من الملوم/الفصل 4
٤
بعد نحو من نصف عام كان يتردد إلى محل ابنة خالة حنة فتًى ايرلندي الأصل رائع الطلعة لا يتجاوز من العمر اثنين وعشرين ربيعًا يتيم الأبوين اللذين خلفا له أموالًا طائلة ومنازل وحوانيت تؤجر إلى العائلات وأرباب النجارة—يتقاضى أجرها الشهرية ويرزق منها منفقا إياها في سبيل الرفاه والانبساط ولذلك لا يعمل شيئاً بل يتنقل من منزل إلى آخر لصرف وقته وقد ألف الصباء فأصبح عبدّا رقاً لهذه الملكة مدمنها ليلّا ونهارّا وعرف بانه سكير
ففي خلال تردده إلى المحل الذي فيه تشتغل حنة كان يراها ويسرُّ منها كثيرا وينظر اليها ملياّ بنظرات تستلفت انتباهها وعمل على إيجاد وسائل تؤول لحبها له فشرع يقدم لها الهدايا الحسنة والهبات عن قلب وهجت فيه نار الحب ويسألها بلطفٍ قبولها
لكن حنة كانت تتهبّب كلما كان يهبها إكراما له ولرغبتها في عدم تخييبه فازداد تعلقّا بها وصار يداوم زيارتها في بيتها وأخذ على نفسه تعليمها اللغة الإنكليزية فارتاحت إلى ذلك ودرست قليلا فيها وصارت تحادثه بها فأعجب من ذكائها وجودة قريحتها لتناولها لغة غريبة سيفي أوان قصير وقد انذهلت والدتها من سرعة خاطرها
وإذ مال مدى حبه لحنة وبلغ حدًّا لم يستطع معه كتم أمره صرح للأم بميله إلى البنت وحبه لها وبأنَّ نيته التزوج بها وصرح بأن أملاکه ووارداتها ستكون بيد حنة وهي الآمرة والناهية وبيدها الحل والربط
فلم تغتر الأم العاقلة وابنتها المدركة بمظاهرات الشاب ووعوده ولو كانت حقيقية بل وجدتا أن نقطة واحدة بسيآتها تسود كل حسنات أعماله وهي السكر الذي يقوض أركان الهناء ودعائم المعيشة الزوجية والداء الحالّ في عقل صاحبه الذي يسري في دقائقه وينفث سمومه الأفعوانية فتلاشيه. ومتى نزح العقل عن المرءِ خيرٌ له أن يموت
وعلاوة عن مصيبته الشخصية فشريكة حياة السكير تقضي نحبها حسرة وكمدّا من مقاساة تباريح الهموم التي تثقل كاهلها ولا يمكنها عندئذٍ إزالة حكم هاتيك الملكة الظالمة عن رأس زوجها الذي استسلم لها من كل قلبه واعترف بقوتها النافذة وخضع إلى سطوتها الباطشة. ومن شب على أمر شاب عليه
وهكذا تكون هذه العيشة مرة مهما توفرت حلاوتها فدسمها ممزوجٌ بسمٍ زعاف. سم الهم والمنازعة والخصام لأن (لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملان ذباع مع خصام)
فالأم أفهمت الشاب رمزًا ومغزىّ عدم رضاها عنه وقبولها به رجلاّ لابنتها. فلم يفهم أو لم يرد الفهم فأوضحت له بقولها:
عزيزي أشكرُ لك صداقتك ومحبتك لابنتي. فإن كنت مؤملاً اتخاذها زوجة لك فأنا لا يسعني الآن تحقيق آمالك وإجابتك إلى ما طلبت ويسوءني أن أبين لك ذلك. وتعلم أنك بوفرة ترددك الى بيننا تدعُ الملأ يتحدثون بنا * فذلك لا يليق بكل منا وكلانا عريق في أُمرته ونضنُّ بشرفنا أن يمتهن فلیجتزئ كلٌّ بما مضى من الفرصة وليعتقد بأن لا نصيب له من الآخر
فاستلطف الشاب كلام الأم وشكر حسن مبادئها لكنه تأثر كثيراً من إحباط مسعاه وعوده من هذه المهمة بخفي حنين فوعدها بالإحجام عن زيارة حنة أاراها انه شهمٌ شريف بعيد الشأو إدراكاً. وعمل بقوله ولم يعد يتردد حتى إلى مركز شغل البنت
فارتاحت حنة من هذا الهم أيضاً وثابرت على عملها خلية الشجو ردحاً