انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 3

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٣

بارح الخطيب المدينة فسطر كتابًا في القطار ونمق آخر في أوَّل بلدة حلت ركابه ووشى ثوب الثالث في مدينة ثانية وحرر آخر في مدينة تورنتو وكتب خامسًا في الفندق الذي نزله تلك الليلة وطرّز حلة السادس حال دخوله المدرسة ومنه للعشرات يومياً

​كانت تجيبه حنه على البعض وتهمل الآخر حتى ثبتت أواسي البغضاء على سويداء قلبها وتمكنت منها تماماً فكرهته واحتقرتـه وعدّته كعدوّ لها وأخيرا صرّحت علانيةً بأن حبها له لم يكن لتستطيع قوة تحت السماء إزالته. وقد تقلص ظله وانمحق بدره بصلوات أمها المتوالية التي استجابها الله

كان يكتب خطيبها ولا من مجيب ويعلل عن سبب هذا الجفاء ولا من مفيد. فتأثر كثيرًا وقلق واضطربت أفكارهُ فبعث لها بنميقة نهائية مولفة من ثماني صفحات وهذه زبدة ما جاء فيها:

إنَّ حبي لك لأعظم من أن يوصف، ولا أرى في لغتي كلاماً يقوم بالتعبير عما في ضميري نحوكِ، ولم لا أحبك فإنك جميلة أديبة عاقلة متى أحببتِ أخلصتِ محبتك وانقطعت لها (وصارت قوية كالموت) وماذا أشهد عليك - أجتزئ بقولي الذي أثق بأنه شهادة حقة أنك ملاك ارضي

فيا أيها الملك أشفقي على صب مضى إن لم اقل على خطيبٍ لك تتوقف حياته على ميلك إليه. اذكري يا حبيبتي أنّ وقت المدرسة في مدينة منتر يال يقتضي سنتين فسعيت جاداً في إنهاء علم العامين في ستة أشهر ومحيياً معظم تلك الليالي الليلاء التي وصلتها بالنهارات بالدرس والمطالعة حتى أفلحت. رغبةً في إيجاز المدة المدرسية والحظوى بكِ قريباً فأعدّ نفسي سعيدًا أما الآن فتعيسٌ أنا وقد يقضى عليّ اذا تم المظنون يا حنة

​آه أيتها الدرة اليتيمة. إن رسائلي الأربع السابقة لم تحرز مراجيعها فما ذنبها بل ما ذنب كاتبها?

ما لك ياعزيزتي. إن لم يكن الجرم في هذا الأمر ملقًى على عاتقي فعلى من يكون? لا أحب ان أقول الحق عليكِ لئلا أخطئ فآه ماذا أكتب وماذا أعمل...أرجوك حبيبتي حنة أن تقولي لي ماذا خامرك من الأفكار...دعيني أرَ نورًا ولو ضئيلًا به أتأسى وأقول إنني تطمئنت بمعرفتي الداعي الذي دفع ذلك الملاك الأرضي للصدِّ والإعراض..أطلب إليك احارة الجواب ولو بعبارة وجيزة وحسبي ذلك

إنَّ يراعي لا يجري ومدادي لا يسيل وقريحتي لا تجود أكثر مما رقمت في كتبي الآنفة، فإن كتبت شيئًا الآن فهو ناجم عن لوعة قلبي والتهابه

إن البلابل قد أضاعت رشادي. والبرحاء أبلغت روحي التراقي، والدوار اخذ في راسي فلا استطيع إلى الدرس سبيلًا ولا احسن تنضيد عباراتي الآن كما تقتضي. ولست أهلًا لأكون طالب علم بل طريح اضطراب ومتوسد شجون. بل الأجدر بي أن أجعل معاجي لحدًا لأرتاح أو تفتح الأرض فاها فتسترطني لأختفي من عالم الوجود

لا جداء من إسهابي. بل كفاني القول في الختام: ارحمي قلبي ياحبته وأجيبي رقيمي هذا دفعاً لكل قنوط يستولي عليّ ​ويضطرني لقطع المكاتبة أبدًا ويحملني على عدم الإياب إلى مدينتي (ثلاثة الأنهر) ولن ارى أرضي فيما بعد وستحرم أمي من رؤيتي أيضًا، فتكونين أنتِ العامل الوحيد على حرماني من مشاهدة آلي وذوي ومعارفي. وصدي عن منابهة أشغال تعود بالخير عليّ وعلى من ذكر...إن جفاك هو السم الوحيد المنفذ إلى كبدي الحرَّى والقاضي عليّ

تعطفي حبيبتي وسيدتي فاكتبي وأعربي حقيقة الأمر ودعيني آخذ الوكتك برجوع البريد فأطفئ غل القلق والرّجم وأفهم شيئاً لم أَكن[errata 1] مفكراً به

أكدي يا مالكة الفؤاد أنني لا آلو جهداً في سبيل رضاكِ الذي أرى الدنيا هينة بجنبه. وإن أحبطتِ مسعاي أقضي نحبي وعلى الدنيا السلام * اسمحي لي بقبلة حارة من وردة فمك اللطيف واذكري مغرمًا فعل هواكِ به فلا ينجو من تياره

صديقك المخلص
الوحيد

لم تجب حنة رجعى رسالته وقطعت كل علاقة بينها وبينه لكونه غيوراً ولأن الأم سبقت فعرفت أنه قاس وفظ الطباع ومستبد في شؤونه ونزق الخفاق وأن حنة سوف لا ترتاح معه في مستقبل حياتها. ومنذ ذلك الحين لم يسمع عن الشاب شيئاً

​وما يحلو ذكره في هذا المقام ما روي عن الشاب نفسه أنه عزم مرة على الاعتراف في الكنيسة قبل الفصح وإذ كان يتردد يومياً إبان عطالته المدرسية إلى محل شغل حنه عند ابنة خالتها جاءَ كعادته ذلك النهار ولم يلقها هناك بل لقي ابنة خالتها فشرعا يتحادثان للتسلية إلى أن قال لها: ساذهب غداً إلى الكنيسة لأعترف

هي: أَحق ذلك?

― لم لا وأنا لا أخل بهذا الفرض الواجب في حينه

― وهل أنتَ مزمع بمساهرة خطيبتك حنه الليلة

― نعم وهذا فرض آخر لا أجحف نفسي عن موالاة القيام به إلا بعد مغادرتي هذه المدينة

― كيف تباشر هذا الأمر وأنتَ ناوٍ على الاعتراف إلى اللّٰه بذنوبك وعلى الفضيلة? ألا تظنُّ أنك تخطئُ باجتماعك مع حنة مع تصلي ولو بالفكر? فأشير عليك يا صديقي بعدم ذهابك الليلة إلى خطيبتك. بل بصرفك إياها بالصلاة...دع حنة تصلي لأجلك فذلك خير من إشراكها بالخطية معك ولو بالفكر

― عفوًا سيدتي أظنك غير مصيبة فيما قلته. فلا تحذري محظورًا إذا أنا زرت خطيبتي هذه الليلة قبل الاعتراف فليس في مجالستي إياها ما يحول دون إتمامي لما عزمت عليه في الغد فمحبتي نقية وهي مارك طاهر

​بعدما انقطع كلُّ وصل بين حنة وحبيبها صرفت همها عن الافتكار به لئلا تثير أشجانها وتهيم به ثانية، فتكون الضلالة الأخير شرًّا من الأولى. على أن الوجد كثيرا ما كان يستولي عليها فيفيض عبراتها وهي على سريرها فتفرج همًّا في الصدر ما زال كمينًا. ولسان حالها ينشدُ قول أبي الرمة:

لعلّ انحدار الدمع يعقبُ راحةً
من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل

أما والدتها فلم تفتر عن وعظها وتسليتها حتى زل ما كان أثره راسخًا في ضميرها وغهبت عنه. فمرت الأسابيع وانقضت الشهور وهي مهتمة بشغلها حابة النهار بعد سماع القداس صباح مساء مع والدتها وشقيقتها وأطفئت نار تلك المحبة تمامًا وخمدت قوتها التي وصفها سليمان الحكيم بقوله: (مياهٌ كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها)


  1. ↑ الأصل: اكون عُدّل إلى أَكن