انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 23

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٢٣

بعد ان انتظر ميخائيل على أحر من جمر الغضا جواب آله ويئس منهم بعدئذٍ كما ذكر كان يتقبل محررات من اصدقائه وخلص اخوانه يشيرون عليه بعدم وعده حنة بتزوجها لانها ليست مناسبة وان الامركية او الافرنسية لا تصلح للسوري لان فطرتها تختلف كل الاختلاف عن شيم العربي وفي الحين نفسه اقترح ​بعضهم في احدى الجرائد العربية النيو يوركية..

«هل الابنة السورية ام الاميركية أفضل لتكون زوجة للرجل السوري»

واجبت انا في هذا الصدد مقالة ضافية الذيول مثبتًا مناسبة —الامركية المعهودة—

فكان يجيب ميخائيل رسائل احبه مبديًا لهم حبائه وشكره ويخبرهم بان العلاقة مع حنة اصبحت وثيقة العرى وغير قادرٍ على فصمها

واذ وافتة رساله ابيه حلت عليه قوتها كماءٍ مبردٍ اخمدت جذوة من ضرم الحب والقلق. فوقع في حيص بيص من هذا الامر الفري الغويص. فلا يريد تخييب والديه ولا يشاء تبريد همة وغرام حنة ولا يروم اطفاء غليل حبه بالصد والجفاء بل بالقرب والوفاء..

فيا له من يوم اسود وساعة مظلمة. ويا له من اضطراب عنيف الراحة بعدت والافكار شردت. ما اطار منه الوسن. وحمله على احنجة الشجن

وبقي اسبوعًا بكامله لا تساعده يده على الكتابة ولا عقله على الانشاء وهو يتقبل رسائل كالعادة من حنة ولا يجيبها فخامرها العجب وسالته عن السبب فكتب اليها معتذرًا عن قصوره وقال بانه سيكاتبها بعد قليل منبئًا اياها بجديد لديه من نحو ابيه. ​فاضطربت تلك لذلك وسألته بلجاجة اعلامها عن حقيقة الحال مهما كانت فهي تقبل ذلك بسرور ويكون من بختها خير او ضيرٌ وتود معرفته مهما كان الامر

واما ميخائيل فكان قد اطلع بعض اصحابه في الجهات يستشيرهم في هذا الامر وماذا نجيب اهله وماذا يعمل في علاقة البنت التي اخلصته حبها وهل يقابل وفاءَها بنقض العهود وهل يقتضي تبليغها ما كتب اليه ابواه عنه لانه اعتقد بانهم لا يغيرون افكارهم من حيث البنت التي لم يخترها زوجة له

فافاده بعضهم واجاد واخرون محضوه النصيحة بالاذعان الى اوامر والديه اللذين ينظران الى مستقبل الايام ويحكمون على الشيء باختبارات ماضيهما لانهما محنكان

واذ عمت تلك الاشاعة وانتشرت في انحاء الولايات المتحدة وجهات كندا نالت ارضُ حنة رشًا من رشاش ذلك النبأِ المهم لذويه والعديم الاهمية لسواهم

فاستاءَت كثيرا وغمها ذلك الخبر المكدر وكتبت الى ميخائيل قائلةً:

ان كان صحيحاً ما بلغني وما وددت اخفاءهُ عني فيكون من سوءِ طالعي ولكن لي ملء الثقة بتعقلك ودرايتك ان تقنع اهلك بان الامر بخلاف ما سمعوا ان كان ذلك عن خبر ترامى اليهم او غير المظنون ان كان عن تخمين وتنبؤٍ. وان كانوا يخشون ​حرمك اياهم من رؤيتك لاضطرارك بالاقامة معي في هذه البلاد فطمنهم بيقين اني ارفقك الى دمشق الشام وايان تذهب اذهب

فما ضرني لو اتممت ذلك. وكله عرضي عند جوهر التحاب والاخلاص. ومتى اخذت جديدًا من الوطن فدني به

اقبل شعائر حبي وحاسياتي مشفوعة بمثلها من والدتي وشقيقيَّ

محبتك الثابتة
بامانة في حبها
حنة
.......


وكما لحق الرش بحنة اصاب ارض أسرتها في مدينتها (ثلاثة الانهر) فهاجوا وماجوا وكتبوا الى امها وقريبتهم ان تقف عند هذا الحد من الغي والعناد الذي يسوقها الى وخيم الغبة

متشبثين بما بلغهم عن ميخائيل بانهم طالما حينئذٍ رأوا ان الغريب السوري الذي يتشرف بانتسابه اليهم منعه اقاربه عن تزوج ابنتهم لمعرفتهم عدم مناسبة تزوج الرجل الا ابنة وطنه وهم بذلك مصيبون فوجب عليهم اذًا (اي اسرة حنة) ان يحاكوا السوريين بعملهم ويكتفوا بما لحقهم من تحدث الناس والهزء بهم

واأحوا على الأم بعدم انقيادها الى ميل ابنتها ان كانت لا تزال مصرة على الاسترسال في هوى ميخائيل

واذ انقلبت الحال وتغير المصير ووقع الحبيبان في عذاب ​غليظ اجابت حنة داعي الضرورة واخبرت ميخائيل بان خالتها وجدّتها وفلانًا وفلانة من ذوي قرباها قد خاطبوها ووالدتها بالالة التلفونية وكاتبوها بما سبق الالماع اليه

فصار الاثنان كمن كسرت به الباخرة في عرض البحر فعثر على دفةٍ صغيرة فركبها واصبح على وشك الفرق لمداهمة الخطر اياه من وقت طال واسماك تدنو منه تبغي التهامه وموج عنيف يلطم تلك الدفة الصغيرة وقرٍّ فارس فاخذته قشعريرة وخوف شدید احرمه الرقاد وكلالٍ عراه فاذاب صبره وجوع اودی به وعطش مع حر النهار احرقه وقنوط استولى عليه فصور له الموت الواناً مريعة ومع كل ذلك فأمله بالخلاص من سفينة تمخر نحوه فتنتشله من الردى يجدد قواه

هكذا اصبحت حالة ذينك المحبين اللذين بذلا كل وسع في سبيل الثبات والمروة والوفاء

كان ميخائيل يراسل والديه بلا انقطاع في هذا الشان مبرهنًا لهما عن خطاهما ومؤيدا صحة قوله وعمله ومثبتًا لهما ان حنة هي ليست كما يزعمان او يعتقد الاقدمون او يستريبون بعوائد الافرنج. فذهب كل قوله سدًى اولئك الدمشقيون حرضوهُ على عدم الافتكار بتة بحنة وهكذا حظروا عليه امر مكاتبتها مستحلفينه بالطاعة الوالدية والمحبة البنوية سماع صوتهم واجابة ندائهم والعمل بوهيتهم

​فكان الامر اخف حكمًا على ميخائيل من حنة التي كانت تناهض كل اقاربها الادنين مصرةً على عدم صرم حبيبها ودَّها

فانهى المسألة ميخائيل بكتاب الى حنة فيه يقول: انني لا ازال مبرمًا على آلي في الجدال لاقنعهم علهم يسلمون بطلبي. لانهم وان لم يشدوني في الوثاق ولم يضربوني بعمد الحديد ليجبروني على الاقلاع عن العلاقة المتينة التي بيننا فاني تقديرًا لافضالهم السابقة واجابة لصون الانسانية والوصايا الالهية القاضية بطاعة الوالدين ابقى محافظاً على كرامتهم ومنتظرًا جوابهم الحامل رضاهم عني وقبولهم طلبي والمبارك عملي. وارى انك تحكمين بصوابية رايي لانني اعترف بطاعة الوالدين كما انك تجلينها عملاً بوصية الرب القائل: اكرم اباك وامك ليحسن اليك و يطول عمرك على الارض

محبك
ميخائيل


همدت نار المراسلة بعد تأججها من ذكاء المعنى من حيث الشعائر القلبية والمبنى من حيث حجم تلك الرسائل الضـ الذيول. واعتيض عن اليومية بالاسبوعية ثم لسبب جهله ميخائيل قد عرا حنة داء القاها طريحة الفراش فبقي زائرًا احشاءَها الاشهر الطويلة في خلالها لازمت سريرها وانقطعت عن المكاتبة ضرورةً.

وقبل مرضها جاءَت مدينة منتريال لامتهان صناعتها وهي ​اصلاح القبعات النسائية. وليتأمل القارئ في كيفية الابتعاد فانها لما كانت في مدينة (ثلاثة الانهر) كان هو في منتريال ولما غادرها الى نيو يورك جاءَتها هي

واذ اشعرت بانحراف صحتها وتألمها من ذلك بارحت منتريال عائدة الى امها وكتبت الى ميخائيل رسالتها الغائية وهي:

قد خارت قواي ولا ادري ما هو الذي عراني فقد حل في كل اعضاء جسمي فاخذ مني ماخذًا عظيمًا وها انا لا احسن عملَ شيءٍ وارى انحطاط جسمي يخيفني كثيرًا ويحملني على الذهاب الى امي لانني لا اريد ان اموت في منتريال بعيدة عن عينيها

لا تساعدني قواي على الاسهاب اكثر بل اعدك بمعاودة مكاتبتك متى نقهت. وألتمس منك الا تحرمني من اقوالك اللطيفة التي تعزيني وقد تكون معينة للدواء لدائي. ولك مني كل محبة.

حنة
......