نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد
فيما افترى على الله في التوحيد
  ► ويكي مصدر:إسلام ◄  
بسم الله الرحمن الرحيم

رب يسر وأعن برحمتك

أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الأحنف قال: أخبرنا إسحاق بن أبي اسحاق القراب الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي الفضل بن محمد بن الحسين المزكي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الصرام قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله قال:

الحمد لله قبل كل كلام وله الحمد في كل مقام وعلى محمد صلوات ربنا وعليه السلام.

أما بعد فقد عارض مذاهبنا في الإنكار على الجهمية ممن بين ظهريكم معارض وانتدب لنا منهم مناقض ينقض ما روينا فيهم عن رسول الله ﷺ وعلى أصحابه بتفاسير المضل المريسي بشر بن غياث الجهمي. فكان من صنع الله لنا في ذلك اعتماد هذا المعارض على كلام بشر إذ كان مشهورا عند العامة بأقبح الذكر مفتضحا بضلالاته في كل مصر ليكون ذلك أعون لنا على المعارض عند الخلق وأنجع في قلوبهم لقبول الحق ومواضع الصدق ولو قد كنى فيها عن بشر كان جديرا أن ينفذ عليهم بعضه في خفاء وستر ولم يفطن له من الناس إلا كل من تبصر، غير أنه أفصح باسم المريسي وصرح وحقق على نفسه به الظن وصحح. ولم ينظر لنفسه ولا لأهل بلاده ولم ينصح. فحسب امرئ من الخيبة والحرمان وفضحه في الكور والبلدان أن يكون إمامه في توحيد الله تعالى بشر بن غياث المريسي، الملحد في أسماء الله، المفتري المعطل لصفات ربه، الجهمي.

أنشأ هذا المعارض يحكي في كتاب له عن المريسي من أنواع الضلال وشنيع المقال والحجج المحال ما لم يكن بكل ذلك نعرفه، ونصفه فيه برثاثة مناقضة الحجج ما لم يكن يقدر أن يصفه، فتجافينا عن كثير من مناقضة المعارض وقصدنا قصد المريسي العاثر في قوله الداحض، لما أنه أمكن في الحجاج من نفسه ولم يفطن لغور ما يخرج من رأسه من الكلام المدلس المنقوض والكفر الواضح المرفوض. وكيف يهتدي بشر للتوحيد وهو لا يعرف مكان واحده ولا هو بزعمه في الدنيا والآخرة بواجده. فهو إلى التعطيل أقرب منه إلى التوحيد، وواحده بالمعدوم أشبه منه بالموجود. وسنعبر لكم عنه من نفس كلامه ما يحكم عليه بالجحود بعون الملك المجيد الفعال لما يريد.

ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب بعض الجهال فيلقيهم في شك من خالقهم وفي ضلال أو أن يدعوهم إلى تأويله المحال لأن جل كلامه تنقص ووقيعة في الرب واستخفاف بجلاله وسب وفي التنازع فيه يتخوف الكفر ويرهب.

1

ولذلك قال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية.

حدثناه الحسن بن الصباح البزار قال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك. [1]

فمن أجل ذلك كرهنا الخوض فيه وإذاعة نقائصه حتى أذاعها المعارض فيكم وبثها يبن أظهركم فخشينا ألا يسعنا إلا الإنكار على من بثها ودعا الناس إليها منافحة عن الله وتثبيتا لصفاته العلى ولأسمائه الحسنى ودعا إلى الطريقة المثلى ومحاماة عن ضعفاء الناس وأهل الغفلة من النساء والصبيان أن يضلوا بها ويفتتنوا إذ بثها فيهم رجل كان يشير بعضهم بشيء من فقه وبصر ولا يفطنون لعثراته إذ هو عثر فيكونوا من أخواتها منه على حذر.

2

وقد كتب إلي علي بن خشرم أنه سمع عيسى بن يونس يقول: لا تجالسوا الجهمية وبينوا للناس أمرهم كي يعرفوهم فيحذروهم.

قال أبو سعيد: افتتح هذا المعارض كتابه بكلام نفسه مثنيا بكلام المريسي مدلسا على الناس بما يهم أن يحكي ويرى من قبله من الجهال ومن حواليه من الأغمار أن مذاهب جهم والمريسي في التوحيد كبعض اختلاف الناس في الإيمان في القول والعمل والزيادة والنقصان وكاختلافهم في التشيع والقدر ونحوها كي لا ينفروا من مذاهب جهم والمريسي أكثر من نفورهم من كلام الشيعة والمرجئة والقدرية. وقد أخطأ المعارض محجة السبيل وغلط غلطا كثيرا في التأويل لما أن هذه الفرق لم يكفرهم العلماء بشيء من اختلافهم، والمريسي وجهم وأصحابهما لم يشك أحد منهم في إكفارهم.

3

سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي أنه سمع وكيعا يكفر الجهمية.

4

وكتب إلى علي بن خشرم أن ابن المبارك كان يخرج الجهمية من عداد المسلمين. [2]

5

وسمعت يحيى بن يحيى وأبا توبة وعلي بن المديني يكفرون الجهمية ومن يدعي أن القرآن مخلوق.

فلا يقيس الكفر ببعض اختلاف هذه الفرق إلا امرؤ جهل العلم ولم يوفق فيه لفهم.

فادعى المعارض أن الناس تكلموا في الإيمان وفي التشيع والقدر ونحوه ولا يجوز لأحد أن يتأول في التوحيد غير الصواب إذ جميع خلق الله يدرك بالحواس الخمس اللمس والشم والذوق والبصر بالعين والسمع والله بزعم المعارض لا يدرك بشيء من هذه الخمس.

فقلنا لهذا المعارض الذي لا يدري كيف يتناقض: أما قولك لا يجوز لأحد أن يتأول في التوحيد غير الصواب فقد صدقت وتفسير التوحيد عند الأمة وصوابه قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له التي قال رسول الله ﷺ: «من جاء بها مخلصا دخل الجنة» و «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» من قالها فقد وحّد الله.

6

وكذلك روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه أهلَّ بالتوحيد في حجته فقال: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». [3]

حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر.

فهذا تأويل التوحيد وصوابه عند الأمة. فمن أدخل الحواس الخمس أيها المعارض في صواب التأويل من أمة محمد ومن عدها فأشر إليه غير ما ادعيتم فيه من الكذب على ابن عباس من رواية بشر المريسي ونظرائه. ولمن تأول في التوحيد الصواب لقد تأولت أنت فيه غير الصواب إذ ادعيت أن الله لا يدرك ولم يدرك بشيء من هذه الحواس الخمس، إذ هو في دعواك لا شيء والله مكذب من ادعى هذه الدعوى في كتابه إذ يقول عز وجل {وكلم الله موسى تكليما} {ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم} و {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} فأخبر الله في كتابه أن موسى أدرك منه الكلام بسمعه وهو أحد الحواس عندك وعندنا، ويدرك في الآخرة بالنظر إليه بالأعين وهي الحاسة الثانية كما قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} وكما قال رسول الله ﷺ: «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون الشمس والقمر جهرا لا تضامون في رؤيته».

7

وروى عنه عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان». [4]

حدثناه عمرو بن عون الواسطي عن أبي معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن عدي عن النبي ﷺ.

فذاك الناطق من قول الله وهذا الصحيح المشهور من قول رسول الله ﷺ. فأي حواس أبين من هذا؟ فلذلك قلنا إن المعارض من تأول فيه غير الصواب.

باب الإيمان بأسماء الله وأنها غير مخلوقة

ثم اعترض المعارض أسماء الله المقدسة. فذهب في تأويلها مذهب إمامه المريسي، فادعى أن أسماء الله غير الله وأنها مستعارة مخلوقة كما أنه قد يكون شخص بلا اسم فتسميته لا تزيد في الشخص ولا تنقص؛ يعني أن الله كان مجهولا كشخص مجهول لا يهتدي لاسمه ولا يدري ما هو، حتى خلق الخلق فابتدعوا له أسماء من مخلوق كلامهم فأعاروها إياه من غير أن يعرف له اسم قبل الخلق.

ومن ادعى هذا التأويل فقد نسب الله تعالى إلى العجز والوهن والضرورة والحاجة إلى الخلق، لأن المستعير محتاج مضطر والمعير أبدا أعلى منه وأغنى. ففي هذه الدعوى استجهال الخالق إذ كان بزعمه هملا لا يدري ما اسمه وما هو وما صفته، والله المتعالي عن هذا الوصف المنزه عنه لأن أسماء الله هي تحقيق صفاته سواء عليك قلت عبدت الله أو عبدت الرحمن أو الرحيم أو الملك العزيز الحكيم وسواء على الرجل قال كفرت بالله أو قال كفرت بالرحمن الرحيم أو بالخالق العزيز الحكيم وسواء عليك قلت عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد العزيز أو عبد المجيد وسواء عليك قلت يا الله يا رحمن أو يا رحيم أو يا ملك يا عزيز يا جبار؛ بأي اسم دعوته من هذه الأسماء أو أضفته إليه فإنما تدعو الله نفسه من شك فيه فقد كفر.

وسواء عليك قلت ربي الله أو ربي الرحمن كما قال الله تعالى: {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} وقال الله تعالى: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} وقال: {وسبحوه بكرة وأصيلا} كذلك قال في الاسم {سبح اسم ربك الأعلى} كما يسبح الله.

ولو كان مخلوقا مستعارا غير الله لم يأمر الله أن يُسبَّح مخلوقٌ غيره وقال: {له الأسماء الحسنى} {يسبح له ما في السماوات والأرض} ثم ذكر الآلهة التي تعبد من دون الله بأسمائها المستعارة المخلوقة فقال: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} وكذلك قال هود لقومه حين قالوا {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} فقال لهم ينهاهم {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} يعني أن أسماء الله تعالى لم تزل كما لم يزل الله وأنها بخلاف هذه الأسماء المخلوقة التي أعاروها للأصنام والآلهة التي عبدوها من دونه فإن لم تكن أسماء الله بخلافها. فأي توبيخ لأسماء الآلهة المخلوقة إذ كانت أسماؤها وأسماء الله مخلوقة مستعارة عندكم بمعنى واحد وكلها من تسمية العباد ومن تسمية آبائهم بزعمكم.

ففي دعوى هذا المعارض أن الخلق عرَّفوا الله إلى عباده بأسماء ابتدعوها لا أن الله عرفهم بها نفسه. فأي تأويل أوحش في أسماء الله من أن يتأول رجل أنه كان كشخص مجهول أو بيت أو شجرة أو بهيمة لم يشتق لشيء منها اسم ولم يعرف ما هو حتى عرفه الخلق بعضهم بعضا.

ولا تقاس أسماء الله بأسماء الخلق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم بل هي مخالفة لصفاتهم، وأسماء الله صفاته ليس شيء مخالفا لصفاته ولا شيء من صفاته مخالفا للأسماء.

فمن ادعى أن صفة من صفات الله تعالى مخلوقة أو مستعارة فقد كفر وفجر، لأنك إذا قلت الله فهو الله وإذا قلت الرحمن فهو الرحمن وهو الله وإذا قلت الرحيم فهو كذلك وإذا قلت حكيم حميد مجيد جبار متكبر قاهر قادر فهو كذلك وهو الله سواء لا يخالف اسم له صفته ولا صفته اسما.

وقد يسمى الرجل حكيما وهو جاهل وحكما وهو ظالم وعزيزا وهو حقير وكريما وهو لئيم وصالحا وهو طالح وسعيدا وهو شقي ومحمودا وهو مذموم وحبيبا وهو بغيض وأسدا وحمارا وكلبا وجديا وكليبا وهرا وحنظلة وعلقمة وليس كذلك.

والله تبارك وتعالى اسمه كأسمائه سواء لم يزل كذلك ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، قبل الخلق كان خالقا قبل المخلوقين ورازقا قبل المرزوقين وعالما قبل المعلومين وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين وبصيرا قبل أن يرى أعيانهم مخلوقة.

قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} وقال الله تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش}؛ فقال مرة {الرحمن على العرش استوى} وقال مرةً: الله على العرش استوى، لأنهما بمعنى واحد.

ولو كان كما ادعى المعارض وإمامه المريسي لكان الخالق والمخلوق استويا جميعا على العرش إذ كانت أسماؤه مخلوقة عندهم إذ كان الله في دعواهم في حد المجهول أكثر منه في حد المعروف، لأن لحدوث الخلق حدا ووقتا، وليس لأزلية الله حد ولا وقت، لم يزل ولا يزال وكذلك أسماؤه لم تزل ولا تزال.

ثم احتج المعارض لترويج مذهبه بأقبح قياس فقال: أرأيت لو كتبت اسما في رقعة ثم احترقت الرقعة أليس إنما تحترق الرقعة ولا تضر النار الاسم شيئا؟ فيقال لهذا التائه الذي لا يدري ما يخرج من رأسه: إن الرقعة وكتابة الاسم ليس كنفس الاسم إذا احترقت الرقعة احترق الخط وبقي اسم الله له وعلى لسان الكاتب كما لم يزل قبل أن يكتب، لم تنقص النار من الاسم ولا ممن له الاسم شيئا، وكذلك لو كانت أسماء المخلوقين لم تنقص النار من أسمائهم ولا من أجسامهم شيئا وكذلك لو كتبت الله بهجائه في رقعة لاحترقت الرقعة وكان الله بكماله على عرشه، وكذلك لو صُوِّر رجل في رقعة ثم ألقيت في النار لاحترقت الرقعة ولم يضر المصوَّر شيئا.

وكذلك القرآن لو احترقت المصاحف كلها لم ينقص من نفس القرآن حرف واحد، وكذلك لو احترق القراء كلهم أو قتلوا أو ماتوا لبقي القرآن بكماله كما كان لم ينتقص منه حرف واحد، لأنه منه بدأ وإليه يعود عند فناء الخلق بكماله غير منقوص.

وقد كان لإمامه المريسي في أسماء الله مذهب كمذهبه في القرآن، كان القرآن عنده مخلوقا من قول البشر لم يتكلم الله بحرف منه في دعواه وكذلك أسماء الله عنده من ابتداع البشر من غير أن يقول الله {إني أنا الله رب العالمين} بزعمه قط.

وزعم أني متى اعترفت بأن الله تكلم بـ {إني أنا الله رب العالمين} لزمني أن أقول تكلم الله بالقرآن ولو اعترفنا بذلك لانكسر علينا مذهبنا في القرآن.

وقد كسر الله عليهم على رغم أنوفهم فقال: {إني أنا الله رب العالمين} لا يستحق مخلوق أن يتكلم بهذا فإن فعل ذلك كان كافرا كفرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى}.

فهذا الذي ادعوا في أسماء الله أصل كبير من أصول الجهمية التي بنوا عليها محنهم وأسسوا بها ضلالتهم غالطوا بها الأغمار والسفهاء، وهم يرون أنهم يغالطون بها الفقهاء ولئن كان السفهاء في غلط من مذاهبهم إن الفقهاء منهم لعلى يقين.

أرأيتم قولكم إن أسماء الله مخلوقة فمن خلقها أو كيف خلقها أجعلها أجساما وصورا تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء أم موضعا دونه في الهواء.

فإن قلتم لها أجسام دونه فهذا ما تنفيه عقول العقلاء.

وإن قلتم خلقها على ألسنة العباد فدعوه بها وأعاروها إياه فهو ما ادعينا عليكم إن الله بزعمكم كان مجهولا لا اسم له حتى حدث الخلق فأحدثوا أسماء من مخلوق كلامهم وهذا هو الإلحاد بالله وفي أسمائه والتكذيب بها قال: {الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين} كما نضفيه إلى الله رب العالمين ولو كان كما ادعيتم لقيل: الحمد لله رب العالمين المسمى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وكما قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق} وكما قال: {تنزيل الكتاب من الله} كذلك قال: {تنزيل من الرحمن الرحيم} {تنزيل من حكيم حميد} {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} كلها بمعنى واحد وكلها هي الله والله هو أحد أسمائه كالعزيز الحكيم الجبار المتكبر. كذلك روى زعيمكم الأوسط يعقوب أبو يوسف عن الشعبي إن قنعتم بروايته.

8

حدثناه موسى بن إسماعيل حدثنا أبو يوسف عن مجالد عن الشعبي قال: اسم الله الأعظم هو الله.

9

حدثنا هدبة بن خالد أخبرنا أبو هلال الراسبي عن حيان الأعرج عن جابر بن زيد قال: اسم الله الأعظم هو الله، ألم تروا أنه يبدأ به قبل الأسماء كلها.

أفلا يستحي عبد من خالقه ومن خلقِ ربه فيدعي أن الله اسم مخلوق مستعار.

10

حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كهيعص اسم من أسماء الله.

11

وقد روي لنا في تفسيرها عن ابن عباس رضي الله عنهما، حدثنا أحمد بن يونس حدثنا هشيم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كاف من كريم وعين من عليم وياء من حكيم وهاء من هاد وصاد من صدوق.

وحتى إن علي بن أبي طالب كان يجملها فيقول يا كهيعص اغفر لي كما يقول يا الله اغفر لي.

12

حدثنا روح بن عبد المؤمن المقري حدثنا محمد بن مسلم حدثنا نافع بن أبي نعيم عن فاطمة ابنة علي أنها سمعت عليا يقول: يا كهيعص اغفر لي. [5]

فمن خلق كهيعص في دعواكم ومن تكلم بها قبل الله ومن اهتدى لها غير الله.

وكما قال الله في كتابه {أنا الله رب العالمين} كذلك قال على لسان نبيه ﷺ: أنا الرحمن.

13

حدثناه مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم شققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته».

فيقول الله: أنا شققت لها من اسمي؛ وادعت الجهمية المكذبين لله ولرسوله أنهم أعاروه الاسم الذي شقها منه.

ومن أين علم الخلق أسماء الخالق قبل تعليمه إياهم فإنه لم يعلم آدم ولا الملائكة أسماء المخلوقين حتى علمهم الله من عنده وكان بدء علمها منه فقال: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} وقال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها وحفظها دخل الجنة».

14

حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر».

15

حدثنا هاشم بن عمار الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا خليد ابن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها كلها دخل الجنة».

16

قال هشام: وحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: كلها في القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ الحسيب الجليل الكريم المحصي الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدي المعيد المحيي المميت الحي القيوم الماجد الواحد الأحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع المعطي المانع الضار النافع النور الهادي البديع الغني الباقي الوارث الرشيد الصبور. [6]

فهذه كلها أسماء الله لم تزل له كما لم تزل، بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه. وفي أسماء الله حجج وآثار مما ذكرنا تركناها مخافة التطويل وفيما ذكرنا من ذلك بيان بين ودلالة ظاهرة على إلحاد هؤلاء الملحدين في أسمائه المبتدعين أنها محدثة مخلوقة - قاتلهم الله أنى يخرصون وعز ربنا وجل عما غمصوه وتبارك وتعالى عما تنقصوه وهو المنتقم منهم فيما افترضوه.

وأي تأويل أوحش من أن يدعي رجل أن الله كان ولا اسم له؟ ما مدعي هذا بمؤمن ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله لم يزل إلها واحدا بجميع أسمائه وجميع صفاته لم يحدث له منها شيء كما لم تزل وحدانيته تبارك وتعالى.

باب

وادعى المعارض أن الله لا يدرك بشيء من الحواس الخمس، وهي في دعواه اللمس والشم والذوق والبصر بالعين والسمع. واحتج لدعواه بحديث مفتعل مكذوب على ابن عباس، معه شواهد ودلائل كثيرة أنه مكذوب مفتعل:

فأول شواهده أنه رواه المعارض عن بشر بن غياث المريسي المتهم في توحيد الله المكذب بصفاته.

والثاني أنه رواه بشر عن قوم لا يوثق بهم ولا يعرفون رواه المريسي عن أبي شهاب الخولاني عن نعيم بن أبي نعيم عن إبراهيم بن ميمون عن عطاء عن ابن عباس.

فمن أبي شهاب الخولاني ومن نعيم بن أبي نعيم فيحكم بروايتهم عن ابن عباس على رواية قوم أجلة مشهورين من أهل العلم قد رووا عن ابن عباس خلافه.

17

فمن ذلك ما حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «آتي يوم القيامة باب الجنة فيفتح لي فأرى ربي وهو على كرسيه أو سريره فيتجلى لي فأخر له ساجدا». [7]

فهذا أحد الحواس وهو النظر بالعين والتجلي، رواه هؤلاء المشهورون عن ابن عباس على رغم بشر.

18

ومن ذلك ما حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: إذا تكلم الله بالوحي سمعوا له مثل سلسلة الحديد على الصفوان. [8]

وهذا الحواس الثاني بأسماع الملائكة على رغم بشر ورواية بشر، فما تغني عن بشر روايته عن هؤلاء المغمورين إذا ما كذب برواية هؤلاء المشهورين مع تكذيب الله إياه قبل وفي كتابه إذ يقول {وكلم الله موسى تكليما} و {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} وقال: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة}. فأخبر الله تعالى أنه قد سمع موسى نفس كلامه وسيكلم من يشاء يوم القيامة ويراه المؤمنون يوم القيامة عيانا بأعينهم قال الله ورسوله ويحس الملائكة بكلامه عند نزول وحيه حتى يصعقوا من شدة حواسه كما قال ابن عباس وابن مسعود وتاؤلا فيه قول الله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} فهل من حواس أقوى من السمع والنظر.

فمن يلتفت إلى بشر وتفسير بشر ويترك الناطق من كتاب الله والمأثور من قول رسول الله إلا كل مخبول مخذول.

ثم طعن المعارض في رؤية الله تعالى يوم القيامة ليرده بتأويل ضلال وبقياس محال فقال لم تره عين فتستوصفه.

فنظرنا إلى ما قالوا في قوله {لا تدركه الأبصار} و {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وروى فيه أقاويل مسندة وغير مسندة؛ فلا بد من معرفة ذلك.

فيزعم المعارض أن عمر بن حماد بن أبي حنيفة روى عن أبيه [9] عن أبي حنيفة أن أهل الجنة يرون ربهم كما يشاء أن يروه.

فبين في ذلك صفات هذه الأحاديث كلها يحتمل أن يكون على ما ذهب إليه من قال لا تدركه الأبصار يعني المريسي ونظرائه الذين قالوا لا تدركه الأبصار في الدنيا والآخرة أن تفسير ذلك أنه يرى يومئذ آياته وأفعاله فيجوز أن يقول رآه يعني أفعاله وأموره وآياته كما قال الله في كتابه {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} فالموت لا يرى وهو محسوس إنما يدرك عمل الموت، فإن كان أبو حنيفة أراد هذا أو غير ذلك فقد آمنا بالله وبما أراد من هذه المعاني ووكلنا تفسيرها وصفتها إلى الله.

فيقال لهذا التائه الذي لا يدري ما يخرج من رأسه وينقض آخر كلامه أوله: أليس قد ادعيت في أول كلامك أنه على ما ذهب إليه من قال لا تدركه الأبصار في الدنيا والآخرة أنه يرى آياته وأفعاله فيجوز أن يقول رآه ثم قلت في آخر كلامك فقد وكلنا تفسيرها إلى الله أفلا وكلت التفسير إلى الله قبل أن تفسره.

وزعمت أيضا في أول كلامك أنه لا بد من معرفة ذلك ثم رجعت عن قولك فقلت لا بل نكله إلى الله؛ فلو كان لك ناصح يحجر عليك الكلام.

والعجب من جاهل فسر له رسول الله ﷺ تفسير الرؤية مشروحا مخلصا ثم يقول إن كان كما فسر أبو حنيفة فقد آمنا بالله.

ولو قلت أيها المعارض آمنا بما قال رسول الله ﷺ وفسره كان أولى بك من أن تقول آمنا بما فسر أبو حنيفة ولا تدري قال ذلك أبو حنيفة أو لم يقله.

وهل ترك النبي ﷺ في تفسير الرؤية لأبي حنيفة والمريسي وغيرهما من المتأولين موضع تأول إلا وقد فسره وأوضحه بأسانيد أجود من عمر بن حماد بن أبي حنيفة.

رواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونهما سحاب لا تضامون في رؤيته» ورواه غيره من أصحاب النبي ﷺ.

فكيف تستحل أن تقول يحتمل أن يكون على ما ذهب إليه أبو حنيفة ولا يحتمل عندك أن يكون كما فسر رسول الله ﷺ ولم يقل رسول الله ﷺ يراه أهل الجنة كما يشاء كما رويت عن أبي حنيفة إن كان قاله، ولكن قال: «كما ترون الشمس والقمر صحوا ليس دونهما سحاب» فالتفسير مقرون بالحديث بإسناد واحد. فمن اضطر الناس أيها المعارض إلى الأخذ بالمبهم من كلام أبي حنيفة الذي رويت عنه إن كان قاله مع ترك قول رسول الله ﷺ المنصوص المفسر. هذا إذا ظلم عظيم وجور جسيم.

وأما قولك: ولم تره عين فتستوصفه، فلو احتج بهذا صبي صغير لم يزد على ما قلت جهالة. أفرأى أهل الجنة والنار وما فيهما بعينه فتستوصفه، وهل يصفهما ويصف ما فيهما إلا بما وصفهما الله في كتابه أن في الجنة حورا عينا وطعاما وشرابا وأنهارا ونخلا ورمانا وشجرا وقصورا من در وياقوت ولباسا من سندس واستبرق وحريرا وما أشبهها، وكذلك النار فيها أنكال وقيود ومقامع من حديد وأغلال وسلاسل وحميم وزقوم. أفتصف الجنة والنار أيها المعارض بهذه الصفات عمن رآها بعينه أو عما أخبر الله في كتابه وأخبر الرسول ﷺ، وكذلك تصف رؤية الله وتفسرها عن الله وعن رسوله وإن لم تره عين تستوصفه. قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} وقال رسول الله ﷺ: «ترون ربكم الله جهرا يوم القيامة كما ترون الشمس والقمر ليلة البدر» فأخذنا هذا الوصف عن الله وعن رسوله كما أخذنا صفة الجنة والنار عنهما، وإن لم نر شيئا منهما بأعيننا ولا أخبرنا عنهما من رآهما بعينيه. فتدبر أيها المعارض كلامك ثم تكلم فلو احتج بما احتججت به صبي لم يبلغ الحنث ما زاد.

وأعجب من ذلك ما رويت عن أبي حنيفة - إن صدقت عنه روايتك - أنه ذهب في الرؤية إلى أن يروا لآياته وأفعاله وأموره، فيجوز أن يقال رآه وهذا أيضا من حجج الصبيان لما أن آياته وأموره وأفعاله مرئية منظور إليها في الدنيا كل يوم وساعة فما معنى توقيتها وتحديدها وتفسيرها يوم القيامة من أنكر هذا فقد جهل وإن كان كما ادعيت ورويت عن أبي حنيفة ما خص النبي ﷺ بها يوم القيامة دون الأيام.

ففي دعواك يجوز للخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم أن يقول نرى ربنا في الدنيا كل يوم وساعة لما أنهم يرون كل ساعة وكل ليلة وكل يوم أموره وآياته وأفعاله فقد بطل في دعواك قوله {لا تدركه الأبصار} لأن الأبصار كل يوم وساعة تدرك أموره وآياته في الدنيا والآخرة فأنكرتم علينا رؤيته في الآخرة وأقررتم برؤية الخلق كلهم إياه في الدنيا مؤمنهم وكافرهم لما أنهم جميعا لا يزالون يرون آياته آناء الليل والنهار فخالفتم بسلوك هذه المحجة جميع العالمين ورددتم قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار} إذا ادعيتم أن رؤيته يعني إدراك آياته وأموره وأفعاله.

وأما دعواك أن رؤية الله كقول الله تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} فلو قد عقلت تفسير هذه الآية وفيم أنزلت لكان احتجاجك إقرارا برؤية الله عيانا لأن هذه الرؤية كانت رؤية عيان وتفسير ذلك رؤية القتل والقتال فقد رأوه بأعينهم وهم ينظرون فلم يصبروا له وإنما نزلت هذه الآية في قوم غابوا عن مشهد بدر فقالوا لئن أرانا الله قتالا ليرين ما نصنع ولنقاتلن فأراهم الله القتال عيانا وهم ينظرون إليه بأعينهم فولوا مدبرين كما قال الله ولم يصبروا للقتال فعفا عنهم فقال الله تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} فكان هذا رؤية عيان لا رؤية خفاء.

19

حدثناه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: تغيب أنس بن النضر عن بدر فقال: تغيبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ لأن أراني الله قتالا ليرين ما أصنع.

20

حدثنا العباس بن الوليد النرسي عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة {ولقد كنتم تمنون الموت} قال: كان أناس لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا.

فهذه رؤية عيان لا رؤية خفاء.

فإن أنكرت ما قلنا فقد قال رسول الله ﷺ إن الموت يرى في الآخرة قال: «يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت». [10]

ولولا كثرة ما يستنكر الحق ويرده بالجهالة لم نشتغل بكل هذه المنازعة في الرؤية لما أن رسول الله ﷺ فسرها تفسيرا لم يدع فيه لمتأول فيها مقالا إلا أن يكابر رجل غير الحق وهو يعلمه إذ سئل رسول الله ﷺ فقيل له: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضامون في رؤية الشمس والقمر صحوًا فكذلك لا تضامون في رؤيته». [11]

21

حدثناه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي ﷺ.

وحدثناه نعيم بن حماد حدثنا إبراهيم بن سعيد عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.

وحدثنا عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن هشام بن سعد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ.

وحدثناه أحمد بن يونس عن أبي شهاب الحناط عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ.

وحدثنا علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بإسناده مثله. قال ابن المديني: لا يكون من الإسناد شيء أجود من هذا.

وقد روينا فيه بابا كبيرا في الكتاب الأول بأسانيدها، فمن لم يؤمن بها ولم يرجها كان من المحجوبين يوم القيامة من الذين قال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئد لمحجوبون} لأنه يقال: من كذب بفضيلة لم ينلها، وقد كذبت الجهمية بهذه الفضيلة أشد التكذيب.

وكتب إلي علي بن خشرم قال: من نازع في حديث الرؤية ظهر أنه جهمي.

باب النزول

وادعى المعارض أيضا أن قول النبي ﷺ: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل فيقول هل من تائب هل من مستغفر هل من داع»؛

22

حدثناه القعنبي وابن بكير عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني أستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له». [12]

23

حدثنا أبو عمر الحوضي عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري فمن يستغفرني أغفر له من يدعني أستجب له من يسألني أعطه حتى ينفجر الفجر». [13]

وهذا باب طويل قد جمعناه في الكتاب الأول؛

فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش بكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم والقيوم بزعمه مَن لا يزول.

فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار ويوقت من الليل شطره أو الأسحار، أفبأمره ورحمته يدعو العباد إلى الاستغفار أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا هل من داع فأجيب هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطي فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر اللذين يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله هذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء وقد علمتم ذلك ولكن تكابرون. وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه «حتى ينفجر الفجر».

وقد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل لا يقبله إلا كل جاهل.

وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول من مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعي، ن لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك: كل حي متحرك لا محالة وكل ميت غير متحرك لا محالة.

ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذا فسّر نزوله مشروحا منصوصا ووقت لنزوله وقتا مخصوصا، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا.

ثم أجمل المعارض ما ينكر الجهمية من صفات الله وذاته المسماة في كتابه وفي آثار رسول الله ﷺ فعد منها بضعا وثلاثين صفة نسقا واحدا يحكم عليها ويفسرها بما حكم المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله وخلاف ما تأولها الفقهاء الصالحون لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي. فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله {كل شيء هالك إلا وجهه} و {فأينما تولوا فثم وجه الله} و {وهو السميع البصير} و {خلقت بيدي} و {وقالت اليهود يد الله مغلولة} و {يد الله فوق أيديهم} و {والسماوات مطويات بيمينه} وقوله {فإنك بأعيننا} و {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} و {وجاء ربك والملك صفا صفا} و {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} و {الرحمن على العرش استوى} و {الذين يحملون العرش ومن حوله} وقوله {ويحذركم الله نفسه} و {لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} و {كتب على نفسه الرحمة} و {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} و {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}.

عمد المعارض إلى هذه الصفات الآيات فنسقها ونظم بعضها إلى بعض كما نظمها شيئا بعد شيء، ثم فرقها أبوابا في كتابه وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية معتمدا فيها على تفاسير الزائغ الجهمي بشر بن غياث دون من سواه مستترا عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بها ويصدقون الله ورسوله فيها بغير تكييف ولا بمثال. فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها ويشبهونها بذوات أنفسهم وأن العلماء بزعمه قالوا ليس في شيء منها اجتهاد رأي لندرك كيفية ذلك أو يشبه شيء منها بشيء مما هو في الخلق موجود.

قال: وهذا خطأ لما أن الله تعالى ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء.

قال أبو سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع:

أما قولك إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفا منكم، غير أنا كما لا نشبهها ولا نكيفها لا نكفر بها ولا نكذب ولا نبطلها بتأويل الضلال كما أبطلها إمامك المريسي في أماكن من كتابك سنبينها لمن غفل عنها ممن حواليك من الأغمار إن شاء الله.

وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الرب فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال إمامك المريسي إن هذه الصفات كلها لله كشيء واحد وليس السمع منه غير البصر ولا الوجه منه غير اليد ولا اليد منه غير النفس وأن الرحمن ليس يعرف لنفسه سمعا من بصر وبصرا من سمع ولا وجها من يدين ولا يدين من وجه وهو بزعمكم سمع وبصر ووجه وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وإرادة مثل خلق الأرضين والسماء والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات ولا يوقف لها منها على شيء فالله المتعالي عندنا أن يكون كذلك.

فقد ميز الله في كتابه السمع من البصر فقال: {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} و {إنا معكم مستمعون} وقال: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة} ففرق بين الكلام والنظر دون السمع فقال عند السمع والصوت: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} و {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير} ولم يقل قد رأى الله قول التي تجادلك في زوجها.

وقال في موضع الرؤية: {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} وقال: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم} ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع عملك فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السماع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ما عندكم.

وكذلك قال: {ودسر * تجري بأعيننا} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} {ولتصنع على عيني} ولم يقل شيء من ذلك على سمعي.

فكما نحن لا نكيف هذه الصفات لا نكذب بها كتكذيبكم ولا نفسرها كباطل تفسيركم.

باب الحد والعرش

قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين.

فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك بها أيها الأعجمي وتعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له يعني أنه لا شيء.

قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن يؤمن بالحد ويكل علم ذلك إلى الله ولمكانه أيضا حد وهو على عرشه فوق سماواته؛ فهذان حدان اثنان.

24

وسئل ابن المبارك بم نعرف ربنا، قال بأنه على العرش بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال بحد. [14]

حدثناه الحسن بن الصالح البزار عن علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك.

فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد رد القرآن وادعى أنه لا شيء لأن الله حد مكانه في مواضع كثيرة من كتابه فقال: {الرحمن على العرش استوى} {أأمنتم من في السماء} {يخافون ربهم من فوقهم} و {إني متوفيك ورافعك إلي} {إليه يصعد الكلم الطيب} فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد. ومن لا يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله.

25

وقال رسول الله ﷺ: «إن الله فوق عرشه فوق سماواته» وقال للأمة السوداء «أين الله؟» قالت: في السماء، فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة». [15]

فقول رسول الله ﷺ: «إنها مؤمنة» دليل على أنها لو لم تؤمن بأن الله في السماء لم تكن مؤمنة، وأنه لا يجوز في الرقبة المؤمنة إلا من يحد الله أنه في السماء كما قال الله ورسوله.

26

فحدثنا أحمد بن منيع البغدادي الأصم حدثنا أبو معاوية عن شبيب ابن شيبة عن الحسن عن عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال لأبيه: «يا حصين كم تعبد اليوم إلها؟» قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: «فأيهم تعده لرغبتك ولرهبتك؟» قال: الذي في السماء. [16]

فلم ينكر النبي ﷺ على الكافر إذ عرف أن إله العالمين في السماء كما قاله النبي ﷺ.

فحصين الخزاعي في كفره يومئذ كان أعلم بالله الجليل الأجل من المريسي وأصحابه مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإله الخالق الذي في السماء وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض.

وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحّدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها. فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية.

ثم انتدب المعارض لتلك الصفات التي ألفها وعددها في كتابه من الوجه والسمع والبصر وغير ذلك يتأولها ويحكم على الله ورسوله فيها حرفا بعد حرف وشيئا بعد شيء تحكم بشر بن غياث المريسي، لا يعتمد فيها على إمام أقدم منه ولا أرشد منه عنده فاغتنمنا ذلك منها إذ صرح باسمه وسلم فيها بحكمه، لما أن الكلمة قد اجتمعت من عامة الفقهاء في كفره وهتوك ستره وافتضاحه في مصره وفي سائر الأمصار الذين سمعوا بذكره.

فروى المعارض عن بشر المريسي قراءة من بزعمة وزعم أن بشرا قال له اروه عني أنه قال في قول الله لإبليس {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} فادعى أن بشرا قال يعني الله بذلك أني وليت خلقه وقوله {بيدي} تأكيد للخلق لا أنه خلقه بيد.

فيقال لهذا المريسي الجاهل بالله وبآياته: فهل علمت شيئا مما خلق الله ولي خلق ذلك غيره حتى خص آدم من بينهم أنه ولى خلقه من غير مسيس بيده، فسمّه؟ وإلا فمن ادعى أن الله لم يل خلق شيء صغير أو كبير فقد كفر. غير أنه ولي خلق الأشياء بأمره وقوله وإرادته وولي خلق آدم بيده مسيسا: لم يخلق ذا روح بيديه غيره فلذلك خصه وفضله وشرف بذلك ذكره، لولا ذلك ما كانت له فضيلة من ذلك على شيء من خلقه إذ خلقهم بغير مسيس في دعواك.

وأما قولك: "تأكيد للخلق" فلعمري إنه لتأكيد جهلت معناه فقلبته، إنما هو تأكيد اليدين وتحقيقهما وتفسيرهما حتى يعلم العباد أنها تأكيد مسيس بيد لما أن الله قد خلق خلقا كثيرا في السموات والأرض أكبر من آدم وأصغر وخلق الأنبياء والرسل وكيف لم يؤكد في خلق شيء منها ما أكد في آدم إذ كان أمر المخلوقين في معنى يدي الله كمعنى آدم عند المريسي.

فإن يك صادقا في دعواه فليسمّ شيئا نعرفه، وإلا فإنه الجاحد بآيات الله المعطل ليدي الله.

وادعى الجاهل المريسي أيضا في تفسير التأكيد من المحال ما لا نعلم أحدا ادعاه من أهل الضلالة، فقال هذا تأكيد للخلق لا لليد كقول الله {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة}.

فيقال لهذا التائه الذي سلب الله عقله وأكثر جهله: نعم هو تأكيد لليدين كما قلنا لا تأكيد الخلق كما أن قوله {تلك عشرة كاملة} تأكيد العدد لا تأكيد الصيام لأن العدد غير الصيام ويد الله غير آدم، فأكد الله لآدم الفضيلة التي كرمه وشرفه بها وآثره على جميع عباده إذ كل عباده خلقهم بغير مسيس بيد وخلق آدم بمسيس؛ فهذه عليك لا لك، وقد أخذنا فالك من فيك محتجين بها عليك كالشاة التي تحمل حتفها بأظلافها.

فإن أجاب المريسي أعلمناه بتأكيد الخلق إذ كان به جاهلا وهو قوله {صنع الله الذي أتقن كل شيء} و {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه} الآية وقوله {خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة} الآية {وصوركم فأحسن صوركم} {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} فهذا تأكيد الخلق وتفسيره لا ما ادعى الجاهل.

وقوله لإبليس {لما خلقت بيدي} تأكيد يديه لا تأكيد خلق آدم. وما كان حاجة إبليس إلى أن يؤكد الله له خلق آدم وقد كان من أعلم الخلق بآدم رآه قبل أن ينفخ فيه الروح طينا مصورا مطروحا بالأرض ثم رآه بعدما نفخ فيه الروح ثم كان معه في الجنة حتى وسوس إليه فأخرجه منها ثم كان يراه إلى أن مات، فإنما أكد الله له من أمر آدم ما لم ير لا ما رأى لأنه لم ير يدي الله وهما تخلقناه كذا فليعلم الجاهل المريسي بأنا ما ظننا عنده من رثاثة الحجج والبيان وقلة الإصابة والبرهان قدر ما كشف عنه هذا الإنسان والحمد لله الذي نطق لسانه وعرف الناس شأنه ليعرفوه فيجاوزوا مكانه.

ثم لم يرض الجاهل المريسي مع سخافة هذه الحجج حتى قاس الله في يديه اللتين خلق بهما آدم أقبح القياس وأسمجه بعدما زعم أنه لا يحل أن يقاس الله بشيء من خلقه ولا بشيء هو موجود في خلقه ولا يتوهم ذلك ثم قال: أليس يقال لرجل مقطع اليدين من المنكبين إذ هو كفر بلسانه إن كفره ذلك بما كسبت يداه وإن لم يكن كفره بيديه.

فيقال لهذا الضال المضل: أليس قد زعمت أن الله لا يشبه بشيء من خلقه ولا يتوهم الرجل في صفاته ما يعقل مثله في نفسه؟ فكيف تشبه الله في يديه اللتين خلق بهما آدم بأقطع مجذوم اليدين من المنكبين وتتوهم في قياس يدي الله ما تعقله في ذلك المجذوم المقطوع ويتوهم ذلك! فقد توهمت أقبح ما عبت على غيرك إذ ادعيت أن الله لا يدان له كالأقطع المقطوع اليدين من المنكبين. ويلك، إنما يقال لمن كفر بلسانه وليست له يدان ذلك بما كسبت يداه مثلا معقولا يقال ذلك للأقطع وغير الأقطع من ذوي الأيدي غير أنه لا يضرب هذا المثل ولا يقال ذلك إلا لمن هو من ذوي الأيدي أو كان من ذوي الأيدي قبل أن تقطعا، والله بزعمك لم يكن قط من ذوي الأيدي فيستحيل في كلام العرب أن يقال لمن ليس بذي يدين أولم يك قط ذا يدين إن كفره وعمله بما كسبت يداه وقد يجوز أن يقال بيد فلان أمري ومالي وبيده الطلاق والعتاق والأمر وما أشبهه وإن لم تكن هذه الأشياء موضوعة في كفه بعد أن يكون المضاف إلى يده من ذوي الأيدي فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي يستحيل أن يقال بيده شيء من الأشياء وقد يقال بين يدي الساعة كذا وكذا وكما قال الله تعالى: {بين يدي عذاب شديد} وكقوله {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} وكما قال الله تعالى: {مصدقا لما بين يديه} فيجوز أن يقال بين يدي كذا وكذا كذا وكذا لما هو من ذوي الأيدي وممن ليس من ذوي الأيدي.

ولا يجوز أن يقال بيده إلا لمن هو من ذوي الأيدي، لأنك إذا قلت بيد الساعة كذا وكذا كما قلت بين يديها استحال، وبيد العذاب كذا وكذا وبيد القرآن الذي هو مصدقا لما بين يديه كذا وكذا أو بيد القرية التي جعلها نكالا كذا وكذا استحال ذلك كله ولا يستحيل أن يقال بين يديك لأنك تعني أمامه وقدامه وبين يديه، فلذلك يجوز أن يقال للأقطع إذا كفر بلسانه إنه بما كسبت يداه لأنه كان من ذوي الأيدي قطعتا أو كانتا معه. ويستحيل أن يقال بما كسبت يد الساعة ويد العذاب ويد القرآن لأنه لا يقال بيد شيء شيء إلا وذلك الشيء معقول في القلوب أنه من ذوي الأيدي. وأنت أول ما نفيت عن الله يديه أنه ليس بذي يدين ولم يكن قط له يدان ثم قلت بيد الله كذا وكذا وخلقت آدم بيدي ولا يدان له عندك فهذا محال في كلام العرب لا شك فيه؛ أو سمّ شيئا يخالف دعوانا.

وكذلك الحجة عليك فيما احتججت به أيضا في نفي يدي الله عنه أنه عندك كقول الناس في الأمثال يداك أوكتا وفوك نفخ وكقول الله {بيده عقدة النكاح} فادعيت أن العقدة بعينها ليست موضوعة في كفه ويجوز أن يقال ذلك في الكلام فقلت لك أجل أيها الجاهل هذا يجوز لما أن الموصوف بهما من ذوي الأيدي فلذلك جاز ولولا ذاك لم يجز.

ولو لم يكن الذي بيده عقدة النكاح ولا للموكي ولا للنافخ يدان أو لم يكونوا من ذوي الأيدي كمعبودك في نفسك لم يجز لا أن يقال بيده. ولو لم يكن لله تعالى يدان بهما خلق آدم ومسه بهما مسيسا كما ادعيت لم يجز أن يقال: {بيدك الخير} {وأن الفضل بيد الله} و {تبارك الذي بيده الملك} للمذهب الذي فسرنا فإن كنت لا تحسن العربية فسل من يحسنها ثم تكلم.

وقد يجوز للرجل أن يقول بنيت دارا أو قتلت رجلا وضربت غلاما ووزنت لفلان مالا وكتبت له كتابا وإن لم يتول شيئا من ذلك بيده بل أمر البناء ببنائه والكاتب بكتابه والقاتل بقتله والضارب بضربه والوازن بوزنه فمثل هذا يجوز على المجاز الذي يعقله الناس بقلوبهم على مجاز كلام العرب.

وإذا قال كتبت بيدي كتابا كما قال الله تعالى: {خلقت بيدي} أو قال وزنت بيدي وقتلت بيدي وبنيت بيدي وضربت بيدي كان ذلك تأكيدا ليديه دون يدي غيره ومعقول المعنى عند العقلاء كما أخبرنا الله أنه خلق الخلائق بأمره فقال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فعلمنا أنه خلق الخلائق بأمره وإراداته وكلامه وقوله {كن} وبذلك كانت وهو الفعال لما يريد.

فلما قال خلقت آدم بيدي علمنا أن ذلك تأكيد ليديه وأنه خلقه بهما مع أمره وإرادته فاجتمع في آدم تخليق اليدين نصا والأمر والإرادة ولم يجتمعا في غيره من الروحانيين لأن الله تعالى لم يذكر أنه مس خلقا ذا روح بيديه غير آدم إذ لم يذكر ذلك في أحد ممن سواه ولم يخص به بشرا غيره من الأنبياء وغيرهم.

ولو كان على ما تأولت أنه أراد بيديه أنه ولي خلقه فأكده لما كان على إبليس إذا فيما احتج الله به عليه من أمر اليدين لآدم في ذلك فضل ولا فخر إذ ولي خلق إبليس في دعواك كما ولي خلق آدم سواء وأكده كما أكده ولو كان ذلك على ما تأولت لحاج إبليس ربه في ذلك كما حاجه في أن قال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} وكما قال: {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} فيقول خلقتني أيضا يا رب بيديك على معنى ما خلقت به آدم أي وليت خلقي وأكدته في دعواك ولكن كان الكافر الرجيم أجود معرفة بيدي الله منك أيها المريسي بل علم عدو الله تعالى إبليس أن لو احتج بها على الله كذبه.

وأما دعواك أيها المريسي في قول الله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} فزعمت تفسيرهما رزقاه رزق موسع ورزق مقتور ورزق حلال ورزق حرام فقوله {يداه} عندك رزقاه. فقد خرجت بهذا التأويل من حد العربية كلها أو من حد ما يفقهه الفقهاء ومن جميع لغات العرب والعجم فممن تلقفته وعمن رويته من أهل العلم بالعربية والفارسية فإنك جئت بمحال لا يعقله عجمي ولا عربي ولا نعلم أحدا من أهل العلم والمعرفة سبقك إلى هذا التفسير فإن كنت صادقا في تفسيرك هذا فأثره من صاحب علم أو صاحب عربية وإلا فإنك مع كفرك بهما من المدلسين.

وإن كان تفسيرهما عندك ما ذهبت إليه فإنه كذب محال فضلا على أن يكون كفرا لأنك ادعيت أن لله رزقا موسعا ورزقا مقترا ثم قلت إن رزقيه جميعا مبسوطان فكيف يكونان مبسوطين والمقتور أبدا في كلام العرب غير مبسوط وكيف قال الله إن كلتيهما مبسوطتان وأنت تزعم أن إحداهما مقتورة فهذا أول كذبك وجهالتك بالتفسير وقد كفانا الله ورسوله مؤنة تفسيرك هذا بالناطق من كتابه وبما أخبر الله على لسان نبيه ﷺ.

فأما الناطق من كتابه فقوله {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وقوله {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} وقوله {يد الله فوق أيديهم} وقوله {بيدك الخير} وقوله {وأن الفضل بيد الله} وقوله {تبارك الذي بيده الملك} وقوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} فهل يجوز لك أن تتأول في جميع ما ذكرنا من كتابه أنه رزقاه فتقول برزقه الخير وبرزقه الفضل وبرزقه الملك ولا تقدموا بين رزق الله ورسوله.

27

وأما المأثور من قول رسول الله ﷺ فقوله ﷺ: «إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين». [17]

حدثنا ابن المديني ونعيم بن حماد وابن أبي شيبة عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ.

فتفسير قول النبي ﷺ في تأويلك أيها المريسي أنهم على منابر من نور عن رزقي الرحمن وكلا رزقيه يمين!

28

حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن عبد الله بن مقسم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأخذ الجبار سمواته وأرضيه بيديه وقبض كفيه أو قال يديه فجعل يقبضهما ويبسطهما ثم يقول أنا الجبار أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ويميل رسول الله ﷺ عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر من أسفل شيء منه حتى أني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ». [18]

فيجوز أيها المريسي أن تتأول هذا الحديث أنه يأخذ السموات والأرضين برزقيه بموسعه وبمقتوره وحلاله وحرامه ما أراك إلا وستعلم أنك تتكلم بالمحال لتغاط كذا بها الجهال وتروج عليهم الضلال.

29

وقول النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده ونفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا» الحديث. [19]

30

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا يونس عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم قال أنا الملك أين الملوك». [20]

أفيجوز أن يطوي الله السماء بأحد رزقيه فأيهما الموسع عندك من المقتور وأيهما الحلال من الحرام لأن النبي ﷺ قال: «وكلتا يديه يمين» وادعيت أنت أن إحداهما موسع والآخر مقتور.

31

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لقي آدم موسى فقال له أنت الذي خلقك الله بيده». [21]

أفيجوز أيها المريسي أن تتأول قول موسى خلقك الله بيده بأحد رزقيه بحلاله أم حرامه.

32

حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي وأبو عمرو بن الحوضي وعمرو ابن مرزوق قالوا: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». [22]

أفيجوز أن يبسط حلاله بالليل وحرامه بالنهار ليتوب المسيئان.

33

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا عنبسة بن سعيد عن حبيب بن أبي عمرة عن مجاهد عن ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} فأين الناس يومئذ يا رسول الله قال: «على جسر جهنم». [23]

أفيجوز أن يقال إن الأرض جميعا رزق الله يوم القيامة والسموات مطويات برزقه حلاله وحرامه وموسعه ومقتره؟ لقد علم الخلق إلا من جهل استحالة هذا التأويل.

فلو أنك إذا أردت معاندة الله ورسوله ومخالفة أهل الإسلام احتججت بكلام أستر عورة وأقل استحالة من هذا كان أنجع لك في قلوب الجهال من أن تأتي بشيء لا يشك عاقل ولا جاهل في بطوله واستحالته.

34

حدثنا عبد الله بن صالح حدثني ليث حدثني ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي». [24]

فهل من بيان أشفى من هذا أنه كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي. أفيجوز لهذا المريسي أن يقول كتب برزقه حلاله وحرامه على نفسه.

وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تركناها مخافة التطويل، وفيما ذكرنا من ذلك بيان بين ودلالة ظاهرة في تثبيت يدي الله عز وجل أنهما على خلاف ما تأوله هذا المريسي الضال الذي خرج بتأويله هذا من جميع لغات العرب والعجم. فليعرض هذه الآثار رجل على عقله هل يجوز لعربي أو عجمي أن يتأول أنها أرزاقه وحلاله وحرامه وما أحسب هذا المريسي إلا وهو على يقين من نفسه أنها تأويل ضلال ودعوى محال غير أنه مكذب الأصل متلطف لتكذيبه بمحال التأويل كيلا يفطن لتكذيبه أهل الجهل. ولئن كان أهل الجهل في غلط من أمره إن أهل العلم منه لعلى يقين. فلا يظن المنسلخ من دين الله أنه يغالط بتأويله هذا إلا من قد أضله الله وجعل على قلبه وبصره وسمعه غشاوة.

ثم إنا ما عرفنا لآدم من ذريته ابنا أعق ولا أحسد منه إذ ينفي عنه أفضل فضائله وأشرف مناقبه فيسويه في ذلك بأخس خلق الله لأنه ليس لآدم فضيلة أفضل من أن الله خلقه بيده من بين خلائقه ففضله بها على جميع الأنبياء والرسل والملائكة ألا ترون موسى حين التقى مع آدم في المحاورة احتج عليه بأشرف مناقبه فقال: «أنت الذي خلقك الله بيده» ولو لم تكن هذه مخصوصة لآدم دون من سواه ما كان يخصه بها فضيلة دون نفسه إذ هو وآدم في خلق يدي الله سواء في دعوى المريسي ولذلك قلنا إنه لم يكن لآدم ابن أعق منه إذ ينفي عنه ما فضله الله به على الأنبياء والرسل والملائكة المقربين.

ومما يبين ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:

35

حدثناه عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لقد قالت الملائكة: يا ربنا منا الملائكة المقربون ومنا حملة العرش ومنا الكرام الكاتبون ونحن نسبح الله الليل والنهار لا نسأم ولا نفتر، خلقت بني آدم فجعلت لهم الدنيا وجعلتهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، فقال: لن أفعل، ثم عادوا فاجتهدوا المسألة فقالوا مثل ذلك فقال: لن أفعل، ثم عادوا فاجتهدوا المسألة بمثل ذلك فقال: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. [25]

أولا ترى أيها المريسي كيف ميز بين آدم في خلقته بيدي الله من بين سائر الخلق ولو كان تفسير على ما ادعيت لاحتجت الملائكة على ربها إذ احتج عليهم بيديه في آدم أن يقولوا يا ربنا نحن وآدم في معنى خلقه بيديك سواء ولكن علمت الملائكة من تفسير ذلك ما عمي عنه الضال المريسي والله ما رضي الله لذرية آدم حتى أثبت لهم بذلك عنده منقبة آدم إذ خلق أباهم بيده خصوصا من بين الخلائق حتى احتج به على الملائكة وفضل ولده بذلك عليهم فكيف آدم نفسه لقد حسدت أباك أيها المريسي كما حسده إبليس حيث قال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} وأي عقوق لآدم أعظم من أن يقول الله خلقت أباك آدم بيدي دون من سواه من الخلائق فيقول لا ولكن خلقته بإرادتك كما خلقت القردة والخنازير والكلاب والخنافس والعقارب سواء.

ومما يزيدك بيانا لاستحالة دعواك قول ابن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده ثم قال لسائر الخلق كن فكان.

36

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد بن مهران وهو المكتب حدثنا مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم ثم قال لسائر الخلق كن فكان. [26]

أفلا ترى أيها المريسي كيف ميز ابن عمر وفرق بين آدم وسائر الخلق في خلقه اليد. أفأنت أعلم من ابن عمر بتأويل القرآن وقد شهد التنزيل وعاين التأويل وكان بلغات العرب غير جهول.

37

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال: إن الله لم يمس شيئا من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده.

38

حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن كعب قال: لم يخلق الله بيده غير ثلاث: خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ثم قال لها تكلمي قالت: قد أفلح المؤمنون. [27]

ولو كان كما ادعى المريسي لكان معنى هذه الأحاديث أن الله لم يل خلق شيء غير هذه الثلاث، وهذا كفر بالله.

ومن يحصي ما في تثبيت يد الله من الآثار والأخبار غير أنا أحببنا أن نأتي منها بألفاظ إذا فكر فيها العاقل استدل على ضلال هذا الجاهل.

39

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن طلق بن حبيب حدثه عن ابن عباس في قول الله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} قال: كلهن بيمينه. [28]

40

وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد {والسماوات مطويات بيمينه} وكلتا يدي الرحمن يمين قال: قلت فأين الناس يومئذ؟ قال: على جسر جهنم. [29]

41

حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن فطر بن خليفة عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: خلق الله الخلق فكانوا في قبضته فقال لمن في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في الأخرى ادخلوا النار ولا أبالي، فذهبت إلى يوم القيامة. [30]

42

حدثنا عمرو بن عون الواسطي أخبرنا خالد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا تصدق بالتمرة من الكسب الطيب فيضعها في حقها فيقبلها الله بيمينه فما يبرح يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون أعظم من جبل». [31]

43

حدثنا مسدد حدثنا يحيى يعني القطان عن شعبة قال حدثني عبد الله بن السائب قال: سمعت أبا قتادة رجلا من محارب قال: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما من رجل يتصدق بصدقة إلا وقعت في يدي الله قبل أن تقع في يدي السائل، وقرأ {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}.

44

حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان أو عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: إن الله خمر طينة آدم أربعين يوما أو أربعين ليلة ثم قال بيده هكذا فخرج في يمينه كل طيب وخرج في الأخرى كل خبيث ثم قال: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} قال: يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن. [32]

45

حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام أنه سمع أبا سلام قال حدثنا عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ويشفع كل ألف لسبعين ألفا يحثي بكفه ثلاث حثيات»، فكبر عمر.

46

وحدثنا الربيع بن نافع أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام قال حدثني عبد الله بن عامر أن قيسا الكندي حدث الوليد أن أبا سعيد الخير الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا ويشفع كل ألف لسبعين ألفا ثم يحثي لي ثلاث حثيات بكفه» قال قيس: فأخذت بتلابيب أبي سعيد فجذبته فقلت أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم بأذني ووعاه قلبي. [33] وهو قيس بن الحارث الكندي.

47

حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن أبي سويد عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من فاوض الحجر فإنما يفاوض كف الرحمن» [34] يعني استلام الحجر الأسود.

48

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر قال: سمعت بشر بن عبد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الميزان بيدي الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة». [35]

وإنما جئت بهذه الأخبار كلها ليعلم الناس أن القوم مخالفون لما قاله الله ورسوله وما مضى عليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين وأنهم في ذلك على غير سبيل المؤمنين ومحجة الصادقين.

وقد ادعى المريسي أيضا وأصحابه أن يد الله نعمته. قلت لبعضهم: إذا يستحيل في دعواكم أن يقال خلق الله آدم بنعمته، أم قوله: «بل يداه مبسوطتان» أنعمتان من أنعمه قط مبسوطتان؟ فإن أنعمه أكثر من أن تحصى. أفلم يبسط منها على عباده إلا ثنتين وقبض عنهم ما سواهما في دعواكم؟ فحين رأينا كثرة نعم الله المبسوطات على عباده ثم قال: {بل يداه مبسوطتان} علمنا أنها بخلاف ما ادعيتم ووجدنا أهل العلم ممن مضى يتأولونها خلاف ما تأولتم ومحجتهم أرضى وقولهم أشفى.

49

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة قال قوله {بل يداه مبسوطتان} قال: يعني اليدين.

50

حدثني سعيد بن أبي مريم عن نافع بن عمر الجمحي قال: سألت ابن أبي مليكة عن يد الله أوَاحدة أو اثنتان، قال: بل اثنتان.

51

وحدثنا هدبة بن خالد حدثنا سلام بن مسكين عن عاصم الجحدري في قول الله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} قال: بيديه.

فمن يلتفت بعد هذا إلى تأويل هذا المريسي ويدع تأويل هؤلاء الأئمة.

أرأيتم إذا تأولتم أن يد الله نعمته أفيحسن أن تقولوا في قول رسول الله ﷺ: «يطوي الله السموات بيمنيه يوم القيامة» أنه يطويها بنعمته؟ أم قوله: «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن» وكلتا نعمتي الرحمن نعمة واحدة؟ هذا أقبح محال وأسمج ضلال وهو مع ذلك ضحكة وسخرية ما سبقكم إلى مثلها أعجمي أو عربي. أم قول رسول الله ﷺ: «إن الصدقة تقع في يدي الله قبل يدي السائل» أنها تقع في نعمتي الله؟ أم قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلق الله الخلق فكانوا في قبضته، أي نعمته قال لمن في نعمته اليمنى ادخلوا الجنة وقال لمن في نعمته الأخرى ادخلوا النار؟ أم قول ابن عمر خلق الله أربعة أشياء بيده ثم قال لسائر الأشياء كن فكان أفيجوز أن تقولوا خلق الله أربعة أشياء بنعمته ورزقه ثم قال لسائر الخلق كونوا بلا نعمة ولا رزق فكانوا؟

قد علمت أيها المريسي أن هذه تفاسير مقلوبة خارجة من كل معقول لا يقبله إلا كل جهول. فإذا ادعيت أن اليد عرفت في كلام العرب أنها نعمة قلنا لك أجل، ولسنا بتفسيرها منك أجهل. غير أن تفسير ذلك يستبين في سياق كلام المتكلم حتى لا يحتاج له من مثلك إلى تفسير. إذا قال الرجل "لفلان عندي يد أكافئه عليها" علم كل عالم بالكلام أن يد فلان ليست ببائنة منه موضوعة عند المتكلم وإنما يراد بها النعمة التي يشكر عليها. وكذلك إذا قال "فلان لي يد وعضد وناصر" علمنا أن فلانا لا يمكنه أن يكون نفس يده عضوه ولا عضده، فإنما عني به النصرة والمعونة والتقوية، فإذا قال ضربني فلان بيده وأعطاني الشيء بيده وكتب لي بيده استحال أن يقال "ضربني بنعمته" وعلم كل عالم بالكلام أنها اليد التي بها يضرب وبها يكتب وبها يعطي، لا النعمة. كما قال الله تعالى: {أولي الأيدي والأبصار} أي أولي البصر والعقول بدين الله، لأن كل الناس أولي أيدي وأبصار، فما خص هؤلاء الأنبياء بها علم كل عالم أنها ليست بالأيدي التي يضرب بها ويكتب لما أن الناس كلهم أولو أيدي وأبصار التي هي الجوارح. [36]

ولا يجوز لك أيها المريسي أن تنفي اليد التي هي اليد لما أنه وجد في فرط كلام العرب أن اليد قد تكون نعمة وقوة، ولكن هذا في سياق الكلام معقول وذلك في سياق الكلام معقول. فلما قال الله عز وجل: {خلقت بيدي} استحال فيهما كل معنى إلا اليدين، كما قال العلماء الذين حكينا عنهم. فليس من ذكر هذه الأيدي شيء إلا والشاهد بتفسيرها ينطق في نفس كلام المتكلم فان صرفت منه معنى مفهوما إلى غير مفهوم استحال وإن صرفت عاما إلى خاص استحال وإن صرفت خاصا منه إلى عام استحال أو بطل معناه وأظن أنه ليس بك من الجهل بمعاني الكلام كل ما لا يعقل ما قلنا ولكنك فيه كالغرق تتعلق بكل عود وقد قلنا يكفينا في مس الله آدم بيده بأقل مما ذكرنا ولو لم يكن إلا أنا لا نسمع في شيء من كتاب ولا على لسان أحد من عباد الله أن الله خلق نوحا بيده وهودا وصالحا أو إبراهيم أو إسماعيل أو إسحاق وموسى وعيسى ومحمدا صلوات الله عليهم لكان كافيا.

ولو كان معناه أيها المريسي على ما ادعيت أن الله أراد باليدين تأكيد الخلق لا تأكيد اليد لأكد أيضا في خلق نبي أو رسول كما أكد في خلق آدم في دعواك حتى إن أهل الآخرة يعرفون لآدم تلك الفضيلة في الموقف يوم القيامة فيقولون: اذهبوا بنا إلى آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده اشفع لنا إلى ربك.

52

حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ: «ثم يأتون إبراهيم وموسى وعيسى». [37] ولا يقولون لأحد منهم أنت الذي خلقك الله بيده كما قالوا لآدم بل يقولون لإبراهيم اتخذك الله خليلا ولموسى كلمك الله تكليما ولعيسى كنت تبرئ الأكمه والأبرص ويقولون لآدم من بينهم خلقك الله بيده لما أنه مخصوص بذلك من بينهم كما أن كل واحد من هؤلاء الأنبياء مخصوص بمنقبته التي هي له دون صاحبه. فأي ضلال أبين من ضلال رجل خالفه في دعواه أهل الدنيا وأهل الآخرة ولكن {من يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل}.

فاحتج محتج عن المريسي في إبطال مس الله آدم بيده بقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فقال جعله مثل عيسى وعيسى لم يخلقه بيده؛ فقلنا لهذا المحتج: غلطت في التأويل وضللت عن سواء السبيل فإنه ليس عيسى مثل آدم في كل شيء من أمره وهذا أنه كان بأمر الله وكلمته من غير أب كما أن آدم لم يكن له أب ثم هو في سائر أمره مخالف لآدم أوله خلق الله إياه بيديه والثاني أن الله خلق آدم بتمامه من طين لم يكن صغيرا فيكبر ولم يشتمل عليه بطن ولا رحم ولم يرضع بلبن صغيرا في المهد فكما هو في هذه الأشياء مخالف لآدم فهو له مخالف في خلق يدي الله تعالى؛ وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كيده يد.

فافهم أيها المريسي أنك تأولت في يدي الله أفحش مما تأولت اليهود لأن اليهود قالوا يد الله مغلولة وادعيت أنها مخلوقة ولما أنك تأولتها النعم والأرزاق وهي مخلوقة فماذا لقي الله من عمايتكم هذه - تدعون أن يدي الله مخلوقتان إذ إنهما عندكم رزقاه حلاله وحرامه وموسوعه ومقتوره وهذه كلها مخلوقة

(السمع والبصر)

وادعى المريسي أيضا في قول الله تعالى: {أن الله سميع بصير} {والله بصير بالعباد} أنه يسمع الأصوات ويعرف الألوان بلا سمع ولا بصر وأن قوله: «بصير بالعباد» يعني عالم بهم لا أنه يبصرهم ببصر ولا ينظر إليهم بعين، فقد يقال لأعمى ما أبصره أي ما أعلمه وان كان لا يبصر بعين.

فيقال لهذا المريسي الضال: الحمار والكلب أحسن حالا من إله على هذه الصفة لأن الحمار يسمع الأصوات بسمع ويرى الألوان بعين وإلهك بزعمك أعمى أصم لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر ولكن يدرك الصوت كما يدرك الحيطان والجبال التي ليس لها أسماع ويرى الألوان بالمشاهدة ولا يبصر في دعواك. فقد جمعت أيها المريسي في دعواك هذه جهلا وكفرا. أما الكفر فتشبيهك الله تعالى بالأعمى الذي لا يبصر ولا يرى، وأما الجهل فمعرفة الناس بأنه لا يستقيم في كلام العرب أن يقال لشيء هو سميع بصير إلا وذلك الشيء موصوف بالسمع والبصر من ذوي الأعين والأسماع والأبصار والأعمى من ذوي الأعين وإن كان قد حجب.

فإن كنت تنكر ما قلنا فسم شيئا من الأشياء التي ليست لها أسماع وأبصار هل يجوز أن يقال هو سميع بصير ونحن نقول الله سميع بصير ثم نفيت عنه السمع والبصر اللذين هما السمع والبصر ونفيت عنه العين وكما يستحيل هذا في الأشياء التي ليست لها أسماع وأبصار فهو في الله السميع البصير أشد استحالة.

وكيف استجزت أن تسمي أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة مشبهة إذ وصفوا الله بما وصف به نفسه في كتابه بالأشياء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف، وأنت قد شبهت إلهك في يديه وسمعه وبصره بأعمى وأقطع وتوهمت في معبودك ما توهمت في الأعمى والأقطع، فمعبودك في دعواك مجدع منقوص أعمى لا بصر له وأبكم لا كلام له وأصم لا سمع له وأجذم لا يدان له ومقعد لا حراك به، وليس هذا بصفة إله المصلين فأنت أوحش مذهبا في تشبيهك إلهك بهؤلاء العميان والمقطوعين أم هؤلاء الذين سميتهم مشبهة أن وصفوه بما وصف به نفسه بلا تشبيه، فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين ما سمينا مشبها غيرك لسماجة ما شبهت ومثلت. ويلك إنما نصفه بالأسماء لا بالتكييف ولا بالتشبيه كما يقال إنه ملك كريم عليم حكيم حليم رحيم لطيف مؤمن عزيز جبار متكبر. وقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء وإن كانت مخالفة لصفاتهم، فالأسماء فيها متفقة والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء يعني في الشبه والطعم والذوق والمنظر واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلها واحدا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه، فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم إذ جهلتموه فإن التسمية في التشبيه بعيدة.

وأما ما ادعيت في تفسير قوله {إن الله كان سميعا بصيرا} أنه إنما عنى عالما بالأصوات عالما بالألوان لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر ثم قلت ولم يجئ خبر عن النبي ﷺ وغيره أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر ولكنكم قضيتم على الله بالمعنى الذي وجدتموه في أنفسكم.

فيقال لك أيها المريسي: أما دعواك علينا أنا قضينا عليه بالمعنى الذي وجدناه في أنفسنا فهذا لا يقضي به إلا من هو ضال مثلك، غير أن الله تبارك اسمه أخبر عن نفسه أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر واتصلت عن رسول الله ﷺ بذلك أخبار متصلة، فإن حرمك الله معرفتها فما ذنبنا. قال الله تعالى لموسى {ولتصنع على عيني} وقال: {ودسر * تجري بأعيننا} {واصنع الفلك بأعيننا} ثم ذكر رسول الله ﷺ الدجالَ فقال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» والعور عند الناس ضد البصر والأعور عندهم ضد البصير بالعينين.

ورويت أنت أيها المريسي عن أبي موسى عن النبي ﷺ محتجا لمذهبك أن النبي ﷺ سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال لهم «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» فالصم ضد السمع الذي هو السميع عند الناس وهذا مما رويته وثبته عن النبي ﷺ صحيحا في بعض دعواك به، ففيما ذكرنا عن الله وعن رسوله بيان أن السمع غير البصر وأن البصر غير السمع وأنه يسمع بسمع ويبصر ببصر غير مكيف ولا ممثل.

ومما يزيدك بيانا قول إبراهيم الخليل خليل الله صلوات الله عليه حين قال لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} يعني إبراهيم أن إلهه بخلاف الصنم يسمع بسمع ويبصر ببصر، ولو كان على ما أولت أيها المريسي لقال أبو إبراهيم لإبراهيم فإلهك أيضا لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر. وكذلك قال في أصنام العرب {أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} يعني أن الله بخلافهم له يد يبطش بها وعين يبصر بها وسمع يسمع به.

وادعيت أيضا أنا إن قلنا إن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر فقد ادعينا أن بعضه عاجز وبعضه قوي وبعضه تام وبعضه ناقص وبعضه مضطر، فإن قلتم هو..؛ أيها المريسي لا يجوز هذا القياس في صفة كلب من الكلاب فكيف في صفة رب العالمين بل حرام على السائل أن يسأل عن مثل هذا وحرام على المجيب أن يجيب فيه والعجب من قائله كيف لم يخسف الله به غير أن الله حليم ذو أناة وحلم عمن قال: {الله ثالث ثلاثة} وعمن قال: {اتخذ الله ولدا} وعمن قال: {أنا ربكم الأعلى} ومن قال: {يد الله مغلولة} وكذلك حلم عن هذا المريسي إذ لم يخسف به ولم يعجزه هربا.

ويلك أيها المريسي، إنا لا ندعي فيه هذه الخرافات التي احتججت بها مما ليس لمثلها جواب، ونجله أن نلفظ في صفاته بهذه الخرافات. غير أنا سمعناه يقول إنه سميع بصير و {إنني معكما أسمع وأرى} ففرق بين السمع والبصر فأخذنا من الله ورددنا عليك جهلك وخرافاتك.

أولم تقل أيها المريسي إنه لا يحل لأحد أن يتوهم في صفات الله بما يعرف معناه في نفسه؟ فكيف نسبت الله إلى العجز في سمعه وبصره على المعنى الذي تعرفه من نفسك ثم قلت فكما أنك بأحدهما مضطر إلى الآخر كذلك الله فيما ادعيت علينا مضطر إلى الآخر - فشبهت الله في مذهبك بالإنسان المجدع المنقوص.

أولم تسمع أيها المريسي قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} وكما ليس كمثله شيء ليس كسمعه سمع ولا كبصره بصر ولا لهما عند الخلق قياس ولا مثال ولا شبيه. فكيف تقيسهما أنت بشبه ما تعرف من نفسك وقد عبت على غيرك.

وأما دعواك أن قوله {سميع بصير} أنه يدرك الأصوات ويعلم الألوان، فقد فهمنا بحمد الله معنى كفر ما تقصده به إليه فلا يجوز لك علينا في ذلك أغلوطة إن شاء الله، يعني أن إلهك مهمل شبح هواء قائم في كل مكان لا يوصف بسمع ولا بصر ولا علم ولا كلام ولا وجه ولا يد ولا نفس ولا حد فالسمع عندك منه بصر والبصر منه سمع والوجه ظهر والأعلى منه أسفل والأسفل منه أعلى يسمع الأصوات بزعمك أنه يبلغه الصوت ولا يفهمه كما يبلغ الجبال التي ليست لها أسماع ولا تفقهه ويعرف الألوان بالترائي والمشاهدة لا أن له سمعا يسمع به فيفقهه ولا له بصر يبصر به فيراه ويعرفه كما يقال للدور والقصور يرى بعضها بعضا أي تتراءى وليست لها أبصار والجبال ينظر بعضها إلى بعض بلا بصر فكما يقال ذهب فلان بين سمع الأرض وبصرها من غير أن يكون للأرض سمع ولا بصر هو السمع والبصر فوصفت ربك بما وصف الله به الأصنام ما تقول {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} وكما قال للذين يدعون من دونه {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} ولو كان معنى السمع والبصر إدراك الأصوات وترائي الأجسام لكان ذلك تدرك الأصنام كما يدرك الله في دعواكم، ولكن ما وصفت أيها المريسي صفة الأصنام لا صفة الله فإلى هذا المعنى تقصد في سمع الله وبصره، وقد سمعناه من بعض خطبائكم يغالط بمثل هذه الحجج أنباط كوثى أو أبطاطا أو يهود الحيرة أهل ملة أبيك وجيرانه، فقد سمعت أبا هشام الرفاعي يذكر أنه سمع أبا نعيم يقول إنه رأى أباك يهوديا صباغا بالحيرة. [38]

وأما دعواك أن من وصف الله بالسمع الذي هو السمع والبصر الذي هو البصر وميز بينهما فقد نسبه إلى العجز فما ظننا أيها المريسي أنه يشك أحد من ولد آدم أن العاجز الضعيف المضطر المحتاج الذي لا سمع له ولا بصر حتى ادعيت أنت على جهل منك وما يدعوك إلى ذكر العاجز والقوة وما أشبههما من خرافاتك. صفه بما وصف به نفسه فإنه أعلم بنفسه إنه القوي المتين الغني بجميع صفاته وجميع الذوات وعلى كل الحالات، وهو بجميع ذلك إله واحد لا شريك له المتعالي عما نسبته إليه، قاتلك الله ما أكفرك ولقد كنت أسمع بكفرك قديما وحكي لي بعضه عنك وما ظننت أنك تعتقد من أنواع الكفر كل ما روى عنك المعارض قلنا وما إخاله يعقل معاني كلامك وما يؤديك إلى صريح الكفر فإن هو عقله واعتقده فهو مثلك إذ يعتقده ثم يبثه وينشره للعوام إذ لم تكن أنت تجترئ أن تنشره في بلدك للأنام إلا مناجاة بينك وبين جهلة طغام.

وأما ما ادعيت أنه لم يجئ خبر عن النبي ﷺ أن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر فسنروي لك فيه ما قد غضبت منه إن شاء الله.

53

حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن تميم ابن سلمة عن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن خولة جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ فيخفى علي أحيانا بعض ما تقول فأنزل الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله}. [39]

54

وحدثنا موسى بن إسماعيل أن جرير بن حازم حدثهم قال: سمعت أبا يزيد المزني قال لقيت امرأة عمر يقال لها خولة بنت ثعلبة فقال عمر: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات. [40]

55

حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ حدثنا حرملة بن عمران التجيبي قال: حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ {إن الله كان سميعا بصيرا} فوضع أصبعه الدعا على عينيه وإبهامه على أذنيه. [41]

56

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا». [42]

أفلا ترى أيها المريسي أن رسول الله ﷺ ذكر الأصم والسميع وهما متضادان فأخبر أن الله سميع بخلاف الأصم.

57

حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال إني لمستتر بأستار الكعبة إذ جاء ثلاثة نفر: ثقفي وختناه قرشيان، كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتحدثوا الحديث بينهم فقال أحدهم أترى الله يسمع ما قلناه فقال الآخر إن كان يسمع إذا رفعنا فإنه يسمع إذا خفضنا. فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين}.

58

حدثنا عبد الله بن صالح أن يحيى بن أيوب المصري حدثه عن عبد الله بن سليمان عن دراج قال: حدثني أبو الهيثم عن أبي سعيد وعن ابن حجيرة الأكبر عن أبي هريرة أو أحدهما عن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل السماء والأرض فإذا قال الرجل لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر جهنم قال الله لجهنم إن عبدا من عبادي استجارني من حرك فإني أشهدك فقد أجرته منك فإذا كان يوم شديد البرد ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل الأرض فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنم يا رسول الله؟ قال: بيت يلقى فيه الكفار يتميز من شدة برده بعضه من بعض». [43]

قلت لأبي اليمان أخبرك شعيب عن الزهري قال: قال سالم قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني سأقول لكم قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمن أنه أعور وأن الله ليس بأعور». فأخبرني أبو اليمان أن شعيبا أخبره به. [44]

ففي تأويل قول رسول الله ﷺ: «إن الله ليس بأعور» بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور.

59

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله أن الدجال ذكر عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينيه عنبة طافية». [45]

60

حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: أعور جعد، وإن ربكم ليس بأعور. [46]

61

حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله الله {المر} قال: أنا الله أرى. [47]

62

حدثنا الزهراني أبو الربيع حدثنا أبو معشر المدني عن سعيد وهو المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال حتى نوح، وسأخبركم عنه بشيء ما أخبر به نبي كان قبلي، إنه كان أعور وإن الله ليس كذلك، مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن».

63

حدثنا القعنبي فيما قرأ على مالك بن أنس عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يحدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء». [48]

64

حدثنا القعنبي فيما قرأ على مالك بن أنس عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله إلا أنه قال: «جر إزاره بطرا». [49]

65

حدثنا القعنبي عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ مثله.

66

حدثنا سهل بن بكار حدثنا عبد السلام أبو الجليل قال: سمعت عبيدة الهجيمي يحدث عن أبي جري جابر قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: السلام عليك، فقال: وعليك، ثم قال: «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين له فتبختر فيهما فنظر الله إليه من فوق عرشه فمقته فأمر الأرض فأخذته فهو يتجلجل بين الأرضيين فاحذروا وقائع الله». [50]

فهاك خذها أيها المريسي قد جئناك بها عن رسول الله ﷺ مأثورة صحيحة بعدما ادعيت بجهلك أنه لم يأت فيه أثر عن رسول الله ﷺ ولا عن غيره وما تصنع فيه بأثر بعد قول الله عز وجل إنه كان سميعا بصيرا لأنه لا يقال لشيء إنه سميع بصير إلا لمن هو من ذوي الأسماع والأبصار وقد يقال في مجاز الكلام الجبال والقصور تتراءى وتسمع على معنى أنها يقابل بعضها بعضا وتبلغها الأصوات ولا تفقه ولا يقال جبل سميع بصير وقصر بصير لأن سميع مستحيل ذلك إلا لمن يسمع بسمع ويبصر ببصر، فإن أنكر أصحاب المريسي ما قلنا فليسموا شيئا ليس من ذوي الأسماع والأبصار أجازت العرب أن يقولوا هو سميع بصير فإنهم لا يأتون بشيء يجوز أن يقال له ذلك.

وادعيت أيها المريسي في قول الله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} وفي قوله {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان لما أنه غير متحرك عندك ولكن يأتي يوم القيامة بزعمك وقوله {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ولا يأتي هو بنفسه ثم زعمت أن معناه كمعنى قوله {فأتى الله بنيانهم من القواعد} و {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}. يقال لهذا المريسي قاتلك الله ما أجرأك على الله وعلى كتابه بلا علم ولا بصر، أنبأك الله أنه إتيان وتقول ليس إتيانا إنما هو مثل قول {فأتى الله بنيانهم من القواعد} لقد ميزت بين ما جمع الله وجمعت بين ما ميز الله ولا يجمع بين هذين في التأويل إلا كل جاهل بالكتاب والسنة لأن كل واحد منهما مقرون به في سياق القراءة لا يجهله إلا مثلك.

وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سمواته وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السموات يومئذ لنزوله وتنزل الملائكة تنزيلا ويحمل عرش ربك فوقهم ثمانية كما قال الله ورسوله. فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه فقوله {فأتى الله بنيانهم من القواعد} يعنى مكره من قبل قواعد بنيانهم {فخر عليهم السقف من فوقهم} فتفسير هذا الاتيان خرور السقف من فوقهم.

وقوله {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} مكر بهم فقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وهم بنو قريظة، فتفسير الإتيان مقرون بهما خرور السقف والرعب، وتفسير إتيان الله يوم القيامة منصوص في الكتاب مفسر، قال الله تعالى: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية - إلى قوله - هلك عني سلطانيه}. فقد فسر الله تعالى المعنيين تفسيرا لا لبس فيه ولا يشتبه على ذي عقل فقال فيما يصيب به من العقوبات في الدنيا {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس} فحين قال: {أتاها أمرنا} علم أهل العلم أن أمره ينزل من عنده من السماء وهو على عرشه فلما قال: {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة} الآيات التي ذكرنا وقال أيضا {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} و {يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} و {دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا} علم بما قص الله من الدليل وبما حد لنزول الملائكة يومئذ أن هذا إتيان الله بنفسه يوم القيامة ليليَ محاسبة خلقه بنفسه لا يلي ذلك أحد غيره وأن معناه مخالف لمعنى اتيان القواعد لاختلاف القضيتين.

ألا ترى أيها المريسي أنه قال: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} ولم يذكر عندها نفخ الصور ولا تشقق السماء ولا تنزل الملائكة ولا حمل العرش ولا يوم العرض ولكن قال: {فخر عليهم السقف من فوقهم} في دنياهم {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} فرد الإتيان إلى العذاب ففرق بين المعنيين ما فرق ربهما من الدلائل والتفسير وإنما يصرف كل معنى إلى المعنى الذي ينصرف إليه ويحتمله في سياق القول إلا أن يجد الشيء اليسير في الفرط يجوز في المجاز بأقل المعاني وأبعدها عن العقول فيعمد إلى أكثر معاني الأشياء وأغلبها فيصرف المشهورات منها إلى المغمورات المستحالات يغالط بها الجهال ويروج عليهم به الضلال فيكون ذلك دليلا منه على الظنة والريبة ومخالفة العامة والقرآن عربي مبين تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها وأعمها عندهم فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصا أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبدا كما قال الله تعالى وقد كفانا رسول الله ﷺ وأصحابه تفسير هذا الإتيان حتى لا يحتاج له منك إلى تفسير ولو لم يأت عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه فيه أثر لم تكن ممن يعتمد على تفسيرك لما أنك فيه ظنين غير أمين.

67

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه قال فيقول المؤمنون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه». [51]

68

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} قال: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض ومن الجن والإنس فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم تشقق السماء الثانية وساقه إلى السماء السابعة قال فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم يأتي الرب تبارك وتعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات والأرض. [52]

69

حدثنا عبد الله بن صالح المصري حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال وتلا هذه الآية {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم تعمل عليها الخطايا ينزل عليها الجبار.

70

حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عوف عن أبي المنهال عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم فإذا كان ذلك قبضت هذه السماء الدنيا على أهلها فنثروا على وجه الأرض فإذا أهل السماء الدنيا أكثر من جميع أهل الأرض فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا وقالوا أفيكم ربنا فيقولون ليس فينا وهو آت قال ثم يقبض أهل السماء الثانية وساق إلى السماء السابعة قال فلأهل السماء السابعة وحدهم أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بالضعف قال: ويجيء الله تعالى فيهم والأمم جثيا صفوف قال فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم. [53]

ومن يلتفت أيها المريسي إلى تفسيرك المحال في إتيان الله يوم القيامة ويدع تفسير رسول الله ﷺ وأصحابه إلا كل جاهل مجنون خاسر مفتون لما أنك مغبون في الدين مأبون وعلى تفسير كتاب الله غير مأمون ويلك أيأتي الله بالقيامة ويتغيب هو نفسه فمن يحاسب الناس يومئذ لقد خشيت على من ذهب مذهبك هذا وأستيقن أنه لا يؤمن بيوم الحساب.

وادعيت أيها المريسي أن قول الله تعالى: {هو الحي القيوم} وادعيت أن تفسير القيوم عندك الذي لا يزول يعني الذي لا ينزل ولا يتحرك ولا يقبض ولا يبسط وأسندت ذلك عن بعض أصحابك غير مسمى عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: القيوم الذي لا يزول وعند أهل البصر. ومع روايتك هذه عن ابن عباس دلائل وشواهد أنها باطل.

إحداها أنك أنت رويتها وأنت المتهم في توحيد الله.

والثانية أنك رويته عن بعض أصحابك غير مسمى، وأصحابك مثلك في الظنة والتهمة.

والثالث أنه عن الكلبي وقد أجمع أهل العلم بالأثر على أن لا يحتجوا بالكلبي في أدنى حلال ولا حرام فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كتابه، وكذلك أبو صالح.

ولو قد صحت روايتك عن ابن عباس أنه قال القيوم الذي لا يزول لم نستنكره وكان معناه مفهوما واضحا عند العلماء وعند أهل البصر بالعربية أن معنى لا يزول لا يفنى ولا يبيد لا أنه لا يتحرك ولا يزول من مكان إلى مكان إذا شاء كما كان يقال للشيء الفاني هو زائل كما قال لبيد بن ربيعة:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ** وكل نعيم لا محالة زائل

يعني فانٍ لا أنه متحرك فإن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، وما لا يتحرك فهو ميت لا يوصف بحياة كما وصف الله تعالى الأصنام الميتة فقال: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} فالله الحي القيوم القابض الباسط يتحرك إذا شاء ويفعل ما يشاء بخلاف الأصنام الميتة التي لا تزول حتى تزال.

واحتججت أيضا أيها المريسي في نفي التحريك عن الله عز وجل والزوال بحجج الصبيان فزعمت أن إبراهيم عليه السلام حين رأى كوكبا وشمسا وقمرا {قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} ثم قلت فنفى إبراهيم المحبة من كل إله زائل يعني أن الله إذا نزل من سماء إلى سماء أو نزل يوم القيامة لمحاسبة العباد فقد أفل وزال كما أفل الشمس والقمر فتنصل من ربوبيتهما إبراهيم فلو قاس هذا القياس تركي طمطماني أو رومي أعجمي ما زاد على ما قست قبحا وسماجة.

ويلك ومن قال من خلق الله تعالى أن الله تعالى إذا نزل أو تحرك أو نزل ليوم الحساب أفل في شيء كما تأفل الشمس في عين حمئة. إن الله لا يأفل في خلق سواه إذا نزل أو ارتفع كما تأفل الشمس والقمر والكواكب بل هو العالي على كل شيء المحيط بكل شيء في جميع أحواله من نزوله وارتفاعه. وهو الفعال لما يريد لا يأفل في شيء بل الأشياء كلها تخشع له والمواضع والشمس والقمر والكواكب خلائق مخلوقة إذا أفلت أفلت في مخلوق في عين حمئة كما قال الله والله أعلى وأجل لا يحيط به شيء ولا يحتوي عليه شيء.

(باب رؤية الله)

ثم انتدب المريسي الضال لرد ما جاء عن رسول الله ﷺ في الرؤية في قوله: «سترون ربكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر» فأقر الجاهل بالحديث وصححه وثبت روايته عن النبي ﷺ ثم تلطف لرده وإبطاله بأقبح تأويل وأسمج تفسير. ولو قد رد الحديث أصلا كان أعذر له من تفاسيره هذه المقلوبة التي لا يوافقه عليها أحد من أهل العلم ولا من أهل العربية فادعى الجاهل أن تفسير قول رسول الله ﷺ: «سترون ربكم لا تضامون في رؤيته» تعلمون أن لكم ربا لا تشكون فيه كما انكم لا تشكون في القمر أنه قمر لا على أن أبصار المؤمنين تدركه جهرة يوم القيامة لأنه نفى ذلك عن نفسه بقوله {لا تدركه الأبصار} قال وليس على معنى قول المشبهة فقوله: «ترون ربكم» تعلمون أن لكم ربا لا يعتريكم فيه الشكوك والريب ألا ترون أن الأعمى يجوز أن يقال ما أبصره أي ما أعلمه وهو لا يبصر شيئا ويجوز أن يقول الرجل قد نظرت في المسألة وليس للمسألة جسم ينظر إليه فقوله نظرت فيها رأيت فيها فتوهمت المشبهة الرؤية جهرة وليس ذلك من جهة العيان.

فيقال لك أيها المريسي: أقررت بالحديث وثبته عن رسول الله ﷺ فأخذ الحديث بحلقك لما أن رسول الله ﷺ قد قرن التفسير بالحديث فأوضحه ولخصه يجمعها جميعا إسناد واحد حتى لم يدع لمتأول فيه مقالا. فأخبر أنه رؤية العيان نصا كما توهم هؤلاء الذين تسميهم بجهلك مشبهة فالتفسير فيه مأثور مع الحديث وأنت تفسره بخلاف ما فسر الرسول من غير أثر تأثير عمن هو أعلم منك فأي شقي من الأشقياء وأي غوي من الأغوياء يترك تفسير رسول الله ﷺ المقرون بحديثه المعقول عند العلماء الذي يصدقه ناطق الكتاب ثم يقبل تفسيرك المحال الذي لا تأثره إلا عمن هو أجهل منك وأضل.

أليس قد أقررت أن النبي ﷺ قال: «ترون ربكم لا تضامون فيه كما لا تضامون في رؤية الشمس والقمر» وإنما قال النبي ﷺ لأصحابه لا تشكون يوم القيامة في ربوبيته وهذا التفسير مع ما فيه من معاندة الرسول ﷺ محال خارج عن المعقول لأن الشك في ربوبية الله عز وجل زائل عن المؤمن والكافر يوم القيامة فكل مؤمن وكافر يومئذ يعلم أنه ربه لا يعتريهم في ذلك شك فيقبل الله ذلك من المؤمنين ولا يقبله من الكافرين ولا يعذرهم يومئذ بمعرفتهم ويقينهم به فما فضل المؤمن على الكافر يوم القيامة عندك في معرفة الرب تعالى إذ مؤمنهم وكافرهم لا يعتريه في ربوبيته شك.

أوما علمت أيها المريسي أنه من مات ولم يعرف قبل موته أن الله ربه في حياته حتى يعرفه بعد مماته فإنه يموت كافرا ومصيره النار أبدا ولن ينفعه الإيمان يوم القيامة بما يرى من آياته إن لم يكن آمن به من قبل فما موضع بشرى رسول الله ﷺ المؤمنين برؤية ربهم يوم القيامة إذ كل مؤمن وكافر في الرؤية يومئذ سواء عندك إذ كل لا يعتريه فيه شك ولا ريبة.

أولم تسمع أيها المريسي قول الله تعالى: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون» {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا} فقد أخبر الله عز وجل عن الكفار أنهم به يومئذ موقنون فكيف المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ الذين سألوه هل نرى ربنا وقد علموا قبل أن يسألوه أن الله ربهم لا يعتريهم في ذلك شك ولا ريب.

أولم تسمع ما قال الله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} يقال في تفسيره إنه طلوع الشمس من مغربها. فإذا لم ينفع الرجل إيمانه عند الآيات التي في الدنيا فكيف ينفعه يوم القيامة فيستحق بها النظر إلى الله تعالى فاعقل أيها المريسي ما يجلب عليك كلامك من الحجج الآخذة بحلقك.

وأما إدخالك على رسول الله ﷺ فيما حقق من رؤية الرب يوم القيامة قوله {لا تدركه الأبصار} فإنما يدخل على من عليه نزل وقد عرف ما أراد الله به وعقل فأوضحه تفسيرا وعبره تعبيرا ففسر الأمرين جميعا تفسيرا شافيا كافيا. سأله أبو ذر هل رأيت ربك، يعني في الدنيا فقال: «نور أنى أراه».

71

حدثنا الحوضي وغيره عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ. [54]

فهذا معنى قوله {لا تدركه الأبصار} في الحياة الدنيا فحين سئل عن رؤيته في المعاد قال: «نعم جهرة كما ترى الشمس والقمر ليلة البدر» ففسر رسول الله ﷺ المعنيين على خلاف ما ادعيت.

والعجيب من جهلك بظاهر لفظ رسول الله ﷺ إذ تتوهم في رؤية الله جهرة كرؤية الشمس والقمر ثم تدعي أنه من توهم من سميتهم بجهلك مشبهة فرسول الله ﷺ في دعواك أول المشبهين إذ شبه رؤيته برؤية الشمس والقمر كما شبهه هؤلاء المشبهون في دعواك.

وأما أغلوطتك التي غالطت بها جهال أصحابك في رؤية الله تعالى يوم القيامة فقلت ألا ترى أن قوم موسى حين قالوا {أرنا الله جهرة} أخذتهم الصاعقة وقالوا {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} فأخذتهم الصاعقة وقالوا {أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} فادعيت أن الله أنكر عليهم ذلك وعابهم بسؤالهم الرؤية.

فيقال لهذا المريسي: تقرأ كتاب الله وقلبك غافل عما يتلى عليك ألا ترى أن أصحاب موسى سألوا موسى رؤية الله في الدنيا إلحافا فقالوا {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ولم يقولوا حتى نرى الله في الآخرة ولكن في الدنيا.

وقد سبق من الله القول بأنه {لا تدركه الأبصار} أبصار أهل الدنيا فأخذتهم الصاعقة بظلمهم وسؤالهم عما حظره الله على أهل الدنيا ولو قد سألوه رؤيته في الآخرة كما سأل أصحاب محمد ﷺ محمدا ﷺ لم تصبهم تلك الصاعقة ولم يقل لهم إلا ما قال محمد ﷺ لأصحابه إذ سألوه هل نرى ربنا يوم القيامة فقال: «نعم لا تضارون في رؤيته» فلم يعبهم الله ولا رسوله بسؤالهم عن ذلك بل حسنه لهم وبشرهم بها بشرى جميلة كما رويت أيها المريسي عنه. وقد بشرهم الله تعالى بها قبله في كتابه فقال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وقال للكفار {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فقوم موسى سألوا نبيهم ما قد حظره الله على أهل الدنيا بقوله {لا تدركه الأبصار} وسأل أصحاب محمد ﷺ نبيهم ما أخبر الله أنه سيعطيهم ويثيبهم به فصعق قوم موسى بسؤالهم ما لا يكون وسلم أصحاب محمد ﷺ بسؤالهم ما يكون ومتى عاب الله على قوم موسى سؤال الرؤية في الآخرة فتفتري بذلك عليهم تكذب على الله وعلى رسوله والله لا يحب الكاذبين.

وقد فسرنا أمر الرؤية وروينا ما جاء فيها من الآثار في الكتاب الأول الذي أمليناه في الجهمية وروينا منها صدرا في صدر هذا الكتاب أيضا فالتمسوها هنالك واعرضوا ألفاظها على قلوبكم وعقولكم تتكشف لكم عورة كلام هذا المريسي وضلال تأويله ودحوض حجته إن شاء الله تعالى ولولا أن يطول به الكتاب لأعدت الباب بطوله وأسانيده.

(أصابع الرحمن)

ورويت أيها المريسي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». [55] فأقررت بأن النبي ﷺ قاله ثم رددته بأقبح محال وأوحش ضلال ولو قد دفعت الحديث أصلا لكان أعذر لك من أن تقربه ثم ترده بمحال من الحجج وبالتي هي أعوج فزعمت أن أصبعي الله قدرتيه وكذلك قوله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} أي في ملكه.

فيقال لك أيها المعجب بجهالته: في أي لغات العرب وجدت أن أصبعيه قدرته فأنبئنا بها فإنا قد وجدناها خارجة من جميع لغاتهم إنما هي قدرة واحدة قد كفت الأشياء كلها وملأتها واستنطقها فكيف صارت للقلوب من بين الأشياء قدرتان وكم تعدها قدرة فإن النبي ﷺ قال: «بين أصبعين» وفي دعواك هي أكثر من قدرتين وثلاث وأربع وحكمت فيها للقلوب قدرتين وسائرها لما سواها ففي دعواك هذا أقبح محال وأبين ضلال فكيف ادعيت أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه أنها صارت يوم القيامة في ملكه كأنهما كانتا قبل يوم القيامة في ملك غيره خارجة عن ملكه فكان مغلوبا عليها في دعواك حتى صارت يوم القيامة في ملكه وما بالها تصير في ملكه يوم القيامة مطويات ولا تكون في ملكه منشورات وما أراك إلا ستدري أن قوله {مطويات} ناقض لتأويلك.

ومما يزيده نقضا قوله الآخر {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} وقول رسول الله ﷺ: «يطوي الله السماء يوم القيامة بيمينه ثم يقول أنا الملك» ففي قول الله {يوم نطوي السماء} وحديث رسوله ﷺ بيان ومعنى مخالف قيلك لا شك فيه وكيف أقررت بالحديث في الأصبعين من أصابع الله وفسرتهما قدرتين وكذبت بحديث ابن مسعود في خمس أصابع وهو أجود إسنادا من حديث الأصبعين أفلا أقررت بحديث ابن مسعود ثم تأولته القدرة خمس قدرات كما تأولت في الأصبعين بقدرتين فإن النبي ﷺ قال: «بين أصبعين من الأصابع».

فأما تكذيبك بحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أن حبرا من اليهود قام إليه فقال أبلغك أن الله يحمل يوم القيامة السموات على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع والخلائق على أصبع ثم يهزهن ويقول أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ تعجبا لما قال الحبر وتصديقا له ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}. [56] فادعيت أن هذه نزلت تكذيبا لما قال الحبر. ثم قلت: أفتحتجون بقول اليهود.

فيقال لك أيها المريسي: قلما رأينا مفسرا ومتكلما أشد مناقضا لكلامه منك مرة تقول الحديث يروى عن النبي ﷺ وتفسره قدرتين ومرة تقول هو كذب وقول اليهود تقر به مرة وتنكر أخرى ولو قد كنت من أهل الحديث ورواته لعلمت أن الأثر قد جاء به تصديقا لليهودي لا تكذيبا له كما ادعيت.

72

حدثنا أحمد بن يونس عن فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه ضحك من قول الحبر تعجبا لما قال وتصديقا له. [57]

فعمن رويت أيها المريسي أنه قال في حديث ابن مسعود أنه قال تكذيبا له؟ فأنبئنا به وإلا فإنك فيها من الكاذبين.

وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله عز وجل المؤمنين بما قال الله أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء فقد ادعيت عليهم في ذلك زورا باطلا وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها إنما يثبتون منها ما أنت له معطل وبه مكذب ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله تعالى ورسوله ﷺ ولا يدعون جوارح ولا أعضاء كما تقولت عليهم غير أنك لا تألو في التشنيع عليهم بالكذب ليكون أروج لضلالتك عند الجهال ولئن جزعت من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ في قصة الحبر ما لك راحة في رواية عائشة وأم سلمة وغيرهم مما يحقق حديث ابن مسعود ويثبت روايته.

73

حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه». [58]

74

وحدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرناه حيوة بن شريح أخبرني أبو هانئ الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرف كيف شاء» ثم يقول رسول الله ﷺ: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». [59]

75

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر قال: سمعت بشر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه» وكان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم مقلب القلوب ثيت قلوبنا على دينك». [60]

76

حدثنا عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش بن أبي مهران عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن». [61]

77

حدثنا يزيد بن عبد ربه الحمصي حدثنا بقية بن الوليد عن عتبة ابن أبي حكيم عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء قال به هكذا وأمال يده وإذا شاء قال به هكذا وأمال يده وإذا شاء ثبته». [62]

78

حدثنا عمرو بن عون الواسطي أخبرني عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها تحدث أن رسول الله ﷺ قال: «ما من بني آدم بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه». [63]

فهذه ألفاظ رسول الله ﷺ في الحديث الذي رويته وثبته بلسان عربي مبين ففي أي لغات وجدت أنها قدرتان من القدر وهل من شيء ليس قدرة الله التي وسعت كل شيء حتى يخص رسول الله ﷺ القلوب من بينها بقدرتين فلم تدع ما إذا رجعت فيه إلى نفسك علمت أنه ضلال وباطل وضحكة وسخرية مع أن المعارض لم يقنع بتفسير إمامه المريسي حتى اخترق لنفسه فيه مذهبا خلاف ما قال إمامه وخلاف ما يوجد في لغات العرب والعجم فقال: أصبعاه نعمتاه، قال: وهذا جائز في كلام العرب.

فيقال لهذا المعارض: في أي كلام العرب وجدت إجازته وعن أي فقيه أخذته فاستند إليه وإلا فإنك من المفترين على الله ورسوله فلو كنت الخليل بن أحمد أو الأصمعي ما قبل ذلك منك إلا بحجة.

79

وأما إنكارك أيها المريسي على رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يتراءى لعباده المؤمنين يوم القيامة في غير صورته فيقولون نعوذ بالله منك ثم يتراءى في صورته التي يعرفونها فيعرفونه فيتبعونه». [64]

فزعمت أيها المريسي أن من أقر بهذا فهو مشرك.

يقال لهم: أليس قد عرفتم ربكم في الدنيا فكيف جهلتموه عند العيان وشككتم فيه؟

قال أبو سعيد: فيقال لك أيها المريسي: قد صح عن رسول الله ﷺ من رواية الزهري؛ حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي ﷺ. كأنك تسمع رسول الله ﷺ من جوده يقوله. [65] فاحذر أن لا يكون قذفك بالشرك أن يقع إلى رسول الله ﷺ. وما ذنبنا إن كان الله قد سلب عقلك حتى جهلت معناه.

ويلك إن هذا ليس بشك وارتياب منهم ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرفهم صفاتها في الدنيا لاعترفوا بما عفروا ولم ينفروا ولكنه يري نفسه في أعينهم لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا إيمانا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في الدنيا فآمنوا به وصدقوا وماتوا وبشروا عليه من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته. فليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين كما قال ابن مسعود رضي الله عنه «أنه قال لهم يوم القيامة: أتعرفون ربكم؟ فيقولون إنه إذا اعترف لنا عرفناه» [66]. يقولون: لا نقر بالربوبية إلا لمن استشعرته قلوبنا بصفاته التي أنبأنا بها في الدنيا فحينئذ يتجلى لهم في صورته المعروفة عندهم فيزدادون عند رؤيته إيمانا ويقينا وبربوبيته اغتباطا وطمأنينة وليس هذا من باب الشك على ما ذهبت إليه بل هو يقين بعد يقين وإيمان بعد إيمان ولكن الشك والريبة كلها ما ادعيت أيها المريسي في تفسير الرؤية أن رسول الله ﷺ قال: «ترون ربكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته» فادعيت أن رؤيتهم تلك أنهم يعلمون يومئذ أن لهم ربا لا يعتريهم في ذلك شك كأنهم في دعواك أيها المريسي لم يعلموا في الدنيا أنه ربهم حتى يستقينوا به في الآخرة. فهذا التفسير إلى الشك أقرب مما ادعيت في قول رسول الله ﷺ في الشك والشرك لا بل هو الكفر لأن الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم يعلمون يومئذ أن الله ربهم لا يعتريهم في ذلك شك ألا ترى أنه يقول {أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} فالشك في الله الذي تأولته أنت في الرؤية، لا ما قال رسول الله ﷺ.

ويلك، إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل ولكن يمثل في أعينهم يومئذ. أولم تقرأ كتاب الله {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا} وهو الفعال لما يشاء كما مثل جبريل عليه السلام مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله ﷺ صورة دحية الكلبي وكما مثله لمريم بشرا سويا وهو ملك كريم في صورة الملائكة وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا {إنا قتلنا المسيح} فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم}.

وما علمك أيها المريسي بهذا وما أشبهه غير أنه وردت عليك آثار لرسول الله ﷺ أخذت بحلقك ونقضت عليك مذهبك فالتمست الراحة منها بهذه المغاليط والأضاليل التي لا يعرفها أحد من أهل العلم والبصر بالعربية وأنت منها في شغل كلما غالطت بشيء أخذ بحلقك شيء فخنقك حتى تلتمس له أغلوطة أخرى ولئن جزعت من هذه الآثار فدفعتها بالمغاليط مالك راحة فيما يصدقها من كتاب الله عز وجل الذي لا تقدر على دفعه وكيف تقدر على دفع هذه الآثار وقد صحت عن رسول الله ﷺ ألفاظها بلسان عربي مبين ناقضة لمذاهبك وتفاسيرك قد تداولتها أيدي المؤمنين وتناسخوها يؤديها الأول إلى الآخر والشاهد إلى الغائب إلى أن تقوم الساعة ليقرعوا بها رؤوس الجهمية ويهشموا بها أنوفهم وينبذ تأويلك في حش أبيك ويكسر في حلقك كما كسر في حلوق من كان فوقك من الولاة والقضاة الذين كانوا من فوقك مثل ابن أبي داؤد وعبد الرحمن وشعيب بعده وغسان وابن رباح المفتري على القرآن.

فإن كنت تدفع هذه الآثار بجهلك فما تصنع في القرآن وكيف تحتال له وهو من أوله إلى آخره ناقض لمذهبك ومكذب لدعواك حتى بلغني عنك من غير رواية المعارض أنك قلت ما شيء أنقض لدعوانا من القرآن غير أنه لا سبيل لدفعه إلا مكابرة بالتأويل.

ثم أنشأت أيها المريسي تطعن في حديث الرسول ﷺ بعدما صدقت به وعرفت أنه قد قاله ثم فسرته تفسيرا مخالفا لتفاسير أهل الضلالة وهو قوله ﷺ: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه فتزوى فتقول قط قط». [67]

وادعيت أيها المريسي أن الحديث حق ومعناه عندك أنها لا تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فقلت معنى قدمه أهل الشقوة الذين سبق لهم في علمه أنهم صائرون إليها كما قال ابن عباس بباطل زعمك في تفسير قول الله تعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} قال: ما قدموا من أعمالهم.

فقد روينا أيها المريسي عن الثقات الأئمة المشهورين عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير القدم خلاف ما ادعيت من تأويلك هذا. [68]

80

حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ويحيى الحماني عن وكيع عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدره إلا الله عز وجل. [69]

فهذا الذي عرفناه عن ابن عباس صحيحا مشهورا.

فما بالك تحيد عن المشهور المنصوص من قوله وتتعلق بالمغمور منه الملتبس الذي يحتمل المعاني.

وكيف تدعي أنها لا تمتلئ حتى يلقي الله فيها الأشقياء الذين هم قدم الجبار عندك فتمتلئ بهم في دعواك وهل استزادت أيها التائه إلا بعد مصير الأشقياء إليها وإلقاء الله إياهم فيها فاستزادت بعد ذلك أفيلقيهم فيها ثانية وقد ألقاهم فيها قبل فلم تمتلئ كأنه في دعواك حبس عنها الأشقياء وألقى فيها السعداء فلما استزادت ألقى فيها الأشقياء بعد حتى ملأها.

لو ادعى هذا من لم يسمع حرفا من القرآن ما زاد.

ثم رددت الحديث بعدما أقررت به أنه حق فقلت: يقال لهؤلاء المشبهة أليس من قال إن الله يخلف وعده كافر فإن قالوا نعم فقل لهم من زعم أن جهنم تمتلئ من غير الجنة والناس فقد كفر لأن الله تعالى قال: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}.

ويلك أيها المريسي، إنما أنزل هذه الآية من أنزل التي في ق {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} ويجوز في الكلام أن يقال لممتلئ استزاد كما يمتلىء الرجل من الطعام والشراب فيقول قد امتلأت وشبعت وهو يقدر أن يزداد كما يقال امتلأ المسجد من الناس وفيه فضل وسعة للرجال بعد وامتلأ الوادي ماء وهو محتمل لأكثر منه وكما قال النبي ﷺ: «يخرج المهدي فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما». [70] وفي الأرض سعة بعد لأكثر من ذلك الظلم وأكثر من ذلك القسط فتمتلئ جهنم بما يلقى فيها مما وعدها من الجنة والناس فتقول هل من مزيد لفضل فيها غضبا لله على الكفار حتى يفعل الجبار بها ما أخبر رسول الله ﷺ كما شاء وكما عنى رسول الله ﷺ فحينئذ تقول «حسبي حسبي».

وكيف يستحيل أيها المريسي ما وصف رسول الله ﷺ من وضع القدم في جهنم وأنت تزعم أن الله بكماله في جهنم قبل أن يملأها وبعدما ملأها لأنك تزعم أنه لا يخلو منه مكان فجهنم من أعظم الأمكنة فأنت أول من كذب بالآية إذ تدعي أن جهنم ممتلئة من الجبار تبارك وتعالى عز وجل عن وصفك.

ثم ادعيت أن من تأول في هذا قدم الجبار فقد جعل الله من الجنة والناس ومن تبع إبليس إذ زعم أن شيئا منه يدخل جهنم والله يقول: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}.

فيقال لك أيها المريسي: فأنت أول من جعلته من الجنة والناس ومن تبع إبليس إذ تزعم أنه لا تخلو منه جهنم ولا شيء من الأمكنة أفبعض أوحش أم كل؟

ويلك إنما أراد الله بقوله {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} الذين حق عليهم العذاب ولها خزنة يدخلونها ملائكة غلاظ شداد غير معذبين بها وفيها كلاب وحيات وعقارب وقال: {عليها تسعة عشر * وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} فلا يدفع هذه الآيات قوله {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} كما لا يدفع هذه الآية قول النبي ﷺ: «يضع الجبار فيها قدمه». فإذا كنت جهنم لا تضر الخزنة الذين يدخلونها ويقومون عليها فكيف تضر الذي سخرها لهم؟ فإن أنت أقررت بالخزنة وملائكة العذاب وما فيها من غير الجنة والناس كفرت في دعواك لأنك زعمت أن من ادعى أن جهنم تمتلئ من غير الجنة والناس فقد كفر وهذه الآثار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذكر القدم مما أنت مصدق محقق.

81

حدثنا سهل بن بكار البصري حدثنا أبان عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال نبي الله ﷺ: «لا تزال جهنم تقول هل من مزيد فيدلي فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قط بعزتك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنهم فيها». [71]

82

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن عطاء ابن السائب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار يا رب يدخلني الجبارون والملوك والأشراف وقالت الجنة يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين فقال الله للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء وقال للجنة أنت رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فيلقى فيها وتقول هل من مزيد ثلاث مرات حتى يأتيها فيضع قدمه عليها وتقول قدي قدي ثلاثا». [72]

83

وقرأت على عثمان بن الهيثم المؤذن أن عوف بن أبي جميلة الأعرابي حدثه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اختصمت الجنة والنار وقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلا سفلة الناس وسقاطهم أو كما قالت فقال لهما قال للجنة أنت رحمتي أسكنك من أشاء من خلقي ولكل واحدة منكما ملؤها وأما جهنم فإنها لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها فينزوي بعضها إلى بعض قد قد قد وأما الجنة فإن الله ينشئ لها ما من خلقه». [73]

84

فأخبرني عثمان بن الهيثم أن عوفا حدثه بذلك كما قرأت عليه حدثنا عبد الله بن صالح أن معاوية بن صالح حدثه عن راشد بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن الله يطوي المظالم يوم القيامة فيجعلها تحت قدميه إلا ما كان من أجر الأجير وعقر البهيمة وفض خاتم بغير حق» [74] يريد افتضاض الأبكار.

فانظر أيها المريسي في ألفاظ ما رويت عن رسول الله ﷺ الذي أقررت بأنه قاله هل تحتمل ألفاظه التأويل الذي ذهبت إليه.

باب ما جاء في العرش

ثم انتدبت أيها المريسي مكذبا بعرش الله وكرسيه مطنبا في التكذيب بجهلك متأولا في تكذيبه بخلاف ما تعقله العلماء. فرويت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وسع كرسيه السماوات والأرض وعلمه. [75]

قلت: فمعنى الكرسي العلم، فمن ذهب إلى غير العلم أكذبه كتاب الله تعالى.

فيقال لهذا المريسي: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر الأحمر وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذ قد خالفته الرواة الثقات المتقنون. وقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الكرسي خلاف ما ادعيت على ابن عباس.

85

حدثناه يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله. [76]

فأقر المريسي بهذا الحديث وصححه وزعم أن وكيعا رواه إلا أن تفسير القدمين هاهنا في دعواه الثقلين. قال: يضع الله علمه وقضاءه للثقلين يوم القيامة فيحكم به فيهم. فهل سمع سامع من العالمين بمثل ما ادعى هذا المريسي.

ويلك عمن أخذته ومن أي شيطان تلقيته فإنه ما سبقك إليها آدمي نعلمه. أيحتاج الرب عز وجل أن يضع محاسبة العباد على كتاب علمه وأقضيته يحكم بما فيه بينهم ولا أراك مع كثرة جهلك إلا وستعلم أنك احتججت بباطل جعلته أغلوطة تغالط بها أغمار الناس وجهالهم.

86

وقد روي عن ابن عباس أيضا عن النبي ﷺ قال: «آتي باب الجنة فأقرعه فيفتح لي فأرى ربي وهو على كرسيه فيتجلى لي فأخر ساجدا» [77]

فهل يجوز لك في تأويلك أنه يأتي ربه وهو على علمه إذ ادعيت أن من زعم أن الكرسي غير العلم أكذبه القرآن بما رويت فيه عن ابن عباس فهذا ابن عباس يخبر عن رسول الله ﷺ وعن نفسه خلاف ما رويت فيه فكيف تحيد عن هذا المشهور عن ابن عباس إلى المغمور عنه إلا من ظنة وريبة.

وأما قولك من ذهب في الكرسي إلى غير العلم أكذبه كتاب الله، ويلك وأي آية من كتاب الله تكذبه؟ أأنزل على غياث اليهودي في تكذيبه آية لم تنزل على محمد ﷺ.

ويلك، وهل بقى أحد من نساء المسلمين وصبيانهم إلا وقد عقل أمر العرش والكرسي وآمن بهما إلا أنت ورهطك وليس العرش والكرسي مما ينبغي أن يسند في تثبيتهما الآثار ويؤلف فيهما الأخبار لولا أغلوطاتك هذه لما أن علمهما والإيمان بهما خلص إلى النساء والصبيان إلا إليك وإلى أصحابك طهر الله منكم بلاده وأراح منكم عباده.

والعجب من استطالتك بجهالتك هذه وأغلوطاتك إذ تقول لمن هو أعلم بالله وبكتابه منك إن لم تعلموا تفسير ما قلنا وإلا فسلوا العلماء ولا تعجلوا بالقضاء.

ويلك أيها المريسي. قد سألنا العلماء وجالسنا الفقهاء فوجدناهم كلهم على خلاف مذهبك. فسم عالما ممن مضى وممن غبر يحتج بمثل هذه العمايات ويتكلم بها حتى نعرفه فنسأله، فإنا ما رأينا متكلما ينتحل الإسلام أظهر كفرا وأسمج كلاما وأقل إصابة في التأويل منك. وقد عرضنا كلامك على كلام من مضى ومن غبر من العلماء فما فوجدنا أحدا على مذهبك وعرضناه على لغات العرب والعجم فلم يحتمل شيء منها شيئا من كلامك ولو كان عندك من ينصحك لحجر عليك الكلام فضلا أن يفتخر بحسن الكلام وسنذكر لك آثارا مما جاء عن رسول الله ﷺ وأصحابه في الكرسي لتنظر في ألفاظها هل تدل على شيء من أغلوطاتك هذه.

87

حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن سعيد بن معبد قال حدثتني أسماء بنت عميس أن جعفرا رضي الله عنهما جاءها إذ هم بالحبشة وهو يبكي فقالت ما شأنك قال رأيت فتى مترفا من الحبشة شابا جسيما مر على امرأة فطرح دقيقا كان معها فنسفته الريح فقالت: أكِلك إلى يوم يجلس الملك على الكرسي فيأخذ للمظلوم من الظالم. [78]

88

حدثنا يحيى الحماني حدثنا خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال لما قدم جعفر من الحبشة قال له النبي ﷺ: «ما أعجب ما رأيت بالحبشة» قال رأيت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام فجاء فارس فأذراه فجلست تجمعه ثم التفتت ثم قالت ويحك كيف تصنع لو قد وضع الملك كرسيه فأخذ للمظلوم من الظالم فضحك النبي ﷺ وعجب من ذلك وقال: «ما قدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفها من شديدها غير متعتع». [79]

89

حدثنا هشام بن خالد الدمشقي حدثنا محمد بن شعيب بن شابور أخبرنا عمر بن عبد الله مولى غفرة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فقال إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب من عرشه إلى كرسيه وحف الكرسي بمنابر من نور فيجلس عليها النبيون وحف المنابر بكراسي من ذهب فيجلس عليها الصديقون والشهداء». [80]

90

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه. [81]

91

حدثنا يحيى الحماني وأبو بكر قالا حدثنا وكيع عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله.

92

حدثنا الحماني حدثنا الحكم بن ظهير عن عاصم عن زر عن عبد الله رضي الله عنه قال: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة بأرض فلاة.

93

حدثنا يحيى الحماني حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة بأرض فلاة.

94

حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب فقال إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع ومد أصابعه الأربع وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله. [82]

فهاك أيها المريسي خذها مشهورة مأثورة فصرها وضعها بجنب تأويلك الذي خالفت فيه أمة محمد ﷺ ثم أنشأت أيها المريسي واعظا لمن اتعظ قبلك بمواعظ الله وقبلها عن الله وصدق فيها رسول الله ﷺ وانتهى فيها إلى ما أمر الله فانزجر عما نهى الله فقلت لهم لا تعتقدوا في أنفسكم أن لله شبها أو مثلا أو عدلا أو يدرك بحاسة وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه وصفوه بما وصف به نفسه في كتابه فإن من زعم أن الله شبها وعدلا فهو كافر.

فيقال لك أيها المريسي المدعي في الظاهر لما أنت له منتف في الباطن: قد قرأنا القرآن كما قرأت وعقلنا عن الله أنه ليس كمثله شيء وقد نفينا عن الله ما نفى عن نفسه ووصفناه بما وصف به نفسه فلم نعده، وأبيت أن تصفه بما وصف به نفسه ووصفته بخلاف ما وصف به نفسه. أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع وبصر ويدين ووجه ونفس وعلم وكلام وأنه فوق عرشه فوق سمواته فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف ونفيتها أنت عنه كلهات أجمع بعمايات من الحجج وتكييف فادعيت أن وجهه كله وأنه لا يوصف بنفس وأن سمعه إدراك الصوت إياه وأن بصره مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر وأن يديه رزقاه موسعه ومقتوره وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة وأن فوق عرشه منه مثل ما هو في أسفل سافلين وأنه في صفاته كقول الناس في كذا وكقول العرب في كذا تضرب له الأمثال تشبيها بغير شكلها وتمثيلا بغير مثلها فأي تكييف أوحش من هذا إذ نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات.

وادعيت في تأويلك أن معبودك أصم لا يسمع أبكم لا يتكلم أعمى لا يبصر أجذم لا يد له مقعد لا يقوم ولا يتحرك جاهل لا يعلم مضمحل ذاهب لا يوصف بحد ولا بنفس ولا يدرك بحاسة في دعواك، وهذا خلاف صفة رب العالمين فالحمد لله الذي من علينا بمعرفته وطبع على قلبك بجهالته ولو قرأت القرآن وعقلت عن الله معناه لعلمت يقينا أنه يدرك بحاسة بينة في الدنيا والآخرة فقد أدرك منه موسى في الدنيا الصوت والكلام وهو من أعظم الحواس قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}. ويدرك منه في المعاد الرؤية والكلام والنظر عيانا كما قال رسول الله ﷺ على رغمك وإن كرهت، قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} فهل من حواس أعظم من الكلام والنظر؟ غير أنكم جعلتم الحواس كلمة أغلوطة تغالطون بها الصبيان والعميان لأن قولكم لا تدركه الحواس معناه عندكم أنه لا شيء لما قد علمتم وجميع العالمين أن الشيء الذي يقع عليه اسم الشيء لا يخلو من أن يدرك بكل الحواس أو ببعضها وأن لا شيء لا يدرك بشيء من الحواس في الدنيا ولا في الآخرة فجعلتموه لا شيء، وقد كذبكم الله تعالى بذلك في كتابه فقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقال تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} فجعل نفسه أعظم الأشياء وأكبر الأشياء وخالق الأشياء. فإن أنكرت ما قلنا ولم تعقله بقلبك فسم شيئا من الأشياء شيئا صغيرا أو كبيرا يقع عليه اسم الشيء لا يدرك بشيء من الحواس الخمس غير ما ادعيتم على الأكبر الأكبر والأعظم الأعظم والأوجد الأوجد الذي لم يزل ولا يزال فجعلتم الخلق الفاني موجودا والقيم الدائم الباقي غير موجود ولا يدرك بحاسة في الدنيا والآخرة.

وادعيتم على غيركم ممن لا يكيف التكييف وعلى من لا يشبه التشبيه، وأنتم دائبون تكيفون وتشبهون بأقبح الأشياء وأبطل الأمثال، فمرة تكيفه فتشبهه بأعمى ومرة بأقطع. فكان وعظك هذا لهؤلاء كقول القائل كلمة حق يبتغى بها باطل.

والعجب من إعجابك بهذه المقلوبات من تفاسيرك والمحالات من شرحك وتعبيرك حتى رويت عن مجاهد أنه قال: للحديث جهابذة كجهابذة الورق. وصدقت أيها المريسي وما أنت والله منهم، لا من رجالهم ولا من رواته ولا من جهابذته. فقد وجدنا الزيوف عندك جائزة نقادة والنقادة نفاية فكيف تستطيل بمعرفتها وأنت المنسلخ عنها.

ثم ادعى المعارض أنه انتهى إلى هاهنا السماع من بشر قال ثم ابتدأنا بعون الله في حكايات ابن الثلجي.

فيقال لهذا المعارض المعجب بضلالات هذين الضالين: فرغت من كلام بشر بسخط الرحمن وابتدأت في كلام ابن الثلجي بعون الشيطان ومثل فراغك من كلام بشر وشروعك في كلام ابن الثلجي كمثل المستجير من الرمضاء بالنار، فرغت من احتجاج كافر إلى احتجاج جهمي خاسر، فعلى أي جنبيك وقعت منهما لم تنجبر وبأيهما استعنت لم تظفر وبأيهما استنصرت لم تنصر. وكذلك قال الأوزاعي لبعض أهل البدع إذا انتقلوا من رأي إلى رأي: «إنكم لا ترجعون عن بدعة إلا تعلقتم بأخرى هي أضر عليكم منها».

95

حدثناه عبد الله بن صالح عن الهقل بن زياد عن الأوزاعي.

وسننقض على الثلجي من ضلالاته كما نقضنا من ضلالات المريسي إن شاء الله بعون الله وتوفيقه.

حكيت أيها المعارض عن ابن الثلجي أنه قال: ناظرت بشرا المريسي في العرش أن الله فوقه فقال لي بشر: لا أقول إنه على عرشه كمخلوق على مخلوق.

فيقال لهذا الثلجي الغوي: أول غوايتك سؤالك المريسي عن تفسير العرش إذ عقل أمره النساء والصبيان.

ويلك، أما وجدت شيخا من أهل الإسلام وأهل العلم الذين أدركت أجود إيمانا بالعرش من بشر وأحسن معرفة له حتى تناظره فيه من بينهم؟ تستحسن تفسيره وترويه لأهل الغفلة عنه فيما يعتقدونه دينا وكان أكفر أهل زمانه بالعرش وأشدهم له إنكارا ممن ينتحل الإسلام. فيكفي بهذا منك دليلا وظنة على الريبة أن يكون المختار عندك من جميع العلماء في تفسير العرش بشر بن غياث المريسي.

أوما سمعت بشرا وسوء مذهبه وافتضاحه في بلده وأهل مصره وأنت له جار قريب؟ ولكن يعتبر بالإمام المأموم والصاحب بالصاحب.

أولم يكفك أيها الثلجي ما قص الله في كتابه من ذكر العرش وتفسيره وما روي فيه عن الرسول ﷺ فلم تقنع بهما حتى اضطررت إلى مناظرة المريسي والمناظرة في العرش ريبة لا شك فيه لأن الإيمان به قد خلص إلى النساء والصبيان الذين لا فقه لهم ولا علم. فكيف إلى من يدعي معرفة العلم.

فأما إذا أبيت إلا مناظرته فإنه يقال له: أيها المريسي لا يقال إن الله على عرشه كمخلوق على مخلوق ولكنه ملك كريم خالق غير مخلوق وعلى عرش عظيم مخلوق جسيم على رغمك وأنت ملوم، فمن لم يؤمن أنه كذلك فقد كفر بما أنزل الله وجحد آيات الله ورد أخبار الرسول ﷺ.

وقولك ككذا على كذا وكمخلوق على مخلوق، تشبيه ودلسة وكلفة، لم نكلف ذلك في ديننا، ولكن نقول كما قال: {الرحمن على العرش استوى}. وكما قال الرسول المصطفى ﷺ: «إنه فوق عرشه الأعلى فوق سمواته العلى». [83] وتلك العروة الوثقى من انتهى إليها اكتفى ومن عدل عن ذلك اعتدى.

ثم انتدب المعارض متكلما من قبل نفسه في العرش متأولا في تفسيره ومعناه خلاف ما تأوله أهل العلم بالله وكتابه وآياته فقال: {الرحمن على العرش استوى} ليس له تأويل إلا على أوجه نصفها ونكل علمها إلى الله.

قال بعضهم: العرش أعلى الخلق والله عليه وعلى كل شيء وبكل مكان غير محوي ولا ملازق ولا ممازح ولا بائن باعتزال وبفرجة بينه وبين خلقه، لا يتوهم أنه على العرش كجسم على جسم.

فيقال لهذا المعارض: ما تركت أنت ولا إمامك هذا من التكذيب بالعرش غاية ولا من الافتراء على الله فيه نهاية، أوله أنك قلت وحكيت أن العرش أعلى الخلق [84] والله مكذبك في كتابه إذ يقول {وكان عرشه على الماء} فكيف يمكن أن العرش أعلى الخلق وكان العرش على الماء قبل الخلق إذ لا أرض ولا سماء ولا خلق غير العرش والماء؟ ومما يزيدك تكذيبا قول الله تعالى: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} وقال: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} أفتحمل الملائكة في دعواك أعلى الخلق أو أسفله أو شيئا من الخلق؟ وقال: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} أيحملون يومئذ أعلى الخلق ويتركون أسفله أم الملائكة تحمل الناس يوم القيامة والسموات لأنها أعلى الخلق؟ فهل سمع سامع بمحال من الحجج أبين من هذا مع ما فيه من التكذيب بالعرش نصا ودفعه رأسا لأنه إن يكن العرش في دعواه أعلى الخلق فقد بطل العرش الذي هو أعلى لأن العرش غير ما سواه من الخلق إذ كان مخلوقا على الماء قبل الخلق. ففي أي كلام العرب وجدت هذا أيها المعارض أن العرش أعلى الخلق فبينه لنا وإلا فإنك من المبطلين والله مكذبك في كتابه إذ يقول: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} فميز الله بين أعلى الخلق وبين العرش العظيم وجعله غير السموات السبع فما دونها.

ومما يزيدك تكذيبا قوله: {ذو العرش المجيد} و {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} وأي مجد وكرم لأعلى الخلق ما ليس لأوسطه وأسفله؟ فلذلك قلنا إن تأويلك هذا تكذيب بالعرش صراحا وإنكاره نصا.

وأما قولك إن الله غير محوي ولا ملازق ولا ممازج، فهو كما ادعيت.

وأما قولك غير بائن باعتزال ولا بفرجة بينه وبين خلقه، فقد كذبت فيه وضللت عن سواء السبيل بل هو بائن من خلقه فوق عرشه بفرجة بينة والسموات السبع فيما بينه وبين خلقه في الأرض. وهو يعلم من فوق عرشه ما هم عاملون لا يخفى عليه منهم خافية كما أنبأنا الله تعالى ورسوله وأصحاب رسوله ﷺ.

وأما قولك كجسم على جسم فإنا لا نقول إنه كجسم على جسم لكنا نقول رب عظيم وملك كبير نور السموات والأرض وإله السموات والأرض على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه والأنوار المخلوقة ليس منها نور إلا وله ضوء ساطع ومنظر رائع فكيف النور الأعظم خالق الأنوار الذي ليس كمثله شيء.

وزعمت أيها المعارض أن الله لم يصف نفسه أنه بموضع دون موضع ولكنه بكل مكان وتأولت في ذلك بما تأول به جهم قبلك فقلت: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} الآية ثم رويت عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه وقد رفعوا الصوت بالتكبير: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه أقرب إليكم من رؤوس رواحلكم». [85]

فيقال لهذا المعارض: هو كما وصف نفسه ووصفه الرسول ﷺ مع كل ذي نجوى وأقرب إلى أحدهم من حبل الوريد وأقرب منها بعلم ومنظر ومسمع من فوق العرش لا يخفي عليه منهم خافية ولا يحجبهم منه شيء، علمه بهم من فوق العرش محيط وبصره فيهم نافذ وهو بكماله فوق عرشه والسموات ومسافة ما بينهن وبينه وبين خلقه في الأرض فهو كذلك معهم رابعهم وخامسهم وسادسهم يعلم ما عملوا من شيء ثم يثيبهم يوم القيامة بما عملوا. كذلك هو مع كل ذي نجوى لا كما ادعيتم أنه مع كل بائل ومحدث ومجامع في كنفهم وحشوشهم ومضاجعهم وإنما يعرف فضل الربوبية وعظم القدرة بأن الله تعالى من فوق عرشه وبعد مسافة السموات والأرض يعلم ما في الأرض وما تحت الثرى وهو مع كل ذي نجوى ولذلك قال: {عالم الغيب والشهادة} ولو كان في الأرض كما ادعيتم بجنب كل ذي نجوى ما كان بعجب أن ينبئهم بما عملوا يوم القيامة فلو كنا نحن بتلك المنزلة منهم لنبأنا كل عامل منهم بما عمل وقال وناجى به أصحابَه، فما فضل علام الغيوب على المخلوق الذي لا يعلم الغيب في دعواك.

وأما قولك إن الله لم يصف نفسه أنه في موضع دون موضع، فإن كنت أيها المعارض ممن يقرأ كتاب الله ويفهم شيئا من العربية علمت أنك كاذب على الله في دعواك لأنه وصف أنه في موضع دون موضع ومكان دون مكان ذكر أنه فوق العرش والعرش فوق السموات وقد عرف ذلك كثير من النساء والصبيان فكيف من الرجال. قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} {أأمنتم من في السماء} {وهو القاهر فوق عباده} {يخافون ربهم من فوقهم} {إني متوفيك ورافعك إلي} {ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه} من الأرض السافلة وقال: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} ولم يقل ينزل إليه تحت الأرض.

فهذه الآي كلها تنبئك عن الله أنه في موضع دون موضع وأنه على السماء دون الأرض وأنه على العرش دون ما سواه من المواضع، قد عرف ذلك من قرأ القرآن وآمن به وصدق الله بما فيه. فلم تحكم على الله تعالى أيها العبد الضعيف بما هو مكذبك في كتابه ويكذبك الرسول ﷺ؟ أولم يبلغك حديث النبي ﷺ أنه قال للأمة السوداء: «أين الله» فقالت: في السماء، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة». [86] فهذا ينبئك أنه في السماء دون الأرض. فكيف تترك ما قال الله تعالى ورسوله وتختار عليهما في ذلك قول بشر والثلجي ونظرائهما من الجهمية.

وأما قولك إنه غير محوي ولا محاط به، فكذلك هو عندنا وفي مذهبنا لما أنه فوق العرش في هواء الآخرة حيث لا خلق معه هناك غيره ولا فوقه سماء. وفي قياس مذهبك ومذاهب أصحابك محوي محاط به ملازق مماس قد اعترفت بذلك من حيث لا تشعر لأنكم تزعمون أنه في كل مكان من السموات والأرض والسموات فوق بعضه وأنه في كل بيت مغلق وفي كل صندوق مقفل، فهو في دعواكم محاط به مماس ولا يكون شيء في كل مكان إلا وذلك الشيء مما بين الأمكنة قد أحاطت به الأرض في دعواكم والسماء وحيطان البيوت والأغلاق والأقفال. ونحن نبرأ إلى الله أن نصفه بهذه الصفة بل هو على عرشه فوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأطهر مكان كما قال الله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} يعلم من فوق عرشه ما في السموات وما في الأرض وما تحت الثرى يدبر منه الأمر يعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة كما قال لا يحيط به شيء ولا يشتمل عليه حائط ولا سقف بيت ولا تقلة أرض ولا تظله سماء كما ادعيت أيها المبتلى أنه في كل حجر وزاوية وفي كل حش وكنيف ومرحاض حيث مقيل الشيطان ومبيتهم تعالى الله عن وصفك.

وادعى المعارض على قوم من أهل الجماعة أنهم يقولون: علم الله تعالى من ذاته، وهو في الأرض بائن منه. فإنا لا نقول كما ادعيت أيها المعارض ولا نقول إن بعض ذاته في الأرض منزوع مجسم بائنا منه. ولكنا نقول علمه وكلامه معه كما لم يزل غير بائن منه، فهو بعلمه الذي كان في نفسه عالم من فوق عرشه بكل ذي نجوى أي لا يخفى عليه منهم خافية لأنهم منه بمنظر ومسمع وهو أقرب إليهم من حبل الوريد لا يخفى عليه من جسد ظاهرا وباطنا قيس خردلة من مخ أو عظم أو عرق داخل أو خارج لقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} أي نحن نعلم منه ما ظهر وما بطن وما غيب منه الجلود وواراه الجوف وأخفته الصدور وأنتم لا تبصرون فنحن أقرب إليه منكم بالعلم بذلك لا بأن علمه منزوع منه بائن مجسم في الأرض كما ادعيت بجهلك فعلى هذا التأويل ندعي أن علمه في الأرض لا ما ادعيت علينا من الباطل وكيف يتوجه لحجة غيره ممن لا يتوجه لحجة نفسه ولا يدري ما ينطق به لسانه وقل ما رأيت من أهل الإسلام متكلما في العرش أكثر لجاجة في إبطاله وإدخال الحشو من الكلام والحجج الداحضة فيه من هذا المعارض وكلما أكثر من ذلك كان أدحض لحجته وأكشف لعورته.

فاقصر أيها المعارض فإن العرش لا يعطل بإكثار حشوك وخرافات كلامك وكلام المريسي والثلجي إذ عقل أمره النساء والصبيان فكيف الرجال.

ويحك، هذا المذهب أنزه لله من السوء أم مذهب من يقول فهو بكماله وجلاله وعظمته وبهائه فوق عرشه فوق سمواته وفوق جميع الخلائق في أعلى مكان وأطهر مكان حيث لا خلق هناك من إنس ولا جان، فتفكر أي الحزبين أعلم بالله وبمكانه وأشد له تعظيما وإجلالا.

وأما ما رويت عن ابن الثلجي من غير سماع منه من حديث السدي عن أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} قال: ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه. وعن ابن عباس أنه قال: استوى له أمره وقدرته فوق بريته. عن ابن الثلجي أيضا من حديث جويبر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس {الرحمن على العرش استوى} قلت: ثم قطع الكلام فقال استوى له ما في السموات وما في الأرض ينفي عن الله الاستواء ويجعله لما في السموات والأرض.

فيقال لك أيها المعارض: لو قد سمعت هذا من ابن الثلجي ما قامت لك به حجة في قيس تمرة وهذه الروايات كلها لا تساوي بعرة وما يحتج بها في تكذيب العرش إلا الفجرة. وأول ما فيه من الريبة أنك ترويه عن ابن الثلجي المأبون المتهم في دين الله والثاني أنه عن الكلبي -هو بزعم الثلجي- وعن جويبر. ولو صح ذلك عن الكلبي [87] وجويبر [88] من رواية سفيان وشعبة وحماد بن زيد لم يكترث بهما، لأنهما مغموزان في الرواية لا تقوم بهما الحجة في أدنى فريضة، فكيف في إبطال العرش والتوحيد.

ومع ذلك لا تراه إلا مكذوبا على جويبر والكلبي. ولكن من يريد أن يعدل عن المحجة يحتج لمذهبه بما لا تقوم به الحجة. والعجب ممن يدفع ما روى الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ وعن زيد بن مسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد وسعيد المقبري وثابت البناني من رواية معمر وسفيان وشعبة ومالك بن أنس وحماد بن زيد ونظرائهم من أعلام المسلمين ويتعلق برواية الثلجي والمريسي ونظرائهم من أهل الظنة في دين الله إذا وجد في شيء منها أدنى متعلق يدخل بها دلسة على الجهال.

وسنبين لهم من ذلك ما دلس إن شاء الله تعالى.

ادعى المعارض أن بعض الناس قال في قوله {استوى على العرش} قال: استولى. قال: وقال بعضهم: استولى عليه أي هو عال عليه يقال للرجل علا الشيء أي ملكه وصار في سلطانه كما يقال غلب فلان على مدينة كذا ثم استوى على أمرها يريد استولى ولا يريد الجلوس وهذه تأويلات محتملة.

فيقال لهذا المعارض العامه التائه المأبون الذي يهذي ولا يدري: هذه تأويلات محتملة لمعان هي أقبح الضلال وأفحش المحال ولا يتأولها من الناس إلا الجهال وكل راسخ في الضلال.

ويحك وهل من شيء لم يستول الله عليه في دعواك ولم يعلمه حتى خص العرش به من بين ما في السموات وما في الأرض، وهل نعرف من مثقال ذرة في السموات وفي الأرض ليس الله مالكه ولا هو في سلطانه حتى خص العرش بالاستيلاء عليه من بين الأشياء، وهل نازع الله من خلقه أحد أو غالبه على عرشه فيغلبه الله ثم يستوي على ما غالبه عليه مغالبة ومنازعة؟ مع أنك قد صرحت بما قلنا إذ قسته في عرشه بمتغلب على مدينة فاستوى عليها بغلبة.

ففي دعواك لم يأمن الله أن يُغلب لأن الغالب المستولي ربما غلب وربما غُلب.

فهل سمع سامع بجاهل أجهل بالله ممن يدعي أن الله استولى على عرشه مغالبة ثم يقيسه في ذلك بمتغلب فيقول: ألا ترى أنه يقال للرجل غلب على مدينة واستولى على أهلها. وأين ما انتحلت أنه لا يجوز لأحد أن يشبه الله بشيء من خلقه أو يتوهم فيه ما هو موجود في الخلق وقد شبهته بمتغلب غلب على مدينة بغلبة فاستولى عليها؟ لو ولدتك أمك أصم أخرس كان خيرا لك من أن تتأول هذا وما أشبهه في الله تعالى وفي عرشه.

فاقصر أيها المرء الضعيف، فإنك لن تدفع العرش والكرسي بمثل هذا الحشو والخرافات والعمايات، لأن الإيمان بهما قد خلص إلى كل من عرف الله من عالم أو جاهل. وأعجب من ذلك كله قياسك الله بمقياس العرش ومقداره ووزنه من صغر أو كبر وزعمت كالصبيان العميان إن كان الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله فإن كان الله أصغر فقد صيرتم العرش أعظم منه وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلا على العرش وإن كان مثله فإنه إذا ضم إلى العرش السموات والأرض كانت أكبر، مع خرافات تكلم بها وترهات تلعب بها وضلالات تضل بها لو كان من يعمل عليه لله لقطع ثمرة لسانه. والخيبة لقوم هذا فقيههم والمنظور إليه مع هذا التمييز كله وهذا البصر وكل هذه الجهالات والضلالات.

فيقال لهذا البقباق النفاج [89] إن الله أعظم من كل شيء وأكبر من كل خلق ولم يحتمله العرش عظما ولا قوة، ولا حملة العرش احتملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه بشدة أسرهم ولكنهم حملوه بقدرته ومشيئته وإرادته وتأييده لولا ذلك ما أطاقوا حمله.

وقد بلغنا أنهم حين حملوا العرش وفوقه الجبار في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته لولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهن ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات السبع والأرضين السبع وكيف ينكر أيها النفاج أن عرشه يقله والعرش أكبر من السموات السبع والأرضين السبع ولو كان العرش في السموات والأرضين ما وسعته ولكنه فوق السماء السابعة.

فكيف تنكر هذا وأنت تزعم أن الله في الأرض وفي جميع أمكنتها والأرض دون العرش في العظمة والسعة فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي أعظم منها وأوسع؟ وأدخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم العرش وصغره وكبره على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها حتى تستدل على جهلك وتفطن لما تورد عليك حصائد لسانك فإنك لا تحتج بشيء إلا وهو راجع عليك وآخذ بحلقك.

96

وقد حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح أنه قال: أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء حملة عرشه، فقالوا: ربنا لما خلقتنا؟ فقال: خلقتكم لحمل عرشي، قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك فيقول لهم: إني خلقتكم لذلك، قالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك ووقارك؟ قال: فيقول خلقتكم لحمل عرشي، قال: فيقولون ذلك مرارا، قال: فقال لهم: قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فيحملكم والعرش قوة الله.

أفلا تدري أيها المعارض أن حملة العرش لم يحملوا العرش ومن عليه بقوتهم وشدة أسرهم إلا بقوة الله وتأييده.

وقد بينا لك ما جهلت من أمر العرش بشواهده من كتاب الله تعالى وشواهده من معقول الكلام ومما مضى عليه أهل الإسلام.

وسنقص عليك فيه آثار رسول الله ﷺ المأثورة وأخباره المشهورة ما لو عرضتها على قلبك وتدبرت ألفاظ رسول الله ﷺ فيها علمت إن شاء الله تعالى أن ما تأولته في تفسير العرش باطل.

97

حدثنا محبوب بن موسى الأنطاكي أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال أتيت رسول الله ﷺ فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان قال: «كان الله لم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض». [90]

فهذا قول رسول الله ﷺ أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض التي هي أعلى الخلق. فقول رسول الله ﷺ تكذيب لدعواك وإبطال لتأويلك.

98

حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خلق الله الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء». [91]

99

حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان الثوري حدثنا أبو هاشم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا. [92]

فهذا ابن عباس يخبر أن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا من خلقه من سماء وأرض.

وادعيت أنت وصاحبك أن العرش أعلى الخلق تكذيبا لرسول الله ﷺ ولأصحابه.

وروي عن مجاهد أنه قال: بدء الخلق العرش.

100

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: بدء الخلق العرش والماء. [93]

101

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {وكان عرشه على الماء} قال: على أي شيء قال: على متن الريح. [94]

102

حدثني محمد بن بشار بندار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة -وأشار النبي ﷺ مثل القبة- وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». [95]

وهذا أيها المعارض ناقض لتأويلك أن العرش إنما هو أعلى الخلق يعني السموات فما دونها من السقوف والعرش وأعالي الخلائق، ورسول الله ﷺ يقول إنه فوق السموات العلى فكفى خيبة وخسارة برجل أن يضاد قوله قول رسول الله ﷺ ويكذب دعواه.

103

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه. [96]

قال أبو سعيد: أفلا ترى أيها المعارض أن ابن مسعود كيف ميز بين العرش والكرسي وبين السموات فما دونها التي هي أعلى الخلائق في دعواك وسميتها عرشا دون عرش الرحمن الذي هو العرش على ألسن العالمين.

104

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد بن مهران وهو المكتب حدثنا مجاهد قال: قال عبد الله بن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم، ثم قال لسائر الخلق كن فكان.

وفي قول ابن عمر تكذيبا لما ادعيت أيها المعارض إذ خلقه الله بيده خصوصا ثم قال لما هو أعلى الخلائق عندك {ائتيا طوعا أو كرها} وإذا كان العرش في دعواك ودعوى إمامك السموات فما بال حملة العرش وما يصنع بهم في رفع السموات وقد قال الله تعالى: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها}.

ففي معرفة الناس لحملة العرش واستفاضته فيهم وعلى ألسنتهم تكذيب دعواك ودعوى صاحبك. ثم ما روي فيهم عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه سنذكر منها بعض ما حضر إن شاء الله تعالى.

105

حدثنا محمد بن الصباح حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فذكر رسول الله ﷺ السموات حتى عد سبع سموات قال: وفوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء وفوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى السماء وعلى ظهورهم العرش أسفله وأعلاه ما بين السماء إلى السماء ثم الله فوق ذلك. [97]

106

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة عن الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري أن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع فيها على ما يكره فيغيظه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة. [98]

107

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لحملة العرش قرون لها كعوب ككعوب القنا ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ومن ركبته إلى أرنبته مسيرة خمسمائة عام ومن أرنبته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط خمسمائة عام. [99]

108

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن عروة قال: حملة العرش منهم من صورته على صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم من صورته على صورة الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد.

109

حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا إسحاق بن منصور السلولي عن معاوية بن إسحاق وعن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أذن لي أن أحدثكم عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة والعرش على منكبه وهو يقول سبحانك أين أنت أو حيث تكون». [100]

110

حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقي أبو الحسن السكري حدثنا شريك عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في قوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال.

111

حدثنا الحكم بن موسى البغدادي حدثنا الهقل بن زياد عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية أقدامهم في الأرض ورؤوسهم قد جاوزت السماء وقرونهم مثل طولهم عليها العرش.

112

حدثنا أبو صالح الحراني حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن رجل سمع عبادة بن الصامت يقول إن النبي ﷺ خرج فقال: «إن الله رفعني يوم القيامة في أعلى غرفة من جنات النعيم ليس فوقي إلا حملة العرش». [101]

وفي العرش وحملة العرش أخبار كثيرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين اختصرنا منها هذه الأحاديث ليعلم من نظر فيها مخالفتكم رسول الله وأصحابه والتابعين وإن لم تكن تؤمن بها أنت وأصحابك فقد آمن بها من هو خير منكم وأطيب واعلموا يقينا أن قول هؤلاء ألهم لهم وأصح عند الله مما يروي المريسي وابن الثلجي من خرافاتهم وترهاتهم التي لا تنقاس في كتاب ولا سنة ولا في شيء من لغات العرب والعجم.

وادعيت أيضا على قوم أعلم بالله وبكتابه وسنة نبيه ﷺ منك ومن أصحابك أنهم يقولون علم الله غيره، والعلم بمعزل منه، العالم في السماء، والعلم في الأرض منه بمعزل.

فيقال لهذا المعارض الباهت: مثل هذا لا يتفوه به إلا جاهل مثلك، ولكنهم يقولونه على معنى لا يتوجه له أمثالك، يقولون: العالم بكماله وبجميع علمه فوق عرشه وعلمه غير بائن منه، يعلم بعلمه الذي في نفسه ما في السموات وما في الأرض وما تحت الثرى على بعد مسافة ما بينهن. فمعنى قولهم إن علمه في الأرض على هذا التأويل لا على ما ادعيت عليهم من الزور أنهم يزعمون أن علم الله منزوع منه مجسم في الأرض، إذًا هم في الجهل والضلال مثلك ومثل أئمتك المريسي وابن الثلجي ونظرائهم.

وادعيت عليهم أيضا أنهم يزعمون أن كلام الله من صفاته وذاته، والكلام هو الفعل بزعمك، وزعم هؤلاء أنه من الذات.

فيقال لهذا المعارض: أما ما يزعم هؤلاء من ذلك فسنبينه لك وإن جهلت، غير أنك ترددت وراوغت ووالست ودالست، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، كيف تصرح بالقرآن أنه مخلوق؟ فلم تزل عندك ودونك تلجلج بها في صدرك حتى صرحت بها في هذه المسألة فزعمت أنه فعل، والفعل عندك مخلوق لا شك فيه.

وأما دعواك علينا أنا نقول إن كلام الله من صفاته، فإنا نقول علانية غير سر وهو الحق المبين، وليس شيء من صفاته مخلوقا وكل كلام صفة كل متكلم به، خالق أو مخلوق، غير أنه لا يقاس به من الخالق والمخلوق سائر الصفات من اليد والوجه والنفس والسمع والبصر وما أشبهها من الصفات التي إذا بانت من الموصوف واستبان مكانها منه قام البائن منه بعينه في مكان آخر، لأنك ترى المتكلم من الناس يتكلم نهاره أجمع وكلامه يخرج منه وصفا لا ينقص من كلامه شيء الذي يخرج منه، متى شاء عاد في مثله من الكلام. ولا الكلام يقوم بعينه جسما يرى وينظر إليه دونه وينشر كلامه في الآفاق على لسان غيره، فينسب إليه حيا وميتا كما ينسب اليوم أشعار الشعراء فيقال شعر لبيد والأعشى، ولو قطعت يده لاستبان موضع قطعه منه واستبان المقطوع في مكان آخر. فلذلك قلنا إن الكلام له حال خلاف حال هذه الصفات الأخر لا يقاس بشيء منها ولا يشك فيها أنها صفة المتكلم لأنه منه خرج.

وأما قولك كلام الله فعله، فقد صرحت بأنه مخلوق وادعيت أن أفاعيل الله زائلة عنه مخلوقة والكلام أحد أفاعيله عندك فقلت فيه قولا أفحش مما قال إمامك المريسي، زعم المريسي أنه مجعول وكل مجعول مخلوق، وزعمت أنت أنه مفعول وكل مخلوق مفعول. وأنتما وإن اختلفت منكما الألفاظ فإن المعنى فيه منكما متفق كما اتفق القول من إمامك المريسي مع الوليد بن المغيرة المشرك المخزومي إذ قال: {إن هذا إلا قول البشر} وكذا الذي قال: {إن هذا إلا اختلاق} فزعم إمامك أنه مجعول وزعمت أنه مفعول، فاتفقت المعاني واختلفت الألفاظ منكما جميعا. ولئن كان أهل الجهل من مرادكم في شك إن أهل العلم منكم لعلى يقين. فكان من صنع الله لمن بين ظهريك أن صرحت بالمخلوق بعد تستر وانقباض منه مخافة الفضيحة حتى صرحت بها، فاستدلوا على مذهبك ليحذروا مثلها من زلاتك ويجتنبوا أخواتها من سقطاتك. ثم صرحت بها ثانية في آخر كتابك فادعيت أن من قال القرآن غير مخلوق فقد جاء بالكفر عيانا.

أولم تزعم أيها المعارض في صدر كتابك هذا أن من قال القرآن مخلوق فقد ابتدع، ثم ادعيت أن من قال غير مخلوق فهو كافر. فإن كان الذي قال غير مخلوق كافرا عندك إن الذي يقول مخلوق مؤمن موفق مصيب في دعواك، فلم تنسبه إلى البدعة وهو في دعواك موفق مصيب في دعواك. ولكنك موهت بالأول لئلا يفطن الجهال منك الأخرى وقد صرحت وأوضحت وأفصحت به حتى لم تدع لمتأول عليك موضع شبهة.

ثم صرحت أيضا بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية فقلت: إذا قالوا لنا أين الله فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان، إذا قيل أين هو؟ قيل: على العرش وفي السماء.

فيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء إذ قلت لا نقول إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه فوق سمواته فإنما يعبد غير الله ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن لأن الرحمن على العرش والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: {عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين} ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله {ثم}، لا هاهنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم. وإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه دون ما سواه، فلا ضير على من أينه إذ رسوله ونبيه صلوات الله عليه وسلامه قد أينه فقال للأمة السوداء: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. وكذلك أينه رسول الله ﷺ وخليله إبراهيم أنه في السماء.

113

حدثناه أبو هاشم الرفاعي حدثنا إسحاق حدثنا أبو جعفر الرازي عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما ألقي إبراهيم في النار قال اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك». [102]

114

حدثنا مسلم بن إبراهيم عن أبان بن يزيد العطار عن يحيى ابن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال للأمة السوداء: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». [103]

فما نصنع بقولك أيها المعارض وقول إمامك المريسي مع قول محمد رسول الله وإبراهيم خليل الله صلى الله عليهما وسلم إلا أن ينبذ في الحش.

والقرآن يصدق ما قالا ويحققه من أوله إلى آخره، إذ يقول {أأمنتم من في السماء} و {إليه يصعد الكلم الطيب} و {ذي المعارج * تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} و {وهو القاهر فوق عباده} و {إني متوفيك ورافعك إلي} وما أشبهها من القرآن.

وزعمت أيها المعارض أنك لا تصف الله بحلول في الأماكن. فلو شعرت أيها المعارض أنك وصفته بأقبح حلول في الأماكن أفحش مما عبت على غيرك، لأنا قد أينا له مكانا واحدا، أعلى مكان وأطهر مكان وأشرف مكان على عرشه العظيم المقدس المجيد فوق السماء السابعة العليا حيث ليس معه هناك إنس ولا جان ولا بجنبه حش ولا مرحاض ولا شيطان؛ وزعمت أنت والمضلون من زعمائك أنه في كل مكان وفي كل حش ومرحاض وبجنب كل إنسي وجان. أفأنتم تشبهونه بالحلول في الأماكن أم نحن؟ هذا واضح بين مذهبكم ودعواكم صرحت بها أيها المعارض في غير موضع من كتابك. ولكنك تقول الشيء فتنساه ثم تنقضه على نفسك وأنت لا تشعر به حتى يأخذ بحلقك. والحمد لله الذي أعاننا عليك بالنسيان وكثرة الهذيان.

ثم ذهبت تنكر النزول وتدفعه بضروب من الأباطيل والأضاليل من كلام المريسي وابن الثلجي ونظرائهم من الجهمية، وقد صح عن رسول الله ﷺ في غير خبر كأنك تسمع رسول الله ﷺ يقوله، وقلَّ حديث روي عن النبي ﷺ أنقض لدعواكم من الله في كل مكان من حديث النزول لما أنكم تقولون لا يخلو منه، فكيف ينزل من مكان إلى مكان من هو في كل مكان؟ فكان من أعظم حجج المعارض لدفع حديث رسول الله ﷺ في النزول حكاية حكاها عن أبي معاوية الضرير لعلها مكذوبة عليه أنه قال نزوله أمره وسلطانه وملائكته ورحمته وما أشبهها.

فقلنا له: أيها المعارض، أما لفظ رسول الله ﷺ فينقض ما حكيت عن أبي معاوية فإن قاله فالحديث يكذبه ويبطل دعواه لأن لفظ الحديث «إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل نزل الله إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأجيب هل من مستغفر أغفر له هل من سائل فأعطيه حتى ينفجر الفجر». وقد جئنا بالحديث بإسناده في صدر هذا الكتاب. فلو كان على ما حكيت عن أبي معاوية وادعيته أنت أيضا أنه أمره ورحمته وسلطانه ما كان أمره وسلطانه يتكلم بمثل هذا ويدعو الناس إلى استغفاره وسؤاله دون الله ولا الملائكة يدعون الناس إلى إجابة الدعوة وإلى المغفرة منها لهم وإلى إعطاء السؤال لأن الله تعالى ولي ذلك دون سواه.

وأخرى أن أمره وملائكته ورحمته وسلطانه دائبا ينزل آناء الليل وآناء النهار وفي كل ساعة لا يفتر ولا ينقطع. فما بال ثلث الليل خص بنزوله ورحمته وأمره من بين أوقات الليل والنهار حتى وقّت رسول الله ﷺ لذلك وقتا آخر فقال: «إلى أن ينفجر الفجر» ففي دعواك تنزل رحمته على الناس في ثلث الليل فإذا انفجر الفجر رُفعت في دعواك، هذا والله تفسير محال وتأويل ضلال يشهد عليه ظاهر لفظ الحديث بالإبطال.

وأما ما رويت في صدر كتابك عن المريسي أن الله بكل مكان عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أنه قال لرجل: لا تقل الله حيث كان فإنه بكل مكان. [104]

وعن أبي الأحوص عن زيد بن جبير عن أبي البختري مثله. [105]

فتأويل هذا أيها المعارض على ما فسرنا أنه من فوق عرشه بكل مكان بالعلم به، ومع كل صاحب نجوى وأقرب من حبل الوريد كما قال الله تعالى؛ لا على أن نفسه في كل مكان مما بين الخلق في الأرض والأمكنة وبجنب كل مصل وقائم وقاعد فهو من فوق عرشه مع من بالمشرق كما هو مع من بالمغرب ومع من في الأرض السابعة كما هو مع من هو في السماء السابعة، ولا يبعد عنه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يخفى عليه خافية من خلقه.

والعجب منك ومن إمامك المريسي إذ يحتج في ضلاله بالتمويه عن ابن عمر وعن أبي البختري ويدع المنصوص المفسر عن ابن عمر في الرؤية والعرش خلاف ما موّه من كتاب الله ورواية بضع وعشرين رجلا من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين عن رسول الله ﷺ في النزول وفي أن الله تعالى في السماء دون الأرض. هذا إلى الابتداع أقرب منه إلى الاتباع وإلى الجهل أقرب منه إلى العدل؛ غير أن المصيب يتعلق من الآثار بكل واضح مشهور والمريب يتعلق بكل متشابه مغمور.

وأعجب من ذلك قولك فيما ادعيت على أبي معاوية في تفسير هذا النزول ثم قلت: ويحتمل ما قال أبو معاوية أن نزوله أمره وسلطانه كما تروون أن القرآن يجيء يوم القيامة شافعا مشفعا وماحلا مصدقا، [106] فقالوا: معنى ذلك أنه ثوابه، فإن جاز لهم هذا التأويل في القرآن جاز لنا أن نقول إن نزوله أمره ورحمته.

فيقال لهذا المعارض: لقد قست بغير أصل ولا مثال لأن العلماء قد علموا أن القرآن كلام والكلام لا يقوم بنفسه شيئا قائما حتى تقيمه الألسن ويستلين عليها وإنه بنفسه لا يقدر على المجيء والتحرك والنزول بغير منزل ولا محرك إلا أن يؤتى به وينزل، والله تعالى حي قيوم ملك عظيم قائم بنفسه في عزه وبهائه يفعل ما يشاء كما يشاء وينزل بلا منزل ويرتفع بلا رافع ويفعل ما يشاء بغير استعانة بأحد ولا حاجة فيما يفعل إلى أحد، ولا يقاس الحي القيوم الفعال لما يشاء بالكلام الذي ليس له عين قائم حتى تقيمه الألسن ولا له أمر ولا قدرة ولا إرادة ولا يستبين إلا بقراءة القراء. أرأيت إن كان نزوله أمره ورحمته فما بال أمره ورحمته ولا ينزل إلا في ثلث الليل ثم إلى السماء الدنيا وما بال أمره ورحمته في دعواك لا ينزل إلى الأرض حيث مستقر العباد ممن يريد الله أن يرحمه ويجيب ويعطي، فما بالها تنزل إلى السماء الدنيا ثم لا تجوزها وما بال رحمته تبقى على عباده من ثلث الليل إلى انفجار الفجر ثم ترجع من حيث جاءت بزعمك. وما باله إذ الله بزعمك في الأرض فإذا استرحمه عباده واستغفروه وتضرعوا إليه بعد عنهم رحمته إلى السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ولا يغشيهم إياها وهو معهم في الأرض بزعمك إذ زعمت أن نزوله تقريب رحمته إياهم كقوله الآخر «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا» فقلت هذا تقرب بالرحمة.

ففي دعواك في تفسير النزول من تقرب إليه شبرا تباعد هو عنه مسيرة ما بين الأرض إلى السماء وكلما ازداد العباد إلى الله اقترابا تباعد هو برحمته عنهم بعد ما بين السماء والأرض بزعمك.

لقد علمت أيها الجاهل أن هذا تفسير محال يدعو إلى ضلال، والحديث نفسه يبطل هذا التفسير ويكذبه. غير أنه أغيظ حديث للجهمية وأنقض شيء لدعواهم لأنهم لا يقرون أن الله فوق عرشه فوق سمواته ولكنه في الأرض كما هو في السماء فكيف ينزل إلى السماء الدنيا من هو تحتها في الأرض وجميع الأماكن منها. ونفس الحديث ناقض لدعواهم وقاطع لحججهم.

وأخرى أنه قد عقل كل ذي عقل ورأي أن القول لا يتحول صورة لها لسان وفم ينطق ويشفع، فحين اتفقت المعرفة من المسلمين أن ذلك كذلك علموا أن ذلك ثواب فيصوره الله بقدرته صورة رجل يبشر به المؤمنين، [107] لأنه لو كان القرآن صورة كصورة الإنسان لم يتشعب أكثر من ألف ألف صورة فيأتي أكثر من ألف ألف شافعا وماحلا لأن الصورة الواحدة إذا هي أتت واحدا زالت عن غيره فهذا معقول لا يجهله إلا كل جهول وهذا كحديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «أن الرجل إذا مات تأتيه أعماله الصالحة في صورة رجل في أحسن هيئة وأحسن لباس وأطيب ريح فيقول له من أنت فيقول أنا عملك الصالح كان حسنا وكذلك تراني حسنا وكان طيبا فكذلك تراني طيبا وكذلك العمل السيء يأتي صاحبه فيقول له مثل ذلك ويبشره بعذاب الله». [108]

وإنما عملهما الصلاة والزكاة والصيام وما أشبهها من الأعمال الصالحة وعمل الآخر الزنا والربا وقتل النفس بغير حقها وما أشبهها من المعاصي قد اضمحلت وذهبت في الدنيا فيصور الله بقدرته للمؤمن والفاجر ثوابها وعقابها يبشر بهما إكراما للمؤمن وحسرة على الكافر.

وهذا المعنى أوضح من الشمس قد علمتم ذلك إن شاء الله لكن تغالطون وتدلسون وعليكم أوزاركم وأوزار من تضلون.

ثم أكد المعارض دعواه في أن الله في كل مكان بقياس ضل به عن سواء السبيل.

فقال: ألا ترى أنه من صعد الجبل لا يقال له إنه أقرب إلى الله.

فيقال لهذا المعارض المدعي ما لا علم له: من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سماواته علم يقينا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض. كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال: رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها. وصدق ابن المبارك لأن كل ما كان إلى السماء أقرب كان إلى الله أقرب، وقرب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شيء من خلقه وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسرنا من أمر السموات والأرض وكذلك قرب الملائكة من الله فحملة العرش أقرب إليه من جميع الملائكة الذين في السموات والعرش أقرب إليه من السماء السابعة وقرب الله إلى جميع ذلك واحد هذا معقول مفهوم إلا عند من لا يؤمن أن فوق العرش إلها ولذلك سمى الملائكة المقربين وقال: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} فلو كان الله في الأرض كما ادعت الجهمية ما كان لقوله {الذين عند ربك} معنى إذ كل الخلق عنده ومعه في الأرض بمنزلة واحدة مؤمنهم وكافرهم ومطيعهم وعاصيهم وأكثر أهل الأرض من لا يسبح بحمده ولا يسجد له. ولو كان في كل مكان ومع كل أحد لم يكن لهذه الآية معنى لأن أكثر من في الأرض لا يؤمن به ولا يسجد له ويستكبر عن عبادته فأي منقبة إذا فيه للملائكة إذ كل الخلق عند الجهمية في معناهم في تفسير هذه الآية.

ثم فسر المعارض هذا المذهب تفسيرا أشنع من هذا دفعا بأن يقال إن الله في السماء فقال: يحتمل التأويل أن يكون في السماء على أنه مدبرها ومتقنها كما يقال للرجل هو في صلاته وعمله وتدبير معيشته، وليس هو في نفسها وفي جوفها، وفي نفس المعيشة بالحقيقة، ولكن بالمجاز على دعواه.

فيقال لهذا المعارض: قد قلنا لك إنك تهذي ولا تدري تتكلم بالشيء ثم تنقضه على نفسك، أليس قد زعمت أن الله تعالى في السماء وفي الأرض وفي كل مكان بنفسه فكيف تدعي هاهنا أنه ليس في السموات منه إلا تدبيره وإتقانه كتدبير الرجل في معيشته وليس بداخل فيها.

ما أولاك أيها المعارض أن تعض على لسانك ولا تحتج بشيء لا تقدر أن تقوده أو تتخلص منه بحجة حتى تنقضه على نفسك بنفس كلامك. ولو كان لك ناصح لحجر عليك الكلام، ولولا أنه يشير إليك بعض الناس ببعض النضرة في العلم ما اشتغلنا بالرد على مثلك لسخافة كلامك ورثاثة حججك ولكنا تخوفنا من جهالتك ضررا على الضعفاء الذين بين ظهريك فأحببنا أن نبين لهم عورة كلامك وضعف احتجاجك كي يحذروا مثلها من رأيك. وقد فضحناك في ذلك ولو استقصينا عليك في الاحتجاج لطال به الكتاب، غير أنا أحببنا أن نفسر منها قليلا يدل على كثير ولولا أنك بدأتنا بالخوض فيه وفي إذاعة كلام بشر المريسي الملحد في توحيد الله تعالى المعطل لصفات الله المفتري على الله لم نعرض لشيء من هذا وما أشبهه لأنه لا يحل لمسلم عنده شيء من بيان أو برهان يكون ببلدة ينشر فيها كلام المريسي في التوحيد ثم لا ينقضه.

ثم عاد المعارض إلى مذهبه الأول ناقضا على نفسه فيما تأول في المسألة الأولى فاحتج ببعض كلام جهم والمريسي فقال: إن قالوا لك أين الله فالجواب لهم: إن أردتم حلولا في مكان دون مكان وفي مكان يعقله المخلوقون فهو المتعالي عن ذلك لأنه على العرش وبكل مكان لا يوصف بأين.

فيقال لهذا المعارض: أما قولك كالمخلوق فهذه كلفة منك وتلبيس لا يقوله أحد من العلماء ولكنه بمكان يعقله المخلوقون المؤمنون بآيات الله وهو على العرش فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأمكنة وعلمه محيط بكل مكان وبمن هو في كل مكان، من لم يعرفه بذلك لم يؤمن بالله ولم يدر من يعبد ومن يوحد.

مع أنك أيها المعارض أقررت بأنك تعقل مكانه لأنك ادعيت أنه في كل مكان من سماء ومن أرض.

وأما اشتراطك على من سألك أين الله، فتقول له إن كنت تريد كذا وكذا فهذا شرط باطل لم يشترط ذلك أحد من الأمة على أحد أراد أن يعرف الله، لأن النبي ﷺ حين سأل الأمة السوداء: «أين الله» لم يشترط عليها النبي ﷺ كما اشترطت أنت إن كنت تريد حلولا كحلول كذا وكذا ولكن قالت: في السماء، فاكتفى منها النبي ﷺ بذلك ولم يقل لها كيف كينونته في السماء وكيف حلوله فيها.

وأما قولك لا يوصف بأين فهذا أصل كلام جهم وهو خلاف ما قال الله عز وجل ورسوله ﷺ والمؤمنون لأن الله تعالى قال: {أأمنتم من في السماء} وقال للملائكة {يخافون ربهم من فوقهم} وقال: {الرحمن على العرش استوى} فقد أخبر الله العباد أين الله وأين مكانه، وأيّنه رسول الله ﷺ في غير حديث فقال: «من لم يرحم من في الأرض لم يرحمه من في السماء». [109]

115

حدثناه مسدد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ.

قال: «ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء».

فلو لم يوصف بأين كما ادعيت أيها المعارض لم يكن رسول الله ﷺ يقول للجارية «أين الله» فيغالطها في شيء لا يؤين. وحين قالت هو في السماء لو قد أخطأت فيه لرد رسول الله ﷺ عليها وعلمها. ولكنه استدل على إيمانها بمعرفتها أن الله في السماء. وكذلك روي لنا عن ابن المبارك.

116

حدثناه الحسن بن الصباح حدثنا علي بن الحسن الشقيقي قال: قيل لابن المبارك: بأي شيء نعرف ربنا؟ قال: بأنه في السماء على العرش بائن من خلقه، قلت: بحد؟ قال: بحد.

فهذا القرآن ينطق بأن الله تعالى يوصف بأين، وهذا رسول الله ﷺ قد وصفه. وعليه درج أهل المعرفة من أهل الإسلام.

فمن أنبأك أيها المعارض غير المريسي أن الله لا يوصف بأين فأخبرنا به، وإلا فأنت المفتري على الله الجاهل به وبمكانه.

ثم نقضت على نفسك دعواك أنه في السماء على أنه مدبرها كما يكون الرجل في عمارة داره خارجا منها وليس بداخل فيها، فتركت المذهب الأول. ثم ادعيت أخيرا فقلت هو في السموات وفي الأرض وفي كل مكان تحتج بالشيء ثم تنساه حتى تنقضه على نفسك وأنت لا تشعر.

وسنذكر في إبطال حججك في هذه المسألة أخبارا صحيحة يستدل بها من وقفه الله تعالى على إلحادك فيها إن شاء الله تعالى.

117

حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو وهو ابن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء». [110]

118

حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أخبرنا الليث عن زيادة بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء».

119

حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أخبرنا الليث عن زيادة بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اشتكى أحدكم شيئا أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل شفاء من شفائك ورحمة من رحمتك على هذا الوجع فيبرأ». [111]

أفلا ترى أيها المعارض رسول الله ﷺ كيف حدّه في السماء دون الأرض بقوله: «ربنا الذي في السماء». وكذلك روي عن عمرو بن الخطاب رضي الله عنه.

120

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه. [112]

121

حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن كعبا قال لعمر رضي الله عنه: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، قال عمر إلا من حاسب نفسه، قال كعب: إلا من حاسب نفسه، فكبر عمر وخر ساجدا. [113]

ففي هذا بيان بين للحد وأن الله في السماء دون الأرض لأنه هناك على العرش دون ما سواه من الأمكنة.

122

حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله فوق عرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه مثل القبة وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». [114]

123

حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما قبض رسول الله ﷺ قال أبو بكر رضي الله عنه أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإنه قد مات وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت ثم تلا {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} حتى ختم الآية. [115]

124

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه.

125

حدثنا النفيلي حدثنا زهير وهو ابن معاوية حدثنا عبد الله بن عثمان ابن خثيم حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان حاجب عائشة أن ابن عباس دخل على عائشة رضي الله عنهما وهي تموت فقال لها: كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيه اسم الله إلا وهي تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار. [116]

126

حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني قال حدثنا رجل من أهل الشام وكان يتبع عبد الله بن عمرو بن العاص ويسمع منه قال: كنت معه فلقي نوفا فقال نوف: ذكر لنا أن الله قال لملائكته: ادعوا لي عبادي، قالوا: يا رب فكيف والسموات السبع دونهم والعرش فوق ذلك، قال: إنهم إذا قالوا لا إله إلا الله فقد استجابوا. [117]

127

حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة حدثنا أبو هلال حدثنا قتادة قال: قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم. [118]

فهذا رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وخيار أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين حتى بنو إسرائيل كلهم قد قالوا بخلاف مذهبك في أن الله في كل مكان. وهذا باب طويل والآثار فيه كثيرة ولكن يكفي العاقل ما ذكرنا من ذلك

(القول في كلام الله)

ثم رأيناك أيها المعارض بعدما فرغت من إظهار حجج الجهمية من كلام بشر المريسي ونظرائه تقلدت كلام ابن الثلجي الذي كان يستتر به من التجهم بعدما لم تدع للجهمية من كبير حجة إلا قمت بها وأظهرتها وزينتها في أعين الجهال ودعوتهم إليها وبعدما صرحت بأن القرآن مخلوق في مواضع كثيرة من كتابك هذا ومن قال غير مخلوق فهو عندك كافر وأن الله في كل مكان بزعمك.

ثم أنشأت طاعنا على من يزعم أنه غير مخلوق فسطرت فيه الأساطير وأكثرت من المناكير وغلطت في كثير. فادعيت أن قول الناس في القرآن إنه "مخلوق"، "غير مخلوق" بدعة، إذ لم يكن يخاض فيه على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه فإنهم كانوا يكرهون الخوض في القرآن. فحكمت أيها المعارض على نفسك بالبدعة وشهدت بها على نفسك لما أنك صرحت بأنه مخلوق وهو قولك: كلام الله غير الله وهو من أفاعيله، والأفاعيل بزعمك زائلة عنه مخلوقة فحكمت على نفسك بما تخوفت على غيرك.

فأما قولك إن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن، فقد صدقت وأنت المخالف لهم لما أنك قد أكثرت فيه الخوض وجمعت على نفسك كثيرا من النقض. فمثلك فيما ادعيت من كراهية الخوض فيه كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج حين قالوا: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يبتغى بها باطل. [119] فقد خضت فيها أيها المعارض بأقبح خوض وضربت له أمثال السوء وصرحت بأنه مفعول كما قال إمامك المريسي مجعول، وكل مجعول عندك مخلوق لا شك فيه.

ويحك، إنما كره السلف الخوض فيه مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال وأغمار الجهال ما تأولت فيه أنت وإمامك المريسي. فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد الله وعطلتم صفات الله وجب على كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه. ولم يكره السلف الخوض في القرآن جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق ولا جهالة أنه صفة من صفاته حتى لو قد ادعى مدع في زمانهم أنه مخلوق ما كان سبيله عندهم إلا القتل كما همّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ أن يقتله إذ تعمق في السؤال عن القرآن. [120] فيما كان أيسر من كلامكم هذا. فلما لم يجترئ كافر أو متعوذ بالإسلام أن يظهر شيئا من هذا وما أشبهه في عصرهم لم يجب عليهم أن يتكلفوا لنقض كفر لم يحدث بين أظهرهم فيكونوا سببا لإظهاره، وإنما كانت هذه كلمة كفر تكلم بها بدءا كفار قريش منهم الوحيد الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: {إن هذا إلا قول البشر} ومنهم النضر بن الحارث فقال: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} كما قال جهم والمريسي إنه مخلوق لأن قول البشر مخلوق لا شك فيه. وكذلك قالت طائفة منهم {إن هذا إلا أساطير الأولين} كما قال جهم والمريسي سواء لا فرق بينهما في اللفظ والمعنى إن هذا إلا مخلوق، فأنكر الله عليهم قولهم فقال للوحيد: {سأصليه سقر} لما قال: {إن هذا إلا قول البشر} وقال للذي قال {لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين}: {فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} ولن يفعلوا.

ثم لم يزل هذا الكفر بعد كفار قريش دراسا طامسا لما قد طمسه الله بتنزيله حتى مضى النبي ﷺ وأصحابه والتابعون. فكان أول من أظهره في آخر الزمان الجعد بن درهم بالبصرة وجهم بخراسان فقتلهما الله بشر قتلة وفطن الناس لكفرهما حتى كان سبيل من أظهر ذلك في الإسلام القتل صبرا حتى كانوا يسمونهم بذلك الزنادقة.

ثم لم يزل طامسا دارسا حتى درج العلماء وقلّت الفقهاء ونشأ نشء من أبناء اليهود والنصارى مثل بشر بن غياث المريسي ونظرائه، فخاضوا في شيء منه وأظهروا طرفا منه وجانبهم أهل الدين والورع وشهدوا عليهم بالكفر حتى هم بهم وبعقوبتهم قاضي القضاة يومئذ أبو يوسف حتى فرّ منه المريسي إمامك ولحق بالبصرة بزعمك وبروايتك عنه. فلم يزالوا أذلة مقموعين لا يقبل لهم قول ولا يلتفت لهم إلى رأي حتى ركنوا إلى بعض السلاطين الذين لم يجالسوا العلماء ولم يزاحموا الفقهاء فاختدعوهم بهذه المحنة الملعونة حتى أكرهوا الناس عليه بالسيوف والسياط، فلم تزل الجهمية سنوات يركبون فيها أهل السنة والجماعة بقوة ابن أبي دؤاد المحاد لله ولرسوله حتى استخلف المتوكل رحمة الله عليه فطمس الله به آثارهم وقمع به أنصارهم حتى استقام أكثر الناس على السنة الأولى والمنهاج الأول، واحتال رجال ممن كانوا لا يؤمنون باعتقاد التجهم حيلة لترويج ضلالتهم في الناس ولم يمكنهم الإفصاح به مخافة القتل والفضيحة والعقوبة من الخليفة المنكر لذلك، فاستتروا بالوقف من محض التجهم إذ لم يكن يجوز من إظهاره مع المتوكل ما كان يجوز لهم مع من قبله، فانتدبوا طاعنين على من أنكر التجهم ودان بأن كلام الله غير مخلوق، فانتدب هؤلاء الواقفة منافحين عن الجهمية محتجين لمذاهبهم بالتمويه والتدليس منتفين في الظاهر من بعض كلام الجهمية متابعين لهم في كثير من الباطن مموهين على الضعفاء والسفهاء بما حكيت عنهم أيها المعارض أن أبا أسامة وأبا معاوية وبعض نظرائهم كرهوا الخوض في المخلوق وغير المخلوق. فقلنا لك أيها المعارض: إنما كره من كره الخوض من هؤلاء المشايخ إن صحت روايتك لما أنه لم يكن يخوض فيه إلا شرذمة أذلة سرا بمناجاة بينهم وإذا العامة متمسكون منهم بالسنن الأولى والأمر الأول. فكره القوم الخوض فيه إذ لم يكن يخاض فيه علانية وقد أصابوا في ترك الخوض فيه إذ لم يعلن. فلما أعلنوه بقوة السلطان ودعوا العامة إليه بالسيوف والسياط وادعوا أن كلام الله مخلوق أنكر ذلك عليهم من غبر من العلماء وبقي من الفقهاء فكذبوهم وكفروهم وحذروا الناس أمرهم وفسروا مرادهم من ذلك، فكان هذا من الجهمية خوضا فيما نهوا عنه ومن أصحابنا إنكارا للكفر البين ومنافحة عن الله عز وجل كيلا يسبّ وتعطل صفاته وذبا عن ضعفاء الناس كيلا يضلوا بمحنتهم هذه من غير أن يعرفوا ضدها من الحجج التي تنقض دعواهم وتبطل حججهم.

فقد كتب إلي علي بن خشرم أنه سمع عيسى بن يونس يقول: لا تجالسوا الجهمية وبينوا للناس أمرهم كي يعرفوهم فيحذروهم.

وقال ابن المبارك: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب إلي من أن أحكي كلام الجهمية.

128

فحين خاضت الجهمية في شيء منه وأظهروه وادعوا أن كلام الله مخلوق أنكر ذلك ابن المبارك وزعم أنه غير مخلوق، فإن من قال {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} مخلوق فهو كافر.

حدثنيه يحيى الحماني عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك. [121]

فكره ابن المبارك حكاية كلامهم قبل أن يعلنوه، فلما أعلنوه أنكر عليهم وعابهم ذلك.

129

وكذلك قال ابن حنبل: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدا من مخالفتهم والرد عليهم. [122]

لم يقل أبو أسامة وأبو معاوية إنه متى ما أظهرت الجهمية محنتهم وأذاعوا كفرهم ودعوا الناس إليها فأمسكوا عن الإنكار عليهم حتى يستمر في الناس كفرهم وتدرس سنن رسول الله ﷺ وأصحابه، ولكن قالوا أمسكوا عن الخوض فيه ما لم ينصب القوم الكفر إماما، فإذا نصبوه إماما فمن يعقل تدليسهم وتمويههم، لولا أن من الله على أهل الإسلام ببعض من ناقضهم فرد عليهم كفرهم وضلالهم. فالمبتدع الضال من الحزبين من نصب رأي جهم إماما وأذاعه في الناس بدءا، والمتبع من أنكر عليه وناقضه. فمن أجرى الناقض للبدعة والراد للكفر مجرى من شرعها فقد جمع بين ما فرق الله وفرق بين ما جمع الله وليس بأهل أن يسمع منه ويقبل.

أوطمعتم معشر الجهمية والواقفة أن تنصبوا الكفر للناس إماما تدعونهم إليه ويسكتوا أهل السنة عن الإنكار عليكم حتى يتروج على الناس ضلالكم بما حكيتم عن أبي بكر بن عياش وأبي أسامة وأبي معاوية -إن صدقت دعواكم- حتى تضمحل مذاهب أهل السنة وتستفيض مذاهب الجهمية في العامة؟ لقد أسأتم بأهل السنة الظن ونسبتموهم إلى العجز والوهن.

وإن يك ابو أسامة وأبو بكر وأبو معاوية جبنوا عن الخوض فيه إذ لم يكن يخاض فيه في عصرهم فقد جسر على الرد عليهم من كان أعلم منهم مثل ابن المبارك وعيسى بن يونس وغيرهم.

وأما ما ادعيت على أبي يوسف من رواية ابن الثلجي لم يقم لك به حجة، فكيف إذا لم نسمعه، لأنه المعروف [123] في دينه المأبون في روايته. فإن لم تعرفه بذلك فسم رجلا صالحا رضي بالثلجي في الفتيا والرواية إماما أو رضي به في السنة نظاما أو روى عنه شيئا أو حمد له مذهبا. فإن كنت محتجا بحق فعليك بغير ابن الثلجي ونظرائه كمن روينا عنهم من أعلام الناس وأئمتهم. ولكن الغرِق يتعلق بكل عود.

وأما أبو يوسف فإن صح فيه ما روى ابن الثلجي فمردود عليه غير مقبول منه. فإنه لم يكن من التابعين ولا من أجلة أتباع التابعين فينصب إماما يقتدى به في ترك الصلاة خلف من يناقض الجهمية ويرد المحدثات من كفرهم ويزعم أن كلام الله غير مخلوق فيجهد أبي يوسف أن يقيم حديثه في العلماء حتى يتفرع للنهي عن الصلاة خلف العلماء الذين يزعمون أن كلام الله غير مخلوق.

وكيف تحتج بأبي يوسف في ترك الصلاة خلف من يدعي أن كلام الله غير مخلوق ولا تحتج به على نفسك فيما رويت عن المريسي من ضلالاته وقد رويت عن أبي يوسف أنه همّ بعقوبته وأخذه فيها حتى فر من مجلسه إلى البصرة. فإن كنت محتجا علينا بأبي يوسف فهو عليك أحج لما أنك به أعجب وبإمامته أرضى ممن يزعم أن القرآن غير مخلوق. فمن لم يستيقن أن القرآن غير مخلوق لم يؤمن بعد بأنه نفس كلام الله لأنه لو آمن بأنه نفس كلام الله لعلم يقينا أن الكلام صفة المتكلم والله بجميع صفاته وكلامه غير مخلوق.

فإن طلبتم منا فيه آثارا مأثورة مسندة منصوصة فيه عن الصحابة والتابعين فقد أخبرناكم أنه كفر لم يحدث في عصرهم فيروى عنهم فيه. غير أنه كفر معقول تكلم به مشركو قريش عند مخرج النبي ﷺ فقالوا: {إن هذا إلا قول البشر} فأنكر الله ذلك عليهم ثم طُمس حتى ظهر في العصر الذي أنبأناكم به في عصر جهم والجعد ثم المريسي ونظرائهم. فروينا لكم عمن أنكر ذلك عليهم وخالفهم فيه من فقهاء أهل زمانهم مثل جعفر بن محمد وعمرو بن دينار وابن المبارك وعيسى بن يونس ووكيع بن الجراح ويزيد بن هارون والمعافى بن عمران وبقية بن الوليد وغيرهم. وهذا كفر معقول لا يحتاج فيه إلى أثر ولا خبر كما لو أن رجلا ادعى أن ملك الله وسلطانه وقدرته وعلمه ومشيئته وإرادته ووجهه وسمعه وبصره ويديه أن شيئا منها مخلوق؛ قيل له كفرت وكذبت بل كلها غير مخلوق فإن طلبت منا في شيء منها أثرا منصوصا بتسمية ذلك الشيء بعينه قلنا له أنت مريب كافر، ومن يشتبه عليه هذا وما أشبهه حتى يطلب فيها الآثار؟ وكذلك كلام الله مثل هذه الأشياء سواء غير مخلوق لا يشتبه إلا على من لا فهم له ولا عقل. وأخرى أن كل مخلوق محدث، لا شك فيه، فالله بزعمكم كان بلا كلام حتى خلق لنفسه كلاما ثم انتحله اضطرارا إلى كلام غيره فتمت به ربوبيته ووحدانيته وأمره ونهيه بزعمكم، فمن يحتاج في مثل هذا المعقول إلى أثر.

وأخرى أن الكلام لا يقوم بنفسه شيئا يرى ويحس إلا بلسان متكلم به فالكلام من الخالق والمخلوق صفتهما فالخالق بجميع صفاته غير مخلوق والمخلوق بجميع صفاته مخلوق ولا شك فيه.

فلينظر هذا الشاك في القرآن، فإن كان الله المتكلم به عنده فلا يشكن أن الله لم يتكلم بمخلوق من الكلام ولم يضطر إلى شيء مخلوق قط من الكلام وغيره ولم يكن له به حاجة، وإن ابتدعه مخلوق وأضافه إلى الله تعالى فلا يشكن هذا الشاك في صفات المخلوقين وكلامهم أنها مخلوقة كلها وأن مبتدعها والمتكلم بها من المخلوقين كافر إذ يقول {إني أنا الله رب العالمين} {لا إله إلا أنا فاعبدون} و {إني أنا ربك} قائل هذا القول غير الله كافر مثل فرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} و {ما علمت لكم من إله غيري}.

وادعيت أيها المعارض أن من قال القرآن هو الله فهو كافر ومن قال هو غير الله فقد أصاب ومن قال غير مخلوق فقد جهل وكفر.

فيقال لهذا المعارض: لم تدع من صريح المخلوق شيئا إذ زعمت أن من قال القرآن غير الله فقد أصاب ومن قال غير مخلوق فقد جهل لما أن كل من زعم أن القرآن غير الله فقد أقر بأنه مخلوق، لأن كل شيء غير الله فهو مخلوق لا شك فيه.

ولا يقال أيها المعارض: إن القرآن هو الله فيستحيل ولا هو غير الله فيلزم القائل أنه مخلوق، ولكن يقال: كلام الله علم من علمه وصفة من صفاته وأن الله بجميع صفاته إله واحد غير مخلوق لا شك فيه. فافهم وما أراك تفهمه لأنك تقول لا يجوز إلا أن يقال هو الله أو غير الله، فإن قال رجل هو الله أكفرته وإن قال غير الله قلت له أقررت بأنه مخلوق وصوبت مذهبي لأن كل شيء غير الله مخلوق.

فيقال لك: أخطأت الطريق وغلطت في التأويل لأنه لا يقال القرآن هو الله أو غير الله كما لا يقال علم الله هو الله وقدرة الله هي الله وكذلك عزته وملكه وسلطانه وقدرته لا يقال لشيء منها هو الله بعينه وكماله ولا غير الله ولكنها صفات من صفاته غير مخلوق وكذلك الكلام فافهم.

وادعى المعارض أيضا أن بعض علمائه وزعمائه قال إن كلام الله مضاف إليه كما أضيف إليه روح الله وبيت الله. وهذا من قديم حجج الجهمية وليس من حجج الواقفية. فليكشف المعارض عن اسم هذا العالم الذي قال، فإنه لا يكشفه إلا عن جهمي خبيث. وإنه لا يقاس روح الله وبيت الله وعبد الله المجسمات المخلوقات القائمات المستقلات بأنفسهن اللاتي كن بكلام الله وأمره لم يخرج شيء منها من الله ككلامه الذي خرج منه، لأن هذا المخلوق قائم بنفسه وعينه وحليته وجسمه لا يشك أحد في شيء منها أنه غير الله وأنه ليس شيء منها لله صفة، والقرآن كلامه الذي منه خرج وبه تكلم لم يقم بنفسه جسما غير الله قائما يحس، إنما يحس حين تقيمه القراءة والألسن، فإذا زالت عنه القراءة خفي فلم يحس منه بشيء فلم يقم له عين إلا أن يبين بكتاب يكتب، فبين روح الله وبيت الله وعبد الله والقرآن الذي هو نفس كلام الله الخارج من ذاته بون بعيد.

فكيف تقلدت أيها المعارض كلام الواقفة بدءا ثم فرعت منه إلى أفحش كلام الجهمية أنه كعبد الله وبيت الله ثم إدخال الحجج على تعطيل ما سواها من الصفات. إنما تقول الواقفة إن القرآن كلام الله ولا تقول مخلوق ولا غير مخلوق، ثم لا يعرضون لهذه الحجج التي عرضت لها واحتججت بها، فلذلك قلنا إنك تشير بالوقف منافح عن التجهم حتى صرحت به في غير مكان من كتابك ولو لم يكن إلا تشبيهك إياه ببيت الله أو عبد الله وبقولك إنه غير الله وإنه مفعول وإن من قال غير مخلوق فهو كافر عندك لاكتفينا بهذا دون ما سواه.

ثم تعلقت بعده بالوقف مستترا به عن التجهم تتقدم إلى هؤلاء برجل وتتأخر عنهم بأخرى فمرة تحتج بحجج الواقفة ومرة بحجج الجهمية كأنك تلاعب الصبيان وتخاطبهم. وكذلك تأولت في العرش كما تأول جهم بن صفوان وكنيت عن بعض علمائك وزعمائك ولم تصرح باسمه أن تفسير قوله {استوى على العرش} استولى عليه، تري من بين ظهريك أن هذا الذي رويت عنه هذا التفسير أحد العلماء ولا يدري من حولك أنه أحد السفهاء. وقد فسرنا لك تفسيره في صدر هذا الكتاب وبينا لك فيه استحالة هذا المذهب وبعده من الحق والمعقول.

فاكشف عن رأس هذا المفسر حتى نعرفه أمن العلماء هو أم من السفهاء، فإنك لا تأثره إلا عن المريسي أو عمن هو أخبث منه.

والعجب من المريسي صاحب هذا المذهب أنه يدعي توحيد الله بمثل هذا المذهب وما أشبهه وقد عطل جميع صفات الواحد الأحد فادعى في قياس مذهبه أن واجده الذي يوحّده إله مجدع [124] منقوص مشوه مشيج [125] مقصوص لا تتم وحدانيته إلا بمخلوق ولا يستغني عن مخلوق من الكلام والعلم والاسم.

ويلك إنما الموحد الصادق في توحيده الذي يوحد الله بكماله وبجميع صفاته في علمه وكلامه وقبضه وبسطه وهبوطه وارتفاعه الغني عن جميع خلقه بجميع صفاته من النفس والوجه والسمع والبصر واليدين والعلم والكلام والقدرة والمشيئة والسلطان القابض الباسط المعز المذل الحي القيوم الفعال لما يشاء. هذا إلى التوحيد أقرب من هذا الذي يوحد إلها مجدعا منقوصا مقصوصا، لو كان عبدا على هذه الصفة لم يكن يساوي تمرتين فكيف يكون مثله إلها للعالمين تعالى الله عن هذه الصفة.

واحتج المعارض أيضا لمذهبه ببعض حجج الجهمية وليست هذه من حجج الواقفة فقالوا أتقولون يا رب القرآن افعل بنا كذا وكذا، أم يصلي أحد للقرآن كما يصلي لله؟ يعني أن القرآن مخلوق مربوب.

فيقال لهذا التائه الحائر الذي لا يدري ما ينطق به لسانه: إنه لا يصلى للقرآن ولكن يصلى به لله الواحد الذي هذا القرآن كلامه وصفته، لا يخص بالصلاة قرآن ولا غيره كما أن علمه وقدرته وسلطانه وعزه وجلاله لا يصلى لشيء منها مقصودا بالصلاة إليها وحدها ولكن يصلى للواحد الأحد الذي هو إله واحد بجميع صفاته من العلم والكلام والملك والقدرة وغيرها. فاعقله وأنى لك العقل مع هذا الاحتجاج والخرافات. أرأيتك إن عرضت بالقرآن أنه مخلوق مربوب لما أنه قد قال بعض الناس يا رب القرآن [126] فجعلته مخلوقا بذلك فقد قال الله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون} أفتحكم على عزة الله بقوله {رب العزة} كما حكمت على القرآن؟ ويحك إنما قوله {رب العزة} يقول ذي العزة وكذلك ذو الكلام كقوله {ذو الجلال والإكرام}.

ومما يدل على اعتقاد هذا المعارض رأي الجهمية لا رأي الواقفة أن ذبه ومنافحته واحتجاجه عن غير الواقفة وأنه أظهر بلسانه الإنكار على الفريقين جميعا على من يقول مخلوق وغير مخلوق تمويها به ودنوًّا به إلى العامة، ثم لم يكثر الطعن على من قال مخلوق كما أطنب في الطعن على من قال غير مخلوق حتى جاوز فيهم الحد والمقدار فنسبتهم فيه إلى الكفر البين والبدعة الظاهرة والضلالة والجهل وقلة العلم والتمييز وسوء الديانة وسوء مراقبة الله وأنهم في قولهم غير مخلوق مطيعون للشيطان وجنوده مقدمون بين يدي الله ورسوله نشهد عليهم بالكفر أن قالوا القرآن غيرمخلوق ولم ينسب من قال مخلوق إلى جزء من ألف جزء مما نسب إليه الذين خالفوهم، حتى بلغ من شدة طعنه عليهم أن روى عن أبي يوسف من روايات ابن الثلجي ولم يسمعه بزعمه من ابن الثلجي أنه لا يصلي خلف من يقول القرآن غير مخلوق. فلو سمع هذا المعارض من أبي يوسف نفسه لم تقم له به حجة، وجرَّ إلى أبي يوسف بها فضيحة. فاجتهاد هذا المعارض في الطعن على من يقول غير مخلوق وصفحه عمن يقول مخلوق فهذا يدل منه على أسوأ الريبة وأقبح الظنة وأن إلبه وميله إلى من يصفح عنه.

ومما يدل على ظنته أن احتجاجه فيه بالمقذوفين المتهمين في دين الله تعالى مثل المريسي واللؤلؤي وابن الثلجي ونظرائهم. فأين هو عن الزهري والثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وشعبة ومعمر وابن المبارك ووكيع ونظرائهم، وأين هو عمن كان في عصر ابن الثلجي من علماء أهل زمانه مثل ابن حنبل وابن نمير وابن أبي شيبة وأبي عبيد ونظرائهم إن كان متبعا مستقيم الطريقة، ولكن لا يمكنه عن أحد منهم في مذهبه حكاية ولا رواية وإنما يتعلق بالمغموزين المغمورين إذ لم يمكنه التعلق بهؤلاء المشهورين كيما يروج ضلالته على الناس بأهل الريب الذين لا قبول لهم ولا عدالة عند أهل الإسلام.

ثم تقلدت أيها المعارض أفحش حجج الجهمية في نفي الكلام عن الله تعالى لما ادعيت أن الله قد نسب الكلام إلى الجبال والشجر والشمس والقمر فشبهت الله تعالى في كلامه بالجبال والشجر والشمس والقمر التي لا تقدر على الكلام ولا لها أسماع ولا أبصار. وهذا من أعظم حجج الجهمية يجعلون الله الحي القيوم المتكلم بالكلام السميع البصير القابض الباسط كالمدر والحجارة والجبال والتلال الصم البكم التي ليس لها كلام ولا أسماع ولا أبصار.

فقال: كما يجوز عندنا في المجاز أن ينسب الكلام إلى هذه الأشياء الصم يجوز في المجاز أن ينسب الكلام إلى الله تعالى، من غير أن يقدر الله على الكلام في دعواهم إلا كقدرة الجبال والشجر والشمس والقمر. فهل من شيء أشبه بالكفر البين من هذا المذهب بل هو الكفر صراحا أن يكون منزلة كلام الله تعالى عندهم ككلام الجبال والشجر والحجر والشمس والقمر والأشياء المخلوقة البينة.

هذا كلام ليس له نظام ولا هو عن مذاهب الإسلام ولا يحتاج إلى نقيضه من الكلام لأن مع كل كلمة منها نقيضها من نفس كلام المعارض. ومن ادعى أن كلام الله والقرآن مضاف إلى الله كبيت الله وكروح الله وكعبد الله أو شبّهه بكلام الجبال والشجر فقد صرح بأنه مخلوق اختلقه في دعواه بَشر كذاب كما قال الوحيد: {إن هذا إلا قول البشر} لما أن الله لم يخلق لنفسه كلامه يدعو إلى الله وإلى توحيده وطاعته، فإما أن يكون المتكلم به الله عندكم فهو كلام نفسه بحقيقة منه ومنه خرج ولا يجهل ذو عقل أنه لا يخرج من الله كلام مخلوق وإما أن يكون المتكلم به عندكم غير الله ثم أضافه كذبا وزورا وبهتانا إلى الله فهذا المتكلم به المضيف إلى الله كذاب مفتر كافر بالله إذ يقول {إني أنا الله رب العالمين} أو يقول: «إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني» أو يقول لموسى: {أنا ربك} فمن ادعى شيئا من هذا أو قاله غير الله فهو كافر كفرعون الذي قال: {أنا ربكم الأعلى} لا يستحق قائل هذا أن يجعل قوله قرآنا يضاف إلى الله ويقام به دين الله. هذا أوضح من الشمس وأضوأ منها إلا عند كل مدلس.

ولو لم يُذع هذا المعارض هذا الكلام ولم ينشره في الناس لم نتعرض لمناقضته والإدخال عليه، مع أنا لم نقصد بالنقض إليه ولكن إلى ضعفاء من بين ظهريه الذين لا علم لهم بهذا المذهب سمعوا به منه ولم يسمعوا ضد كلامه من كلام أهل السنة واحتجاجهم فيضلون به إذ لا يهتدون بضده وما ينقضه عليه. فلو أنه ألف لهم كتبا في معالم دينهم من نحو الوضوء والصلاة والزكاة ونحوها كان أولى به وأسلم لدينه وأنفع لمن حواليه من المسلمين. غير أني أظنه اضطمر [127] هذا الرأي قديما وكان يجيش في صدره لا يمكنه كظمه، حتى هم بإظهاره فيما بلغني مرة فأنكرها عليه علماؤها وفقهاؤها واستتابوه فتاب وعاهدهم أن لا يعود في شيء منه. ثم عيل صبره بعد وفاة هؤلاء العلماء حتى عرّف بما صدره فافتضح وفضح أئمته وضل وأضل وجهل فلم يعقل وهو في ذلك معجب بالإصابة غافل عما عليه في ذلك من الإثم والعار والنقص من كتاب الله وآثار رسول الله ﷺ ومذاهب الصالحين. ولو علم بذلك لكان أن يكون أخرس أحب إليه من أن يتكلم بهذا وما أشبهه، فكان يستتر من الافتضاح به حتى أنطق الله به لسانه وصرح بالمخلوق أيضا في كلام مموه عند السفهاء مكشوف عند الفقهاء، فادعى أيضا أن كلام الله يحتمل أن يكون من أفاعيله وأن أفاعيله زائلة عنه وكل زائل عن الله مخلوق في دعواه.

فلم يزل يغيب هذا القول [128] ويلجلج به في صدره حتى صرح به وهو يرى أنه ليس معه بالبلاد من يفطن لمذهبه.

فيقال لهذا المعارض: من زعم أن القرآن فعل الله الزائل منه، فقد رجع عن قوله كلام الله لأن القول غير الفعل عند جميع الناس والمفعولات كلها مخلوقة لا شك فيه، فقد صرح بالمخلوق مرة بعد مرة ومرة بعد مرة بعدما عاب من قاله، فرجع عيبه عليه من حيث لا يشعر.

أرأيتك أيها المعارض إذا ادعيت في بعض كلامك أنه لا يجوز أن تقول مخلوق ولا غير مخلوق ولا يزاد على أن يقال كلام الله ثم يسكت عما وراء ذلك لما أنه لم يخص فيه على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه فمن خاض فيه كان بزعمك مقدما بين يدي الله ورسوله فكيف تركت فيه قول الله تعالى ومنهاج السلف ورجعت عن كلام الله فجعلته فعلا له مخلوقا.

أوما تخشى على نفسك ما تخوفت على غيرك؟ لقد ارتطمت فيما تخوفت على غيرك وأنت لا تشعر وصرحت بالمخلوق بعدما نسبت إلى البدعة من قالها وبؤت بما عبت على غيرك من التقدم بين يدي الله ورسوله وبايعت جهما والمريسي في دعواهما، زعم هذان أنه مجعول وزعمت أنت أنه مفعول وكلا المعنيين سواء. وقد كان هذا رأس حجج المريسي وأصحابه من الجهمية وأوثقها في أنفسهم حتى تأولوا فيها على الله من كتابه خلاف ما أراد فقالوا قال الله تعالى: {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا} و {جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} فادعوا أنه لا يقال لشيء {جعلناه} إلا وذلك الشيء مخلوق، فضلوا بهذا التأويل عن سواء السبيل وجهلوا فيه مذاهب أهل الفقه والبصر بالعربية.

فقلنا لهم: ما ذنبنا إن كان الله سلب منكم معرفة الكتاب والعلم به وبمعانيه وبمعرفة لغات العرب حتى ادعيتم أن كل شيء يقال جعلناه فهو خلقناه؟

أرأيتم أيها الجهلة قول الله تعالى: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} أهو خلقنا في ذريته النبوة والكتاب؟ وكذلك {وجعلها كلمة باقية في عقبه} لا إله إلا الله أهو خلقها؟ {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} و {يجعل له من أمره يسرا} أهو يجعل له مخرجا؟ أم قوله {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} أهو خلقنا؟ أم قوله {حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة} أم قوله {ولا تجعل في قلوبنا غلا} أم قوله {لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} أهو في دعواكم لا تخلقنا بعدما خلقهم مرة؟ أم قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أتقول اخلق لي؟ أم قوله {واجعلنا للمتقين إماما} أي اخلقنا؟ أم قوله {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} بعدما فرغ من خلقه، أم قوله {اجعل هذا البلد آمنا} أم قوله {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} أم قوله {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} أم قوله {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أهو اخلقني وقد فرغ من خلقه؟ أم قول الرجل للرجل: جعلك الله بخير؟

وكل ما عددنا من هذه الأشياء وما يشبهها مما لم يعدد يستحيل أن يصرف جعلنا منها إلى خلقنا. وأشدها استحالة ما ادعيتم به على الله تعالى في قوله {إنا جعلناه قرآنا عربيا} أنه خلقناه، فلم تفقهوا معناه من قلة علمكم بالعربية.

ويلكم، إنما الكلام لله بدءا وأخيرا وهو يعلم الألسنة كلها ويتكلم بما شاء منها. إن شاء تكلم بالعربية وإن شاء بالعبرانية وإن شاء بالسريانية. فقال جعلت هذا القرآن من كلامي عربيا وجعلت التوراة والإنجيل من كلامي عبرانيا لما أنه أرسل كل رسول بلسان قومه كما قال فجعل كلامه الذي لم يزل له كلاما لكل قوم بلغاتهم في ألسنتهم. فقوله {جعلناه} صرفناه من لغة إلى لغة أخرى، ليس أنا خلقناه خلقا بعد خلق في دعواكم، فهو مع تصرفه في كل أحواله كلام الله غير مخلوق.

وأما قوله {جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} يقول: تستنير به القلوب وتنشرح له، لا أنه نور مخلوق له ضوء قائم يرى بالأعين مثل ضوء الشمس والقمر والكواكب فافهمه ولا أراك تفهمه.

واحتج المعارض أيضا لتحقيق قوله أنه مخلوق بحديث النبي ﷺ: «يجيء القرآن يوم القيامة شفيعا لصاحبه».

فقال لأهل السنة: إن قلتم بهذا الحديث كان نقضا لما ادعيتم أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا يتراءى شيء في صورة إلا وذلك المترائي والمتكلم في قياس مذهبه مخلوق. فقد فسرنا هذا لهذا المعجب بجهالته في كتابنا هذا أن القرآن كلام الله ليس له صورة ولا جسم ولا يتحول صورة أبدا له فم ولسان ينطق به ويشفع، قد عقل ذلك جميع المسلمين فلما كان المعقول ذلك عندهم علموا أن ذلك ثواب يصوره الله في أعين المؤمنين جزاء لهم عن القرآن الذي قرأوه واتبعوا ما فيه ليبشر به المؤمنين، ونفس القرآن كلام غير مجسم في كل أحواله إنما يحس به إذا قرئ فإذا زالت عنه القراءة لم يوقف له على جسم ولا صورة إلا أن يرسم بكتاب، هذا معقول لا يجهله إلا كل جهول، قد علمتم ذلك إن شاء الله ولكنكم تغالطون والعلماء بمغالطتكم عالمون ولضلالتكم مبطلون. ويكفي العاقل أقل مما بينا وشرحنا عن مذاهبكم غير أن في تكرير البيان شفاء لما في الصدور.

وأما دعواك أيها المعارض أنه لم يسبق من السلف في القرآن قول ولا خوض أنه غير مخلوق فسنقص عليك إن شاء الله عنهم ما يكذب دعواك وسنحكيه لك عن قوم منهم أعلى وأعلم ممن حكيت عنهم مذهبك نحو المريسي وابن الثلجي ونظرائهم.

130

حدثنا علي بن المديني حدثنا موسى بن داود حدثنا معبد قال علي [129] وهو ابن راشد عن معاوية بن عمار قال: قيل لجعفر بن محمد: القرآن خالق أو مخلوق؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله.

131

وسمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال سفيان بن عيينة: قال عمرو بن دينار: أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود. [130]

132

حدثني محمد بن منصور الطوسي من أهل بغداد قال: حدثني علي بن مضاء مولى خالد القسري قال: سمعت محمد بن المبارك بالمصيصة وسأله رجل عن القرآن قال: هو كلام الله غير مخلوق.

133

حدثني محمد بن منصور عن علي بن مضاء قال: سمعت بقية بن الوليد يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. [131]

134

حدثني محمد بن منصور حدثنا علي بن مضاء قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.

135

حدثني محمد بن منصور حدثنا علي بن مضاء قال: سمعت القاسم الجزري [132] يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.

136

حدثني محمد بن منصور حدثنا علي بن مضاء قال: حدثنا هشام بن بهرام قال: سمعت المعافى بن عمران يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.

قال هشام: وأنا أقول كما قال المعافى. قال علي: وأنا أقول كما قال هشام. قال محمد بن منصور: وأنا أقول كما قال خمسين مرة. قال عثمان بن سعيد: وأنا أقول كما قالوا. قال الصرام: وأنا أقول كما قالوا. قال رواة الصرام: ونحن نقول كما قالوا. وقال لنا إسحاق: ونحن نقول كما قالوا. [133]

فكل هؤلاء قد قالوا إنه غير مخلوق. وليسوا بدون من رويت عنهم أنهم كرهوا الخوض فيه فيقولون هو غير مخلوق مثل أبي أسامة وأبي معاوية ومنصور بن عمار إن صدقت عليهم في دعواك، وأخسهم عند الناس منزلة أعلى من المريسي واللؤلؤي وابن الثلجي ونظرائهم الذين ادعوا أنه مخلوق حتى لقد أكفرهم كثير من العلماء بقولهم وكثير منهم أوجب عليهم به القتل ولم يوجبوا عليهم القتل بذلك إلا وأن قولهم كان عندهم كفرا.

137

حدثنا يحيى الحماني أن أبا بكر بن عياش حدثهم عن حصين عن سويد بن غفلة أن عليا رضي الله عنه قتل زنادقة ثم أحرقهم ثم قال: صدق الله ورسوله. [134]

فالجهمية عندنا أخبث الزنادقة لأن مرجع قولهم إلى التعطيل كمذهب الزنادقة سواء.

138

حدثنا القاسم بن محمد المعمري البغدادي: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده حبيب بن أبي حبيب قال: خطبنا خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم أضحى فقال: أيها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منا ومنكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا؛ ثم نزل إليه فذبحه. [135]

139

حدثنا موسى بن إسماعيل قال: قلت لإبراهيم بن سعد: ما تقول في الزنادقة، ترى أن نستتيبهم؟ قال: لا، قلت فبم تقول ذاك؟ قال: كان علينا وال بالمدينة فقتل منهم رجلا ولم يستتبه فسقط في يده فبعث إلى أبي فقال له أبي لا يهتديك فإنه قول الله {فلما رأوا بأسنا} قال السيف {قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} قال: السيف سنة القتل.

وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يقول: قلت لأحمد بن حنبل: ما ترى في قتل هؤلاء الجهمية؟ قال: يستتابون، فقلت: لا أما خطباؤهم فلا يستتابون وتضرب أعناقهم.

140

حدثنا يحيى بن بكير المصري: حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من غير دينه فاضربوا عنقه» [136] قال مالك: ومعنى حديث النبي ﷺ هذا فيما نرى والله أعلم أنه من خرج من الإسلام إلى غيره مثل الزنادقة وأشباههم فإن أولئك يقتلون ولا يستتابون لأنه لا تعرف توبتهم وأنهم قد كانوا يسرون الكفر ويعلنون بالإسلام فلا أرى أن يستتاب هؤلاء ولا يقبل قولهم. [137]

141

حدثنا يوسف بن يحيى البويطي عن الشافعي في الزنديق: يقبل قوله إذا رجع ولا يقتل.

142

حدثنا محمد بن المعتمر السجستاني وكان من أوثق أهل سجستان وأصدقهم عن زهير بن نعيم البابي أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار. [138] قال: وسمعت زهير بن نعيم يقول: سئل حماد بن زيد وذكر له شيء عن بشر المريسي فقال: ذاك كافر.

حدثنا يحيى الحماني حدثنا الحسن بن الربيع قال: سمعت ابن المبارك يقول من زعم أن قول الله [139] {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} مخلوق فهو كافر.

وسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي إنه سمع وكيعا يكفر الجهمية.

وكتب إلي علي بن خشرم أن ابن المبارك كان لا يعد الجهمية في عداد المسلمين.

وسمعت يحيى بن يحيى يقول: القرآن كلام الله من شك فيه أو زعم أنه مخلوق فهو كافر. [140]

فهؤلاء الذين أكفروهم في آخر الزمان، وعلي بن أبي طالب وابن عباس في أول الزمان، وأنزلاهم منزلة من بدل دينه فاستحق بتبديله القتل.

143

حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد وجرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي بقوم من الزنادقة فحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: أما أنا فلو كنت لقتلتهم لقول رسول الله ﷺ ولما حرقتهم لنهي رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» وقال: «لا تعذبوا بعذاب الله». [141]

فادعى المعارض أن من روينا عنهم من الفقهاء والعلماء المشهورين في إكفار الجهمية وقتلهم عليه وقولهم القرآن غير مخلوق أن هذه الروايات وما أشبهها ليس أثرا عنده، لما أن أبا يوسف قال: الأثر ما روي عن النبي ﷺ والصحابة، وما بعد هؤلاء ليس بأثر.

فيقال لهذا المعارض: فكيف جعلت أنت أثرا ما رويت في رد مذهبنا عن أبي حنيفة وأبي يوسف وأبي أسامة وأبي معاوية والمريسي واللؤلؤي والثلجي؟ فإن لم يكن ما روينا من ذلك عن جعفر بن محمد وعمرو بن دينار وبقية بن الوليد وابن المبارك ووكيع وعيسى بن يونس ونظرائهم أثرا عندك فأبعد من الأثر ما احتججت في رده عن المريسي والثلجي واللؤلؤي ونظرائهم، فكيف أقمت أقاويل هؤلاء المتهمين لنفسك أثرا ولا تقيم أقاويل هؤلاء المتميزين لنا أثرا مع أن أبا يوسف إن قال ليست أقاويل التابعين بأثر فقد أخطأ إنما يقال: ليس اختلاف التابعين سنة لازمة كسنن النبي ﷺ وأصحابه، فأما أن لا يكون أثرا فإنه لا شك فيه وأقاويلهم ألزم للناس من أقاويل أبي يوسف وأصحابه لأن الله تعالى أثنى على التابعين في كتابه فقال: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم} فشهد باتباع الصحابة واستيجاب الرضوان من الله تعالى باتباعهم أصحاب محمد ﷺ. واجتمعت الكلمة من جميع المسلمين أن سموهم التابعين ولم يزالوا يأثرون عنهم بالأسانيد كما يأثرون عن الصحابة ويحتجون بهم في أمر دينهم ويرون آراءهم ألزم من آراء من بعدهم للاسم الذي استحقوا من الله تعالى ومن جماعة المسلمين الذين سموهم تابعي أصحاب محمد ﷺ. حتى لقد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن للحسن البصري: ولا تفت الناس برأيك، فقال: رأينا لهم خير من آرائهم لأنفسهم. [142] فإن لم يكن عند أبي يوسف ما روي عن التابعين أثرا فبئس ما أثنى على زعيمه وإمامه أبي حنيفة إذ يشهد عليه أن عامة فتياه بغير أثر، لأن عظم ما أفتى وأخذ به أبو حنيفة مما رواه عن حماد عن إبراهيم وكان من أتباع التابعين. فقد شهد على أبي حنيفة أنه كان يفتي بغير أثر وعلى نفسه أنه تبعه في فتياه من غير نظر. فإن لم يكن ما روى عن التابعين آثار عند أبي يوسف وعندكم فكيف سميت رأي إبراهيم آثار أبي حنيفة؟ وإنما إبراهيم من أتباع التابعين. كذبتم إذا فيما ادعيتم من ذلك لأبي حنيفة أنه أثر وليس كذلك عندكم.

فتفهم أيها المعارض ثم تكلم ولا تنطقن بما لا تعلم. فإن كنت لا تحسن فتعلم ولا ترسل من رأسك ما يأخذ منك بالكظم فينقض عليك وتطلم وتعد في عداد من لا يفهم. [143]

باب الحث على طلب الحديث والرد على من زعم أنه لم يكتب على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الحديث والذب عن أصحاب النبي وأصحاب الحديث وأهل السنة وفضلهم على غيرهم

[144]

وادعى المعارض عن أبي يوسف قوله: إن الأثر ما روي عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ثم أنشأ طاعنا على الآثار.

وروى عن أبي يوسف [145]: "الآثار تصد الناس عن طلبها وتزهدهم فيها" بتأويلٍ ضلال يُري من بين ظهريه أنه فيما يدعي من ذلك مصيب.

فكان مما تأول في ردها أن روى عن النبي ﷺ أنه قال: «سيفشو الحديث عني فما وافق منها القرآن فهو عني وما خالفه فليس عني». [146]

فيقال لهذا المعارض: لقد تأولت حديث رسول الله ﷺ على خلاف ما أراد. إنما قال رسول الله ﷺ: «سيفشو الحديث عني» [147] على معنى أنه يتداوله الحفاظ من الناس والصادق والكاذب والمتقن والمغفل. وصدق رسول الله ﷺ، قد تبين ما قال في الروايات، ولذلك ينتقدها أهل المعرفة بها فيستعملون فيها رواية الحفاظ المتقنين ويدفعون رواية الغفلاء الناسين ويزيفون منها ما روى الكذابون. وليس إلى كل أحد الاختيار منها ولا كل الناس يقدر أن يعرضها على القرآن فيعرف ما وافقه منها مما خالفه، إنما ذلك إلى الفقهاء العلماء الجهابذة النقاد لها العارفين بطرقها ومخارجها، خلاف المريسي واللؤلؤي والثلجي ونظرائهم المنسلخين منها ومن معرفتها ومما يصدقها من كتاب الله تعالى. فقد أخذنا بما قال رسول الله ﷺ فلم نقبل منها إلا ما روى الفقهاء الحفاظ المتقنون مثل معمر ومالك بن أنس وسفيان الثوري وابن عيينة وزهير بن معاوية وزائدة وشريك وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك ووكيع ونظرائهم الذين اشتهروا بروايتها ومعرفتها والتفقه فيها -خلاف تفقه المريسي وأصحابه- فما تداول هؤلاء الأئمة ونظراؤهم على القبول قبلنا وما ردوه رددناه وما لم يستعملوه تركناه، لأنهم كانوا أهل العلم والمعرفة بتأويل القرآن ومعانيه وأبصر بما وافقه منها مما خالفه من المريسي وأصحابه. فاعتمدنا على رواياتهم وقبلنا ما قبلوا وزيفنا منها ما روى الجاهلون من أئمة هذا المعارض مثل المريسي والثلجي ونظرائهم، فأخذنا نحن بما قال النبي ﷺ في حديثك الذي رويته عنه وتركته أنت لأنك احتججت في رد ما روى هؤلاء الأعلام المشهورون العالمون ما وافق منها كتاب الله مما خالفه بأقاويل هؤلاء الجهلة المغمورين. والشاهد عليك بما أقول كتابك هذا الذي ألفته على نفسك لا على غيرك.

واحتججت أيضا في رد آثار رسول الله ﷺ التي رويت عن أبي يوسف أنها رأس الآثار وألزمها للناس بكذب ادعيته، زعمت أنه صح عندك أنه لم تكتب الآثار وأحاديث النبي ﷺ في زمن النبي ﷺ والخلفاء بعده إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه فكثرت الأحاديث وكثر الطعن على من رواها.

فيقال لهذا المعارض: دعواك هذه كذب لا يشوبه شيء من الصدق. فمن أين صح عندك أن الأحاديث لم تكن تكتب عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده إلى أن قتل عثمان ومن أنبأك بهذا فهلم إسناده وإلا فإنك من المسرفين على نفسك القائلين فيما لا يعلم. فقد صح عندنا أنها كتبت في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه منها صحيفة وهو أحد الخلفاء من رسول الله ﷺ فقرنها بسيفه فيها أمر الجراحات وأسنان الإبل، وفيها «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» وإذا فيها: «المؤمنون تكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» وإذا فيها: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده». [148]

144

رواه الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي.

فهذا إسناد جيد قد جئناك به في خلاف دعواك. فعمن رويت الحديث الذي ادعيت أنه صح عندك فأظهره حتى نعرفه كما عرفنا هذا.

145

حدثنا الحماني حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة عن منذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال: جاءت سعاة عثمان إلى علي يشكونه فقال لي: خذ هذه الصحيفة فإن فيها سنن رسول الله ﷺ فاذهب بها إلى عثمان، قال: فذهبت بها إلى عثمان فقال: لا حاجة لنا فيها، وأتيت بها عليا وأخبرته فقال: ضعها مكانها.

فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أحد الخلفاء صح عندنا أنه كتب عن رسول الله ﷺ وبعث بها إلى عثمان رضي الله عنه قبل أن يقتل عثمان. فمن أين صح عندك أيها المعارض أنه لم يكتب الحديث في زمن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده حتى قتل عثمان؟ فأسنده كما أسندنا لك وإلا فلم تدعي ما لا تعقله ولا تفهمه فيسمع به منك سامع من الجهال يحسب أنك مصيب في دعواك وأنت فيها مبطل. وإنما قال عثمان لا حاجة لنا في الصحيفة على معنى أنا نحسنها ونعرف منها ما في الصحيفة.

ثم كتب عن رسول الله ﷺ عبد الله بن عمرو فأكثر واستأذنه في الكتاب عنه فأذن له.

146

حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ما أحد من أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب وأنا كنت لا أكتب. [149]

147

حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن سلمان عن عقيل عن المغيرة بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أحفظ لحديثه إلا عبد الله بن عمرو فإنه يكتب واستأذن النبي ﷺ أن يكتب فكان يكتب بيده ويعي بقلبه وكنت أنا أعي بقلبي. [150]

وكتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه كتاب الصدقات عن النبي ﷺ.

148

حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة قال: أخذت عن ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله ﷺ حين بعثه مصدقا وكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم هذا فريضة الصدقة.. وساق أبو سلمة الحديث بطوله. [151]

149

حدثنا عبد الله بن صالح عن ليث بن سعد عن يونس عن ابن شهاب في الصدقات نسخة كتاب رسول الله ﷺ وهي عند آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أقرأنيها سالم بن عبد الله فوعيتها على وجهها.. وساقه أبو صالح بطوله. [152]

150

حدثنا الحكم بن موسى حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم. [153]

151

حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله ابن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم في خمس من الإبل شاة.. وساق نعيم الحديث بطوله.

فهذا رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم قد صح أنه كتبت الأحاديث والآثار في عصرهم وزمانهم، قد أسندنا لك أيها المعارض إليهم. فمن أين صح عندك ما ادعيت أنها لم تكتب في زمن النبي ﷺ والخلفاء بعده حتى قتل عثمان فكثرت الأحاديث بعده وكثر الطعن على رواتها، ومن طعن على الثقات من رواة الأحاديث عند مقتل عثمان؟

وأما أهل الظنة والغفلة فيها فلم يزالوا مطعونا عليهم ليس منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ومعاوية بن أبي سفيان ونظرائهم من أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين أنهم هم المطعونون عليهم فيها

(الذب عن أبي هريرة)

حتى ادعيت في ذلك كذبا على عمر بن الخطاب أنه قال: أكذب المحدثين أبو هريرة. وهذا مكذوب على عمر. فإن تك صادقا في دعواك فاكشف عن رأس من رواه، فإنك لا تكشف عن ثقة. فكيف يستحل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرمي رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ بالكذب من غير صحة ولا ثبت، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي» [154] و «احفظوني في أصحابي» [155] و «الله الله في أصحابي» [156] و «من سب أصحابي فعليه لعنة الله» [157] فأي سب لصاحب رسول الله ﷺ أعظم من تكذيبه في الرواية عن رسول الله ﷺ، وإنه لمن أصدق أصحاب رسول الله ﷺ وأحفظهم عنه وأرواهم لنواسخ أحاديثه والأحدث فالأحدث من أمره، لأنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بنحو من ثلاث سنين بعدما أحكم الله لرسوله ﷺ أكثر أمر الحدود والفرائض والأحكام. وكيف يتهمه عمر بالكذب على رسول الله ﷺ وهو يستعمله على الأعمال النفيسة ويوليه الولايات. ولو كان عند عمر كما ادعى المعارض لم يكن بالذي يأتمنه على أمور المسلمين ويوليه أعمالهم مرة بعد مرة حتى دعاه آخر ذلك إلى العمل فأبى عليه.

152

حدثناه موسى بن إسماعيل عن أبي هلال الراسبي عن محمد ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه. [158]

ثم عرفه أصحاب النبي ﷺ بكثرة الروايات عن النبي ﷺ وثبتوه في ذلك، منهم طلحة بن عبيد الله وابن عمر وغيرهما. وروى عنه غير واحد من الصحابة آثارا عن رسول الله ﷺ، منهم عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم. ولو كان عندهم من عداد الكذابين كما ادعيت عليه لم يكونوا يستحلون الرواية عنه. ثم قد روى عنه من أعلام التابعين من أهل المدينة ومكة وبصرة والكوفة والشام واليمن عدد كثير لا يحصون، منهم سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء وطاووس ومجاهد وعلقمة بن قيس وقيس بن أبي حازم والشعبي وإبراهيم وأبو إدريس الخولاني من أهل الشام ومن لا يحصون من هذه الكور. وقد رووا الكثير عن أبي هريرة واحتجوا به واستعملوا روايته، ولو عرفوا منه ما ادعى المعارض ما حدثوا المسلمين عن أكذب المحدثين. فاتق الله أيها المعارض واستغفره مما ادعيت على صاحب رسول الله ﷺ المعروف بخلاف ما رميته. ولو كان لك سلطان صارم يغضب لأصحاب رسول الله ﷺ لأوجع بطنك وظهرك وأثر في شعرك وبشرك حتى لا تعود تسب أصحاب رسول الله ﷺ ولا ترميهم بالكذب من غير ثبت.

153

حدثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن مالك بن أبي عامر عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: والله ما أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، كنا نحن قوم لنا عناء وبيوتات وكنا إنما نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان مسكينا لا أهل له ولا مال وإنما يده مع رسول الله ﷺ يأكل معه حيث كان، فوالله ما نشك أنه سمع منه ما لم نسمع، ولا نجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل. [159]

154

حدثنا أحمد بن يونس عن عاصم بن محمد العمري عن أبيه عن ابن عمر أنه كان إذا سمع حديث أبي هريرة قال: والله إنا لنعرف ما يقول أبو هريرة ولكن نجبن ويجترئ. [160]

155

حدثنا مسدد حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث فقال: لم يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي ولا سفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها، فقال ابن عمر: صدقت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه. [161]

156

حدثنا موسى بن إسماعيل عن إسماعيل بن جعفر المزكي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال رسول الله ﷺ: «ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه». [162]

أفلا يراقب امرؤ ربه فيكف لسانه ولا يكذب رجلا أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ فيرميه بالكذب من غير ثبت ولا صحة. وكيف يصح عند هذا المعارض كذبه وقد ثبّته مثل طلحة بن عبيد الله وعبد الله بن عمر؟ لو عض هذا الرجل على حجر أو على جمرة حتى يحرق لسانه كان خيرا له مما تأول على صاحب رسول الله ﷺ.

(الذب عن معاوية بن أبي سفيان)

وادعى المعارض أنه سمع أبا الصلت [163] يذكر أنه كان لمعاوية بن أبي سفيان بيت يسمى بيت الحكمة فمن وجد حديثا ألقاه فيه، ثم رويت بعده.

فهذه حكاية لم نعرفها ولم نجدها في الروايات، فلا ندري عمن رواها أبو الصلت فإنه لا يأتي به عن ثقة، فقد كان معاوية معروفا بقلة الرواية عن رسول الله ﷺ ولو شاء لأكثر إلا أنه كان يتقي ذلك ويتقدم إلى الناس ينهاهم عن الإكثار على رسول الله ﷺ حتى إن كان ليقول: «اتقوا من الروايات عن رسول الله ﷺ إلا ما كان يذكر منها في زمن عمر فإن عمر رضي الله عنه كان يخوف الناس في الله». [164]

157

حدثناه ابن صالح عن معاوية بن صالح، وساقه بإسناده.

وهذا طعن كثير من المعارض أنه كان يجمع أحاديث الناس عن غير ثبت فيجعلها عن رسول الله ﷺ. ولو استحل معاوية هذا المذهب لافتعلها من قبل نفسه ونحلها رسول الله ﷺ فكان يقبل منه لما أنه عرف بصحبة رسول الله ﷺ، ولم يكن ينحله قول غيره من عوام الناس.

ويدلك قلة رواية معاوية عن النبي ﷺ -وكان كاتبه- على تكذيب ما رويت عن أبي الصلت. فإن كنت صادقا فاكشف عن إسناده فإنك لا تسنده إلى ثقة.

(الذب عن عبد الله بن عمرو بن العاص)

وكذلك ادعيت على عبد الله بن عمرو بن العاص وكان من أكثر أصحاب النبي ﷺ رواية عنه معروفا بذلك؛ فزعمت أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يرويها للناس عن النبي ﷺ فكان يقال له: ألا تحدثنا عن الزاملتين.

ويحك أيها المعارض. إن كان عبد الله بن عمرو أصاب الزاملتين من حديث أهل الكتاب يوم اليرموك فقد كان مع ذلك أمينا عند الأمة علي حديث النبي ﷺ أن لا يجعل ما وجد في الزاملتين عن رسول الله ﷺ، ولكن كان يحكي عن الزاملتين ما وجد فيهما وعن النبي ﷺ ما سمع منه، لا يحيل ذاك على هذا ولا هذا على ذاك كما تأولت عليه بجهلك، والله سائلك عنه. [165]

فاقصر أيها الرجل من طعنك على أصحاب رسول الله ﷺ في الروايات، فإنهم لو كانوا عند الأمة في موضع الجرح كما ادعيت عليهم وليسوا كذلك ما كانت لك حجة على ألف سواهم من المهاجرين والأنصار ممن لا تجد سبيلا إلى الطعن عليهم وقد رووا من ذلك ما يغيظك. وقد اجتمعت الكلمة من جميع الفقهاء أن شهادات العدول إذا شهد معهم من ليس بعدل لا يسقط، ولا يجعل مثل السوء بأصحاب رسول الله ﷺ، وكلهم بحمد الله عدول يؤتمنون على عهد رسول الله ﷺ، والمجروح من جرحهم. ولا يزيف مائة ألف حديث مشهورة محفوظة مأثورة عن الثقات إذ وجد فيها مائة حديث منكرة ويجرح ألف رجل من أهل الإتقان والحفظ في الرواية إذ وجد فيهم عشرون رجلا ينسبون إلى الغفلة والنسيان وقلة الإتقان. فاربح العناء فيما ليس لك فيه شفاء. وكما لا يبهرج مائة دينار إذا وجد ديناران زائفان ولا نحكم على جماعة المسلمين بالجرح إذ وجد فيهم مجروحان ولكن نزيف الزائفة منها ونروج المنتقدة.

فما تصنع بهذه العمايات والأغلوطات التي لا تجدي عليك شيئا، فإنه لا يترك طلب العلم والآثار بخرافاتك هذه. ولو كان المذهب فيه ما تأولت لحرم طلب العلم على أهله ولكان يدل قول رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» [166] أن تركه فريضة على كل مسلم، ويدل قوله: «تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب» [167] أنها تضعهما سخطا بما طلب، ويدل قوله: «يستغفر لطالب العلم كل شيء حتى الحوت في البحر» [168] أنها تلعنه وتدعو عليه؛ فينقلب في دعواك معاني الحق إلى الباطل والمعروف إلى المنكر. وقد علمنا أن رسول الله ﷺ لم يعن بطلب العلم عمايات أصحاب الكلام وأهل المقاييس ولكن عنى به ما يؤثر عنه.

أوليس قد ادعيت أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألف حديث دلسوها على المحدثين، فدونك أيها الناقد البصير الفارس النحرير فأوجدنا منها اثني عشر حديثا، فإن لم تقدر عليها فلمَ تُهجّن العلم والدين في أعين الجهال بخرافاتك هذه، لأن هذا الحديث إنما هو دين الله بعد القرآن وأصل كل فقه، فمن طعن فيه فإنما يطعن في دين الله تعالى. أولم تسمع قول رسول الله ﷺ أنه جعل حديثه أصل الفقه فقال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه» [169] فجعل رسول الله ﷺ أصل الفقه كله بعد القرآن حديثه الذي تدفعه أنت وإمامك المريسي.

158

حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال: إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذونه. [170]

فما ظنك أيها المعارض إذا لقيت الله تعالى وقد طعنت في دينه ثم لم تقنع بجرح أصحاب رسول الله ﷺ في الروايات حتى تعرضت في التابعين فقلت: ألا ترى أن ابن عمر قال لغلامه: انظر ألا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس. [171] توهم من حواليك من الجهال أنه إذا قيل هذا في مثل عكرمة فقد بطلت الروايات كلها ويظن برواتها كلها ما ظن ابن عمر بعكرمة.

فيقال لهذا المعارض: إن كان ابن عمر يجوّز الوهم على عكرمة في دعواك فما لك راحة في رواية غيره عن ابن عباس وغيره مما يغيظك ممن لا تجد السبيل إلى الطعن عليهم، مثل سعيد بن جبير وعطاء وطاووس ومجاهد وعبيد الله بن عبد الله وجابر بن زيد ونظرائهم. والعجب منك إذ تطعن في رواية عكرمة عن ابن عباس فيما يبطل دعواك وتحتج لإقامة دعواك برواية بشر المريسي عن أبي شهاب الخولاني عن نعيم بن أبي نعيم الذين لا يُدرى من هم، وعن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [172] وما أشبهه من الأسانيد التي أجمع أهل العلم على تركها.

أفكل ما وافق من ذلك رأيك وإن كان ضعيفا صار عندك في حد القبول وما خالف رأيك منها صار متروكا عندك وإن كان عند الفقهاء في حد القبول: هذا ظلم عظيم وجور جسيم.

وادعيت أيضا في دفع آثار رسول الله ﷺ ضحكة لم يسبقك إلى مثلها عاقل من الأمة ولا جاهل، فزعمت أنه لا تقوم الحجة من الآثار الصحيحة التي تروى عن رسول الله ﷺ إلا كل حديث لو حلف رجل بطلاق امرأته أنه كذب طلقت امرأته [173] ثم قلت: ولو حلف رجل بهذه اليمين على حديث لرسول الله ﷺ صحيح عنه أنه كذب ما طلقت امرأته.

فيقال لهذا المعارض الناقض على نفسه: قد أبطلت بدعواك هذه جميع الآثار التي تروى عن النبي ﷺ، ما احتججت منها لضلالتك وما لم تحتج. ولو كنت ممن يلتفت إلى تأويله لقد سننت للناس سنة وحددت لهم في الأخبار حدا لم يستفيدوا مثلها من أحد من العالمين قبلك ولوجب على كل مختار من الأئمة في دعواك ألا يختار منها شيئا حتى يبدأ باليمين بطلاق امرأته فيحلف أن هذا الحديث صدق أو كذب البتة، فإن كان شيئا طلقت به امرأته استعمله وإن لم تطلق تركه.

ويلك، إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار ويستعملونها وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحد منهم أن يحلف على أصحها أن النبي ﷺ قاله البتة وعلى أضعفها أن النبي ﷺ لم يقله البتة، ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في الأخبار الأحفظ منها والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم، ويرون أن الأيمان التي ألزمتهم فيها بطلاق نسائهم مرفوعة عنهم حتى ابتدعتها أنت من غير أن يسبقك إليها مسلم وكافر، ففي دعواك يجب على القضاة والحكام أن لا يحكموا بشهادة العدول عندهم إلا بشيء يمكن القاضي أن يحلف عليه بطلاق امرأته أن الشاهد به قد صدق أو أنه إن حلف عليها بطلاق امرأته أنها كذب لم تطلق امرأته.

ويحك من سبقك إلى هذا التأويل من أمة محمد ﷺ في اتباع الرويات واختيار ما يجب منها؟ إنما يجب على القاضي أن يفحص عن الشهود ويحتاط فمن عدل عنده منهم حكم بشهادته وإن كان كاذبا في شهادته في علم الله بعدما لم يطلع القاضي منه على ذلك، وترد شهادة المجروح وإن كان صادقا في شهادته في علم الله بعدما لم يطلع القاضي على صدقه. وكذلك المذهب في استعمال هذه الآثار وقبولها من رواتها لا ما تأولت أنت فيها من هذه السخرية بنفسك والضحك.

وادعى المعارض أن من الأحاديث التي تروى عن رسول الله ﷺ أحاديث منكرة مستشنعة جدا لا يجوز إخراجها، فألف منها أحاديث بعضها موضوعة وبعضها مروية تروى وتوقف لا يتقدم على تفسيرها، يوهم من حواليه من الأغمار أن آثار رسول الله ﷺ كلها ما روي منها مما يغيظ الجهمية في الرؤية والنزول، والصفات التي رواها العلماء المتقنون ورأوها حقا سبيلها سبيل هذه المنكرات التي لا يجوز إخراجها ولا الاعتماد عليها. ثم أقبل عليها بعدما أقر أنها منكرات مستشنعة يفسرها ويطلب لها مخارج يدعو إلى صواب التأويل في دعواه.

ويحك أيها المعارض وما يدعوك إلى تفسير أحاديث زعمت أنها مستشنعة لا أصل لها عندك ولا يجوز التحدث بها؟ فلو دفعتها بعللها وشنعها عندك كان أولى بك من أن تستنكرها وتكذب بها ثم تفسرها ثانية كالمثبت لها على وجوه ومعان من المحال والضلال الذي لم يسبقك إلى مثلها أحد من العالمين.

فادعيت أن من تلك المنكرات ما روى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر. [174] قلتَ: وقال بعضهم: من شعر الذراعين والصدر. [175]

فيقال لهذا المعارض: إذا كان هذا الحديث عندك من المنكرات التي تترك من أجله جل الروايات فلم فسرته كأنك تثبته فقلت تأويله عندنا محتمل على ما يقال في أسماء النجوم الذي يسمى منها الذراع والجبهة.

ويحك أيها المعارض، استنكرت الحديث وتفسيرك أنكر منه. أخلق الله الملائكة من نور النجوم وشعورها التي يسمى منها الذراع والجبهة أم للنجوم شعور فيخلق منها الملائكة؟ لقد أغربت بهذا التفسير على جميع المفسرين وأندرت وكدت أن تقلب العربية ظهرها لبطنها إن جازت عليك هذه المستحيلات أن الله خلق الملائكة من شعور النجوم التي تسمى ذراعا.

واحتججت في رد آثار رسول الله ﷺ وكراهية طلبها والاشتغال بجمعها بحكاية حكيتها عن سفيان الثوري أنه قال: ليس هذا الحديث من عدد الموت. [176]

وبقول شعبة: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. [177]

وبقول ابن المبارك: اللهم اغفر لي رحلتي في الحديث. [178]

فتوهمت أن قولهم هذا طعن في الآثار وكراهية منهم لجمعها واستعمالها، وقد أخطأت الطريق وغلطت في التأويل لأنه ليس تأويل هذه الحكايات عنهم أنهم لم يعدوا هذه الآثار من أصول الدين وأنهم لم يروا طلبه أفضل الأعمال ولكن خافوا أن يكون قد خالط ذلك بعض الرياء والعجب والاستطالة به على من دونهم فيه أو أنهم إذا جمعوها وكتبوها لم يقوموا بالعمل بها الذي يجب عليهم ويصير حجة عليهم فإنما أزروا فيما حكيت عنهم بأنفسهم لا بالعلم والأحاديث كما تفعله أنت وأصحابك. ولو كانت هذه الروايات عنهم من سيء الأعمال كما ادعيت عليهم ما صنفوها ونقلوها إلى الأنام ولا دعوهم إلى استعمالها والأخذ بها فيشركوهم في إثم ما وقعوا فيه، ومن يظن بهم ذلك إلا جاهل مثلك بعد الذي رووا عن النبي ﷺ أنه قال: «حدثوا عني ولا حرج» [179] وقال: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها وبلغها غيره» وقوله: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» [180] وقوله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» وقوله: «ما سلك رجل طريقا يبتغي فيها علما إلا سهل الله به طريقا إلى الجنة» [181] وقوله: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». وهي هذه الآثار وهي أصول الدين وفروعه بعد القرآن. فمن سمع شيئا من هذه الأحاديث التي حض النبي ﷺ على طلبها وإبلاغها وأدائها إلى من يسمعها علم يقينا أن ما حكيت عن سفيان وشعبة وابن المبارك على خلاف ما تأولته.

ويحك، إنما قال القوم هذا تخوفا على أنفسهم أن يكونوا قد أوتوا منه الكثير فلم يوفقوا لاتباعه كما يجب ولم يتخلقوا بأخلاق العلماء الصالحين قبلهم من السكينة والوقار والورع والعبادة ولم يتأدبوا بأحسن آدابهم.

159

فقد سمعت يحيى بن يحيى يقول: قال ابن المبارك: طلبنا العلم فأصبنا منه شيئا فطلبنا الأدب فإذا أهله قد ماتوا. [182] وكما قال الشعبي: زين العلم حلم أهله. [183] وكما قال ابن سيرين: ذهب العلم وبقي منه غبرات في أوعية سوء. [184] وكان تخوفهم على أنفسهم بالحكايات التي حكيتها عنهم عسى أن لم يرزقوا هذه الآداب وما يحتاج إليه العلم حتى يخلص لوجه الله تعالى وكان ذلك منهم إعظاما للعلم وإجلالا له لا استخفافا به وتعريضا لإبطاله كما فعلت أنت.

160

وسمعت الطياليسي أبا الوليد أنه سمع ابن عيينة يقول: طلبت هذا العلم يوم طلبته لغير الله فأعقبني ما ترون. [185]

قال أبو سعيد: يقول لم أعرف لنفسي يوم طلبته تلك النية الخالصة فأعقبني منه أني اشتغلت بتحديث الناس به لا بالعمل به والزهادة في الدنيا والعبادة.

161

وقد روي عن الشعبي أنه قال: وددت أني لم أُسأل عن شيء. [186] أي لما أن الذي سئلت عنه صار علي حجة.

وقال الشعبي أيضا: إنا لسنا لسنا بفقهاء ولكنا رواة الحديث. [187] وكما قال الحسن: هل رأيت فقيها قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة لا يداري ولا يماري بنشر حكم الله، فإن قبلت منه حمد الله وإن ردت حمد الله. [188]

فتخوف القوم أنهم لم يكونوا من أهله وقد كانوا أهله، وما زادهم تخوفهم من هذا وما أشبهه في قلوب المؤمنين إلا حبا وعظما وللعلم توقيرا وإجلالا إذ خافوا أن لا يكونوا من صالحي أوعيته.

162

وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال: ما رأيت فيما مضى وفيما بقي مؤمنا ازداد إحسانا إلا ازداد شفقة ولا مضى منافق ولا بقي ازداد إساءة إلا ازداد بالله غرة. [189]

حدثناه سعدويه عن المبارك بن فضالة عن الحسن.

واحتج المعارض أيضا لمذهبه الأول بحديث مستنكر تعجب الجهال منه ويوهمهم أن ما روى أهل السنة من الروايات الصحاح المشهورة ومما ينقض بها على الجهمية في الرؤية والنزول وسائر صفات الله تعالى مستنكر مجهول مهجور مثل هذا الحديث، فزعم أن حماد بن سلمة روى عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله مم ربنا؟ فقال: «من ماء مرور لا من أرض ولا من سماء خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق». [190]

فيقال لهذا المعارض: لو كان لك فهم وعقل لم تكن تذيع في الناس مثل هذا الحديث الذي لا أصل له عند العلماء ولم يروه عن حماد إلا كل مقروف في دينه فيظن بعض من يسمعه منك أن له أصلا فيضل به أو يضل. وهذا الحديث لا يعرف له أصل في كتاب ابن سلمة ولا ندري من أين وقع إلى المعارض. ومما يستنكر هذا الحديث أنه محال المعنى بل هو كفر لا ينقاد ولا ينقاس، فكيف خلق الخيل التي عرقت قبل أن تكون نفسه في دعواك.

ويحك أيها المعارض، إنا نكفر من يقول إن كلام الله مخلوق فكيف من قال نفسه. لا جزاك الله خيرا عما تورد على قلوب الجهال مما لا حاجة لهم إليه. فعمن رويته عن حماد وممن سمعته فسمّه لنا نعرفه، فإنا لا نعرف إلا أن الله الأول قبل كل شيء، فكيف كان هذا العرق قبله حتى خلق منه نفسه. وهذا الحديث لا يحتاج إلى تفسيره فإن الشاهد منه يدل على أنه باطل.

ثم لم ترض بما قلت ورويت مما تشنعه حتى ادعيت له تفسيرا عن إمامك الثلجي أنه قال: يحتمل تأويل هذا الحديث أن يكون الكفار سألوا النبي ﷺ عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل وذلك أن كبراءهم وأحبارهم كانوا عندهم كالأرباب قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}.

فيقال لهذا الثلجي الجاهل: ويلك يخلق الله أولئك الأحبار والرهبان الذين اتخذوهم أربابا من عرق الخيل الذي أجرى، وفي الحديث أنه خلق من ماء لا من أرض ولا من سماء، فهل شك أحد من ولد آدم أن الله خلق آدم من الأرض وذريته من نسله.

أولم يعلم -أيها الثلجي- رسولُ الله ﷺ مما خلق الله الأحبار والرهبان الذين اتخذوهم أربابا من دون الله؛ أولم يدر النبي ﷺ أنهم من ولد آدم حتى يقول خلقهم الله من عرق الخيل ولم يخلقهم من أرض ولا سماء؟ لقد ضل هذا الثلجي بهذا التفسير وضل به من اتبعه. ولو فسر هذا صبي لم يبلغ الحنث ما زاد على هذا جهلا واستحالة، هو كفر أضافه هذا الثلجي إلى رسول الله ﷺ.

ويلك، نحن ندفع الحديث ونستنكره وأنت تستشنعه ثم تثبته وتفسره وتلتمس له المخارج كي تصونه. ولئن كان هذا الحديث منكرا فتفسيرك له أنكر.

واحتج المعارض أيضا في دفع آثار رسول الله ﷺ وتقليد رواتها من العلماء بحكاية حكاها عن بشر بن غياث المريسي كان يحكيها عن عامر الشعبي. فقال معجبا بسؤاله: سألت بشر بن غياث عن التقليد في العلم فقال: حرام محرم للعلماء حتى يعرف هذا العالم أصله ومعرفته من الكتاب والسنة والإجماع، وإنما التقليد للجهال الذين لا يعلمون.

وافتخر المعارض بسؤال بشر عن هذا كأنه سأل عنها الحسن وابن سيرين. ولا يعلم أنه إنما سأل عنها جهميا جاهلا بالكتاب والسنة مخالفا للإجماع؛ إن أخطأ فعليه خطؤه وإن أصاب لم يلتفت لإصابته لأنه المأبون في دين الله المتهم على كتاب الله الطاعن في سنة رسول الله ﷺ. وكيف تستفتي المريسي وقد رويت عن أبي يوسف أنه همّ بأخذه وتنكيله في هذه الضلالات حتى فر منه إلى البصرة، فإن يكن ما قال بشر حقا فبؤسا لك ولأصحابك الذين قلدتم دينكم أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن في أكثر ما تفتون مما لا تقعون من أكثره على كتاب ولا سنة.

غير أنا نقول: إن على العالم باختلاف العلماء أن يجتهد ويفحص عن أصل المسألة حتى يعقلها بجهده ما أطاق، فإذا أعياه أن يعقلها من الكتاب والسنة فرأي من قبله من علماء السلف خير له من رأي نفسه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ألا لا يقلدن رجل منكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإن كنتم لا بد فاعلين فالأموات فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة. [191]

وقال ابن مسعود أيضا: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله فإن لم يجد في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ فإن لم يجد في سنة رسول الله ففيما قضى به الصالحون قبله. [192]

فأباح ابن مسعود التقليد للأموات وقضاء الصالحين على التحري والاحتياط. فمن هذا المريسي الضال الذي يحظره على الأمة ومن هو حتى يُستحل بقوله شيء أو يحرم.

163

وقال شريح وابن سيرين: لن نضل ما تمسكنا بالأثر. [193]

164

وقال إبراهيم: ما الأمر إلا الأمر الأول، لو بلغنا أنهم لم يغسلوا إلا الظفر ما جاوزناه، كفى إزرا على قوم أن تتخالف أعمالهم. [194]

والاقتداء بالآثار تقليد. فإن كان لا يجوز في دعوى المريسي أن يقتدي الرجل بمن قبله من الفقهاء، فما موضع الاتباع الذي قال الله تعالى: {والذين اتبعوهم بإحسان} وما يصنع بآثار الصحابة والتابعين بعدهم بعد أن لا يسع الرجل استعمال شيء منها إلا ما استنبطه بعقله في خلاف الأثر؟ إذًا بطلت الآثار وذهبت الأخبار وحرم طلب العلم على أهله ولزم الناس المعقول من كفر المريسي وأصحابه والمستحيلات من تفاسيرهم، فقد عرضنا كلامهم على الكتاب والسنة فأخطأوا في أكثرها الكتاب والسنة ولم يصيبوا السنة.

165

فقد حدثنا عبد الله صالح المصري عن الهقل بن زياد عن الأوزاعي قال: ما رأي امرئ في أمر بلغه عن رسول الله ﷺ إلا اتباعه، ولو لم يكن فيه عن رسول الله ﷺ وقال فيه أصحابه من بعده كانوا أولى فيه بالحق منا، لأن الله تعالى أثنى على من بعدهم باتباعهم إياهم فقال: {والذين اتبعوهم بإحسان}. [195]

وقلتم أنتم: بل نعرضها على رأينا في الكتاب فما وافقه منها صدقناه وما خالفه تركناه؛ وتلك غاية كل محدث في الإسلام: رد ما خالف رأيه من السنة.

166

وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن للحسن البصري: لا تفت الناس برأيك، فقال الحسن: رأينا لهم خير من آرائهم لأنفسهم. [196]

وكيف تسأل أيها المعارض بشرا عن التقليد وهو لا يقلد دينه قائل القرآن ومنزله ولا الرسول الذي جاء به، حتى عارضهما في صفات الله عز وجل وكلامه بخلاف ما عنيا وفسر عليهما برأيه خلاف ما أرادا.

وأعجب من ذلك قولك: إني سألت بشرا المريسي عن قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فقال بشر: كونه كما شاء بغير كن. أوما وجدت أيها المعارض فيمن رأيت من المشايخ شيخا أرشد من بشر وأعلم بتأويل هذه الآية من بشر الذي كفر برب قال قولا لشيء قط كن فكان؛ وهذا المشهور من مذهبه المعروف في كل مصر أن الله لم يتكلم بكلمة قط ولا يتكلم بها قط. فسؤالك بشرا عن هذه الآية من بين المشايخ دليل منك على الظنة والريبة القديمة وأنك لم تسأله عن ذلك إلا عن ضمير متقدم. أفلا سألت عنه من أدركت من المشايخ مثل أبي عبيد وأبي نعيم ونظرائهم من أهل الدين والفضل والمعرفة بالسنة؟ ثم ادعيت أن بشرا قال معناه أن يكونه حتى يكون من غير قول يقول له كن ولكن يكونه على ما أراد.

ثم فسرت قول بشر هذا فزعمت أنه عنى بذلك أن الأشياء ليست مخلوقة من كن ولكن الله كونها على ما أراد من غير كيفية. وللكلام وجوه بزعمك.

فيقال لهذا المعارض: قد افتريتما على الله جميعا فيما تأولتما من ذلك وجحدتما قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} إذ ادعيتما أن الأشياء لا تكون بقوله كن ولكن بكونه بإرادته من غير قول كن؛ وهذا هو الجحود بما أنزل الله لأن الله تعالى جمع فيه القول والإرادة فقال: {إذا أردناه} فسبقت الإرادة قبل كن ثم قال كن فكان بقوله وإرادته جميعا. فكيفية هذا كما قال أصدق الصادقين أنه إذا قال كن فكان، لا ما تأوله أكذب الكاذبين. وليست هذه المسألة مما يحتاج الناس فيها إلى تفسير ولا هي من العويص الذي يجهلها العوام فكيف الخاص من العلماء، وليس هذا مما يشكل على رجل رزق شيئا من العقل والمعرفة حتى يسأل عنه مثل المريسي الذي لا يعرف ربه فكيف يعرف قوله.

وإنما امتنع المريسي وأصحابه من أن يقروا بهذا أنهم قالوا متى أقررنا أن الله قال لشيء كن كلاما منه، لزمنا أن نقر بالقرآن والتوراة والإنجيل أنه نفس كلامه؛ فامتنعوا من أجل ذلك لأن الله في دعواهم لم يتكلم بشيء ولا يتكلم. والدليل على هذا المعارض بسؤال بشر عن هذه الآية قديما في شبابه وقد عرف مذهب بشر أنه اضطمر هذا الرأي في أول دهره وليس برأي استحدثه حديثا.

167

وروى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله إن رحمتي كلام وعذابي كلام وغضبي كلام إنما قولي لشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون» [197]

ادعى هذا المعارض أيضا في قول الله تعالى لعيسى ابن مريم {روح الله وكلمته} فقال: يقول أهل الجرأة في معنى كلمته أي بكلمته، وإن سئلوا عن المخرج منه لم يقدروا عليه وتأولوا على الله برأيهم.

فيقال لهذا المعارض: أويحتاج في هذا إلى تفسير ومخرج؟ قد عقل تفسيره عامة من آمن بالله أنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون ومتى لا يقول له كن لا يكون، فإذا قال كن كان فهذا المخرج من أنه كان بإرادته وبكلمته لا أنه نفس الكلمة التي خرجت منه ولكن بالكلمة كان فالكلمة من الله كن غير مخلوقة والكائن بها مخلوق.

وقول الله في عيسى {روح الله وكلمته} فبين الروح والكلمة فرق في المعنى، لأن الروح الذي نُفخ فيها مخلوق امتزج بخلقه والكلمة من الله غير مخلوقة لم تمتزج بعيسى ولكن كان بها -وإن كره- لأنها من الله أمر. فعلى هذا التأويل قلنا لا على ما ادعيت علينا من الكذب والأباطيل.

ثم عاد المعارض أيضا إلى إنكار ما عنى الله تعالى بقوله {وجاء ربك والملك صفا صفا} فادعى أن المجيء والانتقال من مكان إلى مكان صفة المخلوق والله يأتي في ظلل من الغمام فتثبت الظلل ومجيئها لأنها مخلوقة، فقال: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} يعني يأتيهم أمره في ظلل من الغمام على إضمار أمره كما قال: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} يريد أهل العير بإضمار الأهل، فكذلك قوله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} بإضمار أمره وكذلك {وجاء ربك والملك صفا صفا} يريد أن الملائكة هي الصفوف دونه جاءون بأمره، ففسروا جاء الملائكة صفا صفا وربك فيهم مدبر محكم كما قال في سورة النحل {إلا أن تأتيهم الملائكة} وقال في سورة الأنعام {أو يأتي ربك} فبين الأمر هاهنا وأضمره في سورة الأنعام.

فيقال لهذا المعارض المفتري على الله: قد فسرت هذه الآية على خلاف ما عنى وفسرها رسول الله ﷺ وعلى خلاف ما فسرها أصحابه، قد روينا تفسيرها عنهم في صدر هذا الكتاب بأسانيدها المعروفة المشهورة على خلاف ما فسرت وادعيت عن هؤلاء المفسرين. فمن مفسروك هؤلاء الذين تحكي عنهم أنهم قالوا فيها كذا وقال آخرون فيها كذا؟ فمن هؤلاء الأولون والآخرون فاكشف عن رؤوسهم وسمهم بأسمائهم فإنك لا تكشف إلا عن زنديق أو جهمي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. ولا يحكم لك بتفسير هؤلاء المعنعنين على تفسير هؤلاء المكشوفين الذين سميناهم لك من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين أصحاب التفسير معروفون من أصحاب النبي ﷺ والتابعين عند الأمة مثل ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي ابن كعب ونظرائهم رضي الله عنهم ومن التابعين مثل سعيد بن جبير ومجاهد وأبي صالح الحنفي والسدي وقتادة وغيرهم. فعن أيهم تحكي هذه التفاسير التي ترد بها على رب العالمين. فإنا لما وجدناهم مخالفين لما ادعيت على الله في كتابه أتيناك بها عنهم في صدر هذا الكتاب منصوصة مفسرة فعمن تروي هذه الضلالات وإلى من تسندها فصرح بهم كما صرحت ببشر المريسي وابن الثلجي.

وما نراك صرحت ببشر وابن الثلجي وكنيت عن هؤلاء المفسرين إلا وأنهم أسوأ منزلة عند أهل الإسلام وأشد ظنة في الدين منهما، لولا ذلك لكشفت عنهم كما كشفت عن بشر. وقد فسرنا لك أمر إتيان الله ومجيئه والملك صفا صفا في صدر هذا الكتاب، لم نحب أن نعيده ها هنا فيطول الكتاب.

وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه ثم ما وصف رسوله ﷺ. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها أن السماء تشقق لمجيئه يوم القيامة وتنزل ملائكة السموات، فيقول الناس: أفيكم ربنا فيقولون: لا وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر من دونهم. وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر هذا الكتاب وهو مكذب لدعواك أنه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبر. ويلك لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونه ما قالت الملائكة لم يأت ربنا وهو آت، والملائكة آتية نازلة حين يقولون ذلك.

أرأيتم دعواكم أن الله في كل مكان من الأرض والسماء، أولم يكن قبل السماء والأرض على العرش فوق الماء فكيف صار بعد في السماء والأرض في دعواكم؟ وفي دعوانا استوى إلى السماء دون الأرض، فكما قدر على ذلك فهو القادر على أن يجيء ويأتي متى شاء وكيفما شاء.

أرأيتك إذا فسرت قوله {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} فزعمت أن الله أضمر في ذلك أمره كما أضمر في القرية والعير أهلها، أولست قد ادعيت أيها المعارض في صدر كتابك أن لا يوصف بالضمير فإن الضمير ينفى عن الله تعالى ومن وصف الله بشيء وهو عنه منفي فهو الكافر عندك؟ فكيف نفيت عنه هذا الضمير هناك وثبته له ههنا؟ أولم تخش على نفسك ما تخوفت على غيرك من الكفر ولكنك تدعي الشيء فتنساه حتى تدعي بعد خلافه فيأخذ بحلقك. غير أني أظنك تكلمت بما تكلمت به بالخراف وأنت آمن من الجواب.

وادعيت أيضا أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألفا من الحديث روجوها على رواة الحديث وأهل الغفلة منهم.

فيقال لك أيها المعارض: ما أقل بصرك بأهل الحديث وجهابذته، ولو وضعت الزنادقة اثني عشر ألف حديث ما تروج لهم على أهل البصر بالحديث منها حديث واحد ولا تقديم كلمة ولا تأخيرها ولا تبديل إسناد مكان إسناد، ولو قد صحفوا عليهم في حديث لاستبان ذلك عندهم وردّ في نحورهم.

ويلك، هؤلاء ينتقدون على العلماء المشهورين تقديم رجل من تأخيره وتقديم كلمة من تأخيرها ويحصون عليهم أغاليطهم ومدلساتهم. أفيجوز للزنادقة عليهم تدليس إذ هم في الغفلة مثل زعمائك هؤلاء - ضرب المريسي ونظرائه إذ هم دلسوا عليه عن ابن عباس أن الله لا يدرك بشيء من الحواس. فإن كان شيء من وضع الزنادقة فهو هذا لأن فيه تعطيل ذي الجلال والإكرام، لأن شيئا لا يدرك بشيء من الحواس فهو لا شيء، وهذا مذهب الزنادقة، فقد روجوه. وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} فأخبر أن موسى أدركه منه الكلام وهو من أعظم الحواس وأخبر أن أولياءه يدركون منه بالحواس النظر إليه وهو قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} والنظر أحد الحواس وقال: {لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} وقال رسول الله ﷺ للمؤمنين: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة» رواه عنه عدي بن حاتم. [198] فهل من حواس أبين من الكلام والنظر، فلذلك قلنا إن هذا من وضع الزنادقة روجوه على المريسي وتروجه أنت أيها المعارض على من حواليك من الجهال، وما إخالك إلا وستعلم أنه لا يجوز للزنادقة على أهل العلم بالحديث تدليس، غير أنك تريد أن تهجر العلم وأهله وتزري بهم من أعين من حواليك من السفهاء بمثل هذه الحكايات كيما يرتاب فيها جاهل فيراك صادقا في دعواك. فدونك أيها المعارض فأوجدنا عشرة أحاديث دلسوها على أهل العلم كما أوجدناك مما دلسوا على إمامك المريسي أو جرب أنت فدلس عليهم منها عشرة حتى تراهم كيف يردونها في نحرك.

وكيف دلس الزنادقة على أهل الحديث اثني عشر ألفا ولم يبلغ ما روي عن رسول الله ﷺ وأصحابه اثني عشر ألف حديث بغير تكرار إن شاء الله؟ إذًا رواياتهم كلها من وضع الزنادقة في دعواك.

168

ورويت أيها المعارض عن حريز بن عثمان عن شبيب أبي روح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم من قبل اليمن» [199] فقلتَ كالمنكر لهذا -تعالى الله عما نحله المبطلون- بأن ذلك نفس يخرج من جوف.

فممن سمعت أيها المعارض أن هذا نفس يخرج من جوف الله تعالى؟ وهذا الحديث معروف معقول المعنى جهلت معناه فصرفته إلى غيره مما لم نر أحدا يقوله أو يذهب إليه، إنما فسره العلماء على الروح الذي يأتي بها الريح من نحو اليمن لأن مهب الريح من هناك من عندهم، فأما أن يقول أحد هو نفس يخرج من جوف الرحمن فما سمعنا أحدا يقوله قبلك، وأدنى ما عليك فيه الكذب أن ترمي قوما مشنعا عليهم ثم لا تقدر أن تثبته عليهم وهذا كقول النبي ﷺ: «الإيمان يمان والحكمة يمانية» [200] أي أنه جاء من قبل مكة.

وادعى المعارض أيضا أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «أنه قرأ {سميعا بصيرا} فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه». وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا له بصرا بعين كعين وسمعا كسمع جارحا مركبا.

فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعا وبصرا فقد صدقت.

وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع فإنه كذب ادعيت عليهم، لأنه ليس كمثله شيء ولا كصفاته صفة.

وأما دعواك أنهم يقولون جارح مركب فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه وأثبته له الرسول ﷺ. وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح وعضو وما أشبهه حشو وخرافات وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين. وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله ﷺ فنقول كما قال ونعني بها كما عنى؛ والتكييف عنا مرفوع وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.

169

وادعى المعارض أن عبد الرحمن بن مهدي روى عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم لن تقربوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني القرآن. [201]

فادعى المعارض أن الثلجي قال في هذا من كتاب لم أسمعه من الثلجي قال: ذهبت المشبهة في هذا إلى ما يعقلون من الكلام من الجوف فناقضوا إذ صححوا أنه الصمد والصمد الذي لا جوف له فاحتمل أنه خرج منه أي من عنده من غير خروج منه كما يقال خرج لنا من فلان كذا وكذا من الخير وخرج العطاء من قبله لا أنه خرج من جوفه.

فيقال لهذا المعارض ولإمامه الثلجي: قد فهمنا مرادك إنما تريد نفي الكلام عن الله تعالى مشنعا بذكر الجوف، فأما خروجه من الله فلا يشك فيه إلا من أنكر كلامه لأن الكلام يخرج من المتكلم لا محالة، وأما أن نصفه بالجوف كما ادعيت علينا زورا فإنا نجله عن ذلك وهو المتعالي عنه لأنه الأحد الصمد كما قال. ومن زعم أنه لم يخرج منه إلا كخروج عطاء الرجل من قبله فقد أقر بأنه كلام غيره وكلام غيره مخلوق لا يجوز أن يضاف إليه صفة ولو جاز ذلك لجاز أن يقول كل ما تكلم به الناس من الغناء والنوح والشعر كله كلام الله وهذا محال يدعو إلى الضلال.

وفي هذا القياس الذي ذهبتم إليه يجوز أن يقال قول اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ثالث ثلاثة قبل أن يخبر الله عنهم كان كلام الله، فإن كان القرآن عندكم كلام الله فمنه خرج بلا شك والجوف منفي عنه، وإن لم يخرج منه فليس بكلامه ولكن كلام غيره في دعواكم.

فقل لهذا الثلجي يرد هذا التفسير على شيطانه الذي ألقاه على لسانه. وما يصنع في هذا بقول الثلجي مع ما يرويه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود. حدثناه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن سفيان بن عيينة.

وأما أن يقاس الكلام من المتكلم بالخير الذي يأتي من قبله والعطاء الذي يخرج من عنده فإنه لا يقيس به إلا جاهل مثل الثلجي، لأن الخلق قد علموا أن الكلام يخرج من المتكلم بلا شك وأن إعطاء العطاء وبذل المال لا يخرج من نفس المعطي والباذل ولكن من شيء موضوع عنده بعينه، والكلام غير بائن من المتكلم والمال والعطاء بائن منه لأنه متى شاء عاد في مثل كلامه الذي تكلم به قبلُ من غير أن يرد الكلام الخارج منه إلى نفسه ثانية، ولعله لا يقدر على رد المال والعطاء الذي خرج منه إلا أن يعود فيه بعينه. فمن قاس هذا بذاك فقد ترك القياس الذي يعرفه أهل القياس والمعقول الذي يعرفه أهل العقل.

وروى المعارض أيضا عن ابن عباس: الركن يمين الله في الأرض يصافح به خلقه. [202] فروى عن هذا الثلجي من غير سماع منه أنه قال: يمين الله نعمته وبركته وكرامته لا يمين الأيدي.

فيقال لهذا الثلجي الذي يريد أن ينفي عن الله بهذه الضلالات يديه اللتين خلق بهما آدم: ويلك أيها الثلجي، إن تفسيره على خلاف ما ذهبت إليه. وقد علمنا يقينا أن الحجر الأسود ليس بيد الله نفسه وأن يمين الله معه على العرش غير بائن منه، ولكن تأويله عند أهل العلم كأن الذي يصافح الحجر الأسود ويستلمه كأنما يصافح الله كقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} فثبت له اليد التي هي اليد عند ذكر المبايعة إذ سمى اليد مع اليد واليد معه على العرش، وكقول النبي ﷺ: «إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد السائل» [203] فثبت بهذا أنه اليد التي هي اليد وإن لم يضعها المتصدق في نفس يد الله، وكذا تأويل الحجر الأسود إنما هو إكرام للحجر الأسود وتعظيم له وتثبيت ليد الرحمن ويمينه لا النعمة كما ادعى الثلجي الجاهل في تأويله. وكما يقدر أن يكون مع كل صاحب نجوى من فوق عرشه كذلك يقدر أن تكون يده فوق أيديهم من فوق عرشه.

وكذلك ادعى الجاهل الثلجي أن الله خلق آدم بيده قال: بنعمته التي أنعم بها عليه فخصه بما خص من كراماته.

فيقال لهذا الثلجي البقباق النفاج: لو كنت ممن يعقل شيئا من وجوه الكلام لعلمت أن هذا تأويل محال من كلام ليس له نظام. ويلك، وأي شيء من خلق الله من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو بهيمة لم ينعم الله عليه في خلقه إذا خلقه حتى خص بنعمته آدم ومنّ عليه بذلك من بين هؤلاء الخلائق، وأي منقبة لآدم فيها إذ كل هؤلاء خلقوا بنعمته كما خلق آدم؟

وأعجب من ذلك قول الثلجي الجاهل فيما ادعى في تأويل حديث رسول الله ﷺ: «المقسطون يوم القيامة عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين». [204] فادعى الثلجي أن النبي ﷺ تأول كلتا يديه يمين أنه خرج من تأويل الغلوليين أنها يمين الأيدي، وخرج من معنى اليدين إلى النعم. يعني بالغلوليين أهل السنة يعني أنه لا يكون لأحد يمينان ولا يوصف أحد بيمينين ولكن يمين وشمال بزعمه.

قال أبو سعيد: ويلك أيها المعارض إنما عنى رسول الله ﷺ باليدين [205] فقال: «كلتا يدي الرحمن يمين» إجلالا لله وتعظيما أن يوصف بالشمال، [206] ولو لم يجز أن يقال كلتا يدي الرحمن يمين لم يقله رسول الله ﷺ. وهذا قد جوزه الناس في الخلق، فكيف لا يجوزه الثلجي في يدي الله أنهما جميعا يمينان. وقد سمي من الناس ذا الشمالين، فجاز في دعوى الثلجي أيضا خرج ذو الشمالين من معنى أصحاب الأيدي.

ثم ادعى الجاهل أن هذا من النعم والأفضال كقول الشاعر:

سأبكيك للدنيا وللعين إنني ** رأيت يد المعروف بعدك شلت

نفس المعروف ليس له يد، وإنما المعطي له يد حقيقة، فهي التي تشل.

ويلك أيها الثلجي، أتعلّم بوجه العربية ولغات العرب وأشعارهم من هو أعلم بها منك؟ هذا هاهنا في المعروف جائز في المجاز لا يستحيل، وفي يدي الله تعالى اللتين يقول خلقت بهما آدم يستحيل أن يصرف إلى غير اليد لأن المعروف ليس له يدان يقبض بهما ويبسط ويخلق ويبطش فيقال يد المعروف مثلا ولا يقال فعل المعروف بيديه كذا وخلق بيديه كذا وكتب بيديه كذا كما يقال خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده، ذاك في سياق القول بين معقول وهذا في سياق القول بين معقول؛ من صرف منهما شيئا إلى غير معناه المعقول جهل ولم يعقل.

أولم يكفك أيها المعارض كثرة ما نسبت إلى الله وإمامك المريسي في نفي اليدين عنه بهذه الأغلوطات وما حسدتما أباكما آدم في خلقته بيدي الرحمن تبارك وتعالى في صدر كتابك حتى عدت لأقبح منها في آخر الكتاب فادعيت أن يدي الله اللتين خلق بهما آدم نعمته وقدرته فامتن على آدم بما ركب فيه.

ويحك، وهل بقي أحد من خلق الله لم يخلقه بقدرته حتى تمتن على آدم بهذه النعمة من بين الخلائق؛ هذا محال لا يستقيم في تأويل بل هو أبطل الأباطيل.

وأشد منه استحالة ما ادعيت في حديث سلمان الفارسي: إن الله خمر طينة آدم ثم خلقها بيده فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بشماله ثم مسح إحدى يديه بالأخرى. فادعيت أيها المعارض أن له تفسيرا من قبلك أنه لما امتن الله على آدم بنعمته كانت تلك النعمة مخالطة لقدرته وقال بيديه: بنعمته وقدرته هكذا.

فيقال لهذا المعارض: إذا خلط قدرته بنعمته فسماها يديه في دعواك فما بال هذه المنة وضعت على آدم من بين الخلائق وكل الخلق في نعمته وقدرته بمنزلة واحدة إذ كل خلق في دعواك بنعمته وقدرته لا بيديه، وكيف يجوز أن يخلط القدرة بالنعمة والقدرة غير مخلوقة والنعمة كلها مخلوقة؟ هذا كلام لا يخرج من جوف عاقل وما يوفق لمثله إلا كل جاهل.

ثم رويت عن الحسن البصري كذبا أنه قال في قول الله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} قال: نِعم الله. فعمن رويت هذا عن الحسن؟ فاكشف عن رأسه فإنك لا تكشف عن ثقة.

وقد أكثرنا النقض عليك وعلى إمامك المريسي والثلجي في تفسير اليد في صدر كتابنا هذا غير أنك أعدته في آخر الكتاب فأعدناها.

(النقض على ما ادعاه المعارض في الوجه)

ثم لما فرغت من إنكار اليدين ونفيها عن الله ذي الجلال والإكرام أقبلت قبل وجه الله تبارك وتعالى لتنفيه عنه بمثل هذه العمايات كما نفيت عنه اليدين. فزعمت أن وكيعا روى عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: أن العبد إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه فلا يصرفه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف أو يحدث نفسه حديث سوء. [207]

ثم قلت أيها المعارض: إن هذا يحتمل أن الله يقبل عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله وما أوجب للمصلي من الثواب كما قلتم {فثم وجه الله} {كل شيء هالك إلا وجهه} وكقوله {ابتغاء وجه ربه} وكقوله {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} أي يبقى الله وحده؛ فإن قال قائل: ولله وجه قيل له: إن كنت تريد {كل شيء هالك إلا وجهه} {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} {فأينما تولوا فثم وجه الله} فقوله الحق، وإن أردت عضوا كما ترى من الوجه فهو الخالق هذه الوجوه، فقد يحتمل أن يقال هذا وجه الشيء ووجه الأمر ويقول هذا وجه الثوب ووجه الحائط، فقوله {وجه ربك} ما توجه به إلى ربك من الأعمال الصالحة، وقوله {فأينما تولوا فثم وجه الله} يقول ثم قبلة الناس يتوجهون إليها، وقوله {ثم وجه الله} ثم قبلة الله.

فيقال لهذا المعارض: لم تدع غاية في إنكار وجه الله ذي الجلال والإكرام والجحود به وبآياته التي تنطق بالوجه حتى ادعيت أن وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام مخلوق لأنك ادعيت أنها أعمال مخلوقة يوجه بها إليه ونعم وإحسان، والأعمال كلها مخلوقة لا شك فيها، فوجه ربك ذي الجلال والإكرام في دعواك مخلوق، فزعمت أيضا أنها قبلة الله والقبلة أيضا مخلوقة فادعيت أن كل ما ذكر الله تعالى في كتابه من ذكر وجهه وجه مخلوق ليس لله منها وجه معه ولا هو ذو وجه في دعواك. وكتاب الله المكذب لك في دعواك وهو ما تلوت أيها المعارض من هذه الآيات التي كلها ناقضة لمذهبك وآخذة بحلقك أو تأثر تفسيرك هذا عن رسول الله ﷺ بأثر مأثور منصوص مشهور ولن تفعله أبدا لما قد روي عنه خلافه وهو قوله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: «النظر إلى وجه الله». [208] أفيجوز أن يتأول هذا أنه قال الزيادة النظر إلى الكعبة أو إلى أعمال المخلوقين؟ وكان يدعو «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك» [209] فيجوز في تأويلك أن يقول اللهم إني أسألك لذة النظر إلى الأعمال الصالحة من أعمال خلقك أم إلى القبلة.

ويلكم ما سبقكم إلى مثل هذه الفرية على الله إنس ولا جان ولا فرعون من الفراعنة ولا شيطان.

وأعظم من ذلك دعواك أن وجه الله كوجه الثوب والحائط والميت الذي لا يوقف منها على وجه ولا ظهر، ما تركتم من الكفر بوجه الله غاية. ولو قد تكلم بهذا رجل بالمغرب لوجب على أهل الشرق أن يغزوه حتى يقتلوه غضبا لله وإجلالا لوجهه ذي الجلال والإكرام.

أرأيتك أيها الجاهل إن كان وجه الله عندك قبلته والأعمال التي ابتغي بها وجهه وكوجه الثوب والحائط أفيجوز أن يقال للقبلة والأعمال والعباد ذو الجلال والإكرام فقد علم المؤمنون من خلق الله أنه لا يقدس وجه بذي الجلال والإكرام غير وجه الله.

وأما تكريرك وتهويلك علينا بالأعضاء والجوارح وهذا ما يقوله مسلم، غير أنا نقول كما قال الله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} أنه عنى به الوجه الذي هو الوجه عند المؤمنين لا الأعمال الصالحة ولا القبلة ولا ما حكيت من الخرافات كاللاعب بوجه الله عز وجل، وكذلك قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} نفسه الذي هو أحسن الوجوه وأجمل الوجوه وأنور الوجوه الموصوف بذي الجلال والإكرام الذي لا يستحق هذه الصفة غير وجهه وأن الوجه منه غير اليدين واليدين منه غير الوجه على رغم الزنادقة والجهمية.

وسنذكر في ذكر الوجه آيات وآثارا مسندة ليعرضها أهل المعرفة بالله على تفسيرك هل يحتمل شيئا منها شيء منه. فإن كنت لا تؤمن بها فخير منك وأطيب من عباد الله المؤنين من قد آمن بها وأيقن.

قال الله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} و {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} {فأينما تولوا فثم وجه الله} {إنما نطعمكم لوجه الله} فالخيبة لمن كفر بهذه الآيات كلها أنها ليست بوجه الله نفسه وأنها وجوه مخلوقة.

170

ومما يوافقه من صحاح أحاديث رسول الله ﷺ ما حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره». [210]

أفيستقيم أيها المعارض أن يتأول هذا أنه أحرقت سبحات وجهه الأعمال الصالحة ووجه القبلة كل شيء أدركه بصره؟ ما يشك مسلم في بطوله واستحالته.

171

أم قول رسول الله ﷺ الذي حدثناه سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال لما نزلت {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك». [211]

أفيجوز أيها المعارض أن يتأول هذا أعوذ بثوابك والأعمال التي يبتغى بها وجهك وبوجه القبلة؟ فإنه لا يجوز أن يستعاذ بوجه شيء غير وجه الله تعالى وبكلماته، لا يستعاذ بوجه مخلوق.

172

ومن ذلك ما حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ كان يدعو «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك». [212]

أفيجوز لك أن تقول في هذا لذة النظر إلى قبلتك وإلى الأعمال التي ابتغي بها وجهك.

173

ومن ذلك ما حدثنا يحيى الحماني وأبو بكر بن أبي شيبة عن شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن نمران عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى. [213]

أفيجوز أن يتأول هذا أنه النظر إلى الأعمال التي ابتغي بها وجه الله وإلى وجه القبلة.

174

وكذلك قاله رسول الله ﷺ {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: «النظر إلى وجه الله تعالى». [214]

حدثناه موسى بن إسماعيل وغيره عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه عن النبي ﷺ.

175

وحدثنا أحمد بن يونس عن أبي شهاب الحناط عن خالد بن دينار عن حماد بن جعفر عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي ﷺ: «إن أهل الجنة إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن». [215]

أفيجوز أن تتأول هذا أنه يتجلى لأهل الجنة فنظروا إلى وجه قبلته وإلى الأعمال الصالحة، كأن النظر إلى وجه القبلة في دعواك آثر عندهم مما هم فيه من نعيم الجنة.

176

ومن ذلك ما حدثنا عبد الله بن رجاء البصري عن المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن العبد إذا قال الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله حط عليهن ملك فضمهن تحت جناحه فصعد بهن لا يمر على قوم من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يُحَيّا بهن وجه الرحمن، وقرأ {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}. [216]

أفيجوز لك أن تتأول هذا الملك يصعد بهن حتى يحيا وجه القبلة في السماء والقبلة في الأرض؟ قد علمت أيها المعارض وعلم كل ذي فهم أن هذه تفاسير مقلوبة ومغاليط لا يستقيم شيء منها في القياس فكيف في الأثر ولا يهدي شيء منها إلى هدى ولا يرشد إلى تقى.

177

ومن ذلك ما حدثنا عبد الله بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد [و] عن مسلم بن يزيد عن حذيفة رضي الله عنه {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله. [217]

وعن أبي معاوية عن جويبر عن الضحاك.

وعن جرير عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط.

وحدثناه الحماني عن وكيع عن أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري.

قال أبو سعيد: كلهم قالوا: الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى. ولم يقل أحد منهم إلى وجه الكعبة ووجوه الأعمال الصالحة كما ادعيت.

وعلى تصديق هذه الآثار والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والعلم. ولو لم يكن إلا ما رويت أيها المعارض عن وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أن العبد إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه. فادعيت أنه يقبل عليه بنعمته وثوابه وأنه قد يقال وجه الله في المجاز كما يقال وجه الحائط ووجه الثوب.

ويلك، فهذا مع ما فيه من الكفر محال في الكلام فإنه لا يقال لشيء ليس من ذوي الوجوه أقبل بوجهه على إنسان أو غيره إلا والمقبل بوجهه من ذوي الوجوه، وقد يجوز أن يقال للثوب وجه وللحائط، ولا يجوز أن يقال أقبل الثوب بوجهه على المشتري وأقبل الحائط بوجهه على فلان؛ لا يقال أقبل بوجهه على شيء إلا من له القدرة على الإقبال وكل قادر على الإقبال ذو وجه، هذا معقول مفهوم في كلام العرب فإن جهلته فسم شيئا من الأشياء ليس من ذوي الأوجه يجوز أن تقول أقبل بوجهه على فلان فإنك لا تأتي به. فافهم وما أراك ولا إمامك تفهمان هذا وما أشبهه. ولولا كثرة من يستنكر الحق ويستحسن الباطل ما اشتغلنا كل هذا الإشتغال بتثبيت وجه الله ذي الجلال والإكرام. ولو لم يكن فيه إلا اجتماع الكلمة من العالمين "أعوذ بوجه الله العظيم، وأعوذ بوجهك يا رب"، "وجاهدت ابتغاء وجه الله، وأعتقت لوجه الله" لكان كافيا مما ذكرنا إذ عقله النساء والصبيان والبر والفاجر والعربي والعجمي غير هذه العصابة الزائغة الملحدة في أسماء الله المعطلة لوجه الله ولجميع صفاته عز وجل وجهه وتقدست أسماؤه. لقد سببتم الله بأقبح ما سبه اليهود {قالت اليهود يد الله مغلولة} وقلتم أنتم يد الله مخلوقة لما ادعيتم أنها نعمته ورزقه لأن النعمة والأرزاق مخلوقة كلها، ثم زدتم على اليهود فادعيتم أن وجه الله مخلوق إذ ادعيتم أنه وجه القبلة ووجوه الأعمال الصالحة وكوجه الثوب والحائط وهذه كلها مخلوقة فادعيتم أن علمه وكلامه وأسماءه محدثة مخلوقة كما هي لكم، فما بقي إلا أن تقولوا هو بكماله مخلوق فلذلك قلنا إنكم سببتم الله بأقبح ما سبته اليهود.

وروى المعارض عن شاذان عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين أخضرين». وليس هذا من الأحاديث التي يجب على العلماء نشره وإذاعته في أيدي الصبيان، فإن كان منكرا عند المعارض فكيف يستنكره مرة ثم يثبته أخرى فيفسره تفسيرا أنكر من الحديث. والله أعلم بهذا الحديث وبعلته، غير أني استنكرته جدا لأنه يعارضه حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله ﷺ هل رأيت ربك فقال: «نور أنى أراه» [218] ويعارضه قول عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية؛ وتلت {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}. [219] فهذا هو الوجه عندنا فيه والتأويل، والله أعلم لا ما ادعيت أيها المعارض أن تفسيره أني دخلت على ربي في جنة عدن كقول الناس أتيناك ربنا شعثا غبرا من كل فج عميق لتغفر لنا ذنوبنا، وهذا تفسير محال لا يشبه ما شبهت لأن في روايتك أنه قال رأيته شابا جعدا في ثوبين أخضرين ويقول أولئك أتيناك شعثا غبرا أي قصدنا إليك نرجو عفوك ومغفرتك ولم يقولوا أتيناك فرأيناك شابا جعدا في ثوبين أخضرين لتغفر لنا، هؤلاء قصدوا الثواب والمغفرة ولم يصفوا الذي قصدوا إليه بما في حديثك من الحلية والكسوة والمعاينة، فلفظ هذا الحديث بخلاف ما فسرت وتفسيرك أنكر من نفس الحديث. فافهم واقصر عن شبه هذا الضرب من الحديث فإن الخطأ فيه كفر ورأي الصواب مرفوعا عنك.

ومن الأحاديث أحاديث جاءت عن النبي ﷺ قالها العلماء ورووها ولم يفسروها ومن فسرها برأيه اتهموه.

178

فقد كتب إلي علي بن خشرم أن وكيعا سئل عن حديث عبد الله بن عمرو: الجنة مطوية معلقة بقرون الشمس، [220] فقال وكيع: هذا حديث مشهور قد روي فهو يروى. فإن سألوا عن تفسيره لم نفسر لهم، ونتهم من ينكره وينازع فيه، والجهمية تنكره.

فلو اقتديت أيها المعارض في مثل هذه الأحاديث الضعيفة المشكلة المعاني بوكيع كان أسلم لك من أن تنكره مرة ثم تثبته أخرى ثم تفسره تفسيرا لا ينقاس في أثر ولا قياس عن ضرب المريسي والثلجي ونظرائهم، ثم لا حاجة لمن بين ظهريك من الناس إلى مثل هذه الأحاديث. ثم فسرته تفسيرا أوحش من الأول فقلت: يحتمل أن يكون هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «دخلت على ربي في جنة عدن شابا جعدا» أن النبي ﷺ رأى شابا في الجنة من أولياء الله وافاه رسوله في جنة عدن فقال: «دخلت على ربي».

فقد ادعى المعارض على رسول الله ﷺ كفرا عظيما أنه دخل الجنة فرأى شابا من أولياء الله فقال: رأيت ربي.

ثم بعدما فسر هذه التفاسير المقلوبة قال: ويحتمل أن يكون هذا من الأحاديث التي وضعتها الزنادقة فدسوها في كتب المحدثين.

فيقال لهذا المعارض الأحمق الذي تتلعب به الشياطين: وأي زنديق استمكن من كتب المحدثين مثل حماد بن سلمة وحماد بن زيد وسفيان وشعبة ومالك ووكيع ونظرائهم فيدسوا مناكير الحديث في كتبهم، وقد كان أكثر هؤلاء أصحاب حفظ ومن كان منهم من أصحاب الكتب كانوا لا يكادون يطلعون على كتبهم أهل الثقة عندهم فكيف الزنادقة. وأي زنديق كان يجترئ على أن يتراءى لأمثالهم ويزاحمهم في مجالسهم. فكيف يفتعلون عليهم الأحاديث ويدسوها في كتبهم؟ أرأيتك أيها الجاهل إن كان الحديث عندك من وضع الزنادقة فلم تلتمس له الوجه والمخارج من التأويل والتفسير كأنك تصوبه وتثبته، أفلا قلت أولا إن هذا من وضع الزنادقة فتستريح وتربح العنا والاشتغال بتفسيره ولا تدعي في تفسيره على رسول الله ﷺ أنه دخل الجنة فرأى شابا من أولياء الله تعالى فقال: هذا ربي. غير أنك خلطت على نفسك فوقعت في تشويش وتخليط لا تجد لنفسك مفزعا إلا بهذه التخاليط ولن يجدي عنك شيئا عند أهل العلم والمعرفة، وكلما أكثرت من هذا وشبهه ازددت به فضيحة، لأن أحسن حجج الباطل تركه والرجوع عنه.

179

وروى المعارض أيضا عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي يحيى عن أبي يزيد عن أبي سلام عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت لا علم لي يا رب فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري فتجلى لي ما بين السماء والأرض». [221]

فادعى المعارض أن هذا يحتمل أن يقول أتاني ربي من خلقه بأحسن صورة فأتتني تلك الصورة وهي غير الله والله فيها مدبر وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري يعني تلك الصورة التي هي من خلقه والأنامل لتلك الصورة منسوبة إلى الله على معنى أن الخلق كله لله.

فيقال لهذا المعارض: كم تدحض في قولك وترتطم فيما ليس لك به علم. أرأيتك إذا ادعيت أن هذه كانت صورة من خلق الله سوى الله أتته فيقال له هل تدري يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، أفتتأول على رسول الله ﷺ أنه أجاب صورة غير الله لا يا رب لا أدري فدعاها ربا دون الله أم أتته صورة مخلوقة فقال النبي ﷺ: «أتاني ربي». إن هذا لكفر عظيم ادعيته على رسول الله ﷺ. وأية صورة تضع أناملها وكفها في كتف النبي ﷺ فيتجلى له بذلك ما بين السماء والأرض غير الله. ففي دعواك ادعيت على رسول الله ﷺ أنه أقر بالربوبية لصورة مخلوقة غير الله لأن في روايتك أن الصورة قالت له هل تدري يا محمد فقال لها يا رب وهل يمكن أن تكون صورة مخلوقة تضع أناملها في كتف نبي مثل محمد فيتجلى له بذلك فيما بين السموات والأرض أمور لم يكن يعرفها قبل أن تضع تلك الصورة كفها بين كتفيه. ويحك لا يمكن هذا جبريل ولا ميكائيل ولا إسرافيل ولا يمكن هذا غير الله. فكم تجلب على نفسك من الجهل والخطأ وتتقلد من تفاسير الأحاديث الضعيفة ما لم يرزقك الله معرفتها ولا تأمن من أن يجرك ذلك إلى الكفر كالذي تأولت على رسول الله ﷺ أن صورة مخلوقة كلمته فأجابها محمد: يا رب، أم الله صورة لم يعرفها فقال: «أتاني ربي» لما أن الله في تلك الصورة مدبر، ففي دعواك يجوز لك كلما رأيت كلبا أو حمارا أو خنزيرا قلت هذا ربي لما أن الله مدبر في صورهم في دعواك، وجاز لفرعون في دعواك أن يقول {أنا ربكم الأعلى} لما أن الله مدبر في صورته بزعمك؛ وهذا أبطل باطل لا ينجع إلا في أجهل جاهل.

ويلك، إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله ﷺ قال في حديث أبي ذر أنه لم ير ربه. وقال رسول الله ﷺ: «لن تروا ربكم حتى تموتوا» [222] وقالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار} يعنون أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة.

180

روى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة» فحين وجد هذا لمعاذ كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ. فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم، لا ما ذهبت إليه من الجنون والخرافات فزعمت أن الله بعث إلى النبي ﷺ صورة في اليقظة كلمته فقال لها النبي ﷺ يا رب. غير أني أظنك لو دريت أنه يخرجك تأويلك إلى مثل هذه الضلالات لأمسكت عن كثير منها، غير أنك تكلمت على حد الحوار آمنا من الجواب غارا أن ينتقد عليك.

181

وقد روى المعارض أيضا عن الأعمش عن أبي وائل قال: بينما عبد الله يمجد ربه إذ قال معضد: نعم المرء ربنا، فقال عبد الله: إني أجله عن ذلك ولكن ليس كمثله شيء. [223]

فادعى المعارض في تفسيره تخليطا من الكلام، غير أنه قال الشخص في قوله شيء ولا يجوز أن يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، فأظن به أنه يعني الشيء لا يخلو من أن يكون شخصا والله لا يوصف بأنه شيء.

فإن كان هذا المعارض ذهب إلى هذا التأويل فهذا محض الزندقة، لأن الله أكبر الأشياء وأعظم الأشياء وخالق الأشياء {ليس كمثله شيء} «نور السموات والأرض من نور وجهه» كما قال ابن مسعود رضي الله عنه.

حدثناه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري عن ابن مسعود.

وإنه ليس من نور مخلوق إلا وله مرأى ومنظر فكيف النور الأعظم خالق الأنوار.

182

وذكر المعارض أيضا عن ابن عيينة عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: يقول داود يوم القيامة: أدنني فيقال له: أدنه، فيدنو حتى يمس ركبته. [224] فادعى المعارض أن تأويله أنه يدنيه إلى خلق من خلقه ذي ركبة حتى يمس ركبة داود ركبة ذلك، قال: ويحتمل أن يتقرب إليه بالعمل الصالح.

فلو كان لهذا المعارض من يقطع لسانه كان قد نصحه. ويلك، أي زنديق تروي عنه هذه التفاسير ولا تسميه وأي درك لداود إذا استغفر الله لذنبه ولجأ إليه واستعاذ به في أن يدنيه إلى خلق سواه فيمس ركبته، وما يجزئ عن داود ركبة ذلك المخلوق الذي إذا مس داود النبي ركبته غفر ذنبه وآمن روعته؟ إن ذلك خلق كريم على ربه أكرم من داود ومن جميع الأنبياء في دعواك إذ جعله مفزعا للأنبياء ومعولا عليه في ذنوبهم، يحكم على الله في مغفرته فيغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء يوم القيامة دون الله، ولا بد لمثل هذا الخلق أن يكون سبق له من الله اسم في الملائكة أو في النبيين، فما اسمه أيها الجاهل؟ لو تكلم بهذا شيطان أو مدمن خمر سكران ما زاد عليك جهلا فكيف إنسان.

وأعجب من ذلك قولك إنه يتقرب إليه يومئذ بالعمل الصالح لا بالدنو منه. أولم تعلم أيها المعارض أن يوم القيامة ليس بيوم عمل إنما هو يوم جزاء للأعمال التي يتقرب بها إلى الله في الدنيا، فكيف رفع الله العمل يومئذ عن جميع المسلمين وأوجبه على داود؟

183

قلت: وكذلك ما روى المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله أن الرب يبدو لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. [225] فادعيت أن تفسير قوله هذا من القرب أنه يبدو لهم بظهور الدلالات وبذل الكرامات لأوليائه فيظهر بما فعل دلالاته وعلاماته لا هو بنفسه.

فيقال لك أيها المعارض: بئسما أثبتّ على أولياء الله أنهم لم يعرفوا الله بدلالاته وعلاماته وبرسالات نبيه وما أنزل في كتبه في الدنيا قبل مقامهم حتى يعرفوه بها في الآخرة إذ ماتوا كفارا في دعواك جهالا بالله وبدلالاته، فإن كانوا كذلك في دعواك لم يكونوا إذا أولياء الله إذ لم يموتوا على حقيقة معرفة الله تعالى ولا استحقوا الكرامات من الله ولم يكونوا أهلا في دعواك أن يبدو لهم في كثيب من كافور، بل يحتجب عنهم إذ لم يعرفوه بدلالاته وعلاماته ورسالات نبيه إلا يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل؛ إذ كل كافر ومنافق يعرفه يومئذ بدلالاته وعلاماته فما فضل المؤمن عندك في هذا على الكافر.

ثم فسرت قول عبد الله إنهم يكونون في القرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعة أن ذلك تقرب إليه بالعمل الصالح كما قال الله تعالى: «من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا». [226]

ويلك أيها الحيران، إنما قال الله «من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا» في الدنيا بالأعمال الصالحة لا في الآخرة يوم ترفع الأعمال عن العباد.

لقد تقلدت أيها المعارض من تفاسير هذه الأحاديث أشياء لم يسبقك إلى مثلها فصيح ولا أعجمي. ولو قد عشت سنين لقلبت العربية على أهلها إن شاء الله تعالى.

ثم قلت: هذا كقول ابن عمر عن النبي ﷺ في النجوى «إنه يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه فيقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» [227] قلتَ: فتفسير كنفه نعمته وستره وعافيته. فتأويل هذا أنه على الستر مع القرب والدنو والمناجاة التي قالها النبي ﷺ، وأنت لجميعها منكر وعلى من آمن بها مغتاظ.

(الحجب التي احتجب الله بها عن خلقه)

ثم طعن المعارض في الحجب التي احتجب الله تعالى بها عن خلقه فقال: روى وكيع عن سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر: احتجب الله من خلقه بأربع بنار ونور وظلمة ونور. ففسره المعارض تفسيرا يضحك منه فقال: يحتمل أن تكون تلك الحجب آيات يعرفونها ودلائل على معرفته أنه الواحد المعروف إذ عرفهم بدلالاته، فهي آيات لو قد ظهرت للخلق لكانت معرفتهم كالعيان بها.

فيقال لهذا المعارض: عمن رويت هذا التفسير ومن أي شيطان تلقفته ومن ادعى قبلك أن حجب الله آياته التي احتجب بها؟ فما معنى قول الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب} أمعناه عندك من وراء الدلالات والعلامات أم قوله {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} أهو عندك أن لا يروا يومئذ آياته ودلائله ولا يعرفوا يومئذ أنه الواحد المعروف بالوحدانية وأنه ليس أحد يوم القيامة في دعواك عنه محجوب لما أن كلا يرى يومئذ دلالاته وعلاماته وآياته وكل يعرف يومئذ أنه الواحد الأحد؟ فما موضع الحجاب يومئذ وكيف صارت تلك الدلالات من نار ونور وظلمة وما يصنع بذكر النار والظلمة ها هنا في الدلالات والعلامات.

قلت: وكذلك حديث أبي موسى عن النبي ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» [228] ثم قلت: فتأويل الحجاب في هذا الحديث مثله في الحديث الأول، هي الدلالات التي ذكرها وعلى أن الدلالات كشف عن الشيء لا حجاب وغطاء.

ثم قلت: فتأويل قوله: «لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه» لو كشف تلك النار لأحرقت سبحات وجهه ذلك العلم الدال عليه.

قلت: ويحتمل قوله سبحات وجهه سبحات وجه ذلك العلم، وذلك العلم وجه يتوجه برؤيته إلى معرفة الله كقوله {فثم وجه الله} قلت: قبلة الله.

فيقال لهذا المعارض: نراك قد كثرت لجاجتك في رد هذا الحديث إنكارا منك لوجه الله تعالى؛ إذ تجعل ما أخبر رسول الله ﷺ بلسان عربي مبين معقول في سياق اللفظ أنه وجه الله نفسه فجعلته أنت وجه العلم ووجه القبلة وإذ قال رسول الله ﷺ: «حجاب الله النار لو كشفها عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره»، فإن لم تتحول العربية عن معقولها إنه لوجه الله حقا كما أخبر رسول الله ﷺ. ولو كانت سبحات وجوه الأعلام لقال النبي ﷺ: حجابه النار لو كشفها لأحرقت النار سبحات وجوه الخلق كلها. وما بال تلك النار تحرق من العلم سبحاته وتترك سائره؟ وإنما تفسير السبحات الجلال والنور، فأي نور لوجه الخلق حتى تحرقها النار منهم، وما للنار تحرق منهم سبحاتهم بعد أن يكشفها الله عن وجهه ولا تحرقها قبل الكشف؟ فلو قد أرسل منها حجابا واحدا لأحرقت الدنيا كلها، فكيف سبحات وجوه الخلق؟

ويحك إن هذا بين لا يحتاج إلى تفسير إنما نقول احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته وسلطانه، لو قد كشفها لأحرق نور الرب وجلاؤه كل ما أدركه بصره، وبصره مدرك كل شيء غير أنه يصيب ما يشاء ويصرفه عما يشاء، كما أنه حين تجلى لذلك الجبل خاصة من بين الجبال؛ ولو قد تجلى لجميع جبال الأرض لصارت كلها دكا كما صار جبل موسى، ولو قد تجلى لموسى كما تجلى للجبل جعله دكا، وإنما خر موسى صعقا مما هاله من الجبل مما رأى من صوته حين دك فصار في الأرض.

184

وحدثنا موسى بن إسماعيل عن وهب عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي ﷺ في كسوف الشمس فقال: «إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته. ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له» [229]

وإنما كانت تحرق سبحات وجهه لو كشفها كل شيء في الدنيا لأن الله كتب الفناء عليها وركب ما ركب من جوارح الخلق للفناء فلا يحتمل نور البقاء فتحرق به أو تدك كما دك الجبل. فإذا كان يوم القيامة ركبت الأبصار والجوارح للبقاء فاحتملت النظر إلى وجهه وإلى سبحاته ونور وجهه من غير أن تحرق احدا، كما لو أن أجسم رجل وأعظمه وأكمله لو ألقي في الدنيا في تنور مسجور لصار رمادا في ساعة فهو يحترق في نار جهنم ألف عام وأكثر ونارها أشد حرا من نار الدنيا سبعين ضعفا لا يصير منها رمادا ولا يموت {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} لأن أجسامهم وأبصارهم وأسماعهم تركب يومئذ للبقاء فاحتملت من عذاب جهنم ما لم تكن تحتمل جزءا من ألف جزء من عذاب الدنيا. وكذلك أولياء الله تحتمل أبصارهم النظر إلى وجه الله يوم القيامة، ولو قد أدركهم شيء من سبحات وجهه في الدنيا لاحترقوا كما قال رسول الله ﷺ ولم تحتملها أبصارهم. فهذا تأويل حديث رسول الله ﷺ الذي تدل عليه ألفاظه، لا ما تأولت له من التفسير المقلوب الذي لا ينقاس للفظ الحديث إلا أن تقلب لفظه كما قلبت تفسيره. فاربح العناء فإن ظاهر ألفاظه تشهد عليك بالتكذيب بالتوحيد.

وسنذكر بعض ما ذكر في القرآن وفي الروايات من أمر الحجب ليعرضها عاقل على قلبه هل ينقاس شيء منها على ما تأولت.

أول ذلك ما رويته أيها المعارض عن أبي موسى عن النبي ﷺ.

185

حدثناه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره». [230]

186

وحدثنا علي بن المديني حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر الأنصاري قال: سمعت طلحة بن خراش يقول: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يكلم أحدا إلا من وراء حجاب». [231]

187

حدثنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}. [232]

أفيجوز أن يتأول هذا أن الله لم يكلم بشرا إلا من وراء الآيات والعلامات؟

188

وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد عن ابن عمر قال: احتجب الله من خلقه بأربع بنار وظلمة ونور وظلمة. [233]

أفيجوز أن يتأول على الله في هذا الحديث بأربع علامات وأربع دلائل ونار وظلمة ونور وظلمة.

189

وحدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن زرارة بن أوفى أن النبي ﷺ سأل جبريل: هل رأيت ربك؟ فانتفض جبريل وقال: يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو دنوت من أدناها حجابا لاحترقت. [234]

أفيجوز أن يتأول على جبريل أن يقول بيني وبين الله سبعين علامة ودلالة من نور لو دنوت من أدناها لاحترقت أم يجوز أن يتأول على جبريل أنه لا يستدل على معرفة الواحد لما رأى وشاهد من آياته وعلاماته إلا بهذه الأربعة الحجب التي ادعيت أنها دلائل على معرفة الواحد المعروف؟ أولم يكتف جبريل بما رأى وعاين من الدلالات والعلامات على معرفة الله وهو السفير بينه وبين رسله حتى يستدل عليه بالحجب التي ادعيت أنها آياته وعلاماته؟ولو قد رزقت أيها المعارض شيئا من العقل علمت أن ما تدعي زور وباطل، ولكن قال رسول الله ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». [235]

190

حدثنا عبد الله بن صالح حدثني يحيى بن أيوب عن المثنى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «احتجب ربنا عز وجل عن خلقه بأربع بنار وظلمة ثم بنور وظلمة من فوق السموات السبع والبحر الأعلى فوق ذلك كله تحت العرش». [236]

191

حدثنا موسى بن إسماعيل عن حبابة بنت عجلان الخزاعية عن أمها أم حفص عن صفية ابنة جرير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «دعاء الوالدة يفضي إلى الحجاب». [237]

ويحك أيها المعارض. قد علم كل ذي عقل أن ألفاظ هذه الروايات كلها مخالفة لما ادعيت من هذه التفاسير المقلوبة، وأن لله أكثر من ألف آية وعلامة، فكيف لم يحتجب منها إلا بأربع جعلها دلالة وعلامة على معرفته، وسائرها لا تدل في دعواك.

باب إثبات الضحك

ثم أنشأ المعارض أيضا منكرا أن الله يضحك إلى شيء ضحكا هو الضحك طاعنا على الروايات التي نقلت عن رسول الله ﷺ يفسرها أقبح التفسير ويتأولها أقبح التأويل.

192

فذكر منها حديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «يتجلى ربنا ضاحكا يوم القيامة». [238]

وأيضا حديث أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله أيضحك الرب؟ فقال: نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرا.

أو حديث جابر أيضا عن النبي ﷺ في ضحك الرب. [239]

فادعى المعارض في تفسير الضحك أن ضحك الرب رضاه ورحمته وصفحه عن الذنوب، ألا ترى أنك تقول رأيت زرعا يضحك.

فيقال لهذا المعارض: قد كذبت فيما رويت عن النبي ﷺ في الضحك، شبهت ضحكه بضحك الزرع لأن ضحك الزرع ليس بضحك إنما هو خضرته ونضارته، فجعل مثلا للضحك. فعمن رويت هذا التفسير من العلماء أن ضحك الرب رضاه ورحمته فسمّه، وإلا فأنت المحرف قول رسول الله ﷺ بتأويل ضلال إذ شبهت ضحك الله الحي القيوم الفعال لما يشاء ذي الوجه الكريم والسمع السميع والبصر البصير بضحك الزرع الميت الذي لا ضحك له ولا قدرة له ولا يقدر على الضحك وإنما ضحكه يمثل وضحك الله ليس يمثل.

ويحك، إن ضحك الزرع نضارته وزهرته وخضرته فهو أبدا ما دام أخضر ضاحك لكل أحد للولي والعدو ولمن يسقيه ولمن يحصده، لا يقصد بضحكه إلى شيء. والله يقصد بضحكه إلى أوليائه عندما يعجبه فعالهم ويصرفه عن أعدائه فيما يسخطه من أفعالهم.

فالدليل من فعل الله أنه يضحك إلى قوم ويصرفه عن قوم أن ضحك الزرع مثلٌ على المجاز وضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء والزرع أبدا نضارته وخضرته التي سميته ضحكا قائم أبدا حتى يستحصد.

وأما قولك إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى فيجتمع منه الضحك والرضا، ولا يصرفه إلا عن عدو. وأنت تنفي الضحك عن الله وتثبت له الرضا وحده. ولئن جزعت من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ في الضحك حتى نفيته عن الله بمعنى ضحك الزرع ما لك من راحة فيما روى عنه ابن مسعود رضي الله عنه مما يكذب دعواك ويستحيل به تفسيرك.

193

حدثناه موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «آخر رجل يدخل الجنة يمشي يكبو على الصراط وتسفعه النار مرة فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي أنجاني منك، فترفع له شجرة فيقول: يا رب أدنني منها، فيدنيه حتى إنه ليقول له: يا ابن آدم أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: يا رب أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود ثم قال: ألا تسألني مم ضحكت؟ هكذا فعل رسول الله ﷺ ضحك ثم قال: «ألا تسألوني مم أضحك» فقالوا: مم تضحك؟ فقال: «من ضحك رب العالمين منه حين يقول أتستهزئ بي فيقول الله إني لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر، فيدخله الجنة». [240]

أفلا تسمع أيها المعارض من قول رسول الله ﷺ: «من ضحك رب العالمين منه» أنه لا يشبه ضحك الزرع لأنه يقال للزرع يضحك ولا يقال يضحك من أحد ولا من أجل أحد. وإنا لم نجهل مجاز هذا في العربية ولكنه على خلاف ما ذهبت إليه فقد سمعنا قول الأعشى وفهمنا معناه وهو من معنى ضحك الرب بعيد إذ يقول:

ما روضة من رياض الحزن معشبةٌ ** خضراءُ جاد عليها مسبل هطلُ

يضاحك الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ ** مؤزر بغميم النبت مكتهلُ

فالزرع ما دام أخضر فهو مضاحك الشمس أبدا لا يخص بضحكه أحدا ولا يصرفه عن أحد، والله يضحك إلى قوم ويصرفه عن آخرين.

194

وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله ﷺ قال: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره» قال أبو رزين: أيضحك الرب يا رسول الله؟ قال: «نعم» قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا. [241]

فهذا حديثك أيها المعارض الذي رويته وثبته وفسرته وأقررت أن النبي ﷺ قد قاله، ففي نفس حديثك هذا ما ينقض دعواك وهو قول أبي رزين رضي الله عنه للنبي ﷺ أيضحك الرب. ولو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح من الذنوب فقط كان أبو رزين في دعواك إذا جاهلا أن لا يعلم أن ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب حتى يسأل رسول الله ﷺ أيرحم ربنا ويغفر ويصفح عن الذنوب، بل هو كافر في دعواك إذ لم يعرف الله بالرضى والرحمة والمغفرة وقد قرأ القرآن وسمع ما ذكر الله فيه من رحمته ومغفرته وصفحه عن الذنوب ما كان له فيه مندوحة عن رسول الله ﷺ أيغفر ربنا ويرحم؛ إنما سأله عما لا يعلم لا عما علم وآمن به قبل وقرأ القرآن فوجد فيه ذكره ولم يجد فيه ذكر الضحك. فلما أخبره النبي ﷺ أنه يضحك قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا. ولو كان على تأويلك لاستحال أن يقول أبو رزين للنبي ﷺ: لا نعدم من رب يرحم ويرضى ويغفر خيرا لما أنه قد آمن وقرأ قبل في كتابه {إنه غفور رحيم} فاعقله وما أراك تعقله.

ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله على ما يعقلون من أنفسهم. وهذا كذب تدعيه عليهم لأنا لم نسمع أحدا منهم يشبه شيئا من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك يضحك كما يشاء وكما يليق به. وتفسيرك هذا منبوذ في حشك.

ثم فسرت الضحك تفسيرا أوحش من هذا أيضا فقلت: يحتمل أن يكون ضحكه أن يبدو له خلق من خلق الله ضاحكا يأتيهم مبشرا ومغيثا ودليلا إلى الجنة.

ويحك أيها المعارض ألا تسمع ما في حديثك الذي رويته وثبته عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله أيضحك ربنا؟ قال: «نعم» ولم يقل: أيخلق الله خلقا يضحك. ثم قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا ولم يقل: لا نعدم من رب يخلق الضاحك. فهذا في نفس حديثك لو قد عقلته وأنى لك العقل مع هذا التخليط.

وادعيت أيضا تفسيرا للضحك أبعد من هذا من الحق والمعقول. فزعمت أن الله يضحك من رجل أو من شيء تفسره أنه يضحكه ويسره فذلك ضحك الله تعالى على النسبة، يعني أن الخلق وضحكهم وكلامهم لله.

فيقال لك أيها المعارض: إذا تحولت العربية إلى لغتك ولغات أصحابك جاز فيها أنكر من هذا التأويل وأفحش من هذا التفسير. وهذا أيضا بين في نفس حديثك الذي رويته عن أبي رزين عن النبي ﷺ أنه قال له أيضحك ربنا يا رسول الله ولم يقل أيُضحِك ربنا، ولو قال كذلك لكان جاهلا إذ سأل رسول الله ﷺ أيضحك الرب الخلق وقد قرأ في كتاب الله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى}. فلو اشتغلت أيها المعارض فيما تتقلب فيه من مسائل أبي يوسف ومحمد بن الحسن ونظرائهم كان أعذر لك من أن تتعرض بمثل هذه الأحاديث الصعاب المعاني التي كان يستعفي من تفسيرها العلماء وأصحاب العربية البصراء فتفسرها بجهل وضلال.

وسنذكر لك أيضا بعض ما روي عن النبي ﷺ في ضحك الرب تعالى مما ينقض دعواك حتى تضمه إلى حديث أبي رزين وأبي موسى رضي الله عنهما فتعلم أن الله لم يوفقك فيها لصواب من التأويل.

195

حدثنا يحيى الحماني وأبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة يضحك الله إليهم يوم القيامة رجل قام من الليل والقوم إذا اصطفوا للقتال والقوم إذا اصطفوا للصلاة». [242]

أفلا ترى أيها المعارض أن الضحك لا يشبه ضحك الزرع الذي تأولته لأن ضحك الزرع لا يخص أحدا ولا يصرفه عن أحد والله يضحك إلى قوم ويصرفه عن قوم.

196

حدثنا هشام بن عمار الدمشقي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال أي الشهداء أفضل؟ قال: «الذين يلقون في الصف ولا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا أولئك الذين يتلبطون في العلى في الجنة يضحك إليهم ربك وإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه». [243]

197

حدثنا عبد الله بن صالح عن أبي شريح المعافري عن عبيد الله ابن المغيرة عن أبي فراس عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: يضحك الله إلى صاحب البحر ثلاث مرات حين يركبه ويخلى من أهله وحين يميد متشحطا وحين يرى البر ليشرف له. [244]

198

حدثنا أحمد بن يونس أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي الكنود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله يضحك إلى اثنين رجل قام من جوف الليل فتوضأ وصلى ورجل كان مع قوم فلقوا العدو فانهزموا وحمل عليهم فالله يضحك إليه. [245]

199

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يضحك من رجلين قتل أحدهما صاحبه كلاهما داخل الجنة مشرك قتل مسلما ثم يسلم فيستشهد بعد».

حدثناه محبوب بن موسى عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ. [246]

وحدثناه القعنبي عن مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. [247]

200

حدثنا محمد بن بكار البغدادي: حدثنا إسماعيل بن زكريا أبو زياد عن محمد بن أبي إسماعيل السلمي عن عبد الله ابن أبي الهذيل أنه سمع ابن مسعود يقول: إن الله يضحك ممن ذكره في الأسواق. [248]

201

حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن زكريا أبو زياد عن محمد بن أبي إسماعيل السلمي عن عبد الله بن أبي الهذيل أنه سمع ابن مسعود يقول: إن الله يضحك.

202

حدثنا إسحاق بن راشد عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: لما توفي سعد بن معاذ رضي الله عنه صاحت أمه فقال لها رسول الله ﷺ: «ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك؟ فإن ابنك أول من ضحك الله إليه». [249]

ولو كان تأويل ضحكه ما شبهت به أيها المعارض من ضحك الزرع ما كان يقول النبي ﷺ: «أول من ضحك الله إليه» لأن خضرة الزرع ونضارته بادية لأول ناظر إليها وآخر، لا يقصد بضحكه إلى تقي ولا يصرفه عن شقي. فكم تدحض في بولك وتعثر في قولك وتغر من حولك.

أولم تقل في صدر كتابك هذا إن الله لا يقاس بالناس ولا يحل للرجل أن يتوهم في صفاته ما يعقله من نفسه؟ وأنت تقيسه في ضحكه بالزرع وتتوهم فيه ما يتوهم بالزرع.

وادعيت أيضا في صدر كتابك هذا أنه لا يجوز في صفات الله تعالى اجتهاد الرأي. وأنت تجتهد فيها أقبح الرأي حتى من قباحة اجتهادك تتخطى به الحق إلى الباطل والصواب إلى الخطأ. أولم تذكر في كتابك أنه لا يحتمل في التوحيد إلا الصواب فقط فكيف تخوض فيه بما لا تدري أمصيب أنت أم مخطئ لأن أكثر ما نراك تفسر التوحيد بالظن والظن يخطئ ويصيب وهو قولك يحتمل في تفسيره كذا ويحتمل كذا تفسيرا ويحتمل في صفاته كذا ويحتمل خلاف ذلك ويحتمل في كلامه كذا وكذا، والاحتمال ظن عند الناس غير يقين ورأي غير مبين حتى تدعي لله في صفة من صفاته ألوانا كثيرة ووجوها كثيرة أنه يحتملها لا تقف على الصواب من ذلك فتختاره، فكيف تندب الناس إلى صواب التوحيد وأنت دائب تجهل صفاته وأنت تقيسها بما ليس عندك بيقين؟ ولكنا نظنك تقول الشيء فتنساه حتى يدخل عليك فيه ما يأخذ عليك فيه ما يأخذ بحلقك أو يكظمك.

والعجب من رجل يدعي على قوم زورا وكذبا أنهم يشبهون الله بآدم في صورته فتدعي عليهم بذلك كفرا، وهو يشبهه في يده بأقطع من ذرية آدم وفي بصره بأعمى وفي سمعه بأصم وفي وجهه بوجه القبلة ووجوه الأعمال الصالحة وفي كلامه بأبكم حتى تتوهم في كلامه أنه ككلام الجبال والشجر وفي ضحكه بالزرع الأخضر. فكيف تجيز لنفسك أيها المعارض من ذلك ما تجحده على غيرك لقد احتظرت واسعا، أوكلما احتججت لمذهبك من باطل احتمل، وما احتج عليك غيرك فيه من حق بطل؟ رويدك بالقضاء فلا تعجل فتنزل قدمك وتستجهل وتفتضح بها عند من عقل. ولئن لم يكن للجهمية من الحجج إلا ما حكيت عنهم من هذه العمايات المستشنعة والتفاسير المقلوبة ما أسديت إليهم بذكرها نصيحة وقد زدتهم بها فضيحة على فضيحة إذ تضيف إليهم هذه الشنائع القبيحة، فكشفت عنهم الغطاء فيما كان بينهم هينمة [250] في خفاء.

وروى المعارض أيضا عن الشعبي أنه قد ملأ العرش حتى إن له أطيطا كأطيط الرحل. [251] ثم فسر قول الشعبي أنه قد ملأه آلاء ونعما حتى إن له أطيطا لا على تحميل جسم فقد حمّل الله السموات والأرض والجبال الأمانة فأبين أن يحملنها والأمانة ليست بجسم فكذلك يحتمل ما وصف على العرش.

فيقال لهذا المعارض: لجلجت ولبّست حتى صرحت بأن الله ليس على العرش إنما عليه آلاؤه ونعماؤه، فلم يبق من إنكار العرش غاية بعد هذا التفسير. ويلك فإن لم يكن على العرش بزعمك إلا آلاؤه ونعماؤه وأمره فما بال العرش يتأطط من الآلاء والنعماء؟ لكأنها عندك أعكام الحجارة والصخور والحديد فيتأطط منها العرش ثقلا، إنما الآلاء طبائع أو صنائع ليس لها ثقل ولا أجسام يتأطط منها العرش. مع أنك قد جحدت في تأويلك هذا أن يكون على العرش شيء من الله ولا من تلك الآلاء والنعماء إذ شبهتها بما حمل الله السموات والأرض والجبال من الأمانة فأبين أن يحملنها، فقد أقررت بأنه ليس على العرش شيء لأن السموات والأرض والجبال إذا أبين أن يحملن الأمانة لم يحمّلهن الله شيئا بل تركهن خلوا من تلك الأمانة وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا.

ففي دعواك ليس على العرش شيء من تلك الآلاء والنعماء التي ادعيت، كما ليس على السموات والأرض والجبال من تلك الأمانة شيء؛ فكما السموات والأرض والجبال خلو من الأمانة كذلك العرش عندك خلو من كل شيء عليه.

فانظر أيها الجاهل أن توردك هذه التفاسير من المهالك وماذا تجر إليه من الجهل والضلال فتشهد عليك بأقبح المحال. ولم تتأول في العرش في صدر كتابك تأويلا أفحش ولا أبعد من الحق من هذا.

وادعيت أيضا أن قتادة روى عن النبي ﷺ قال: «لما قضى الله خلقه استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى ثم قال: لا ينبغي لأحد أن يفعله» [252]

ثم فسره المعارض بأسمج التفسير وأبعده من الحق وهو مقر أن النبي ﷺ قد قاله.

فزعم أنه قيل في تفسير هذا الحديث «أن الله لما خلق الخلق استلقى» فتفسيره أنه ألقاهم وبثهم وجعل بعضهم فوق بعض وذلك قوله: «وضع إحدى رجليه على الأخرى» فيحتمل أنه أراد بالرجل الجماعة الكثيرة كقول الناس رجل من جراد، فنُسبت تلك الرجل إلى الله كما نسب روح عيسى إلى الله بالإضافة، فألقى رجلا على رجل أي جماعة على جماعة في دعواه.

فيقال لهذا المعارض: من يتوجه لنقيضة هذا الكلام من شدة استحالته وخروجه عن جميع المعقول عند العرب والعجم حتى كأنه ليس من كلام الإنس، ومع كل كلمة منها شاهد من نفسها ينطق لها حتى لا يحتاج إلى نقيضة. ويلك عمن أخذت هذا التفسير ومن علمك وعمن رويت هذا فسمّه حتى يرتفع عنك عاره ويلزم من قاله، فأغرب بها من ضحكة وأعظم بها من سخرية.

ويحك، أخلق الله خلقا فسماهم رجلا له ثم ألقى رجلا على رجل بعضهم على بعض؟ أحطبا كانوا فأخذهم فألقى بعضهم على بعض في الشمس وفي أي لغات العرب وجدت استلقى في معنى ألقى؟ فإنك لم تجده في شيء من لغاتهم.

وأعجب من ذلك كله احتجاجك بجهلك لمقلوب تفسيرك هذا بقول الشاعر:

فمر بنا رجل من الناس وانزوى ** إليهم من الرجل الثمانين أرجل

ويلك، إنما قال رجل من الناس ورجل من الثمانين ولم يقل رجل من الله كما ادعيت أن الخلق رجل من الله تعالى ألقى بعضهم على بعض ثم انتحلت أنت فيه قول الشاعر بما بهته به، ولو تكلم بهذا مجنون ما زاده. فبؤسا لقرية مثلك فقيهها والمنظور إليه فيها.

وادعى المعارض أيضا زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس على ما يتوهمونه.

فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك. فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فلمَ تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك. إنما تفسيرها عندهم تحسّر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسماهم الساخرين؛ فهذا تفسير الجنب عندهم. فما أنبأك أنهم قالوا جنب من الجنوب، فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الكذب مجانب الإيمان. [253] وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يجوز من الكذب جد ولا هزل. [254] وقال الشعبي: من كان كذابا فهو منافق. [255] فاحذر أن تكون منهم.

وروى المعارض أيضا عن إسرائيل عن ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى نعيمه وجناته مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله عز وجل من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية» ثم تلا {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}. [256]

قال المعارض: فيحتمل أن يكون النظر إلى وجهه نظرا إلى ما أعد الله لهم من النظر إلى الجنة التي هي أعلى الجنان.

فيقال لهذا المعارض قد جئت بتفسير طم على جميع تفاسيرك ضحكة وجهالة. ولو قد رزقك الله شيئا من معرفة العربية لعلمت أن هذا الكلام الذي رويته عن رسول الله ﷺ بهذه السياقة وهذه الألفاظ الواضحة لا يحتمل تفسيرا غير ما قال رسول الله ﷺ وتلا تصديق ذلك من كتاب الله. وإنما قال رسول الله ﷺ: «إلى وجه الله» ولم يقل إلى وجوه ما أعد الله لهم من الكرامات. ومن سمى من العرب والعجم ما أعد الله لأهل الجنة وجها لله قبلك وفي أي سورة من القرآن وجدت أن وجه الله أعلى جنته؟ ما لقي وجه الله ذي الجلال والإكرام من تفاسيرك، مرة تجعله ما أعد الله لأهل الجنة ومرة تجعله أعلى الجنة ومرة تجعله وجه القبلة ومرة تشبهه بوجه الثوب ووجه الحائط، والله سائلك عما تتلاعب بوجهه ذي الجلال والإكرام. فإن كان كما ادعيت أن أكرمهم على الله من ينظر إلى وجه ما أعد الله لهم من الكرامة التي يتوقعونها من الله أفليس قد قال رسول الله ﷺ في حديثك أيضا «إن أدناهم منزلة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من جناته ونعيمه وكراماته مسيرة ألف سنة وإن الأدنين منهم يتوقعون من كرامات الله ما يتوقع أكرمهم وينظرون إلى أعلى الجنة كما ينظر أكرمهم». فما موضع تمييز رسول الله ﷺ الأدنى بالنظر إلى ملكه ونعيمه والأعلى إلى وجهه بكرة وعشية إذ كلهم عن النظر إلى ما أعد الله لهم فيها غير محجوبين ولا عن التوقع ممنوعين حتى تلا رسول الله ﷺ في الأكرمين منهم ما لم يتل في الأدنيين منهم تثبيتا لوجهه ذي الجلال والإكرام وتكذيبا لدعواك فقال: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} ولم يقل إلى كراماتها ناظرة. فسبحان الله ما أوحشها من تأويل وأقبحها من تفسير وأشدها استحالة في جميع لغات العالمين. فسبحان من لم يرزقك من الفهم إلا ما ترى لو تكلم بهذا صبيان الكتاب لاستضحك الناس منهم، فكيف رجل يعد نفسه من عداد علماء بلاده.

203

وروى المعارض أن الحجاج بن محمد روى عن ابن جريج عن الضحاك عن ابن عباس أن محمدا رأى ربه مرتين في صورة شاب أمرد. [257]

204

وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه جعدا أمرد عليه حلة خضراء. [258]

فادعى المعارض أن أهل العلم فسروا هذا أن هذه صفة جبريل فعرف ربه برؤية جبريل علما بقلبه بإدراكه جبريل عيانا فهذا تفسير أنه رأى من خلقه وهو الصورة التي شاهد ببصره وكانت صورة جبريل.

فقلنا لهذا المعارض المناقض: أليس قد زعمت في صدر كتابك أن هذا الحديث من وضع الزنادقة ثم تدعي ها هنا أن أهل العلم فسروه أنه صورة جبريل؟ وأي صاحب علم يفسر أحاديث الزنادقة يوهم الناس أنها عن رسول الله ﷺ إلا أن يكون زعماؤك هؤلاء المعطلون، وكيف تثبت الشهادة على حديث الزنادقة أن هذا تفسيره، أوليس قد أنبأناك في صدر كتابنا هذا أن هذا وما أشبهه من الروايات يعارضه حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ أنه قال: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». [259] وبقول عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية [260] لأن الله قال: {لا تدركه الأبصار}. غير أنك فسرته تفسيرا شهدت فيه بالكفر على رسول الله ﷺ إذ ادعيت أنه رأى جبريل في صورته فظن أنه ربه وأنه قال لصورة مخلوقة شاهدها ببصره إنه ربه. فتفكر أيها المعارض فيما يجلب عليك تأويلك هذا من الفضائح حين تدعي أن رسول الله ﷺ لم يعرف جبريل من الله حتى يرى صورة جبريل في صورة شاب جعد فيدعي أنه ربه بزعمك. لو ولدتك أمك أبكم كان خيرا لك من أن تتعرض لهذا وما أشبهه. أرأيت قولك إن أهل العلم قالوا إن هذا صورة جبريل فمن أي أهل العلم سمعت هذا التفسير فأسنده إليه فإنك لا تسنده إلا إلى من هو أجهل منك.

وقد علمنا أنك إنما تغالط بمثل هذه الروايات لتدفع بها قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} وقول رسول الله ﷺ: «ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر ليلة البدر» [261] فتوهِم الناس أن هذه الأحاديث التي تستنكرها وتلتمس لها هذه العمايات كالتي يروون في الرؤية والنزول وما أشبهه، وأنه لا تدفع تلك بمثل هذا التفسير المقلوب لما أنها قد ثبتت عن النبي ﷺ بأسانيد كالصخور، فلا يدفع إلا بأثر مثله مأثور. فاربح العناء فقد علمنا حول ماذا تدور ولن تغر بمثلها إلا كل مغرور.

واحتج المعارض أيضا في إنكار الرؤية بحديث رواه أن خالد بن الوليد ضرب العزى بالسيف فقال له: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك. [262]

قال المعارض: فهذه رؤية علم لا رؤية بصر. قال يعني أن المؤمنين لا يرون ربهم يوم القيامة إلا كنحو ما رأى خالد بن الوليد في دنياه.

قال المعارض: وفسر قوم أن الرؤية للشيء أن يكون على العلم كما يقال رأيت الخل شديد الحموضة ورأيت العود طيبا، يريد رائحته، كما قال: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} ولم يره إلا بالمعرفة، وكل شيء يدرك بالرؤية فله قلة وكثرة، فالله المتعالي عن ذلك إنما يرى بدلائله وآثار صنعه فهي شواهده، لا الذي يعرف بملاقاة ولا بمشاهدة حاسة، فإذا كان يوم القيامة ذهبت الشكوك وعرفوه عيانا لا بإدراك بصر. ثم قال: فإن كان الروايات فهاهنا روايات أيضا معارضة وإن كان يحتمل التأويل فهاهنا ما يحتمل أيضا.

فيقال لهذا المعارض: أما الروايات فما نراك تحتج في جميع ما تدعي إلا بكل أعرج مكسور بالتجهم مشهور وفي أهل السنة مغمور. وأما المعقول الذي تدعيه من كلامك فقد أنبأناك أنه عند العرب مجهول وعند العلماء غير مقبول، لا يخفى تناقضه إلا على كل جهول.

وأما ما احتججت به من قول خالد بن الوليد فمعقول بأن الله لما قال: {لا تدركه الأبصار} وروى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: «نور أنى أراه» وقال النبي ﷺ: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»؛ آمنا بما قال الله ورسوله وعلمنا أنه لا يرى في الدنيا، فلما قال: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} علمنا أن النبي ﷺ لم يدركه ولم يره لما أنه ولد عام الفيل فاستيقنا علما يقينا أن هذه رؤية علم لا رؤية بصر. وكذلك قوله {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} فاستيقنا بقوله إنه لم ير ربه أن هذا ليس برؤية الله عيانا وأنه رؤية الفعل مدود الظل الذي يراه بكرة وعشيا. وكذلك قول خالد بن الوليد إني رأيت الله قد أهانك، لاجتماع الكلمة من الله ورسوله ومن جميع المؤمنين أن أبصار أهل الدنيا لا تدركه في الدنيا. فحين حد الله لرؤيته حدا في الآخرة بقوله {إلى ربها ناظرة} علمنا أنها رؤية عيان. وكذلك النبي ﷺ حين سأله أبو ذر هل رأيت ربك فقال: «نور أنى أراه» فلما سأله أصحابه أنراه في الآخرة قال: «نعم كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر».

وأما تفسيرك أن رؤيته يوم القيامة رؤية آياته ودلائله فإذا رأوا آياته وذهبت الشكوك عنهم، فهذه أفحش كلمة ادعيتها على المؤمنين من أصحاب النبي ﷺ أنهم ماتوا شكّاكا لم يعرفوا ربهم حتى يروا آياته يوم القيامة فبها تذهب الشكوك عنهم يومئذ.

ويحك، أما علمت أنه لن يموت أحد وفي قلبه أدنى شك من خالقه إلا مات كافرا وكيف تعتري المؤمنين يومئذ الشكوك، والكفار يومئذ بربوبيته موقنون لا تعتريهم شكوك؟ فإن كانت الشكوك يومئذ تنزاح عن المؤمنين بما تصف من الدلائل والعلامات من غير إدراك بصر فكذلك الكفار كلهم قد رأوا يومئذ آياته وعلاماته من غير إدراك بصر فانزاحت عنهم الشكوك فصاروا كالمؤمنين في دعواك، فما فضل بشرى الله ورسوله المؤمنين على الكفار الذين قال في كتابه {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}.

ويحك، للغناء والعزف أحسن مما تدعي على الله ورسوله وما تقذف به المؤمنين أن الشكوك في وحدانيتة الله تعالى لا تذهب عنهم إلا في الآخرة يوم يرون آياته وعلاماته.

فأما ما احتججت به من قول خالد بن الوليد حين قال "رأيت الله قد أهانك" فمثل هذا جائز فيما أنت منه على يقين أنه لم ير ولم يدرك ولم يمكن إدراكه، فأما ما يرجى إدراكه ببصر فلا يجوز في هذا المجاز إلا بحجة واضحة من كتاب مسطور أو أثر مأثور أو إجماع مشهور. وقول خالد عندنا معناه كمعنى قول أبي بكر لعمر رضي الله عنهما يوم مات النبي ﷺ فقال عمر إن النبي ﷺ لم يمت فقال أبو بكر: ألم تسمع الله يقول {إنك ميت وإنهم ميتون} {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} إنما عنى أبو بكر ألم تسمع قوله في كتابه لما أن العلم من جميع العلماء قد أحاط بأنه لم يسمع كلام الله بشر من بني آدم غير موسى، فحين أحاط العلم بذلك علمنا أن أبا بكر عنى قوله لا السماع من الله؛ وهكذا قصة خالد بن الوليد وقوله {ألم تر إلى ربك} لإحالة العلم أن ذلك لم يكن، فلا تدفع ما أحاط العلم أنه لم يكن ما أحاط العلم بأنه كائن.

ومثله قول الكميت:

وجدت الله إذا سمى نزارا ** وأسكنهم بمكة قاطنينا

لنا جعل المكارم خالصات ** فللناس القفا ولنا الجبينا

فحين عرفنا يقينا أن أحدا من خلق الله لم يجده عيانا في الدنيا علمنا أن قول الكميت "وجدت الله" يريد به المكارم التي أعطاهم الله.

وادعى المعارض أيضا أن قوما زعموا أن لله عينا يريدون جارحا كجارح العين من الإنسان وأرادوا التركيب واحتجوا بقوله {ولتصنع على عيني} {واصنع الفلك بأعيننا} {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}.

قال المعارض: والمعقول بيّن أن هذا يريد عين القوم يعني رئيسهم وكبيرهم ولا يريد جارحا ولكن يريد الذي يجوز في الكلام، وقال ابن عباس في قوله {فإنك بأعيننا} يقول في كلاءتنا وحفظنا. [263] ألا ترى إلى قول القائل: عين الله عليك، يقول أنت في حفظ الله وكلاءته.

فيقال لهذا المعارض: أما ما ادعيت أن قوما يزعمون أن لله عينا فإنا نقوله لأن الله قاله ورسوله؛ وأما جارح كجارح العين من الإنسان على التركيب فهذا كذب ادعيته عمدا لمّا أنك تعلم أن أحدا لا يقوله، غير أنك لا تألو ما شنعت ليكون أنجع لضلالتك في قلوب الجهال، والكذب لا يصلح منه جد ولا هزل. فمن أي الناس سمعت أنه قال جارح مركب؟ فأشر إليه فإن قائله كافر. فكم تكرر قولك جسم مركب وأعضاء وجوارح وأجزاء، كأنك تهول بهذا التشنيع علينا أن نكف عن وصف الله بما وصف نفسه في كتابه وما وصفه الرسول. ونحن وإن لم نصف الله بجسم كأجسام المخلوقين ولا بعضو ولا بجارحة لكنا نصفه بما يغيظك من هذه الصفات التي أنت ودعاتك لها منكرون، فنقول إنه الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ذو الوجه الكريم والسمع السميع والبصر البصير نور السموات والأرض وكما وصفه الرسول ﷺ في دعائه حين يقول: «اللهم أنت نور السموات والأرض» وكما قال أيضا «نور أنى أراه» وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه: نور السموات والأرض من نور وجهه. والنور لا يخلو من أن يكون له إضاءة واستنارة ومرآى ومنظرا وأنه يدرك يومئذ بحاسة النظر والكلام إذا كشف عنه الحجاب كما يدرك الشمس والقمر في الدنيا، وإنما احتجب الله عن أعين الناظرين في الدنيا رحمة لهم لأنه لو تجلى في الدنيا لهذه الأعين المخلوقة الفانية لصارت كجبل موسى دكا وما احتملت النظر إلى الله تعالى لأنها أبصار خلقت للفناء لا تحتمل نور البقاء، فإذا كان يوم القيامة ركبت الأبصار للبقاء فاحتملت النظر إلى نور البقاء.

وأما تفسيرك عن ابن عباس في قوله {فإنك بأعيننا} أنه قال بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح قولك عن ابن عباس فمعناه الذي ادعيناه لا ما ادعيت أنت. يقول بحفظنا وكلاءتنا بأعيننا، لأنه لا يجوز في كلام العرب أن يوصف أحد بالكلاءة إلا وذلك الكالئ من ذوي الأعين. فإن جهلت فسم شيئا من غير ذوي الأعين يوصف بالكلاءة. وإنما أصل الكلاءة من أجل النظر. وقد يكون الرجل كالئا من غير نظر ولكنه لا يخلو أن يكون من ذوي الأعين، وكذلك معنى قولك عين الله فافهم. وقد فسرنا لك بعض هذا الكلام في صدر كتابنا، غير أنك أعدته لجاجة منك واغتياظا على من يؤمن برؤية الله يوم القيامة كاغتياظك وإفراطك على من يزعم أن كلام الله غير مخلوق، فانتدبت مختلطا غضبانا تدعي أنهم قوم جهلة لا تمييز عندهم ولا نظر لديهم يقولون إنه يجب علينا أن نقول غير مخلوق فألزم بجهله من لا يقول ذلك الكفر، وهو الكافر عيانا فيما يتكلف مما لم يؤمر به ولم يتكلم فيه السلف، فجاء الظالم الجريء فهو آمن بجهله على نفسه ولا يرضى حتى ينسب المؤمن التقي الكاف عن الخوض فيه إلى الكفر. ثم وصف أن الكلام من الناطق لا يسمى محدثا متى ما قاله، ولا يتركون من عرف وجه الكلام من الكتاب والسنة.

فيقال لهذا المعارض: لا كل هذا الأخلاط غيرة، غير أن الدليل عليك أنك لا تبدي هذا إلا عن حرقة، [264] فأملَ [265] لك أنهم لا يرون الكلام من الناطق محدثا. قد فهمنا مرادك من هذا، تعني أنهم لا يرونه مخلوقا محدثا لله، فقد صدقت في دعواك عليهم لا يرونه محدثا لله كما ادعيت؛ ومن رآه محدثا لله عدوه كافرا، لأن مذهبه في ذلك أن الله كان ولا كلام له.

وأما قولك لم يتكلم فيه السلف، فقد أنبأناك في صدر كتابنا هذا من تكلم فيه من السلف الذين كانوا أعلم بالله وبكتابه من سلفك الذين احتججت بهم مثل المريسي وابن الثلجي ونظرائهم. وأما ما تصف عن نفسك من الكف عن الخوض فيه، فقلما رأينا أسفق عينا منك ولا أقل حياء، أوليس كل ما ضمنت هذا الكتاب من هذه العمايات خوض كله؟ فإنا ما رأينا خائضا فيه أقبح منك خوضا وأوحش منك تأويلا وأقل منك إصابة. فمثلك في وعظك كالذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

وأما قولك: لا يتركون من عرف وجوه الكلام. ما ضمنت هذا الكلام عن نفسك وعن إمامك المريسي والثلجي؛ فقد انقلبت لغات العرب فصار المنكر منها معروفا والمعروف منكرا والعربي عجميا والعجمي عربيا، لأن تفاسيركم هذه كلها مخالفة للغاتهم. وأما الكتاب والسنة، من أئمتك هؤلاء الذين تنسبهم إلى معرفة وجوه الكلام بالكتاب والسنة؟ لما أنهم لم يتركوا لأهل السنة حجة من كتاب الله على الجهمية والزنادقة إلا نقضوها بخرافات وعمايات، ولا تركوا للنبي ﷺ حديثا صحيحا ناقضا لمذهبهم إلا ردوه بتلك العمايات؛ لقد تركوا معرفة كتاب الله والسنة شرقا ومغربا، فمثل انتحالك لهؤلاء بحسن الكلام مما يوافق الكتاب والسنة كما قال رسول الله ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» [266] لأنهم لم يؤتوا فيها من البصر إلا خلاف ما مضى عليه أسلاف المسلمين من أهل البصر. فإن جحدته فهاهنا رواياتهم وتفاسيرهم إذا نظر فيها الناظر استيقن بضلال تفسيركم واستدل على قلة علمكم بالمستحالات منها. فما ندري أي زعمائك هؤلاء الذين يبصرون وجوه الكلام. فإن كان هؤلاء الذين حكيت عنهم هذه العمايات فقد أنبأناك بناقضها واستحالتها مما يجلب عليهم من أنواع الكفر الذي لا مخرج لهم منها. فمن هؤلاء الذين يبصرون وجوه الكلام من زعمائك؟ أهو المريسي المشهور بالتجهم، فقد أنبأناك عورة كلامه، وكذلك الثلجي وكذلك ضرار ذلك الزنديق الذي تنتحل بعض كلامه وتكني عنه. فإن كان أهل البصر هؤلاء وأحسن الكلام عندك ما حكيت عن هؤلاء فإلى الله نبرأ مما حكيت عنهم. للغناء والنوح ونباح الكلاب أحسن مما حكيت عنهم من هذه الحكايات التي لا تنقاس في كتاب ولا سنة ولا إجماع. أحسدتهم أيها المعارض فيما أصابوا بهذه العمايات من وجوه الحق أم فيما نالوا من المراتب السنية عند أهل الإسلام والثناء الحسن على ألسن المؤمنين حتى انتحلت مذهبهم واحتججت بكلامهم حتى تنال بذكرهم من شرف الدنيا مثل ما نالوا، إذ يدعى أحدهم زنديق والآخر جهمي والآخر ترس الجهمية، يعنون ابن الثلجي. وهنيئا لك ميراثهم غير محسود ولا مغبوط فبأي متكلم منهم تستطيل؟ أبالذي زعم أن كلام الله محدث مخلوق أم بالذي قال أسماء الله محدثة مستعارة مخلوقة أم بالذي زعم أن النبي ﷺ رأى جبريل في صورته فقال له يا رب، وما أشبهها من فضائح ما حكيت عنهم في كتابك هذا كثير. هؤلاء عندك أهل البصر بالكلام وأهل المعرفة بالتمييز؟ فقد أخبرناك أن النوح والغناء ونباح الكلاب أحسن من كلامهم وتفاسيرهم.

ثم زعم المعارض أنه فرغ من الأحاديث المشتبهة وابتدأ في التوحيد بالمعقول ثم حكى في تفسير التوحيد كلاما ليس من كلام أهل الفقه والعلم ولم نجد شيئا منها في الروايات.

فقال: يسأل الرجل هل عرفت الخلق بالله أو عرفت الله بالخلق؟ فيقال له: معبودك هذا ما هو ومن أي شيء هو وما صفته وما مثاله؟ ثم فسرها بتفاسير لا يؤثر شيء منها عن أحد موسوم بالعلم ممن مضى وممن غبر، فلم أجد لبعضها نقيضة أسلم من الإمساك عن جهل الجاهلين. وكثيرا منها قد فسرت في صدر كتابنا هذا. فإن لم يوحد الله من أمة محمد إلا من قام بهذه الخرافات وجوابها ما في أمة محمد عند هذا المعارض موحّد.

وقد فسرنا للمعارض من تفسير التوحيد ما كان فيه مندوحة من هذه التخاليط أنه قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له. هذا تفسيره المعقول. وهي كلمة التقوى والعروة الوثقى، من جاء بها مخلصا فقد وحد الله تعالى وإن لم يجئ بما فسر المعارض من هذه العمايات، وهي الكلمة التي رضي بها محمد ﷺ من عمّ. ه وهي الدليل على إيمان الرجل وإسلامه وتوحيده.

ويحك أيها المعارض، أولم تزعم أنه لا يجوز في التوحيد إلا الصواب؟ أفتأمن الجواب في هذه العمايات أن تجرك إلى الخطأ في التوحيد، والخطأ فيه كفر. فأين أنت عن نفسك لما ندبت إليه غيرك من الخوض فيه وما أشبهه.

ثم عاد المعارض إلى أسماء الله تعالى ثانية فادعى أنها محدثة كلها لأن الأسماء هي ألفاظ ولا يكون لفظ إلا من لافظ. إلا أن من معانيها ما هي قديمة ومنها حديثة.

وقد فسرنا للمعارض تفسير أسماء الله في صدر كتابنا هذا واحتججنا عليه بما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، فلم نحب إعادتها هاهنا ليطول به الكتاب. غير أن قوله "هي لفظ اللافظ" يعني أنه من ابتداع المخلوقين بألفاظهم لأن الله لا يلفظ بشيء في دعواك ولكن وصفه بها المخلوقون، فكلما حدث لله فعل في دعواه أعاره العباد اسم ذلك الفعل، يعني أنه لما خلق سموه خالقا وحين رزق سموه رازقا وحين خلق الخلق فملكهم سموه مالكا وحين فعل الشيء سموه فعالا. ولذلك قالوا منها حديثة ومنها قديمة. فأما قبل الخلق فبزعمهم لم يكن لله تعالى اسم، وكان كالشيء المجهول الذي لا يعرف ولا يدرى ما هو حتى حدث الخلق فأحدثوا أسماءه، ولم يعرف الله في دعواهم لنفسه اسما حتى خلق الخلق فأعاروه هذه الأسماء من غير أن يتكلم الله منها بشيء فيقول {أنا الله رب العالمين} وأنا الله الرحمن الرحيم و {أنا التواب الرحيم}، فنفوا كل ذلك عن الله عز وجل مع نفي الكلام عنه، حتى ادعى جهم أن رأس محنته نفي الكلام عن الله تعالى فقال: متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر، لأن الكلام لا يثبت إلا لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر، ولا يثبت كلام لمتكلم إلا من اجتمعت فيه هذه الصفات. وكذب جهم وأتباعه فيما نفوا عنه من الكلام وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام إلا لمن اجتمعت فيه هذه الصفات. وقد اجتمعت في الله -على رغم أعداء الله وإن جزعوا منه- بلا تكييف ولا تمثيل. وهو الذي أخبر عن نفسه بأسمائه في محكم كتابه المنزل على نبيه المرسل ووصف بها نفسه. وقوله ووصفه غير مخلوق على رغم الجهمية. غير أن الوصف من الله على لونين: أما ما وصف به نفسه فالوصف والواصف غير مخلوق؛ وأما ما وصف به خلقه من السموات والأرض والجبال والشجر والجن والإنس والأنعام وسائر الخلائق فالوصف منه غير مخلوق والموصوفات مخلوقات كلها.

وادعى المعارض أيضا أن الله لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله تعالى. وليس هذا من كلام المعارض، وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم، عارض بها جهم قول الله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} يدفع بذلك أن يكون الله سبق له علم في نفسه بشيء من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم، فتلطف بذكر الضمير ليكون أستر له عند الجهال.

فرد على جهم بعض العلماء قوله هذا وقالوا له: كفرت بها يا عدو الله من ثلاثة أوجه: وجه أنك نفيت عن الله تعالى العلم السابق في نفسه قبل حدوث الخلق وأعمالهم. والوجه الثاني أنك استجهلت المسيح أنه وصف الله تعالى بما لا يوصف بأن له خفايا علم في نفسه إذ يقول له {ولا أعلم ما في نفسك}. والوجه الثالث أنك طعنت به على محمد ﷺ إذ جاء به مصدقا لعيسى. فأفحم جهما.

وقول جهم "لا يوصف الله بالضمير" يقول: لم يعلم الله في نفسه شيئا من الخلق قبل حدوثهم وحدوث أعمالهم. وهذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق. والناقض عليه بذلك قول الله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} فذكر المسيح أن لله علما سابقا في نفسه يعلمه الله ولا يعلمه هو. وقال الله تعالى: {واصطنعتك لنفسي} و {كتب على نفسه الرحمة} و {ويحذركم الله نفسه}

205

وقال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي». [267]

حدثناه أحمد بن يونس عن سفيان الثوري عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ.

206

وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله أنا عند ظن عبدي بي إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». [268]

فقد أخبر رسول الله ﷺ أن الله يخفي ذكر العبد في نفسه إذا أخفى ذكره ويعلن ذكره إذا هو أعلن ذكره، ففرق بين علم الظاهر والباطن والجهر والخفى. فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما؟ فنفس الله هو الله. والنفس تجمع الصفات كلها. فإذا نفيت النفس نفيت الصفات، وإذا نفيت الصفات كان لا شيء.

207

وحدثنا محمد بن كثير أنبأ سفيان عن زيد بن جبير قال: سمعت أبا البختري قال: لا يقولن أحدكم اللهم أدخلني مستقر رحمتك، فإن مستقر رحمته نفسه. [269]

فقد أخبر أبو البختري أن رحمة الله في نفسه. وكذلك قال الله تعالى: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها}.

208

فحدثنا ابن نمير حدثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح الحنفي {أكاد أخفيها} قال: من نفسي. [270]

فأي مسلم سمع بما أخبر الله عن نفسه في كتابه وما أخبر عنه الرسول ﷺ ثم يلتفت إلى أقاويلهم إلا كل شقي غوي؟ ولو قد أظهر المعارض هذا وما أشبهه ببلد سوى بلده لظننا أنه كان ينفى عنها وجانبه من أهلها أهل الدين والورع.

ويحك إن الناس لم يرضوا من أبي حنيفة إذ أفتى بخلاف روايات رويت عن النبي ﷺ في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا [271] وفي الوضوء من لحوم الإبل [272] وإشعار البدن [273] وفي إسهام الفارس والراجل [274] وفي لبس المحرم الخفين إذا لم يجد النعلين [275] وما أشبهها من الأحاديث، حتى نسبوا أبا حنيفة فيها إلى رد حديث رسول الله ﷺ وناقضوه فيها ووضعوا عليه فيها الكتب. فكيف بمن ناصب الله في صفاته التي ينطق بنصها كتابه فينقضها على الله صفة بعد صفة وشيئا بعد شيء بعمايات من الحجج وخرافات من الكلام خلاف ما عنى الله، ولم يأت بشيء منها الروايات ولم يوجد شيء منها عن العلماء الثقات، بل كلها ضحك وخرافات. فإن كان أبو حنيفة استحق بما أفتى من خلاف تلك الروايات أن ينسب إلى رد حديث رسول الله ﷺ، استحققتم أنتم أن تنسبوا إلى رد ما أنزل الله. بل أنتم أولى بالرد من أبي حنيفة لأن أبا حنيفة قد وافقه على بعض فتياه بعض الفقهاء ولم يتابعكم على مذاهبكم إلا السفهاء وأهل البدع والأهواء ومن لا يعرف له إلها في السماء. فشتان ما بينكم وبين أبي حنيفة فيما أفتى. لأنه ليس من كفر كمن أخطأ، ولا هما في الإثم والعار سواء.

ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات. غير أنا نقول: لا يحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب. وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب؛ لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج. وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بيّن أنه أريد بها الخصوص. لأن الله تعالى قال: {بلسان عربي مبين} فأثبته عند العلماء أعمّه وأشده استفاضة عند العرب. فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهو يريد أن يتبع فيها {غير سبيل المؤمنين}. فمراد جهم بقوله لا يوصف الله بضمير، يقول: لا يوصف الله بسابق علم في نفسه؛ والله مكذبه بذلك ثم رسوله إذ يقول: «سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إلى ذلك».

209

حدثناه نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن أبي حازم عن العلاء بن عبد الرحمن الحرقي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ. [276]

210

وحدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جف القلم على علم الله». [277]

211

وحدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أنبأ رباح بن يزيد عن عمرو بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء يكون» [278]

فهل جرى القلم إلا بسابق علم الله في نفسه قبل حدوث الخلق وأعمالهم والله ما جرى القلم بما يجري حتى أجراه الله تعالى بعلمه وعلمه ما يكتب مما يكون قبل أن يكون.

وقال رسول الله ﷺ: «كتب الله مقادير أهل السموات والأرض قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة». فهل كتب ذلك إلا بما علم فما موضع كتابه هذا إن لم يكن علمه في دعواهم.

212

حدثناه عبد الله بن صالح المصري حدثني الليث عن أبي هانئ حميد بن هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [279]

والأحاديث عن رسول الله ﷺ في الإيمان بسابق علم الله تعالى كثير يطول إن ذكرناها وفيما ذكرنا من ذلك ما يبطل دعوى جهم في أغلوطته التي توهم على الله في الضمير.

ثم عارض المعارض أيضا أشياء من صفات الله تعالى التي هي مذكورة في كتاب الله ونازع في الآيات التي ذكرت فيها ليغالط الناس في تفسيرها. فذكر منها الحب والبغض والغضب والرضى والفرح والكره والعجب والسخط والإرادة والمشيئة ليدخل عليها من الأغلوطات ما أدخل على غيرها مما حكيناه عنه، غير أنه قد أمسك عن الكلام فيها بعدما خلطها بتلك، فحين أمسك المعارض عن الكلام فيها أمسكنا عن جوابه وروينا ما روى فيها عن رسول الله ﷺ مما لا يحتمل أغلوطاته. فإلى الله نشكو قوما هذا رأيهم في خالقنا ومذهبهم في إلهنا. مع أنه عز وجهه وجل ذكره قد حققها في محكم كتابه قبل أن ينفيها عنه المبطلون وكذبهم في دعواهم قبل أن يدعوه وعابهم به قبل أن يحكوه، ثم رسوله المجتبى وصفيه المصطفى. فاستغنينا فيه بما ذكر الله في كتابه منها وسطر وسن رسوله المصطفى وأخبر، وردد من ذكرها وكرر، فمن يكترث لضلالتهم بعد قول الله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} أم قوله {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} فجمع بين الحبين حب الخالق وحب المخلوق متقارنين. ثم فرق بين ما يحب وما لا يحب ليعلم خلقه أنهما متضادان غير متفقين فقال: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول} و {إنه لا يحب المسرفين} وقال تعالى: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} ثم فرق بين سخطه وإسخاط العباد إياه فقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} وقال: {وغضب الله عليهم ولعنهم} ثم ذكر إغضاب الخلق إياه فقال تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم» يقول أغضبونا، فذكر أنه يَغضب ويُغضَب. وقال تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} فهذا الناطق من كتاب الله يستغنى فيه بظاهر التنزيل عن التفسير وتعرفه العامة والخاصة غير هؤلاء الملحدين في آيات الله الذين غالطوا فيها الضعفاء فقالوا نقر بها كلها لأنها مذكورة في القرآن لا يمكن دفعها غير أنا لا نقول يحب ويرضى ويغضب ويسخط ويكره في نفسه ولا هذه الصفات من ذاته على اختلاف معانيها، ولكن تفسير حبه ورضاه بزعمهم ما يصيب الناس من العافية والسلامة والخصب والدعة، وغضبه وسخطه بزعمهم ما يقعون فيه من البلاء والهلكة والضيق والشدة؛ فإنما آية غضبه ورضاه وسخطه عندهم ما يتقلب فيه الناس من هذه الحالات وما أشبهها لا أن الله يحب ويبغض ويرضى ويسخط حالا بعد حال في نفسه.

فيقال لهؤلاء الملحدين في آيات الله تعالى المكذبين بصفات الله: ما رأينا دعوى أبطل ولا أبعد من صحيح لغات العرب والعجم من دعواكم هذه، ففي دعواكم إذا كان أولياء الله المؤمنون من رسله وأنبيائه وسائر أوليائه في ضيق وشدة وعوز من المأكل والمشرب وفي خوف وبلاء كانوا في دعواكم في سخط من الله وغضب وعقاب، وإذا كان الكافر في خصب ودعة وأمن وعافية واتسعت عليه دنياه من مأكل الحرام وشرب الخمور كانوا في رضى من الله وفي محبة! ما رأينا تأويلا أبعد من الحق من تأويلكم هذا.

وبلغنا أن بعض أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها مثل سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب وابن عون عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ وما أشبهها.

قال: فقال المريسي: لا تردوه فتفتضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل فتكونوا قد رددتموها بلطف إذ لم يمكنكم ردها بعنف، كما فعل هذا المعارض سواء.

وسنقص عليه بعض ما روي في بعض هذه الأبواب من الحب والبغض والسخط والكراهية وما أشبهه.

213

حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا همام عن قتادة عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» [280]

فذكر رسول الله ﷺ الكراهيتين معا من الخالق والمخلوق.

214

وحدثنا مسدد حدثنا يحيى وهو القطان عن زكريا بن أبي زائدة حدثني عامر الشعبي حدثني شريح بن هانئ قال حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه والموت قبل لقاء الله». [281]

215

وحدثنا عمرو بن عون الواسطي أخبرنا خالد وهو ابن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أحب الله عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال إني أبغض فلانا فأبغضوه فيبغضه أهل السماء ويوضع له البغضاء في الأرض». [282]

216

وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان قال: ما أحب الله عبدا فأبغضه وما أبغض عبدا فأحبه وإن الرجل ليعبد الأوثان وهو عبد الله. [283]

217

حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». [284]

218

حدثنا زكريا بن نافع الرملي عن نافع بن عمر الجمحي عن بشر ابن عاصم الثقفي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقر بألسنتها». [285]

219

وحدثنا علي بن المديني حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم». [286]

220

حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن الحارث عن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله أي الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربك». [287]

221

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد وهو ابن سلمة أخبرنا عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عجب ربنا من رجلين رجل قام عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته ورجل غزا في سبيل الله فانهزم فعلم ما عليه في الفرار وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه». [288]

222

حدثنا سلام بن سليمان المدائني حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «عجب ربنا من قوم جيء بهم في السلاسل حتى يدخلهم الجنة». [289]

223

حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني أبو إسحاق عن علي بن ربيعة أنه كان ردف علي فقال علي رضي الله عنه: كنت ردف النبي ﷺ فقال: «يعجب الرب -أو ربنا- إذا قال العبد سبحانك لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». [290]

224

وحدثنا الطيالسي أبو الوليد حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط حدثني إياد عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها طعامه وشرابه فطلبها حتى شق عليه فمرت بجذل شجرة فتعلق زمامها به فوجدها متعلقة به» قال: قلنا شديد يا رسول الله، قال: «والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من الرجل براحلته». [291]

225

حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يسقط على بعيره قد أضله في أرض فلاة». [292]

226

وحدثني يحيى الحماني حدثنا شريك عن سماك عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «للرب تبارك وتعالى أفرح بتوبة أحدكم من رجل كان في فلاة من الأرض ومعه راحلته عليها زاده وماله فتوسد راحلته فغلبته عينه فنام ثم قام والراحلة قد ذهبت فصعد شرفا فلم ير شيئا ثم هبط فنظر فلم ير شيئا ثم قال لأعودن إلى المكان الذي نمت فيه حتى أموت قال فعاد فغلبته عينه فنام فاستيقظ والراحلة قائمة على رأسه» فقال النبي ﷺ: «لله أفرح بتوبة أحدكم من صاحب الراحلة بها حين وجدها». [293]

227

وحدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث بن سعد حدثني سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن أبي عبيدة عن سعيد بن يسار أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته». [294]

228

وحدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث قال حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو أنه قال إن رسول الله ﷺ قال: «إن نوحا النبي عليه الصلاة والسلام قال لابنه: اثنتان أوصيك بهما فإني رأيت الله يستبشر بهما وصالح خلقه ورأيتهما يكثران الولوج على الله سبحان الله وبحمده وقول لا إله إلا الله وأما اللتان أنهاك عنهما فإني رأيت الله يكرههما وصالح خلقه الكبر والشرك» فقلت: يا رسول الله أمن الكبر أن ألبس الحلة الحسنة؟ قال: «لا إن الله جميل يحب الجمال» [295]

وفي هذه الأبواب روايات كثيرة أكثر مما ذكرنا، لم نأت بها مخافة التطويل وفيما ذكرنا منها دلالة ظاهرة على ما دلس هذا المعارض عن زعمائه الذين كنى عنهم من الكلام المموه المغطى، وهو يرى أنه يستخفي على من لا يفطن لمعناه ولا يدري. ونحن نكتفي منه باليسير الأدنى حتى تقع على الفرحة الكبرى. فلم يزل هذا المعارض يلجلج بأمر القرآن في صدره حتى كشف عن رأسه الغطاء وطرح جلباب الحياء، فصرح وأفصح بأنه مخلوق وأن من قال غير مخلوق كافر في دعواه. فلم يترك لمتأول عليه موضع تأويل ولا لمستنبط عليه موضع استنباط، لأنه إن كان الذي يزعم أنه غير مخلوق كافرا عنده فالذي يزعم أنه مخلوق مؤمن موفق راشد تابع للحق. فحين يكشف عنه للناس إرادته وشهد عليه بها عبارته سقط في يده وكسر في درعه، فادعى أنه قصد بالإكفار إلى من يتوهم أن كلام الله ذلك بفم ولسان دون من سواهم، [فقال:] يسألون عن الكلام فإن ادعوا فما ولسانا فهو كفر لا شك فيه، وإن أمسكوا عن الجواب فيه كانوا بإمساكهم أن يدعوا فما ولسانا جهل لا يعذرون به.

فيقال لهذا المعارض المحتج بالمحال من الضلال: تفلتت منك الكلمة بلا تفسير ولا بحضرة من تدعي عليه فما ولسانا، أوَتقدر أن تشير إلى أحد من خلق الله أنه يتوهم ذلك؟ فتعلقك بهذا التفسير اليوم منك مواربة واعتذار منك إلى الجهال كيلا يفطنوا لمرادك منها. ولئن كان أهل الجهل في غلط من مرادك إنا منه لعلى يقين. ولئن جاز لك هذا التأويل إذًا يجوز لكل زنديق وجهمي أن يقول من زعم أن القرآن كلام الله فهو كافر، فإذا وبخ ووقف على دعواه قال إنما قصدت بالكفر قصد من يدعي به فما ولسانا، وهو لا يقدر أن يشير إلى أحد من ولد آدم أنه قاله. فلم ينل المعارض عند الناس باعتذاره عذرا، بل حقق بما فسر وأكد من ذلك أنه كلام المخلوق، لأنه قال يُسأل من قال كلام الله غير مخلوق فإن ادعوا فما ولسانا لقد كفروا، وإن أمسكوا عن الجواب فقد جهلوا ولم يعذروا لما أن الكلام كله في دعواه لا يحتمل معنى إلا بفم ولسان وخروج من جوف، ومن لم يفقه ذلك فهو عند المعارض جاهل. فإن كان كما ادعى فقد حقق أنه كلام البشر لم يخرج بزعمه إلا من الأجواف والألسن والأفواه المخلوقة؛ تعالى الله عن هذا الوصف وتكبر لأنه كلام الملك الأكبر نزل به الروح الأمين علي خير البشر صلوات الله وسلامه عليهما عدد من مضى وغبر، وعدد التراب والرمل وأوراق الشجر.

ثم قفى المعارض بكتاب آخر كالمعتذر لما سلف منه، مصدقا لبعض ما سبق من ضلالاته مكذبا لبعض، يريد أن ينال عند الرعاع لنفسه في زلاته وسقطاته عذرا فلم ينل به عذرا بل أقام على نفسه حجة بعد حجة، وكانت حجته التي احتج بها في كتابه أعظم من جرمه. وكذا الباطل ما ازداد المرء له احتجاجا إلا ازداد اعوجاجا، ولما خفي من ضمائره إخراجا.

فادعى أن من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال غير مخلوق فهو يعني أنه الله فهو كافر، ومن قال هو غير الله فهو مصيب، ثم إن قال بعد إصابته إنه غير مخلوق فهو جاهل في قوله إنه غير مخلوق، وإن قال إنه خرج من جسم فهو كافر، وإن قال إنه جزء منه فهو كافر. قال: والكلام غير المتكلم والقول غير القائل والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منهما له معنى.

فيقال لهذا المعارض: ما أثبت بكلامك هذا الأخير عذرا ولا أحدثت من ضلالتك به توبة، بل حققت وأكدت أنه مخلوق بتمويه وتدليس وتخليط منك وتلبيس. وإن كنت قد موّهت على من لا يعقل بعض التمويه، فسنرده من ذلك إن شاء الله إلى تنبيه.

وأما قولك الكلام غير المتكلم والقول غير القائل، فإنه لا يشك عربي ولا عجمي أن القول والكلام من المتكلم والقائل يخرج من ذواتهم سواه.

وأما قولك من زعم أن القرآن غير الله فقد أصاب، فهذا منك تأكيد وتحقيق بأنه مخلوق لأن كل شيء غير الله في دعواك ودعوانا مخلوق.

ثم أكدت أيضا فقلت: من قال غير مخلوق فقد جهل، وقلت مرة فقد كفر. فأي توكيد أوكد في المخلوق من هذا؟ ثم راوغت فقلت في بعض كلامك: من قال إنه مخلوق فهو مبتدع، تمويها منك وتدليسا على الجهال الذين لا يعلمون، لأنه إن كان من قال غير مخلوق عندك جاهلا كافرا كان من قال مخلوق عندك عالما مؤمنا. فقولك مبتدع لا ينقاس لك في مذهبك، غير أنك تريد أن ترضي به من حولك من الأغمار.

وأما قول من زعم أنه خرج من جسم فهو كافر، فليس يقال كذلك ولا أراك سمعت أحدا يتفوه به كما ادعيت، غير أنا لا نشك أنه خرج من الله تبارك وتعالى دون من سواه؛ وذكر الجسم والفم واللسان خرافات وفضول مرفوعة عنا لم نكلفه في ديننا. ولا يشك أحد أن الكلام يخرج من المتكلم.

وأما قولك إنه جزء منه، فهذا أيضا من تلك الفضول وما رأينا أحدا بصفه بالأجزاء والأعضاء، جلّ عن هذا الوصف وتعالى. والكلام صفة المتكلم لا يشبه الصفات من الوجه واليد والسمع والبصر، ولا يشبه الكلام من الخالق والمخلوق سائر الصفات. وقد فسرنا لك في صدر هذا الكتاب تفسيرا فيه شفاء إن شاء الله.

وأما قولك: إن قالوا القرآن هو الله فهو كفر، فإنا لا نقول هو الله كما ادعيت فيستحيل، ولا نقول هو غير الله فيلزمنا أن نقول كل شيء غير الله مخلوق كما لزمك، ولكنه كلام الله وصفة من صفاته خرج منه كما شاء أن يخرج؛ والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق، وهو بكماله على عرشه.

وأما قولك في القراءة والقارئ والمقروء إن لكل شيء منه معنى على حدة فهذا أمر مذاهب اللفظية، لا ندري من أين وقعت عليه وكيف تقلدته؛ فمرة أنت جهمي ومرة واقفي ومرة لفظي. ولولا أن يطول الكتاب لبينا لك وجوه القارئ والقراءة والمقروء، غير أني قد طولت وأكثرت ومع ذلك اختصرت وتخطيت خرافات لم يستقم لكثير منها جواب. غير أنا ما فسرنا منه يدل على ما لم نفسر والله الموفق لصواب ما نأتي وما نذر.

واعلموا أني لم أر كتابا أجمع لحجج الجهمية من هذا الكتاب الذي نسب إلى هذا المعارض ولا أنقض لعرى الإسلام منه. ولو وسعني لافتديت من الجواب فيه بمحال ولكن خفت ألا يسع أحدا عنده شيء من البيان يكون ببلد ينشر فيه هذا الكلام ثم لا ينقضه على ناشره ذبا عن الله تعالى ومحاماة عن أهل الغفلة من ضعفاء الرجال والنساء والصبيان أن يضلوا به ويفتتنوا أو يشكوا في الله وفي صفاته. ولم نألكم فيه والإسلام نصحا إن قبلتم، ومن لم يقبله فلينصح نفسه وأهله وإخوانه من أهل الإسلام فليعرضه على من بقي من علماء الحجاز والعراق ومن غبَر من علماء خراسان حتى يستقر عنده نصحنا وخيانة هذا المعارض للإسلام وأهله، فإنه أحدث أشنع المحدثات وجاء بأنكر المنكرات. ولا آمن على من أحدث هذا بين ظهريهم فأغضوا له عنه ولم ينكروه عليه بجد أن يصيبهم الله بعقاب من عنده أو مسخ أو خسف أو خذف، فإن الخطب فيه أعظم مما يذهب إليه العوام لأن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أمتي مسخ وذلك في قدرية وزندقية».

229

حدثنا يحيى الحماني حدثنا ابن المبارك عن حيوة ابن شريح قال حدثني ابن صخر حميد بن زياد أن نافعا أخبره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أمتي مسخ وذلك في قدرية وزندقية». [296]

والتجهم عندنا باب كبير من الزندقة يستتاب أهله فإن تابوا وإلا قتلوا. وقد روينا باب قتلهم في صدر هذا الكتاب، حتى لقد رأى عمر بن عبد العزيز استتابة القدرية فكيف الجهمية والزنادقة.

230

حدثنا القعنبي عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل قال: كنت أساير عمر بن عبد العزيز فقال لي: ما ترى في هؤلاء القدرية؟ فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف، فقال عمر: ذلك رأيي. قال القعنبي: قال مالك: ذلك رأيي. [297]

231

وحدثنا محمد بن عثمان التنوخي عن سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن جبير أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: ما نسبة ربك؟ فأنزل الله {قل هو الله أحد} كلها. [298]

232

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو هلال الراسبي أن عبيد الله بن رواحة قال للحسن: هل تصف ربك؟ قال: نعم بغير مثال. [299]

233

حدثنا سلام بن سليمان المدائني حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس لله مثل. [300]

ونحن نقول كما قال ابن عباس: ليس لله مثل ولا شبه ولا كمثله شيء ولا كصفاته صفة. فقولنا ليس كمثله شيء أنه شيء أعظم الأشياء وخالق الأشياء وأحسن الأشياء، نور السموات والأرض. وقول الجهمية ليس كمثله شيء يعنون أنه لا شيء، لأنهم لا يثبتون في الأصل شيئا فكيف المثل، وكذلك صفاته ليس عندهم شيء. والدلالة على دعواهم هذه الخرافات والمستحالات التي يحتجون بها في إبطالها، واتخذوا قوله {ليس كمثله شيء} دلسة على الجهال ليروجوا عليهم بها الضلال، كلمة حق يبتغى بها باطل. ولئن كان السفهاء في غلط من مذاهبهم إن الفقهاء منهم على يقين.

*


آخر الكتاب والحمد لله الملك الوهاب الكريم التواب والحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

فرغ من نسخه يوم السبت سلخ جمادى الآخر سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بالمدرسة الضيائية رحم الله واقفها بسفح قاسيون ظاهر دمشق المحروسة.

هامش

  1. رواه الدارمي في رده على الجهمية، ورواه أبو داود في مسائله لأحمد وابن أحمد في السنة والبخاري في خلق أفعال العباد والآجري في الشريعة وابن عبد البر في التمهيد، وصححه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية.
  2. أخرج عبد الله بن أحمد في السنة: كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.
  3. متفق عليه
  4. متفق عليه
  5. رواه ابن جرير في تفسيره من طريق أبي بكر الهذلي عن عاتكة عن فاطمة ابنة علي رضي الله عنه. وفيه أبو بكر الهذلي ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي في المراسيل: فاطمة بنت علي لم تسمع من علي شيئا.
  6. ضعيف الترمذي 3507
  7. الضعيفة 1579
  8. في صحيح أبي داود 4738: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا»
  9. قال الذهبي في الميزان: حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه.
  10. متفق عليه
  11. في الصحيحين: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»
  12. متفق عليه
  13. في التوحيد لابن خزيمة بلفظ: «إذا مضى شطر الليل، أو قال ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ حتى ينفجر الصبح»
  14. رواه البيهقي في الأسماء والصفات ح908 وعبد الله بن أحمد في السنة ح216
  15. صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح537
  16. ضعيف الترمذي ح3483
  17. صحيح مسلم كتاب الإمارة ح1827
  18. بنحوه في صحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار ح2788
  19. صحيح الترمذي ح2510، وفي صحيح ابن ماجه ح57 بلفظ: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم»
  20. بنحوه عن ابن عمر في مجمع الزوائد كتاب الإيمان ح276 وقال: رجاله ثقات.
  21. بنحوه في صحيح مسلم كتاب القدر ح2652
  22. صحيح مسلم كتاب التوبة ح2759
  23. صحيح الترمذي 3241
  24. صحيح الترمذي 3643، وبنحوه في الصحيحين.
  25. قال الدارقطني في علله: الموقوف أصح.
  26. رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد والآجري في الشريعة والحاكم في المستدرك ح3244 وعنه البيهقي في الأسماء والصفات. وأخرجه ابن جرير في تفسيره وأبو الشيخ في العظمة.
  27. رواه الآجري في الشريعة وعبد بن حميد كما في الدر المنثور.
  28. علي بن زيد بن جدعان ضعيف
  29. رواه البيهقي في الأسماء والصفات ح709
  30. ورواه الآجري في الشريعة
  31. صحيح مسلم كتاب الزكاة ح1014
  32. رواه ابن منده في التوحيد والآجري في الشريعة والبيهقي في الأسماء والصفات ح716
  33. قال في مجمع الزوائد كتاب أهل الجنة ح18709: رواه الطبراني في الأوسط والكبير.. ورجاله ثقات.
  34. قال ابن حجر عن حديث "الركن يمين الله في الأرض" في المطالب العالية: "موقوف صحيح".
  35. صحيح ابن ماجه ح166
  36. في نسخة زيادة: "ولا يجوز الكلام في آيات الصفات وأحاديث الإثبات لها ونفي المثلية عنها والإيمان بها إلا بما يعرف من اللغة العربية على سياق الكلام وملازمته، والله أعلم. "
  37. حديث الشفاعة في الصحيحين. ينظر صحيح مسلم كتاب الإيمان ح193
  38. قال أبو داود في مسائله لأحمد: "حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: سمعت أبا النضر هاشم بن القاسم يقول: كان أبو بشر المريسي يهودي قصارا أو صباغا في سويقة النضر بن مالك".
  39. رواه البخاري تعليقا والنسائي وابن ماجه والبيهقي في السنن الكبرى وفي الأسماء والصفات وفي الاعتقاد والطبري في التفسير. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
  40. وهو في الرد على الجهمية والعلو للذهبي والتفسير لابن أبي حاتم والأسماء والصفات للبيهقي.
  41. رواه أبو داود في سننه وقال: "هذا رد على الجهمية" وابن خزيمة في التوحيد وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الأسماء والصفات والحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بحرملة بن عمران وأبي يونس" ووافقه الذهبي، وقال اللالكائي: "هو إسناد صحيح على شرط مسلم".
  42. متفق عليه
  43. البيهقي في الأسماء والصفات. الضعيفة 6428
  44. متفق عليه
  45. متفق عليه
  46. في صحيح أبي داود ح4320 عن عبادة بن الصامت أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: «إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن مسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور»
  47. ابن جرير في التفسير والبيهقي في الأسماء والصفات وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المندر وابن أبي حاتم.
  48. في الصحيحين بلفظ "من جر ثوبه".
  49. في صحيح مسلم كتاب اللباس والزينة ح2087 عن أبي هريرة مرفوعا: «إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطرا»
  50. قال الذهبي في العلو: إسناده لين.
  51. متفق عليه
  52. رواه الحاكم وابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير. قال ابن كثير: "مداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف في سياقاته غالبا وفيها نكارة شديدة".
  53. قال ابن حجر في المطالب العالية: موقوف، إسناده حسن.
  54. صحيح مسلم كتاب الإيمان ح178
  55. صحيح مسلم
  56. متفق عليه
  57. بهذا الإسناد في صحيح مسلم كتاب صفة القيامة ح2786
  58. رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده وابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة وابن أبي شيبة في المصنف وابن راهويه في مسنده والطبراني في الأوسط
  59. صحيح مسلم كتاب القدر ح2654
  60. صحيح ابن ماجه 166
  61. ابن أبي عاصم في السنة والطبراني في الأوسط
  62. ينظر صحيح ابن ماجه ح3107
  63. بنحوه في التوحيد لابن خزيمة
  64. متفق عليه
  65. وفي نسخة: "يقوله من جودة إسناده"
  66. في سنن الدارمي كتاب الرقاق ح2683: «إذا جمع الله العباد في صعيد واحد نادى مناد ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون فيلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ويبقى الناس على حالهم فيأتيهم فيقول ما بال الناس ذهبوا وأنتم ها هنا فيقولون ننتظر إلهنا فيقول هل تعرفونه فيقولون إذا تعرف إلينا عرفناه»
  67. متفق عليه
  68. جاء في نسخة ما نصه: "الجزء الثاني من نقض أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي على الضال المضل بشر المريسي الجبار العنيد. بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن. أخبرنا الشيخ أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الأحنف، أخبرنا إسحاق بن أبي إسحاق القراب الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل بن محمد بن الحسين المزكى، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الصرام، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي قال"
  69. رواه ابن خزيمة في التوحيد والطبراني في الكبير والدراقطني في الصفات والحاكم في المستدرك وابن منده في الرد على الجهمية والبيهقي في الأسماء والصفات. قال الذهبي في العلو: رواته ثقات. وقال ابن كثير في البداية: محفوظ والصواب موقوف.
  70. صحيح أبي داود
  71. متفق عليه
  72. أحمد في مسنده وابن أبي عاصم في السنة وأبو يعلى في مسنده وابن خزيمة في التوحيد والدارقطني في الصفات
  73. متفق عليه
  74. رواه ابن منده في الرد على الجهمية. وهو مرسل.
  75. في العلو للذهبي بعدما نقل ما نسب إلى ابن عباس أنه قال: "كرسيه علمه"، قال: "فهذا جاء من طريق الأحمر، لين. وقال الأنباري: إنما يروى هذا بإسناد مطعون فيه"
  76. قال الذهبي في العلو: رواته ثقات
  77. متفق عليه
  78. ابن خزيمة في التوحيد
  79. ابن أبي عاصم في السنة والبيهقي في الكبرى
  80. قال الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب أهل الجنة ح18771: "رواه البزار والطبراني في الأوسط بنحوه وأبو يعلى باختصار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وقد وثقه غير واحد وضعفه غيرهم، وإسناد البزار فيه خلاف". وقال ناصر الدين في صحيح الترغيب 3761: "حسن لغيره".
  81. ورواه المصنف في الرد على الجهمية وابن خزيمة في التوحيد والبيهقي في الأسماء، وذكره الهيثمي في المجمع والذهبي في العلو.
  82. الضعيفة 4978 و 6329
  83. في ضعيف أبي داود 4726: «إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته» وفي صحيح البخاري: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» وفي مختصر العلو 48: قال ابن مسعود: «العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم». قال مختصره: إسناده صحيح.
  84. قال منصور السماري: قوله: "أعلى الخلق" المراد من الخلق: السموات والأرض وما بينهما، وأن العرش حقيقته وماهيته أنه منها، وأنه أعلاها، ولم يرد صفته، فليتنبه.
  85. صحيح مسلم بنحوه
  86. في صحيح مسلم كتاب المساجد: فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
  87. قال عنه الذهبي في السير: "متروك الحديث"
  88. قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب 987: "راوي التفسير ضعيف جدا"
  89. البقباق: كثير الكلام، والنفاج: المتكبر المنتفخ.
  90. صحيح البخاري 7418
  91. قال الهيثمي في مجمع الزوائد 11794: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار وفيه سالم بن سالم وهو ضعيف وفي إسناد الكبير جعفر بن الزبير وهو ضعيف"
  92. رواه ابن جرير في تفسيره وفي تاريخه والآجري في الشريعة ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش.
  93. رواه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن جرير في تاريخه
  94. رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش وابن جرير في التاريخ وفي التفسير وابن أبي عاصم في السنة وأبو الشيخ في العظمة والحاكم في المستدرك والبيهقي في الأسماء والصفات وعبد الرزاق في تفسيره.
  95. ضعيف أبي داود 4726
  96. رواه ابن خزيمة في التوحيد والطبراني في الكبير وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عبد البر في التمهيد واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، وذكره الذهبي في العلو وقال: إسناده صحيح. وقال الذهبي في العرش 105: رواه اللالكائي والبيهقي بإسناد صحيح عنه، ورواه أيضا أبو بكر بن المنذر وعبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو القاسم الطبراني وأبو عمر بن عبد البر وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم وأبو أحمد العسال.
  97. ضعيف أبي داود 4723
  98. قال الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الإيمان ح282: "رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو عبد السلام قال أبو حاتم: مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وعبد الله بن مكرز أو عبيد الله على الشك لم أر من ذكره. "
  99. علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
  100. رواه أبو يعلى في مسنده
  101. فيه مجهول وابن لهيعة وأبو صالح المصري كاتب الليث.
  102. الضعيفة 1216
  103. صحيح مسلم 537
  104. هذا من دعوى المعارض، ولا يعرف له مصدر.
  105. أخرجه أبو نعيم في الحلية، وهو مقطوع.
  106. في صحيح مسلم: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». وفي مجمع الزوائد كتاب العلم ح782: «فإنه شافع مشفع وماحل مصدق» قال الهثيمي: "رواه الطبراني في الكبير.. وله إسنادان في أحدهما عبد الله بن أبي حميد وقد أجمعوا على ضعفه وفي الآخر عمران القطان ذكره ابن حبان في الثقات وضعفه الباقون"
  107. روى البخاري في خلق أفعال العباد: «يمثل القرآن يوم القيامة رجلا فيشفع لصاحبه». ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه والبزار في مسنده مطولا.
  108. بمعناه في مسند أحمد. ينظر مجمع الزوائد ح4266 وصحيح الترغيب 3558
  109. قال الذهبي في العلو: رواته ثقات. وفي صحيح الترغيب 2255 أنه صحيح لغيره.
  110. في صحيح أبي داود 4941: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء»
  111. ضعيف أبي داود 3892
  112. قال في مختصر العلو: إسناده صحيح
  113. ورواه الخرائطي في فضيلة الشكر، وذكره الذهبي في العلو.
  114. ضعيف أبي داود 4726
  115. رواه المصنف في الرد على الجهمية، والبخاري في التاريخ الكبير 623 من طريق محمد بن فضيل به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب علامات النبوة ح14276: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر وهو ثقة. "
  116. رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك 6726 وأبو نعيم في الحلية 2/ 45، وأصله في صحيح البخاري. قال ناصر الدين في مختصر العلو: سنده صحيح على شرط مسلم. وقال أحمد شاكر في مسند أحمد 4/ 169: إسناده صحيح.
  117. مسند أحمد
  118. ورواه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد لأبيه ح1582 عن قتادة.
  119. في صحيح مسلم ح1066: "أن الحرورية لما خرجت، وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. "
  120. تنظر البدع لابن وضاح القرطبي.
  121. رواه البخاري في خلق أفعال العباد وعبد الله بن أحمد في السنة وأبو داود في مسائله لأحمد وأبو حاتم الرازي كما في العلو للذهبي والآجري في الشريعة.
  122. ابن حنبل من شيوخ الدارمي. وبنحوه في مسائل أبي داود لأحمد.
  123. في طبعة: "المفتون"
  124. في نسخة: "مخدج"
  125. لم تعجم في الأصل
  126. روى ابن أبي حاتم، كما في منهاج السنة لابن تيمية: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا الصهيبي ابن عم علي بن عاصم وعلي بن صالح عن عمران بن حدير عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة فسمع رجلا يقول: يا رب القرآن ارحمه، فقال ابن عباس: مه، القرآن منه، القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. ورواه ابن رجب في التخويف في النار.
  127. أي أخفاه مكتنزا إياه.
  128. في الأصل: يعيب عن هذا القول
  129. وكذا في الرد على الجهمية للمصنف. لكن معبد هو ابن راشد، والحديث مروي عن معبد عن معاوية، بدون "قال علي"، كما في خلق أفعال العباد للبخاري. ورواه ابن أبي حاتم كما في منهاج السنة لابن تيمية، وعبد الله بن أحمد في السنة وابن جرير في صريح السنة وأبو داود في مسائله لأحمد.
  130. ورواه حرب الكرماني عن إسحاق به، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات. وينظر خلق أفعال العباد ح1.
  131. تقدم، وهو بالهامش في طبعة. وفي الرد على الجهمية للدارمي للمصنف: "وحدثنا محمد بن منصور قال: حدثني علي بن المضاء قال: سمعت بقية بن الوليد يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. "
  132. كذا في الرد على الجهمية للمصنف. والصحيح أنه القاسم بن يزيد الجرمي حيث نقل عنه هذا القول الذهبي في السير.
  133. ينظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، ص58
  134. ورواه البزار في مسنده. وأصل القصة في صحيح البخاري.
  135. ورواه البخاري في خلق أفعال العباد.
  136. رواه مالك في الموطأ والشافعي في الأم مرسلا. وهو في صحيح البخاري موصولا عن ابن عباس بلفظ: «من بدل دينه فاقتلوه»
  137. موطأ مالك كتاب الأقضية
  138. ورواه أبو داود في مسائله لأحمد وعبد الله بن أحمد في السنة ويعقوب بن سفيان البسوي واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد.
  139. في نسخة: "قوله"
  140. أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات.
  141. بنحوه في صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير
  142. رواه ابن سعد في الطبقات.
  143. في الأصل هنا: "آخر الجزء الثاني وأول الجزء الثالث".
  144. بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر برحمتك يا كريم. أخبرنا الشيخ أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الأحنف قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسحاق القراب الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أبي الفضل بن محمد بن الحسين المزكى قال: أخبرنا أبو عبد الله بن إبراهيم الصرام رحمه الله قال: أخبرنا أبو سعيد الدارمي فيما أذن لي أن أرويه عنه قال:
  145. في نسخة زيادة: "أنه قال"
  146. قال الشافعي في الرسالة باب العلل في الحديث: "قال: أفتجد حجة على من روى أن النبي قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وفقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله». فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر فيقال لها: قد ثبتم حديث من روى هذا في شيء. وهذه أيضا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء. " ونقل الفتني والعجلوني كما في كشف الخفا عن الصغاني أنه موضوع. وبين بطلانه ابن حزم في الإحكام وابن بطة في الإبانة وذكر عن الأئمة أنه من وضع الزنادقة. قال الخطابي في معالم السنن ج4 ح1637: "وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب وأنه مهما ثبت عن رسول الله ﷺ كان حجه بنفسه. وأما ما رواه بعضهم أنه قال إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإن خالفه فدعوه، فإنه حديث باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي عن يحيى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة. قلتُ: وقد روى هذا من حديث الشاميين عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان، ويزيد بن ربيعة هذا مجهول ولا يعرف له سماع من أبي الأشعث، وأبو الأشعث لا يروي عن ثوبان وإنما يروي عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان. " وقال المعلمي في الأنوار الكاشفة: حكم الأئمة بأنه موضوع.
  147. تنظر الضعيفة 1088 و 5439
  148. متفق عليه
  149. صحيح البخاري 113
  150. رواه أحمد في مسنده والخطيب البغدادي في تقييد العلم
  151. نحوه في صحيح أبي داود 1567. وينظر صحيح البخاري كتاب الزكاة ح1454
  152. صحيح أبي داود 1570
  153. قال في ضعيف النسائي 4868: ضعيف وأكثر فقراته لها شواهد.
  154. متفق عليه
  155. صحيح ابن ماجه
  156. ضعيف الترمذي
  157. الصحيحة 2340
  158. أخرج الحاكم في مستدركه ح3327 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي عمر: يا عدو الله وعدو الإسلام خنت مال الله؟ قال: قلت: لست عدو الله ولا عدو الإسلام ولكني عدو من عاداهما، ولم أخن مال الله ولكنها أثمان إبلي وسهام اجتمعت. قال: فأعادها علي وأعدت عليه هذا الكلام، قال فغرمني اثني عشر ألفا قال: فقمت في صلاة الغداة فقلت: اللهم اغفر لأمير المؤمنين، فلما كان بعد ذلك أرادني على العمل فأبيت عليه فقال: ولم وقد سأل يوسف العمل وكان خيرا منك؟ فقلت: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف ثلاثا واثنتين قال: أوَلا تقول خمسا؟ قلت: لا، قال: فما هن؟ قلت: أخاف أن أقول بغير علم وأن أفتي علم وأن يضرب ظهري وأن يشتم عرضي وأن يؤخذ مالي بالضرب. قال الحاكم: هذا حديث صحيح بإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
  159. بنحوه في مستدرك الحاكم 6172. قال الذهبي: على شرط مسلم.
  160. روى الحاكم في مستدركه ح6165 عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجيء به، ولكنه اجترأ وجبنّا.
  161. صحيح الترمذي 3836، وصححه الحاكم ح6167 ووافقه الذهبي.
  162. صحيح البخاري كتاب العلم ح6570
  163. أبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح. ذكر ابن حجر في التقريب أن النسائي قال عنه: ليس بثقة.
  164. في صحيح مسلم كتاب الزكاة ح1037: "سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل"
  165. قال محمد عجاج الخطيب في السنة قبل التدوين ص351 هامش4: "وقد ذكر محمود أبو رية صاحب كتاب أضواء على السنة المحمدية أن عبد الله بن عمرو "كان أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويهما للناس عن النبي ﷺ، فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، وكان يقال له: لا تحدثنا عن الزاملتين. ص166 ج1 فتح الباري". انتهى ما نقلناه عن أضواء على السنة المحمدية. قال: "ومن العجيب أن يسمع إنسان مثل هذا الخبر ويصدقه، لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أصدق الناس لسانا وأنقى الأمة قلوبا وأخلص البرية للرسول ﷺ، فلا يعقل أن يكذب أمثال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما على رسول الله ﷺ فيعزو إليه ما سمعه من أهل الكتاب. فهرعت إلى فتح الباري وإذا به -شهد الله- خاليا من عبارة أبي رية، فليس في قول ابن حجر "عن النبي" إنما زادها الكاتب من عنده. فهل تكذيب الصحابة والافتراء عليهم والانتحال على أمثال ابن حجر وغيره من الأمانة العلمية؟!"
  166. صحيح ابن ماجه 184
  167. صحيح النسائي 158
  168. صحيح الجامع 3753
  169. صحيح ابن ماجه 189 بلفظ: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»
  170. مقدمة صحيح مسلم وسنن الدارمي المقدمة ح425
  171. ذكر السماري أن هذا الخبر باطل فهو من رواية أبي خلف عبد الله بن عيسى الخزّاز عن يحيى البكاء. قال أبو زرعة الرازي عن أبي خلف: "منكر الحديث" وقال النسائي: "ليس بثقة"، أما يحيى البكاء فقال فيه ابن حنبل وأبو داود والنسائي: "ليس بثقة".
  172. قال السيوطي في تدريب الراوي: "وأما أوهى أسانيد ابن عباس مطلقا، فالسدي الصغير محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عنه، قال شيخ الإسلام: هذه سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب".
  173. في الأصل: لم تطلق امرأته.
  174. قال في الصحيحة 820: من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق ﷺ.
  175. قال السماري: "بعد البحث لم أقف على ما ادعاه هذا المعارض من قوله: وقال بعضهم من شعر.. ولعلها من وضعه وكذبه. "
  176. رواه أبو نعيم في الحلية. ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم بلفظ: "ليس طلب الحديث من عدة الموت، ولكنه علة يتشاغل بها الرجل". قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة سفيان: "قلت: صدق والله، إن طلب الحديث شيء غير الحديث، فطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث وكثير منها مراق إلى العلم وأكثرها أمور يشغف بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة وتطلب العالي وتكثير الشيوخ والفرح بالألقاب والثناء وتمني العمر الطويل ليروي وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية لا الأعمال الربانية"
  177. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في جامع بيان العلم والخطيب في شرف أصحاب الحديث. وفي مسائل ابن هانئ لأحمد بن حنبل: وسئل عن قول شعبة.. فقال: لعل شعبة كان يصوم فإذا طلب الحديث وسعى فيه يضعف فلا يصوم، أو يريد شيئا من الأعمال أعمال البر فلا يقدر أن يفعله للطلب، فهذا معناه.
  178. لا يعرف له مصدر. بل في شرف أصحاب الحديث ح226: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: «غفر لي برحلتي في الحديث» وكذلك في سير أعلام النبلاء.
  179. صحيح مسلم
  180. متفق عليه
  181. في صحيح مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار 2699 بلفظ: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»
  182. أبو نعيم في الحلية بنحوه
  183. رواه الدارمي في سننه 576 وأبو نعيم في الحلية
  184. ابن عبد البر في العلم
  185. أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في العلم
  186. أبو نعيم في الحلية والخطيب في شرف أصحاب الحديث
  187. أبو نعيم في الحلية بنحوه وزاد: "إنما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم من خاف الله". وفي تذكرة الحفاظ: قال الشعبي: "إنا لسنا بالفقهاء، ولكنا سمعنا الحديث فرويناه، الفقهاء من إذا علم عمل. "
  188. رواه أحمد في الزهد والدارمي في سننه وأبو نعيم في الحلية
  189. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ح14463.
  190. قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير: موضوع باطل. وابن عساكر في تاريخ دمشق: موضوع. وابن الجوزي في الموضوعات: لا يشك في وضعه. وابن تيمية في درء التعارض: موضوع باتفاق أهل العلم. وابن حجر في لسان الميزان: موضوع. وقال السيوطي عن أحد رواته في اللآلئ المصنوعة: "محمد بن شجاع قال الذهبي في الميزان: ابن شجاع هذا كان من أصحاب بشر المريسي، وقال ابن عدي: كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبها إلى أصحاب الحديث".
  191. رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وأبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. قال في مجمع الزوائد ح850: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
  192. في صحيح النسائي ح5412 موقوفا: «أكثروا على عبد الله ذات يوم، فقال عبد الله: إنه قد أتى علينا زمان، ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيه ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقول: إني أخاف وإنما أخاف، أنهاكم أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك»
  193. أخرج اللالكائي في شرح الاعتقاد عن ابن مسعود أنه قال: «إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر». وروى الدارمي في سننه وابن بطة في الإبانة والآجري في الشريعة وابن عبد البر في العلم واللالكائي في شرح الاعتقاد عن ابن سيرين قال: «كانوا يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر»
  194. بنحوه في سنن الدارمي المقدمة والحلية لأبي نعيم
  195. روى الدارمي في سننه ح433 عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إنه لا رأي لأحد في كتاب الله وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ.
  196. أبو نعيم في الحلية
  197. في ضعيف الترمذي 2495: "ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون"
  198. متفق عليه
  199. قال في مجمع الزوائد ح16627: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة.
  200. متفق عليه
  201. قال البخاري في خلق أفعال العباد: لا يصح لإرساله وانقطاعه. ورواه أبو داود في المراسيل. ضعيف الجامع 2042
  202. الضعيفة 390
  203. متفق عليه
  204. صحيح مسلم
  205. في نسخة زيادة: "إنما عنى رسول الله ﷺ ما قد أطلق على التي في مقابلة اليمين الشمال، ولكن تأويله وكلتا يديه يمين أي منزه عن النقص والضعف كما في أيدينا [الشمال] من النقص وعدم البطش"
  206. في نسخة زيادة: "وقد وصفت يداه بالشمال واليسار، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشمال واليسار لما أطلق رسول الله ﷺ"
  207. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وابن ماجه في سننه وابن خزيمة في صحيحه ح924 وفي التوحيد. وهو في صحيح ابن ماجه ح845 بلفظ: «إن الرجل إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء»
  208. في صحيح مسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار. قال: فيكشف الحجاب. فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل». وفي رواية: وزاد: ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}.
  209. رواه ابن خزيمة في التوحيد. وهو في صحيح النسائي 1304
  210. صحيح مسلم كتاب الإيمان
  211. صحيح البخاري كتاب التفسير
  212. في صحيح النسائي 1304: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك»
  213. وأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره
  214. ينظر صحيح مسلم كتاب الإيمان ح181
  215. رواه عبد بن حميد في المنتخب ح849 والدارقطني في الرؤية ح176. وفي ضعيف الترغيب ح2184: «إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ وظنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب تبارك اسمه فينظرون إلى وجه الرحمن»
  216. قال الحاكم في المستدرك ح3589: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
  217. رواهابن راهويه في مسنده وابن أبي عاصم في السنة والدارقطني في الرؤية وعبد الله بن أحمد في السنة وابن خزيمة في التوحيد وابن جرير في تفسيره واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد والبيهقي في الأسماء والصفات
  218. صحيح مسلم
  219. متفق عليه
  220. قال الجوزقاني في الأباطيل والمناكير كتاب الفتن باب الجنة ح300: هذا حديث باطل.
  221. بنحوه في صحيح الترمذي 3233
  222. في صحيح مسلم كتاب الفتن ح169: «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت»
  223. الأسماء والصفات للبيهقي ح634
  224. في السنة لعبد الله بن أحمد عن عبيد بن عمير قال: "يقول الرب عز وجل: أدنه أدنه، حتى ينتهي إلى موضع الله عز وجل أعلم به. "
  225. قال الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الصلاة ح3089: رواه الطبراني في الكبير وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
  226. متفق عليه
  227. متفق عليه
  228. صحيح مسلم. قال النووي: قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سبحات وجهه نوره وجلاله وبهاؤه.
  229. ضعيف النسائي 1486. وفي الصحيحين: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»
  230. صحيح مسلم
  231. في صحيح ابن ماجه 2276 عن جابر: «ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا» وبنحوه في سنن الترمذي والتوحيد لابن خزيمة وسنن البيهقي.
  232. متفق عليه
  233. رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد وأبو الشيخ في العظمة وابن أبي زمنين في أصول السنة والحاكم في المستدرك ح3244 وصححه ووافقه الذهبي.
  234. زرارة تابعي فهذا السند مرسل. وبنحوه عن أنس في ضعيف الجامع 3219
  235. صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء
  236. رواه أبو الشيخ في العظمة ح274، وفي سنده المثنى بن الصباح، ضعيف؛ ينظر تهذيب التهذيب.
  237. ضعيف ابن ماجه ح777 بلفظ: دعاء الوالد يفضي إلى الحجاب.
  238. رواه أحمد في مسنده وعبد الله بن أحمد في السنة ح464 وابن خزيمة في التوحيد 339 والآجري في الشريعة وفي التصديق بالنظر والدارقطني في الرؤية وفي الصفات وتمام في فوائده. وهو في صحيح الجامع ح8018.
  239. صحيح مسلم كتاب الإيمان ح191
  240. صحيح مسلم كتاب الإيمان ح187
  241. صحيح ابن ماجه، والصحيحة 2810
  242. الضعيفة 3453
  243. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ح9513: رواه أحمد وأبو يعلى.. والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. والحديث في صحيح الترغيب 1371
  244. رواه ابن خزيمة في التوحيد 343
  245. في المستدرك ح2532 عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله؛ أما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له؛ والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم. قال الذهبي: صحيح.
  246. رواه أحمد في مسنده وابن خزيمة في التوحيد والدارقطني في الصفات.
  247. متفق عليه
  248. رواه الدارقطني في الصفات ح63 وابن عبد البر في التمهيد. وذكره الذهبي في العلو.
  249. أخرجه أحمد في مسنده وفي فضائل الصحابة وابن سعد في الطبقات وابن أبي عاصم في السنة وابن خزيمة في التوحيد وقال: لست أعرف إسحاق بن راشد هذا، ولا أظنه الجزري أخو النعمان بن رشاد. وأخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك. قال الحاكم في المستدرك ح4925: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: صحيح. وقال ناصر الدين في تخريج كتاب السنة 559: إسناده ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير إسحاق بن راشد، فإنه مجهول لا يعرف، وهو غير الجزري، فإنه أقدم طبقة منه.
  250. في القاموس المحيط: الهينمة الصوت الخفي.
  251. تنظر الضعيفة: 866 و 4978
  252. قال في تخريج كتاب السنة: إسناده ضعيف، والمتن منكر، كأنه من وضع اليهود، آفته سعيد بن الحارث، ويقال: الحارث بن سعيد وهو الأصح، وهو مجهول الحال، وشيخه عبد اللن بن منين، وإن وثقه يعقوب بن سفيان فقد قال الذهبي: «ما روى عنه سوى الحارث بن سعيد» يشير إلى أنه مجهول العين، وبقية رجال الإسناد ثقات رجال البخاري، لكن في محمد بن فليح كلام غير يسير، حتى قال فيه ابن معين: ليس بثقة، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم. وتنظر الضعيفة ح755
  253. رواه ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في مسنده وابن أبي الدنيا في الصمت والخلال في السنة والدارقطني في العلل والبيهقي في الكبرى.
  254. رواه ابن المبارك في الزهد وابن جرير في تفسيره وابن أبي شيبة في مصنفه. ورواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير. والحديث مرفوع في سنن الدارمي كتاب الرقاق ح2599، قال الحاكم ح440: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين وإنما تواترت الروايات بتوقيف أكثر هذه الكلمات فإن صح سنده فإنه صحيح على شرطهما. قال الذهبي: على شرطهما.
  255. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ح5653 وابن أبي الدنيا في الصمت ح540.
  256. ضعيف الترمذي 3330
  257. قال السماري: فيه انقطاع، ابن جريج لم يسمعه من الضحاك.
  258. قال الذهبي في ميزان الاعتدال: حماد بن سلمة له أوهام.
  259. صحيح مسلم
  260. صحيح مسلم، وهو في صحيح البخاري بلفظ: «من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم»
  261. في الصحيحين: «سترون ربكم كما ترون هذا القمر»
  262. رواه ابن أبي شيبة في التاريخ
  263. قال ابن كثير في تفسير سورة الطور: "{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس. "
  264. في س: "خرفة"
  265. في نسخة: "فأهل" وفي مطبوعة "فأين"
  266. متفق عليه
  267. متفق عليه، واللفظ لابن خزيمة في التوحيد.
  268. متفق عليه
  269. في صحيح الأدب المفرد ح768 باب من كره أن يقال اللهم اجعلني في مستقر رحمتك: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو الحارث الكرماني قال: سمعت رجلا قال لأبي رجاء: أقرأ عليك السلام وأسأل الله أن يجمع بيني وبينك في مستقر رحمته، قال: وهل يستطيع أحد ذلك؟ قال: فما مستقر رحمته؟ قال: الجنة قال: لم تصب، قال: فما مستقر رحمته؟ قال: رب العالمين.
  270. رواه ابن جرير في تفسيره، ويروى عن مجاهد وقتادة مثله كما في تفسير ابن جرير.
  271. في الصحيحين: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»
  272. في صحيح مسلم كتاب الحيض ح360: «قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»
  273. ينظر صحيح مسلم كتاب الحج باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام. قال النووي في شرحه: "في هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة لأنه مُثلة. وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار".
  274. في صحيح البخاري ح2863 عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما» وبنحوه في صحيح مسلم ح1762.
  275. صحيح البخاري ح1841 وصحيح مسلم ح1178
  276. رواه المصنف في رده على الجهمية ح113
  277. صحيح الترمذي ح2642. وفي صحيح البخاري كتاب فضائل سور القرآن ح5076 عن أبي هريرة: «جفّ القلم بما أنت لاق»
  278. سنن أبي داود كتاب السنة ح4700، وصحيح الترمذي كتاب القدر ح2155
  279. في صحيح مسلم كتاب القدر ح2653: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»
  280. متفق عليه
  281. صحيح مسلم كتاب الذكر ح2684
  282. متفق عليه
  283. أخرجه أبو نعيم في الحلية 7/ 29 قال سفيان الثوري: "ما أحب الله عبدا فأبغضه وما أبغض عبدا فأحبه، وإن الرجل ليعبد الأوثان وهو عند الله سعيد"
  284. متفق عليه
  285. صحيح أبي داود 5005 وصحيح الترمذي 2853
  286. صحيح أبي داود ح4977 والأدب المفرد ح584 بلفظ «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل». وبلفظ المصنف في الصحيحة 371
  287. صحيح النسائي 4176 وهو في مستدرك الحاكم ح26 وعن جابر في مجمع الزوائد كتاب الجهاد ح9510
  288. رواه ابن خزيمة في التوحيد. بنحوه في مجمع الزوائد كتاب الصلاة ح3538، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير وإسناده حسن. وهو باختصار الصلاة في صحيح أبي داود ح2563، وفي المستدرك ح2531 من طريق المصنف وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
  289. ورد هذا الحديث متأخرا بعد التالي في نسخة. وهو في صحيح البخاري ح3010 بلفظ «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل»
  290. بنحوه في صحيح أبي داود كتاب الجهاد ح2602 وصحيح الترمذي ح3446 ومستدرك الحاكم ح2482
  291. صحيح مسلم ح2746
  292. متفق عليه
  293. ينظر صحيح مسلم ح2745
  294. مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة 1491، وصحيح الترغيب 303
  295. بنحوه في صحيح الأدب المفرد ح548 ومجمع الزوائد كتاب الوصايا ح7123، وفي البداية لابن كثير عن أحمد وقال: "وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. " وفي صحيح مسلم كتاب الإيمان ح91: «إن الله جميل يحب الجمال»
  296. في مسند أحمد عن ابن عمر: «سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزنديقية والقدرية». وفي مجمع الزوائد كتاب القدر ح11858: «سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في أهل الزندقة». قال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". وفي صحيح الترمذي كتاب القدر ح2153: «يكون في أمتي خسف ومسخ وذلك في المكذبين بالقدر»
  297. موطأ مالك ح2642، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة وابن أبي عاصم في السنة ح199 والآجري في الشريعة واللالكائي في شرح السنة والبيهقي في الكبرى.
  298. قال السيوطي في الدر المنثور/سورة الإخلاص: وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: انسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فلم يدر ما يرد عليهم، فنزلت {قل هو الله أحد} حتى ختم السورة. وفي التوحيد لابن خزيمة 45 أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ: انسب لنا ربك، فأنزل الله عز وجل: {قل هو أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد}». وينظر صحيح الترمذي ح3364
  299. أخرج عبد الله بن أحمد في السنة قال: حدثني أبي حدثنا حسن بن موسى الأشيب حدثنا أبو هلال محمد بن سليم حدثنا رجل أن ابن رواحة قال للحسن: هل تصف ربك؟ قال: نعم، أصفه بغير مثال. ورواه البيهقي في الأسماء والصفات ح611
  300. قال السيوطي في الدر المنثور سورة النحل: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ولله المثل الأعلى قال: يقول ليس كمثله شيء.