من الملوم/الفصل 18
١٨
اما ميخائيل فكان يقيم سحابة النهار داخل المنزل كالاسير مع تلك الاسيرة اللطيفة والام المحبة والشقيقة الماثلة والدتها في المحبة
وكان يوميًا يطلب الى الام ان تسمح له بالسفر الى منتريال وهي لم تفعل بل حددت له الوقت نصف هلال. فلم يخالف لها امرًا بل سألها ان تسمح للحبيبين في التنزه ثاني الايام في البرية على عربة مسافة ثلاث غلوات فقبلت حياءً منه
وفي اليوم الثاني تأهب الخلان الوفيان للمسير واذا بالعربة قد اقبلت فصرفا الحوذي وتخذا على عاتقهما امر السوق وهكذا كان فدعت لها الام بالانبساط والتوفيق وسألتهما الإياب العاجل
فسارا متناسمين ومتنشقين نسم الهوى والهواء ومتبادلين رقيق الاحاديث العذبة حتى ابتعدا عن البلدة وصارا في منتصف الطريق تحيط بهما السهول المكتسية دثارًا قشيبا ناصع البياض من الثلوج المتراكمة التي تسفيها الرياح الى الطريق فتؤلف تلالًا واودية من دقائق الثلج الجاف لشدة البرد حيث المارة لا يرون سوى بضع خطوات الى الامام والوراء
وكان يومئذٍ نهارًا جميلًا ذا سماءٍ صاحية وطقس لطيف فلم يكن حديث الخلين سوى في امر السعادة التي ستطرأ عليهما من اجتماع كوكبي سعدهما ومعيشتهما على بساط الراحة وفي منزل الهناء وماء اخلاصهما زلال وطعام عيشهما مريءٌ هنيءٌ
وبینما هما يبحثان في امل وطيد ويوم عتيد اذا بسهم ناري اطلق بجانبهما الايسر حيث ميخائيل فاضطرب الاثنان والتفتا ليستطلعا الامر واذا بشارل لاثمًا ومقتحمًا العربة شاهرًا بيده مسدسه وصارخًا بميخائيل بعنفٍ ليذعره وقال له: قد دنا اجلك يا غريب وليس لك من حنة نصيب ففكر بموتك القريب
هتف ذلك بالافرنسية وعيناه تتقدان غضبًا وهمم على ميخائيل شاهرًا مسدسه واطلق عيارًا ناريًا منه جمح الجواد براكبي العربة لا يثنيه شيءٌ وقد اشتد عدوه حتى غاب عن بصر شارل بالمركبة ومن فيها
فشرع هذا يطهق ويركض ولا من فائدة الى ان عيّ بامره وغلب عليه وعاد بصفقة الخاسر المغبون بل الآئس المنبوذ ابدًا. فجعل يندب سوء حظه لعدم تحقيق امنيته. ولم ترِ زناده في هذه الفرصة اذ كان يقول دائمًا للام: انني أيان ألتقي بحنة منفردة. افرّ بها رغماً عن ارادتها
وهكذا كانت تحذره وتتقي جانبه خوفًا من ان ياتي عمله المنكر بتتميم قوله المذكور
مسكينة حنة كم خفق قلبها وامتقع لونها وطار فؤادها وغاب رشادها تلك البرهة التي فيها خرج من الارض ذلك (الشيطان الرجيم) لينفذ مكيدته بما اضمر لميخائيل الذي لم يسئ اليه قط وبتلك الابنة العفيفة النفس والذيل التي لم تقابله بما يحمله على هذا العمل الجهنمي الشيطاني
فاجل الشاب بعيد قسراً عنه وثوب الابنة نقي عنوة عن قوته وحيلة الدنسة الرجسة
فاتفق ميخائيل وحنة الَّا ينميا الامر الى الام لئلا تغتاظ وتتأَلم وتتلوَّم عليهما لذهابهما وحدهما الى برية خالية من الناس وشكرا اللّٰه لانقاذهما من يد بربرية وثرثرة عالمية وشماتة اهلية وهكذا عزما على حفظ الامر طيّ الكتمان الى ان ينتقم من ذلك الشقي الرحيم الرحمان
وبعد مضي بضع ساعات عادا الى المنزل وتمّ القول بينهما بان الواحد يرسل خاتماً الى الثانية كتقدمة وعلامة خطبة ان لم يتمكن من احضاره شخصياً — الى ان يتم عقد الزواج وهو بعد حول كامل من عهد الخطبة
واذ بلغا البيت اقتبلتهما الام بكل ترحاب مسرورة السرورهما الخارجي وقد أطلعاها على امر الاتفاق عن الخاتم. فاعترفت بذلك وشكرا لها حنوها
وبقوا في ظل الهناء والسرور الوارف حتى غارت شمس الخمسة عشر نهارا وافل بدرها فاستعد ميخائيل للسفر في اليوم الثاني شاغلًا وحنة كل دقيقة من ساعات ذلك النهار وقد أحييا الليل وحركة اللسان لم تقف. حتى اذا ما حان موعد مجيء القطار خرج مودعاً واي قلم يصف تلك الحاميات والشعائر عند المودّع والمشيع