من الملوم/الفصل 8
٨
كان في تلك المدينة فتى سوري الموطن حديث السن يدعى س. أما لسانه فهرم في اختبار بذيء الكلام وهو غر وأحمق قد جاء اميركا وبعكس الأمر المرتغب والمتبع لم يتعاطَ[errata 1] شغلاً ولم ينتج فلساً ولم يجهد نفسًا، بل يُرى ضخم الجثة كبير الرأس رب كل دعوة باطلة ينطبق عليه قول الشاعر:
أما عمل س. فهو التنقل إلى هنا وهناك متفياً بمضرب البطالة والكسل صارفاً أوقاته باللهو ومعتمداً على جيب أمه الذي لا يكاد يأنس بنتاج أتعابها الشاقة حتى تدنو الوحشة منه محييةً إياه باسم س المستعد لابتزاز المستودع فيه. فيملأ بطنه المستجيع ونفسه تطمع بالمعيشة على تلك الحال الخاملة غير معتدٍّ بما قيل:
فآسفُ على زهرة شبابه التي يزينها حسن الصورة والصحة إذ قد أفقد منفعتها المقرونة بقوته بإهماله استخدامها في الهيئة الاجتماعية وبانصرافه إلى ما من شأنه الحط من كرامته بسوء طباعه الفظة
فنظرًا لما بين تلك العائلة الإفرنسية وبعض أفاضل السوريين هنالك من المودة جعل منزلها محط رحال تردده اليومي الممل حتى سئمت روايته وصارت تطلب التملص من نير وقر ضيافته الثقيل:
وكان فضلاً عن ثقالته يقتفي أثر الابنتين في البيت ليلاعبهما أو يمازحهما أو يحادثهما ففرغت جعبة صبرهما وحلمهما وهمتا بطرده ولكن الأم حبًا بأقربائه لم تشأ سوى تأنيبه لعله يحجم عن التهور في محجة الضلال أو يخجل علمًا منها بأنه يفهم قوة كلامها ويعمل به:
واستمر س. يواصل تردده إلى بيت حنة حتى ذلك اليوم الذي فيه دعاها ميخائيل إلى المشهد الآنف الذكر. فجاء كعادته عند غروب شمس نفس ذلك النهار وسأل الأم الإذن لحنة كي ترفقه لمشاهدة سباق الخيول في الغد
فأجابته الأم بتعقل: ألا تخجل من طلب كهذا وبأي قحة تسأَلني السماح لحنة بمرافقتك. أوتحسب ذاتك من قوم الشرفاء أوتخالك من الشبان الأدباء الذين أساجل بهم. ألا تدري بأنني أرمقك بنظر التساهل وأصرفه عن كل هفوة تجترمها لدي وأجيب بقبول كل سؤال تقترحه من إجلال ذويك الأكارم
فلا تطمعن بشيء أبدا وقف عن الاسترسال في غوايتك وطمعك بسواك
فلم يجد بابًا للجواب بل لاذ بالحرب فأسرع إلى الباب الخارجي ينفض غبار الخيبة
وفي الغد حسب الوعد كانت العربة أمام البيت بانتظار الصديقين اللذين قلتهما للحال إلى مشهد الألعاب فذهبا وآبا ولم يشعرا إلا ووقتهما برق وقد مضى. وإذ قد رآها س. ثار جاشه وقال بنفسه. ألست سوريًّا كميخائيل فكيف تفضل حنة الواحد على الآخر? فما العلة يا ترى مع استطاعتي فهم لغتها وإفهامها بها. يبدو لي أنها اعتبرت ميخائيل متفوقًا علي لكونه من مدينة أكبر من هذه أو غريبًا. فلا بأس. إنني سأشي به وأسعى لإطفاء جذوة تلك المحبة التي ستتأصل وتثبت ألم إتلاف الأمر وأستاصل كل جرثومة علقت في داخل فؤاد البنت
اقتبلت الأم فتييها بترحاب ورزن ميخائيل في منزلها إلى المساء فأغفل موعد سفر القطار وإذ فاته توقع السفر في الغد وفي الأجل المعين للقطار أهمل أيضًا ذلك وهكذا صرف خمسة عشر يومًا وهو بحالة الإسواع بين مجالسة الحبيب ومراقبة الوقت للرحيل.
- ↑ الأصل: يتعاطى عُدّل إلى يتعاطَ