى {وشاورهم في الأمر} لا لاستنزالهم عن شيء من حقهم، والله أعلم.


باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس

اعلم أنه لا خلاف في الإسراء به إذ هو نص القرآن على سبيل الإجمال، وجاءت بتفصيله وشرح أعاجيبه أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة من الرجال والنساء نحو الثلاثين: أي ومن ثم ذهب الحاتمي الصوفي إلى أن الإسراء وقع له ثلاثين مرة، فجعل كل حديث إسراء. واتفق العلماء على أن الإسراء كان بعد البعثة اهـ: أي الإسراء الذي كان في اليقظة بجسده، فلا ينافي حديث البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه «أن الإسراء كان قبل أن يوحى إليه » لأن ذلك كان في نومه بروحه، فكان هذا الإسراء توطئة له وتيسيرا عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة.

وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني أن إسراءاته كانت أربعا وثلاثين، واحد بجسمه والباقي بروحه، وتلك الليلة: أي التي كانت بجسمه كانت ليلة سبع عشرة، وقيل سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول، وقيل ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان أي وقيل سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر، وقيل من رجب واختار هذا الأخير الحافظ عبد الغني المقدسي وعليه عمل الناس، وقيل في شوّال، وقيل في ذي الحجة.

وفي كلام الشيخ عبد الوهاب ما يفيد أن إسراءاته كلها كانت في تلك الليلة التي وقع فيها هذا الخلاف فليتأمل، وذلك قبل الهجرة قيل بسنة وبه جزم ابن حزم، وادعى فيه الإجماع، وقيل بسنتين؛ وقيل بثلاث سنين، وكل من الإسراء والمعراج كان بعد خروجه للطائف كما دل عليه السياق، وعن ابن إسحاق أن ذلك كان قبل خروجه إلى الطائف، وفيه نظر ظاهر.

واختلف في اليوم الذي يسفر عن ليلتهما، قيل الجمعة، وقيل السبت. وقال ابن دحية: يكون يوم الاثنين إن شاء الله تعالى ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة: أي لأنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين فليتأمل.

عن أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها: أي واسمها على الأشهر فاختة، وسيأتي في فتح مكة أنها أسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها هبيرة إلى نجران ومات بها على كفره، قالت: «دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلس: أي في الظلام بعيد الفجر وأنا على فراشي، فقال: أشعرت: أي علمت أني نمت الليلة في المسجد الحرام أي عند البيت أو في الحجر» وهو المراد بالحطيم الذي وقع في بعض الروايات، وفي رواية «فرج سقف بيتي».

قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون السر في ذلك أي في انفراج السقف التمهيد لما يقع من شق صدره، فكأنّ الملك أراه بانفراج السقف والتئامه في الحال كيفية ما سيصنع به، لطفا به وتثبيتا له: أي زيادة تمهيد وتثبيت له، وإلا فشق صدره تقدم له غير مرة، وفي رواية «أنه نام في بيت أم هانىء، قالت: فقدته من الليل فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش».

أي وحكى ابن سعد «أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد تلك الليلة، فتفرقت بنو عبد المطلب يلتمسونه، ووصل العباس إلى ذي طوى، وجعل يصرخ يا محمد، فأجابه لبيك لبيك، فقال: يا بن أخي عنيت قومك فأين كنت؟ قال: ذهبت إلى بيت المقدس قال: من ليلتك؟ قال نعم، قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: ما أصابني إلا خير» ولعله نزل عن البراق في ذلك المحل.

وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها قالت «ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلم كان قبل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي أقامنا من نومنا» ومن ثم جاء في رواية: «نبهنا، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانىء لقد صليت معك العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» الحديث.

والمراد أنه صلى صلاته التي كان يصليها وهي الركعتان في الوقتين المذكورين، وإلا فصلاة العشاء وصلاة الصبح التي هي صلاة الغداة لم يكونا فرضا، وفي قولها «وصلينا معه» نظر لما تقدم، ويأتي أنها لم تسلم إلا يوم الفتح، ثم رأيت في مزيل الخفاء: وأما قولها يعني أم هانىء وصلينا فأرادت به وهيأنا له ما يحتاج إليه في الصلاة كذا أجاب.

وأقرب منه أنها تكلمت على لسان غيرها، أو أنها لم تظهر إسلامها إلا يوم الفتح فليتأمل، فقال «إن جبريل أتاني» وفي رواية «أسرى به من شعب أبي طالب» قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات «أنه نام في بيت أم هانىء وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج عن سقف بيته الذي هو بيت أم هانىء» لأنه كان نائما به «فنزل الملك وأخرجه إلى المسجد وكان به أثر النعاس: أي فاضطجع فيه عند الحجر» فيصح قوله: نمت الليلة في المسجد الحرام إلى آخره.

وفي رواية «أنه أتاه جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر، أي وهو مضطجع في المسجد في الحجر بين عمه حمزة وابن عمه جعفر رضي الله تعالى عنهما، فقال أحدهم: خذوا سيد القوم الأوسط بين الرجلين، فاحتملوه حتى جاؤوا به زمزم، فاستلقوه على ظهره، فتولاه منهم جبريل، فشق من ثغرة نحره» وهو الموضع المنخفض بين الترقوتين «إلى أسفل بطنه» أي وفي رواية «إلى مراق بطنه» وفي رواية «إلى شعرته» أي أشار إلى ذلك؟ فانشق فلم يكن الشق في المرات كلها بآلة، ولم يسل منه دم، ولم يجد لذلك إلما كما تقدم التصريح به في بعض الروايات، لأنه من خرق العادات وظهور المعجزات «ثم قال جبريل، لميكائيل: ائتني بطشت من ماء زمزم كيما أطهر قلبه، وأشرح صدره، فاستخرج قلبه: أي فشقه، فغسله ثلاث مرات، ونزع ما كان فيه من أذى» وهذا الأذى يحتمل أن يكون من بقايا تلك العلقة السوداء التي نزعت منه وهو مسترضع في بني سعد بناء على تجزئتها كما تقدم في المرة الثانية، وهو ابن عشر سنين والثالث عند البعث، فلا يخالف أن العلقة السوداء نزعت منه في المرة الأولى وهو مسترضع في بني سعد، ويستحيل تكرار إخراجها وإلقائها. والذي ينبغي أن يكون نزع الملك العلقة إنما هو في المرة الأولى، والواقع في غيرها إنما هو اخراج الأذى، وأنه غير تلك العلقة، وأن المراد به ما يكون في الجبليات البشرية، وتكرر إخراج ذلك الأذى استئصاله ومبالغة فيه، وذكر العلقة في المرة الأولى، وقول الملك هذا حظ الشيطان وهم من بعض الرواة.

«واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم، ثم أتى بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا» أي نفس الحكمة والإيمان، لأن المعاني قد تمثل بالأجسام، أو فيه ما هو سبب لحصول ذلك، والمراد كما لهما، فلا ينافي ما تقدم في قصة الرضاع أنه مليء حكمة وإيمانا. «ووضعت فيه السكينة ثم أطبقه، ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة» وتقدم في قصة الرضاع أن في رواية أن الختم كان في قلبه، وفي أخرى أنه كان في صدره، وفي أخرى أنه كان بين كتفيه، وتقدم الكلام على ذلك. وأنكر القاضي عياض شق صدره ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي في بني سعد، وهو يتضمن إنكار شقه عند البعثة أيضا، أي والتي قبلها وعمره عشر سنين. ورده الحافظ ابن حجر بأن الروايات تواردت بشق صدره في تلك الليلة وعند البعثة، أي زيادة على الواقع له في بني سعد، وأبدى لكل من الثلاثة حكمة، وتقدم أنه شق صدره وهو ابن عشر سنين، وأنه شق صدره وهو ابن عشرين سنة، وتقدم ما فيه.

أقول: ويمكن أن يكون إنكار القاضي عياض لشق صدره ليلة المعراج على الوجه الذي جاء في بعض الروايات أنه أخرج من قلبه علقة سوداء، وقال الملك: هذا حظ الشيطان منك لأن هذا إنما كان وهو مسترضع في بني سعد، ويستحيل تكرر إلقاء تلك العلقة، وحمل ذلك على بعض بقايا تلك العلقة السوداء كما قدمناه ينافي قول الملك هذا حظ الشيطان منك، إلا أن يقال المراد أنه من حظ الشيطان أي بعض حظ الشيطان فليتأمل ذلك، والأولى ما قدمناه في ذلك. ثم لا يخفى أنه ورد «غسل صدري» وفي رواية «قلبي».

وقد يقال: الغسل وقع لهما معا كما وقع الشق لهما معا، فأخبر بإحداهما مرة وبالأخرى أخرى، أي وتقدم في مبحث الرضاع في رواية شق بطنه ثم قلبه، وفي أخرى شق صدره ثم قلبه، وفي أخرى الاقتصار على شق صدره، وفي أخرى الاقتصار على شق قلبه، وتقدم أن المراد بالبطن الصدر، وليس المراد بأحدهما القلب.

وفي كلام غير واحد ما يقتضي أن المراد بالصدر القلب، ومن ثم قيل: هل شق صدره وغسله مخصوص به، أو وقع لغيره من الأنبياء؟ .

وأجيب بأنه جاء في قصة تابوت بني إسرائيل الذي أنزله الله تعالى على آدم حين أهبطه إلى الأرض «فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرسل، وآخر البيوت بيت محمد، وهو من ياقوتة حمراء، ثلاثة أذرع في ذراعين» وقيل كان من نوع من الخشب تتخذ منه الأمشاط مموها بالذهب، فكان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم كان عند إسماعيل ثم عند ابنه قيدار، فنازعه ولد إسحاق، ثم أمر من السماء أن يدفعه إلى ابن عمه يعقوب إسرائيل الله فحمله إلى أن أوصله له، ثم وصل إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فوضع فيه التوراة وعصاه وعمامة هارون ورضاض الألواح التي تكسرت لما ألقاها، وأنه كان فيه الطشت طشت من ذهب الجنة الذي غسل فيه قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» وذلك مقتضٍ لعدم الخصوصية «وكان هذا التابوت إذا اختلفوا في شيء سمعوا منه ما يفصل بينهم، وما قدموه أمامهم في حرب إلا نصروا، وكان كل من تقدم عليه من الجيش لا بدّ أن يقتل أو ينهزم الجيش».

وفي الخصائص للسيوطي: ومما اختص به عن جميع الأنبياء ولم يؤتها نبي قبله شق صدره في أحد القولين وهو الأصح. وجمع بعضهم بحمل الخصوصية على تكرر شق الصدر، لأن تكرر شق صدره الشريف ثبت في الأحاديث، وشق صدر غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما أخذ من قصة التابوت، وليس فيها تعرض للتكرار، ولو جمع بأن شق الصدر مشترك وشق القلب، وإخراج العلقة السوداء مختص به، ويكون المراد بالقلب في قصة التابوت الصدر وبالصدر في كلام الخصائص القلب لم يكن بعيدا، إذ ليس في قصة التابوت ما يدل على أن تلك العلقة السوداء أخرجت من غير قلب نبينا، ولم أقف على أثر يدلّ على ذلك، وغسل قلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس من لازمه الشق، بل يجوز أن يكون غسله من خارج، وقد أحلنا على هذا الجمع في بحث الرضاع، وبهذا يردّ ما قدمناه من قول الشمس الشامي: الراجح المشاركة، ولم أر لعدم المشاركة ما يعتمد عليه بعض الفحص الشديد فليتأمل.

ثم رأيته ذكر أنه جمع جزءا سماه (نور البدر فيما جاء في شق الصدر) ولم أقف عليه، والله أعلم.

«قال فأتاني جبريل عليه الصلاة والسلام، فذهب بي إلى باب المسجد» أي وعن الحسن قال: قال رسول الله «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام، فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا؛ فعدت لمضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فأخذ بعضدي، فقمت معه فخرج بي إلى باب المسجد».

وفيه أنه إذا لم يجد شيئا من أخذ بعضديه، إلا أن يقال ثم رآه عند أخذه بعضديه، فإذا دابة أبيض» أي ومن ثم قيل له البراق بضم الموحدة لشدة بريقه، وقيل: قيل له ذلك لسرعته، أي فهو كالبرق، وقيل لأنه كان ذا لونين أبيض وأسود، أي يقال شاة برقاء: إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء: أي وهي العفراء، ومن ثم جاء في الحديث «أبرقوا فإن دم عفراء عند الله أذكى من دم سوداوين» أي ضحوا بالبلقاء وهي العفراء لكن في الصحاح الأعفر الأبيض، وليس بالشديد البياض، وشاة عفراء: يعلو بياضها حمرة، ولغلبة بياض شعره على سواده أو حمرته قيل أبيض، ولعل سواد شعره لم يكن حالكا بل كان قريبا من الحمرة فوصف بأنه أحمر، وهذا لا يتم إلا لو كان البراق كذلك، أي شعره أبيض داخله طاقات سود أو حمر ولعله كان كذلك، ويدل له قول بعضهم: إنه ذو لونين، أي بياض وسواد، والسواد كما علمت إذا