البداية والنهاية/الجزء الثاني/صفحة واحدة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
البداية والنهاية
صفحة واحدة
ابن كثير
الجزء الثاني في صفحة واحدة


محتويات

ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام

قال ابن جرير في (تاريخه): لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين، وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم، أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا، يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام، وهو زوج أخته مريم، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله وهما يوشع وكالب، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْباب فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [1].

قال ابن جرير ثم من بعده: كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن يوذي، وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.

قصة حزقيل

قال الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } [2].

قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع، خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ }

قال ابن إسحاق: فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض، فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعا، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، فمضت عليهم دهور طويلة، فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكرا، فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟

فقال: نعم.

فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحما، وأن يتصل العصب بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد.

وقال أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة في قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } [3].

قالوا: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط، وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها، فنزلوا ناحية منها فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم.

فوقع في قابل فهربوا، وهم بضعة وثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه، أن موتوا فماتوا، حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم، مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم، ويلوي شدقيه وأصابعه.

فأوحى الله إليه يا حزقيل تريد أن أريك كيف أحييهم؟

قال: نعم، وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم.

فقيل له: ناد، فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام، ثم أوحى الله إليه أن نادِ يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما، فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها.

ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا، قال أسباط: فزعم منصور بن المعتمر، عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم أحياء، يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد رسما، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.

وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف. وعنه: ثمانية آلاف.

وعن أبي صالح: تسعة آلاف.

وعن ابن عباس أيضا: كانوا أربعين ألفا.

وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات.

وقال ابن جريج. عن عطاء: هذا مثل، يعنى أنه سيق مثلا مبينا أنه لن يغنى حذر من قدر، وقول الجمهور أقوى إن هذا وقع.

وقد روى الإمام أحمد، وصاحبا الصحيح. من طريق الزهري. عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء وقع بالشام.

فذكر الحديث، يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا ببعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

« إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه » فحمد الله عمر ثم انصرف.

وقال الإمام: حدثنا حجاج ويزيد المفتي قالا: حدثنا ابن أبي ذؤيب عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

« أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ».

قال: فرجع عمر من الشام. وأخرجاه من حديث مالك، عن الزهري، بنحوه.

قال محمد بن إسحاق: ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثم إن الله قبضه إليه، فلما قبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم الأحداث، وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له: بعل، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.

قلت: وقد قدمنا قصة إلياس تبعا لقصة الخضر، لأنهما يقرنان في الذكر غالبا، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات، فتعجلنا قصته لذلك، والله أعلم.

قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال: ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام وهذه:

قصة اليسع عليه السلام

وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: { وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } [4]

وقال تعالى في سورة ص: { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ } [5].

قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة، أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: كان بعد إلياس اليسع عليهما السلام، فمكث ما شاء الله أن يمكث، يدعوهم إلى الله مستمسكا بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه، ثم خلف فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة، وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك عنيد طاغ. ويقال: إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل.

قال محمد بن إسحاق: هو اليسع بن أخطوب. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في حرف الياء من تاريخه: اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال: هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام، ويقال: كان مستخفيا معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها، فلما رفع إلياس، خلفه اليسع في قومه، ونبأه الله بعده.

ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال وقال غيره: وكان ببانياس.

ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف وبالتشديد، ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء، قلت: قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليهما السلام، لأنه قد قيل: إنه ابن أيوب، فالله أعلم.

فصل في حال بني إسرائيل

قال ابن جرير وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل، وعظمت منهم الخطوب والخطايا، وقتلوا من قتلوا من الأنبياء، وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكا جبارين، يظلمونهم ويسفكون دماءهم، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضا، وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان، كما تقدم ذكره، فكانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.

فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان، غلبوهم وقهروهم على أخذه، فانتزعوه من أيديهم، فلما علم بذلك ملك بنى إسرائيل في ذلك الزمان، مالت عنقه فمات كمدا، وبقى بنو إسرائيل كالغنم بلا راع، حتى بعث الله فيهم نبيا من الأنبياء يقال له شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا ليقاتلوا معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه.

قال ابن جرير: فكان من وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عز وجل شمويل بن بالى أربعمائة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم، وسماهم واحدا واحدا تركنا ذكرهم قصدا.

قصة شمويل عليه السلام

هو شمويل ويقال له: أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا.

قال مقاتل: وهو من ورثة هارون.

وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا، ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا، فالله أعلم.

حكى السدي بإسناده عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة، والثعلبي وغيرهم: أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسبوا من أبنائهم جمعا كثيرا، وانقطعت النبوة من سبط لاوي، ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى، فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولدا ذكرا، فولدت غلاما فسمته أشمويل، ومعناه بالعبرانية إسماعيل، أي سمع الله دعائي.

فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه، يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته، فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد، فانتبه مذعورا، فظنه الشيخ يدعوه فسأله: أدعوتني؟ فكره أن يفزعه.

فقال نعم. نم، فنام.

ثم ناداه الثانية فكذلك، ثم الثالثة، فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال: إن ربك قد بعثك إلى قومك، فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه، قال الله تعالى في كتابه العزيز:

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فصل طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [6].

قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل.

وقيل: شمعون.

وقيل: هما واحد.

وقيل: يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة، فالله أعلم.

والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب، وقهرهم الأعداء، سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته، ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الأعداء، فقال لهم: { هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .

أي: وأي شيء يمنعنا من القتال { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا } يقولون: نحن محروبون موتورون، فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم.

قال تعالى: { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل، والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكا } قال الثعلبي: وهو طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.

قال عكرمة والسدي: كان سقاءا. وقال وهب بن منبه: كان دباغا. وقيل غير ذلك فالله أعلم.

ولهذا: { قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ } وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى، وأن الملك كان في سبط يهوذا، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم، وقالوا نحن أحق بالملك منه. وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف يكون مثل هذا ملكا؟

{ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } قيل: كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أيّ بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس، فهو ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا، فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت.

ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن، فدهنه منه وعينه الملك عليهم، وقال لهم: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } قيل: في أمر الحروب، وقيل: بل مطلقا، { وَالْجِسْمِ } قيل: الطول، وقيل: الجمال. والظاهر من السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام { وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ } فله الحكم وله الخلق والأمر { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .

{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم، أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم، وقهرهم الأعداء عليه، وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه

{ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } قيل: طشت من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء.

وقيل: السكينة مثل الريح الحجوج.

وقيل: صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر.

{ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } قيل: كان فيه رضاض الألواح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه.

{ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ } أي: تأتيكم به الملائكة يحملونه، وأنتم ترون ذلك عيانا، ليكون آية لله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }

وقيل: إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت، وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة.

وقيل: كان فيه التوراة أيضا، فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم، فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته، فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم، وجعلوه في قرية من قراهم، فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة، وربطوها في بقرتين وأرسلوهما.

فيقال: إن الملائكة ساقتهما حتى جاءوا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم بالجنود من الآية، والله أعلم.

وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم { فَلَمَّا فصل طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } .

قال ابن عباس، وكثير من المفسرين: هذا النهر هو نهر الأردن، وهو المسمى بالشريعة، فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له، عن أمر الله له اختبارا وامتحانا، أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبني في هذه الغزوة، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال الله تعالى: { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُمْ }

قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفا، فشرب منه ستة وسبعون ألفا، فبقي معه أربعة آلاف. كذا قال.

وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل، وزهير، والثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة مؤمن.

وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا، والله أعلم.

قال الله تعالى: { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } أي: استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثرة عدد عدوهم.

{ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } يعني: بها الفرسان منهم. والفرسان: أهل الإيمان والإيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان.

{ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر، أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال، وحومة الوغى والدعاء إلى النزال، فسألوا التثبت الظاهر والباطن، وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم، وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا.

ولهذا قال: { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بحول الله لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم، مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [7].

وقوله تعالى: { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام، وأنه قتله قتلا أذل به جنده وكسره، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويأسر الأبطال والشجعان والأقران وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان، ويدال لأولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه.

وقد ذكر السدي فيما يرويه: أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه، وكانوا ثلاثة عشر ذكرا، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده، وهو يقول: من قتل جالوت زوجته بابنتي، وأشركته في ملكي.

وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة - وهو المقلاع - رميا عظيما، فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر: أن خذني فإن بي تقتل جالوت، فأخذه ثم حجر آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فأخذ الثلاثة في مخلاته.

فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلى نفسه، فتقدم إليه داود فقال له: ارجع فإني أكره قتلك، فقال: لكني أحب قتلك، وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة، ثم أدارها فصارت الثلاثة حجرا واحدا، ثم رمى بها جالوت ففلق رأسه، وفر جيشه منهزما.

فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل، وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم، حتى لم يبق منهم إلا القليل.

ثم حصل له توبة وندم وإقلاع عما سلف منه، وجعل يكثر من البكاء، ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه، فنودي ذات يوم من الجبانة: أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء، وآذيتنا ونحن أموات، فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله، ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره، وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالما؟

حتى دل على امرأة من العابدات، فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام.

قالوا: فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال: أقامت القيامة؟ فقالت: لا ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة؟

فقال: نعم، ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل، ثم عاد ميتا.

فترك الملك لداود عليه السلام، وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا، قالوا فذلك قوله: { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده. وفي بعض هذا نظر ونكارة، والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب، حكاه ابن جرير أيضا.

وذكر الثعلبي: أنها أتت به إلى قبر أشمويل، فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور وهذا أنسب. ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيا، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي، وتلك المرأة لم تكن نبية، والله أعلم. وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون سنة، فالله أعلم.

قصة داود وما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته وإعلامه

هو داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه، وخليفته في أرض بيت المقدس.

قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: كان داود عليه السلام قصيرا، أزرق العينين، قليل الشعر، طاهر القلب ونقيه. تقدم أنه لما قتل جالوت، وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام، وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط، والنبوة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا.

كما قال تعالى: { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: لولا إقامة الملوك حكاما على الناس، لأكل قوي الناس ضعيفهم، ولهذا جاء في بعض الآثار:

السلطان ظل الله في أرضه.

وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله ليزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن

وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له: اخرج إلي وأخرج إليك، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت.

قال وهب بن منبه: فمال الناس إلى داود، حتى لم يكن لطالوت ذكر، وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود. وقيل: إن ذلك كان عن أمر شمويل حتى قال بعضهم أنه ولاه قبل الوقعة.

قال ابن جرير، والذي عليه الجمهور: أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت، والله أعلم.

وروى ابن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز: أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم، وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية، فالله أعلم.

وقال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [8].

وقال تعالى: {... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } [9] أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء، وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } أي: لا تدق المسمار فيفلق، ولا تغلظه فيفصم، قاله مجاهد، وقتادة، والحكم، وعكرمة.

قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده، لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة.

قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح.

قال ابن شوذب: كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم، وقد ثبت في الحديث:

« أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده ».

وقال تعالى: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفصل الْخِطَابِ } [10].

قال ابن عباس، ومجاهد: الأيد: القوة في الطاعة، يعني: ذا قوة في العبادة والعمل الصالح.

قال قتادة: أُعطي قوة في العبادة، وفقها في الإسلام.

قال: وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل، ويصوم نصف الدهر.

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى ».

وقوله: { إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ } [11].

كما قال: { يا جبال أوبي معه والطير } [12] أي: سبحي معه. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد في تفسير هذه الآية.

{ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } أي: عند آخر النهار وأوله. وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا، بحيث أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء، يُرجع بترجيعه، ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه، كلما سبح بكرة وعشيا صلوات الله وسلامه عليه.

وقال الأوزاعي: حدثني عبد الله بن عامر قال: أعطي داود من حُسن الصوت ما لم يعط أحد قط، حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله، حتى يموت عطشا وجوعا، وحتى إن الأنهار لتقف.

وقال وهب بن منبه: كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئة الرقص، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله، فيعكف الجن، والإنس، والطير، والدواب على صوته، حتى يهلك بعضها جوعا.

وقال أبو عوانة الإسفراييني: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، سمعت صبيحا أبا تراب رحمه الله، قال أبو عوانة: وحدثني أبو العباس المدني، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا سيار - هو ابن حاتم - عن جعفر، عن مالك قال: كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى. وهذا غريب.

وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال: وما بأس بذلك؟ سمعت عبيد بن عمر يقول: كان داود عليه السلام يأخذ المعزفة فيضرب بها، فيقرأ عليها، فترد عليه صوته، يريد بذلك أن يبكي وتبكي.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: « لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود ». [13].

وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود ». على شرط مسلم.

وقد روينا عن أبي عثمان الترمذي أنه قال: لقد سمعت البربط والمزمار، فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم، سريع القراءة لكتابه الزبور كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« خفف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه ».

وكذلك رواه البخاري منفردا به عن عبد الله بن محمد بن عبد الرزاق به، ولفظه:

« خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يديه ».

ثم قال البخاري: ورواه موسى بن عقبة، عن صفوان - هو ابن سليم - عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في (تاريخه)، من طرق: عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، ومن طريق أبي عاصم عن أبي بكر السبري، عن صفوان بن سليم به.

والمراد بالقرآن ههنا الزبور: الذي أنزله عليه، وأوحاه إليه، وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا، فإنه كان ملكا له أتباع، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع، صلوات الله وسلامه عليه.

وقد قال الله تعالى: { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورا } [14]، والزبور: كتاب مشهور، وذكرنا في التفسير، الحديث الذي رواه أحمد وغيره، أنه أنزل في شهر رمضان، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه.

وقوله: { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفصل الْخِطَابِ } [15] أي: أعطيناه ملكا عظيما، وحكما نافذا.

روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر: ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدعى عليه، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعي، فلما أصبح قال له داود: إن الله قد أوحى إلي أن أقتلك، فأنا قاتلك لا محالة، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟

قال: والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا، فأمر به داود فقتل، فعظم أمر داود في بني إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما.

قال ابن عباس: وهو قوله تعالى: { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ }

وقوله تعالى: { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ } أي: النبوة.

{ وَفصل الْخِطَابِ } قال شريح، والشعبي، وقتادة، وأبو عبد الرحمن السلمي، وغيرهم: فصل الخطاب: الشهود والأيمان، يعنون بذلك البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.

وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهمه.

وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام، وفي الحكم، واختاره ابن جرير، وهذا لا ينافي ما روى عن أبي موسى أنه قول أما بعد.

وقال وهب بن منبه: لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل، أعطي داود سلسلة لفصل القضاء، فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس، وكانت من ذهب، فإذا تشاجر الرجلان في حق، فأيهما كان محقا نالها، والآخر لا يصل إليها، فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه، واتخذ عكازا وأودعها فيه.

فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي، فلما قيل للآخر: خذها بيدك، عمد إلى العكاز، فأعطاه المدعى وفيه تلك اللؤلؤة، وقال: اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه، ثم تناول السلسلة فنالها، فأشكل أمرها على بني إسرائيل، ثم رفعت سريعا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين، وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان، عن وهب به بمعناه.

{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [16].

وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف ههنا، قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوب لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وقد اختلف الأئمة في سجدة (ص) هل هي من عزائم السجود، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين:

قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟

قال: أو ما تقرأ: { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ } { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل - هو ابن علية - عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: في السجود في (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.

وكذا رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أيوب، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي، حدثنا حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال:

« سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا ».

تفرد به أحمد، ورجاله ثقات.

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري قال:

قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد معه الناس، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزَّن الناس للسجود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

« إنما هي توبة نبي، ولكن رأيتكم تشزنتم للسجود ». فنزل وسجد.

تفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر - هو ابن عمر - وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ص، فلما بلغ إلى التي يسجد بها، رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، قال فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به أحمد.

وروى الترمذي، وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس، عن الحسن بن محمد بن، عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة:

اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وضع عني بها وزرا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود.

وقال ابن عباس: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة.

ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد، والحسن، وغيرهما.

وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف متروك الرواية.

قال الله تعالى: { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } أي: إن له يوم القيامة لزلفى، وهي القربة التي يقربه الله بها، ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها، كما ثبت في حديث

« المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا ».

وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر ».

وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغر به، وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } قال: يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول الله: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، الذي كنت تمجدني في الدنيا، فيقول: وكيف وقد سلبته؟

فيقول: إني أرده عليك اليوم.

قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.

قال تعالى: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } [17] هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمراد ولاة الأمور، وحكام الناس، وأمرهم بالعدل، واتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعد من سلك غير ذلك، وحكم بغير ذلك.

وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل، وكثرة العبادة، وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [18].

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا صالح المزي، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك، وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك، قال: فأتاه الوحي أن يا داود: ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني؟

قال: بلى يا رب.

قال: فإني أرضى بذلك منك.

وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه، حدثنا محمد بن يونس القرشي، حدثنا روح بن عبادة، حدثني عبد الله بن لاحق، عن ابن شهاب قال: قال داود: الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، فأوحى الله إليه إنك أتعبت الحفظة يا داود.

ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن علي بن الجعد، عن الثوري مثله.

وقال عبد الله بن المبارك في كتاب (الزهد) أنبأنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات:

ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات، وإجمام للقلوب، وحق على العاقل:

أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه، وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة في غير محرم.

وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه فذكره.

ورواه أيضا عن علي بن الجعد، عن عمر بن الهيثم الرقاشي، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه فذكره. وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته، قاله ابن عساكر.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا بشر بن رافع، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له: أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه فذكر مثله.

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها: قوله: كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد.

وروي بسند غريب مرفوعا، قال داود: يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها، وعن داود عليه السلام أنه قال: مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم، كمثل المغني عند رأس الميت. وقال أيضا: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى.

وقال: انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت.

وقال: لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له، فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه.

وقال محمد بن سعد: أنبأنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني هشام بن سعد، عن عمر مولى عفرة قال: قالت يهود لما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ما له همة إلا إلى النساء، حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، فقالوا:

لو كان نبيا ما رغب في النساء، وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب، فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه، فقال: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... } [19] يعني بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{... فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكا عَظِيما } يعني: ما أتى الله سليمان بن داود كانت له ألف امرأة، سبعمائة مهرية، وثلاثمائة سرية، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن: امرأة أوريا أم سليمان بن داود، التي تزوجها بعد الفتنة. هذا أكثر مما لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الكلبي نحو هذا، وإنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة، ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية.

وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي، الذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي، أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال: لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صواما قواما، وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى، وكان يصوم يوما ويفطر يوما.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« أفضل الصيام صيام داود، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكون فيها، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كل شيء، ويصرف بصوته الهموم والمحموم ».

وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، يستفتح الشهر بصيام، ووسطه بصيام، ويختمه بصيام.

وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم، فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، وكان أينما أدركه الليل صفَّ بين قدميه، وقام يصلي حتى يصبح، وكان راميا لا يفوته صيد يريده، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم.

وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران، فإنها كانت تصوم يوما، وتفطر يومين.

وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي - محمد صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ويقول: « إن ذلك صوم الدهر ».

وقد روى الإمام أحمد، عن أبي النصر، عن فرج بن فضالة، عن أبي هرم، عن صدقة، عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود.

ذكر كمية حياته وكيفية وفاته عليه السلام

قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره، فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام، ورأى فيهم رجلا يزهر فقال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك داود.

قال: أي رب كم عمره؟

قال: ستون عاما.

قال: أي رب زد في عمره.

قال: لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف عام. فزاده أربعين عاما.

فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: بقي من عمري أربعون سنة، ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود، فأتمها الله لآدم ألف سنة، ولداود مائة سنة.

رواه أحمد عن ابن عباس. والترمذي وصححه عن أبي هريرة، وابن خزيمة، وابن حبان.

وقال الحاكم: على شرط مسلم. وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم.

قال ابن جرير: وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة، قلت: هذا غلط مردود عليهم، قالوا: وكان مدة ملكه أربعين سنة، وهذا قد يقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه.

وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا قبيصة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« قال كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال فخرج ذات يوم وغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود: من أنت؟

فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا أمنع من الحجاب.

فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبا بأمر الله، ثم مكث حتى قبضت روحه، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس.

فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض.

فقال سليمان للطير: اقبضي جناحا.

قال: قال أبو هريرة: فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير.

وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية ».

انفرد بإخراجه الإمام أحمد، وإسناده جيد قوي، رجاله ثقات.

ومعنى قوله: وغلبت عليه يومئذ المضرحية، أي وغلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الأجنحة، واحدها مضرحي. قال الجوهري: وهو الصقر الطويل الجناح.

وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: مات داود عليه السلام فجأة، وكان بسبت وكانت الطير تظله.

وقال السدي أيضا عن أبي مالك، وعن سعيد بن جبير قال: مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة.

وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة، ومات يوم الأربعاء فجأة.

وقال أبو السكن الهجري: مات إبراهيم الخليل فجأة، وداود فجأة، وابنه سليمان فجأة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رواه ابن عساكر.

وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد، فقال: يا نبي الله قد نفذت السنون والشهور والآثار والأرزاق، قال: فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا وافر بن سليمان، عن أبي سليمان الفلسطيني، عن وهب بن منبه قال: إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام، فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال: وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب، عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد، كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود.

قال: فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر، فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت، فأمرها أن تظل الناس، فتراص بعضهم إلى بعض من كل وجه، حتى استمسكت الريح، فكاد الناس أن يهلكوا غما، فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم.

فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس، وتنحي عن ناحية الريح، ففعلت فكان الناس في ظل وتهب عليهم الريح، فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان.

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، حدثني الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا، ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة } هذا حديث غريب، وفي رفعه نظر، والوضين بن عطاء كان ضعيفا في الحديث، والله أعلم.

قصة سليمان بن داود عليهما السلام

قال الحافظ ابن عساكر: هو سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبي الربيع نبي الله بن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق، قال ابن ماكولا: فارص بالصاد المهملة، وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر.

قال الله تعالى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } [20] أي: ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال، لأنه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم.

ولأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« لا نورث ما تركنا فهو صدقة ».

وفي لفظ: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث »، فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم، بل يكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج، لا يخصون بها أقرباؤهم لأن الدنيا كانت أهون عليهم، وأحقر عندهم من ذلك، كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم.

وقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } الآية يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها، ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها.

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ: أنبأنا علي بن حمشاد، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا علي بن قدامة، حدثنا أبو جعفر الاستوائي، يعني محمد بن عبد الرحمن، عن أبي يعقوب العمي، حدثني أبو مالك قال:

مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟

قالوا: وما يقول يا نبي الله؟

قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: زوجيني، أسكنك أي غرف دمشق شئت.

قال سليمان عليه السلام: لأن غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد، ولكن كل خاطب كذاب.

رواه ابن عساكر، عن أبي القاسم زاهر بن طاهر، عن البيهقي به.

وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات، والجنود، والجيوش، والجماعات من الجن، والإنس، والطيور والوحوش، والشياطين السارحات، والعلوم والفهوم، والتعبير عن ضمائر المخلوقات، من الناطقات والصامتات.

ثم قال: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } أي: من بارئ البريات، وخالق الأرض والسموات.

كما قال تعالى: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } [21].

يخبر تعالى عن عبده، ونبيه، وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة، أي: نقباء يردون أوله على آخره، فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه، ولا يتأخر عنه.

قال الله تعالى: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } فأمرت، وحذرت، وأعذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.

وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد بالطائف، وأن هذه النملة كان اسمها جرسا، وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبيان، وكانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب.

وفي هذا كله نظر، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه، لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط، لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء، ولا وطء، لأن البساط كان عليه جميع ما يحتاجون إليه من الجيوش، والخيول، والجمال، والأثقال، والخيام، والأنعام، والطير من فوق ذلك كله، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأي السديد، والأمر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار، والفرح والسرور، بما أطلعه الله عليه دون غيره، وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان وتخاطب الناس، حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد، وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك.

فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون، ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك، ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها، لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها، ولهذا قال:

{ رَبِّ أَوْزِعْنِي } أي: ألهمني وأرشدني: { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن ييسر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصاحين. وقد استجاب الله تعالى له.

والمراد بوالديه: داود عليه السلام وأمه، وكانت من العابدات الصالحات، كما قال: سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قالت أم سليمان بن داود: يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة ». رواه ابن ماجه عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه.

وقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، أن سليمان بن داود عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون، فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي، فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم، إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها.

قال ابن عساكر: وقد روي مرفوعا، ولم يذكر فيه سليمان، ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح بن خالد، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

« خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله، فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال النبي ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة ».

وقال السدي: أصاب الناس قحط على عهد سليمان عليه السلام، فأمر الناس فخرجوا، فإذا بنملة قائمة على رجليها، باسطة يديها، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غناء بنا عن فضلك. قال: فصب الله عليهم المطر.

قال تعالى: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابا شَدِيدا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } [22].

يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون، يقدمون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة، كما هي عادة الجنود مع الملوك.

وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر له هل بهذه البقاع من ماء، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم، فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده، ولم يجده في موضعه من محل خدمته.

{ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } أي: ماله مفقود من ههنا، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي. { لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابا شَدِيدا } توعده بنوع من العذاب، اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير. { أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: بحجة تنجيه من هذه الورطة.

قال الله تعالى: { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } أي: فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها { فَقَالَ } لسليمان { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } أي: بخبر صادق { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة، والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم، لم يخلف غيرها، فملَّكوها عليهم.

وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا، فعم به الفساد، فأرسلت إليه تخطبه، فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا، ثم حزت رأسه، ونصبته على بابها، فأقبل الناس عليها، وملكوها عليهم، وهي بلقيس بنت السيرح، وهو الهدهاد، وقيل: شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس بن صيفي بن سبابن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وكان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال: إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، واسمها تلقمة، ويقال لها بلقيس.

وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كان أحد أبوي بلقيس جنيا ». وهذا حديث غريب، وفي سنده ضعف.

وقال الثعلبي: أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة، حدثنا أبو بكر بن جرحة، حدثنا ابن أبي الليث، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف.

وقد ثبت في صحيح البخاري، من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى، قال: « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ». ورواه الترمذي، والنسائي، من حديث حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقوله: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: مما من شأنه أن تؤتاه الملوك { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } يعني: سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر، والآلي، والذهب، والحلي الباهر.

ثم ذكر كفرهم بالله، وعبادتهم الشمس من دون الله، وإضلال الشيطان لهم، وصده إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له، الذي يخرج الخبء في السموات والأرض، ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي: يعلم السرائر، والظواهر من المحسوسات والمعنويات.

{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات، فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام، كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله، وطاعة رسوله، والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه، ولهذا قال لهم: { أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ } أي: لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي: وأقدموا علي سامعين مطيعين، بلا معاودة ولا مراودة.

فلما جاءها الكتاب مع الطير، ومن ثم اتخذ الناس البطائق، ولكن أين الثريا من الثرى، تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم، أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها، وهي في خلوة لها، ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها.

فجمعت أمراءها، ووزراءها، وأكابر دولتها إلى مشورتها { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } ثم قرأت عليهم عنوانه أولا:

{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ } ثم قرأته وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } ثم شاورتهم في أمرها، وما قد حل بها، وتأدبت معهم، وخاطبتهم وهم يسمعون { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرا حَتَّى تَشْهَدُونِ } تعني: ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون.

{ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعنون: لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين { وَ } مع هذا { اَلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } فبذلوا لها السمع والطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب، ولا يمانع، ولا يخالف، ولا يخادع.

{ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم، إلا إلي، ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي.

{ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها، بهدية ترسلها، وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم، والحالة هذه صرفا ولا عدلا، لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون.

ولهذا: { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون.

ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون { ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } يقول: ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قد من بها فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال، ما هو أضعاف هذا وخير من هذا، الذي أنتم تفرحون به، وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه.

{ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } أي: فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم، ولا نزالهم، ولا مما نعتهم، ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم، وحوزتهم، ومعاملتهم، ودولتهم أذلة { وَهُمْ صَاغِرُونَ } عليهم الصغار، والعار، والدمار.

فلما بلغهم ذلك عن نبي الله، لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة، وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين، سامعين، مطيعين، خاضعين، فلما سمع بقدومهم عليه، ووفودهم إليه، قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان، ما قصَّه الله عنه في القرآن.

{ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [23].

لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه { قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } يعني: قبل أن ينقضي مجلس حكمك.

وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال، يتصدى لمهمات بني إسرائيل، وما لهم من الأشغال { وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } أي: وإني لذو قدرة على إحضاره إليك، وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ } .

المشهور: أنه آصف بن برخيا، وهو ابن خالة سليمان، وقيل: هو رجل من مؤمني الجان، كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم، وقيل: رجل من بني إسرائيل من علمائهم، وقيل: إنه سليمان، وهذا غريب جدا، وضعفه السهيلي، بأنه لا يصح في سياق الكلام. قال: وقد قيل فيه قول رابع وهو: جبريل.

{ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قيل: معناه قبل أن تبعث رسولا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض، ثم يعود إليك، وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس، وقيل: قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك، وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل.

{ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّا عِنْدَهُ } أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } أي: هذا من فضل الله علي، وفضله على عبيده، ليختبرهم على الشكر أو خلافه { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي: إنما يعود نفع ذلك عليه { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } أي: غني عن شكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين.

ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلى هذا العرش، وينكر لها، ليختبر فهمها وعقلها، ولهذا قال:

{ نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } وهذا من فطنتها وغزارة فهمها، لأنها استبعدت أن يكون عرشها، لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب.

قال الله تعالى إخبارا عن سليمان وقومه: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أي: ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله، اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم، لا لدليل قادهم إلى ذلك، ولا حداهم على ذلك.

وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح، وسليمان جالس على سريره فيه.

{ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وقد قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان، وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر، فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان، فتتسلط عليهم معه.

وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف، وفي الأول أيضا نظر والله أعلم.

إلا أن سليمان قيل: إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها، سأل الإنس عن زواله فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النورة، ووضعوا له الحمام، فكان أول من دخل الحمام، فلما وجد مسه قال: أوه من عذاب أوه أوه، قبل أن لا ينفع أوه. رواه الطبراني مرفوعا، وفيه نظر.

وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة، فيقيم عندها ثلاثة أيام، ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن: غمدان، وسالحين، وبيتون، فالله أعلم.

وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أنه سليمان لم يتزوجها، بل زوجها بملك همدان، وأقرها على ملك اليمن، وسخر زوبعة ملك جن اليمن، فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن، والأول أشهر وأظهر، والله أعلم.

وقال تعالى في سورة ص: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [24].

يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام، ثم أثنى الله عليه تعالى فقال: { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } أي: رجاع مطيع لله، ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات، وهي التي تقف على ثلاث، وطرف حافر الرابعة، الجياد: وهي المضمرة السراع.

{ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } يعني: الشمس، وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين. { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ } قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق، لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر.

والذي عليه أكثر السلف الأول، فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، روي هذا عن علي بن أبي طالب وغيره، والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك.

وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق، أن هذا كان مشروعا إذ ذاك، حتى نسخ بصلاة الخوف، قاله الشافعي وغيره.

وقال مكحول، والأوزاعي: بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد، كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف.

وقال آخرون: بل كان تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق نسيانا، وعلى هذا فيحمل فعل سليمان عليه السلام على هذا، والله أعلم.

وأما من قال: الضمير في قوله حتى توارت بالحجاب، عائد على الخيل، وأنه لم تفته وقت صلاة، وإن المراد بقوله: { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ }

يعني: مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير، ورواه الوالبي، عن ابن عباس في مسح العرق.

ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة، ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها، وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنه قد يكون هذا سائغا في ملتهم، وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها، جاز ذبحها وإهلاكها، لئلا يتقووا بها، وعليه حمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقر فرسه بموته.

وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة، قيل: كانت عشرة آلاف فرس، وقيل: عشرين ألف فرس، وقيل: كان فيها عشرون فرسا من ذوات الأجنحة.

وقد روى أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن عزية أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن محمد بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب، فقال: « ما هذا يا عائشة؟ ». فقالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع. فقال: « ما هذا الذي أرى وسطهن؟ ». قالت: فرس. قال: « وما الذي عليه هذا؟ ». قالت: جناحان. قال: « فرس له جناحان؟ ». قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة. قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم.

وقال بعض العلماء: لما ترك الخيل لله، عوضه الله عنها بما هو خير له منها، وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة، وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل، وقال: « إنك لا تدع شيئا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرا منه ».

وقوله تعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدا ثُمَّ أَنَابَ } ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما من المفسرين ههنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة، وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير، واقتصرنا ههنا على مجرد التلاوة، ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوما، ثم عاد إليه، ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس، فبناه بناء محكما.

وقد قدمنا أنه جدده، وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل عليه السلام، كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر، قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟

قال: « المسجد الحرام ».

قلت: ثم أي؟

قال: « مسجد بيت المقدس ».

قلت: كم بينهما؟

قال: « أربعون سنة ».

ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام، وبين سليمان بن داود عليهما السلام، أزيد من ألف سنة. دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس كما قال الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا ثلاثا، فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا إياها ».

فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى، فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّا آتَيْنَا حُكْما وَعِلْما... } [25].

وقد ذكر شريح القاضي، وغير واحد من السلف: أن هؤلاء القوم كان لهم كرم، فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي: رعته بالليل، فأكلت شجره بالكلية، فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان قال: بما حكم لكم نبي الله؟

فقالوا: بكذا وكذا.

فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم، فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثم يتسلموا غنمهم. فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به.

وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما، فتنازعتا في الآخر.

فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك.

وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك.

فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى، فخرجتا على سليمان فقال: ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها ».

ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه، ومدح بعد ذلك أباه فقال: { وَكُلّا آتَيْنَا حُكْما وَعِلْما وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } [26].

ثم قال: { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً } أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة {.. تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } [27].

وقال في سورة ص: { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [28].

لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله، عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا، وأقوى وأعظم، ولا كلفة عليه لها، تجري بأمره رخاء { حَيْثُ أَصَابَ } أي: حيث أراد من أي البلاد، كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية، والقصور، والخيام، والأمتعة، والخيول، والجمال، والأثقال، والرجال من الأنس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفرا أو مستنزها، أو قتال ملك، أو أعداء من أي بلاد الله شاء.

فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط، أمر الريح فدخلت تحته فرفعته، فإذا استقل بين السماء والأرض، أمر الرخاء فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك، أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء، بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس، فتغدو به الريح فتضعه باصطخر مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار، ثم يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس.

كما قال تعالى: { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [29].

قال الحسن البصري: كان يغدو من دمشق، فينزل باصطخر فيتغدى بها، ويذهب رائحا منها، فيبيت بكابل، وبين دمشق وبين اصطخر مسيرة شهر، وبين اصطخر وكابل مسيرة شهر.

قلت: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان: أن اصطخر بنتها الجان لسليمان، وكان فيها قرار مملكة الترك قديما، وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر، وبيت المقدس، وباب جبرون، وباب البريد، اللذان بدمشق على أحد الأقوال.

وأما القطر فقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد: هو النحاس.

قال قتادة: وكانت باليمن أنبعها الله له.

قال السدي: ثلاثة أيام فقط، أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها، وقوله: { وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } [30] أي: وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء، لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الأمر عذبه { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } وهي: الأماكن الحسنة، وصدور المجالس { وَتَمَاثِيلَ } وهي: الصور في الجدران، وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } .

قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض، وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم. وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبي فيه الماء، كما قال الأعشى:

تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي يفهق

وأما القدور الراسيات فقال عكرمة: أثافيها، منها. يعني: أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن، وهكذا قال مجاهد، وغير واحد.

ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام، والإحسان إلى الخلق من إنسان وجان، قال تعالى: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [31].

وقال تعالى: { وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ } يعني أن منهم من قد سخره في البناء، ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر، والآلي، وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك.

وقوله: { وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ } أي: قد عصوا فقيدوا، مقرنين: اثنين اثنين في الأصفاد، وهي القيود، هذا كله من جملة ما هيأه الله، وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك، الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضا لمن كان قبله.

وقد قال البخاري: ثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان:

رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فرددته خاسئا ».

وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة.

وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فسمعناه يقول:

« أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله ثلاثا » وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله: سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك.

قال: « إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي.

فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات.

ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان، لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدنية ». وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به.

وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، ثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي، فذهبت أمر بين يديه فردني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال:

« لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل ».

روى أبو داود منه: « فمن استطاع » إلى آخره عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيري به.

وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، سبعمائة بمهور، وثلاثمائة سراري، وقيل: بالعكس ثلاثمائة حرائر، وسبعمائة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا.

قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله.

فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا أحد شقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قالها لجاهدوا في سبل الله ».

وقال شعيب، وابن أبي الزناد: تسعين وهو أصح. تفرد به البخاري من هذا الوجه.

وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة، كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن امرأة إلا امرأة ولدت نصف إنسان.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل ».

إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ولم يستثن، فما ولدت إلا واحدة منهن بشق إنسان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله عز وجل ».

تفرد به أحمد أيضا.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله.

قال: ونسي أن يقول إن شاء الله، فطاف بهن.

قال: فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف إنسان.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دركا لحاجته ».

وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا مقاتل، عن أبي الزناد، وابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية، فقال يوما: لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يستثن، فطاف عليهن فلم تحمل واحدة منهن، إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

« والذي نفسي بيده لو استثنى فقال: إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله عز وجل ».

وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر، فإنه منكر الحديث، ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح.

وقد كان له عليه السلام من أمور الملك، واتساع الدولة، وكثرة الجنود وتنوعها، ما لم يكن لأحد قبله، ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال: { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } [32] { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [33] وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق.

ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه، من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي: أعط من شئت، واحرم من شئت، فلا حساب عليك، أي تصرف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوغ لك كلما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك.

وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول، فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا، ولا يمنع أحدا إلا بإذن الله له في ذلك، وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين، فاختار أن يكون عبدا رسولا.

وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك، فأشار إليه أن تواضع، فاختار أن يكون عبدا رسولا صلوات الله وسلامه عليه، وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة، فالله الحمد والمنة.

ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام، من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل، والأجر الجميل، والقربة التي تقربه إليه، والفوز العظيم والإكرام بين يديه، وذلك يوم المعاد والحساب، حيث يقول تعالى: { وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ }

ذكر وفاته وكم كانت مدة ملكه وحياته

قال الله تبارك وتعالى: { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } [34].

روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها ما اسمك؟

فتقول: كذا.

فيقول: لأي شيء أنت؟

فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء أنبتت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه.

فقال لها: ما اسمك؟

قالت: الخروب.

قال: لأي شيء أنت؟

قالت: لخراب هذا البيت.

فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا، والجن تعمل فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين، - قال وكان ابن عباس يقرؤها كذلك-.

قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء ».

لفظ ابن جرير.

وعطاء الخراساني في حديثه نكارة.

وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفا، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم.

وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة:

كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه، إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها ما اسمك؟

فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا.

فيقول لها: لأي شيء نبت؟

فتقول: نبت لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا، فيجعلها كذلك.

حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة فسألها: ما اسمك؟

فقالت: أنا الخروبة.

فقال: ولأي شيء نبت؟

فقالت: نبت لخراب هذا المسجد.

فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي، وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات، ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم.

وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول الست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر.

فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في المحراب إلا احترق، ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع.

ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة.

وهي قراءة ابن مسعود فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عز وجل: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } .

يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب، فهو ما يأتيها بها الشيطان تشكرا لها، وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.

وقال أبو داود في كتاب القدر: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني، قال: ما أنا أعلم بذاك منك، إنما هي كتب يلقي إلي فيها تسمية من يموت.

وقال أصبغ بن الفرج، وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، ليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت.

قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله دابة الأرض - يعني - إلى منسأته فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا، قال فذلك قوله: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }

قال أصبغ، وبلغني عن غيره: أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خرَّ. وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم، والله أعلم.

قال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وغيره: أن سليمان عليه السلام عاش ثنتين وخمسين سنة، وكان ملكه أربعين سنة.

وقال إسحاق: أنبأنا أبو روق، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ملكه كان عشرين سنة، والله أعلم.

وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفا وخمسين سنة.

وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر، ثم ملك بعده ابنه رحبعام مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير، وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل.

باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان

قال محمد بن إسحاق: وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس، وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به، وينهاه عنه من المصالح، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك، وخرجت في رجله قرحة، وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان، وهو سنحاريب.

قال ابن إسحاق: في ستمائة ألف راية، وفزع الناس فزعا عظيما شديدا، وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده؟ فقال: لم يوح إليّ فيهم شي بعد.

ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك حزقيا، بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء، فإنه قد اقترب أجله، فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل بقلب مخلص، وتوكل وصبر:

اللهم رب الأرباب، وإله الآلهة القدوس المتقدس، يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعلمي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي سري وإعلاني لك.

قال: فاستجاب الله له ورحمه، وأوحى الله إلى شعيا أن يبشره بأنه قد رحم بكاءه، وقد أخر في أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب وجنوده، فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع، وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجدا وقال في سجوده:

يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت، اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي.

فلما رفع رأسه، أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، ويصبح قد برئ.

ففعل ذلك فشفي، وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت، فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم: بخت نصّر.

فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم فجعلهم في الأغلال، وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم، سبعين يوما، ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير، ثم أودعهم السجن.

وأوحى الله تعالى إلى شعيا، أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم، فقال له السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين.

قال ابن إسحاق: ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل، مرج أمرهم، واختلطت أحداثهم، وكثر شرهم، فأوحى الله تعالى إلى شعيا، فقام فيهم فوعظهم وذكرهم، وأخبرهم عن الله بما هو أهله، وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذبوه.

فلما فرغ من مقالته عدوا عليه، وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها، ونشروه معها، فإنا الله وإنا إليه راجعون.

ومنهم ارميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب

وقد قيل إنه الخضر. رواه الضحاك عن ابن عباس. وهو غريب وليس بصحيح.

قال ابن عساكر: جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق، فقال: أيها الدم فتنت الناس فاسكن فسكن، ورسب حتى غاب.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا: أي رب أي عبادك أحب إليك؟

قال: أكثرهم لي ذكرا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق، الذين لا تعرض لهم وسادس الفناء، ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء، الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه، وإذا زوى عنهم سروا بذلك، أولئك أنحلهم محبتي، وأعطيهم فوق غاياتهم.

ذكر خراب بيت المقدس

وقوله تعالى: { وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدا شَكُورا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّا كَبِيرا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرا } [35].

وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا، حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قم بين ظهراني قومك، فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون، وأعينا ولا يبصرون، وآذانا ولا يسمعون، وإني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي؟

إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي، وأما قراؤهم فعبدوا غيري، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي، خزنوا المكر في قلوبهم، وعودوا الكذب ألسنتهم.

وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كر العقبان، يعيدون العمران خرابا، ويتركون القرى وحشة، فيا ويل إيليا وسكانها، كيف أذللهم للقتل، وأسلط عليهم السباع، وأعيد بعد لجب الأعراس صراخا،

وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعز ذلا، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب، ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض، وعظامهن ضاحية للشمس، ولأدوسنهم بألوان العذاب، ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد، والأرض سبيكة من نحاس، فإن أمطرت لم تنبت الأرض، وإن أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم.

ثم أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدث نفسه بالمسير إليهم، لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحي.

فقام أرميا فشق ثيابه، وجعل الرماد على رأسه، وخر ساجدا وقال: يا رب وددت أمي لم تلدني، حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بين المقدس، وبوار بني إسرائيل من أجلي، فقال له: ارفع رأسك، فرفع رأسه فبكى، ثم قال: يا رب من تسلط عليهم؟ فقال: عبدة النيران، لا يخافون عقابي، ولا يرجون ثوابي.

قم يا أرميا فاستمع وحي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل. من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم أجتبيتك.

فقم مع الملك تسدده وترشده، فكان مع الملك يسدده، ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم، ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى أرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل.

قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم.

فقال أرميا: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزني.

فقال الله تعالى: أو لم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كله لي، وأن القلوب والألسنة كلها بيدي، فأقلبها كيف شئت فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي، ولا يعلم ما عندي غيري.

وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي، وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي، وخوفا واعترافا لأمري، وإني معك ولن يصل إليك شيء معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي، لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

انطلق إلى قومك فقم فيهم.

وقل لهم: إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء، وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي؟

وكيف وجدتم مغبة معصيتي؟

وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي؟

وهل علموا أحدا أطاعني فشقي بطاعتي؟

إن الدواب إذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها.

أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم، ويعملون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري وسنتي، وعزوهم عني، فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي.

وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرفون كتابي، ويفترون على رسلي، جرأة منهم علي، وغرة بي، فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني، هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني؟ أو آذن لأحد بالطاعة لأحد، وهي لا تنبغي إلا لي.

وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون، فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي.

وأما أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنون مثل نصري آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حين اغتر المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري، وظهر ديني.

فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني، فتطولت عليهم، وصفحت عنهم، فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون، وكل ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدو، ولا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني.

فحتى متى هذا؟

أبي يسخرون؟

أم بي يتحرشون؟

أم إياي يخادعون؟

أم علي يجترئون؟

فإني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم.

له فيه عساكر مثل قطع السحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النسور، وحمل فرسانه كسرب العقبان، يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا، ويعثون في الأرض فسادا، ويتبرون ما علوا تتبيرا، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون، ولا يرحمون، ولا يبصرون، ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد، تقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها.

فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها، ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها، الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير الدين، ويتعلمون فيها لغير العمل.

لأبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء، وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد، والسلاسل والأغلال.

ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة، والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار.

ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار، والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه، والسوق والأسفار والأرواح السموم.

ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب، حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه، إني إنما أكرم من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري.

ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد، ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت، فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوني لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم.

وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآبائنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك، ثم مكنت لنا في البلاد، واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا، وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا، فأنت أوفى المنعمين وإن غيّرنا، ولا تبدل وإن بدلنا.

وإن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك، فإن قالوا ذلك قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن غيروا غيرت، وإذا غيروا غضبت، وإذا غضبت عذبت، وليس يقوم شيء بغضبي.

قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولا، والإقامة في دار الخاطئين، وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظني بك.

ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت، أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؟ يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد، ومن البيوت التي رفعت لذكرك، يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم، وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نجيك، وقوم داود صفيك.

يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم؟ وأمة نجيك موسى؟ وقوم خليفتك داود؟ تسلط عليهم عبدة النيران.

قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي.

قال أرميا: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به، وموسى قربته نجيا، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا، ولا تسلط علينا عدونا، فأوحى الله إليه:

يا أرميا إني قدستك في بطن أمك، وأخرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل، لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة، ناعم شجرها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثمارها ولا تنقطع.

ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل: إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة، وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشا ينطح بعضها بعضا، فيا ويلهم ثم يا ويلهم، إنما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي.

وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والأسواق، وعلى رؤوس الجبال، وظلال الأشجار، حتى عجت السماء إليَّ منهم، وعجت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب.

قال: فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصوه وكذبوه واتهموه، وقالوا: كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد، ولا مسجد ولا كتاب.

لقد أعظمت الفرية على الله، واعتراك الجنون، فأخذوه وقيدوه وسجنوه، فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر، فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى: { فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ } [36].

قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه، ففتحوا الأبواب وتخللوا الأزقة، وذلك قوله: { فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ } وحكم فيهم حكم الجاهلية، وبطش الجبارين، فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزمنى والشيوخ والعجائز، ثم وطئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق حاسرات، وقتل المقاتلة، وخرب الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب، فوجدوه قد مات.

وأخرج لهم أهل بيته الكتاب إليه، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر، وميشائيل، وعزرائيل، وميخائيل، فأمضى لهم ذلك الكتاب، وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر.

ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس، ووطئ الشام كلها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، فلما فرع منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير.

وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب، وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب، وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون، ونفتالي ابني يعقوب، وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب، وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب، وألفين من سبط زبالون بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفا من سائر بني إسرائيل، وانطلق حتى قدم أرض بابل.

قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل، قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرق كنائسهم، فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه.

فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟

قال: نعم. قال: فأنى علمت ذلك؟ قال: أرسلني الله إليهم فكذبوني.

قال: كذبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم.

قال: بئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك.

قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان، فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه، فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا.

وهذا سياق غريب. وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة. وفيه من جهة التعريب غرابة.

وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس، وهو لهراسب. وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق، وقد قيل: إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب، وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم.

وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا - يعني القمامة - فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا. وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن.

وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا، وهذا لا يصح لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدم، أو دم لبعض الصالحين، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به.

قال هشام بن الكلبي: ثم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها، وكان من آل داود، وصانعه عن بني إسرائيل، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه، لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن، ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة.

وقتل المقاتلة، وسبى الذرية. قال: وبلغني أنه وجد في السجن أرميا النبي، فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم، وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه. فقال بخت نصر: بئس القوم قوم عصوا رسول الله، وخلى سبيله، وأحسن إليه، واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عز وجل مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا، فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة.

فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا: كيف نقيم بهذه البلدة وقد خرجت وغضب الله على أهلها؟ فأبوا أن يقيموا.

قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفة منهم الحجاز، وطائفة يثرب، وطائفة وادي القرى، وذهبت شرذمة منهم إلى مصر، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم.

ثم ركب إلى بلاد المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال: ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب، ومصر، وأهل بيت المقدس، وأرض فلسطين، والأردن، وفي السبي دانيال وغيره من الأنبياء.

قلت: والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر، لا الأكبر، على ما ذكره وهب بن منبه، والله أعلم.

ذكر شيء من خبر دانيال عليه السلام

قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدثني بعض أصحابنا عنه، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: ضرا بخت نصر أسدين، فألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب.

فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام: أن اعدد طعاما وشرابا لدانيال، فقال: يا رب أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله إليه أن أعدد ما أمرناك به، فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت.

ففعل وأرسل إليه من حمله، وحمل ما أعده، حتى وقف على رأس الجب، فقال دانيال: من هذا؟

قال: أنا أرميا.

فقال: ما جاء بك؟

فقال: أرسلني إليك ربك.

قال: وقد ذكرني ربي؟

قال: نعم.

فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي يجيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا.

وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبي خلد بن دينار، حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا.

فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟

قال: سيركم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد.

قلت: فما صنعتم بالرجل؟

قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس، فلا ينبشونه.

قلت: فما يرجون منه؟

قال: كانت السماء إذا حبست عنهم المطر برزوا بسريره فيمطرون.

قلت: من كنتم تظنون الرجل؟

قال: رجل يقال له دانيال.

قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟

قال: منذ ثلاثمائة سنة.

قلت: ما تغير منه شيء؟

قال: لا إلا شعرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.

وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة، فليس بنبي، بل هو رجل صالح لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي، بنص الحديث الذي في البخاري.

والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل ستمائة وعشرون سنة، وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة، وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر، فإنه قد يكون رجلا آخر، إما من الأنبياء، أو الصالحين.

ولكن قربت الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونا، كما تقدم، وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر. وعن أنس بن مالك بإسناد جيد: أن طول أنفه ذراع، فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد، والله أعلم.

وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب أحكام القبور: حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، حدثنا أبو محمد القاسم بن عبد الله، عن أبي الأشعث الأحمري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إن دانيال دعا ربه عزَّ وجل أن تدفنه أمة محمد ».

فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر، وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من دل على دانيال فبشروه بالجنة ».

فكان الذي دل عليه رجل يقال له حرقوص، فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره، فكتب إليه عمر أن ادفنه، وابعث إلى حرقوص، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، وهذا مرسل من هذا الوجه. وفي كونه محفوظا نظر، والله أعلم.

ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو بلال، حدثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد، وكان عالما قال: وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا، وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: أما المصحف فابعث به إلينا، وأما الودك فابعث إلينا منه، ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به، واقسم الدراهم بينهم، وأما الخاتم فقد نفلناكه.

وروي عن ابن أبي الدنيا من غير وجه: أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال، التزمه وعانقه وقبله، وكتب إلى عمر يذكر له أمره، وأنه وجد عنده مالا موضوعا قريبا من عشرة آلاف درهم، وكان من جاء اقترض منها، فإن ردها وإلا مرض، وإن عنده ربعة، فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر، ويكفن ويدفن ويخفى قبره، فلا يعلم به أحد، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال، وبالربعة فتحمل إليه، ونفله خاتمه.

وروي عن أبي موسى: أنه أمر أربعة من الأسراء فسكروا نهرا، وحفروا في وسطه قبرا، فدفنه فيه ثم قدم الأربعة الأسراء فضرب أعناقهم، فلم يعلم موضع قبره غير أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: رأيت في يد ابن بردة بن أبي موسى الأشعري خاتما نقش فصه أسدان، بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل.

قال أبو بردة: هذا خاتم ذلك الرجل الميت، الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال، أخذه أبو موسى يوم دفنه.

قال أبو بردة: فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له: إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور ملكك ويفسده، فقال الملك: والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته، إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد، فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ.

قال أبو بردة: قال أبو موسى: قال علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته، وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه، لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. إسناد حسن.

ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها

واجتماع الملأ من بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض و شعابها

قال الله تعالى في كتابه المبين، وهو أصدق القائلين: { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْما فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [37].

قال هشام بن الكلبي: ثم أوحى الله تعالى إلى أرميا عليه السلام فيما بلغني: أني عامر بيت المقدس فأخرج إليها فأنزلها، فخرج حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها؟ ومتى يحييها الله بعد موتها؟

ثم وضع رأسه فنام، ومعه حماره وسلة من طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بخت نصر، والملك الذي فوقه، وهو لهراسب، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب، وكان موت بخت نصر في دولته، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها من الإنس أحد.

فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل: أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع، وملَّك عليهم رجلا من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبني، وكيف تعمر، ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.

قال: فأقام بنو إسرائيل بها، ورد الله عليهم أمرهم، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان، يعني بعد ظهور النصارى عليهم، هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه.

وذكر ابن جرير أن لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته، قد دانت له العباد، والبلاد، والملوك، والقواد، وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار، والأنهار، والمعاقل. ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مائة سنة ونيف، نزل عن الملك لولده بشتاسب، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية.

وذلك أن رجلا كان اسمه زردشت، كان قد صحب أرميا عليه السلام، فأغضبه فدعا عليه أرميا، فبرص زردشت، فذهب فلحق بأرض آذربيجان، وصحب بشتاسب، فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه، فقبله منه بشتاسب، وحمل الناس عليه وقهرهم، وقتل منهم خلقا كثيرا ممن أباه منهم.

ثم كان بعد بشتاسب، بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين، والأبطال المذكورين، وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة، وعمَّر دهرا طويلا قبحه الله.

والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو: أرميا عليه السلام، قال وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وغيرهما، وهو قوي من حيث السياق المتقدم.

وقد روي عن علي، وعبد الله بن سلام، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة، وغيرهم، أنه عزير، وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف، والله أعلم.

وهذه قصة العزير

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزير بن جروة، ويقال: بن سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن تقي بن اسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران.

ويقال: عزير بن سروخا، جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق، ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي، عن داود بن عمرو، عن حبان بن علي، عن محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا لا أدري العين بيع، أم لا، ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا.

ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن، عن محمد بن إسحاق السجزي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه.

ثم روي من طريق إسحاق بن بشر، وهو متروك عن جويبر، ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس: أن عزيرا كان ممن سباه بخت نصر، وهو غلام حدث، فلما بلغ أربعين سنة، أعطاه الله الحكمة، قال: ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه، قال: وكان يُذكر مع الأنبياء، حتى محى الله اسمه من ذلك، حين سأل ربه عن القدر، وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر، والله أعلم.

وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد، عن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن سلام: أن عزيرا هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، ومقاتل، وجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، وعبد الله بن إسماعيل السدي، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس وإدريس، عن جده وهب بن منبه قال إسحاق:

كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير، وزاد بعضهم على بعض قالوا بإسنادهم: إن عزيرا كان عبدا صالحا حكيما، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر.

ودخل الخربة وهو على حماره، فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين، وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة، وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزا يابسا معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير، ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت، ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها، ورأى عظاما بالية فقال: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } .

فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجبا، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، قال: فبعث الله إلى عزير ملكا، فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه، لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى.

ثم ركَّب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالسا فقال له الملك: كم لبثت؟ قال لبثت يوما أو بعض يوم.

وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار، والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك يعني: الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس، فذلك قوله: { لَمْ يَتَسَنَّهْ } يعني: لم يتغير.

وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه، وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت، وأقبلت من كل ناحية، حتى ركبه الملك، وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعا رأسه، وأذنيه إلى السماء، ناهقا يظن القيامة قد قامت فذلك قوله: { وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْما } .

يعني: وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها، حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحما.

فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير من أحياء الموتى وغيره.

قال: فركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منزله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم.

فخرج عنهم عزير، وهي بنت عشرين سنة، كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة، فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟

قالت: نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا، وقد نسيه الناس، قال: فإني أنا عزير، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني.

قالت: سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذكر، قال: فإني أنا عزير.

قالت: فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة، يدعو للمريض، ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك، قال: فدعا ربه، ومسح بيده على عينيها فصحتا، وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير.

وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة، وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربه فرد علي بصري، وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه.

قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة، فيما حدثنا غير عزير، وقد حرق بخت نصر التوراة، ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا، وكان أبوه سروخا، وقد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع يعرفه أحد غير عزير.

فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره، فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورق، ودرس الكتاب، قال: وجلس في ظل شجرة، وبنو إسرائيل حوله، فجدد لهم التوراة، ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود عزير بن الله، للذي كان من أمر الشهابين، وتجديده التوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل.

وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ.

قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى: { وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ } يعني: لبني إسرائيل وذلك أنه كان يجلس مع بنيه، وهم شيوخ وهو شاب، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شابا كهيئة يوم مات، قال ابن عباس: بُعث بعد بخت نصر، وكذلك قال الحسن، وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس:

وأسود رأس شاب من قبله ابنه * ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر

يرى ابنه شيخا يدبّ على عصا * ولحيته سوداء والرأس أشقر

وما لابنه حيل ولا فضل قوة * يقوم كما يمشي الصبي فيعثر

يعد ابنه في الناس تسعين حجة * وعشرين لا يجري ولا يتبختر

وعمر أبيه أربعون أمرها * ولان ابنه تسعون في الناس عبر

فما هو في المعقول إن كنت داريا * وان كنت لا تدري فبالجهل تعذر

فصل:حفظ عزيرا التوراة

المشهور أن عزيرا نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان، وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة، ألهمه الله حفظها، فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه، أمر الله ملكا، فنزل بمعرفة من نور، فقذفها في عزير، فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها.

وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } [38] لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه، وقول بني إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب، وأن عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب، فرماه طوائف منهم، وقالوا عزير ابن الله.

ولهذا يقول كثير من العلماء: إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير، وهذا متجه جدا إذا كان العزيز غير نبي، كما قاله عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري.

وفيما رواه إسحاق ابن بشر، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، وعن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه ومقاتل، عن عطاء بن أبي رباح قال:

كان في الفترة تسعة أشياء: بخت نصر، وجنة صنعاء، وجنة سبأ، وأصحاب الأخدود، وأمر حاصورا، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، ومدينة أنطاكية، وأمر تبع.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« إن أولى الناس بابن مريم الأنبياء أولاد علات لانا إنه ليس بيني وبينه نبي ».

وقال وهب بن منبه: كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام.

وقد روى ابن عساكر، عن أنس بن مالك، وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له، يعني لما كان من سؤاله عن القدر، وأنه انصرف وهو يقول: مائة موتة أهون من ذل ساعة، وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء:

قد يصبر الحر على السيف * ويأنف الصبر على الحيف

ويؤثر الموت على حالة * يعجز فيها عن قرى الضيف

فأما ما روى ابن عساكر وغيره، عن ابن عباس، ونوف البكالي، وسفيان الثوري وغيرهم، من أنه سأل عن القدر فمحا اسمه من ذكر الأنبياء، فهو منكر، وفي صحته نظر، وكأنه مأخوذ عن الإسرائيليات.

وقد روى عبد الرزاق، وقتيبة بن سعيد، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: قال عزير فيما يناجي ربه: (يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء، وتهدي من تشاء) فقيل له: أعرض عن هذا، فعاد فقيل له: لتعرض عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه، والله أعلم.

وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، وكذلك رواه شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه مهلا نملة واحدة ».

فروى إسحاق بن بشر، عن ابن جريج، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه أنه عزير. وكذا روى عن ابن عباس، والحسن البصري أنه عزير، فالله أعلم.

قصة زكريا ويحيى عليهما السلام

قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم:

{ كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا * يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا * وَحَنَانا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّا * وَبَرّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارا عَصِيّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا } [39].

وقال تعالى: {... وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } [40].

وقال تعالى في سورة الأنبياء: { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [41].

وقال تعالى: { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ } [42].

قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل: زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينا من ابن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل.

دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى، وقيل: إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى، والله أعلم.

وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر، ويقال: زكرى أيضا.

والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام، وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقرا في حال شبيبتها، وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس فقال تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا } .

قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال: يا رب يا رب يا رب، فقال الله: لبيك لبيك لبيك.

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي } أي: ضعف وخار من الكبر.

{ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا } استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبه، كما قال ابن دريد في مقصورته:

أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدَجا

واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جمر الغضا

وآض عود اللهو يبسا ذاويا * من بعد ما قد كان مجاج الثرى

يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا، وهكذا قال زكريا عليه السلام.

{ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبا } وقوله: { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّا } أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة، وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان، وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها، ولا في أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا، وإن كان قد طعن في سنه.

{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } وقوله: { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا } قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ } أي: من عندك بحولك وقوتك.

{... وَلِيّا * يَرِثُنِي... } أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل { وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا } يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي.

وليس المراد ههنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة، ووافقهم ابن جرير ههنا، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه

أحدها: ما قدمنا عند قوله تعالى: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } [43] أي: في النبوة والملك، كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها، من طرق عن جماعة من الصحابة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« لا نورث ما تركنا فهو صدقة ».

فهذا نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه، الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم: ابنته فاطمة، وأزواجه التسع، وعمه العباس رضي الله عنهم.

واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون رضي الله عنهم.

الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ». وصححه.

الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها، أو يلتفتوا إليها، أو يهمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة، لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها.

الرابع: أن زكريا عليه السلام كان نجارا يعمل بيده، ويأكل من كسبها، كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له، يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم، إن شاء الله.

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد - يعني ابن هرون - أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كان زكريا نجارا ». وهكذا رواه مسلم، وابن ماجه من غير وجه عن حماد بن سلمة به.

وقوله: { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا } وهذا مفسر بقوله: { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [44].

فلما بشر بالولد، وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا } أي: كيف يوجد ولد من شيخ كبير. قيل: كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة، والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك.

{ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرا } يعني: وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم، كما قال الخليل: { أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [45] وقالت سارة { قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } [46].

وهكذا أجيب زكريا عليه السلام، قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه { كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: هذا سهل يسير عليه { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئا } أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، أفلا يوجد منك ولدا وإن كنت شيخا.

وقال تعالى: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [47] ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت، وقيل: كان في لسانها شئ أي: بذاءة.

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به.

{ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّا } يقول: علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا، وأنت في ذلك سوي الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه.

{ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا } والوحي ههنا هو: الأمر الخفي، إما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضا، ووهب، وقتادة.

قال مجاهد، وعكرمة، ووهب، والسدي، وقتادة: اعتقل لسانه من غير مرض.

وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد.

{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا } يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه.

قال عبد الله بن المبارك، قال معمر، قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا، قال: وذلك قوله { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا }

وأما قوله: { وَحَنَانا مِنْ لَدُنَّا } فروى ابن جرير، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان.

وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك { وَحَنَانا مِنْ لَدُنَّا } أي: رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا، فوهبنا له هذا الولد.

وعن عكرمة { وَحَنَانا } أي: محبة عليه، ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس، ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما، وبره بهما، وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائض والرذائل، والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره، ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا، وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال: { وَبَرّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارا عَصِيّا } ثم قال: { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا } .

هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر، ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء، وفارق لينها وضمها، وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها.

وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار، وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور، ومن محزون ومثبور، وما بين جبير وكسير، وفريق في الجنة وفريق في السعير، ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:

ولدتك أمك باكيا مستصرخا * والناس حولك يضحكون سرور

فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا

ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: { وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّا } .

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما.

وأما قوله في الآية الأخرى: { وَسَيِّدا وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [48] فقيل: المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله: { هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } [49].

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متى ». علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وهو منكر الحديث.

وقد رواه ابن خزيمة، والدارقطني، من طريق أبي عاصم العباداني، عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا. ثم قال ابن خزيمة: وليس على شرطنا.

وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل: موسى كليم الله، وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته، وقال قائل: إبراهيم خليل الله، وهم يذكرون ذلك

فقال: « أين الشهيد ابن الشهيد، يلبس الوبر، ويأكل الشجر مخافة الذنب ».

قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا.

وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا ».

فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين، وقد عنعن ههنا.

ثم قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا.

ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم قد رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق: حدثنا محمد بن الأصبهاني، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال:

ما أحد لا يلقى الله بذنب إلا يحيى بن زكريا ثم تلا { وَسَيِّدا وَحَصُورا } ثم رفع شيئا من الأرض فقال: ما كان معه إلا مثل هذا، ثم ذبح ذبحا. وهذا موقوف من هذه الطريق، وكونه موقوفا أصح من رفعه، والله أعلم.

وأورده ابن عساكر من طرق: عن معمر، عن ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر وهو ضعيف، عن عثمان بن سباح، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليها السلام ».

وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، سمعت أبا سليمان يقول: خرج عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا يتماشيان، فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى: يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا.

قال: وما هي يا ابن خالة.

قال: امرأة صدمتها.

قال: والله ما شعرت بها.

قال: سبحان الله بدنك معي فأين روحك؟

قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين.

فيه غرابة وهو من الإسرائيليات.

وقال إسرائيل، عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم، ولا عبد ولا أمة، ولا مأوى يأويان إليه أين ماجنهما الليل أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني،.

قال: لا تغضب.

قال: لا أستطيع إلا أن أغضب.

قال: لا تقتن مالا.

قال: أما هذه فعسى.

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا، أو قتل قتلا على روايتين.

فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: هرب من قومه فدخل شجرة، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليهما، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن، فأوحى الله إليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله.

وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال: الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا، فأما زكريا فمات موتا، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكاد أن يبطئ، فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن؟

فقال يا أخي: إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن: أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فإن مثل ذلك، مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا.

وأمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.

وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.

وأمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه.

وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل »

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الإسلام من عنقه، إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم، قال: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل ».

وهكذا رواه أبو يعلى، عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير.

وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، وموسى بن إسماعيل كلاهما، عن أبان بن يزيد العطار به.

ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري به.

ورواه الحاكم، من طريق مروان بن محمد الطاطري، عن معاوية بن سلام، عن أخيه به.

ثم قال: تفرد به مروان الطاطري، عن معاوية بن سلام.

قلت: وليس كما قال.

ورواه الطبراني، عن محمد بن عبدة، عن أبي نوبة الربيع بن يافع، عن معاوية بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري، فذكر نحو هذه الرواية.

ثم روى الحافظ ابن عساكر، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات، وذكر نحو ما تقدم.

وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس، إنما كان يأنس إلى البراري، ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار، ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان، ويقول: من أنعم منك يا يحيى.

وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه، فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل.

وقال ابن وهب، عن مالك، عن حميد بن قيس، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه.

وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يوما إلى أبي إدريس الخولاني، وهو يقص فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما، فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما، إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم.

وقال ابن المبارك، عن وهيب بن الورد قال: فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام، وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه، فقال: يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة، لا يقطع إلا بدموع البكائين.

فقال له: ابك يا بني، فبكيا جميعا.

وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه.

وروى ابن عساكر عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل، ثم قال: كم بين النعيمين وكم بينهما، وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه.

بيان سبب قتل يحيى عليه السلام

وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها: أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق، كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه، أو من لا يحل له تزويجها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك، فبقي في نفسها منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها، استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها، فبعثت إليه من قتله، وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها، فيقال: إنها هلكت من فورها وساعتها. وقيل: بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك، ثم أجابها إلى ذلك، فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طشت.

وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ حيث قال: أنبأنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء، فسلم عليه وقال له: يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان، ولم قتلك بنو إسرائيل؟

قال: يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجها، وكان كما قال الله تعالى { وَسَيِّدا وَحَصُورا } وكان لا يحتاج إلى النساء، فهوته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بغية، فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها، فأجمعت على قتل يحيى، ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب.

قال: فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته، وكان بها معجبا، ولم تكن تفعله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما سألتني شيئا إلا أعطيتك، قالت: أريد دم يحيى بن زكريا، قال لها: سليني غيره. قالت: هو ذاك. قال: هو لك.

قال: فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي، وأنا إلى جانبه أصلي، قال: فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه إليها.

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« فما بلغ من صبرك ».

قال: ما انفتلت من صلاتي.

قال: فلما حمل رأسه إليها، فوضع بين يديها، فلما أمسوا خسف الله بالملك، وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: قد غضب إله زكريا لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا.

قال: فخرجوا في طلبي ليقتلوني، وجاءني النذير فهربت منهم، وإبليس أمامهم يدلهم علي، فلما تخوفت أن لا أعجزهم، عرضت لي شجرة فنادتني وقالت: إليّ إليّ، وانصدعت لي ودخلت فيها.

قال: وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة، هذا طرف ردائه دخلها بسحره، فقالوا: نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقا. قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:

« هل وجدت له مسا أو وجعا ».

قال: لا، إنما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها.

هذا سياق غريب جدا، وحديث عجيب، ورفعه منكر، وفيه ما ينكر على كل حال، ولم ير في شيء من أحاديث الإسراء ذكر زكريا عليه السلام إلا في هذا الحديث. وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء: فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة.

فجاء على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث، فإن أم يحيى أشياع بنت عمران، أخت مريم بنت عمران. وقيل: بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى، هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم، فيكون يحيى ابن خالة مريم، فالله أعلم.

ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا، هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين؟ فقال الثوري، عن الأعمش، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا، منهم يحيى بن زكريا عليه السلام.

وقال أبو عبيد القاسم ابن سلام، حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قدم بخت نصر دمشق، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فسأل عنه فأخبروه، فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن. وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهو يقتضي أنه قتل بدمشق، وإن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح، كما قاله عطاء، والحسن البصري، فالله أعلم.

وروى الحافظ ابن عساكر، من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير، وفي رواية كأنما قتل الساعة، وذكر في بناء مسجد دمشق، أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة فالله أعلم.

وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصى في فضائل الأقصى من طريق العباس بن صبح، عن مروان، عن سعيد بن عبد العزيز، عن قاسم مولى معاوية قال: كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن هداد وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا، وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق، وهو الصاغة العتيقة.

قال: وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا، ثم أنه أراد مراجعتها، فاستفتى يحيى بن زكريا فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك، فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا، وذلك بإشارة أمها، فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية، فجعل الرأس يقول له: لا تحل له، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها، وأتت به أمها وهو يقول كذلك، فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها، ثم إلى حقويها، وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن، ويلطمن وجوههن، ثم خسف بها إلى منكبيها، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها، لتتسلى برأسها ففعل، فلفظت الأرض جثتها عند ذلك، ووقعوا في الذل والفناء.

ولم يزل دم يحيى يفور، حتى قدم بخت نصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا.

قال سعيد بن عبد العزيز: وهي دم كل نبي، ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا عليه السلام فقال: أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله، فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس، فتبعهم إليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة، وسبا منهم، ثم رجع عنهم.

قصة عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته عليه من الله أفضل الصلاة والسلام

قال الله تعالى في سورة آل عمران، التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية، منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن لله ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم، ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، وهم: الذات المقدسة، وعيسى، ومريم، على اختلاف فرقهم.

فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة، بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله، خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أب، كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وقال له: كن فكان، سبحانه وتعالى، وبين أصل ميلاد أمه مريم، وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى، وكذلك بسط ذلك في سورة مريم، كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته.

فقال تعالى وهو أصدق القائلين: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتا حَسَنا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [50].

يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام، والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته، ثم خصص فقال: { وَآلَ إِبْرَاهِيمَ } فدخل فيهم بنو إسماعيل، وبنو إسحاق. ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا: والد مريم عليها السلام.

وقال محمد بن إسحاق: وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن ايان بن رحبعام بن سليمان بن داود.

وقال أبو القاسم ابن عساكر: مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام، وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن إسحاق.

ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام. وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم اشياع في قول الجمهور، وقيل: زوج خالتها اشياع فالله أعلم.

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يوما طائرا يزق فرخا له، فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس، قالوا: فحاضت من فورها، فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام، { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } وقرئ: بضم التاء

{ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى } أي: في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم.

وقولها: { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } استدل به على تسمية المولود يوم يولد، وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنك أخاه وسماه عبد الله.

وجاء في حديث الحسن، عن سمرة مرفوعا:

« كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه ».

رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي، وجاء في بعض ألفاظه « ويدمى » بدل « ويسمى » وصححه بعضهم، والله أعلم.

وقولها: { وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها.

فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ».

ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم { وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [51].

أخرجاه من حديث عبد الرزاق.

ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن عبد الله بن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

وقال أحمد أيضا: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى ».

تفرد به من هذا الوجه.

ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضينه، إلا ما كان من مريم وابنها، ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذلك حين يلكزه الشيطان بحضينه ».

وهذا على شرط مسلم، ولم يخرجه من هذا الوجه.

ورواه قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى بن مريم ومريم ». ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }

وكذا رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك حدثنا المغيرة - هو ابن عبد الله الحزامي - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

« قال كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب ».

وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقوله: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتا حَسَنا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها، لفتها في خروقها، ثم خرجت بها إلى المسجد، فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا فيها.

والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها، وكفالة مثلها في صغرها، ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين، فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.

قال الله تعالى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أي: بسبب غلبه لهم في القرعة، كما قال تعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [52].

قالوا: وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به، ثم حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث، فأخرج واحدا منها، وظهر قلم زكريا عليه السلام، فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية، وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر، فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب، ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء.

ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب، ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم، فكفلها إذ كان أحق بها شرعا وقدرا لوجوه عديدة.

قال الله تعالى: { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [53].

قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواه، فكانت تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت، إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة، والصفات الشريفة.

حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها { أَنَّى لَكِ هَذَا } فتقول: { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه، وإن كان قد أسن وكبر، قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } [54] قال بعضهم: قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه، هب لي ولدا وإن كان في غير أوانه، فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته.

قال الله تعالى: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيها وَجِيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [55].

يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها، بأن اختارها لإيجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبيا شريفا

{ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ } أي: في صغره، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة، ويدعو إلى الله فيها.

وأمرت بكثرة العبادة، والقنوت، والسجود، والركوع، لتكون أهلا لهذه الكرامة، ولتقوم بشكر هذه النعمة، فيقال: إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها، رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها.

فقول الملائكة: { يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ } أي: اختارك واجتباك. { وَطَهَّرَكِ } أي: من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها، كقوله لموسى: { إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ } [56].

وكقوله عن بني إسرائيل: { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [57].

ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها، وأكثر عددا وأفضل علما وأزكى عملا من بني إسرائيل وغيرهم.

ويحتمل أن يكون قوله: { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } محفوظ العموم، فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها، ووجد بعدها، لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها، ونبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، محتجا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى، كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره، فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة وأم موسى، لعموم قوله: { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } إذ لم يعارضه غيره، والله أعلم.

وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره، عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية، فيكون أعلى مقامات مريم، كما قال الله تعالى: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } [58] فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها، وممن يكون بعدها، والله أعلم.

وقد جاء ذكرها مقرونا مع آسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، رضي الله عنهن وأرضاهن.

وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من طرق عديدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد ».

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ».

ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زانجويه، عن عبد الرزاق به وصححه. ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله ».

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه لزوج في ذات يده ».

قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيرا قط.

وقد رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به.

وقال أحمد: حدثنا زيد بن الجباب، حدثني موسى بن علي، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده ».

قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابنة عمران لم تركب الإبل، تفرد به، وهو على شرط الصحيح.

ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة.

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربع خطوط فقال:

« أتدرون ما هذا؟ »

قالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ».

ورواه النسائي من طرق، عن داود بن أبي هند، وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث:

حدثنا يحيى بن حاتم العسكري، نبأنا بشر بن مهران بن حمدان، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران ».

وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا وهب بن منبه، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لفاطمة: أرأيت حين أكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم ضحكت؟

قالت: أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقا به وأني سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم بنت عمران فضحكت.

وأصل هذا الحديث في الصحيح، وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه: أنهما أفضل الأربع المذكورات.

وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد - هو ابن أبي زياد - عن عبد الرحمن بن أبي نعيم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم بنت عمران ».

إسناد حسن، وصححه الترمذي ولم يخرجوه.

وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب، ولكن في إسناده ضعف. والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع، ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة، ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة، لكن ورد حديث إن صح عين الاحتمال الأول.

فقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أنبأنا أبو الحسن بن الفرا، وأبو غالب، وأبو عبد الله ابنا البنا، قالوا: أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أبو طاهر المخلص، حدثنا أحمد بن سليمان، حدثنا الزبير -هو ابن بكار - حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن كريم، عن ابن عباس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون » فإن كان هذا اللفظ محفوظا بثم التي للترتيب، فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء، وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه، والله أعلم.

وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي، عن داود الجعفري، عن عبد العزيز بن محمد - وهو الدراوردي - عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعا، فذكره بواو العطف، لا بثم الترتيبية، فخالفه إسنادا ومتنا، فالله أعلم.

فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ».

وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ».

فإنه حديث صحيح كما ترى، اتفق الشيخان على إخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما، فإن كلا منهما كفلت نبيا في حال صغره، فآسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد الله ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة، وفاطمة فخديجة خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خمسة عشر سنة، وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها رضي الله عنها وأرضاها.

وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها، لأنها أصيبت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية أخواتها متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يتزوج بكرا غيرها، ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فأنزل براءتها من فوق سبع سموات.

وقد عمرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من خمسين سنة، تبلغ عنه القرآن والسنة، وتفتي المسلمين، وتصلح بين المختلفين، وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين، في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين، والأحسن الوقف فيهما، رضي الله عنهما وما ذاك إلا لأن قوله صلى الله عليه وسلم:

« وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ».

يحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى ما عدى المذكورات، والله أعلم.

والمقصود ههنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام، فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقا، كما قدمنا.

وقد ورد في حديث أنها تكون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، هي وآسية بنت مزاحم. وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك، واستأنس بقوله: { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارا } [59] قال: فالثيب آسية، ومن الأبكار مريم بنت عمران، وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم، فالله أعلم.

قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثنا أبي، أنبأنا عمي الحسين، حدثنا يونس بن نفيع، عن سعد بن جنادة - هو العوفي - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون، وأخت موسى ».

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثم أخت موسى ».

رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النور به، وزاد: فقلت هنيئا لك يا رسول الله.

ثم قال العقيلي: وليس بمحفوظ.

وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الحسن، عن يعلى بن المغيرة، عن ابن أبي داود قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه، فقال لها:

« بالكره مني ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا، أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة: مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون ».

قالت: وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله؟

قال: « نعم ».

قالت: بالرفاء والبنين.

وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي: حدثنا العباس بن بكار، حدثنا أبو بكر الهزلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة، وهي في مرض الموت فقال:

« يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئهن مني السلام ».

قالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟

قال: « لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثم أخت موسى ».

وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد: حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: نزل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرسل به، وجلس يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت خديجة فقال جبريل: من هذه يا محمد؟

قال: « هذه صديقة أمتي »

قال جبريل: معي إليها رسالة من الرب عز وجل يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب.

قالت: الله السلام، ومنه السلام، والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ذلك البيت الذي من قصب؟

قال: « لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم، وهما من أزواجي يوم القيامة ».

وأصل السلام على خديجة من الله، وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه، ولا وصب، في الصحيح. ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جدا، وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر.

وروى ابن عساكر من حديث أبي زرعة الدمشقي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن صفوان بن عمرو، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة، يعني: صخرة بيت المقدس، فقال: الصخرة على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة.

ثم رواه من طريق إسماعيل، عن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسعود، عن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.

وهذا منكر من هذا الوجه، بل هو موضوع، قد رواه أبو زرعة، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن مسعود بن عبد الرحمن، عن ابن عابد أن معاوية سأل كعبا عن صخرة بيت المقدس فذكره.

قال الحافظ بن عساكر: وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه.

قلت: وكلام كعب الأحبار هذا، إنما تلقاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل، وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم، وهذا منه، والله أعلم.

ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم العذراء البتول

قال الله تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانا شَرْقِيّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرا سَوِيّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاما زَكِيّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرا مَقْضِيّا * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانا قَصِيّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْما فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا * وَبَرّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارا شَقِيّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَموتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [60].

ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا، التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في سورة آل عمران، قرن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء:

{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبا وَرَهَبا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } [61].

وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة، تخدم بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام، وأنه اتخذ لها محرابا وهو المكان الشريف من المسجد، لا يدخله أحد عليها سواه.

وأنها لما بلغت، اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام.

وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدا زكيا يكون نبيا كريما، طاهرا، مكرما، مؤيدا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد، لأنها لا زوج، لها ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

فاستكانت لذلك، وأنابت، وسلمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر، ولا تعقل، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها، أو لحاجة ضرورية، لا بد منها من استقاء ماء، أو تحصيل غذاء.

فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شؤونها { انْتَبَذَتْ } أي: انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرا سَوِيّا } فلما رأته { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّا }

قال أبو العالية: علمت أن التقي ذو نهية، وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق، اسمه: تقي، فإن هذا قول باطل بلا دليل، وهو من أسخف الأقوال.

{ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ } أي: خاطبها الملك قائلا: إنما أنا رسول ربك أي لست ببشر، ولكني ملك بعثني الله إليك { لِأَهَبَ لَكِ غُلَاما زَكِيّا } أي: ولدا زكيا { قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ } أي: كيف يكون لي غلام، أو يوجد لي ولد { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّا } أي: ولست ذات زوج، وما أنا ممن يفعل الفاحشة.

{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه، قائلا: { كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ } أي: وعد أنه سيخلق منك غلاما، ولست بذات بعل، ولا تكونين ممن تبغين { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: وهذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.

وقوله: { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } أي: ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.

وقوله: { وَرَحْمَةً مِنَّا } أي: نرحم به العباد، بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة، والأولاد، والشركاء، والنظراء، والأضداد، والأنداد.

وقوله: { وَكَانَ أَمْرا مَقْضِيّا } يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها، يعني: أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق، واختاره ابن جرير، ولم يحك سواه، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: { وَكَانَ أَمْرا مَقْضِيّا } كناية عن نفخ جبريل فيها، كما قال تعالى: { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا } [62]

فذكر غير واحد من السلف: أن جبريل نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة إلى فرجها، فحملت من فورها، كما تحمل المرأة عند جماع بعلها.

ومن قال: أنه نفخ في فمها، أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها، فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن.

فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة، وهو جبريل عليه السلام، وأنه إنما نفخ فيها، ولم يواجه الملك الفرج، بل نفخ في جيبها، فنزلت النفخة إلى فرجها، فانسلكت فيه، كما قال تعالى: { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا } فدل على أن النفخة ولجت فيه، لا في فمها، كما روي عن أبي بن كعب، ولا في صدرها كما رواه السدي، بإسناده عن بعض الصحابة.

ولهذا قال تعال: { فَحَمَلَتْهُ } أي: حملت ولدها { فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانا قَصِيّا } وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعا، وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها.

فذكر غير واحد من السلف، منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل، كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب النجار، وكان ابن خالها، فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا، وذلك لما يعلم من ديانتها، ونزاهتها، وعبادتها، وهو مع ذلك يراها حبلى، وليس لها زوج.

فعرض لها ذات يوم في الكلام، فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟

قالت: نعم. فمن خلق الزرع الأول؟

ثم قال: فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر؟

قالت: نعم. فمن خلق الشجر الأول؟

ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت: نعم، إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، قال لها: فأخبريني خبرك؟

فقالت: إن الله بشرني { بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ } ويروي مثل هذا عن زكريا عليه السلام، أنه سألها فأجابته بمثل هذا، والله أعلم.

وذكر السدي بإسناده عن الصحابة:

أن مريم دخلت يوما على أختها، فقالت لها أختها: أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وشعرت أيضا أني حبلى، فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله:

{ مُصَدِّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ } .

ومعنى السجود ههنا: الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام، كما كان في شرع من قبلنا، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم.

وقال أبو القاسم: قال مالك: بلغني أن عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إن أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.

قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام، لأن الله تعالى جعله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص.

رواه ابن أبي حاتم.

وروي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني وكلمني، وإذا كنت بين الناس سبح في بطني.

ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر، كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن، إذ لو كان خلاف ذلك لذكر.

وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر.

وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته في الحال، و هذا الظاهر، لأن الله تعالى ذكر الانتباذ بعد الحمل، قال بعضهم: حملت به تسع ساعات، واستأنسوا لذلك بقوله: { فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانا قَصِيّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله: { فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً } [63].

وكقوله: { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاما فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْما ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [64].

ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوما كما ثبت في الحديث المتفق عليه.

قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا.

قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم، واعتزلتهم، وانتبذت مكانا قصيا.

وقوله: { فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } أي: فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة، وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به، عن أنس مرفوعا، والبيهقي بإسناد، وصححه عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا ببيت لحم الذي بنى عليه بعض ملوك الروم، فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل.

{ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا } فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها، حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات، الناسكات، المجاورات في المسجد، المنقطعات إليه، المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة.

فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت إن لو كانت ماتت قبل هذا الحال، أو كانت { نَسْيا مَنْسِيّا } أي: لم تخلق بالكلية.

وقوله: { فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا } وقرىء من تحتها على الخفض، وفي المضمر قولان: أحدهما أنه جبريل، قاله العوفي عن ابن عباس، قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم.

وهكذا قال سعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، والضحاك، والسدي، وقتادة، وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وسعيد بن جبير، في رواية هو ابنها عيسى، واختاره ابن جرير.

وقوله: { أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا } قيل: النهر وإليه ذهب الجمهور. وجاء فيه حديث رواه الطبراني، لكنه ضعيف، واختاره ابن جرير، وهو الصحيح.

وعن الحسن، والربيع بن أنس، وابن أسلم، وغيرهم، أنه ابنها، والصحيح الأول لقوله: { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا } فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال: { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا } ثم قيل: كان جذع النخلة يابسا، وقيل: كانت نخلة مثمرة، فالله أعلم.

ويحتمل أنها كانت نخلة، لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء، وليس ذاك وقت ثمر، وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان: { تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا } قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها ».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ».

وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فروخ، عن مسروق بن سعيد، وفي رواية مسرور بن سعد، والصحيح مسرور بن سعيد التميمي، أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي به، ثم قال: وهو منكر الحديث، ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث.

وقال ابن حبان: يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها.

وقوله: { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْما فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّا } وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال: { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدا } أي: فإن رأيت أحدا من الناس { فَقُولِي } له أي: بلسان الحال والإشارة { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْما } أي: صمتا وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، قاله قتادة والسدي وابن أسلم ويدل على ذلك قوله { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّا } فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل.

وقوله تعالى: { فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّا } ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والأنوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها، فقالوا لها: { يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا } أي: أمرا عظيما منكرا.

وفي هذا الذي قالوه نظر، مع أنه كلام ينقض أوله آخره، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها، وأتت به قومها وهي تحمله. قال ابن عباس: وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوما.

والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا } والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال، ثم قالوا لها: { يَا أُخْتَ هَارُونَ } قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم، كانت تساميه في العبادة وكان اسمه هرون. وقيل: شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هرون. قاله سعيد بن جبير. وقيل: أرادوا بهرون أخا موسى شبهوها به في العبادة.

وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهرون نسبا، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهرون ضربت بالدف يوم نجا الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه، وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح، مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولا، ولله الحمد والمنة.

وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هرون، وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا:

أرأيت ما تقرؤن: { يَا أُخْتَ هَارُونَ } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا.

قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

« ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم ».

وكذا رواه مسلم، والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن إدريس، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه.

وفي رواية: « ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم ».

وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهرون، حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير، منهم ممن يسمى بهرون أربعون ألفا، فالله أعلم.

والمقصود أنهم قالوا: { يَا أُخْتَ هَارُونَ } ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هرون، وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير ولهذا قالوا: { مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّا } أي: لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم، لا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى، ورموها بالداهية الدهياء.

فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله، ففر منهم فلحقوه، وقد انشقت له الشجرة فدخلها، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا. ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار، فلما ضاق الحال وانحصر المجال، وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال.

{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } أي: خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه. فعندها { قَالُوا } من كان منهم جبارا شقيا { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّا } أي: كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين محض وزبده، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا، والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولا نطقيا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها:

{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا * وَبَرّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارا شَقِيّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا } هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم، فكان أول ما تكلم به أن { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله، وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: { آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا } فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم.

كما قال تعالى: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانا عَظِيما } [65] وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زنا في زمن الحيض، لعنهم الله، فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولي العزم الخمسة الكبار.

ولهذا قال: { وَجَعَلَنِي مُبَارَكا أَيْنَ مَا كُنْتُ } وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة، تعالى وتقدس.

{ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّا } وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد، بالصلاة والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة، وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج، على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، النفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات، وسائر وجوه الطاعات، وأنواع القربات.

ثم قال: { وَبَرّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارا شَقِيّا } أي: وجعلني برا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة، وبرأها وأعطى كل نفس هداها.

{ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارا شَقِيّا } أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته { وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا }

وهذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام، ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية، وبين أمره ووضحه وشرحه قال: { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [66].

كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران: { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ } [67].

ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم، وهم: العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلى المسالمة والموادعة.

وقال قائلهم: وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلاَّ إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يضرب عليهم جزية، وأن يبعث معهم رجلا أمينا، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران، وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبوية، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله: { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } يعني: من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } أي: لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يؤوده، بل هو القدير الفعال لما يشاء { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [68].

وقوله: { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم.

قال الله تعالى: { فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [69] أي: فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه، فمن قائل من اليهود: إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله. وقال آخرون: هو ابن الله.

وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .

قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ».

قال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير، عن جنادة وزاد: « من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء ».

وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر به. ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به.

باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا

قال تعالى في آخر هذه السورة: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئا إِدّا } أي: شيئا عظيما ومنكرا من القول وزورا.

{ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا } [70].

فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد، لأنه خالق كل شيء ومالكه، وكل شيء فقير إليه، خاضع ذليل لديه، وجميع سكان السموات والأرض عبيده، وهو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه.

كما قال تعالى: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [71].

فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا نظير له ولا شبيه له، ولا عديل له، فلا صاحبة له فلا يكون له ولد. كما قال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ } [72].

تقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله { الصَّمَدُ } وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته وبلغ رحمته وجميع صفاته { لَمْ يَلِدْ } أي: لم يوجد منه ولد { وَلَمْ يُولَدْ } أي: ولم يتولد عن شيء قبله { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ } أي: وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو فقطع النظير المداني الأعلى والمساوي، فانتفى أن يكون له ولد، إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقال تبارك وتعالى وتقدس: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابا أَلِيما وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّا وَلَا نَصِيرا } [73].

ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والإطراء في الدين، وهو مجاوزة الحد، فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد، فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله وابن أمته العذراء البتول، التي أحصنت فرجها، فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام.

والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى، كما يقال بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وكذا روح الله، أضيفت إليه تشريفا لها وتكريما. وسمي عيسى بها لأنه كان بها من غير أب، وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق، وبسببها وجد، كما قال تعالى { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [74].

وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [75].

وقال تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [76].

فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله، كل من الفريقين ادعوا على الله شططا، وزعموا أن له ولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه، ولا فيما ائتفكوه، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة، تشابهت قلوبهم.

وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله، زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود، الذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدأ الأول، وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك، ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة، والنفوس إلى تسعة، والأفلاك إلى تسعة، باعتبارات فاسدة ذكروها، واختيارات باردة أوردوها، ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر.

وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله، وأنه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة. تعالى الله عما يقولون، وتنزه عما يشركون كما قال تعالى: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } [77].

وقال تعالى: { فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } [78].

وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [79].

وقال تعالى في أول سورة الكهف، وهي مكية: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّما لِيُنْذِرَ بَأْسا شَدِيدا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرا حَسَنا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدا * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبا } [80].

وقال تعالى: { قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } [81].

فهذه الآيات المكيات، الكريمات، تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة، ومشركي العرب، واليهود، والنصارى، الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن لله ولدا سبحانه وتعالى عما يقولون الظالمون المعتدون علوا كبيرا.

ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة، من أشهر من قال بهذه المقالة، ذُكروا في القرآن كثيرا للرد عليهم، وبيان تناقضهم، وقلة علمهم، وكثرة جهلهم، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم، وذلك أن الباطل كثير التشعب، والاختلاف، والتناقض، وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب.

قال الله تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافا كَثِيرا } [82] فدل على أن الحق يتحد ويتفق، والباطل يختلف ويضطرب، فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى، وطائفة قالوا هو ابن الله عز الله، وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة جل الله.

قال الله تعالى في سورة المائدة: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [83].

فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم، وبين أنه الخالق القادر على كل شيء، المتصرف في كل شيء، وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه.

وقال في أواخرها: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [84].

حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا، فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول إليهم هو عيسى بن مريم، قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم، داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار، وعدم الفوز بدار القرار، والخزي في الدار الآخرة، والهوان والعار، ولهذا قال: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } .

ثم قال: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ } قال ابن جرير وغيره: المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية، عليهم لعائن الله.

كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك، ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة، ولهذا قال تعالى: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: وما من إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا كفوء له، ولا صاحبة له، ولا ولد.

ثم توعدهم وتهددهم فقال: { وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: { أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .

ثم بين حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة، أي: ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا.

وقوله: { كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ } كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما، أي: ومن كان بهذه المثابة كيف يكون إلها، تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا.

وقال السدي وغيره: المراد بقوله: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ } زعمهم في عيسى وأمه أنهما الإلهان مع الله، يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة:

{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [85].

يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه، عمن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله، أو أنه الله، أو أنه شريكه، تعالى الله عما يقولون، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه، ولكن لتوبيخ من كذب عليه، فيقول له: { أأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ } أي: تعاليت أن يكون معك شريك.

{ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } أي: ليس هذا يستحقه أحد سواك { إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } .

وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ } أي ما قلت غير ما أمرتني عليه حين أرسلتني إليهم، وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم، ثم فسر ما قال لهم بقوله: { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } أي: خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم.

{ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي: رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي، فرحمتني وخلصتني منهم، وألقيت شبهي على أحدهم، حتى انتقموا منه، فلما كان ذلك { كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .

ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل، والتبري من أهل النصرانية: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } أي: وهم يستحقون ذلك، { وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط، لا يقتضي وقوع ذلك، ولهذا قال: { فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ولم يقل: الغفور الرحيم.

وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } وقال:

« إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا ».

وقال: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } [86].

وقال تعالى: { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } [87].

وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [88].

وقال تعالى: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرا } [89].

وقال تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ } [90].

وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« يقول الله تعالى: شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد ».

وفي (الصحيح) أيضا: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ».

ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ».

ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [91].

وهكذا قوله تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } [92].

وقال تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } [93].

وقال تعالى: { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } [94].

وقال تعالى: { فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا } [95]

ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام

قد تقدم أنه ولد ببيت لحم، قريبا من بيت المقدس، وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر، وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار، وهي راكبة على حمار، ليس بينهما وبين الإكاف شيء وهذا لا يصح، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم، كما ذكرنا ومهما عارضه فباطل.

وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى، فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره، فسأل الكهنة عن ذلك، فقالوا هذا لمولد عظيم في الأرض.

فبعث رسله ومعهم ذهب، ومر، ولبان، هدية إلى عيسى، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم، فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت، فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس.

واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له، ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا، قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاؤوا ليقتلوا ولدك، فاحتملته فذهبت به إلى مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة.

وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره، فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده، افتقد مالا من داره، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج، فلم يدر من أخذه، وعزَّ ذلك على مريم عليها السلام، وشق على الناس وعلى رب المنزل، وأعياهم أمرها.

فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك، عمد إلى رجل أعمى وآخر مقعد، من جملة من هو منقطع إليه، فقال للأعمى: احمل هذا المقعد وانهض به، فقال: إني لا أستطيع ذلك، فقال: بلى كما فعلت أنت وهو، حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار، فلما قال ذلك صدقاه فيما قال، وأتيا بالمال، فعظم عيسى في أعين الناس، وهو صغير جدا.

ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده، فلما اجتمع الناس وأطعمهم، ثم أراد أن يسقيهم شرابا، يعني خمرا، كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان، لم يجد في جراره شيئا، فشق ذلك عليه.

فلما رأى عيسى ذلك منه، قام فجعل يمر على تلك الجرار، ويمر يده على أفواهها، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب، فتعجب الناس من ذلك جدا، وعظموه، وعرضوا عليه وعلى أمه مالا جزيلا فلم يقبلاه، وارتحلا قاصدين بيت المقدس، والله أعلم.

وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا عثمان بن ساج وغيره، عن موسى بن وردان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن مكحول، عن أبي هريرة قال:

إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل، فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله، لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال:

اللهم أنت القريب في علوك، المتعال في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي خلقت سبعا في الهواء، بكلماتك مستويات، طباقا أجبن وهن دخان من فرقك، فأتين طائعات لأمرك، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك

وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام، وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران.

فتباركت اللهم في مفطور سمواتك، وفيما دحوت من أرضك، دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال التظاهر، فذل لطاعتك صعبها، واستحيى لأمرك أمرها، وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها والأنهار الأشجار والثمار.

ثم جعلت على ظهرها الجبال، فوتدتها أوتادا على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها، فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك، أمن يبلغ بصفته صفتك؟

تنشر السحاب، وتفك الرقاب، وتقضي الحق، وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يغشاك من عبادك الأكياس.

نشهد أنك لست بإله استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذكرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن لك كفوا أحد.

وقال إسحاق بن بشر، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس: إن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا، حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية، وذلك قوله تعالى: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانا عَظِيما } [96].

قال: فلما بلغ سبع سنين، أسلمته أمه في الكتاب، فجعل لا يعلمه المعلم شيئا إلا بدره إليه، فعلمه أبا جاد.

فقال عيسى: ما أبو جاد؟

فقال المعلم: لا أدري.

فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري؟

فقال المعلم: إذا فعلِّمني.

فقال له عيسى: فقم من مجلسك فقام، فجلس عيسى مجلسه فقال: سلني.

فقال المعلم: ما أبو جاد؟

فقال عيسى: الألف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم بهجة الله وجماله.

فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد.

ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع لا يسأل ولا يتمادى.

وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، وعن مسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب، وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد وهو مطول لا يفرح به. ثم قال ابن عدي: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل.

وروى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة قال: كان عبد الله بن عمر يقول: كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك؟

فيقول: نعم.

فيقول: خبأت لك كذا وكذا، فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها: أطعميني ما خبأت لي.

فتقول: وأي شيء خبأت لك؟

فيقول: كذا وكذا.

فتقول له: من أخبرك؟

فيقول: عيسى بن مريم.

فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم، فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم، فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا: إنما هؤلاء قردة وخنازير.

فقال: اللهم كذلك فكانوا كذلك.

رواه ابن عساكر.

وقال إسحق بن بشر عن جويبر، ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله، ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } [97].

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين.

وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها ربوة: وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه، وارتفاعه متسع ومع علوه فيه عيون الماء معين وهو الجاري السارح على وجه الأرض.

فقيل: المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح، وهو نخلة بيت المقدس، ولهذا { فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا } وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف، وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق، فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق، وقيل: ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب، ومن تلقاه عنهم والله أعلم، وقيل: هي الرملة.

وقال إسحق بن بشر: قال لنا إدريس، عن جده وهب بن منبه قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمر الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال: فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا، وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل، وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والعلم بالغيوب، مما يدخرون في بيوتهم، وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره.

بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها

قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه قال: أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان، ونزل الزبور على داود في اثنتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان، وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة، وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما، وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين من شهر رمضان.

وقد ذكرنا في التفسير عند قوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } [98] الأحاديث الواردة في ذلك، وفيها: أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.

وذكر ابن جرير في تاريخه: أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وقال إسحاق بن بشر: وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ومقاتل، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة قال: أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم: يا عيسى جد في أمري ولا تهن واسمع وأطع، يا ابن الطاهرة البكر البتول إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد، وعليّ فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لأهل السريانية بلغ من بين يديك إني أنا الحق الحي القائم الذي لا أزول.

صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج، وهي العمامة والمدرعة، والنعلين، والهراوة وهي القضيب، الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الجعد الرأس، الكث اللحية، المقرون الحاجبين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا، البادي العنفقة، الذي كان عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه.

له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه، ولم ير قبله ولا بعده مثله، الحسن القامة، الطيب الريح، نكاح النساء ذا النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت يعني في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب.

تكفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، له منها فرخان مستشهدان، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر، كلامه القرآن، ودينه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه وسمع كلامه.

بيان شجرة طوبى ما هي؟

قال عيسى: يا رب وما طوبى؟

قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي، فهي للجنان كلها، أصلها من رضوان، وماؤها من تسنيم، وبردها برد الكافور، وطعمها طعم الزنجبيل، وريحها ريح المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.

قال عيسى: يا رب اسقني منها، قال: حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي.

قال: يا عيسى أرفعك إلي؟

قال: رب ولم ترفعني؟

قال: أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على قتال اللعين الدجال، أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم.

وقال هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه أن عيسى قال: يا رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم. رواه ابن عساكر.

وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن بديل العقيلي، عن عبد الله بن عوسجة قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخرا لك في معادك، وتقرب إليّ بالنوافل أحبك، ولا تول غيري فأخذلك، اصبر على البلاء وارض بالقضاء، وكن لمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريبا، وأحي ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك.

تيقظ من ساعات الغفلة، واحكم في لطيف الفطنة، وكن لي راغبا راهبا، وأمت قلبك في الخشية لي، وراع الليل لحق مسرتي، واظمِ نهارك ليوم الري عندي، نافس في الخيرات جهدك، واعترف بالخير حيث توجهت، وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال، ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس.

يا عيسى بن مريم ما آمنت بي خليقة إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي، فأشهدك أنها آمنة من عقابي، ما لم تغير أو تبدل سنتي، يا عيسى ابن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل، وقلا الدنيا، وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن في ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام، وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذار ما هو آت من أمر المعاد، وزلازل شدايد الأهوال، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال.

وأكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون، وكن في ذلك صابرا محتسبا، وطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين، رج من الدنيا بالله يوم بيوم، وذق مذاقة ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته، فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك منها الخشن الحثيث، قد رأيت إلى ما يصير، اعمل على حساب فإنك مسؤول، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك.

وقال أبو داود في كتاب القدر: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: لقي عيسى بن مريم إبليس فقال: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك؟ قال إبليس: فارقَ بذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر هل تعيش أم لا - فقال ابن طاووس - عن أبيه فقال عيسى: أما علمت أن الله قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت.

وقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده.

قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبدة، أنبأنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس قال: أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال: أليس تزعم أنك صادق، فاتِ هوة فألق نفسك قال: ويلك أليس قال: يا ابن آدم لا تسألني هلاك نفسك، فإني أفعل ما أشاء.

وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا حسين بن طلحة، سمعت خالد بن يزيد قال: تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين، أقام يوما على شفير جبل، فقال الشيطان: أرأيت أن ألقيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي؟ قال: إني لست بالذي أبتلي ربي، ولكن ربي إذا شاء ابتلاني، وعرفه أنه الشيطان ففارقه.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا شريح بن يونس، حدثنا علي بن ثابت، عن الخطاب بن القاسم، عن أبي عثمان قال: كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر.

قال: نعم.

قال: ألق نفسك من هذا الجبل، وقل قدر علي.

فقال: يا لعين، الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله عز وجل.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الفضل بن موسى البصري، حدثنا إبراهيم بن بشار سمعت سفيان بن عيينة يقول: لقي عيسى بن مريم إبليس فقال له إبليس: يا عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا، ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال: بل الربوبية للإله الذي أنطقني ثم يميتني ثم يحيني.

قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحي الموتى، قال: بل الربوبية لله الذي يحي من يشاء ويميت من أحييت ثم يحييه.

قال: والله إنك لإله في السماء وإله في الأرض، قال: فصكه جبريل صكة بجناحيه، فما نباها دون قرون الشمس، ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية، ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه، وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة، فخرج منها وهو يقول: ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم.

وقد روي نحو هذا بابسط منه من وجه آخر.

فقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرني أبو الحسن بن رزقويه، أنبأنا أبو بكر أحمد بن سبدي، حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، أنبأنا علي بن عاصم، حدثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال: صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له: إنه لا ينبغي لك أن تكون عبدا، فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه، فجعل لا يتخلص منه، فقال له فيما يقول: لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبدا، قال: فاستغاث عيسى بربه فأقبل جبريل وميكائيل، فلما رآهما إبليس كف، فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى، وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي.

قال: فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك، فقال لعيسى: قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدا، إن غضبك ليس بغضب عبد، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت، ولكن أدعوك لأمر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك، فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلها ليس معه إله، ولكن الله يكون إلها في السماء، وتكون أنت إلها في الأرض.

فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه، وصرخ صرخة شديدة، فإذا إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل، فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه، فصك به عين الشمس، ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي، ومر عيسى وهو بمكانه فقال: يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس، فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية، قال: فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة، قال: والله ما عاد إليه بعد.

قال: وحدثنا إسماعيل العطار، حدثنا أبو حذيفة قال: واجتمع إليه شياطينه فقالوا: سيدنا قد لقيت تعبا، قال: إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضل به بشرا كثيرا، وأبث فيهم أهواء مختلفة، وأجعلهم شيعا ويجعلونه وأمه إلهين من دون الله، قال: وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى، فقال: { يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ... } [99].

يعني: إذ قويتك بروح القدس - يعني جبريل - { تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } الآية كلها، وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا، ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك، هاديا وقائدا إلى الجنة، فذلك فاعلم خلقان عظيمان، من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا، وصلينا فلم يقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا.

فقل لهم: ولم ذلك وما الذي يمنعني إن ذات يدي؟ قلت: أوليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء، وإن البخل لا يعتريني، أولست أجود من سأل، وأوسع من أعطى؟ أو أن رحمتي ضاقت، وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي، ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غروا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم، ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة.

لعرفوا من أين أوتوا، وإذا لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام، وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني، ويستحلون محارمي؟ وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها؟ يا عيسى إنما أجزي عليها أهلها، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء؟

ازددت عليهم غضبا يا عيسى، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال: فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار، ورفقائك في المنازل، وشركاءك في الكرامة، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار.

وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد، وأختم به الأنبياء والرسل، ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يتزين بالفحش، ولا قوال بالخنا، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل التقوى ضميره، والحكم معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته، والحق شريعته، والإسلام ملته، اسمه أحمد، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأغني به بعد العائلة، وأرفع به بعد الضيعة، أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة، أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إخلاصا لاسمي وتصديقا لما جاءت به الرسل.

ألهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم، ومجالسهم، وبيوتهم، ومنقلبهم، ومثواهم يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، قرباتهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، وقربانهم في بطونهم، رهبان بالليل، ليوث في النهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم.

وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق، مما سنورده من سورتي المائدة والصف، إن شاء الله وبه الثقة.

وقد روى أبو حذيفة إسحق بن بشر بأسانيده، عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وابن عباس، وسلمان الفارسي، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بعث عيسى بن مريم، وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزؤن به، فيقولون: ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله؟ فيخبرهم فيزداد المؤمنون إيمانا، والكافرون والمنافقون شركا وكفرانا.

وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار، ولا موضع يعرف به، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: مالك أيتها المرأة؟

فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت، أو يحييها الله لي فأنظر إليها.

فقال لها عيسى: أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم.

قالوا: فصلى ركعتين، ثم جاء فجلس عند القبر، فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن، فاخرجي قال: فتحرك القبر، ثم نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى: ما أبطأ بك عني؟

فقالت: لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيمة.

ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين، يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته سل ربي أن يردني إلى الآخرة، وأن يهون علي كرب الموت، فدعا ربه فقبضها إليه، واستوت عليها الأرض، فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا.

وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح، فدعا الله عز وجل وصلى لله فأحياه الله لهم، فحدثهم عن السفينة وأمرها، ثم دعا فعاد ترابا.

وقد روى السدي، عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس في خبر ذكره: وفيه أن ملكا من ملوك بني إسرائيل مات، وحمل على سريره، فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل، فرأى الناس أمرا هائلا، ومنظرا عجيبا.

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ *وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } [100] يذكره تعالى بنعمته عليه، وإحسانه إليه في خلقه إياه من غير أب، بل من أم بلا ذكر، وجعله له آية للناس، ودلالة على كمال قدرته تعالى، ثم إرساله بعد هذا كله { وَعَلى وَالِدَتِكَ } في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة، وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون.

ولهذا قال: { إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } وهو: جبريل بإلقاء روحه إلى أمه، وقرنه معه في حال رسالته، ومدافعته عنه لمن كفر به { تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا } أي: تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أي: الخط والفهم، نص عليه بعض السلف { وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } .

وقوله: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي } أي: تصوره وتشكله من الطين على هيئته، عن أمر الله له بذلك { فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرا بِإِذْنِي } أي: بأمري، يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهم.

وقوله: { وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ } قال بعض السلف: وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته { وَالْأَبْرَصَ } هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص، وصار داؤه عضالا { وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى } أي: من قبورهم أحياء بإذني، وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية.

وقوله: { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه، وأنقذه من بين أظهرهم، صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة له من الردى.

وقوله: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام، أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } [101].

{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } [102].

وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول، وتوفيق في قلوبهم، لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين: { آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } .

وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم، أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد صلى الله عليه وسلم: {...هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [103].

وقال تعالى: { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [104].

كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان، فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء، فبعث بآيات بهرت الأبصار، وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر، وما ينتهي إليه، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل، الذي لا يمكن صدوره، إلا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له، أسلموا سراعا ولم يتلعثموا.

وهكذا عيسى ابن مريم، بعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنى لحكيم إبراء الأكمه، الذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره، هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به، وعلى قدرة من أرسله.

وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن، أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق عز وجل، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين، استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصارا وأعوانا، قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين همَّ به بنو إسرائيل، ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه، فأنقذه الله منهم، ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه.

فأخذوه فقتلوه وصلبوه، وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون، وللحق مكابرون، وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون، قال تعالى: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .

وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [105].

إلى أن قال بعد ذلك: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } [106].

فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيبا، فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده، ونوه باسمه، وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه، إذا شاهدوه إقامة للحجة عليهم وإحسانا من الله إليهم، كما قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [107].

قال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟

قال: « دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام ».

وقد روي عن العرباض بن سارية، وأبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وفيه: « دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ».

وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ... } الآية [108] ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى، قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام.

قال الله تعالى: { فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } [109] يحتمل عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، ويحتمل عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله، ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته، على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } أي: من يساعدني في الدعوة إلى الله { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة، فسموا بذلك النصارى.

قال الله تعالى: { فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ } يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم من آمن، ومنهم من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير، بعث إليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا، فآمنوا واستجابوا، وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس، لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية.

وكفر آخرون من بني إسرائيل، وهم جمهور اليهود، فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم، كما قال تعالى: { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ... } الآية [110].

فكل من كان إليه أقرب كان غالبا فمن دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه، من أنه عبد الله ورسوله، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه وأطروه، وأنزلوه فوق ما أنزل الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود فيه عليهم لعائن الله، كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة، إلى زمن الإسلام وأهله.

ذكر خبر المائدة

قال الله تعالى: { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدا مِنَ الْعَالَمِينَ } [111].

قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف، ومضمون ذلك: أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوما، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم، أن الله قد تقبل صيامهم، وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم، وتكون كافية لأولهم وآخرهم، لغنيهم وفقيرهم.

فوعظهم عيسى في ذلك، وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها، ولا يؤدوا حق شروطها، فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل، فلما لم يقلعوا عن ذلك، قام إلى مصلاه ولبس مسحا من شعر، وصف بين قدميه، وأطرق رأسه، وأسبل عينيه بالبكاء، وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال، أن يجابوا إلى ما طلبوا.

فأنزل الله تعالى المائدة من السماء، والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين، وجعلت تدنوا قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة، وأن يجعلها بركة وسلامة، فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام، وهي مغطاة بمنديل.

فقام عيسى يكشف عنها، وهو يقول: بسم الله خير الرازقين، فإذا عليها سبعة من الحيتان، وسبعة أرغفة، ويقال: وخل، ويقال: ورمان وثمار، ولها رائحة عظيمة جدا، قال الله لها كوني فكانت.

ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا: لا نأكل حتى تأكل، فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء، فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى، وكانوا قربيا من ألف وثلاثمائة، فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك.

ثم قيل: إنها كانت تنزل كل يوم مرة، فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم، حتى قيل: إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف، ثم كانت تنزل يوما بعد يوم، كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم.

ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشق ذلك على كثير من الناس، وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية، ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.

وقد روى ابن أبي حاتم، وابن جرير جميعا: حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« نزلت المائدة من السماء خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا، ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير ».

ثم رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار موقوفا، وهذا أصح، وكذا رواه من طريق سماك، عن رجل من بني عجل، عن عمار موقوفا، وهو الصواب والله أعلم.

وخلاس عن عمار منقطع، فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة، فإن العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا؟

فالجمهور أنها نزلت، كما دلت عليه هذه الآثار، كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن، ولا سيما قوله: { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } كما قرره ابن جرير، والله أعلم.

وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد، وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري، أنهما قالا: لم تنزل، وأنهم أبوا نزولها حين قال: { فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدا مِنَ الْعَالَمِينَ } ولهذا قيل: إن النصارى لا يعرفون خبر المائدة، وليس مذكورا في كتابهم، مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله، والله أعلم.

وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير، فليكتب من هناك، ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم، ولله الحمد والمنة.

فصل توجه عيسى عليه السلام نحو البحر.

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا رجل سقط اسمه، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم عيسى، فقيل لهم توجه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه، فلما انتهوا إلى البحر، إذا هو يمشي على الماء، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مرتد بنصفه، ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم.

فقال له بعضهم - قال أبو هلال ظنت أنه من أفاضلهم - ألا أجيء إليك يا نبي الله؟ قال: بلى، قال: فوضع إحدى رجليه على الماء، ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أوه غرقت يا نبي الله، فقال: أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة، مشى على الماء.

ورواه أبو سعيد ابن الأعرابي، عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال، عن بكر بنحوه.

ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء؟ قال: بالإيمان واليقين.

قالوا: فإنا آمنا كما آمنت، وأيقنا كما أيقنت.

قال: فامشوا إذا.

قال فمشوا معه في الموج فغرقوا.

فقال لهم عيسى: ما لكم؟

فقالوا: خفنا الموج.

قال: ألا خفتم رب الموج؟

قال: فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرض، فقبض بها ثم بسطها، فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر أو حصى.

فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟

قالوا: هذا الذهب.

قال: فإنهما عندي سواء.

وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان يلبس الشعر، ويأكل من ورق الشجر، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال، ولا يدخر شيئا لغد، قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه، صلوات الله وسلامه عليه.

وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح، ويقول لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت. وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلي.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، حدثنا جعفر بن بلقان أن عيسى كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي، ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني.

وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد كان عيسى يقول: لا نصيب حقيقة الإيمان، حتى لا يبالي من أكل الدنيا. قال الفضيل: وكان عيسى يقول: فكرت في الخلق، فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق.

وقال إسحاق بن بشر عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة، قال: وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى، قال: وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم، إذ مر به إبليس فقال يا عيسى: ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا، فهذا الحجر من عرض الدنيا، فقال فقام عيسى فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال: هذا لك مع الدنيا.

وقال معتمر بن سليمان: خرج عيسى على أصحابه، وعليه جبة صوف، وكساء، وتبان، حافيا باكيا شعثا، مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش، فقال السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟

قالوا: أين بيتك يا روح الله؟

قال: بيتي المساجد، وطبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصون، وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمني والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غير مكترث، فمن أغنى مني وأربح. رواه ابن عساكر.

وروي في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري: حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني، عن حيوة بن شريح، حدثني الوليد ابن أبي الوليد، عن سفي بن نافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« أوحى الله تعالى إلى عيسى أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء، ولأولمن عليك أربعمائة عام ».

وهذا حديث غريب رفعه، وقد يكون موقوفا من رواية سفي بن نافع عن كعب الأحبار، أو غيره من الإسرائيليين، والله أعلم.

وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: قال عيسى للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا.

وقال قتادة: قال عيسى عليه السلام: سلوني فإني لين القلب، وإني صغير عند نفسي.

وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال عيسى للحواريين: كلوا خبز الشعير، واشربوا الماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم، إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه، يود أن الناس كلهم مثله. وروي نحوه عن أبي هريرة.

وقال أبو مصعب، عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول: يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح، والبقل البري، وخبز الشعير، وإياكم وخبز البر، فإنكم لن تقوموا بشكره.

وقال ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: كان عيسى يقول: اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وكان يقول: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة.

وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد. ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا. وعن عيسى عليه السلام: يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة.

وعنه عليه السلام أنه قال: كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا، فلا يتخذ الدنيا قرارا، وفي هذا يقول سابق البربري:

لكم بيوت بمستن السيوف وهل * يبنى على الماء بيت أسه مدر

وقال سفيان الثوري: قال عيسى بن مريم لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء.

وقال إبراهيم الحربي، عن داود بن رشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال: قال عيسى: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله.

وعن عيسى عليه السلام: إن الشيطان مع الدنيا، وفكره من المال، وتزينه مع الهوى، واستمكانه عند الشهوات.

وقال الأعمش، عن خيثمة: كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم، ويقول: هكذا فاصنعوا بالقرى، وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام: طوبى لحجر حملك، ولثدي أرضعك، فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه.

وعنه: طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته، وحفظ لسانه، ووسعه بيته.

وعنه: طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية، وانتبهت إلى غير إثم.

وعن مالك بن دينار قال: مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها!

فقال: ما أبيض أسنانها لينهاهم عن الغيبة.

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا: وفي ذلك يقول الشاعر:

أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون

فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

وقال أبو مصعب، عن مالك: قال عيسى بن مريم عليه السلام: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.

وقال الثوري: سمعت أبي يقول، عن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى لأصحابه: بحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير.

وقال مالك بن دينار: قال عيسى: إن أكل الشعير مع الرماد، والنوم على المزابل مع الكلاب، لقليل في طلب الفردوس.

وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحوش والحمر، فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز.

وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبد الله، عن يزيد بن ميسرة قال: قال الحواريون للمسيح: يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه، قال: آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلا أهلكه بذنوب أهله. إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا، إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة، وبها يعمر الله الأرض، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك.

وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه: أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم إملاء، حدثنا الوليد بن أبان إملاء، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« مر عيسى عليه السلام على مدينة خربة فأعجبه البنيان فقال: أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني، فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى.

قال: فنادت المدينة: عيسى حبيبي وما تريد مني؟

قال: ما فعل أشجارك، وما فعل أنهارك، وما فعل قصورك، وأين سكانك؟

قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق، فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري، وخربت قصوري، ومات سكاني.

قال: فأين أموالهم؟

فقالت: جمعوها من الحلال والحرام، موضوعة في بطني، لله ميراث السموات والأرض.

قال: فنادى عيسى عليه السلام فعجبت من ثلاث أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه، ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع، تجمع مالك لمن لا يحمدك، وتقدم على رب لا يعذرك، إنما أنت عبد بطنك وشهوتك، وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك، وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك ».

هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك.

وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب الرجل حيث كنزه.

وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال: قال عيسى بن مريم: من تعلم وعلم وعمل دعي عظيما في ملكوت السماء.

وقال أبو كريب: روي أن عيسى عليه السلام قال: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي، ويعبر بك النادي.

وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، والأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عز وجل.

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن رجل، عن عكرمة قال: قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير.

وكذا حكى وهب وغيره عنه، وعنه: أنه قال لأصحابه: أنتم ملح الأرض، فإذا فسدتم فلا دواء لكم، وإن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب، والصبحة من غير سهر.

وعنه أنه قيل له: من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة العالم، فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير.

وعنه أنه قال: يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعملكم داء، مثلكم مثل شجرة الدفلى، تعجب من رآها وتقتل من أكلها.

وقال وهب: قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه.

وقال مكحول: التقى يحيى وعيسى فصافحه عيسى وهو يضحك، فقال له يحيى: يا ابن خالة مالي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت؟

فقال له عيسى: ما لي أراك عابسا كأنك قد يئست؟

فأوحى الله إليهما: إن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه.

وقال وهب بن منبه: وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلى فيه، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسع وسع.

وقال أبو عمر الضرير: بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما. والآثار في مثل هذا كثيرة جدا. وقد أورد الحافظ ابن عساكر منها طرفا صالحا، اقتصرنا منها على هذا القدر، والله الموفق للصواب.

ذكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء

ذكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب

قال الله تعالى: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [112].

وقال تعالى: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانا عَظِيما * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزا حَكِيما * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا } [113].

فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.

قال الحسن البصري، ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داود بن نورا، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، وأهل البيت ينظرون.

ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه، فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب، وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا.

وأخبر تعالى بقوله: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } أي: بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء. وكما سنورد ذلك مستقصى في كتاب الفتن والملاحم، عند أخبار المسيح الدجال، فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال.

وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء.

قال ابن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:

لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم: إن منك من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟

فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال عيسى اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: أنت هو ذاك. فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.

قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه. فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق.

فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية.

وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية.

وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون.

فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } [114].

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم.

ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه.

ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة، عن أبي معاوية، وهكذا ذكر غير واحد من السلف، وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن إسحاق بن يسار قال: وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخر أجله، يعني ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة، ويكثر الناس الدخول في دين الله.

قيل: وكان عنده من الحواريين اثني عشر رجلا: بطرس، ويعقوب بن زبدا، ويحنس أخو يعقوب، واندراوس، وفليبس، وابرثلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوس، وفتاتبا، ويودس كريا يوطا، وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى.

قال ابن إسحاق: وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس، كتمته النصارى وهو الذي ألقي شبه المسيح عليه فصلب عنه، قال: وبعض النصارى يزعم أن الذي صلب عن المسيح، وألقي عليه شبهه هو: يودس بن كريا يوطا، والله أعلم.

وقال الضحاك عن ابن عباس: استخلف عيسى شمعون، وقتلت اليهود يودس، الذي ألقي عليه الشبه.

وقال أحمد بن مروان: حدثنا محمد بن الجهم قال: سمعت الفراء يقول في قوله: { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } قال: إن عيسى غاب عن خالته زمانا، فأتاها فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره، فكسروا الباب، ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى، فطمس الله عينيه عن عيسى، ثم خرج إلى أصحابه فقال: لم أره ومعه سيف مسلول.

فقالوا: أنت عيسى، وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فقال جل ذكره: { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ } .

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هرون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا.

فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة؟ فقال رجل: أنا، فخرج إليهم فقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.

قال ابن جرير: وحدثنا المثنى، حدثنا إسحاق بن الحجاج، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: أن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما فقال: أحضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة.

فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد عليّ شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه.

فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم.

وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلى، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها؟

فقالوا: والله ما ندري ما لنا، والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه.

ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من صحابه فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه.

فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح، فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون: أنت كنت تحي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟

ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعا، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: على من تبكيان؟ قالتا: عليك.

فقال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود.

فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب لتاب الله عليه.

ثم سألهم عن غلام كان يتبعهم يقال له يحيى فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم.

وهذا إسناد غريب عجيب، وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعه، فأراها مكان المسامير من جسده، وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب، وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل، وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق، ومقتضى الدليل.

وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب، فيما بلغه، أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها، أن ينزل جسده، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك، فقالت مريم لأم يحيى: ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح؟ فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى: ألا تسترين فقالت: وممن أستتر؟

فقالت: من هذا الرجل الذي هو عند القبر، فقالت أم يحيى: إني لا أرى أحدا، فرجت مريم أن يكون جبريل، وكانت قد بعد عهدها به، فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر، فلما دنت من القبر قال لها جبريل، وعرفته: يا مريم أين تريدين؟ فقالت: أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهدا به.

فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح، إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا، ولكن هذا الفتى الذي ألقي شبهه عليه وصلب وقتل مكانه. وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه، فلا يدرون ما فعل به، فهم يبكون عليه، فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيض كذا وكذا فإنك تلقين المسيح.

قال: فرجعت إلى أختها، وصعد جبريل، فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة، فلما رآها أسرع إليها، وأكب عليها فقبل رأسها، وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال: يا أمه إن القوم لم يقتلوني، ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك، والموت يأتيك قريبا فاصبري، واذكري الله كثيرا، ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت.

قال: وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين، وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة، رضي الله عنها وأرضاها.

وقال الحسن البصري: كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعا وثلاثين سنة، وفي الحديث: « إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين ».

وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحسن يوسف. وكذا قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

فأما الحديث الذي رواه الحاكم في (مستدركه) ويعقوب بن سفيان الفسوي في (تاريخه) عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته: أن عائشة كانت تقول:

أخبرتني فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها: أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة، فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين. هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب.

قال الحافظ ابن عساكر: والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته، كما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة. وهذا منقطع.

وقال جرير، والثوري، عن الأعمش: إن إبراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاما. ويروى عن أمير المؤمنين علي: أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين من رمضان، وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنة بخمسة أيام.

وقد روى الضحاك، عن ابن عباس: أن عيسى لما رفع إلى السماء، جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها، وجاءته مريم فودعته وبكت، ثم رفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى بردا له وقال: هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون.

وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها، وكانت تحبه حبا شديدا لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين، إذ لا أب له، وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا. قال بعض الشعراء:

وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر

وذكر إسحاق بن بشر، عن مجاهد بن جبير: أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم، وهم يحسبونه المسيح، وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس، فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان، فقيل له:

إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه، وأهانوا أصحابه وحبسوهم، فبعث فجيء بهم، وفيهم يحيى بن زكريا، وشمعون، وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه، فبايعهم في دينهم، وأعلى كلمتهم، وظهر الحق على اليهود، وعلت كلمة النصارى عليهم.

وبعث إلى المصلوب فوضع عن جذعه، وجيء بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه، فمن ثم عظمت النصارى الصليب، ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم، وفي هذا نظر من وجوه:

أحدها: أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم، يعلم ما وقع على جهة الحق.

الثاني: أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة، وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة إليه، على ما سنذكره.

الثالث: أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته، جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة، وجيف الميتات والقاذورات، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور، فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح، ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب، فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي، فالله أعلم أكان هذا أم لا؟

وهل كان هذا لأن ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا، أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة، وغشوها بالذهب واللآلئ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها.

وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة، وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة، فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس، التي يقال لها القمامة، باعتبار ما كان عندها، ويسمونها القيامة، يعنون التي يقوم جسد المسيح منها.

ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود، فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس، فكنس عنها القمامة بردائه، وطهرها من الأخباث والأنجاس، ولم يضع المسجد وراءها، ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو المسجد الأقصى.

ذكر صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله

قال الله تعالى: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } [115].

قيل: سمي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان، لشدة تكذيب اليهود له، وافترائهم عليه وعلى أمه، عليهما السلام. وقيل: لأنه كان ممسوح القدمين.

وقال تعالى: { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } [116].

وقال تعالى: { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } [117] والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد تقدم ما ثبت في (الصحيحين):

« ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا، إلا مريم وابنها، ذهب يطعن فطعن في الحجاب ».

وتقدم حديث عمير بن هانئ، عن جنادة، عن عبادة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ». رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم.

وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران ». هذا لفظ البخاري.

وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام، عن معمر (ح) وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ليلة أسري بي لقيت موسى، قال: فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة. قال ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به... ». الحديث.

وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى، ثم قال: حدثنا محمد بن كثير، أنبأنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط ». تفرد به البخاري.

وحدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: « إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا؟ فقالوا المسيح بن مريم. ثم رأيت رجلا وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت من هذا؟ فقالوا: المسيح الدجال ». ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة.

ثم قال البخاري: تابعه عبد الله بن نافع، ثم ساقه من طريق الزهري، عن سالم بن عمر قال: الزهري: وابن قطن رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية، فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحيين مسيح المهدي، ومسيح الضلالة، ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون، ويعرف الآخر فيحذره الموحدون.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني ». وكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق.

وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « رأى عيسى رجلا يسرق فقال: يا فلان أسرقت؟ فقال: لا والله ما سرقت. فقال: آمنت بالله وكذبت بصري ».

وهذا يدل على سجية طاهرة، حيث قدم حلف ذلك الرجل، فظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا، فقبل عذره ورجع على نفسه فقال: آمنت بالله أي: صدقتك وكذبت بصرى لأجل حلفك.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تحشرون حفاة عراة غرلا » ثم قرأ: { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } [118].

فأول الخلق يكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال.

فأقول: أصحابي.

فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [119]. تفرد به دون مسلم من هذا الوجه.

وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، سمعت الزهري يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، سمع عمر يقول على المنبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ».

وقال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى.

وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج يصلي إذ جاءته أمه، فدعته فقال: أجيبها أو أصلي؟

فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات.

وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته، فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها، فولدت غلاما.

فقيل لها: ممن؟

قالت: من جريج.

فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟

قال: فلان الراعي، قالوا: أنبني صومعتك من ذهب؟

قال: لا إلا من طين.

وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب.

فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص أصبعه، ثم مر بأمه فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها

فقال: اللهم اجعلني مثلها.

فقالت: لم ذلك؟

فقال الراكب: جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت وزنت ولم تفعل ».

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي ». تفرد به البخاري من هذا الوجه.

ورواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أبي داود الحفري، عن الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان - هو الثوري - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا أولى الناس بعيسى عليه السلام، والأنبياء اخوة أولاد علات، وليس بيني وبين عيسى نبي ». وهذا إسناد صحيح على شرطهما، ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه.

وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الأنبياء أخوة لعلات ودينهم واحد، وأمهاتهم شتى، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، بين مخصرتين، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويعطل الملل، حتى يهلك في زمانه كلها غير الإسلام. ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون ويدفنونه ». ثم رواه أحمد، عن عفان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة فذكر نحوه، وقال: « فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون » و رواه أبو داود، عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى به نحوه.

وروى هشام بن عروة، عن صالح مولى أبي هريرة عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فيمكث في الأرض أربعين سنة ».

وسيأتي بيان نزوله عليه السلام في آخر الزمان في (كتاب الملاحم) كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في سورة النساء: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا } [120].

وقوله: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ... } الآية [121].

وإنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق، وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام المسلمين: تقدم يا روح الله فصل، فيقول: لا بعضكم على بعض أمراء، مكرمة الله هذه الأمة. وفي رواية: فيقول له عيسى إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي خلفه، ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال، فيلحقه عند باب لد، فيقتله بيده الكريمة.

وذكرنا أنه قوي الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق، التي هي من حجارة بيض، وقد بنيت أيضا من أموال النصارى، حين حرقوا التي هدمت وما حولها، فينزل عليها عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، وأنه يحج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو لثنتيهما، ويقيم أربعين سنة ثم يموت، فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.

وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح عليه السلام، في كتابه عن عائشة مرفوعا، أنه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، في الحجرة النبوية ولكن لا يصح إسناده.

وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا زيد بن أخزم الطائي، حدثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة، حدثني أبو مودود المدني، حدثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم عليهم السلام يدفن معه.

قال أبو مودود: وقد بقي من البيت موضع قبر، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن، كذا قال، والصواب: الضحاك بن عثمان المدني. وقال البخاري: هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه.

وروى البخاري عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة، وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقيل: خمسمائة وأربعون سنة.

وعن الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، والمشهور: ستمائة سنة، ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمائة بالشمسية، والله أعلم.

وقال ابن حبان في (صحيحه): ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه): حدثنا أبو يعلى، حدثنا أبو همام، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا، ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة ». وهذا حديث غريب جدا، وإن صححه ابن حبان.

وذكر ابن جرير، عن محمد بن إسحاق أن عيسى عليه السلام قبل أن يرفع، وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام، والمشرق، وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم.

وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة: لوقا، ومتى، ومرقس، ويوحنا، وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة، وزيادات كثيرة، ونقص بالنسبة إلى الأخرى، وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه، وهما: متى ويوحنا، ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه، وهما: مرقس ولوقا.

وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له: ضينا، وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي، قريبا من الكنيسة المصلبة، خوفا من بولس اليهودي، وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح، ولما جاء به وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح، وطاف به في البلد، ثم رجمه حتى مات، رحمه الله.

ولما سمع بولس أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق، جهز بغاله، وخرج ليقتله، فتلقاه عند كوكبا، فلما واجه أصحاب المسيح، جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه، فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به، فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره.

فقال: اذهب إلى ضينا عندك بدمشق، في طرف السوق المستطيل من المشرق، فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا، فرد عليه بصره وحسن إيمان بولس بالمسيح عليه السلام: أنه عبد الله ورسوله، وبنيت له كنيسة باسمه فهي كنيسة بولس المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة رضي الله عنهم حتى خربت.

فصل اختلاف أصحاب المسيح في رفع عيسى إلى السماء.

اختلف أصحاب المسيح عليه السلام بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال: كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف، كما أوردناه عند قوله: { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } [122].

قال ابن عباس وغيره، قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى السماء.

وقال آخرون: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله، فالأول هو الحق، والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: { فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [123].

وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل: ما بين زيادة، ونقصان، وتحريف، وتبديل.

ثم بعد المسيح بثلاثمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى، والبلية الكبرى، اختلف البتاركة الأربعة، وجميع الأساقفة، والقساوسة، والشمامسة، والرهابين، في المسيح على أقوال متعددة، لا تنحصر ولا تنضبط.

واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينية وهم المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملكية.

ودحض من عداهم وأبعدهم، وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن اديوس، الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله فسكنوا البراري والبوادي، وبنوا الصوامع والديارات والقلايات، وقنعوا بالعيش الزهيد، ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل، وبنت الملكية الكنائس الهائلة، عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان، فحولوا محاريبها إلى الشرق، وقد كانت إلى الشمال إلى الجدي.

بيان بناء بيت لحم والقمامة

وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح، وبنت أمه هيلانة القمامة يعني: على قبر المصلوب، وهم يسلمون لليهود أنه المسيح.

وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء، ووضعوا القوانين والأحكام، ومنها: مخالف للعتيقة التي هي التوراة، وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة، ومن ذلك الخنزير، وصلوا إلى الشرق، ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس، وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى، ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر، أو سبعة عشر شهرا، ثم حول إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل.

وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك، ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم، ونساؤهم، ورجالهم، التي يسمونها بالأمانة، وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة، وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس، أهل المجمع الثاني، واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث، يعتقدون هذه العقيدة، ويختلفون في تفسيرها.

وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر، لابث على ما فيها ركة الألفاظ، وكثرة الكفر، والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ، فيقولون:

نؤمن بإله واحد، ضابط الكل، خالق السموات والأرض، كل ما يرى وكل ما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح بن الله الوحيد، المولود من الأب، قبل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر الذي كان به.

كل شيء من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب على عهد ملاطس النبطي، وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب.

وأيضا فسيأتي بجسده ليدبر الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه، وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب، والابن مسجود له، وبمجد الناطق في الأنبياء، كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنه حي قيامة الموتى، وحياة الدهر العتيد كونه آمين.

كتاب أخبار الماضين من بني إسرائيل وغيرهم

من بني إسرائيل وغيرهم، إلى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم، فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

قال الله تعالى: { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا } [124]

وقال: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } [125].

خبر ذي القرنين

قال تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا * فَأَتْبَعَ سَبَبا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْما قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابا نُكْرا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْما لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْما * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا } .[126].

ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا، وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الأقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة، والسلطان المؤيد، المظفر، المنصور، القاهر، المقسط، والصحيح: أنه كان ملكا من الملوك العادلين، وقيل: كان نبيا، وقيل: رسولا، وأغرب من قال: ملكا من الملائكة.

وقد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فإنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء، حتى تسميتم بأسماء الملائكة. ذكره السهيلي.

وقد روى وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان ذو القرنين نبيا.

وروى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبي ذؤيب، حدثنا محمد بن حماد، أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا أدري أتبع كان لعينا أم لا، ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا، ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا ». وهذا غريب من هذا الوجه.

وقال إسحاق بن بشر: عن عثمان بن الساج، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكا صالحا، رضي الله عمله، وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورا، وكان الخضر وزيره، وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه، وكان عنده بمنزلة المشاور، الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم.

وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليه السلام.

وروى عن عبيد بن عمير، وابنه عبد الله وغيرهما، أن ذا القرنين حج ماشيا، وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه، ودعا له ورضاه، وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد، والله اعلم.

واختلفوا في السبب الذي سمى به ذا القرنين فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين، قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف.

وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم، وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا، وملك ما بينهما من الأرض، وهذا أشبه من غيره، وهو قول الزهري. وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطافهما، فسمي ذي القرنين.

وقال إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه قال: دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه، ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره، فسمي ذي القرنين.

وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر، فمات فسمي ذا القرنين.

وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي به. وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل عن علي قال: لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا.

وقد اختلف في اسمه: فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد، وقيل: مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن قحطان.

وقد جاء في حديث: أنه كان من حمير، وأمه رومية، وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده، فقال:

قد كان ذو القرنين جدي مسلما * ملكا تدين له الملوك وتحشد

بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد

فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد

من بعده بلقيس كانت عمتي * ملكتهم حتى أتاها الهدهد

قال السهيلي: وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة. ذكره ابن هشام. وذكر في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مرائد، وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع.

وقيل: إنه أفريدون بن أسفيان الذي قتل الضحاك، وفي خطبة قس: يا معشر إياد بن الصعب ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين، ثم كان كلحظة عين، ثم أنشد ابن هشام للأعشى:

والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا * بالجنو في جدث أشم مقيما

وذكر الدارقطني، وابن ماكولا أن اسمه هرمس، ويقال: هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطى بن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح، فالله اعلم.

وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال اسكندر: هو ذو القرنين، وأبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام، فأما ذو القرنين الثاني فهو: اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه.

المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية، الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل، كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك الفرس، وأوطأ أرضهم.

وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن، هو الذي كان أرطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإن الأول: كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا.

وأما الثاني: فكان مشركا، وكان وزيره فيلسوفا، وقد كان بين زمانهما أزيد من ألفي سنة، فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور.

فقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم سول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: سلوه عن رجل طوَّاف في الأرض، وعن فتية خرجوا لا يدري ما فعلوا، فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين، ولهذا قال: { قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا } أي: من خبره وشأنه.

{ ذِكْرا } أي: خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره، وشرح حاله، فقال: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } أي: وسعنا مملكته في البلاد، وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة، والمقاصد الجسيمة.

قال قتيبة: عن أبي عوانة، عن سماك، عن حبيب بن حماد، قال: كنت عند علي بن أبي طالب، وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟

فقال له: سخر له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له في النور، فكان الليل و النهار عليه سواء.

وقال: أزيدك، فسكت الرجل، وسكت علي رضي الله عنه.

وعن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبد الله الوادعي، سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي عليهما السلام، وذو القرنين، ورجل من أهل حلوان، ورجل آخر.

فقيل له الخضر؟

قال: لا.

وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي، وذو القرنين، و نمرود، وبخت نصر. وهكذا قال سعيد بن بشير سواء.

وقال إسحاق بن بشر: عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا، أتى المشرق والمغرب، مدَّ الله له في الأجل، ونصره حتى قهر البلاد، واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال في البلاد والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب.

فذلك قول الله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرا } أي: خبرا { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } أي: علما بطلب أسباب المنازل.

قال إسحاق: وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه وإلا قتله.

وقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعبيد بن يعلى، والسدي، وقتادة، والضحاك: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } يعني: علما.

وقال قتادة ومطر الوراق: معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني تعليم الألسنة، كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم.

والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها، فإنه كان يأخذ من كل إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه، ويعينه على أهل الإقليم الآخر.

وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة، يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي كل هذه المدة نظر، والله أعلم.

وقد روى البيهقي، وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبا } مطولا جدا، وهو منكر جدا، وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي، وهو متهم، فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا، والله أعلم.

وقوله: { فَأَتْبَعَ سَبَبا } أي: طريقا { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } يعني من الأرض انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس، الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا، وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته.

{ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } والمراد بها: البحر في نظره، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه، ولهذا قال: { وَجَدَهَا } أي: في نظره، ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئة أي: ذات حمأة.

قال كعب الأحبار: وهو الطين الأسود، وقرأه بعضهم: حامية، فقيل: يرجع إلى الأول، وقيل: من الحرارة، وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها.

وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب: حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: « في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ».

فيه غرابة، وفيه رجل مبهم لم يسم، ورفعه فيه نظر، وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين، فكان يحدث منها، والله أعلم.

ومن زعم من القصَّاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس، وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مددا طويلة، فقد أخطأوا بعد النجعة، وقال ما يخالف العقل والنقل.

بيان طلب ذي القرنين عين الحياة

وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع، عن أبيه، عن معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه: أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل، فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة؟

فذكر له صفة مكانها، فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته، فانتهى الخضر إليها في واد في أرض الظلمات، فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين إليها.

وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك، وأنه أعطاه حجرا، فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه، فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها، حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به.

وقال: هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب، فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما، والله أعلم.

ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية: { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابا نُكْرا } [127] أي: فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة، وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجر عند الكافر.

{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرا } [128] فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة، وعطف عليه الإحسان منه إليه، وهذا هو العدل والعلم والإيمان.

قال الله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا } أي: سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق، فيقال: إنه رجع في ثنتي عشر سنة { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرا }

أي: ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس، قال كثير من العلماء: ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور.

قال الله تعالى: { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرا } أي: ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها.

وقد روي عن عبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وغيرهما من السلف: أن ذا القرنين حج ماشيا، فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه، فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا، ويقال: إنه جيء بفرس ليركبها فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيم بذلك، فكانت تحمله إذا أراد.

وقوله تعالى: { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْما لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا } [129] يعني غشما. يقال: إنهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج. فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم، وقطعوا السبل عليهم، وبذلوا له حملا وهو الخراج، على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم، فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة.

{ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهم سدا، وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما، وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة، فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب، وقيل: الرصاص. والصحيح: الأول.

فجعل بدل اللبن حديدا، وبدل الطين نحاسا، ولهذا قال تعالى: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } أي: يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا } أي: بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها. فقابل الأسهل بالأسهل والأشد بالأشد.

{ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي } أي: قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة.

{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } أي: الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان { جَعَلَهُ دَكَّاءَ } أي: مساويا للأرض ولا بد من كون هذا. ولهذا قال: { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا } .

كما قال تعالى: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ... } الآية [130].

ولهذا قال ههنا: { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } يعني: يوم فتح السد على الصحيح.

{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعا } وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير، وسنوردها إن شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه، بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.

قال أبو داود الطيالسي، عن الثوري: بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين، وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة، وتضعه بين أيديهن، وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه، فقالت لهن: سبحان الله كلكن ثكلى؟ فقلن: إي والله، ما منا إلا من أثكلت، فكان ذلك تسلية لأمه.

وذكر إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد، عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة، وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة، وهذا غريب.

قال ابن عساكر: وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة.

وقيل: كان عمره ثنتين وثلاثين سنة، وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة، وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة، وكان ملكه ست عشرة سنة.

وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول، وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما، والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ، والله أعلم.

وممن جعلهما واحدا الإمام عبد الملك بن هشام راوي السيرة، وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي رحمه الله إنكارا بليغا، ورد قوله ردا شنيعا، وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال: ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول، والله أعلم.

ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم

ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد

هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثم الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم، فيقول لبيك وسعديك والخبر في يديك، قم فابعث بعث النار من ذريتك.

فيقول: يا رب وما بعث النار؟

فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

قال فاشتد ذلك عليهم.

قالوا: يا رسول الله: أينا ذلك الواحد؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإن منكم واحدا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا }

وفي رواية:

« فقال ابشروا فإن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه ». أي: غلبتاه كثرة، وهذا يدل على كثرتهم، وأنهم أضعاف الناس مرارا عديدة، ثم هم من ذرية نوح، لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارا } [131].

وقال تعالى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } [132].

وقال: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } [133].

وتقدم في الحديث المروي في المسند والسنن: أن نوحا ولد له ثلاثة، وهم: سام، وحام، ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك ؛ فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك، وهم مغل المغول، وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء، ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم.

وقد قيل: إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه، فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم، فتركوا من ورائه، فلهذا قيل لهم: الترك.

ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطت بتراب، فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم وغيره وضعفوه، وهو جدير بذلك، إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن.

وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا ؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو غاية في القصر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل، ورجم بالغيب بغير برهان، والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا » ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن.

وهذا فيصل في هذا الباب وغيره. وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا.

فإن صح في خبر قلنا به، وإلا فلا نرده، إذ يحتمله العقل والنقل أيضا قد يرشد إليه، والله أعلم.

بل قد ورد حديث مصرح بذلك أن صح، قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة، عن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من وارئهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك ».

وهو حديث غريب جدا، وإسناده ضعيف، وفيه نكارة شديدة.

وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم ليلة الإسراء، فدعاهم إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته، وأنه دعا تلك الأمم التي هناك (تاريس، وتاويل، ومنسك) فأجابوه، فهو حديث موضوع، اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح، أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث، والله أعلم.

فإن قيل: فكيف دلَّ الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة، وأنهم في النار ولم يبعث إليهم رسل، وقد قال الله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والأعذار إليهم، كما قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } [134].

فإن كانوا في زمن الذي قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم قد أتتهم رسل منهم، فقد قامت على أولئك الحجة، وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة.

وقد دل الحديث المروي من طرق عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إن من كان كذلك، يمتحن في عرصات القيامة، فمن أجاب الداعي دخل الجنة، ومن أبى دخل النار ».

وقد أوردنا الحديث بطرق وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } .

وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعا عن أهل السنة والجماعة، وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم، ولا ينافي الأخبار عنهم بأنهم من أهل النار، لأن الله يطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يشاء من أمر الغيب.

وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء، وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له، فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة، فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها، لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا، فإيقاع الإيمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا، والله أعلم.

كما قال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحا إِنَّا مُوقِنُونَ } [135].

وقال تعالى: { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا } [136].

وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم » « دعاهم ليلة الإسراء فلم يجيبوا ».

فإنه حديث منكر بل موضوع، وضعه عمرو بن الصبح.

وأما السد: فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس، وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال، فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم.

قال البخاري: وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد.

قال: « وكيف رأيته؟ »

قال: مثل البرد المحبر.

فقال: « رأيته هكذا ».

ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم، وأره مسندا من وجه متصل أرتضيه، غير أن ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج.

قال: « انعته لي ».

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: « قد رأيته ».

وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته، وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينهوا إلى السد، فيكشفوا عن خبره، وينظروا كيف بناه ذو القرنين، على أي صفة؟ فلما رجعوا أخبروا عن صفته، وأن فيه بابا عظيما، وعليه أقفال، وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا، وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك.

وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد، ومحلته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية، ويقال: إن بلادهم متسعة جدا، وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر، وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم.

فإن قيل: فما الجمع بين قوله تعالى: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا } وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوم محمرا وجهه وهو يقول:

« لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ».

وحلق، تسعين.

قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: « نعم إذا كثر الخبث ».

وأخرجاه في (الصحيحين): من حديث وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وعقد تسعين ».

فالجواب أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذا استعارة محضة، وضرب مثل فلا إشكال.

وأما على قول من جعل ذلك إخبارا عن أمر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا إشكال أيضا، لأن قوله: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا } .

أي: في ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدرا، وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا، حتى يتم الأجل وينقضي الأمر المقدور، فيخرجون كما قال الله تعالى: { وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ } [137].

ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا، وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده قائلا: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئة يوم تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، وتتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم.

فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها ».

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم ».

ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى، عن سفيان، عن قتادة به. وهكذا رواه ابن ماجه من حديث سعيد، عن قتادة، إلا أنه قال حديث أبو رافع.

ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة، عن قتادة به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، كما قاله بعضهم، فقد استرحنا من المؤنة، وإن كان محفوظا، فيكون محمولا على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الأحبار.

أو يكون المراد بقوله: { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبا } أي: نافذا منه فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه، والله أعلم.

وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في (الصحيحين) عن أبي هريرة:

« فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين ».

أي: فتح فتحا نافذا فيه، والله أعلم.

قصة أصحاب الكهف

قال الله تعالى: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَها لَقَدْ قُلْنَا إِذا شَطَطا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُرْشِدا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذا أَبَدا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا * سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْما بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدا * وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا } [138].

كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين، ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها، فقالوا: سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض، وعن الروح، فأنزل الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ } [139].

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } وقال ههنا: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبا } أي: ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة، والآيات الباهرة، والعجائب الغريبة. والكهف: هو الغار في الجبل.

قال شعيب الجبائي: واسم كهفهم حيزم، وأما الرقيم: فعن ابن عباس أنه قال لا أدري ما المراد به. وقيل: هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم، وما جرى لهم كتب من بعدهم، اختاره ابن جرير وغيره. وقيل: هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم. قال ابن عباس وشعيب الجبائي: واسمه بناجلوس. وقيل: هو اسم واد عند كهفهم. وقيل: اسم قرية هنالك، والله أعلم.

قال شعيب الجبائي: واسم كلبهم حمران، واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم، يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى.

والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام، قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له: دقيانوس، وكانوا من أبناء الأكابر. وقيل: من أبناء الملوك.

واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم، فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام، والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البصيرة، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

ويقال: إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد انحاز عن الناس، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في (البخاري):

« الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف »

فكل منهم سأل الآخر عن أمره، وعن شأنه، فأخبره ما هو عليه، واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم، والخروج من بين أظهرهم، والفرار بدينهم منهم، وهو المشروع حال الفتن، وظهور الشرور.

قال الله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَها لَقَدْ قُلْنَا إِذا شَطَطا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } أي: بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه، وصاروا من الأمر عليه، { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبا } .

{ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ } أي: وإذ فارقتموهم في دينهم، وتبرأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } [140].

وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم: إذ قد فارقتم قومكم في دينهم فاعتزلوهم بابدانكم، لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقا } أي: يسبل عليكم ستره، وتكونوا تحت حفظه وكنفه، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، كما جاء في الحديث:

« اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ».

ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه، وأن بابه موجه إلى نحو الشمال، وأعماقه إلى جهة القبلة، وذلك أنفع الأماكن أن يكون المكان قبليا، وبابه نحو الشمال فقال: { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ } وقرىء: تزور { عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ } .

فأخبر أن الشمس يعني في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي، ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا، وهو ازورارها ذات اليمين، فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار، ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه، من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب، كما هو المشاهد بمثل هذا المكان. والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه.

{ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } أي: بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين، لا يأكلون ولا يشربون، ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله، وبرهان قدرته العظيمة.

{ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُرْشِدا } قال بعضهم: لأن أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب، ويحتمل أكثر من ذلك، فالله أعلم.

{ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } قال شعيب الجبائي: اسم كلبهم حمران، وقال غيره: الوصيد، اسكفة الباب، والمراد أن كلبهم الذي كان معهم، وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف، بل ربض على بابه، ووضع يديه على الوصيد، وهذا من جملة أدبه، ومن جملة ما أكرموا به، فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب.

ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم، لأن من أحب قوما سعد بهم، فإذا كان هذا في حق كلب، فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام.

وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب، ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه.

وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف، فقال كثيرون: هو بأرض أيلة، وقيل: بأرض نينوى، وقيل: بالبلقاء، وقيل: ببلاد الروم وهو أشبه، والله أعلم.

ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم، والأهم من أمرهم، ووصف حالهم، حتى كأن السامع راءٍ، والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف، وتقلبهم من جنب إلى جنب، وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد.

قال: { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا } أي: لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه، ولعل الخطاب ههنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كقوله: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } [141] أي: أيها الإنسان، وذلك لأن طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا.

ولهذا قال: { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبا } ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة، كما جاء في الحديث لأن الخبر قد حصل، ولم يحصل الفرار ولا الرعب.

ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا، قال بعضهم لبعض: { كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ } أي: بدراهمكم هذه، يعني التي معهم إلى المدينة، ويقال كان اسمها دفسوس.

{ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاما } أي: أطيب مالا { فليأتكم برزق منه } أي: بطعام تأكلونه، وهذا من زهدهم وورعهم { وَلْيَتَلَطَّفْ } أي: في دخوله إليها { وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذا أَبَدا } أي: إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها، وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك، ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة.

وقد تبدلت الدول أطوارا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها، وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم، وجاء غيرهم، وذهبوا وجاء غيرهم، ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس فيما قيل، وجاء إلى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه، تنكرت له البلاد، واستنكره من يراه من أهلها، واستغربوا شكله وصفته ودراهمه.

فيقال: إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا، أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال: إنه هرب منهم، ويقال: بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم، فانطلقوا معه ليريهم مكانهم، فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه، فأخبرهم حقيقة أمرهم، ومقدار ما رقدوا، فعلموا أن هذا أمر قدره الله، فيقال: إنهم استمروا راقدين، ويقال: بل ماتوا بعد ذلك.

وأما أهل البلدة فيقال: إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار، وعمي الله عليهم أمرهم، ويقال: لم يستطيعوا دخوله حسا، ويقال: مهابة لهم.

واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون: { ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانا } أي: سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم، وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا: { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا } أي: معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين، وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا.

فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

« لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذر ما فعلوا.

وأما قوله: { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا } فمعنى أعثرنا: أطلعنا على أمرهم الناس، قال كثير من المفسرين: ليعلم الناس أن المعاد حق، وأن الساعة لا ريب فيها، إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة، ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هم، قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان، وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [142].

ويحتمل عود الضمير في قوله: { لِيَعْلَمُوا } إلى أصحاب الكهف، إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم، ويحتمل أن يعود على الجميع، والله أعلم.

ثم قال تعالى: { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْما بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } فذكر اختلاف الناس في كميتهم، فحكى ثلاثة أقوال، وضعف الأولين، وقرر الثالث، فدل على أنه الحق، إذ لو قيل غير ذلك لحكاه، ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهاه، فدل على ما قلناه.

ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده، أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في مثل هذا الحال، إذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم، ولهذا قال: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } وقوله: { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ } أي: من الناس { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرا } أي: سهلا ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال.

ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ } ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة، وقوله تعالى: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا } .

أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحث خلقه عليه، وهو ما إذا قال أحدهم إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول إن شاء الله، ليكون ذلك تحقيقا لعزمه، لأن العبد لا يعلم ما في غد ولا يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا.

وليس هذا الاستثناء تعليقا وإنما هو الحقيقي، ولهذا قال ابن عباس: يصح إلى سنة، ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا، ولهذا كما تقدم في قصة سليمان عليه السلام حين قال:

« لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله.

فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته ».

وقوله: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان، فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه.

وقوله: { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا } أي: إذا اشتبه أمر وأشكل حال والتبس أقوال الناس في شيء فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك. ثم قال: { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعا } لما كان في الأخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية، فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين.

{ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } أي: إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل، فرد الأمر في ذلك إلى الله عز وجل { لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يعني أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه.

ثم قال: { مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا } أي: ربك المنفرد بالملك والمتصرف وحده لا شريك له.

قصة الرجلين المؤمن والكافر

قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف:

{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرا مِنْهَا مُنْقَلَبا } { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابا وَخَيْرٌ عُقْبا } [143].

قال بعض الناس: هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا، والجمهور أنه أمر قد وقع. وقوله: { واضرب لهم مثلا } يعني: لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم، وافتخارهم عليهم كما قال تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ } [144].

كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى عليه السلام، والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا، ويقال إنه كان لكل منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه.

وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور، فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك، والأنهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه، وقد استوثقت فيهما الثمار واضطربت فيهما الأنهار، وابتهجت الزروع والثمار، وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرا } أي: أوسع جنانا، ومراده أنه خير منه ومعناه ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه، كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي، فافتخر على صاحبه.

{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } أي: وهو على غير طريقة مرضية { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدا } وذلك لما رأى من اتساع أرضها، وكثرة مائها، وحسن نبات أشجارها، ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها.

ثم قال: { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية، وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة، ثم قال: { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرا مِنْهَا مُنْقَلَبا } أي: ولئن كان ثم آخرة ومعاد، فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك، لأنه اغتر بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحظوته عنده.

كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره، وخبر خباب بن الأرت في قوله: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدا } [145].

وقال تعالى إخبارا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه: {... لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } [146].

قال الله تعالى: { فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } .

وقال قارون: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي: لعلم الله بي أني أستحقه.

قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } [147] وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى.

وقال تعالى: { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [148].

وقال تعالى: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ } [149].

ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا، فجحد الآخرة وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له: { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } أي: يجادله { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا } أي: أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم، فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة؟

{ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } أي: لكن أنا أقول بخلاف ما قلت وأعتقد خلاف معتقدك.

{ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدا } أي: لا أعبد سواه، وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها، ويعيد الأموات، ويجمع العظام الرفات، وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره، ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال: { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك.

وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر.

قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن يوسف، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله ».

فيرى فيه أنه دون الموت، وكان يتأول هذه الآية { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } .

قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح.

ثم قال المؤمن للكافر: { فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرا مِنْ جَنَّتِكَ } أي: في الدار الآخرة ويرسل عليها حسبانا من السماء.

قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: أي عذابا من السماء، والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الذي يقتلع زروعها وأشجارها { فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا } وهو التراب الأملس الذي لا نبات فيه، { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرا } وهو ضد المعين السارح { فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبا } يعني: فلا تقدر على استرجاعه.

قال الله تعالى: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } أي: جاءه أمر أحاط بجميع حواصله، وخرب جنته ودمرها { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } أي: خربت بالكلية فلا عودة لها، وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال: { مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدا } وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم فهو يقول: { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدا } .

قال الله تعالى: { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرا * هُنَالِكَ } أي: لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك كما قال تعالى: { فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ } [150].

وقوله: { الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } ومنهم من يبتدئ بقوله { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } وهو حسن أيضا لقوله: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْما عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرا } [151]..

فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال، وفي كل حال لله الحق. ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان.

وقوله: { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابا وَخَيْرٌ عُقْبا } أي: معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء، { وَخَيْرٌ عُقْبا } وهو العاقبة في الدنيا والآخرة.

وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر بها، ولا يثق بها، بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه، وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه، وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والإنفاق في سبيله عذب به، وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده.

وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق، وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الأمر الحتم، بالله المستعان وعليه التكلان.

قصة أصحاب الجنة

قال الله تعالى: { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [152].

وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والمخالفة، كما قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ } [153].

قال ابن عباس: هم كفار قريش، فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت، واستحقت أن تجد وهو الصرام، ولهذا قال: { إِذْ أَقْسَمُوا } فيما بينهم { لَيَصْرِمُنَّهَا } أي: ليجدنها وهو الاستغلال { مُصْبِحِينَ } أي: وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا، فحلفوا على ذلك ولم يستثنوا في يمينهم فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها، وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به.

ولهذا قال: { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } أي: كالليل الأسود المنصرم من الضياء.

وهذه معاملة بنقيض المقصود { فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ } أي: فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين { اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ } أي: باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال { فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ } أي: يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين { لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ } أي: اتفقوا على هذا واشتوروا عليه.

{ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِيْن } أي: انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه النية الفاسدة.

وقال عكرمة، والشعبي: { وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ } أي: غضب على المساكين، وأبعد السدي في قوله: أن اسم حرثهم حرد { فَلَمَّا رَأَوْهَا } أي: وصلوا إليها ونظروا ما حل بها، وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة، والحسن والبهجة، فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك قالوا: { إِنَّا لَضَالُّونَ } أي: قد نهينا عنها، وسلكنا غير طريقها.

ثم قالوا: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } أي: بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا، وحرمنا بركة حرثنا.

{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو أعدلهم وخيرهم.

{ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } قيل: يستثنون، قاله: مجاهد، والسدي، وابن جرير، وقيل: تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر. { قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ } فندموا حيث لا ينفع الندم، واعترفوا بالذنب بعد العقوبة، وذلك حيث لا ينجع.

وقد قيل: إن هؤلاء كانوا أخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم، وكان يتصدق منها كثيرا، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم، وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا، فعاقبهم الله أشد العقوبة، ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار، وحث على ذلك يوم الجداد، كما قال تعالى: { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } [154].

ثم قيل: كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان، وقيل من أهل الحبشة، والله أعلم.

قال الله تعالى: { كَذَلِكَ الْعَذَابُ } أي: هكذا نعذب من خالف أمرنا، ولم يعطف على المحاويج من خلقنا.

{ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ } أي: أعظم وأحكم من عذاب الدنيا { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } [155].

قيل: هذا مثل مضروب لأهل مكة، وقيل: هم أهل مكة أنفسهم، ضربهم مثلا لأنفسهم، ولا ينافي ذلك، والله أعلم. اهـ

قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم

قال الله تعالى في سورة الأعراف:

{ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } [156].

وقال تعالى في سورة البقرة: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } [157].

وقال تعالى في سورة النساء: { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا } . [158]. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وغيرهم: هم أهل أيلة. زاد ابن عباس: بين مدين والطور.

قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم، وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه، وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب، فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر، فتأتي من ههنا وههنا ظاهرة آمنة مسترسلة، فلا يهيجونها ولا يذعرونها.

{ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت.

قال الله تعالى: { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ } أي: نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } أي: بسبب فسقهم المتقدم، فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت، بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص، وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها، إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها.

ففعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها، فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة.

فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين: فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا، واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان، وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيدا } يقولون: ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة، فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا: { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } أي: فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فنقوم به خوفا من عذابه.

{ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي: ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع، فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا..

قال الله تعالى: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أي: لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع { أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ } وهم: الفرقة الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر { وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا } وهم: المرتكبون الفاحشة { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } وهو: الشديد المؤلم الموجع { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }

ثم فسر العذاب الذي أصابهم بقوله: { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك.

والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين، ونجى المؤمنين المنكرين، وسكت عن الساكتين، وقد اختلف فيهم العلماء على قولين: فقيل إنهم من الناجين، وقيل: إنهم من الهالكين. والصحيح الأول عند المحققين، وهو الذي رجع إليه ابن عباس إمام المفسرين، وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة، فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة.

قلت: وإنما لم يذكروا مع الناجين لأنهم وإن كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة، إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي، الذي هو أوسط المراتب الثلاث، التي أعلاها: الإنكار باليد ذات البنان، وبعدها الإنكار القولي باللسان، وثالثها الإنكار بالجنان. فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين، إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها.

وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحكى مالك، عن ابن رومان، وشيبان عن، قتادة، وعطاء الخراساني ما مضمونه: أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد، ونهاهم من نهاهم منهم، فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم، ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا، لما كانوا يترقبون من هلاكهم.

فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها، وارتفع النهار واشتد الضحاء، فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم، فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون.

ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم، ولا يعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم ويقول لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم؟ فتشير القردة برؤوسها أن نعم. ثم بكى عبد الله بن عباس وقال: إنا لنرى منكرات كثيرة ولا ننكرها، ولا نقول فيها شيئا.

وقال العوفي، عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة، وشيوخها خنازير.

وروى ابن أبي حاتم، من طريق مجاهد، عن ابن عباس: أنهم لم يعيشوا إلا فواقا، ثم هلكوا ما كان لهم نسل.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: أنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء، ولم يشربوا، ولم ينسلوا، وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة، والأعراف، ولله الحمد والمنة.

وقد روى ابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة وخنازير، وإنما هو مثل ضربه الله { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا } [159] وهذا صحيح إليه وغريب منه جدا، ومخالف لظاهر القرآن، ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف، والله أعلم.

قصة أصحاب القرية

{ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ } [160].

تقدم ذكرها قبل قصة موسى عليه السلام.

قصة سبأ

سيأتي ذكرها في أيام العرب إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

قصة قارون وقصة بلعام.

تقدمتا في قصة موسى.

وهكذا قصة الخضر، وقصة فرعون والسحرة، كلها في ضمن قصة موسى.

وقصة البقرة تقدمت في قصة موسى.

وقصة { الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ } في قصة حزقيل.

وقصة { الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } في قصة شمويل [161].

وقصة { كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ } في قصة عزير.

قصة لقمان

قال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } [162].

هو لقمان بن عنقاء بن سدون، ويقال: لقمان بن ثاران. حكاه السهيلي، عن ابن جرير والقتيبي.

قال السهيلي: وكان نوبيا من أهل أيلة، قلت: وكان رجلا صالحا ذا عبادة، وعبارة وحكمة عظيمة.

ويقال: كان قاضيا في زمن داود عليه السلام، فالله أعلم.

وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان عبدا حبشيا نجارا.

وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير قلت: لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة.

وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذو مشافر أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة.

وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر ولقمان الحكيم. كان أسود نوبيا ذا مشافر.

وقال الأعمش، عن مجاهد: كان لقمان عبدا أسود، عظيم الشفتين، مشقق القدمين، وفي رواية: مصفح القدمين.

وقال عمر بن قيس: كان عبدا أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بن فلان الذي كنت ترعى غنمي بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني.

وقال ابن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش الفتياني، عن عمر مولى عفرة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان أنت عبد بني النحاس؟

قال: نعم.

قال: فأنت راعي الغنم الأسود؟

قال: أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري؟

قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك.

قال: يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك.

قال: ما هو؟

قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة مطمعي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة ابن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال:

ما أوتي عن أهل، ولا مال، ولا حسب، ولا خصال، ولكنه كان رجلا ضمضامة، سكيتا طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه، إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد.

وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا، فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي، ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة، فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة، لأنها أسهل عليه، وفي هذا نظر، والله أعلم. وهذا مروي عن قتادة كما سنذكره.

وروى ابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق وكيع، عن إسرائيل، عن جابر الجعفي، عن عكرمة أنه قال: كان لقمان نبيا، وهذا ضعيف الحال الجعفي.

والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا. وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه، فكان من أول ما وعظ به أن قال: { يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } فنهاه عنه، وحذره منه.

وقد قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } [163] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان: { يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } .

رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به.

ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين، وبيان حقهما على الولد وتأكده، وأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما، إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده:

{ يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل، فإن الله يسأل عنها، ويحضرها حوزة الحساب، ويضعها في الميزان كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } .[164]

وقال تعالى: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [165] وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة، ولو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها ولا كوة، أو لو كانت ساقطة في شيء من ظلمات الأرض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما، لعلم الله مكانها.

{ إن الله لطيف خبير } أي: علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر، أو توارى، كما قال تعالى: { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [166].

وقال: { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [167] وقال: { عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [168].

وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهكذا حكي عن عطية العوفي، وأبي مالك، والثوري، والمنهال بن عمر، وغيرهم، وفي صحة هذا القول من أصله نظر.

ثم إن في هذا المراد نظر آخر ؛ فإن هذه الآية نكرة غير معرفة، فلو كان المراد بها ما قالوه لقال: فتكن في الصخرة، وإنما المراد: فتكن في صخرة، أي: صخرة كانت.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنا ما كان ».

ثم قال: { يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ } أي: أدها بجميع واجباتها من حدودها، وأوقاتها، وركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها، وما شرع فيها، واجتنب ما ينهي عنه فيها.

ثم قال: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: بجهدك وطاقتك، أي: إن استطعت باليد فباليد، وإلا فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، ثم أمره بالصبر فقال: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ } وذلك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى وينال منه، ولكن له العاقبة، ولهذا أمره بالصبر على ذلك، ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج.

وقوله: { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } التي لا بد منها ولا محيد عنها. وقوله: { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، ويزيد بن الأصم، وأبو الجوزاء، وغير واحد معناه: لا تتكبر على الناس، وتميل خدك حال كلامك لهم، وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم.

قال أهل اللغة: وأصل الصعر داء يأخذه الإبل في أعناقها فتلتوي رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم.

قال أبو طالب في شعره:

وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها

وقال عمرو بن حيي التغلبي:

وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من ميله فتقوما

وقوله: { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس، كما قال تعالى: { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا } [169].

يعني لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقك الأرض برجلك تخرق الأرض بوطئك عليها، ولست بتشامخك وتعاظمك وترفعك تبلغ الجبال طولا، فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك.

وقد ثبت في الحديث:

« بينما رجل يمشي في برديه يتبختر فيهما، إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة ».

وفي الحديث الآخر:

« إياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة لا يحبها الله ».

كما قال في هذه الآية: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } .

ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه، فإنه لا بد له أن يمشي فنهاه عن الشر وأمره بالخير، فقال: { واقصد في مشيك } أي: لا تبتاطأ مفرطا ولا تسرع إسراعا مفرطا، ولكن بين ذلك قواما، كما قال تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما } [170]

ثم قال: { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ } يعني إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك، فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير.

وقد ثبت في الصحيحين الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل، فإنها رأت شيطانا.

ولهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه، ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت، وتخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأما رفع الصوت بالأذان، وعند الدعاء إلى الفئة للقتال، وعند الإهلاك ونحو ذلك، فذلك مشروع، فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان عليه السلام في القرآن، من الحكم، والوصايا النافعة الجامعة للخير، المانعة من الشر، وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه، وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى.

قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان، أخبرني نهيك بن يجمع الضبي، عن قزعة، عن ابن عمر، قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه ».

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى ابن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك والتقنع فإنه مخونة بالليل مذمة بالنهار ».

وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عمارة، حدثنا ضمرة، حدثنا السري بن يحيى، قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.

وحدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال:

قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فأدمهم بسهم الإسلام - يعني السلام - ثم اجلس بناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فحول عنهم إلى غيرهم.

وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال: وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفد الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر، قال: فتفطر ابنه.

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن ابن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن ».

قال الطبراني: يعني الحبشي، وهذا حديث غريب منكر. وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب (الزاهد) ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } قال: الفقه، والإصابة في غير نبوة. وكذا روي عن وهب بن منبه.

وحدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا.

وحدثنا أسود، حدثنا حماد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا.

وحدثنا سياد، حدثنا جعفر، حدثنا مالك - يعني بن دينار - قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة، تأتك الأرباح من غير بضاعة.

وحدثنا يزيد، حدثنا أبو الأشهب، عن محمد بن واسع قال: كان لقمان يقول لابنه يا بني اتق الله، ولا تُري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر.

وحدثنا يزيد بن هرون ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة فقال: ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال له: أما كان فيها شيء أطيب من هذين؟

قال: لا، قال: فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاة، فذبح له شاة فقال له: وألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

وحدثنا داود بن رشيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر، عن أبي عثمان - رجل من أهل البصرة يقال له الجعد أبو عثمان - قال: قال لقمان لابنه: لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهده فيك.

وحدثنا داود بن أسيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد الحضرمي، عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان ألا أن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له.

وحدثنا عبد الرزاق، سمعت بن جريج قال: كنت أقنّع رأسي بالليل.

فقال لي عمر: أما علمت أن لقمان قال: القناع بالنهار مذلة معذرة.

أو قال: معجزة بالليل، فلم تقنع رأسك بالليل؟

قال: قلت له: إن لقمان لم يكن عليه دين.

وحدثني حسن بن الجنيد، حدثنا سفيان، قال لقمان لابنه: يا بني ما ندمت على السكوت قط، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن قتادة أن لقمان قال لابنه: يا بني اعتزل الشر يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.

وحدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة يا بني إياك والرغب، فإن الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب، ويزيل الحكم كما يزيل الطرب. يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن عمير قال: قال لقمان لابنه وهو يعظه:

يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله عليهم برحمة تصيبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك غبيا يزيدوك غبيا، وإن يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم

يا بني لا تغبطوا أمراء رحب الذراعين، يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلا لا يموت.

وحدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة: بني لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء.

وقال: مكتوب في الحكمة أو في التوراة: الرفق رأس الحكمة.

وقال: مكتوب في التوراة: كما تَرحمون تُرحمون.

وقال: مكتوب في الحكمة: كما تزرعون تحصدون.

وقال: مكتوب في الحكمة: أحب خليلك وخليل أبيك.

وحدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر؟

قال: صبر لا يتبعه أذى.

قيل: فأي الناس أعلم؟

قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه.

قيل: فأي الناس خير؟

قال: الغني.

قيل: الغني من المال؟

قال: لا، ولكن الغني الذي إذا التمس عنده خير وجد، وإلا أغنى نفسه عن الناس.

وحدثنا سفيان - هو ابن عيينة - قال: قيل للقمان: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.

وحدثنا أبو الصمد، عن مالك بن دينار قال: وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس، ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم، ولما تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة، ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليه أخرى.

وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا الحكم بن أبي زهير وهو - الحكم بن موسى - حدثنا الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد قال: قال لقمان لابنه: يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.

وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذه المواضع، وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها، كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا، والله أعلم

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذرَّ عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها.

قال سعد: سمعت قتادة يقول: قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟

فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي.

وهذا فيه نظر، لأن سعيد بن بشير عن قتادة، قد تكلموا فيه، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } قال: يعني الفقه والإسلام، ولم يكن نبيا ولم يوح إليه.

وهكذا نصَّ على هذا غير واحد من السلف منهم: مجاهد، وسعيد بن المسيب، وابن عباس، والله أعلم.

قصة أصحاب الأخدود

قال الله تعالى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } [171].

قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد.

وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله.

وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين، ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثر أورده ابن إسحاق، وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما.

قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه السحر، فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر، وكان بين الملك وبين الساحر راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال ما حبسك؟

وإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا: ما حبسك؟

فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر.

قال: فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب.

قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك.

فقال: أي بني أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليَّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء، ويشفيهم الله على يديه، وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما ههنا اجمع فقال: ما أنا اشفي أحدا، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به ودعوت الله شفاك، فآمن فدعا الله فشفاه.

ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من ردَّ عليك بصرك

؟ فقال: ربي.

قال: أنا.

قال: لا ربي، وربك الله.

قال: ولك رب غيري؟

قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دلَّ على الغلام، فبعث إليه فأتي به، فقال:

أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص، وهذه الأدواء.

قال: ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عز وجل.

قال: أنا.

قال: لا.

قال: أولك رب غيري؟

قال: ربي وربك الله.

قال: فأخذه أيضا بالعذاب، ولم يزل به حتى دلَّ على الراهب.

فأتى الراهب فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه.

وقال للأعمى: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه.

وقال للغلام: ارجع عن دينك فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا.

وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه، وإلا فدهدهوه من فوقه.

فذهبوا به، فلما علوا الجبل قال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟

فقال: كفانيهم الله.

فبعث به مع نفر في قرقرة فقال: إذا لججتم البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فأغرقوه في البحر، فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا أجمعون.

وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟

فقال كفانيهم الله عزَّ وجلَّ.

ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟

قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبن على جذع، وتأخذ سهما من كنانتي، ثم قل: بسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس، ثم رماه، وقال بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات.

فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها.

وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق ».

كذا رواه الإمام أحمد، ورواه مسلم والنسائي، من حديث حماد بن سلمة، زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به.

ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت بإسناده نحوه، وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير.

وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب، وحدثني أيضا بعض أهل نجران، عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يُعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها قيمون، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه.

قالوا: رجل نزلها، فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه، جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه.

وقال له: يا ابن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، والتامر لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا.

فأخذه ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه إياه فقال: وما هو؟

قال: كذا وكذا.

قال: وكيف علمته؟

فأخبره بما صنع.

قال: أي ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.

فجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء، فيقول: نعم، فيوحد الله و يسلم، حتى لم يبق أحد في نجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه، ودعا له فعوفي.

حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال: أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك، قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور، لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس.

فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر: والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن التامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه.

واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.

قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب، وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر، فالله أعلم أي ذلك كان.

قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده من حمير فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل فخدوا الأخدود، وحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم، فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ... } الآيات [172].

وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم، وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال:

كانت الأخدود في اليمن زمان تبع، وفي القسطنطينة زمان قسطنطين، حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، واتخذ أتونا، وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد.

وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصر حين صنع الصنم، وأمر الناس فسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه: عزريا ومشايل، فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط، فأكلتهم النار.

وقال أسباط عن السدي في قوله: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } قال: كان الأخدود ثلاثة: خد بالشام، وخد بالعراق، وخد باليمن. رواه ابن أبي حاتم.

وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود، والكلام على تفسيرها في سورة البروج، ولله الحمد والمنة.

بيان الإذن في الرواية عن أخبار بني إسرائيل

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال: « حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ».

وقال أيضا: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال: « لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ».

وقال: « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، حدثوا عني ولا تكذبوا علي، قال: ومن كذب علي - قال همام احسبه قال - متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ». وهكذا رواه مسلم، والنسائي من حديث همام، ورواه أبو عوانة الإسفراييني، عن أبي داود السجستاني، عن هدبة، عن همام عن زيد بن أسلم به. ثم قال: قال أبو داود: أخطأ فيه همام، وهو من قول أبي سعيد كذا قال. وقد رواه الترمذي عن سفيان، عن وكيع، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا، فالله أعلم.

قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني أبو كبشة السلولي أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يقول: « بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ». ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير، وعبد الرزاق، كلاهما عن الأوزاعي به.

وهكذا رواه البخاري عن أبي عاصم النبيل عن الأوزاعي به.

وكذا رواه الترمذي عن بندار، عن أبي عاصم، ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف العرياني، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، وقال حسن صحيح.

وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى - أبو موسى - حدثنا هشام بن معاوية، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل حتى نصبح، ما نقوم فيها إلا لمعظم صلاة. ورواه أبو داود عن محمد بن مثنى.

ثم قال البزار: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا عفان، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حسين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لمعظم صلات ».

قال البزار وهشام: احفظ من أبي هلال يعني: أن الصواب عن عبد الله بن عمرو، لا عن عمران بن حصين، والله أعلم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى هو - القطان - عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ». إسناد صحيح ولم يخرجوه.

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا وكيع، حدثنا ربيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ».

ثم أنشأ يحدث صلى الله عليه وسلم قال: « خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم، فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله عز وجل، فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله، يحدثنا عن الموت ففعلوا، فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور، بين عينيه أثر السجود.

فقال: يا هؤلاء ما أردتم إلي فقد مت منذ مائة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت ».

وهذا حديث غريب، إذا تقرر جواز الرواية عنهم، فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا، فأما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم، فذاك متروك مردود لا يعرج عليه، ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته، لما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمد بن يسار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ». تفرد به البخاري من هذا الوجه.

وروى الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا جاء رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الله أعلم ».

فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم ». تفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب، وقال:

« أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ». تفرد به أحمد، وإسناده على شرط مسلم.

فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحرفوها، وأولوها، ووضعوها على غير مواضعها، ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم، فكيف يعبرون عنها بغيرها، ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير، ووهم كثير، مع ما لهم من المقاصد الفاسدة، والآراء الباردة.

وهذا يتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم، وتأمل ما فيها من سوء التعبير، وقبيح التبديل والتغيير، وبالله المستعان، وهو نعم المولى، ونعم النصير.

وهذه التوراة التي يبدونها، ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه، فيها تحريف، وتبديل، وتغيير، وسوء تعبير، يعلم من نظر فيها، وتأمل ما قالوه، وما أبدوه، وما أخفوه، وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب، باطلة من حيث معناها وألفاظها.

وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم، وقد أسلم في زمن عمر، وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب، فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق، وتأليفا لقلبه، فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده، وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده، ومنها ما هو باطل لا محالة، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا.

وقد قال البخاري، وقال أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب، يعني من غير قصد منه.

وروى البخاري من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله، تقرأونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.

وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل، والله أعلم.

قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل

قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، سمعت محمد بن سيرين يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم ».

قال: وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له: جريج، فابتنى صومعة وتعبد فيها، قال: فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج، فقالت بغي منهم: لئن شئتم لأفتننه.

فقالوا: قد شئنا ذاك.

قال: فأتته فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج، فحملت فولدت غلاما.

فقالوا: ممن؟

قالت: من جريج، فأتوه فاستنزلوه، فشتموه، وضربوه، وهدموا صومعته، فقال: ما شأنكم؟

قالوا: إنك زنيت بهذه البغي، فولدت غلاما فقال: وأين هو؟

قالوا: هو هذا.

قال: فقام فصلى ودعا، ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه، فقال: بالله يا غلام من أبوك؟

فقال: أنا ابن الراعي، فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا حاجة لي في ذلك، ابنوها من طين كما كانت.

قال: وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه، إذ مر بها راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا.

قال: فترك ثديها، وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله.

قال: ثم عاد إلى ثديها فمصه.

قال أبو هريرة: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي، ووضع إصبعه في فيه يمصها.

ثم مرت بأمة تضرب فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها.

قال: فترك ثديها، وأقبل على الأمة فقال: اللهم اجعلني مثلها.

قال: فذاك حين تراجعا الحديث.

فقالت: خلفي مر الراكب ذو الشارة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومررت بهذه الأمة فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، فقال: يا أمتاه إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة، وإن هذه الأمة يقولون: زنت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، وهي تقول حسبي الله.

وهكذا رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، وفي المظالم، عن مسلم بن إبراهيم، ومسلم في كتاب الأدب، عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هرون كلاهما عن جرير بن حازم به، طريق أخرى وسياق آخر.

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان جريج يتعبد في صومعته قال: فأتته أمه فقالت: يا جريج أنا أمك وكلمني.

قال: وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على حاجبه الأيمن.

قال: وصادفته يصلي، قال: يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته، فرجعت ثم أتته، فصادفته يصلي.

فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني.

فقال: يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته، فقالت:

اللهم هذا جريج وإنه ابني، وإني كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات.

ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن.

قال: وكان راع يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي، فولدت غلاما فقيل: ممن هذا؟

فقالت: هو من صاحب الدير، فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم، وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم، فأقبلوا يهدمون ديره، فنزل إليهم فقالوا: سل هذه المرأة - قال أراه تبسم - قال: ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟

قال: راعي الضأن، قالوا: يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان ففعلوا. » ورواه مسلم في الاستئذان، عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة به.

سياق آخر قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج، كان يتعبد في صومعته، فأتته أمه ذات يوم فنادته، فقالت: أي جريج، أي بني، أشرف علي أكلمك، أنا أمك اشرف علي، فقال: أي ربي صلاتي وأمي، فأقبل على صلاته.

ثم عادت فنادته مرارا، فقالت: أي جريج، أي بني، أشرف علي، فقال: أي رب صلاتي وأمي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسة، وكانت راعية ترعى غنما لأهلها، ثم تأوي إلى ظل صومعته، فأصابت فاحشة فحملت فأخذت. وكان من زنى منهم قتل، فقالوا: ممن؟

قالت: من جريج صاحب الصومعة، فجاؤوا بالفؤوس والمرور.

فقالوا: أي جريج، أي مرائي، انزل فأبى، وأقبل على صلاته يصلي، فأخذوا في هدم صومعته، فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا، فجعلوا يطوفون بهما في الناس، فوضع إصبعه على بطنها فقال: أي غلام من أبوك؟

فقال: أبي فلان راعي الضأن، فقبلوه وقالوا: إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة، قال أعيدوها كما كانت ».

وهذا سياق غريب، وإسناده على شرط مسلم، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه.

فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد: عيسى بن مريم عليه السلام، وقد تقدم الكلام على قصته، وصاحب جريج بن البغي من الراعي كما سمعت واسمه يابوس، كما ورد مصرحا به في صحيح البخاري، والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة، فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا.

وقد رواه الإمام أحمد عن هوذة، عن عوف الأعرابي، عن خلاس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة هذا الغلام الرضيع، وهو إسناد حسن.

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه، فقالت: اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا.

فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي ومر بامرأة تجر ويلعب بها.

فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللهم اجعلني مثلها.

فقال: أما الراكب فإنه كافر، وأما المرأة فإنهم يقولون إنها تزني وتقول حسبي الله، ويقولون تسرق وتقول حسبي الله. »

وقد ورد في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم، وابن ماشطة آل فرعون، والله أعلم.

قصة برصيصا

وهي عكس قضية جريج، فإن جريجا عُصم، وذلك فتن.

قال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، أنبأنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، في هذه الآية: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } [173].

قال ابن مسعود: وكانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أخوة أربعة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل تصدق ويسمع قولك، فقتلها ثم دفنها.

قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟

قالوا: لا بل قصها علينا.

قال: فقصها.

فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك.

فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك.

قالوا: فوالله ما هذا إلا لشي.

فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان فقال: إني أنا أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه.

قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه، وأخذ فقتل.

وهكذا روي عن ابن عباس، وطاوس، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.

وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسياق آخر ؛ فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شميل، أنبأنا شعبة عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نهيك، سمعت عليا يقول:

إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها، قال: فجاؤوا بها إليه فداواها.

وكانت عنده فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته، فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني، أنا صنعت هذا بك، فاطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة فسجد له، قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } .

قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم

فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج عنهم.

قال الإمام البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذا أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم، أنه قد صدق فيه.

فقال واحدا منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أزر، فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا ».

رواه مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به.

وقد رواه الإمام أحمد منفردا به، عن مروان بن معاوية، عن عمرو بن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

ورواه الإمام أحمد من حديث وهب بن منبه، عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق، وفيه زيادات.

ورواه البزار من طريق أبي إسحاق، عن رجل من بجيلة، عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله.

ورواه البزار في مسنده من حديث أبي حنش، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع

روى البخاري ومسلم من غير وجه: عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص، وأعمى، وأقرع، بدا الله أن يبتليهم، فبعث الله إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال له: أي شيء أحب إليك؟

فقال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا.

فقال: أي المال أحب إليك؟

قال: الإبل، أو: قال البقر - هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر - فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها.

قال: وأتى الأقرع فقال له: أي المال أحب إليك؟

قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا.

قال: فأي المال أحب إليك؟

قال: البقر، فأعطاه بقرة حاملا، وقال: يبارك لك فيها.

قال: وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟

قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره.

قال: فأي المال أحب إليك؟

قال: الغنم فأعطاه شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.

ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال بعيرا، أتبلغ عليه في سفري.

فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله عز وجل.

فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل.

فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك » هذا لفظ البخاري في أحاديث بني إسرائيل.

حديث الذي استلف من صاحبه ألف دينار فأداها

قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: « أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم، قال: كفى بالله شهيدا، قال: ائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته. ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها، وأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بذلك، وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي أعطاني، فلم أجد مركبا، وإني استودعتكما، فرمى بها في البحر، حتى ولجت فيه. ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة. ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه، قال: فإن الله أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدا ». هكذا رواه الإمام أحمد مسندا

وقد علقه البخاري في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد، وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح، كاتب الليث عنه.

والعجب من الحافظ أبي بكر البزار، كيف رواه في مسنده، عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ثم قال: لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.

قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والأمانة

قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب.

وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل.

فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟

قال أحدهما: لي غلام.

وقال الآخر: لي جارية.

قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا ».

هكذا روى البخاري هذا الحديث في إخبار بني إسرائيل، وأخرجه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به.

وقد روى أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين، وقد كان قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة، والله أعلم.

قال إسحاق بن بشر في كتابه (المبتدأ) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن أن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه، وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة، إلا أنكر ذلك عليه، وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه.

قال: فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن، فجلس إلى قاض من قضاتهم أياما، لا يختلف إليه أحد في خصومة، فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي، وهمَّ بالانصراف، إذا هو برجلين قد اختصما إليه، فادعى أحدهما فقال: أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها، ووجدت فيها كنزا، وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي.

فقال له القاضي: ما تقول؟

قال ما دفنت، وما علمت به، فليس هو لي ولا أقبضه منه.

قال المدعي: أيها القاضي مر من يقبضه، فتضعه حيث أحببت، فقال القاضي: تفر من الشر وتدخلني فيه، ما أنصفتني وما أظن هذا في قضاء الملك.

فقال القاضي: هل لكما أمرا نصف مما دعوتماني إليه؟

قالا: نعم.

قال للمدعي: ألك ابن؟

قال: نعم.

وقال للآخر: ألك ابنة؟

قال: نعم.

قال: اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا، وجهزهما من هذا المال، وادفعا فضل ما بقي إليهما يعيشان به فتكونا مليا بخيره وشره.

فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك، ثم قال للقاضي: ما ظننت أن في الأرض أحدا يفعل مثل هذا، أو قاض يقضي بمثل هذا، فقال القاضي وهو لا يعرفه: وهل أحد يفعل غير هذا؟

قال ذو القرنين: نعم.

قال القاضي: فهل يمطرون في بلادهم؟

فعجب ذو القرنين من ذلك، وقال: بمثل هذا قامت السموات والأرض.

قصة توبة قاتل التسعة وتسعين نفسا

قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله فقال: هل من توبة؟

قال: لا، فقتله.

فجعل يسأل فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي.

وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له. » هكذا رواه ههنا مختصرا.

وقد رواه مسلم عن بندار به، ومن حديث شعبة، ومن وجه آخر عن قتادة به مطولا.

حديث بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على الناس، فقال:

« بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم! فقال: فإني أؤمن بهذا أنا، وأبو بكر، وعمر وما هما، ثم قال:

وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا! استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري، فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم! قال: فإني أؤمن بهذا أنا، وأبو بكر، وعمر وما هما ».

ثم قال: وحدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله.

وقد أسنده البخاري في المزارعة عن علي بن المديني ومسلم، عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة، وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن مسعر به.

وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي الزناد.

حديث كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون

قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم، عن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

« إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب ».

لم يخرجه مسلم من هذا الوجه، وقد روي عن إبراهيم بن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها.

حديث إنما هلكت بنو إسرائيل

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر، فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: « إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم ».

وهكذا رواه مسلم وأبو داود، من حديث مالك، وكذا رواه معمر، ويونس، وسفيان بن عيينة، عن الزهري بنحوه، وقال الترمذي: حديث صحيح.

وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة قال: سمعت سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا، فأخرج من كمه كبسة شعر، وقال: ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود، إن النبي صلى الله عليه وسلم: « سماه الزور » - يعني الوصال في الشعر - تابعه غندر عن شعبة.

والعجب أن مسلما رواه من غير وجه، عن غندر، عن شعبة، ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب به.

حديث بينما كلب يطيف بركيه كاد يقتله العطش

قال البخاري: حدثنا سعيد بن تليد، حدثنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينما كلب يطيف بركيه كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته فغفر لها به ».

ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب به.

حديث عذبت امرأة في هرة

قال البخاري: حدثنا عبد الله بن أسماء، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ».

وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به.

حديث كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة

قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الريان، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين، واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب والمسك، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه ».

رواه مسلم من حديث المستمر، وخليد بن جعفر، كلاهما عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعا قريبا منه. وقال الترمذي: حديث صحيح.

حديث إن مما أدرك الناس

قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

« إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت ».

تفرد به البخاري دون مسلم.

وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا، والله أعلم.

حديث بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي

قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القسم، حدثنا عبد الحميد - يعني بن بهرام - حدثنا شهر بن حوشب، قال: قال أبو هريرة قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته مسغبة شديدة، فقال: لامرأته: عندك شيء؟

قالت: نعم، أبشر أتاك رزق الله، فاستحثها.

فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شيء.

قالت: نعم هنيئة نرجو رحمة الله، حتى إذا طال عليه المطال. قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به، فإني قد بلغت الجهد وجهدت.

فقالت: نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل.

فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أيضا أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري، فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحاها تطحن، فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم ».

قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد صلى الله عليه وسلم: « لو أخذت ما في رحيبها ولم تنفضها لطحنت إلى يوم القيامة ».

وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ملبهم من الحاجة، خرج إلى البرية فلما رأت امرأته ما لقي، قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته.

ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت.

قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا.

قال: فرجع الزوج.

قال: أصبتم بعد شيئا؟

قالت امرأته: نعم من ربنا، فرفعتها إلى الرحى، ثم قامت، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: « أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة ».

قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

« والله لأن يأتي أحدكم بحزمة حطب، ثم يحمله فيبيعه فيستعفف منه، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله ».

قصة الملكين التائبين

قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المسعودي، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال:

بينما رجل فيمن كان قبلكم، كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه، وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه، فتسرب فانساب ذات ليلة من قصره، وأصبح في مملكة غيره، وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر، فيأكل ويتصدق بالفضل، ولم يزل كذلك حتى رقي أمره و عبادته و فضله إلى ملكهم، فأرسل إليه فأبى أن يأتيه، فركب إليه الملك فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه فناداه: يا عبد الله إنه ليس عليك مني بأس، فقام حتى أدركه، فقال له: من أنت رحمك الله؟

فقال: أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا، ففكرت في أمري فعلمت أنما أنا فيه منقطع، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي عز وجل، فتركته وجئت ههنا أعبد ربي فقال له: ما أنت بأحوج لما صنعت مني قال: فنزل عن دابته فسيبها وتبعه، فكانا جميعا يعبدان الله عز وجل، فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا.

قال عبد الله: فلو كنت برملية مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الذي نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حديث إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا

قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم:

« إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟

قالوا: خير أب.

قال: فإني لم أعمل خيرا قط، فإذا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في يوم عاصف ففعلوا، فجمعه الله عز وجل فقال: ما حملك؟

فقال: مخافتك فتلقاه برحمته ».

ورواه في مواضع أخر، ومسلم من طرق عن قتادة به، ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ومن حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حديث كان رجل يداين الناس

قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه ».

وقد رواه في مواضع أخر، ومسلم من طريق الزهري به.

حديث الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل

قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟

قال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ».

قال أبو النضر: لا يخرجكم إلا فرارا منه.

ورواه مسلم من حديث مالك، ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به:

حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود بن أبي الفرات، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون أخبرني:

« أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد ».

تفرد به البخاري عن مسلم، من هذا الوجه.

حديث أتشفع في حد من حدود الله؟

قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة فقال:

« أتشفع في حد من حدود الله؟

ثم قام فخطب، ثم قال: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ».

وأخرجه بقية الجماعة من طرق، عن الليث بن سعد به.

حديث كلاكما محسن

وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة الهلالي، عن ابن مسعود قال: سمعت رجلا قرأ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية وقال:

« كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا ».

تفرد به البخاري دون مسلم.

حديث إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم

قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ».

تفرد به دون مسلم.

وفي سنن أبي داود: « صلوا في نعالكم، خالفوا اليهود ».

حديث لعن الله اليهود

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عباس سمعت عمر يقول: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

« لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ».

رواه مسلم من حديث ابن عيينة، ومن حديث عمرو بن دينار به، ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا الحديث طرق كثيرة، وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام، إن شاء الله وبه الثقة.

حديث فأمر بلال أن يشفع الأذان

قال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا خالد عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى:

« فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة ».

وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به.

والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم ؛ فإن رسول الله