انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 6

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٦

انتهى إلى الأم نبأ كل ما أضمره شارل فصارت تطلب إلى اللّٰه تغيير أفكاره كيلا تضطر إلى معامتله بالقسوة. فنبهته بكتاب ليرعوي عن غيه وإلا فهو الجاني على نفسه. فلم يحجم عن غروره بل توغل في أجمة الحمق والبروق وصار يرشقها من كنانة غضبه سهامًا حادة ​فكان عمل الأم كصرخة في وادٍ. أو نفحة في رماد

دام الحال بالفريقين هكذا إلى أن جعل يزور ذلك البيت شاب يمتهن القصابة زيارات متوالية بسيطة لأن أمه ووالدة حنة صديقتان مخلصتان. فما بلغ مسامع شارل أمر تردد هذا الفتى حتى جعل يكمن له في مختبآت مظلمة على الطريق ليفتك به

فترصده ليلة فيها جاء ليسامر تلك العائلة وكمن له كعادته في زاوية تقابل البيت ليقضي عليه. ولكن الأم العاقلة كانت لا تدع الشاب يبارح بيتها ما لم تتجسس حواليه لعل الغريم كامن. فخرجت ليلتئذٍ وجالت بنظرها متحققة وإذا بزائلة لابدة في الناحية المقابلة فتبادر إلى عقلها أن ذلك الكمين هو شارل بنفسه ولم تغير ظنها. فدخلت واستوقفت زائرها عن الانصراف منبهة إياه بالخطر الذي سيحدق به

ثم استكشفت الحال ثانية وإذا بها كما كانت. وإذ لم يعد يسعها الاحتفاظ بالفتى إلى ما بعد الساعة العاشرة ونصف ليلًا. دخلت غرفتها وأصلحت ثيابها ولبست قبعتها وتقدمت منه قائلة: انا أرفقك إلى بيتك خشية من ذلك الغدار الذي لا ريب بأنه بعيد عن جادة النهى. ومتى رآني معك يحجمُ عن عمل يجول في خاطره المجيء به إذ يخجل مني فلا يستطيع الهجوم على النساء

فأذعن إلى مشورتها وخرج وإياها. ولدن ظهورها من الباب رَمَل الكمين واختفى لإدراكه أن لا مطمع له ساعتئذٍ من تحقيق ​امله السيء وعادت الأم بعد إبلاغ الشاب الى منزله

ومن ذلك الحين خمدت نار شارل وانطفئت نورها. وانقشع ظلام شقاوته عن مدينة (ثلاثة الأنهر) وهكذا طابت القلوب وارتاحت الخواطر من هذا القبيل

أما الشاب الذي قصد شارل الإيقاع به إذ لم يشم وميض أمل من البنت بالميل اليه ومن الأم بإرادتها إياه. نأى عن المنزل واكتفى بالصدِّ عن جواب النفي

أما حنة فمع تعدد رؤْيتها لزائرين كطلاب لها لم يزل سربال أدبها وعفافها نقياّ وخطتها مرعية الحقوق بفضل أدبها المنير ورصد عين أمها اليقظى التي بذات حياتها وخيرها في سبيل تنوير أولادها بروح التقوى والأدب والعلم والإنسانية والتي آلت على نفسها عدم التزوج برجل آخر بعد وفاة زوجها لتكون مطلقة الحرية ومنصرفة إلى تهذيب وتثقيف عقول ضنوها الذين تحبهم بشغف وحنان ولكنها تشفُّ[errata 1] بكرها حنة على باقي إخوتها الذين هم اية في اللطف والإيناس والأدب

فكم تشكر تلك الأم الرؤوم على حسن اعتنائها بذلك الغرس الذي سيصير فيما بعد أدواحاً باسقة تخلد ذكرها إلى الأبد. التي لم تسمح لابنتها وخطيبها الآنف الذكر بالاختلاء شأن الحبيبين أو الخطيبين في بلاد الحرية ولم تغض الطرف عن مراقبة حركات كلٍّ منهما أثناء زيارة خطيبها. وفي الوقت نفسه لا محاولة من ​الإقرار يفضل الابنة من حيث السجايا الحميدة

ولا غروَ ان تعلقت ذلك الشاب طالب العلم فإنه شريف ولطيف، وقد أطال مدة زياراته لها فصار على وشك إنهاء علومه المدرسية وشافه موعد الزواج. وحبهما اشبة حب بني عذرة السالفين:

والعشق من شيمِ النفوسِ فإن تجد
ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يعشق

ولكنها أرته نفساً عزيزة وروحاً نشيطاً وأدباً غزيرا مع كمال ما جعله يحبها حباً أرقى من العبادة وقد عهد بها الكفاءَة في كل الأمور والشروط الكافلة له الرضى بها والميل إليها والافتكار دومًا بها والاعتماد في المستقبل عليها والإخلاص في حبه اياها هذا فضلا عن أنها من محتدٍ كريم. ويحلو بي ايراد بعض ما جاد به احد الأدباء:

والحسن لا يكفي الفتاة ولو غدت
تزري محاسنها بشمسِ نهارِ
والأصلُ للإنسان جَدٌ منه لا
جدٌّ علا في سالفِ الأزمانِ


  1. ↑ الأصل: ابها تشرف عُدّل إلى ولكنها تشفُّ