انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 7

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٧

أجاذب الحديث الآن وأعود إلى حيث بدأت وأنتقل بالقارئ الكريم إلى منزل توفيق الذي فيه تم تنصير الطفل ميخائيل وقد ذكرت أن القوم تملأوا من الطعام (العشاء)

وإذ قد اشغل كل معقداً في ردهة المنزل التي تصدرها الكاهن وطفق يحدث الحضور بمواضيع مختلفة دينية ومدنية انتهز ميخائيل الفرصة وأخذ كرسياً متنحياً عن الجمهور وملاصقاً للصديقة الإفرنسية الجديدة حنة التي تعرفت به حديثاً فاعتصم وإياها بأهداب طيالس الأحاديث اللطيفة المتنوعة وحبا كل منهما الآخر برقعة مرسوم عليها اسمه بالماء الذهبي وتوغلا في حدائق الأقاصيص الأدبية وقد ارتاح كلٌّ منهما إلى الثاني وأبدى سروراً أمائره رسمت على الوجهين وظهرت بالبشاشة والابتسام

فتطرق ميخائيل في حديثه إلى بعض أسئلة أهمها:

أي الأشغال تمتهنين أيتها الآنسة?

صنع القبات النسائية

وعند من?

عند ابنة خالتي

عساكِ تتقاضين أجرة مرضية?

نعم وإني مسرورة في مركزي هذا وسوف أفتتح محلاً لنفسي ​أتعاطى فيه عين الصناعة. فاسمح لي يا سيدي بسؤالك عن مهنتك التي منحرف إليها

بسرور يا سيدتي. إن حرفتي الآن في الكتابة في أحد المحال التجارية السورية

― أتمنى لك توفيقاً ونجاحاً

― أشكر لك لطفك وتمنيك

― وهل لك آنٌ طويل في هذه الديار?

― نحوٌ من سنتين

― إنك تحسن اللغة الإفرنسية فهل تناولتها قبل مجيئك كندا?

― نعم وقد زدتُ بها معرفة من معاشرة آلها الكرام وازداد قوّةً بمعرفتي الساعة ضعفت الأول ولو أن دقائق اجتماعنا لم يتوفر عددها

― أشکر کرم اخلاقك فانك أرويتني إيناسًا

― لا أقدر أن أعبر عن سروري الآن أيتها الآنسة برويتك لأنك ألطف سيدة طرف رأيتُ وجالست مذ قدمت هذه البلاد

― إن ما نسبته إليّ من حسن الصفات لمنعكسةٌ أنواره عن مرآةِ أخلاقكَ النقية

― إنني مديونٌ لفليوني ميخائيل الذي كان علة تعرفي بشخصك اللطيف. وأعد نفسي الآن صديقًا مخلصًا لك مع ​اعتقادي كونك كذلك. فمن باب الصداقة ومما لقيته من لين جانبك أتجرأُ على سؤالك ولو عدَّ ذلك من ضرب التطاول على مائدة أدبك. إلَّا أنني أراني في حلٍّ له من شريعة بلاد الحرية

― وما هو يا سيدي? لك ملءُ الحرية أن تسأَلني ما عنّ لك!

― إذ قد خولتيني حرية السؤال فأجسرُ عليه — فهل أنت مخطوبةٌ لأحد يا سيدتي?

― لا

― أوليس لك علاقة مع أحد الشبان الأدباء الآن على أمل البلوغ إلى النقطة المشار اليها?

― كلا

― إنني أنذهل من ذلك لعهدي بك الجمال والأدب والذكاءَ ما يدفع أيّ رفيع أو وضيع من الشبان إلى التقرب منك والإقدام على طلبك خير زوجة ولكن متى عرف السبب رفع العجب فهل لم يقبل عليكِ أحدٌ أم لم تقبليه?

― رفضتُ الكثيرين ولم يكن لأحد نصيب مني?

يبدرُ إلى عقلي أنك لم تميلي إلى أحد منهم لعدم استيفائهم الشروط الكافية رضاكِ عنهم فلو وجدَ فرضاً من به الكفاءَة من كل الوجوه أفترفضينه?

​― ولم آبى ذلك

― إنما يشترط على هذا المحب ألا يكون غريبًا?

― لا أعني ولن أقصد بقولي ذلك أبدًا إذ قد يكون الغريب أفضل من القريب كثيرًا! — قالت هذا وقد زهت وجنتاها الورديتان حياءً — وقد اجابت ذلك كيلا تمس عواطف سائلها

― ما أعذب جواباً أعطى بتورد وجهكِ الزاهي. منه آمل إتمامَ منًى في النفس

(جعل تمنيه مجهولاً ولا ريب بفهمها إياه — فأجابت بابتسامة لطيفة ولم تحر الجواب لفظاً( ثم استأنفت القول:

عساكَ تطيل المكث بين ظهرانينا فنتملى برؤيتك الأنيسة

كنتُ أتمنى من صميم الفؤاد عدم حرماني من هذا الشرف لكنّ مهام الشغل تقضي عليَّ بالإياب العاجل إلى منتريال

― يسوؤُني جدًا أن أعلم بأن زيارتك لنا قصيرة جدًا ولكني أطلب إليك أن تسعى لعلك تنال فرصة بضعة أيام فتصرفها عندنا

― لا حيلة في ذلك إذ وعدت بعودٍ سريع إلى منتريال ويجب أن أقوم بالوفاء وتعلمين ان الحر إذا وعد وفى

― اذن متى يتم سفرك من هنا?

― غدًا الساعة الرابعة بعد الظهر

​― أرغب إليك أن تزورني في بيتي ظهيرة غد التي أغتنم فرصتها فأراك قبل مغادرتك إيانا

فوعدها ميخائيل بالإيجاب. وإذ حان موعد الافتراق اقتبل كل من الحبيبين طفلي العهد وديعة خفية حلت أسمى النقط القلبية وأشارت حنة إلى ميخائيل بعدم إهمال زيارتها

فانصرفت مع والدتها وشقيقتها وهي مع صديقها رهينا البلبال وقلباها أسيرا الاضطراب وأملاهما معقودان على خير يرجى في المستقبل ونفساهما معللتان بملتقى آخر قريب لعل عرى الحب تحكم الوثوق فيصير اليقين حليف الجانبين

بزغت غزالة ضحى الغد فأحيت سرًّا كان راقدًا في القلوب وتيمن كل من الخلين بصفاء جوّ ذلك النهار الدال على صفائها. وكانا يسوعان بالأفكار ويتحينان الموعد المنتظر حتى إذا ما حل الأجل المضروب جاء الشاب لزيارة البنت التي كانت تتوقع قدومه بالدقيقة فاقتبلته وأمها واختها بكل ترحاب وكانت أمائر السرور بادية على وجوههم

فتبودل لطيف الكلام بين الجميع وكان كل مرتاحًا إلى الآخر وكانت المحبة الإنسانية عندهم قوضًا بقوض

فسألت الأم ميخائيل قائلة:

ألا تزال عاقدًا النية على السفر إلى منتريال اليوم?

― ما لي حمٌّ عن ذلك قيامًا بواجب الشغل

​― حسن جدًا ولكنك لا تتمكن أيان شئت من المجيء إلى مدينتنا. وإذ قد أتيت الآن فلا ندعك تبارحنا حتى غاية هذا الأسبوع. ولا غرو إن صرفته عندنا. ولا أشك بعدم استياء أحد من تغيبك بضعة أيام وإخلالك في فروض شغلك

― إنه لسهل جدا القيام بالمتأَخر من شغلي ولو تغيبت عنه شهرًا كاملًا ولكني أبغي دائماً حفظ كلامي في دائرة العمل لأبقى محرزاً ثقة الغير بي وتصديقه إياي

― إن عدم القيام بوعدك هذه المرّة ليس بأمر ذي بال. فلا تهتم بذلك بل أشعر قومك في منتريال فيصرفوا النظر عن هذه الزلة. واعلم بأن قومًا يلعبون الألعاب المتنوعة قد جاؤوا مدينتنا البارح وسيمثلون الألعاب المتباينة المبهجة فيها التي يتخللها سباق الخيل. حيث يؤلف ذلك مشهدًا جميلًا حافلًا توءمه الأقوام من كل فج وناحية حتى من مدينتك منتريال ايضا — فكيف أنت تذهب وغيرك يأتي فلا نحرمك هذه (الشاردة)

فأثنى ميخائيل على كرم أخلاقها وقد سر كثيرًا مما ناله من لدنها من الاعتبار والتجلة والترحاب المعرب بجديد لسانها اللطيف الذي عرف بانه آلة لكل قول حسن يصفه سليمان الحكيم بقوله: الكلام الحسن شهد عسل حلوٌ للنفس وشفاءٌ للعظام...وقال لها :

طالما الأمر كذلك التمس من حبك السماح لحضرة الآنسة ​حنة أن تصحبني إلى مشهد الألعاب فنصرف وقتًا هنالك ونعود إلى دائرة نظرك الكريم

― بسرور وافر وأتمنى لكما الانبساط فوق ذلك

― اشكر لك حنانك ولطفك. وأتجرأ على سؤالك ايضاً. أتتفضلين برفقنا مع ابنتكِ الآنسة لوسيا فيسعدني الحظ بالتشرف يكوني معكم?

فأبت الام قبول دعوته بل وعدته بتخلية سبيل حنه للذهاب معه. وبعد أن انتضد في منزلهم برهة انصرف وخلفهم على أمل مشاهدتهم ثاني الايام