انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 5

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٥

بعد أن تربعت حنة في دست الراحة وقتّل لا يقصر عما نالته قبل معرفتها الشاب الايرلندي قدم مدينتها شاب آخر كندياني يدعى شارل وهو قوي البنية شرس الأخلاق فظ الطباع. يعاقر بنت الحان ويواخي كل معوج السبل

من عاشر الأشراف عاش مشرفّا
من عاشر الأنذال غير مشرف

​وينطبق على ذلك مثل الحكيم: (فاعل الشر يصغي إلى شفة الإثم والكاذب يأذنُ للسان فاسدٍ

فشابنا شارل لا يعرف حنة قبل مجيئه إلى مدينتها لكنه صادفها يوماً على قارعة الطريق وهي عائدة إلى منزلها فاختلبت لبهُ وكادت تذيب فوائده التياعا. فلم يستطع صبراً بل طفق للحال يسائل عنها حتى عرف كل ما يهمه معرفته عنها

وقد سعى بوسائل متعددة لزيارة حنة بصحبة أصدقاء له ولآلها ولو لأوّل مرةٍ. فتسنى له ما تمنى فعرف أصحابه الأم والابنة به. فسرتا منهم وشكرتاهم

أما هو فتهلل فؤاده وأبدى كلما قدر أن يتلبس به من مظاهر اللطف واللباقة تلك الليلة ليموّه على السيدتين أمره لعلهما تخالان أنه من منزلتهما في المدنية والآداب

انقضت الليلة الاولى ولم يجنح سواد الأخرى إلا وشارل يقرع باب منزل حنة. فاقتبلته هي وأمها بترحاب. فاتخذ مقعداً والحال أطلق للسانه العنان وشرع يحدثهم بأحاديث ونوادر سيفي مواضيع مختلفة. ففهمت الأم أنه وقح إذ ظهر لها خلاف ما كانت أنست منه من الاحتشام في الليلة البارحة

ولم تمض بضع ليال حتى ارتفع الستر عن مرسح داخل شارل فعرفته الام حق المعرفة من جهتي اخلاقه ومآتيه. فقالت لابنتها ​أتذكرين يا ابنتي كيف يتقلب في حالات طباعه كل يوم فإنه مطبوع على شرِّ الصفات التي لم يتمالك عن إخفائها

ظلمتَ امرءّا كلفته غير خلقه
وما كانت الأخلاق إلا غرائزا

وأفضل الآن منعه عن زياراتنا لأنه لا يستحق أن يكون من أصدقائنا أو معارفنا

وإذ فهم شارل بالتلميح ما هي نية الأم نحوه أعرب لها عن ضميره موضحاً أنه يحب حنة حباً يفوق حد الوصف وأنه يريد الاقتران بها إذ قد جذب إليها رغماً عن كل الموانع التي تحول دون تلك الأمنية وأهمها تعلقه بسواها وأن كثيرات هنّ اللواتي همنَ به وهو لا يعتدُّ بهن ولا يوليهن التفاتا. وأنه الآن عثر على ضالته المنشودة وهي حنة التي:

محا حبها حب الأُلَى كنُّ قبلها[errata 1]
فحلت مكاناّ لم يكن حلَّ من قبلِ

وذكر لها أنه يمتهن التجارة في بلدة تبعد عن (ثلاثة الأنهر) نحوّا من أربع ساعات وأنه يداوم العمل فيها ويبرحها مساءّ كل سبت إلى (ثلاثة الأنهر) ليصرف سحابة الأحد في بيت حنة ومن ثم يؤوب إلى حيث أتى. وأن الأمر يدوم على تلك الحال إلى ​أن تتحقق أمنيته ويسعده الحظ بالحظوى بحنة شريكة لحياته

أجابته الأم بلطف:

― أشكر لك حسن ظنك بابنتي وأثني على كرم اخلاقك. وقد تيقنت معظم حبك لها فأقدره حق قدره. أما قولك باتخاذ ابنتي زوجةً لك فلا أدري ماذا أجيبك عنه لأنها ليست أهلّا للزواج إذ لا تزال حديثة السن فكثيرون هم الذين طلبوها ولم يأخذوا مني وعدا. لأن حنة نفسها تأبى الزواج في الآونة الحاضرة وأنا أوافقها في رأيها الآن إلى أن يقضي اللّٰه أمرّا كان مفعولّا

أما أنت إذ قد تعلقت ببعض البنات وكما فهمت منك أنهن جميلات ولا يملنَ إلى سواك فكن أصيل الرأي واعمل بمشورتي وعد إلى واحدة تثق بأمانتها في صداقتها لك ولا تحجم عن التزوج بها فذلك خيرٌ لك من انتظار غير محدود

وأما نحن فنعتبرك صديقاً كريماً وتلاقي منا إكراما أيانَ زرتنا ولكنا نثق بأنك لا تزورنا لهذه الغاية إذ لا خير يرجى منها لما أنف ذكره. وندعو لك بالتوفيق والنجاج وبمستقبل حميد وحياة سعيدة

فتأثر من قولها وامتلأ غيظاً اذ لم ترِ زناد أمله بحنة فأجابها بلهجة خالها خفيفة: إنني أحب حنة حباً عميقاً لن يعفو أثره من داخلي حتى الموت. وقد وهبتها فؤادي وعلقت عليها كبير آمالي وتوقعت منها تحقيق امنيتي لا تجريعي كأس منيني

​فأكدي يا سيدتي أن ابنتك حنة ستكون معي سعيدة جدا في كل الأحوال. ومهما كان الأمر فلا انكب عن هذا المسلك الذي نهجته (وتعرفين أي الطريق أعني) فمهدي لي الشعب ما أمكن ولا تجعلي أمامي العقبات الكؤود والسدود المحكمة لئلا إضطر إلى الجهاد في الثبات على هذا الأمر الذي ليس لي عنه حددُ. ولئن كانت سيدتي حنة حديثة السن فبسرور وطيبة خاطر أنتظر موعد حلول إرادتك بالقبول بتزويجها

فإقناعك إياي بحججك لا تثني عزمي ولا تجدي فتيلا على أني وإ كنت لقيت أمر هذه العلاقة سهمًا حابيّا فلا أحيدنَّ عنه ولو قلعت قلع الصمغة وهذا فصل الخطاب

فذعرت الأم من قحة شابٍ لم تعرفه قبلا وخافت جانبه إذ لقيت منه همجية غير منتظرة وقالت بنفسها: إذا صارت حنة زوجة لهذا الشاب الذي لا أدري أيَّ ولد الرجل هو لنالها العذاب الجد لأول خطوة في مرقاة حياتها الزوجية وعثر جدها في الاخرى شهيدة العفاف والتأسي

ثم التفتت إلى الشاب وقالت له:

متى جئت مدينتنا مذ الآن لزيارتنا فتحل على الرحب والسعة ولكني أشير عليك بأن تصرف همك إلى شغلك وتنقطع إلى العمل على صالحك في مستقبل أيامك. وأن تحافظ على الأمور الصحيحة فإنها قاعدة الجسم. ويجب يا ولدي ألا تفتكر بابنتي ​كحبيبة أو خطيبة بل كإحدى معارفك. إذ قد لا يتم أمر تزوجك بها. وكم من مرة فهمت منها أنها لن تتزوج وتتسربل بمطارف لذات هذه الدنيا وغرورها بل ان عزمها المتواطد معقود على العفة وحفظ البتولية والقطون في دير الجزيرة المقابلة (لثلاثة الأنهر)

فلا تبنِ صروحا من الآمال وهمية فتعصف عليها أرباح القنوط فتقوض أركانها. بل كن حكيماً بعيد المرمى في التعقل واتكل على الرب فهو يعينك ويعطيك الحكمة

أجابها شارل ولسانه يتلعثم تاثيرّا وخجلا من فشل صادفه:

قد غدوتَُ مديونَ لطفكِ أيتها الأم الصالحة فإن كلامك لروح الحكمة هو. وها أنا سأباشر العمل به وبكلما أشرت وتشيرين عليّ...وأستاذنك الآن الانصراف لأنني على جناح السفر الى بلدتي لعود شغلي فيها . فاسا لك ان تدعي لي:

فقالت له: نواكَ اللّٰه واخذ بيدك اينما جالت

وهكذا ودع شارل هذه العائلة وعيناه تقدح شرار الضغينة وغادر المدينة وهم غير مصدقين أن ظلام ثرثرته قد انقشع عنهم ولقد كرهته حنة كرهّا شابه خوفٌ حتى صارت ترتعش من ذكر اسمه

أما شارل فقد صرف الأسبوع الأول في شغله وأفكاره على أجنحة الرباح وكان بعد دقائق نهاراته إلى غاية السبة

​وما أمسى السبت حتى هرول إلى غرفته فأبدل ثيابه وامتطى القطار إلى (ثلاثة الأنهر) ومن محطتها توًّا إلى منزل حنة التي إذ شعرت بقدومه اختفت من البيت وصرفت ليلتها عند خالتها

دخل شارل البيت وحيا آله وجلس وانتظر حنة وإذ سأل عنها علم أنها زائرة خالتها. فأيقن أنها ستعود حالًا وكلما شعر بوقع أقدام خال أن حنة مقبلة وهكذا كان مقيماً على أحر من جمر الغضا متجه الأفكار نحو حنة وكان أثناءَ مجالسته الأم مرَّة يبكل بحديثه وعركة يغمغم كالأرعن

وإذ حان موعد انصرافه للرقاد ولم تأتِ حنة أبدى استغرابه من خللها في واجبها نحوه

فقالت له الأم: قد ذهبت حنة لتزور خالتها إجابة لدعوة أختها إياها وذلك من ظهيرة اليوم وقد تصرف كل الغد عندها فاشمأَزّ شارل عند سماعه ذلك وقال: يا لسوءِ طالعي جئت هذه المدينة لأتماى برؤية سيدتي حنة وهي إذ علمت بقدومي نفرت كالغزال اذا ولَّى مدبرًا من الصياد. فماذا بدى مني ما يسوؤها أو يروعها. أولم أنبئها بزيارتي إياها اليوم?

أجابته الأم: يا ولدي قد قلت لك قبلاً: لا تفكر في هذا الأمر أبدًا ولا نعتقد أن حنة ستكون لك. وليست بأسيرة أحد طالما هي في بيتها. وإذا افترضنا قبولها بالزواج في مستقبل الأيام فلن نختار سوى الرجل المحاكية أخلاقه أخلاقها

​فقال شارل. إذًا يجب أن افهم أن حضوري وعدمه سيان عندها. وسيأتي يوم فيه تعرف أنني أنا شارل وأن أي بنت كانت تتمنى حبي إياها. وأنني لست ممن لا يحفلُ بهم. وعليّ أن أذهب الآن مودعّا إياك وآسف كل الأسف لحرماني من مشاهدة سيدتي حنة التي قد تراني ايضاً—إذا أسعدني الحظ—وقد ترتاح من المتاعب بعدم رؤيتها خلًّا جديدًا فيما بعد

أما الأم فلاطفته قليلاً وقالت له. خلال زياراتك هذه المدينة فيما بعد تأتي فترانا فتحل ضيفاً كريماً. فإن كانت حنة ظاهر البيت فلا لوم عليّ ولا عتب عليها

فودعها شارل وانصرف وقد خاذلته رجلاه تأثيراً وعول على عدم العودة إلى ذلك البيت. فقطع رجل تردده إلى منزل حنة وأضمر كل مكرٍ لها ولكل من يمالئها على مناهضته. وعزم على التنكيل بكل شاب يأتي بيتها ليخلو له الجو ويكون هو الحامي الوحيد لذلك الحي الحريد


  1. ↑ الأصل: قلبها عُدّل إلى قبلها