من الملوم/الفصل 20
٢٠
واذ دخلت الغزالة مرقدها دخل ميخائيل عربة القطار فسار وهو يحسب الدقائق ساعات رغبة بالاسراع وفي المحطة الثانية راسل حنة بلسان البرق منبئًا قدومه وحين وصوله
واذ بلغ البلدة التقى بشقيق حنة الذي خف لاقتباله حسب نصّ رسالته التي بعث بها صباح ذلك اليوم لا التلغراف الذي لم يردهم. فاستغرب ميخائيل من عدم اتمام تلك الخدمة في ادارة التلغراف
فأمَّ الاثنان المنزل فألفيا اربابه ببابه يتوقعون قدوم القادم الحديث السنّ والعلاقة. وعادت مياه الانس والبهجة الى مجاريها والتحم جانبا الحبيبين كما كانا متلاصقين قبلًا
ومما يحلو ذكره ما حدث آنئذٍ مع ميخائيل بمشهد حنة وهو بانه كان قد سبقَ فارسل اليها مجلة افرنسية تدعى السبت (لسامدي) وهي اسبوعية وكما هو مقرر ومفهوم لدى الجميع بان الجريدة او المجلة ترسل رزمًا إلى البوستة فيدفع رسمها حسب الوزن ولا تبصم عليها طوابع بريد
وهكذا كانت ترسل تلك المجلة اسبوعيًا الى حنة بدون طابع بريد عليها
فالابنة التي هي مديرة شؤُون البريد في القرية التي تقطنها حنة تجهل هذه القوانين. واذ رأت تلك المجلة بدون علامة تشير الى انها مدفوعٌ رسمها. فرضت على كل عدد رسم ثقله العادي وضعفه جزاءً. واضطرت حنة الى دفع ٢٦ سنتًا جزاءً عن بضعة اعداد وهي قيمة طفيفة دفعتها بدون إباء ولم تشأ ان تقاوم المديرة حباً بميخائيل. بل احتفظت بقصاصة الاوراق التي مقيدٌ عليها قيمة الرسم
فابلغت ميخائيل الامر في زيارته الاخيرة وقالت له: اريد ان اعلمك بذلك لمعرفة قانون البريد وحقوق البوستة ولم أشأ ان اخبرك بذلك قبل اليوم لوجيز القيمة وعدم استحقاقها الذكر
فسألها ميخائيل: اهل لديك مذكرة تستلفت بها انتباه المديرة الى الامر او نثبت عليها صحة الفعل? فأرته تلك الاوراق التي اخذها في الغد تصطحبه حنة الى البوستة فسأل المديرة:
انني قد بعثت الى الانسة.....مجلة —السبت— فلم غرمتها جزاءً عليها:
― لان المجلة خالية من طوابع البريد ولي الحق ان اتقاضى رسم الحكومة
― نعم ان كان الامر كما تقولين. ولكن ما قولك في ان تلك المجلة مدفوع رسمها قبل مبارحة مدينة منتريال. ولو بحثتِ عقليًا في ذلك لحكمت بأن كلما يخرج من ادارة البوستة يكون رسمه مدفوعاً. وانتِ هنا لا تقبلين وريقة ما لم تتقاضي رسمها
― اذًا ينبغي ان اعتقد بان —لسامدي— خالصة أجرة البريد
― لا ريب في ذلك
― وبناء عليه لن اسأل الآنسة حنة فيما بعد لتدفع لي شيئًا
― والمدفوع لك?
― لا ادري
― اسالك تمام المعرفة لانك قد غرمت هذه الآنسة ستة وعشرين سنتًا التي استعيدها منك الآن
― لم اكسب ذلك لنفسي ولم اودعه جيبي بل بعثتُ به الى خزينة الحكومة في (اطوا)
― ان كانت القيمة هنا او هناك المامول اعادتها الى المدفوعة منها. واصراري هذا لا لطمع بقيمة بخسة كهذه بل تحصيلا المنى. وكان في ذلك النهار يجب ان يكون في نيو بورك قيام بوعده
واذ توارت الشمس رمسها ودع ميخائيل تلك العائلة والقلوب مظلمة مضطربة والعيون شاخصة اربعة منها أسالت العبرات وتكلمت بلغات تخصها والاخرى عراها الجمود — وبارحهم مودعًا قلبه عندهم ومستعيضاً اياهم به من قلوبهم جمعاء