من الملوم/الفصل 17
١٧
وفي الغد باكرًا طلب ميخائيل الى حنة ان تذهب الى المصوّر الشمسي لياخذ رسمها فيحفظه ميخائيل ذكرًا منها ما ظلَّ بعيدًا عنها. وكانت تلك هي المرة الاولى للارتسام ولم تفعل ذلك قبلًا وليس من شانها او ميلها ولكنها حبًا بسائلها ما عتمت ان ذهبت للحال واياه وارتسمت ثلاث هيئات فاخذ منها ستة رسوم واعطاها ثلاثة فقط وكسر بيديه الزجاجات الحاملة الصوَر كيلا يعاد سحبُ شيء عليها وذلك باجماع كل العائلة
اما ميخائيل فقد بعث بثلاثة الى ابويه دمشق الشام وكتب على قفا كل منها فصلًا عن اطوار وخلال وعوائد تلك الابنة واسمها ونسبها دون سابق رمز الى ذلك او اشارة او استشارة عن هذه المهمة
وفي النهار نفسه سطر كتابًا مؤلفاً من خمسة عشر سطرًا بالعربية ودعا حنة فحملها على نقل ذلك بيدها على ورقة بنفس الترتيب فعملت بسرور وتأنٍ اذ جاءت بكتاب ذي كلمات عربية واضحة ذات حركات كما رقمها ذلك الاستاذ العربي للتلميذة الافرنسية اذ يحكم الناظر من ذلك لأول وهلة بان مسطر هذا الكتاب قد تمرّن على الخط العربي لمدة لا تقل عن الثلاث سنين
والاغرب مما ذكر ان حنة قد تعلمت وصارت تميز كل الحروف الهجائية في تغير اشكالها من اول كتاب تكلفت تنميته. وهو (أي الكتاب) نُص ليكون من حنة الى والدي ميخائيل وهذا مختصره:
سيدتي الام سليمة اجابة الى طلب صديقي واخي وحبيبي ميخائيل اكتب اليكِ هذه الرسالة التي ارى تكلفًا والتي فيها اهديك كل سلام زاهٍ زاهر واحترام فائق عاطر. سيدتي انني متشوقة لرؤْيتكِ لما سمعته عن حميد فعالكِ وحسن اقوالكِ. واطلب اليه تعالى ان يمنّ علي بسفر قريب الى دياركِ السورية فاتمتع بمشاهدتكِ وافراد عائلتك الميمونة
قد تستغربين مكاتبتي اياكِ دون سابق معرفة او ذكر شيءٍ عن سر علاقتي مع ولدكِ ميخائيل. فسيكتب اليك هو موضحًا كل امر ومميطًا النقاب عن كل اشكال فبمعرفة السبب يرفع العجب
اطمنكٰ عنا كلينا باننا صحيحا الجسم وكاملا الصحة وفي شوقٍ ذكت ناره للاجتماع بكم جمعاء وأهديكِ الان ثلاثة من رسومي على امل قبولها مني علها تسرّكِ وتكونين بها وعنها راضيةً. وعلى ثقة بان آخذ منكِ رجعى رسالتي بعود البريد وذلك باللغة الافرنسية وبقلم ولدكِ الحبيب حنا
فاقبلي اذًا ما عندي من شعائر الاحترام والمحبة واقبليني كولدٍ لكِ مخلصة الطاعة. وانا اعتبركِ بمثابة والدتي الحنونة
واقدم في الختام لك فروض احتراماتي مع اذكى تحياتي الى لفيف الاسرة الكريمة ودومي في هناءٍ
لولدكِ
حنة
......
فاخذ الكتاب ميخائيل منها منذهلًا من ذكائها الفائق اذ انها انتجت خطًا واضحًا لا يرتاب بكون الكاتب عربياً. فطوى الرسالة وادرجها بطن بطاقة وارفقها بالوكة منه اوضح فيها حقيقة ولباب القصة وكيفية تلك العلاقة من الالف الى الياء. وسأل ذويه آراءهم في هذا الشان مستوليًا انتباههم الى الامر وطالبًا اليهم الاجابة بالايجاب بانيًا قوله على ان ما يسره يعجبهم. وما يرضيه يفوق رضاهم وقبولهم ولذلك فيعتقد بانهم يذعنون الى مطلبه ولا يخيبون طلبه
وعنّ الكتاب وبعث به باسم الرحمان وعلى نية التيسير كيلا يلقي ادني معارضة تجر ذيول التقولات وتضارب الظنون. وسأل الجواب على جناح السرعة واعدًا بانه سيزيد آله ايضاحًا وافادة في هذا الصدد بعد اسبوع
غدت العريضة والرسوم على الطائر الميمون والسريع تطوي البرور والبخور الى ان وقعت في ايدي تلك الام الرؤُوم (سليمة) فطار فؤادها جذلًا اذ ظنت بان ولدها ارسل لها رسومه حسب وعده السابق واذ فضت الغلاف نظرت صوَر بنت مثلثة الرسوم. فراعها ذلك غرابة اذ خالت بان تلك الارسالية ليست اليها لانها لا تحسن القراءَة
فهرعت الى زوجها قائلة ان ناقل البريد قد اعطاني هذه العطية من كتاب ورسوم واذا بها ليست لنا فلعل خطأً حدث فنعيدها الى ادارة البريد
اخذ زوجها ما بيديها وتمعن به ونظر إلى قفا الرسوم متأملاً فيما خط عليه واطرق الى الارض قليلًا ثم فض الرسالة واذا بها مزدوجة بتوقيعين الواحدة باسم ميخائيل والأخرى باسم حنة. ثم اعاد النظر مليًّا الى ما بيديه والتفت الى امرأَته قائلاً:
ابشرك بان ولدك قد حان موعد زواجه وهذه هي العروس المدعوة.....فماذا تعملين? اتذهبين لتشهدي زفافه ام ماذا?
― ابمجرَّد خطأٍ حدث من عمال البريد تريد ان تحوّل الحال ال هزل لتعلم رايي. فبحقي عليك ارجوك ان تخبرني حقيقة الأمر وتطمني في هل هذه الرسالة من ميخائيل ام لا?
― نعم هذه منه وتلك من حنة وهو ذا رسمها مرسل اليكِ وفي كتابه يستشيركِ في امر زواجه بها فانها حسب قوله آيةٌ في الادب والكمال والجمال
― وما هي جنسيتها لانها على ما يبدو لي غير شرقية
― هي افرنسية المشرب واللغة وكنديانية الموطن
― ان كان ذلك صحيحاً ولو كانت حورية من حواري الجنان لما سلمت باجراء ما عزم عليه. آه. انني انتظر اليوم باليوم لاخذ نبأً منه يشعرني بقدومه لاحتضنه واغله بيدي وكل قواي ولا ادعه بعد ذلك يفلت مني فقد تقرح جفناي من دموعي الحارة المنسجمة على خدي اللذين نضبت ماؤُهما كمدا وحزنًا لتنائيه عني
فكيف اشيرُ عليه بعلاقته الدائمة مع تلك الابنة الاجنبية حيث يهجرني مرة واحدة اضطرارًا واجابة لطلب مالكة فؤاده فتتمكن اصوله في تلك الديار ويصبح كالدوحة القديمة التي يتعذر اقتلاعها
ارجوك يا سيدي ان تكتب الى ولدك رسالة ضافية بلهجه قوية ملؤُها نصائح وارشادات واعهد بنباهته عدم الاسترسال في طريق كلها وعوثة الغي والطياشة وايضًا الاذعان لانذارنا لانه مطيع لنا ولو لم يكن كذلك لما استأخذ راينا
فبادر دون تردد الى تنميق كتابك قبل حدوث ما اخشى
هدئي روعك قليلاً وعلينا ان نتوقع تحريرًا آخر منه السنة القادمة فيه اكثر تفصيل واوضح بيان فتروي قليلًا ولا تاخذي لذلك كبير اهمية
فعولا على انتظار كتاب آخر من ولدهما حسبما وعدهما