انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 22

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٢٢

اشخص بالقارئِ الكريم الى جلق الفيحاۤء وأهديه الى منزل میخائیل فنرى هنالك والديه مستسلمين الى الشجون والاحزان وامه تمسح بمنديلها دمعها الغزير وتندب سوء طالعها وما تؤول اليه حالها من الحزن والخسف والهوان وعيشها من الجفاء والمرارة بعد الغضارة. التي لم يفدها الكتاب الثاني من ميخائيل المثبت عزمه والمحقق ما اشاعه حتى كادت تقضي نحبها وغابت عن صوابها

فاجتمع حولها الاقارب والجيران بعضهم يعزيها ويلطف مصابها برقيق عبارات دلت على سموّ مداركهم وآخرون جسموا الخطب وهولوا نتيجته وقالوا لها:

ان لم تتداركي الامر للحال وتنقذي ابنك من مخالب مكيدة منصوبة له وهي وقوعه في شرك اجنبي لن يتملص منه. وهذا القدر ليس منه مفرّ

فسألتهم: وماذا تريدون ان اعمل ارجوكم ان تمدوني بآرائكم. أن تتحفوني بأقوالكم. ان تبادروا الى مخائيل بمكاتباتكم. ان ترشدوه بنصائحكم. ان تقنعوه ببراهينكم. لاني لست قادرة وحدي ان اردعه عن اهوائه فألتمس منكم ان تساعدوني في هته المهمة والا فخسارتي عظيمة وخطبي جلل لقطعي الامل من مهجة فؤادي وحبيبي الذي لن اراه فيما بعد فيقطعني ويقطع ​رحِمهُ ويغنَ بتلك الافرنسية عنا وعن وطنه ومواطنيه

فلا كانت ساعة فيها تعرّف بتلك الاجنبية ودقيقة فيها طرق مسامعي ذلك النبأ الذي سكها ويا ليتني لم أخلِ سبيله ليذهب الى الغرب ويكون نائيًا عني لا اقدر ان اراه او اسمعه او احادثه او اراقبه فاهٍ. وا حسرتاهُ.

فأجمعَ الجمع على تسطير نميقة مسهبة ملؤها حكمٌ وارشادٌ وكلها رجاءٌ والتماسٌ يطلبون فيها الى ميخائيل اجابتهم الى طلبهم مهما بلغ الامر وتوصل اليه حبه معتقدين بالامثال العامية القائلة: من أخذ من غير ملته ماتَ بعلة غير علته—وزيوان بلدك ولا القمح الصليبي او الغريب الخ.

فباتفاق الاراء كتبوا رسالة ضافية هذا ملخصها بتوقيع الاب:

ما من الحزم ان تقارب أمرًا
تطلب البعدَ منه بعدَ قليلِ
فاذا ما هممت بالشيءِ فانظر
كيف منه الخروج بعد الدخول

يا ولدي ان انقطاعنا عن مجاوبتك لوقت دليلٌ على امر ذي بال جارٍ عندنا وهو الحزن الذي جلل بسواده جدران منزلنا وغشي بصائرنا ودواخلنا فأحدث الاضطراب فينا والحيرة فيما نكتب والانذهال من عملكم وتضارب الظنون فيه لعهدنا بكم ​الحكمة والروية والعقل الثاقب والقلب النقي والادب الرائع والراي المنير. فهالنا ما صنعتم وساءنا ما ارتأيتم ولكن:

الرأي يصدأ كالحسام لعارضٍ يطرا عليه وصقله التذكير

فها ننذركم وننبهكم لغلط منكم صدر وليس بالمستغرب لانَّ: ((لكلِّ عالم هفوة ولكل جواد كبوة)) فافيقوا من نشوة غير منتظرة منكم دعتنا حيارى وكنا والناس لاول رسالة وردت منكم بين مكذب ومصدق ومخمن ومرجم الى ان وافتنا الثانية مثبتة صحة اختها فصدقنا وانكرنا عليكم هذا الامر لاننا نعتقد ان عملكم يكون خيرًا من هذا ورايكم دومًا مصيبًا لما الفناه بكم من العقل السامي الشريف ولان ((العاقل الدين شريعته والحلمُ طبيعته والرأي الحسنُ سجيته))

ونحن ندأبُ بمديحكم ونفاخر بأديكم ونعترف بسمو مدارككم ونبني عليكم امالنا الوطيدة ونحيي قلوبنا بذكر لنا يخلد بكم من بعدنا فندوم احياء لتخليفنا خلفاً مجيدا واثرا حميدًا. ونتوقع ان نفرح بكم بمشهد منا فنقرّ نواظرنا ونفرح افئدتنا. ونراكم الآن تتسرعون لاتيان امرٍ قد يكون موافقًا والارجح عدم موافقته وتتميمه بعيد عنا فيصير لكم الفرح ولنا الترح وقد لا يدوم ما يتراۤءَى لكم حسنًا. فمهلًا مهلًا بنيّ ولا تسارعوا الى امور خطيرة ​كهذه لانها اما سعادة او تعاسة السنين وهي حياتكم كلها

اذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا تدبُّرٍ
فان فساد الرأي ان تتعجلا

فكيف تقدمون على عمل لا تحسبون له عاقبة وقد تتكلون على حلمكم وعقلكم بانكم تستطيعون احسان معاشرة تلك الغريبة ولغتها والقيام بواجباتكم نحوها وتصورتم بكل ما هو سهل وتذكرونه وغاب عنكم كل ما هو شاقٌّ ويتعذرُ عليكم القيام به. فلا تتهوروا وتندموا واذكروا قول المثل العربي. ((لا تشرب السم اتكالًا على ما عندك من الترياق))

فما هو الخير المرتجى من غريبة لكم وما هي السعادة المنتظرة في المستقبل لكم ومتى تخالف الذوقان وتضارب المشربان وتباينت الغايتان وتناقض المذهبان وتلاعب على مرسح غايته الشيطان. قل هناك الهول الاكبر واللوم الاكثر والموت الاحمر وقيل (من فسدت بطانته كان كمن غصَّ بالماء) فيا ولدي ان (اعمالك نِية ان لم تنضجها بنية)

فاقلعوا عن الافتكار بعدُ بامر تزوجكم غريبة ليست منكم ولستم منها وما هي معرفة الشهر والشهرين التي لا تخبر الانسان مثل معاشرة السنين. وهل تحكمون بان تلك الافرنسية هي كما وصفتموها لنا فيما يفهم منه بانها عربية وذلك بعيدٌ وهي اجنبية ​افرنسية غريبة. اذكروا قول سليمان الحكيم: ضررًا يضرُّ من يضمنُ غريبًا —وفي موضع اخر— خذ ثوبه لانه ضمن غريباً. ولاجل الاجانب ارتهن منه))

فلا يغرّنكم قولها ووعودها ان كنتم معولين على ما ابلغتكم اياه واتبعوا خطة عقلكم الاولى لا ميلكم الموقت الذي بصورها لكم الهة الجمال والكمال وقد قال الحكيم : (الغبي يصدق كل كلمة والذكي ينتبه الى خطواته) ولا تبقوا مصوبين رايكم ومستحسنين عملكم غير مكترثين بنصائحنا ومعيريننا انتباهكم لان (طريق الجاهل مستقيم في عينيه. واما سامع المشورة فحكيم وايضاً — كل ذكي يعمل بالمعرفة. والجاهل ينشرُ حمقًا) اخذًا بقول سليمان الحكيم

ان اكبر سرور ومعزٍّ لنا هو زواجكم وفرحنا بكم وهو خيرٌ لكم ايان وجدتم وقيل: من يجدْ زوجةً يجد خيرًا وينال رضًى من الرب اما الان ايها الابن الحبيب. والشهم الحكيم النجيب — فقد تجاوزتم الحد وجئتم امرًا معه لا نستطيع الى الصمت سبيلا وما يزيد قلوبنا اشتعالا هو ابتعادنا عنكم وعدم مقدرتنا استلام زمام هذه القضية بنفوسنا

ولذلك فتروننا ننتظر اليوم بمثله لناخذ منكم علمًا ونبرد قلوبنا بندى درر اقوالكم الرطيب وقيل: (مياه باردةٌ لنفس عطشانة. الخبر الطيب من ارض بعيدة)

​نحن يا حشاشتنا لا نود جذيكم عن عمل فيه خيركم ولا نردعكم عن البذل في سبيل العلى ولا نسألكم مدنا بنتاج اتعابكم ولا نستعلم عما تعملون وما تحرزون من الراتب والمال فان تحسين ما يؤُول الى اسمكم نفتخر به وما تنفقونه لاثرٍ نفيس نتمجد به ولكن ليس على حبيبتكم فيكون كماءٍ صبَّ في كأسٍ دهاق:

ونافس ببذل المال في طلب العلى
بهمةِ محمودِ الخلائق ماجدِ

كلَّا بل نشجعكم على اقتحام صعاب الامور الادبية التي ينجم عنها كل سمعة حسنة وصيت شهير ونقول لكم اجروا ما تستحنوه في كل شرف اثيل وان افضى بكم الامر الى استنجادنا في كل شيء فلا نحجمُ عن مدكم به

بادر هواكَ اذا هممتَ بصالحٍ
خوف الغوالب اذ تجيءُ وتغلبُ

فبحقنا ورضانا عليكم ان ترعونا اذنًا صاغية وتعملوا باقوالنا وتكسبوا ادعيتنا المتواترة وصحتنا التي لا تستكمل الَّا متى ايقنا بنسيانكم حبيبتكم حنة وهجركم اياها وانصرافكم الى شغلكم وهمكم وشرفكم

ارحموا دموع والدتكم التي تسيل مدرارًا واذكروا حنوها الوالدي واعلموا انها تموت كمدا ان لم ترحموها فتحيوها. اشفقوا ​على كبرنا الذي اشعل رؤُوسنا شيبًا. وافونا بالتطمين اي الجواب بالايجاب وهو الخبر اليقين اسمعوا وصايانا ولا تتهاونوا في أمر صرم حبال مودة تلك الافرنسية لئلا تبلغ عوامل الغرام اشدها فتقهركم وتتسلط عليكم فتصبحون اسيرَ ملكة تلك الحرب اللافح:

واطع اباك بكلِّ ما اوصى به
ان المطيع اباه لا يتضعضعُ

وندعي لكم بطول عمر وفلاح وتوفيق ونجاح وصحة تامة وخير ورخاءٍ من لدن فاطر السماء والسلماء

الداعي لكم
بجنان ابوي
والدكم
ن
.......