من الملوم/الفصل 19
١٩
آب ميخائيل الى مدينة منتريال مجتازا تلك المسافة في القطار بدون شعور بها لانه غاص في لجج التصوّرات التي اودعته قاع الخيالات والاحلام فكانه لم يبارح الحبيبة اذ انه كان يحادثها ويمازحها ويسارّها كالعادة حتى بلغ مدينته فهب من تلك الغفلة مذعوراً لعلمه بانه امسى بعيدًا عن انس الحبيب وان ما كان فيه من الحال اثناء الطريق هو اضعاث احلام
فعاد الى حزنه وتأَملاته ورسائلة الضافية اليومية المقابلة مثلها من ذلك المثيل. وقد صرف همه عن الاشغال ورغب عن كل حال الى ان يحظى بحنة التي بني عليها كبير الامال...
واذ قد وعدَ آله بزيادتهم ايضاحًا في شان الابنة نمق لهم كتابًا مفاده: بانه قد علق بالبنت وهام بها كثيرًا وهي تستحق كل ذلك لجمعها جمال بين جاذب يسحر العقول وادب وافر ياخذ بمجامعها ولسان حديدٍ مع ذكاء رائع ما يغالي الصديق به وخليقة بان تحب حباً ارقى من العبادة. وبانه لم يكن متوقعًا ان يتصل حبهما الى هذا الحد:
فقد تآلف قلباهما وتمكنت رباطات الحب بينهما رغماً عن كل الموانع التي كانت تحول دون مرامهما
وبانه قد ابلغ اهله بذلك اجابة لداعي واجب البنوة ولصوت ذلك الحب الذي بلغ منه مبلغًا عظيمًا فحمله على اباحة امر هذه الحكاية
وقد ابان لهم بانه قد يستحيل فصم تلك العروة الحبية التي قد تمكنت من الحبيبين وان البنت مع وفرة ما لاقت من الصعوبات في طريقة هذه العلاقة من آلها لم ينثنِ عزمها عن مواصلته حبها ولذلك فيجب عليه ان يحاكيها بعملها عملًا بشروط المروءة والوفاء
وانه وان قام بهذا الواجب يرى مع عقله المعهود عند ابويه بانه مصوّب سهمه وبانه ليس بمخطئٍ في عمله. فضلاً عن ان البنت ستصحبه الى دمشق متى عزم على الشخوص اليها وقد طمنهم من هذا القبيل
وختم كتابه برجائه ابويه ان يوافقاه برأيه ويسمحا له باتمام العمل ويدعيا له بالتوفيق وان يصدقاه القول بانهما قد قبلا من كل قلبيهما وبملء ارادتهما
فطوى رسالته وبعث بها على جناح البريد ملحًّا بطلب الجواب العاجل
وبعد ان صرف الاسابيع خليًا من الاشغال ومحشوًا من الشجو قنطَ من البطالة وقطع مكاتبة اصحابه صارفًا الوقت الى مراسلة حنة
واذ ورد رسالةٌ من صديق له حميم صاحب جريدة عربية في نيو يورك ليسأله ان كان يحب أن يعلن طلب مركزٍ في بطن جريدته يفعل ذلك بسرور. فبشكر اجاب طلبه وأثنى على حبه الصادق ووفائه الاخلاصي
وبعد الاعلان ببرهةٍ يسيرةٍ طلبه احد تجار نيو يورك ليكون عندهم كاتباً يقوم بمتطلبات الكاتب التجارية فقبل ووعدهم بالايجاب والحضور بعد ثلاثة ايام
هنا الحزن الاشد تاثيرا والمصاب الأكثر هولاً لتنائيه عن حنة مسافة شاسعة حيث ينتقل من مملكة الى اخرى. فوقع في حيرة فيما يجري وكيف يفاتحها في ذلك وكان قد اكد لها حبه وميله الى الاقتراب منها ما امكن
ولكن اذ ان الحرّ متى وعد وفى وجب عليه عدم الاستسلام إلى اهواء نفسه وبات تلك الليلة غير ذائقٍ لذة الكرى وهو يفكر فيما يعمل مع ولدي حنة وفي سفرته البعيدة الغير محدود اجلها
فهب عند انقشاع الظلام قليلا وانار المصباح وشرع يكتب الى جنة منبئًا اياها بكنه الامر ومنذرًا اياها ان بنيته وداعها في بلدتها ولو اقام عندها ثلاث ساعات وانما عمله هذا تتميمًا لواجب الاخاء وعملًا بحقوق الاصدقاء والوفاء وان ذهابه اليها سيتم في مساء ذلك النهار حيث يبلغ تلك القرية في الهزيع الثاني من الليل