انتقل إلى المحتوى

من الملوم/الفصل 2

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

​

٢

أما حنة فهي إفرنسية الأصل كنديانية الموطن حسنة الخلق والخلق ومن ترب ميخائيل سنًّا ان لم تكن أحدث منه ومن أسرة عريقة. وقد تلقنت في المدرسة والدير العلوم التي تحتاجها وبعد أن تخرجت في الأدب رامت أن تتعلم صنع القبعات النسائية وإصلاحها فدخلت محل ابنة خالتها لتلك الغاية وحازت قصب السبق عليها

وهي بارعةٌ في الجمال ذات عينين زرقاوين تحاكيان عيني ميخائيل تماماً وقد تكون تلك العيون هي الباعث على الاتفاق الذي نأتي على ذكره او بالحري نحن بصدده. معتدلة القامة ذاتُ ذكاء فائق يُؤيده ما سيردُ في حينه. أخت الادراك البعيد الشأو ولين الجانب والمصانعة حسنة التربية التي قل عنها التربية الشرقية المعهودة. فإنها لا تجسرُ على الظهور من منزلها إلا مرفوقة بأحد إخوتها او أخواتها او والدتها

وهكذا شبت هذه الابنة الشريفة على خير الخلال بخلاف أولئك البنات الإفرنجيات ذوات الحرية المعروفة. وأمها ترملت في ريعان الصبا ولم تشأ التزوج ثانية حباً بأولادها لأنها رغبت في تربيتهم على أخلاقها النقية وهي تقية تواظب على الكنيسة يومياً ومثلها ضنوُها

فحنة كان قد خطبها شابٌ من جنسها ومدينتها وهو من طلبة ​إحدى المدارس العالية الداخلية فوهبها قلبه ووصلها في حبه العميق العفيف. وإذ عزم في بدء السنة المدرسية على مبارحة تلك المدينة لإنهاء علومه في المدرسة الملكية الرئيسية في مدينة (تورونتو) من أعمال انتاريو في كندا جاء لوداع مالكة فؤاده حنة وبقلبه لهيب أیقن بازدیاد اضطرامه إبان غيابه إلى أن يتسنى له العود لرؤْيتها فيطفئ تلك الضرمة بمياه الالتقاء والقربى الدائمة وقد عول على التزوج بها بعد إيابه من سفرته

فجلس وإياها يتحادثان في المواضيع المختلفة وكان يوصيها بعدم إهمال مراسلته الغير المنقطعة المحاكية مكاتبته المتواصلة أو بالحري اليومية إلى أن قال لها:

حبيبتي حنة أحذرك بألَّا تتلقي رسائل من مصادر غريبة إذ يدلُّ ذلك على قبولك وارتياحك إلى مكاتبة الغير ولا أحب أن أعلم أنك كتبت إلى احد او كتب أحد إليك. ولا أريدك أن تقبلي أحدًا يزوركِ أيًّا كان ولا أشاءُ أن يأتي احدٌ محل شغلك أثناء النهار ليراك هنالك. ولا أرغب في أن تصرفي سهرة مهما قصر وقتها خارج بيتك لأنني أعتقد أنك لي ستكونين وليس لأحدٍ سواي. فأقلعي عن الافتكار بالغير إن كان لك علاقة به واعلمي بأنني أنا الفرد الذي تكونين أنت الوحيدة له وهكذا يدوم كلٌّ منا للآخر. وإلَّا فإنك تثيرين خاطري فيتولاني الغم والقنوط ولا أملك عنان خلقي ولعلي بهذا أسيءُ إلى نفسي فيلحقك ​بعض الإساءَة وأنت كما أعلم لا تودين ذلك

فمن حبِ حنة له ومحافظتها على الآداب وحقوق المصادقة أذعنت بأوامره وكانت تجيب على كل بند اشترطه عليها: نعم. نعم. كما تشاء. ليكن كما تريد انني لا أقتبل فيما بعد رسالةً من أحد ذكرًا أو أنثى. ولن ينل سواك مني حرفاً واحداً بأي معنى كان. تمّ الحديث وام حنة مصغية لكل كلمة يتكلمانها فتأثرت كثيرًا لسماعها الشاب آمراً على ابنتها بلهجة عنيفة وساناً لها شروطاً صارمة ومهددًا إياها بما لم يفهم. فهمت مرارًا لتعنيفه على ذلك وطرده إن اقتضاه الحال لكنها أحجمت عن العمل وسكنت جاشها ولم تنبس ببنت شفة وأضمرت في نفسها عدم تحقيق أمنيته من ابنتها—وسكوتها عندئذ لأنها أدركت أن حنة مرتاحة إلى كلام خطيبها مهما كان مرًّا

وإذ كانت الساعة العاشرة ليلا انصرف الخطيب مودعًا حنة وبقلبه ألوف الحسرات على ما يحرمه من مشاهدتها ردحاً مخلفاً لها التأثير والوحشة. لأنها كانت تحبه كثيرًا لكنها لم تتجرأ أو تنقبت ببرقع الخجل عن إيضاح حبها له

فتقدمت تلك الأم الرؤوم من ابنتها وخاطبتها قائلة: ولدي. أنا لا أريد ان تكتبي لذلك الشاب فيما بعد أبدا

― ولماذا?

― أنسيتِ[errata 1] ما كان يتطلبه منك ويشترطه عليكِ?

― ولمَ لا أعمل بقوله?

​― يجب أن تكوني عاقلة يا حبيبتي وبعيدة المرمى في فهم شروطه فتدركي غايتها الممزوجة بالاستبداد وحب الذات والغيرة والحسد والتحقق ئي عندئذ انه غيور وحسودٌ جدا وذو الصفتين المذكورتين عدوي فهل ترومين التزوج بعدوّ أمك يا سواد قلبها?

― لا ليس بعدوّ امي ومتى ساوركِ البغضاء?. كم كنتِ تحبينه قبل هذه الساعة فما دعاك إلى هذه البغضة الاختلاقية?

― حبيبتي. كنت أود ذاك الشاب كثيراً بل أكثر منك لكني عندما تحسست وفهمت موضوعكما الأخير لم تعد لي طاقة على احتمال كلامه وهممت بطرده من منزلي لو لم تتداركني الحكمة وحب الشرف. فإننا يا عزيزتي حرائر ولا من باعث لكل ما اندفع به من الحديث الأخير. وموافقتك لقوله وعدم دفعك إياه بالحجة الدامغة يثبتان له الريب بكِ من حيث العلائق مع سواه فالحق إذا عليك بالسكوت وليس بحرٍّ من خطيبك أن يفاتحك بقول تافه كهذا فيا للخجل

― لو أقدمت على طرده لسبقته إلى خارج الباب وشققت عصا الطاعة لك هذه المرة ولو لم أجرِ ذلك في حياتي

― لا أتوقع منك أن تجيبيني هكذا يا ابنتي لعهدي بك الروية والحكمة ويجب أن لا تدعي حبك أعمى يسبل ذيل المعذرة عن كل هفوات وسيئات خطيبك نحوكِ. ألا تعلمي يا حبيبتي أن ​أوامره التي ألقاها عليك لهينة جداً بجنب تلك التي ستعقب بكل تأنيبٍ عنيف وقصاص شديد? استوعبي يا ولدي قليلاً فيما كان يبلغك إياه من البهتان وما كان يهددكِ به ولو لم يفصح

― مهما كان الأمر فأنا أحبه وبناءً على حبي له يجب أن أطيعه. وإن كنت تريدين جذيي عن محبته والعمل على قطع كل علاقة لي معه فسترين ما لا يسركِ وتندمين على ما جئت به ولا أودُّ منك أن تشددي عليّ أكثر من ذلك وإلا فالبزيادة

قاطعتها أمها قائلة:

أنا أبينُ لكِ خطأكِ في عملك وتصويب سهمي نحو هذه الرمية فإما أن تصوبي رأبي وتعملي بمشورتي فتربحي أدعيتي ورضاي وتعيشي سعيدة دهرك وإلا فالراي لك في اللبث مصرة على عنادك. وتلقين في حياتك عيشاً مضاً مع رفيق صباكِ الذي قد ترينه اليوم ملاكاً منزلاً من السماء والحقيقة هي بخلاف ما تتصورين بل كفى ان قلت لكِ أنه حقود وحسودٌ وغيور. (لأن الغيرة هي حمية الرجل فلا يشفق في يوم الانتقام) أخذًا بقول سليمان الحكيم

يا حبيبتي تروي قليلا وارعيني سمعك واعلمي بأنكِ في خلال إقامتك مع بعلك هذا لا تجسرين على النفاتة لليمين والشمال إلا وعين الزوج مراقبة بتيقظ لكلِّ دقيقة من حركاتك لانتقادها فآه كم أتألم لحزنك يا ابنتي التي ربيتها مضحية نفسي لأجلها وأجل ​إخوتها ورفاهتهم. وقد أبيت الزواج ثانية لأصرف همي إلى تربيتكم

فما لي سوى سؤال المهيمن العظيم هديكِ لما فيه خيركِ ونجاحك في المستقبل وإلهامك لمقت ذلك الشاب فتكسي حياتك الثمينة. وصحتك في جسمك اللطيف كوني إذًا عاقلة واعملي بقولي لأن الحكيم سليمان قال: حكيم القلب يقبل الوصايا. وغبيُّ الشفتين يصرعُ

اصاخت حنة لكل كلمة قامت بها أمها وعلمت أن قولها حق لكنها لم تحول أفكارها عن غايتها للساعة وإذ أدركت الوالدة أن ابنتها فهمت قوة الكلام وعولت على العمل به أيقنت أننه رسخ كالأساس في عقلها وأن ما سياتي من الأيام والإنذار يعمل على تتميم البناء بمناصرة العامل الأقوى وهو النوى. وقد قيل : البعد جفاءٌ


  1. ↑ الأصل: أنسيتي عُدّل إلى أنسيتِ